← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

ولعله كان ذلك توخيًا منه للنشاط على قيام الليل، فإنه كان إذا دخل العشر شد مئزره، ورفع فراشه، لأن الطعام مثقل للبدن، مفتر عن الصلاة، مجتلب للنوم، فكان يؤخر الإصابة من الطعام إلى السحر، إذ كان الله قد أعطاه من القوة على تأخير ذلك إلى ذلك الوقت والصبر عنه ما لم يعط غيره من أمته، وقد بين لهم ذلك بقوله: (إنى لست كهيئتكم إنى أظل يطعمنى ربى ويسقينى) . فأما الصوم ليلاً فلا معنى له، لأنه غير وقت للصوم، لقوله: (إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم) ، أى حل وقت فطره على ما تقدم، وسيأتى فى باب (الوصال) من فعله من السلف، ومن كرهه، وتمام الكلام فيه، إن شاء الله. قال المؤلف: وقوله ﵇: (فاجدح لنا، قال: يا رسول الله لو أمسيت، ثلاثًا) ، فيه من الفقه أن الناس سراع إلى إنكار ما يجهلون، كما فعل خادم النبى، ﵇، حين توقف عن إنقاذ أمره لما جهله من الدليل الذى علمه النبى، ﵇، وفيه أن الجاهل بالشىء ينبغى أن يسمح له فيه المرة والثانية، وتكون الثالثة فاصلة بينه وبين معلمه، كما فعل النبى، ﵇، حين دعا عليه بالويل لكثرة التغيير، وكذلك فعل الخضر بموسى فى الثالثة قال له: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨] ، وذلك كان شرط موسى لنفسه بقوله: (إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى) [الكهف: ٧٦] .

стр. 1717

٤٢ - باب تَعْجِيلِ الإفْطَارِ / ٥٢ - فيه: سَهْلِ، قَالَ ﵇: (لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ) . / ٥٣ - وفيه: ابْنِ أَبِى أَوْفَى، قَالَ: (كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، فِى سَفَرٍ، فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى، قَالَ لِرَجُلٍ: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) ، قَالَ: لَوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى نُمْسِيَ، قَالَ: (فانْزِلْ فَاجْدَحْ لِى، إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) . قال المهلب: إنما حض ﵇ على تعجيل الفطر لئلا يزاد فى النهار ساعة من الليل، فيكون ذلك زيادة فى فروض الله، ولأن ذلك أرفق بالصائم وأقوى له على الصيام، وقد روى محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله: (لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود يؤخرون) . وقال عمرو بن ميمون الأودى: كان أصحاب محمد أسرع الناس فطرًا، وأبطأهم سحورًا. وقال سعيد بن المسيب: كتب عمر إلى أمراء الأجناد: لا تكونوا مسبوقين بفطركم، ولا منتظرين لصلاتكم اشتباك النجوم، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: (سمعت عروة بن عياض يخبر عبد العزيز بن عبد الله أنه يؤمر أن يفطر قبل أن يصلى ولو على حسوة) . وروى أيضًا عبد الرزاق عن صاحب له، عن عوف، عن أبى رجاء قال: (كنت أشهد ابن عباس عند الفطر فى رمضان، فكان يوضع له طعامه، ثم يأمر مراقبًا يراقب الشمس، فإذا قال: قد وجبت، قال: كلوا، ثم قال: كنا نفطر قبل الصلاة) ، وليس ما رواه مالك فى الموطأ، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن: (أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ويفطران بعد الصلاة) ،

стр. 1718

بمخالف لما روى من تعجيل الفطر، لأنهما إنما كانا يراعيان أمر الصلاة، وكانا يعجلان الفطر بعدها من غير كثرة تنقل، لما جاء من تعجيل الفطر، ذكره الداودى. ٤٣ - باب إِذَا أَفْطَرَ فِى رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ / ٥٤ - فيه: أَسْمَاءَ، قَالَتْ: (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رسول الله يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) ، قِيلَ لِهِشَامٍ بن عروة: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدَّ مِنْ القَضَاءٍ؟ وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ هِشَامًا، لا أَدْرِى أَقَضَوْا أَمْ لا. جمهور العلماء يقولون بالقضاء فى هذه المسألة، وقد روى ذلك عن عمر بن الخطاب من رواية أهل الحجاز وأهل العراق، فأما رواية أهل الحجاز، فروى ابن جريج، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: (أفطر الناس فى شهر رمضان فى يوم غيم ثم طلعت الشمس، فقال عمر: الخطب يسير وقد اجتهدنا، نقضى يومًا) ، هكذا قال ابن جريج عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وهو متصل. ورواية مالك فى الموطأ عن زيد بن أسلم، عن أخيه أن عمر. وهى مرسلة، لأن خالد ابن أسلم أخا زيد لم يدرك عمر، وأما رواية أهل العراق، فروى الثورى، عن جبلة بن سحيم بن حنظلة، عن أبيه أنه شهد عمر، فذكر القصة، وقال: (يا هؤلاء، من كان أفطر فإن قضاء يوم يسير) ، وجاء رواية أخرى عن عمر أنه قال: (لا قضاء عليه) . روى معمر، عن الأعمش، عن زيد بن أسلم قال: ' أفطر الناس في زمن عمر، فطلعت، فطلعت الشمس فشق ذلك على) الناس فقالوا:

стр. 1719

نقضي هذا اليوم؟ [فقال عمر] : ولم نقضي؟ والله ما تجانفنا الإثم '. والرواية الأولى أولى بالصواب، وقد روى القضاء عن ابن عباس ومعاوية، وهو قول عطاء، ومجاهد، والزهرى، ومالك، والثورى، وأبى حنيفة، والشافعى، وأحمد، وأبى ثور، وقال الحسن البصرى: لا قضاء عليه كالناسى، وهو قول إسحاق وأهل الظاهر. وحجة من أوجب القضاء إجماع العلماء أنه لو غم هلال رمضان فأفطروا، ثم قامت البينة برؤية الهلال أن عليهم القضاء بعد إتمام صيام يومهم، وقال المهلب: ومن حجتهم أيضًا قول الله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [البقرة: ١٨٧] ، ومن أفطر ثم طلعت الشمس فلم يتم الصيام إلى الليل كما أمره الله فعليه القضاء من أيام أخر بنص كتاب الله. قال ابن القصار: يحتمل ما روى عن عمر أنه قال: (لا نقضى، والله ما تجانفنا الإثم) ، أن يكون ترك القضاء إذا لم يعلم ووقع الفطر على الشك، وتكون الرواية عنه بثبوت القضاء إذا وقع الفطر فى النهار بغير شك. قال المؤلف: وقد ذكرنا فى مسألة الذى يأكل وهو يشك فى الفجر من جعله بمنزلة من أكل وهو يشك فى غروب الشمس، ومن فرق بين ذلك فى باب قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) [البقرة: ١٨٧] الآية، وفرق ابن حبيب بين من أكل وهو يشك فى الفجر وبين من أكل وهو يشك فى غروب الشمس، وأوجب القضاء للشاك فى غروب الشمس، واحتج بأن الأصل بقاء النهار، فلا يأكل حتى يوقن بالغروب، والأصل فى الفجر بقاء الليل، فلا يمسك عن الأكل حتى يوقن بالنهار، وبهذا قال المخالفون لمالك فى هذا الباب.

