Полный текст (5 502 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
وأجازت طائفة صومه تطوعا، روى عن عائشة، وأسماء أختها أنهما كانتا تصومان يوم الشك، وقالت عائشة: (لئن أصوم آخر يوم من شعبان أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان) ، وهو قول مالك، والأوزاعى، وأبى حنيفة، وأحمد، وإصحاق. قال ابن القصار: وحجة هذا القول أنا إنما نكره صوم يوم الشك قطعًا أن يكون من رمضان أو على وجه المراعاة خوفا أن يكون من رمضان، فليحق بالفرض ما ليس من جنسه، فأما إذا أخلص النية للتطوع، فلم يحصل فيه معنى الشك، فإنما نيته أنه من شعبان، فهو كما يصومه عن نذر أو قضاء رمضان، وإنما النهى عن أن يصومه على أنه إن كان من رمضان فذاك وإلا فهو تطوع. واختلفوا إذا صامه على أنه من رمضان، قال مالك: سمعت أهل العلم ينهون عن أن يصام اليوم الذى يشك فيه من شعبان إذا نوى به رمضان، ويروى أنه من صامه على غير رؤية، ثم جاء الثبت أنه من رمضان أن عليه قضاءه، قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا. وفيه قول آخر، ذكر ابن المنذر، عن عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن أنه إذا نوى صومه من الليل على أنه من رمضان ثم علم بالهلال أول النهار أو آخره نه يجزئه، وهو قول الثورى، والأوزاعى، وأبى حنيفة، وأصحابه، وذهب ابن عمر إلى أنه يجوز صيامه إذا حال دون منظر الهلال ليلة ثلاثين من شعبان غيم وسحاب ويجزئهم من رمضان، وإن ثبت بعد ذلك أن شعبان من تسع
стр. 1647
وعشرين وبه قال أحمد بن حنبل: وهو قول شاذ، وهذا صوم يوم الشك، وهو خلاف للحديث فلا معنى له، وقول أهل المدينة أولى لنهيه ﵇ أن يتقدم صوم رمضان، ولقول عكرمة، وعمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم.
- بَاب قَوْلِ اللَّهِ تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: ١٨٧] الآية
/ ١٩ - فيه: الْبَرَاءِ: كَانَ أَصْحَابُ النبى، ﵇، إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ كَانَ صَائِمًا، فأَتَى امْرَأَتَهُ، للإفطار، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ، قَالَتْ: لا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِىَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ، ﵇، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ) [البقرة: ١٨٧] الآية فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ) [البقرة: ١٨٧] . قال المؤلف: ذكر إسماعيل بن إسحاق، عن زيد بن أسلم، وإبراهيم التينى، فالا: كان المسلمون فى أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب، إذا نام أحدهم لم يطعم حتى تكون القابلة، فنسخ الله ذلك، وقال مجاهد: كان رجال من المسلمين يختانون أنفسهم فى ذلك، فعفا الله عنهم، وأحل لهم الأكل والشرب والجماع بعد
стр. 1648
الرقاد، وقبله فى الليل كله، وقال ابن عباس: الرفث، الجماع، وقال: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) [البقرة: ١٨٧] الولد، وهو قول مجاهد، والحسن، والضحاك وجماعة، وقال زيد بن أسلم) وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) [البقرة: ١٨٧] الجماع، وقد روى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: ابتغوا ليلة القدر، قال إسماعيل: وقولهم أنه الجماع، فهو مذهب حسن، لأن الذى كتب لهم يدل على أنه شىء لهم فى خاصة أنفسهم، وأنه شىء قد وجب لهم، فكان المعنى، والله أعلم) فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ) [البقرة: ١٨٧] أى: جامعوهن) وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) [البقرة: ١٨٧] أى: ما أحل الله لكم من ذلك بعد أن كان محضورًا عليكم، فهو شىء أوجب لهم، والولد ليس بشىء أوجب لهم ولا كتب لهم لأنه قد يولد لرجل ولا يولد لآخر. وأما رواية أبى الجوزاء عن ابن عباس فى ليلة القدر فهو مما كتب للمسلمين، وهو شىء لا يدفع، غير أن الكلام قد سيق فى معنى الجماع، والله أعلم.
- بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ) [البقرة: ١٨٧] الآية
/ ٢٠ - فِيهِ: الْبَرَاءُ عَنِ النَّبِىِّ ﵇. قَالَ عَدِىِّ: لَمَّا نَزَلَتْ: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ من الفجر) [البقرة ١٨٧] عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أبيض، وإلى عقال أَسْوَدَ،
стр. 1649
فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِى، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِى اللَّيْلِ، فَلا يَسْتَبِينُ لِى، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرْتُ ذلك لَهُ، فَقَالَ: (إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ) . / ٢١ - وفيه: سَهْلِ قَالَ: أُنْزِلَتْ) وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ (وَلَمْ يَنْزِلْ: (مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧] وَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ، رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِى رِجْلِهِ الْخَيْطَ الأبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأسْوَدَ، وَلا يَزَلْ يَأْكُلُ ويشرب حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: (مِنَ الْفَجْرِ (فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِى اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. قال المؤلف: قال أبو عبيد: الخيط الأبيض هو الصبح المصدق، والخيط الأسود هو الليل، والخيط هو النور، قال ابن المذر: اختلف العلماء فى الوقت الذى يحرم فيه الطعام والشراب على من يريد الصوم، فذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعى، وأبو ثور إلى أنه يحرم الطعام والشراب عند اعتراض الفجر الآخر فى الأفق، وروى معنى هذا عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وهو قول عطاء، وعوام علماء الأمصار. وفيه قول ثان رويناه، عن أبى بكر الصديق، وعلى، وحذيفة، وابن مسعود وغيرهم، فروينا عن سالم بن عبيد، أن أبا بكر الصديق نظر إلى الفجر مرتين ثم تسحر فى الثالثة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم أقام بلال الصلاة، وعن على أنه قال حين صلى الفجر: الآن حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وروينا عن حذيفة: أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى، وروينا عن ابن مسعود مثله.