стр. 1720

٤٤ - باب صَوْمِ الصِّبْيَانِ وَقَالَ عُمَرُ لِنَشْوَانٍ فِى رَمَضَانَ: وَيْلَكَ، صِبْيَانُنَا صِيَامٌ، فَضَرَبَهُ. / ٥٥ - فيه: الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِىُّ، ﵇، غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأنْصَارِ: (مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإفْطَارِ) . أجمع العلماء أنه لا تلزم العبادات والفرائض إلا عند البلوغ، إلا أن كثيرًا من العلماء استحبوا أن يدرب الصبيان على الصيام والعبادات رجاء بركتها لهم، وليعتادوها، وتسهل عليهم إذا لزمتهم، قال المهلب: وفى هذا الحديث من الفقه أن من حمل صبيا على طاعة الله ودربه على التزام شرائعه فإنه مأجور بذلك، وأن المشقة التى تلزم الصبيان فى ذلك غير محاسب بها من حملهم عليها. قال ابن المنذر: واختلفوا فى الوقت الذى يؤمر فيه الصبيان بالصيام، فكان الحسن، وابن سيرين، وعروة، وعطاء، والزهرى، وقتادة، والشافعى يقولون: يؤمر به إذا أطاقه، وقال الأوزاعى: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يخور فيهن ولا يضعف حمل على صوم رمضان، واحتج بحديث ابن أبى لبيبة عن أبيه، عن جده، عن النبى، ﵇، أنه قال: (إذا صام الغلام ثلاثة أيام

стр. 1721

متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان) ، وقال إسحاق: إذا بلغ ثنتى عشرة سنة أحببت له أن يتكلف الصيام للعادة، وقال ابن الماجشون: إذا أطاقوا الصيام ألزموه، فإن أفطروا لغير عذر ولا علة فعليهم القضاء. وقال أشهب: يستحب لهم إذا أطاقوه. ٤٥ - باب الْوِصَالِ وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ فِى اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة ١٨٧] وَنَهَى النَّبِىُّ، ﵇، رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ . / ٥٦ - فيه: أَنَسٍ: قَالَ ﵇: (لا تُوَاصِلُوا، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ، إِنِّى أُطْعَمُ وَأُسْقَى) ، أَوْ إِنِّى أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى. / ٥٧ - وفيه: أَبو سَعِيدٍ: قَالَ ﵇: (لا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ. . .) الحديث. وترجم له باب الوصال إلى السحر، اختلف العلماء فى تأويل أحاديث الوصال، فقال قائلون: إنما هى رسول الله عن الوصال رحمة لأمته وإبقاء عليهم، فمن قدر عليه فلا حرج، لأنه لله تعالى، يدع طعامه وشرابه، وقد واصل جماعة من السلف، ذكر الطبرى بإسناده عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام حتى تيبس أمعاؤه، فإذا كان اليوم السابع أتى بسمن و [. . . . . . .] فتحساه

стр. 1722

حتى يفتق الأمعاء، وعن عبد الرحمن بن أبى نعم أنه كان لا يفطر فى رمضان كله إلا مرتين، وحكى مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير: (أنه كان يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة من رمضان، لا يفرق بينهما، فقيل له: ماذا تجده يقوتك فى وصالك؟ قال: السمن أشربه، أجده يبل عروقى، فأما الماء فإنه يخرج من جسدى) . وأجاز ابن وهب، وأحمد بن حنبل، وإسحاق الوصال من سحر إلأى سحر، واحتجوا بحديث أبى سعيد أن النبى، ﵇، قال: (لا تواوصلوا، وأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) . فأذن فى ذلك لمن أطاقه من أمته على النحو الذى يجوز، وذلك تأخير الأكل إلى السحر، ونهى عنه من كان له غير مطيق بقوله: (فاكلفوا من العمل ما تطيقون) بعد أن بين لهم أنه قد أعطى من القوة على الوصال ما لم يعط غيره بقوله: (إنى لست كهيئتكم، إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى) . فأما الصوم ليلا فلا معنى له، لأن ذلك غير وقت للصوم، كما شعبان غير وقت لصوم شهر رمضان، وكذلك لا معنى لتأخير الأكل إلى السحر لمن كان صائمًا فى رمضان إذا لم يكن تأخيره ذلك طلبًا للنشاط على قيام الليل، لأن فاعل ذلك إن لم يفعله لما ذكرناه فإنه مجيع نفسه فى غير ما فيه لله رضا، فلا معنى لتركه الأكل بعد مغيب الشمس لقوله ﵇: (إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم) ، وكره مالك، والثورى، وأبو حنيفة، والشافعى، وجماعة الوصال على كل حال لمن قدر عليه، ولم يجيزوه لأحد، واحتجوا أنه ﵇ نهى عنه وقال: (إذا نهيتكم عن شىء فانتهوا) . قالوا: ولما

стр. 1723

قال: (لست كهيئتكم) ، أعلمهم أن الوصال لا يجوز لغيره، واحتجوا بقوله ﵇: (إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم) . قالوا: فهذا يدل أن الوصال للنبى، ﵇، خصوص، وأن المواصل لا ينتفع بوصاله، لأن الليل ليس موضعًا للصوم بدليل هذا الحديث، وبقوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] . قال الطبرى: وأما ما روى عن بعض الصحابة وغيرهم من تركهم الأكل الأيام ذوات العدد ليلاً ونهارًا، فإن ذلك كان منهم على أنحاء شتى، فمنهم من كان ذلك منه لقدرته عليه، فيصرف فطره، إذ لم يكن يمنعه تركه من أداء فرائض الله الواجبة عليه إلى أهل الفقر والحاجة، طلب ثواب الله وابتغاء وجهه، مثل ما روى عن الحسن أنه قال: لقد أدركنا أقوامًا، وصحبنا طوائف، إن أحدهم يمسى وما عنده من العشاء إلا قدر ما يكفيه، ولو شاء لأتى عليه، فيقول: ما أنا بآكله حتى أجعل لله منه، ومنهم من كان يفعله استغناء عنه إذا كانت نفسه قد مرنت عليه واعتادته، كما حدثنى أبو كريب عن أبى بكر بن عياش، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمى قال: ربما لبثت ثلاثين يومًا ما أطعم من غير صوم إلا الحبة، وما يمنعنى ذلك من حوائجى، قال الأعمش: وكان إبراهيم التيمى يمكث شهرين لا يأكل، ولكنه كان يشرب شربة نبيذ، ومنهم من كان يفعله منعًا لنفسه شهوتها ما لم تَدْعُهُ إلأيه الضرورة، ولا خاف العجز عن أداء الواجب لله عليه، إرادة منه قهرها، وحملها على الأفضل، كالذى روينا عن مجاهد أنه قال: (لو أكلت كل ما أشتهى ما سويت حشفة) . فما روى عن السلف أنهم كانوا يواصلون الأيام الكثيرة فإنه على بعض هذه الوجوه التى ذكرت، لا أنه كان يصوم الليل، أو على أنه

стр. 1724

كان يرى أن تركه الأكل والشرب فيه كصوم النهار ولو كان ذلك صومًا، كان لمن شاء أن يفرد الليل بالصوم دون النهار، والنهار دون الليل ويقرنهما إذا شاء، وفى إجماع من تقدم وتأخر ممن أجاز الوصال، وممن كرهه، على أن إفراد الليل بالصوم إذا لم يتقدمه صوم نهار تلك الليلة غير جائز، أَدَلُّ الدليل على أن صومه غير جائز، وإن كان تقدمه صوم نهار تلك الليلة. وقوله: (إنى أبيت أطعم وأسقى) ، فيه تأويلان: أحدهما: على ظاهر الحديث يطعمه الله ويسقيه. والثانى: على الاستعارة. والمعنى أن الله تعالى، يرزقه قوة على الصيام كقوة من أكل وشرب، والدليل على صحة هذا القول الآخر أنه لو أطعم وأسقى على الحقيقة لم يكن مواصلاً، ولكان مفطرًا. ٤٦ - باب التَّنْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الْوِصَالَ رَوَاهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِىِّ، ﵇. / ٥٨ - فيه: أَبَو هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْوِصَالِ فِى الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (وَأَيُّكُمْ مِثْلِى، إِنِّى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِ) ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلالَ، فَقَالَ: (لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ) ، كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. قال المهلب: لما نهاهم ﵇ عن الوصال فلم ينتهوا، بين لهم أنه مخصوص بالقوة بقوله: (إنى لست كهيئتكم) ، لأن الله يطعمه ويسقيه، فأرادوا تحمل المشقة فى الاستنان به، والاقتداء

стр. 1725

به، فواصل بهم كالمنكل لهم على تركهم ما أمرهم به من الرخصة، فبان بهذا أن الوصال ليس بحرام، لأنه لو كان حرامًا ما واصل بهم، ولا أتى معهم الحرام الذى نهاهم عنه. ٤٧ - باب مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِى التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ / ٥٩ - فيه: أَبُو جُحَيْفَةَ، قَالَ: آخَى النَّبِىُّ، ﵇، بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِى الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِى النساء فِى الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّى صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا، قَالَ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِىَّ، ﵇، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: (صَدَقَ سَلْمَانُ) . اختلف العلماء فيمن دخل فى صلاة أو صيام تطوع فقطعه عامدًا، فروى عن على بن أبى طالب، وابن عباس، وجابر بن عبد الله نه لا قضاء عليه، وبه قال الثورى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بحديث أبى جحيفة وقالوا: ألا ترى سلمان لما أمر بالفطر

стр. 1726

جوزه النبى، ﵇، وجعله أفقه منه، واحتج ابن عباس لذلك فقال: (مثل ذلك كمثل رجل طاف سبعًا ثم قطعه فلم يوفه، فله ما احتسب، أو صلى ركعة ثم انصرف ولم يصل أخرى، فله ما احتسب، أو ذهب بمال يتصدق به فرجع ولم يتصدق، أو تصدق ببعضه وأمسك بعضًا) ، فكره ابن عمر ذلك وقال: (المفطر متعمدًا فى صوم التطوع ذلك اللاعب بدينه) ، وكره النخعى، والحسن البصرى، ومكحول الفطر فى التطوع، وقالوا: يقضيه، وذكر ابن القصار عن مالك أمنه من أفطر فى التطوع لغير عذر فعليه القضاء، وإن أفطره لعذر فلا قضاء عليه، وقال أ [وحنيفة وأصحابه: عليه القضاء وإن أفطر لعذر. واحتج مالك لمذهبه بما رواه فى (الموطأ) ، عن ابن شهاب أن عائشة، وحفصة زوجى النبى، ﵇، أصبحتا صائمتين متطوعتين، فأهدى لهما طعام، فأفطرتا عليه، فدخل عليهما رسول الله فأخبرتاه بذلك فقال رسول الله: (اقضيا مكانه يومًا آخر) . فكان معنى هذا الحديث عند مالك أنهما أفطرتا بغير عذر، فلذلك أمرهما بالقضاء، ومن حجته أيضًا قوله تعالى: (وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد: ٣٣] ، ومن أفطر متعمدًا بعد دخوله فى الصوم فقد أبطل عمله، وقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) [البقرة: ١٩٦] ، وأجمع المسلمون أن المفسد لحجة التطوع وعمرته أن عليه القضاء، فالقياس على هذا الإجماع يوجب القضاء على مفسد صومه عامدًا، فإن قيل: فقد روى عن النبى، ﵇، أنه قال: (اقضيا إن شئتما يومًا مكانه) قيل: لا يصح، ولو صح لكان معناه أنهما أفطرتا لعذر، فقال لهما: (اقضيا إن شئتما) . وأفطرتا فى حال أخرى لغير

стр. 1727

عذر، فأمرهما بالقضاء حتى لا تتنافى الأحاديث، عن ابن القصار. ومن حجة أبى حنيفة ظاهر حديث مالك أن النبى، ﵇، قال لعائشة وحفصة: (اقضيا يومًا مكانه) ، ولم يشترط ذلك لعذر ولا غيره، فدل أنه موجب للقضاء فى جميع الأحوال. قال الطحاوى: والنظر فى ذلك أنا رأينا أشياء تجب على العباد بإيجابهم لها على أنفسهم، منها الصلاة والصدقة والحج والعمرة والصيام، فكان من أوجب شيئًا من ذلك على نفسه فقال: لله علىّ كذا، وجب الوفاء عليه بذلك، وكان من دخل فى حج أو عمرة تطوعًا ثم أراد الخروج منهما لم يكن له ذلك، وكان بدخوله فيهما فى حكم من قال: لله علىّ حج أو عمرة، فعليه الوفاء بهما، وإن خرج منهما بعذر أو بغير عذر فعليه قضاؤهما، والصلاة والصيام فى النظر كذلك. قال المهلب: وفى حديث أبى جحيفة حُجة لمالك أن من أفطر لعذر أنه لا قضاء عليه، لأن فطر أبى الدرداء إنما كان لوجه من أوجه الاجتهاد فى السنة وسلوك السبيل الوسطى، ولم يكن إفطاره منتهكًا ولا متهاونًا فيجب عليه القضاء، وإنما يجب القضاء على من أفطر متهاونًا بحرمة الصيام لغير عذر ولا وجه من أوجه الصواب. ألا ترى أن ابن عمر لم يجد ما يصفه به إلا أن قال: ذلك المتلاعب بدينه، فإذا لم يكن متلاعبًا وكان لإفطاره وجه لم يكن عليه قضاء، وفيه النهى عن التعمق والغلو فى العبادة. واحتج الشافعى على من احتج عليه بالإجماع فى الحج التطوع والعمرة أنه ليس لأحد الخروج منهما، ومن خرج منهما قضاهما، فإن الصيام قياس على ذلك، فقال: الفرق بين ذلك أن من أفسد