стр. 1650
قال المؤلف: وزاد الطحاوى: فلما صلى حذيفة قال: هكذا فعل رسول الله غير أن الشمس لم تطلع، وروى حماد، عن أبى هريرة أنه سمع النداء والإناء على يده فقال: أحرزتها ورب الكعبة، وقال هشام بن عروة: كان عروة يأمرنا بهذا، يعنى إذا سمع النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضى حاجته منه، ورواه الحسن عن النبى، ﵇، مرسلاً. وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذى يملأ الطرق والبيوت، قال ابن المنذر: فتأول بعضهم قوله فى حديث عدى بن حاتم: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) ، قال: فبياض النهار أن ينتشر فى الطرق والسكك، والبيوت، وقت صلاة المسفرين بصلاة الصبح، وذكر إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت. قال إسحاق: بعد أن ذكر ما ذكرناه عن أبى بكر وعلى وحذيفة: هؤلاء لم يروا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة، رأوا أن تصلى المكتوبة بعد طلوع الفجر المعترض ورأوا الأكل بعد طلوع الفجر المعترض صباحًا حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل، ومال إسحاق إلى القول الأول، ثم قال: من غير أن يطعن على هؤلاء الذين تأولوا الرخصة فى الوقت: فمن أكل فى ذلك الوقت فلا قضاء عليه ولا كفارة إذا كان متأولا. واحتج أصحاب مالك للقول الأول فقالوا: الصائم يلزمه اغتراف طرفى النهار، وذلك لا يكون إلا بتقدم شىء وإن قل من السحر، وأخذ شىء من الليل، لأن عليه أن يدخل فى إمساك أول جزء من
стр. 1651
اليوم بيقين، كما أن عليه أن يدخل فى أول رمضان بيقين، والأكل مناف لأول جزء من الإمساك، فينبغى له أن يقدم الإمساك ليتحقق له أنه حصل فى طلوع الفجر ممسكا، ومن أكل حتى يتبين له الفجر ويعلمه فقد حصل أكلا فى أول اليوم. وذكر الطحاوى حديث حذيفة، ولم يذكر حديث أبى بكر، ولا على، ولا فعل أبى هريرة، وابن مسعود، ثم قال: فدل حديث حذيفة على أن أول وقت الصيام طلوع الشمس، وأن ما قيل طلوع الشمس ففى حكم الليل، وهذا يحتمل عندنا أن يكون بعد ما أنزل الله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) [البقرة: ١٨٧] قبل أن ينزل: (مِنَ الْفَجْرِ (على مكا فى حديث سهل، ثم أنزل الله بعد ذلك: (مِنَ الْفَجْرِ (وذهب علم ذلك على حذيفة، وعلمه غيره، فعمل حذيفة بما علم إذ لم يعلم الناسخ، وعلم غيره، الناسخ فصار إليه، ومن علم شيئا أولى ممن لم يعلمه فدل ما ذركناه على أن الدخول فى الصيام من طلوع الفجر، وعلى أن الخروج منه بدخول الليل، ثم كان قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ (غاية لم يدخلها فى الصيام. قال المؤلف: فكما لم يدخل أول الليل فى الصيام، فكذلك لا يدخل أول النهار فى الإفطار. واختلفوا فيمن أكل وهو شاك فى طلوع الفجر، فقالت طائفة: الأكل والشرب مباح حتى يتيقن طلوع الفجر الآخر. وروى سفيان، عن أبان، عن أنس بن مالك، عن أبى بكر الصديق قال: (إذا
стр. 1652
نظر الرجلان إلى الفجر فقال أحدهما: طلع، وقال الآخر: لم يطلع فليأكلا حتى يتبين لهما) ، وعن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب ما شككت. وروى وكيع، عن عمارة بن زاذان، عن مكحول قال: رأيت عمر أخذ دلوا من زمزم ثم قال لرجلين: أطلع الفجر؟ فقال أحدهما: لا، وقال الآخر: نعم فشرب، ومكحول هذا ليس بالشامى، وهو قول عطاء، وأبى حنيفة، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وأبى ثور، كلهم قال: لا قضاء عليه، وليس كمن يأكل، وهو يشك فى غروب الشمس. وقال مالك: من أكل وهو شاك فى الفجر فعليه القضاء. وقال ابن حبيب: والقضاء عنده استحباب، إلا أن يعلم أنه أكل بعد الفجر فيصير واجبًا كمن أفطر وظن أنه قد أمسى ثم ظهرت الشمس، واحتج ابن حبيب لقول من أباح الأكل بالشك قال: هو القياس، لقول الله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ) [البقرة: ١٨٧] ، قال ابن الماجشون: وهو العلم به، وليس الشك علمًا به، ولكن الاحتياط أن لا يأكل فى الشك. ومن حجة العراقيين فى سقوط القضاء قالوا: إذا شك فى طلوعه فالأصل بقاء الليل، وقد قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (فلم يمنعهم من الأكل حتى يستبين لهم الفجر، قاله الثورى، وهذا قد أكل قبل أن يتبين له، فلا معنى للقضاء. قالوا: ومذهب العلماء البناء على اليقين، ولا يوجب الشىء بالشك، والليل عنده يقينى، فلا يزال إلا بيقين، وبهذا وردت السنة فى
стр. 1653
قوله ﵇: (من شك فى صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليبن على اليقين) ، ومن شك هل زالت الشمس لم تلزمه الصلاة. قالوا: وقد اتفقنا أنه إذا أكل يوم الشك أنه لا قضاء عليه إذا لم يتبين أنه من رمضان، ومسألتنا كذلك، وقد أكل فى زمن يجوز أن يكون من الليل، ويجوز أن يكون من النهار، فلم يلتفت إلى التجويز مع استصحاب حكم الليل، كما لم يوجب الإعادة فى يوم الشك مع استصحاب حكم شعبان. قالوا: وهذه المسألة مبنية على أصولنا فيمن تيقن بالطهارة ثم شك فى الحديث. واحتج أصحاب مالك لإيجاب فقالوا: الطعام والشراب يحرم عند اعتراض الفجر الآخر، وصوم رمضان عليه بيقين، ولا يسقط حكم الصوم إلا بيقين، ومن شك هل أكل بعد الفجر أو قبله فليس يتيقن دخوله فى الإمساك، وهو كمن شك فى غروب الشمس فأكل، وكمن شك فى زوال الشمس فلا تجزئه الصلاة، لأن الوقت عليه بيقين، وكذلك لو شك فى دخول رمضان فصام على الشك لم يجزئه عن رمضان، وكذلك لو شك هل كبر للإحترام لم يجزئه، لأن عليه الدخول فى الصلاة بيقين كما يدخل فى وقتها بيقين، كذلك عليه أن يدخل فى أول جزء من اليوم بيقين، كما عليه أن يدخل فى أول رمضان بيقين، أعنى باعتقاد صحيح، قاله ابن القصار. وقد فرق ابن حبيب بين من أكل وهو شاك فى الفجر، وبين من أكل وهو شاك فى غروب الشمس، وسنذكر ذلك فى باب إذا أفطر فى رمضان ثم طلعت عليه الشمس، إن شاء الله.
стр. 1654
واختلف أصحاب مالك فيمن طلع عليه الفجر، وهو يأكل أو يطأ، فقال ابن القاسم: فليلق ما فى فمه، ولينزل عن امرأته، ولم يفرق بين الأكل والوطء، وقال ابن الماجشون: ليس الأكل كالجماع، لأن إزالته لفرجه جماع بعد الفجر، ولكن لم يبتدئه ولم يتعمده، فعليه القضاء إذا تنحى مكانه، فإن عاد أو خضخض فعليه القضاء والكفار، وهو قول الشافعى. وقال أبو حنيفة والمزنى: لا كفارة عليه، واحتجوا بأنه إذا أولج ثم قال: إن جامعتك فأنت طلق، فلبث فإنه لا حنث عليه ولا مهر، فلم يجعلوا اللبث كالإيلاج فى وجوب المهر والحد، وجعلتم اللبث هاهنا كاٌيلاج فى وجوب الكفار، وفى حديث عدى وسهل أن الحكم للمعانى لا للألفاظ، بخلاف قول أهل الظاهر. وقوله: (فعلموا: إنما يعنى الليل والنهار) ، حجة فى أن النهار من طلوع الفجر، وذكر البخارى فى التفسير زيادة فى حديث عدى بن حاتم، قال: (إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين) ، قال الخطابى: وعريض القفا يفسر على وجهين: أحدهما أن يكون كناية عن العبارة أو سلامة الصدر، يقال للرجل الغبى: إنك لعريض القفا. والوجه الآخر: أن يكون أراد إنك غليظ الرقبة وافر اللحم، لأن من أكل بعد الفجر لم ينهكه الصوم ولم يبن له أثر فيه.
- باب قَوْلِ النَّبِىِّ: (لا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلالٍ
/ ٢٢ - فيه: عَائِشَةَ: أَنَّ بِلالا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كُلُوا وَاشْرَبُوا
стр. 1655
حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ) ، قَالَ الْقَاسِمُ: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلا أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا) . معنى حديث عائشة، ومعنى لفظ الترجمة واحد وإن اختلف اللفظ، ولم يصح عند البخارى عن النبى، ﵇، حديث لفظ الترجمة، واستخرج معناه من حديث عائشة، ولفظ الترجمة رواه، وكيع عن أبى هلال، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله: (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير فى الأفق) ، وقال الترمذى: وهو حديث حسن. قال المهلب: والذى يفهم من اختلاف ألفاظ هذا الحديث أن بلالا كانت رتبته وخطئه أن يؤذن بليل على ما أمره به النبى، ﵇، من الوقت، ليرجع القائم وينبه النائم، وليدرك السحور منهم من لم يتسحر، وقد روى هذا كله ابن مسعود عن النبى، ﵇، فكانوا يتسحرون بعد أذانه. وقال الطحاوى: فى هذا الحديث قرب أذان ابن أم مكنوم من ذانن بلال الذى كان يؤذنه بالليل. قال الداودى: قوله: لم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل ذا ويرقى ذا، وقد قيل له: أصبحت أصبحت، دليل أن ابن أم مكتوم كان يراعى قرب طلوع الفجر أو طلوعه، لأنه لم يكن يكتفى بأذان بلال فى عمل الوقت، لأن بلالا فيما يدل عليه الحديث كان تختلف أوقاته، وإنما حكى من قال: ينزل ذا ويطلع ذا، ما شاهد فى بعض الأوقات، ولو كان فعله لا يختلف اكتفى به النبى، ﵇،
стр. 1656
ولم يقل: (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) ، ولقال: فإذا فرغ بلال فكفوا، ولكنه جعل أول أذا ابن أم مكتوم علامة للكف، ويحتمل أن يكون لابن أم مكتوم من يراعى له الوقت، ولولا ذلك لكان ربما خفى عنه الوقت، ويبين ذلك ما روى ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم قال: كان ابن أم مكتوم ضرير البصر، ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى فروع الفجر: أذن، وقد روى الطحاوى عن على بن معبد، عن روح، عن شعبة، قال: سمعت خبيب بن عبد الرحمن يحدث عن عمته أنيسة، وكانت قد حجت مع النبى أنها قالت: كان إذا نزل بلال وأراد أن يصعد ابن أم مكتوم تعلقوا به وقالوا: كما أنت حتى نتسحر.