стр. 1728

صلاته أو صيامه أو طوافه كان عاصيًا لو تمادى فى ذلك فاسدًا، وهو فى الحج مأمور بالتمادى فيه فاسدًا، ولا يجوز له الخروج منه حتى يتمه على فساده، ثم يقضيه، وليس كذلك الصوم والصلاة. ٤٨ - باب صَوْمِ شَعْبَانَ / ٦٠ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: (كَانَ ﵇، يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ النبى اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِى شَعْبَانَ) . وَقَالَتْ أيضًا: (لَمْ يَكُنِ النَّبِىُّ، ﵇، يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا. . .) الحديث. قال المهلب: فيه من الفقه أن أعمال التطوع ليست منوطة بأوقات معلومة، وإنما هى على قدر الإرادة لها والنشاط فيها، وقد روى فى بعض الحديث أن هذا الصيام الذى كان يصوم فى شعبان كان لأنه ﵇ يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر كما قال لعبد الله بن عمرو، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فذلك صيام الدهر فكان يلتزم ذلك، فربما شغل عن الصيام أشهرًا فيجمع ذلك كله فى شعبان ليدركه قبل صيام الفرض، وفيه وجه آخر، ذكر الطحاوى، وابن أبى شيبة من حديث يزيد بن هارون، عن صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس، قال: سئل رسول الله أى الصوم أفضل؟ قال: (صوم شعبان تعظيمًا لرمضان) .

стр. 1729

وفيه وجه آخر، ذكر الطحاوى من حديث ابن مهدى، قال: حدثنا ثابت بن قيس أبو الغصن، عن أبى سعيد المقبرى، عن أسامة بن زيد، قال: كان رسول الله يصوم يومين من كل جمعة لا يدعهما: يوم الاثنين والخمس، فقال ﵇: (هذان يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم) ، قال: وما رأيت رسول الله يصوم من شهر ما يصوم من شعبان، فسألته عن ذلك. فقال: (هو شهر ترفع فيه الأعمال لرب العالمين، فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم) . وقول عائشة فى حديث يحيى عن أبى سلمة بأنه كان يصوم شعبان كله، فليس على ظاهره وعمومه، والمراد أكثره لا جميعه، وقد جاء ذلك عنها مفسرًا، روى ابن وهب عن أسامة بن زيد، قال: حدثنى محمد بن إبراهيم، عن أبى سلمة، قال: (سألت عائشة عن صيام رسول الله فقالت كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان يصوم شعبان، أو عامة شعبان) . وروى عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن ابن أبى لبيد، عن أبى سلمة، قال: سألت عائشة عن صيام رسول الله. . .) فذكرت الحديث، وقالت: (ما رأيت رسول الله أكثر صيامًا منه فى شعبان، فإنه كان يصومه كله إلا قليلاً) . وهذه الآثار تشهد لصحتها رواية أبى النضر عن أبى سلمة، عن عائشة: (أنه ما استكمل صيام شهر قط إلا رمضان) ، ومنها حديث ابن عباس الذى فى الباب بعد هذا، فهى أولى من رواية يحيى عن أبى سلمة. وقوله: (فإن الله لا يمل حتى تملوا) ، فإن الله تعالى لا يجوز

стр. 1730

عليه الملل، ولا هو من صفاته، وإنما سمى المجازاة باسم الفعل، وهذا هو أعلى طبقات الكلام، وقد تقدم بيان هذا بزيادة فيه فى كتاب الإيمان فى باب: أحب الدين إلى الله أدومه، وفى آخر كتاب الصلاة فى باب: ما يكره من التشديد فى العبادة. ٤٩ - باب مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِىِّ، ﵇، وَإِفْطَارِهِ / ٦١ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (مَا صَامَ النَّبِىُّ، ﵇، شَهْرًا كَامِلا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لا وَاللَّهِ لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ: لا وَاللَّهِ لا يَصُومُ) . / ٦٢ - وفيه: أَنَس: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَلا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَلا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلا رَأَيْتَهُ، وَلا نَائِمًا إِلا رَأَيْتَهُ. . .) الحديث. قال المهلب: فى هذه الأحاديث من الفقه أن النوافل ليس لها أوقات معلومة، وإنما يراعى فيها وقت النشاط لها والحرص عليها. وفيه أن النبى، ﵇، لم يلزم سرد الصيام الدهر كله، ولا سرد الصلاة الليل كله، رفقًا بنفسه وأمته لئلا يقتدى به فى ذلك فيجحف، وإن كان قد أُعطى ﵇ من القوة فى أمر الله ما لو التزم الصعب منه لم ينقطع عنه فركب من العبادة الطريقة الوسطى، فصام وأفطر، وقام ونام، وبهذا أوصى عبد الله بن عمرو حين أراد التشديد على نفسه فى العبادة فقال: (إنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم) ، فكان إذ كبر يقول: يا ليتنى قبلت رخصة رسول الله ﷺ ) .

стр. 1731

وقوله: (ما مست حريرة ألين من كف رسول الله) . فهذا يدل على كمال فضائل رسول الله خَلْقًا وخُلقًا، وأما طيب رائحته فإنما طيبها الله لمباشرته الملائكة ومناجاته لهم، وقول ابن عباس: (إن النبى، ﵇، ما صام شهرًا كاملا قط غير رمضان) ، يشهد لحديث أبى النضر عن أبى سلمة، عن عائشة بالصحة، وهما مبيِّنان لرواية يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة، عن عائشة (أنه ﵇ كان يصوم شعبان كله) ، أن المراد بذلك أكثره على ما جاء فى حديث محمد بن إبراهيم، وابن أبى لبيد جميعًا عن أبى سلمة المذكورين فى الباب قبل هذا. ٥٠ - باب حَقِّ الضَّيْفِ فِى الصَّوْمِ / ٦٣ - فيه: عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ. . .) فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلىَ قوله: (إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. . .) إِلى آخره. وقد جاء عن النبى، ﵇، إكرام الضيف وبره، وذلك من سنن المرسلين، ألا ترى ما صنع إبراهيم بضيفه حين جاءهم بعجل سمين، وقال ﵇: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ، ومن إكرام الضيف أن تأكل معه، ولا توحشه بأن يأكل وحده، وهو معنى قوله ﵇: (إن لضيفك عليك حقًا) ، يريد أن تطعمه أفضل ما عندك، وتأكل معه، ألا ترى أن أبا

стр. 1732

الدرداء كان صائمًا فزاره سلمان، فلما قرب إلأيه الطعام قال: لا آكل حتى تأكل، فأفطر أبو الدرداء من أجله وأكل معه. والزور: الضيف، والرجل يأتيه زائرًا الواحد والاثنان والثلاثة. والمذكر والمؤنث فى ذلك بلفظ واحد، يقال: هذا رجل زور، ورجلان زور، وقوم زور، فيوحد فى كل موضع، لأنه مصدر وضع موضع الأسماء، مثل ذلك هم قوم صوم وفطر وعدل فى أن المذكر والمؤنث بلفظ واحد. ٥١ - باب حَقِّ الْجِسْمِ فِى الصَّوْمِ / ٦٤ - فيه: عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرِو، قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ: (يَا عَبْدَاللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِذَّا ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ) ، فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَىَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: (فَصُمْ صِيَامَ أَخْىِ دَاوُدَ، وَلا تَزِدْ عَلَيْهِ) ، قُلْتُ: وَمَا صِيَامُ دَاوُدَ نَبِىِّ اللَّهِ؟ قَالَ: (نِصْفَ الدَّهْرِ) ، فَكَانَ عَبْدُاللَّهِ يَقُولُ: بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِى قَبِلْتُ رُخْصَةَ رسول الله) . قال المهلب: وحق الجسم أن يترك فيه من القوة ما يستديم به العمل، لأنه إذا أجهد نفسه قطعها عن العبادة وفترت، وقد جاء فى

стр. 1733

الحديث (أن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى) ، وقال ﵇: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإِنْ قَلَّ) ، وقال: (اكلفوا من العمل ما تطيقون) ، فنهى ﵇ عن التعمق فى العبادة وإجهاد النفس فى العمل خشية الانقطاع، ومتى دخل أحد فى شىء من العبادة لم يصلح له الانصراف عنها. وقد ذم الله من فعل ذلك بقوله: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا) [الحديد: ٢٧] الآية، فوبخهم على ترك التمادى فيما دخلوا فيه، ولهذا قال عبد الله بن عمرو حين ضعف عن القيام بما كان التزمه: (ليتنى قبلت رخصة رسول الله) . ٥٢ - باب صَوْمِ الدَّهْرِ / ٦٥ - فيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنِّى أَقُولُ: وَاللَّهِ لأصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، قَالَ: (فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ) ، قُلْتُ: فَإِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: (فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ) ، قُلْتُ: إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: (فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ) ، فَقُلْتُ: إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ ﵇: (لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) .

стр. 1734

قال المهلب: فيه من الفقه أن التألى على الله فى أمر لا يجد منه سعة ولا إلى غيره سبيلاً منهى عنه، كما نهى النبى، ﵇، عبد الله بن عمرو عن ما تألى فيه من قيام الليل وصيام النهار، وكذلك من حلف ألا يتزوج ولا يأكل ولا يشرب، فهذا كله غير لازم عند أهل العلم لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) [التحريم: ١] وللذى حلف ألا ينكح أن ينكح، وكذلك سائر المحرجات الشاملة مباح له إتيان ما حلف عليه وعليه كفارة اليمين بالله. وفيه: أن التعمق فى العبادة والإجهاد للنفس مكروه لقلة صبر الشر على التزامها لا سيما فى الصيام الذى هو إضعاف للجسم، وقد رخص الله فيه فى السفر، لإدخال الضعف على من تكلف مشقة الحل والترحال، فكيف إذا انضاف ذلك إلى من كلفه الله قتال أعدائه الكافرين حتى تكون كلمة الله هى العليا، ألا ترى أن النبى، ﵇، قال ذلك فى هذا الحديث عن داود: (وكان لا يفر إذا لاقى) ، فإنه أبقى لنفسه قوة، لئلا تضعف نفسه عند المدافعة واللقاء. وقد كره قوم من السلف صوم الدهر، روى ذلك عن عمر، وابن مسعود، وأبى ذر، وسلمان، وعن مسروق، وابن أبى ليلى، وعبد الله بن شداد، وعمرو بن ميمون، واعتلوا بقوله ﵇ فى صيام داود: (لا أفضل من ذلك) . وقوله: (لا صام من صام الأبد، مرتين) ، وقالوا: إنما نهى عن صيام الأبد لما فى ذلك من الإضرار بالنفس، والحمل عليها، ومنعها من الغذاء الذى هو قوامها

стр. 1735

وقوتها على ما هو أفضل من الصوم كالصلاة النافلة وقراءة القرآن والجهاد وقضاء حق الزور والضعيف، وقد أخبر ﵇ بقوله فى صوم داود: (وكان لا يفر إذا لاقى) ، أن من فضل صومه على غيره إنما كان من أجل أنه كان لا يضعف عن القيام بالأعمال التى هى الأفضل من الصوم، وذلك ثبوته لحرب أعداء الله عند التقاء الزحوف، وتركه الفرار منهم، فكان عليه السلاك إذ قضى بصوم داود بالفضل على غيره من معانى الصيام قد بين أن كل من كان صومه لا يورثه ضعفًا عن أداء فرائض الله، وعن ما هو أفضل من صومه، وذلك من نفل الأعمال، وهو صحيح الجسم، فغير مكروه له صومه ذلك. وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شىء من فرائض الله فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عن الفرائض، وأضعفه عما هو أفضل منه من النوافل فإن صومه مكروه، وإن كان غير آثم، وكان ابن مسعود يقل الصوم فقيل له فى ذلك، فقال: إنى إذا صمت ضعفت عن الصلاة، والصلاة أحب إلى من الصوم، وكان أبو طلحة لا يكاد يصوم على عهد النبى من أجل الغزو، فلما توفى النبى، ﵇، ما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى، وقد سرد ابن عمر الصيام قبل موته بسنتين، وسرد الصيام أيضًا أبو الدرداء، وأبو أمامة الباهلى، وعبد الله بن عمرو، وحمزة بن عمرو، وعائشة، وأم سلمة زوجا النبى، وأسماء بنت أبى بكر، وعبد الله وعروة ابنا الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابن سيرين،

стр. 1736

وقالوا: من أفطر الأيام التبى نهى رسول الله عن صيامها، فليس بداخل فى ما نهى عنه من صوم الدهر، وقال مالك فى (المجموعة) : لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام منى، وقد قيل: إن رسول الله إنما قال إذ سئل عن صوم الدهر: (لا صام ولا أفطر) ، لمن صام حتى هلك من صومه، حدثنى بذلك يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن خالد الحذاء، عن أبى قلابة: أن امرأة صامت حتى ماتت فقال النبى، ﵇: (لا صامت ولا أفطرت) ، ومن صام حتى بلغ به الصوم هذا الحد فلا شك أنه بصومه ذلك آثم، قاله الطبرى. ٥٣ - باب حَقِّ الأهْلِ فِى الصَّوْمِ / ٦٦ - فيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو: بَلَغَ النَّبِىَّ أَنِّى أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَأُصَلِّى اللَّيْلَ، فَقَالَ: (صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِيْكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَلِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا) ، قُلْت: إِنِّى لأقْوَى لِذَلِكَ، يَا رَسُولُ الله، قَالَ: (فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلا يَفِرُّ إِذَا لاقَى) ، قَالَ: مَنْ لِى بِهَذِهِ يَا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالَ: (لا صَامَ مَنْ صَامَ الأبَدَ مَرَّتَيْنِ) . وترجم له باب: (صوم يوم وإفطار يوم) ، وباب: (صوم نبى الله داود) . حق الأهل أن يبقى فى نفسه قوة يمكنه معها جماعها، فإنه حق يجب للمرأة المطالبة به لزوجها عند بعض أهل العلم، كما لها المطالبة بالنفقة عليها، فإن عجز عن واحدة منهما طلقت عليه بعد

стр. 1737

الأجل فى ذلك، هذا قول أبى ثور، وحكاه عن أهل الأثر، ذكره ابن المنذر وجماعة الفقهاء على خلافه فى الطلاق إذا عجز عن الوطء، وسيأتى الكلام فى أحكام ذلك فى موضعه من كتاب النكاح، إن شاء الله. ٥٤ - باب صِيَامِ الأَيَّامِ الْبِيضِ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ / ٦٧ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ: أَوْصَانِى النبى، ﵇، بِثَلاثٍ: (صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَىِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) . قال المؤلف: ليس فى حديث أبى هريرة أن الثلاثة الأيام التى أوصاه بها من كل شهر هى الأيام البيض كما ترجم به البخارى، وهى موجودة فى حديث آخر، روى الطبرى، قال: حدثنا مخلد بن الحسن، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقى، عن زيد بن أبى أنيسة، عن أبى إسحاق السبيعى، عن جرير بن عبد الله البجلى، عن النبى، ﵇، أنه قال: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، أيام البيض: صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) ، وروى شعبة، عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن المنهال، عن أبيه، قال: (أمرنى النبى، ﵇، بالأيام البيض، وقال: هو صوم الشهر) . وروى من حديث عمر، وأبى ذر عن النبى، ﵇: أنه قال لأعرابى ذكر له أنه صائم قال: (أين أنت عن العزِّ البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) .