- بَاب تعجيل السَّحُورِ
/ ٢٣ - فيه: سَهْلِ قَالَ: (كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِى أَهْلِى، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِى أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ النبى، ﵇ . قال المهلب: قوله: تعجيل السحور، إنما يريد تعجيل الأكل فيه، لمراهقتهم بالأكل والشرب لآخر الليل ابتغاء القوة على الصوم، ولبيان علم الصبح بالفجر الأول ولم يحتج أن يجعل له حريم مع العلم عليه، وروى مالك عن عبد الله بن أبى بكر، قال: سمعت أبى يقول: (كنا ننصرف فى رمضان فنستعجل الخدم بالطعام مخافة
стр. 1657
الفجر) ، وكان رسول الله يغلس بالصبح ليتمكن من طول القراءة وترتيلها، ليدرك المتفهم التفهم والتدبر، وليمتثل قول الله فى الترتيل والتدبير، ولو ترجم له باب: تأخير السحور لكان حسنًا.
- باب قَدْرِ كَمْ بَيْنَ السَّحُورِ وَصَلاةِ الْفَجْرِ
/ ٢٤ - فيه: زَيْدِ ابْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: (تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً) . قال المهلب: هذا يدل على تأخير السحور ليتقوى به على الصوم، وإنما كان يؤخره إلى الفجر الأول الذى هو البياض المعترض فى الأفق، ولذلك جعل الله الفجر الأول حدا للأكل بقدر ما يتم أكله ويطلع الفجر الثانى، ولولا هذا الفجر الأول لصعب ضبط هذا الوقت على الناس، فقيل لهم: إذا رأيتم الفجر الأول فهو نذير بالثانى، وهو بأثره بقدر ما يتعجل الأكل وينهض إلى الصلاة. وفيه: دليل على تقدير الأوقات بأعمال الأبدان، والاستدلال على المغيب بالعادة فى العمل، ألا ترى فى حديث طلوع الشمس من مغربها أنه لا يعرف تلك الليلة التى تطلع من صبيحتها إلا المتهجدون بتقدير الليل بمقدار صلاتهم وقراءتهم المعتادة، والعرب تقدر الأوقات بالأعمال، فيقولون: قدر حلب شاة، وفواق ناقة.
стр. 1658
- باب بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ، ﵇، وَأَصْحَابَهُ وَاصَلُوا وَلَمْ يُذْكَرِ السَّحُورُ
/ ٢٥ - فيه: ابن عمر: أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ: (لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّى أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى) . / ٢٦ - وفيه: أَنَسَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ، ﵇: (تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِى السَّحُورِ بَرَكَةً) . قال ابن المنذر: أجمع العلماء أن السحور مندوب إليه مستحب، ولا مأثم على من تركه، وحض أمته ﵇، عليه ليكون قوة لهم على صيامهم، وروى ابن عباس عن النبى، ﵇، أنه قال: (استعينوا بأكل السحر على صيام النهار، وبقائلة النهار على قيام الليل) ، وقد سماه ﵇ الغداء المبارك من حديث العرباض بن سارية، وروى عمرو بن العاص عن النبى، ﵇، أنه قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) ، ذكر هذه الآثار ابن المنذر. وقول البخارى فى هذه الترجمة أن الرسول وأصحابه واصلوا، ولم يذكر سحوره غفلة منه، لأنه قد خرج فى باب الوصال حديث أبى سعيد أن الرسول قال لأصحابه: (أيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) ، وفهم من ذلك أنه، ﵇، أراد قطع الوصال بالأكل فى السحر فحديث أبى سعيد مفسر يقضى على المجمل الذى لم يذكر فيه سحور، وقد ترجم له البخارى باب: الوصال إلى السحر.
стр. 1659
- باب إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا
وَقَالَتْ أُمَّ الدَّرْدَاءِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لا، قَالَ: إِنِّى صَائِمٌ يَوْمِى هَذَا، وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ. / ٢٧ - فيه: سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ: أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، بَعَثَ رَجُلا يُنَادِى فِى النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: (إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ، أَوْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلا يَأْكُلْ) . قال المؤلف: عرض البخارى فى هذا الباب إجازة صوم النافلة بغير تبييت، وذكر ذلك عن بعض الصحابة، وقد روى عن ابن مسعود، وأبى أيوب الأنصارى أيضًا إجازة ذلك، وذكره الطحاوى عن عثمان بن عفان، وهو قول أبى حنيفة، والثورى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور، كلهم يجيز أن ينوى النافلة بالنهار، واحتجوا بحديث سلمة بن الأكوع هذا وبحديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أن النبى، ﵇، كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: (هل عنكم من غداء؟ فإذا قالوا: لا، قال: فإنى إذا صائم) ، وقال الكوفيون، والشافعى: يجزئه أن ينوى صوم النافلة بعد الزوال. وذهب مالك، وابن أبى ذئب، والليث، والمزنى إلى أنه لا يصح صيام التطوع إلا بنية من الليل كالفرضسواء، وهو مذهب ابن عمر، وعائشة وحفصة، وحجتهم ما رواه الليث عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبى بكر، عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه، عن
стр. 1660
حفصة، عن النبى، ﵇، أنه قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) قال النسائى: الصواب فى هذا الحديث أنه موقوف، لأن يحيى بن أيوب ليس بالقوى. واحتج ابن القصار بعموم هذا القول، ولم يفرق بين فريضة ولا نافلة، واحتج أيضًا بقوله: (الأعمال بالنيات) ، وكل جزء من النهار الإمساك فيه عمل، فلا يصح بغير نية فى الشرع، ولنا أن نقيس الصيام على الصلاة، لأنه لم يختلف فرضها ونفلها فى باب النية. قالوا فى حديث سلمة بن الأكوع: إن صوم عاشوراء منسوخ فنسخت شرائطه، فلا يجوز رد غيره إليه، وحديث عائشة رواه طلحة بن يحيى، واضطرب فى إسناده، فرواه عنه طائفة عن مجاهد، عن عائشة، وروته طائفة عنه عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ومنهم من لا يقول فيه: (إذًا) ويقول: (إنى صائم) . قال ابن القصار: يحتمل أن يكون معناه أن يسألهم ﵇ عن الغداء ليعلم هل عندهم شىء، وهم يظنون أنه يتغدى، وهو ينوى الصوم ليقول لهم: اجعلوه للإفطار، فتسكن نفسه إليه، فلا يتكلف ما يفطر عليه، فلما قالوا له: (لا) قال: (إنى صائم إذا) ، أى أنى كما كنت، أو إنى بمنزلة الصائم، ويحتمل أن يكون عزم على الفطر لعذر وجده، فلما قيل له: ليس عندنا شىء، تمم الصوم، وقال: إنى صائم كما كنت، وإذا احتمل هذا كله لم تخص الظواهر به، والأصول تشهد لما قلنا.