стр. 1738

رواه ابن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن موسى بن طلحة، عن رجل من بنى تميم يقال له: ابن الحَوْتكيّة عن عمرو، وأبى ذر. وممن كان يصوم الأيام البيض من السلف: عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأ [وذر، ومن التابعين الحسن البصرى، والنخعى، وسئل الحسن البصرى لم صام الناس الأيام البيض وأعرابى يسمع، فقال الأعرابى: لأنه لا يكون الكسوف إلآ فيها، ويحب الله ألا تكون فى السماء آية إلا كانت فى الأرض عبادة. قال الطبرى: فاختار هؤلاء صيام هذه الأيام البيض لهذه الآثار، واختار قوم من السلف صيام ثلاثة أيام من كل شهر غير معيَّنة على ظاهر حديث أ [ى هريرة المذكور فى هذا الباب، وروى معمر عن الجريرى، عن أبى العلاء بن الشخير أن أعرابيا سمع النبى، ﵇، قال: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن كثيرًا من وغر الصدر) . قال مجاهد: وغر الصدر: هو غشه. وممن كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويأمر بهن: على بن أبى طالب، ومعاذ بن جبل، وأبو ذر، وأبو هريرة، وكان بعض السلف يختار الثلاثة من أول الشهر، وهو الحسن البصرى، وكان بعضهم يختار الاثنين والخميس، وهى أم سلمة زوج النبى، ﵇، وقالت إنه أمرها بذلك، وكان بعضهم يختار السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الذى يليه الثلاثاء والأربعاء والخميس، ومن الشهر الذى

стр. 1739

يليه كذلك، وهى عائشة أم المؤمنين، ومنهم من كان يصوم آخر الشهر، وهو النخعى ويقول: هو كفارة لما مضى، فأما الذين اختاروا صوم الاثنين والخميس فلحديث أم سلمة وأخبار أخر رويت عن النبى، ﵇، أن الأعمال تعرض على الله فى الاثنين والخميس، فأحبوا أن تعرض أعمالهم على الله وهم صيام، وأما الذين اختاروا ما اختارت عائشة فلئلا يكون يوم من أيام السنة إلا قد صامه، وأما الذين اختاروا ذلك من أول الشهر فلما رواه شيبان عن عاصم بن بهدلة، عن زر عن عبد الله بن مسعود، قال: (كان النبى، ﵇، يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام) . قال الطبرى: والصواب عندى فى ذلك أن جميع الأخبار عن النبى، ﵇، صحاح، ولكن لما صح عنه أنه اختار لمن أراد صوم الثلاثة الأيام من كل شهر الأيام البيض، فالصواب اختيار ما اختار ﵇، وإن كان غير محظور عليه أن يجعل صوم ذلك ما شاء من أيام الشهر، إذ كان ذلك نفلا لا فرضًا. فإن قيل: أو ليس قد قلت أن النبى، ﵇، كان يصوم الاثنين والخميس، ويصوم الثلاثة من غرة الشهر؟ . قيل: نعم، ولا يدل على أن الذى اختار للأعرابى من أيام البيض ليس كما اختار وأن ذلك من فعله دليل على أن أمره للأعرابى ليس بالواجب، وإنما هو أمر ندب وإرشاد، وأن لمن أراد من أمته صوم ثلاثة أيام من كل شهر تخير ما أحب من أيام الشهر، فيجعل صومه فيما اختار من

стр. 1740

ذلك كما كان الرسول يفعله، فيصوم مرة الأيام البيض، ومرة غرة الهلال، ومرة الاثنين والخميس، إذ كان لأمته الاستنان به فيما لم يعلمهم أنه له خاص دونهم، روى ابن القاسم عن مالك فى العتبية أنه كره تعمد صوم الأيام البيض، وقال: ما هذا ببلدنا، وقال: الأيام كلها لله، وكره أن يجعل على نفسه صوم يوم يؤقته أو شهر، قال عنه ابن وهب: فإنه لعظيم أن يجعل على نفسه صوم يوم يؤقته أو شهر كالفرض، ولكن يصوم إذا شاء، ويفطر إذا شاء. قال ابن حبيب: وبلغنى أن صوم مالك بن أنس أول يوم من الشهر واليوم العاشر واليوم العشرون. ٥٥ - باب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ / ٦٨ - فيه: أَنَسٍ: دَخَلَ النَّبِىُّ، ﵇، عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَ: (أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِى سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِى وِعَائِهِ، فَإِنِّى صَائِمٌ) ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لأمِّ سُلَيْمٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى خُوَيْصَّةً، قَالَ: (مَا هِيَ) ؟ قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلا دُنْيَا إِلا دَعَا لِى بِهِ، قَالَ: (اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالاً وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ) ، فَإِنِّى لَمِنْ أَكْثَرِ الأنْصَارِ مَالا، وَحَدَّثَتْنِى ابْنَتِى أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِى مَقْدَمَ الحَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ. فى هذا الحديث حجة لمالك والكوفيين أن الصائم المتطوع لا ينبغى له أن يفطر بغير عذر ولا سبب موجب للإفطار، وليس هذا الحديث بمعارض لإفطار أبى الدرداء حين زاره سلمان وامتنع من الأكل إن لم

стр. 1741

يأكل معه، وهذه توجب الإفطار، لأن للضيف حقا كما قال ﵇. قال المهلب: وفيه أن الصائم إذا دعى إلى طعام فليدع لأهله بالبركة يؤنسهم بذلك ويسرهم، وفيه وجوب الإخبار عن نعم الله عند الإنسان والإعلان بمواهبه، وأن لا يجحد نعمه، وبذلك أمر الله، تعالى، فى كتابه فقال: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: ١١] ، وفيه أن تصغير اسم الرجل على معنى التعطف له، والترحم عليه، والمودة له، لا ينقصه ولا يحطه، وفيه دليل على جواز رد الهدية والطعام المبذول إذا لم يكن فى ذلك سوء أدب على باذله ومُهْديه، ولا نقيصة عليه، ويخص الطعام من ذلاك أنه إذا لم يعلم من الناس حاجة فحينئذ يجمل رده، وإذا علم منهم حاجة فلا يرده ويبذله لأهله، كما فعل ﵇ بأم سليم فى غير هذا الحديث حين بعث هو وأبو طلحة أنسًا إلأيها لتعد الطعام لرسول الله وأصحابه. ٥٦ - باب الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ / ٦٩ - فيه: عِمْرَانَ قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (يَا فُلانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ) ؟ قَالَ: أَظُنُّهُ، قَالَ: يَعْنِى رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ: لا،