стр. 1661
واحتج الكوفيون بحديث سلمة بن الأكوع، وقالوا: هو حجة لنا فى أن كل صوم فرض فى وقت معين فإنه لا يحتاج إلى تبييت من الليل كالنذر المعين، ويجوز أن ينوى له بالنهار قبل الزوال، وكل صوم واجب فى الذمة ولا يتعلق بوقت معين فلابد فيه من النية فى الليل، قالوا: ألا ترى أن النبى، ﵇، أمر الناس بيوم عاشوراء بعد ما أصبحوا أن يصوموا، وهو يومئذ عليهم فرض كما صار صوم رمضان بعد ذلك على الناس فرضا، وكان تصحيح هذه الأخبار أن يحمل حديث عاشوراء فى صوم الفرض فى اليوم المعين، لأن عاشوراء فرض فى يوم معين كرمضان فرض فى أيام معينة، فلما كان يجزئ صوم عاشوراء من نوى صومه بعد ما أصبح، كذلك شهر رمضان. وقال الأوزاعى: كقول أبى حنيفة، وذهب مالك، والليث، والشافعى، وأحمد إلى أنه لابد فى صوم الفرض من نية متقدمة فى الليل، واحتج ابن القاصر لهم فقال: إنا لا نسلم استدلال من خالفنا بحديث سلمة بن الأكوع أن صوم عاشوراء كان واجبًا، بدليل قوله فيه: (من أكل فليصم) ، فأمر من كان آكلاً بالإمساك، ولم يأمره بالقضاء، ولو كان واجبًا لأمره بقضائه، وقوله ﵇: (نحن أحق بصيامه) ، يدل أنه كان على وجه التطوع حين نسخ برمضان، فزال حكمه، ولو قلنا: إن صومه كان واجبًا، لقلنا: إن صومه إنما وجب فى الوقت الذى أمر به، وقد زال ذلك بزواله، فحصلت النية متقدمة عليه، ولا يقاس عليه وسأتقصى الكلام فى صوم عاشوراء فى بابه بعد هذا، إن شاء الله.
стр. 1662
- باب الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا
/ ٢٨ - فيه: عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ: (أَنْ النَّبىُّ، ﵇، كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ) ، وَقَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُالرَّحْمَنِ، ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ، وَكَانَتْ لأبِى هُرَيْرَةَ هُنَاكَ أَرْضٌ، فَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ لأبِى هُرَيْرَةَ: إِنِّى ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا وَلَوْلا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَىَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ، فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ: كَذَلِكَ حَدَّثَنِى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَهُنَّ أَعْلَمُ، وَقَالَ هَمَّامٌ، وَابْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: (كَانَ النَّبِىُّ، ﵇، يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ) وَالأوَّلُ أَسْنَدُ. وأجمع فقهاء الأمصار على الأخذ بحديث عائشة، وأم سلمة فى من أصبح جنبًا أنه يغتسل ويتم صومه، وقال ابن المنذر: وروى عن الحسن البصرى فى أحد قوليه أنه يتم صومه ويقضيه، وعن سالم بن عبد الله مثله، واختلف فيه عن أبى هريرة، فأشهر قوليه عند أهل العلم: أنه لا صوم له، وفيه قول ثالث عن أبى هريرة، قال: إذا علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم حتى يصبح فهو صائم. وروى ذلك عن طاوس، وعروة بن الزبير، وعن النخعى قول رابع: وهو أن ذلك يجزئه فى التطوع، ولا يجزئه فى الفرض، واحتجوا بحديث أبى هريرة أن النبى، ﵇، قال: (من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم) ، ولم يقل أحد به من فقهاء الأمصار غير الحسن بن صالح.
стр. 1663
واحتج ربيعة بن أبى عبد الرحمن لجماعة الفقهاء بقوله تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧] فأباح لنا الأكل والجماع إلى طلوع الفجر، فوجب أن يقع الغسل بعد طلوع الفجر، ولولا أن الغسل إذا وقع بعد طلوع الفجر أجزأ الصوم لما أباح الجماع إلى وقت طلوعه، ذكره ابن القصار. وقال الطحاوى: وحجة الجماعة حديث عائشة وأم سلمة، وأيضًا فإن أبا هريرة الذى روى حديث الفضل قد رجع عن فتياه إلى قول عائشة وأم سلمة، ورأى ذلك أولى مما حدثه به الفضل عن النبى، ﵇، وروى منصور عن مجاهد، عن أبى بكر بن عبد الرحمن، أن أنا هريرة رجع عن ذلك لحديث عائشة، وروى محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة أنه نزع عن ذلك أيضًا. قال الطحاوى: والنظر فى ذلك أنا رأيناهم قد أجمعوا أن صائمًا لو نام نهارًا فأجنب أن ذلك لا يخرجه عن صومه، فأردنا أن ننظر هل يكون حكم الجنابة إذا طرأت على الصوم خلاف حكم الصوم إذا طرأ عليها؟ فرأينا الأشياء التى تمنع من الدخول فى الصوم من الحيض والنفاس إذا طرأ ذلك على الصوم، أو طرأ عليه الصوم فهو سواء، ألا ترى أنه ليس لحائض أن تدخل فى الصوم وهى حائض، وأنها لو دخلت فى الصوم طاهرًا ثم طرأ عليها الحيض فى ذلك اليوم أنها
стр. 1664
بذلك خارجة من الصوم، وكان حكم الجنابة إذا طرأت على الصوم لم تبطله بإجماعهم، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك إذا طرأ عليها الصوم لم تمنع من الدخول فيه. وفى حديث الباب من الفقه أن الشىء إذا نوزع فيه وجب رده إلى من يظن علمه عنده، لأن أزواج النبى أعلم الناس بهذا المعنى، وفيه: أن الحجة القاطعة عند الاختلاف فيما لا نص فيه سنة رسول الله ﷺ ، وفيه اعتراف العالم بالحق وإنصافه إذا سمع الحجة، وقد ثبت أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من النبى، ﵇، ففى رواية الزهرى، عن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة أنه قال: حدثنيه الفضل بن عباس، وفى رواية المقبرى، عن أبى هريرة، قال: حدثنيه ابن عباس، وفى رواية عمر بن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، عن أبى هريرة، قال: هن أعلم برسول الله منا حدثنيه أسامة بن زيد. ذكره النسائى.
- باب الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فَرْجُهَا .
/ ٢٩ - فيه: عَائِشَةَ: (كَانَ النَّبِىُّ، ﵇، يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَآرِبُ: حَاجَةٌ، قَالَ طَاوُسٌ: أُولِى الإرْبَةِ: الأحْمَقُ لا حَاجَةَ لَهُ فِى النِّسَاءِ. وقال جابر بن زيد: إن نظر فأمنى يتم صومه. والمباشرة والقبلة للصائم حكمهما واحد، وقال أشهب:
стр. 1665
القبلة أيسر من المباشرة، وقال ابن حبيب: المباشرة والملاعبة، والقبلة، وإدامة النظر، والمحادثة تنقص أجر الصائم، وإن لم تفطره. واختلفوا فى المباشرة، فكرهها قوم من السلف، وروى ابن وهب عن ابن أبى ذئب، أن شعبة مولى ابن عباس حدثه أن ابن عباس كان ينهى الصائم عن القبلة، والمباشرة، قال: وأخبرنى رجال من أهل العلم عن ابن عمر مثله، وروى حماد بن سلمة، عن عائشة أنها كرهت ذلك، وروى مثله عن ابن المسيب، وعطاء، والزهرى، ورخص فيه آخرون، روى عن ابن مسعود أنه كان يباشر امرأته نصف النهار، وهو صائم، وعن سعد بن أبى وقاص مثله، وروى أبو قلابة عن مسروق أنه سأل عائشة: ما يحل للرجل من امرأته وهو صائم؟ قالت: كل شىء إلا الجماع، وكان عكرمة يقول: لا بأس بالمباشرة للصائم، لأن الله أحل له أن يأخذ بيدها وأدنى جسدها ولا يأخذ بأقصاه. قال المهلب: وكل من رخص فى المباشرة للصائم فإنما ذلك بشرط السلام مما يخاف عليه من دواعى اللذة والشهوة، ألا ترى قول عائشة عن النبى، ﵇: (وكان أملككم لإربه) . ولهذا المعنى كرهها من كرهها، وروى حماد عن إبراهيم، عن الأسيود: (أنه سأل عائشة عن المباشرة للصائم، فكرهتها، فقلت: بلغنى أن النبى، ﵇، كان يباشر وهو صائم، فقالت: أجل، إن رسول الله كان أملك لإربه من الناس أجمعين) . وحماد عن داود، عن سعيد، عن ابن عباس أن رجلا قال
стр. 1666
له: إنى تزوجت ابنة عم لى جميلة فبنيت فى رمضان، فهل لى إن قبلتها من سبيل؟ قال: هل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال: قبل. قال: فهل لى إلى مباشرتها من سبيل؟ قال: هل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال: فباشر. قال: فهل لى أن أضرب بيدى على فرجها من سبيل؟ قال: هل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال: فاضرب. وقال مالك فى المختصر: لا أحب للصائم فى فرض أو تطوع أن يباشر أو يقبل، فإن فعل ولم يمذ فلا شىء عليه، فإن أمذى فعليه القضاء، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وأحمد بن حنبل، وقال بعض البغداديين من أصحاب مالك: القضاء فى ذلك عندنا استحباب، وروى عيسى عن ابن القاسم أنه إن أنعظ وإن لم يمذ فإنه يقضى، وأنكره سحنون، وهو خلاف قول مالك، وقال أبو حنيفة، والأوزاعى، والشافعى، وأبو ثور: لا شىء عليه إذا أمذى، وهو قول الحسن والشعبى، وحجتهم أن اسم المباشرة ليس على ظاهره، وإنما هو كناية عن الجماع، ولم يختلف العلماء أن قوله تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ (يراد به الجماع، فكل مباشرة اختلفوا فيها فالواجب ردها إلى ما أجمعواعليه منها. واختلفوا إذا باشر أو جامع دون الفرج فأمنى، فقال أبو حنيفة والثورى والشافعى: عليه القضاء فقط، لأن الكفارة إنما تجب عندهم بالإيلاج فى الفرج والجماع التام، وقال عطاء: عليه القضاء مع الكفارة، وهو قول الحسن البصرى، وابن شهاب، ومالك، وابن
стр. 1667
المبارك، وأبى ثور، وإسحاق، وحجة هذا القول أنه إذا باشر أو جامع دون الفرج فأنزل فقد حصل المعنى المقصود من الجماع، لأن الإنزال أقصى ما يطلب من الالتذاذ، وهو من جنس الجماع التام فى إفساد الصوم، فقد وجبت فيه الكفارة.
- باب الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: إِنْ نَظَرَ فَأَمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ. / ٣٠ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ ضَحِكَتْ) . / ٣١ - فيه: أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: (بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﵇، فِى الْخَمِيلَةِ؛ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِى، فَقَالَ: (مَا لَكِ أَنَفِسْتِ) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِى الْخَمِيلَةِ، وَكَانَتْ هِىَ وَرَسُولُ اللَّهِ يَغْتَسِلانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ) . قال ابن المنذر: اختلف العلماء فى القبلة للصائم، فرخص فيها جماعة، روى ذلك عن عمر بن الخطاب، وأبى هريرة، وابن عباس، وعائشة، وبه قال عطاء، والشعبى، والحسن، وهو قول أحمد، وإسحاق، وقال ابن مسعود: إن قبل وهو صائم صام يومًا مكانه، قال الثورى: وهذا لا يؤخذ به، وكره ابن عمر القبلة للصائم، ونهى عنها، وقال عروة: لم أر القبلة للصائم تدعو إلى خير، وذكر الطحاوى عن شعبة، عن عمران بن
стр. 1668
مسلم، عن زاذان، عن عمر بن الخطاب قال: لأن أعض على جمرة أحب إلىّ من أن أقبل وأنا صائم، وروى الثورى عن عمران بن مسلم، عن زاذان، عن ابن عمر مثله، وذكر عن سعيد بن المسيب، قال: الذى يقبل امرأته وهو صائم ينقض صومه، وكره مالك القبلة للشيخ والشاب، وأخذ بقول ابن عمر، وأباحتها فرقة للشيخ وحظرتها على الشاب، روى ذلك عن ابن عباس، ورواه مورق عن ابن عمر، وهو قول أبى حنيفة، والثورى، والأوزاعى، والشافعى. قال الطحاوى: فأما ما روى عن ابن مسعود فقد روى عنه خلافه، روى إسرائيل عن طارق، عن حكيم بن جابر، عن ابن مسعود أنه كان يباشر امرأته وهو صائم، وما ذكره من قول سعيد أنه ينقض صومه فإن ما روى عن رسول الله أنه كان يقبل وهو صائم، أولى من قول سعيد، فلو قال قائل: إنما خص به رسول الله، ألا ترى قول عائشة: (وأيكم كان أملك لإربه من رسول الله) قيل: إن قولها هذا إنما هو على أنها لا تأمن عليهم، ولا يأمنون على أنفسهم ما كان رسول الله يأمن على نفسه، لأنه محفوظ، والدليل على أن القبلة عندها لا تفظر الصائك ما قد رويناه عنها أنها قالت: (ربما قبلنى رسول الله وباشرنى وهو صائم، وأما أنتم فلا بأس للشيخ الكبير الضعيف) ، رواه عمرو بن حريث، عن الشعبى، عن مسروق، عنها، أرادت به أنه لا يخاف من إربه، فدل ذلك أن من لم يخف من القبلة شيئًا وأمن على نفسه أنها له مباحة، وقالت مرة أخرى حين سئلت عن القبلة للصائم، فقالت جوابًا لذلك: (كان
стр. 1669
رسول الله يقبل وهو صائم) ، فلو كان حكم رسول الله عندها فى ذلك بخلاف حكم غيره من الناس، لما كان ما علمته من فعل رسول الله جوابًا لما سئلت عنه من فعل غيره. ويبين ذلك ما رواه مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن رجلا قبل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة زوج النبى فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله كان يقبل وهو صائم، فرجعت فأخبرت ذلك زوجها، فزاده شرا، وقال: لسنا مثل رسول الله، يحل الله لرسوله ما شاء، ثم رجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله فأخبرته، فغضب رسول الله، وقال: والله إنى لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده) . فدل هذا المعنى استواء حكم رسول الله وسائر الناس فى حكم القبلة إّا لم يكن معها الخوف على ما بعدها مما تدعو إليه، ولهذا المعنى كرهها من كرهها، وقال: لا أراها تدعو إلى خير، يريد إذا لم يأمن على نفسه، ليس لأنها حرام عليه، ولكن لا يأمن إذا فعلها أن تغلبه شهوته فيقع فيما يحرم عليه، فإذا ارتفع هذا المعنى كانت مباحة. وقال أبو حنيفة والثورى والأوزاعى والشافعى: إن من قبل فأمذى فلا قضاء عليه، وإن نظر فأمنى لم ينقض صومه، وإن قبل أو لمس فأمنى أفطر ولا كفارة عليه، لأن الكفارة عندهم لا تجب إلا على من أولج فأنزل، وقال مالك: إن قبل فأنزل فعليه القضاء والكفارة، وكذلك إن نظر فتابع النظر، لأن الإنزال هو المبتغى من الجماع،
стр. 1670
وسواء أكان بإيلاج أو غيره، قال: فإن قبل فأمذى، أو نظر فأمذى فعليه القضاء، ولا كفارة عليه ولا قضاء فى ذلك عند الكوفيين، والأوزاعى، والشافعى على ما تقدم فى الباب قبل هذا.
- باب اغْتِسَالِ الصَّائِمِ
وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ ثَوْبًا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَدَخَلَ الشَّعْبِىُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أَوِ الشَّيْءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لا بَأْسَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلْيُصْبِحْ دَهِينًا مُتَرَجِّلا. وَقَالَ أَنَسٌ: إِنَّ لِى أَبْزَنَ أَتَقَحَّمُ فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَسْتَاكُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ، قِيلَ لَهُ طَعْمٌ قَالَ: وَالْمَاءُ لَهُ طَعْمٌ، وَأَنْتَ تتمَضْمِضُ بِهِ، وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا. / ٣٢ - فيه: عَائِشَةُ وأُمِّ سَلَمَةَ: (كَانَ النَّبِىُّ، ﵇، يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِى رَمَضَانَ جنبًا مِنْ غَيْرِ حُلْمٍ، فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ) . وذكر الطحاوى عن الكوفيين أن الصائم لا يفطره الانغماس فى
стр. 1671
الماء، ولم يذكروا كراهية، وقال الليث والشافعى: لا بأس به، وذكر الطحاوى عن مالك أنه كرهه، وروى ابن القاسم عن مالك فى المجموعة أنه لا بأس أن يغتسل الصائم ويتمضمض من العطش خلاف ما ذكره الطحاوى. وقال الحسن بن حى: يكره الانغماس فيه إذا صب على رأسه وبدنه، ولا يكره أن يستنقع فيه، وحديث عائشة وأم سلمة حجة على من كره ذلك، وروى مالك: عن سمى مولى أبى بكر، عن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبى، ﵇: (أن النبى خرج فى رمضان يوم الفتح صائمًا، فلما أتى العرج شق عليه الصيام، فكان يصب على رأسه الماء وهو صائم) . وقال الحسن: رأيت عثمان بن أبى العاص بعرفة وهو صائم يمج الماء ويصب على رأسه. وأما ذوق الطعام للصائم، فقال الكوفيون: إذا لم يدخل حلقه لا يفطره وصومه تام، وهو قول الأوزاعى، وقال مالك: أكرهه ولا يفطره إن لم يدخل حلقه، وهو قول الشافعى، وقال ابن عباس: لا بأس أن تمضغ الصائمة لصبيها الطعام، وهو قول الحسن البصرى، والنخعى، وكره ذلك مالك، والثورى، والكوفيون، وقال الكوفيون: إلا لمن لم تجد بدا من ذلك. وأما الدهن للصائم فاستحبته طائفة، روى عن قتادة أنه قال: يستحب للصائم أن يدهن حتى تذهب عنه غبرة الصوم، وأحازة الكوفيون والشافعى، وقال: لا بأس أن يدهن الصائم شاربه، وممن أجازة الدهن للصائم مطرف: وابن عبد الحكم وأصبغ، ذكره ابن حبيب، وكرهه ابن أبى ليلى.