стр. 1742

يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ) ، لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِى رَمَضَانَ. وَقَالَ ثَابِتٌ: عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇: (مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ) . قال أبو عبيد: السرار آخر الشهر إذا استسر الهلال، قال ابن قتيبة: ربما استسر القمر ليلة أو ليلتين، قال: ويقال: سرر الشهر وسراره وسره، وسرار أجود، قال الخطابى: وفيه لغات يقال: سَرَرُ الشهر وسَرَارُهُ وسِرُّهُ. قال الطبرى: فالذين اختاروا صيام الثلاثة الأيام من آخر الشهر فإنهم تأولوا أن يكون ذلك كفارة لما مضى من ذنوبهم، ويجوز أن يكون معنى قوله: (سرر هذا الشهر) أى من وسطه، لأنها الأيام الغر التى كان رسول الله ﷺ يأمر بصيامها، وسرارة كل شىء وسطه وأفضله. قال ذو الرمة يصف حمارًا: كأنه عن سرار الأرض محجوم يريد عن وسطها، وهو موضع الكلأ منها، وقال ابن السكيت: سرار الأرض أكرمه وأفضله، وقال الخطابى: قد كان بعض أهل العلم يقول إن سؤاله ﵇ فى هذا الحديث سؤال زجر وإنكار، لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين، ويشبه أن يكون هذا

стр. 1743

الرجل قد كان أوجبهما على نفسه فاستحب له الوفاء بهما، وأن يجعل قضاؤهما فى شوال. ٥٧ - بَاب صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ، يَعْنِى إِذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ، وَلا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ بَعْدَهُ. / ٧٠ - فيه: جَابِر، نَهَى النَّبِىُّ، ﵇، عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. / ٧١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ، ﵇، يَقُولُ: (لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ) . / ٧٢ - وفيه: أَبُو أَيُّوبَ دَخَلَ النَّبِىّ، ﵇، عَلَى جُوَيْرِيَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِىَ صَائِمَةٌ، فَقَالَ: (أَصُمْتِ أَمْسِ) ؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: (تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِى غَدًا) ؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: (فَأَفْطِرِى) ، فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ. اختلف العلماء فى صيام يوم الجمعة، فنهت طائفة عن صومه إلا أن يصام قبله أو بعده على ما جاء فى هذه الآثار، روى هذا القول عن أبى هريرة وسلمان، وروى عن أبى ذر، وعلى بن أبى طالب أنهما قالا: إنه يوم عيد وطعام وشراب، فلا ينبغى صيامه، وهذا

стр. 1744

قول ابن سيرين والزهرى، وبه قال أحمد وإسحاق، ومنهم من قال: يفطر ليقوى على الصلاة فى ذلك اليوم، وروى ذلك عن النخعى، كما قال ابن عمر: لا صيام يوم عرفة بعرفة من أجل الدعاء، وأجازت طائفة صيامه، روى عن ابن عباس أنه كان يصوم يوم الجمعة ويواظب عليه، وقال مالك: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ممن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه، وقيل: إنه ابن المنكدر. وقال الشافعى: لا يبين لى أنه نهى عن صيام يوم الجمعة إلا على الاختيار، وقد روى عن ابن مسعود أنه قال: (ما رأيت النبى ﵇ يفطر يوم الجمعة) رواه شيبان عن عاصم، عن زر، عن عبد الله. ورواه شعبة عن عاصم فلم يرفعه، فهى علة فيه. وروى ليث ابن أبى سليم، عن عمير بن أبى عمير، عن ابن عمر أنه قال: (ما رأيت رسول الله مفطرًا يوم الجمعة قط) وليث ضعيف، وأحاديث النهى أصح. وأكثر الفقهاء على الأخذ بأحاديث الإباحة؛ لأن الصوم عمل بر، فوجب ألا يمنع عنه بدليل لا معارض له. قال المهلب: ويحتمل أن يكون نهيه عن صيام يوم الجمعة والله أعلم خشية أن يستمر الناس الناس على صومه فيفرض عليهم، كما خشى من صلاة الليل، فقطعه لذلك، وخشى أن يلتزم الناس من تعظيم يوم الجمعة ما التزمه اليهود والنصارى فى يوم السبت والأحد من ترك العمل والتعظيم، فأمر بإفطاره، ورأى أن قطع الذرائع أعظم أجرًا من إتمام ما نوى صومه لله. وذكر الطحاوى قال: روى ابن وهب عن معاوية بن صالح، عن أبى بشر، عن عامر ابن لدين الأشعرى أنه سأل أبا هريرة عن صيام

стр. 1745

يوم الجمعة فقال: على الخبير وقعت، سمعت رسول الله يقول: إن يوم الجمعة عيدكم، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده) . فكره رسول الله أن يقصد إليه بعينه بصوم للتفرقة بينه وبين شهر رمضان وسائر الأيام؛ لأن فريضة الله فى رمضان بعينه وليس كذلك سائر الأيام والله أعلم. ٥٨ - باب هَلْ يَخُصُّ مِنَ الأيَّامِ شَيْئًا / ٧٣ - وفيه: عَلْقَمَةَ، قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ النَّبِىّ، ﵇، يَخْصُّ مِنَ الأيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطِيقُ. معناه: أنه كان لا يخص شيئًا من الأيام دائمًا ولا راتبًا، إلا إنه قد عنه ﵇ أنه كان أكثر صيامه فى شعبان، وقد حض ﵇ على صيام الاثنين والخميس، ذكره عبد الرزاق وغيره، لكن كان صيامه ﵇ على حسب نشاطه، فربما وافق الأيام التى رغب فيها، وربما لم يوافقها، وقد روى الطحاوى عن على بن شيبة، حدثنا روح، حدثنا شعبة قال: حدثنا يزيد الرشك، عن معاذة، عن عائشة (أنها سئلت أكان رسول الله يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قالت: نعم، فقيل لها من أيِّه؟ قالت: ما كان يبالى من أى الشهر صامها) .