стр. 1672
واختلفوا فى الكحل للصائم، فرخص فيه ابن أبى أوفى، وعطاء، والشعبى، والزهرى، وهو قول أبى حنيفة، والأوزاعى، والليث، والشافعى، وأبى ثور، وحكاه ابن حبيب عن مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وقال ابن الماجشون: لا بأس بالكحل بالإثمد للصائم، وليس ذلك مما يصام منه، ولو كان ذلك لذكروه كما ذكروا فى المحرم، وأما الكحل الذى يعمل بالعقاقير، ويوجد طعمه، ويخرق إلى الجوف فأكرهه، والإثمد لا يوجد طعمه وإن كان ممسكًا، وإنما يوجد من المسك طعم ريحه لا طعم ذوقه. ورخص فى الإثمد قتادة، وقال ابن أبى ليلى وابن شبرمة: إن اكتحل الصائم قضى يومًا مكانه، وكرهه الثورى وأحمد وإسحاق، وفى المدونة: لا يكتحل الصائم، فإن اكتحل بإثمد أو صبر أو غيره فوصل إلى حلقه يقضى يومًا مكانه، وكره قتادة الاكتحال بالصبر، وأجازه عطاء والنخعى، وسيأتى اختلاف العلماء فى السواك الرطب واليابس فى بابه بعد هذا، إن شاء الله، ويأتى اختلافهم فى المضمضة والاستنشاق للصائم إذا دخل الماء إلى حلقه فى بابه بعد هذا إن شاء الله.
- باب الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا
قَالَ عَطَاءٌ: إِنِ اسْتَنْثَرَ، فَدَخَلَ الْمَاءُ فِى حَلْقِهِ فلا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ دَخَلَ حَلْقَهُ الذُّبَابُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: إِنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
стр. 1673
/ ٣٣ - وفيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (إِذَا نَسِىَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) . قال ابن المنذر: اختلف العلماء فى الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، فقالت طائفة: فلا شىء عليه، روينا هذا القول عن على، وابن عمر، وأبى هريرة، وعطاء، وطاوس، والنخعى، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثورى، والأوزاعى، والشافعى، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق واحتجوا بهذا الحديث وقالت طائفة: عليه القضاء، هذا قول ربيعة، ومالك، وسعيد بن عبد العزيز، واحتج له ربيعة فقال: ما نعلم ناسيًا لشىء من حقوق الله إلا وهو عائد له. قال ابن القصار: والأكل مناف للصوم، وقد تقرر أنه لو أكل وعنده أن الفجر لم يطلع، وكان قد طلع إن عليه القضاء، كذلك إذا وقع فى خلاف الصوم، ولا فرق بين أن يظن أنه يأكل قبل الفجر أو يظن أنه يأكل فى يوم من شعبان أو شوال أن عليه القضاء، واحتج مالك لذلك بقول عمر بن الخطاب: الخطب يسير وقد اجتهدنا. قال مالك: ولا شك أن عمر قضى ذلك اليوم، وذكره ابن وهب، قال ابن المنذر: وحجة القول الأولقوله ﵇ فىلا من أكل أو شرب ناسيًا أنه يتم صومه، وغير جائز أن يأمر من هذه صفته أن يتم صومه فيتمه ويكون غير تام، هذا يستحيل وإذا أتمه فهو صوم تام ولا شىء على من صومه تام. قال المؤلف: فعارض هذا أهل المقالة الثانية وقالوا: أما قوله: (فليتم صومه) ، فمعناه أنه لما كان قبل أكله داخلا فى
стр. 1674
صوم جاز أن يقال له: تتم صومك الذى كنت دخلت فيه، وعليك القضاء، لأنك مفطر قاله ابن القصار، وقال المهلب: معنى قوله (فإن الله أطعمه وسقاه) ، إثبات عذر الناسى وعلة لسقوط الكفارة عنه، وأن النسيان، لا يرفع نية الصوم التى بيتها، فأمره ﵇ بإتمام العمل على النية، وأسقط عنه الكفارة، لأنه ليس كالمنتهك العامد، ووجب عليه القضاء بنص كتاب الله تعالى وهو قوله: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] ، فإن قيل: إنه لم ينقل فى الحديث القضاء، فلا قضاء عليه، قيل: يجوز ألا يشكل القضاء على السائل أو ذكره، ولم ينقل كما لم ينقل فى حديث الذى وطئ أهله فى رمضان القضاء عليه ولا على امرأته، فلا تعلق لهم بهذا. قال ابن القصار: وليس معكم أن قوله ﵇: (فإن الله أطعمه وسقاه) كان فى رمضان، فيحمل الحديث على صوم التطوع، وأنه يكون بذلك مفطرًا، ولا قضاء عليه. وكذلك اختلفوا فيمن جامع ناسيًا فى شهر رمضان، فقالت طائفة: لا شىء عليه. قال ابن المنذر: روينا هذا عن الحسن، ومجاهد، وبه قال الثورى، وأبو حنيفة، والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور، وقالت طائفة: عليه القضاء، روينا هذا عن ابن عباس، وعطاء، وهو قول مالك والليث، والأوزاعى، وفيه قول ثالث: وهو أن عليه القضاء والكفارة، وهو قول ابن الماجشون، وأحمد بن حنبل، ورواية ابن نافع عن مالك، واحتج ابن الماجشون بأن الذى قال للنبى، ﵇: (وطئت أهلى) لم يذكر عمدًا ولا سهوًا، فالناسى
стр. 1675
والعامد سواء، واختاره ابن حبيب. قال ابن القصار: واستدلاله بهذا على وجوب الكفارة خطأ، لأنه ﵇، أوجب عليه الكفارة لعمده، ألا ترى أنه قال له: (هلكت) فلحقه المأثم، والناسى لا يكون هالكًا، لأنه لا مأثم عليه، وهذا خلاف الإجماع فلا يعتد به، وكفارة رمضان إنما تتعلق بالمأثم، بدلالة سقوطها عن الحائض والمسافر والمريض، والناسى أعذر منهم. وقال ابن المنذر: فى قول الرجل للنبى، ﵇: (احترقت) ، وترك النبى إنكار ذلك عليه أبين البيان أنه كان عامدًا، لإجماعهم على سقوط المأثم عمن جامع ناسيًا، ويدل على ذلك قول الرسول: (أين المحترق؟) وغير جائز أن توجب السنة على من وطئ ناسيًا مأثمًا، وإجماع الناس على ارتفاع المأثم عنه. وأما الذباب يدخل حلق الصائم، فروى عن ابن عباس أنه لا شىء عليه، وهو قول مالك، وأبى حنيفة، والشافعى، وأحمد، وإسحاق. قال ابن المنذر: ولم يحفظ عن غيرهم خلافهم. قال ابن القصار: سبق الذباب إلى الحلق لا يمكن التحرز منه، وهو كغبار الطريق والدقيق فلم يكلفه. قال ابن المنذر: وهذا يلزم مالكًا حين أوجب على المرأة توطأ مستكرهة القضاء والكفارة ويلزم من أوجب عليها القضاء، ومن أسقط القضاء عمن دخل حلقه الذباب مغلوبًا عليه لزمه أن يقول مثله فى المرأة التى يستكرهها زوجها أو يأتيها وهى نائمة.
стр. 1676
- باب السِوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لِلصَّائِمِ
وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: (رَأَيْتُ النَّبِىَّ، ﵇، يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لا أُحْصِى، أَوْ أَعُدُّ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِىِّ: (السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) . وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: يَبْتَلِعُ رِيقَهُ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : (لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ) ، وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ. / ٣٤ - وفيه: (عُثْمَانَ أَنَّه تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ) الحديث. واختلف العلماء فى السواك للصائم فى كل وقت من النهار، فأجازه الجمهور، قال مالك أنه سمع أهل العلم لا يكرهون السواك للصائم فى أى ساعات النهار شاء غدوة وعشية، ولم يسمع أحدًا من أهل العلم يكره ذلك ولا ينهى عنه، وقد روى ذلك عن عائشة، وابن عمر، وابن عباس، وبه قال النخعى، وابن سيرين، وعروة، والحسن، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وقال عطاء: أكرهه بعد الزوال إلى آخر النهار من أجل الحديث فى خلوف فم الصائم، وهو قول مجاهد، وإليهخ ذهب الشافعى، وأحمد،
стр. 1677
وإسحاق، وأبو ثور، وحجة القول الأول ما نزعه البخارى من قوله ﵇: (لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) ، وهذا يقتضى إباحته فى كل وقت، وعلى كل حال، لأنه لم يخص الصائم من غيره، وهذا احتجاج حسن لا مزيد عليه. واحتج ابن المنذر بهذا الحديث فى إباحة السواك للمحرم، وقال: هو داخل فى عموم هذا الحديث، قال: ولا أعلم أحدًا من أهل العلم منع المحرم من السواك واختلفوا فى السواك بالعود الرطب للصائم، فرخصت فيه طائفة، روى ذلك عن ابن عمر، وإبراهيم، وابن سيرين، وعروة، وهو قول أبى حنيفة، والثورى، والأوزاعى، والشافعى، وأبى ثور، وكرهت طائفة السواك الرطب، روى ذلك عن الشعبى، وقتادة، والحكم، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والحجة لمن أجاز الرطب أمره ﵇، بالسواك عند كل وضوء، كما لم يخص الصائم من غيره بالإباحة، كذلك لم يخص السواك الرطب من غيره بالإباحة، فدخل فى عموم الإباحة كل جنس من السواك رطبًا أو يابسًا، ولو افترق حكم الرطب واليابس فى ذلك لبينه ﵇، لأن الله فرض عليه البيان لأمته، وحديث عثمان فى الوضوء حجة واضحة فى ذلك وهو انتزاع ابن سيرين حين قال: لا بأس بالسواك الرطب، قيل: له طعم. قال: والماء له طعم، وأنت تتمضمض به، وهذا لا انفكاك منه، لأن الماء أرق من ريق المتسوك وقد أباح
стр. 1678
الله المضمضة بالماء فى الوضوء للصائم، وإنما كرهه من كرهه خشية من ألا يعرف أن يحترس من ازدراد ريقه، قال ابن حبيب: من استاك بالأخضر ومج من فيه ما اجتمع فى فيه، فلا شىء عليه، ولا بأس به للعالم الذى يعرف كيف يتقى ذلك، ومن وصل من ريقه إلى حلقه شىء فعليه القضاء.
- باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﵇: (إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ) ، وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: لا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ، إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ وَيَكْتَحِلُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِى فِيهِ مِنَ الْمَاءِ لا يَضِرُهُ، إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ وَمَاذَا بَقِىَ فِى فِيهِ، وَلا يَمْضَغُ الْعِلْكَ فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ لا أَقُولُ أَنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ. اختلف العلماء فى الصائم يتمضمض أو يستنشق أو يستنثر فيدخل الماء فى حلقه، فقالت طائفة: صومه تام ولا شىء عليه، هذا قول عطاء وقتادة فى الاستنثار، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال الحسن: لا شىء عليه إن مضمض فدخل الماء فى حلقه. وهو قول الأوزاعى، وكان الشافعى يقول: لو أعاد احتياطًا، ولا يلزمه أن يعيد. وقال أبو ثور: لا شىء عليه فى المضمضة والاستنشاق. وإلى هذا ذهب البخارى، وقالت طائفة: يقضى يومًا مكانه. وهذا قول مالك والثورى، وقال أبو حنيفة وأصحابه فى المضمضة: إن كان ذاكرًا لصومه قضى، وإن كان ناسيًا فلا شىء عليه. وفرق آخرون
стр. 1679
بين المضمضة للصلاة المكتوبة والنافلة، فأوجبوا القضاء فى النافلة وأسقطوه فى المكتوبة، روى هذا عن ابن عباس، والنخعى، وابن أبى ليلى، قال ابن القصار: وحجة من أوجب القضاء أنه ليس المضمضة والاستنشاق هما الموصلان الماء إلى جوفه، وإنما توصله المبالغة، والاحتراز منها ممكن فى العادة، وإن لم يبالغ فالمضمضة سبب ذلك أيضًا، وهذا بمنزلة القبيلة إذا حصل معها الإنزال سواء كانت القبلة مباحة أو غير مباحة، لأنه لما كانت القبلة مع الإنزال تفطر، كذلك المضمضة مع الازدراد، وأظن أبا حنيفة إنما فرق بين الذاكر لصومه والناسى على أصله فى كل من أكل ناسيًا فى رمضان أنه لا شىء عليه، وقد تقدم ذلك فى باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، فأغنى عن إعادته، ولا معنى لقول من فرق بين الوضوء للمكتوبة والنافلة بغير دليل ولا حجة. وأما السعوط للصائم فذهب الثورى، وأبو حنيفة، وأصحابه، والأوزاعى، وإسحاق إلى أنه إذا استعط فعليه القضاء، يعنون إذا احتاج إليه للتداوى، وقال مالك: إذا وصل ذلك إلى فمه لضرورته إلى التداوى به فعليه القضاء. وقال الشافعى: إذا وصل طعم ذلك إلى دماغه عليه القضاء، غير أن أل الشافعى أنه لا كفارة على من أكل عمدًا، قال إسحاق: إن دخل حلقه عليه القضاء والكفارة، قال ابن المنذر: وقال قائل: لا قضاء عليه، وقد روينا عن النخعى روايتين: إحداهما كراهية السعود، والأخرى الرخصة فيه. قال المؤلف: والحجة المتقدمة لمن أوجب القضاء فى المضمضة إذا
стр. 1680
أوصل الماء منها إلى الجوف، هى الحجة فى إيجاب القضاء عن السعود إذا وصل ذلك فمه أو جوفه. قال ابن المنذر: وحجة من لم ير القضاء فى ذلك أن القضاء إلزام فرض، ولا يجب ذلك إلا بسنة أو إجماع، وذلك غير موجود، وما حكاه البخارى عن عطاء أنه إن مضمض ثم أفرغ ما فى فيه لم يضره أن يزدرد ريقه وما بقى فى فيه، فلا يوهم هذا أن عطاء يبيح أن يزدرد ما بقى فى فيه من الماء الذى تمضمض به، وإنما أراد أنه إذا مضمض ثم أفرغ ما فى فيه من الماء أنه لا يضره أن يزدرد ريقه خاصة، لأنه لا ماء فى فيه بعد تفريغه له، قال عطاء: وماذا بقى فى فيه؟ هكذا رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء، وأظنه سقط (ذا) للناسخ، والله أعلم. قال ابن المنذر: وأجمعوا أنه لا شىء على الصائم فى ما يزدرده مما يجرى مع الريق مما بين أسنانه من فضل سحور أو غيره مما لا يقدر على إخراجه وطرحه، وكان أبو حنيفة يقول: إذا كان بين أسنانه لحم فأكله متعمدًا فلا قضاء عليه ولا كفارة، وفى قول سائر أهل العلم إما عليه القضاء والكفارة أو القضاء على حسب اختلافهم فيمن أكل عامدًا فى الصيام، قال ابن المنذر: هو بمنزلة الأكل فى الصوم فعليه القضاء. واختلفوا فى مضغ العلك للصائم، فرخصت فيه طائفة، روى ذلك عن عائشة وعطاء، وقال مجاهد: كانت عائشة ترخص فى الغار وحده، وكرهت ذلك طائفة، روى ذلك عن النخعى،
стр. 1681
والشعبى، وعطاء، والكوفيين، والشافعى، وأشهب، وأحمد، وإسحاق، إلا أنه لا يفطر ذلك عند الكوفيين والشافعى، وإسحاق، ولم يذكر عنهم ابن المنذر الفرق بين مجه وازدراده، وعند أصحاب مالك إن مجه فلا شىء عليه، وإن ازدرده فقد أفطر.
- باب إِذَا جَامَعَ فِى رَمَضَانَ
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: (مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ) . وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّعْبِىُّ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادٌ: يَقْضِى يَوْمًا مَكَانَهُ. / ٣٥ - فيه: عَائِشَةَ: (إِنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِىَّ، ﵇، فِى رَمَضَانَ، فَقَالَ له إِنَّهُ احْتَرَقَ، قَالَ: (مَا لَكَ) ؟ قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِى فِى رَمَضَانَ، فَأُتِىَ النَّبِىُّ، ﵇، بِمِكْتَلٍ يُدْعَى الْعَرَقَ، فَقَالَ: (أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ) ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: (تَصَدَّقْ بِهَذَا) . اختلف العلماء فيما يجب على الواطىء عامدًا فى نهار من شهر رمضان، فذكر البخارى عن جماعة من التابعين أن على من أفطر القضاء فقط بغير كفارة، قال المؤلف: فنظرت أقوال التابعين الذين ذكرهم البخارى فى صدر هذا الباب فى المصنفات، فلم أر
стр. 1682
قولهم بسقوط الكفارة إلا فى المفطر بالأكل لا فى المجامع، فيحتمل أن يكون عندهم الآكل والمجامع سواء فى سقوط الكفارة، إذ كل ما أفسد الصيام من أكل وشرب أو جماعة فاسم فطر يقع عليه، وفاعله مفطر بذلك من صيامه، وقد قال ﵇، فى ثواب الصائم: (قال الله تعالى: يدع طعامه وشرابه، وشهوته من أجلى) ، فدخلت فى ذلك أعظم الشهوات، وهى شهوة الجماع. وذكر عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب: ن كل من أكل فى شهر رمضان عامدًا عليه صيام شهر، وذكر عن ابن سيرين: عليه صيام يوم، وأوجب جمهور الفقهاء على المجامع عامدًا الكفارة والقضاء، هذا قول مالك، وعطاء، والثورى، وأبى حنيفة، وأصحابه، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بإعطاء النبى للمحترق المكتل ليتصدق به، قالوا: فثبت بهذا الخبر الكفارة على المجامع، ولا وجه لقول من لم ير الكفارة فى ذلك لخلافهم السنة الثابتة والجمهور، وقد تقدم فى (باب: من أكل وشرب ناسيًا) ، أن فى قول الرجل: إنه احترق، دليلاً أنه كان عامدًا منتهكًا فى وطئه، لأن الله قد رفع الحرج عن السهو والخطأ، ويؤيد هذا قوله ﵇: (أين المحترق؟) فأثبت له حكم العمد بهذا، لأنه لا ينطق عن الهوى. وذكر الطحاوى فى (شرح معانى الآثار) ، قال: ذهب قوم إلى أن من وقع بأهله فى رمضان فعليه أن يتصدق، ولا يجب عليه من الكفارة غير ذلك، واحتجوا بهذا الحديث. ولم يسم القائلين بذلك
стр. 1683
وحديث أبى هريرة أول منه، لأنه قد كان قبل الذى فى حديث عائشة شىء حفظه أبو هريرة ولم تحفظه عائشة، فهو ألو لما زاد فى الحديث من العتق والصيام، فأما قول البخارى: ويذكر عن أبى هريرة: (من أفطر يومًا من رمضان متعمدًا لم يقضه صيام الدهر) ، فرواه الثورى عن حبيب بن أبى ثابت، عن ابن المطوس، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبى، ﵇، وهو حديث ضعيف لا يحتج بمثله، وقد صضحت الكفارة بأسانيد صحاح، ولا تعارض بمثل هذا الحديث، وقال البخارى فى التاريخ: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث، ولا نعرف له غيره، ولا أدرى سمع أبوه من أبى هريرة أم لا، واسمه: يزيد بن المطوس. واختلفوا فيمن أكل عامدًا فى رمضان، فقال مالك: وأبو حنيفة، والثورى، والأوزاعى، وأبو ثور، وإسحاق: عليه ما على المجامع من الكفارة مع القضاء، وهو قول عطاء، والحسن، والزهرى، وقال الشافعى، وأحمد بن حنبل: عليه القضاء دون الكفارة، وهو قول النخعى، وابن سيرين، وقالوا: إن الكفارة إنما وردت فى المجامع خاصة، وليس الآكل مثله بدليل قوله ﵇: (من استقاء فعليه القضاء) ، وهو مفطر عمدًا، وكذلك مزدرد الحصى عمدًا عليه القضاء، وحجة من أوجب الكفارة أن الأكل والشرب فى القياس كالجماع سواء، وأن الصوم فى الشريعة الامتناع من الأكل والشرب والجماع، فإذا ثبت فى الشريعة فى وجه واحد منهما حكم فسبيل نظيره فى ذلك الحكم سبيله، لأن المعنى الجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا، وذلك أن الأكل
стр. 1684
والجماع كانا محرمين فى ليل الصوم بعد النوم، فنسخ الله ذلك رفقًا بعباده، وأباح الجماع والأكل إلى الفجر، وقال تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [البقرة: ١٨٧] ، فبقى الأكل والجماع بالنهار محرمين، وأوجب ﵇ على الواطئ فى رمضان الكفارة، فوجب أن يكون حكم الأكل فى الكفارة مثله، إذ هما فى التحريم سواء. وأما قوله ﵇: (من استقاء فعليه القضاء) ، فقد ثبت بقوله: عليه القضاء أنه مفطر، فإن كان استقاء لحاجة دعته إلى ذلك، فهو كالعليل الذى يحتاج إلى شرب الدواء، وهو مفطر غير مأثوم ولا ممنوع، فلا كفارة عليه، وإن كان لغير حاجة فهو منتهك لحركة الصوم، فعليه الكفارة، وقد أوجب عطاء على المستقىء عمدًا لغير عذر القضاء والكفارة، وهو قول أبى ثور، ويدخل على الشافعى التناقض فى قياسه الأكل على القىء، لأنه فرق بين الأكل والقىء فى المكره، فقال: إذا أكره على الأكل فعليه القضاء، وإن أكره على القىء فلا قضاء عليه، فيلزمه أن يفرق فى الصيام بين القىء والأكل والجماع، ولا يجمع بينها. وقد اختلف الفقهاء فى قضاء ذلك اليوم مع الكفارة، قال مالك: عليه قضاء ذلك اليوم مع الكفارة، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، والثورى، وأبى ثور، وأحمد، وإسحاق، وقال الأوزاعى: إن كفر بالعتق أو الإطعام صام يوًا مكان ذلك اليوم الذى أفطر، وإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم، وقال الشافعى: يحتمل أن تكون الكفارة بدلا من الصيام، ويحتمل أن يكون الصيام مع الكفارة، وأحب إلى أن يكفر
стр. 1685
ويصوم، وحجة من أوجب صوم اليوم مع الكفارة أن الكفارة عقوبة للذنب الذى ركبه، والقضاء بدل من اليوم الذى أفسده، فكما لا يسقط عن المفسد حجه بالوطء إذا أهدى البدن، فكذلك قضاء اليوم، والله أعلم. واعتل من لم يَرَ مع الكفارة صيام اليوم بأنه ليس فى حديث عائشة ولا خبر أبى هريرة فى نقل الحفاظ ذكر القضاء، وإنما فيهما الكفارة فقط، فيقال له: قد روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: (أن أعرابيا جاء ينتف شعره، وقال: يا رسول الله، وقعت على امرأتى فى رمضان، فأمره رسول الله أن يقضى يومًا مكانه) ، وهو من مرسلات سعيد بن المسيب، وهى حجة عند الفقهاء، وكتاب الله يشهد بصحته، وهو قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] ولا تبرأ الذمة إلا بيقين الأداء وهو قضاء اليوم مع الكفارة. واختلفوا فى مقدار الكفارة، فقال مالك والشافعى: الإطعام فى ذلك مد لكل مسكين بمد النبى، ﵇، وقال أبو حنيفة: إن أخرج من البر فنصف صاع لكل مسكين، ومن التمر والشعير صاع، والحجة لمالك أن العرق الذى فى الحديث مبلغه خمسة عشر صاعًا، وذلك ستون مدا. وروى ابن المنذر عن مؤمل بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن منصور، عن الزهرى، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة: أن رجلا أتى النبى فقال: يا رسول الله، إنى وقعت على امرأتى فى رمضان؟ فقال: (أعتق رقبة) ،
следующие страницы →