стр. 1746

٥٩ - باب صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ / ٧٤ - فيه: أُمِّ الْفَضْلِ أَنَّ النَّاسَ تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِى صَوْمِ النَّبِىِّ، ﵇، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ. / ٧٥ - وفيه: مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِى صِيَامِ النَّبِىِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلابٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ فِى الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ. قال ابن المنذر: ثبت أن النبى ﵇ أفطر يوم عرفة، وروى عنه أن صوم عرفة يكفر سنتين، رواه الثورى عن منصور، عن مجاهد، عن حرملة بن إياس الشيبانى، عن أبى قتادة: (أن رسول الله سئل عن صيام يوم عرفة فقال: (يكفر سنتين: سنة ماضية، وسنة مستأخرة) ، ورواه شعبة عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزِّمَّانى، عن أبى قتادة. واختلفوا فى صوم يوم عرفة بعرفة فقال ابن عمر: لم يصمه النبى ﵇ ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، وأنا لا أصومه. وقال ابن عباس يوم عرفة: لا يصحبنا أحد يريد الصيام، فإنه يوم تكبير وأكل وشرب، واختار مالك، وأبو حنيفة، والثورى الفطر، وقال عطاء: من أفطر يوم عرفة ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم، وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة، وكان الحسن يعجبه صوم يوم عرفة، ويأمر به الحاج، وقال: رأيت عثمان بعرفة فى يوم شديد الحر وهو صائم وهم يروحون عنه، وكان

стр. 1747

أسامة بن زيد، وعورة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسعيد بن جبير يصومون بعرفة، وقال قتادة: لا بأس بذلك إذا لم يضعف عن الدعاء، وقال الشافعى: أحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، فأما من حج فأحب أن يفطر ليقوى به على الدعاء، وقال عطاء: أصومه فى الشتاء، ولا أصومه فى الصيف. قال الطبرى: وإنما أفطر ﵇ بعرفة ليدل على أن الاختيار فى ذلك الموضع للحاج الإفطار دون الصوم؛ كيلا يضعف عن الدعاء، وقضاء ما لزمه من مناسك الحج، وكذلك من كره صومه من السلف فإنما كان لما بيناه من إيثرهم الأفضل من نفل الأعمال على ما دونه، وإبقاء على نفسه ليتقوى بالإفطار على الاجتهاد فى العبادة، ومن آثر صومه أراد أن يفوز بثواب صومه لقوله ﵇: (للجنة باب يدعى الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون) . وقال المهلب: فى شربه ﵇ اللبن يوم عرفة أن العيان أقطع الحجج وأنه فوق الخبر، وقد قال ﵇: (ليس الخبر كالمعاينة) . وفيه أن الأكل والشرب فى المحافل مباح إذا كان لتبيين معنَّى، أَوْ دَعَت إليه ضرورة، كما فعل يوم الكديد إذا علم بما يريد بيانه من سنته ﵇، وفيه جواز قبول الهدية من النساء، ولم يسألها إن كان من مالها أو من مال زوجها، إذا كان هذا المقدار لا يتشاح الناس فيه.

стр. 1748

٦٠ - باب صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ / ٧٦ - فيه: عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا، يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ. / ٧٧ - وفيه: أَبُو سَعِيد، نَهَى النَّبِىُّ، ﵇، عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ. قال الطبرى: إن قال قائل: إنك تكره صوم اليوم الذى يشك فيه أنه من رمضان، وصوم أيام التشريق نحو الذى تكره من صوم هذين اليومين، ويروى عن النبى ﵇ من النهى عن صيامها نظير روايتك عنه النهى عن صومهما، ثم تجيز صوم أيام التشريق قضاءً من واجب، وتبيح صوم الشك تطوعًا، فما بال يوم الفطر والأضحى خالفا حكم ذلك، وهل اتفق حكم جميع ذلك كما اتفق النهى عن صوم جميعها. قيل: لم نخالف بين حكم شىء من ذلك إلا لمخالفة الله تعالى بين ذلك، وذلك أن الأمة مجمعة وارثة عن نبيها أن صوم اليومين غير جائز تطوعًا ولا فريضة، وهما يوما عيد، وصحت الأخبار عن النبى ﵇ أنه كان يصوم شعبان فوصله برمضان، وقيام الحجة بأن لم يجد من المتمتعين هديًا صوم أيام منى، فذلك الدليل الثابت على افتراق أحكام ذلك.

стр. 1749

٦١ - باب الصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ / ٧٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَعِيد، نَهَى النَّبِىّ، ﵇، عَنْ صِيَامَيْنِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ. وجَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، قَالَ: أَظُنُّهُ: قَالَ: الاثْنَيْنِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنَهَى رسول الله ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ. قد تقدم أن الأمة مجمعة على أنه لا يجوز صيام يوم الفطر والنحر، ولو نذر ناذر صيام يوم بعينه فوافق ذلك يوم فطر أو أضحى، فأجمعوا أنه لا يصومها. واختلفوا فى قضائهما، فروى عن مالك فى ذلك ثلاثة أقوال، روى ابن وهب عنه أنه لا يقضيهما، وروى ابن القاسم، وابن وهب عنه أنه يقضيهما إلا أن يكون نوى ألا يقضيهما، وبه قال الأوزاعى، وروينا عنه أنه لا يقضيهما إلا أن يكون نوى أن يصومهما، قال ابن القاسم: وقوله: لا قضاء عليه إلا أن ينوى أن يقضيه، أحب إلى، وقال أبو حنيفة وصاحباه: يقضيهما، واختلف قول الشافعى، فمرة قال: يقضيهما، ومرة قال: لا يقضيهما، قال غيره: والقياس ألا قضاء فى ذلك؛ لأنه من نذر صوم يوم بعينه أنه لا يخلو أن يدخل فيه صوم يوم الفطر والأضحى أو لا يدخل، فإن دخل فى نذره فلا يلزمه؛ لأن من قصد إلى نذر صومه لم يلزمه، ونذره باطل، وإن لم يدخل فى نذره فهو أبعد من أن يجب عليه قضاؤه.

стр. 1750

٦٢ - باب صوم أَيَّامِ التَّشْرِيقِ / ٧٩ - فيه: عَائِشَةُ، أنها كانت تَصُومُ أَيَّامَ مِنًى، وَكَانَ أَبُوهَا يَصُومُهَا. / ٨٠ - وفيه: عَائِشَةَ، وابْن عُمَرَ: الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى. قال المؤلف: أيام التشريق هى أيام منى، وهى الأيام المعدودات، وهى الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر من ذى الحجة. قال ابن المنذر: واختلف العلماء فى صيامها، فروى عن ابن الزبير أنه كان يصومها، وعن الأسود بن يزيد مثله، وقال أنس: كان أبو طلحة قل ما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى، وكذلك كان ابن سيرين يصوم الدهر غير هذين اليومين، وكان مالك والشافعى يكرهان صوم أيام التشريق إلا للمتمتع الذى لا يجد الهدى، فيصوم هذه الثلاثة الأيام؛ لأنها فى الحج إذا لم يصمها فى العشر على ما جاء عن عائشة وابن عمر، وروى ذلك عن عبيد ابن عمير وعروة، وهو قول الأوزاعى وإسحاق، ذكره ابن المنذر. وذكر الطحاوى أن هؤلاء أباحوا صيام أيام التشريق للمتمتع والقارن والمحصر إذا لم يجد هديًا ولم يكونوا صاموا قبل ذلك، ومنعوا منها من سواهم، وخالفهم آخرون فقالوا: ليس هؤلاء ولا لغيرهم من الناس أن صوموا هذه الأيام عن شىء من ذلك، ولا عن كفارة، ولا فى تطوع؛ لنهى النبى ﵇ عن ذلك، ولكن على المتمتع والقارن الهدى لتمتعهما وقرانهما، وهدى آخر؛ لأنهما حلا بغير صوم، هذا قول الكوفيين، وهو أحد قولى الشافعى، وذكر ابن المنذر عن على بن أبى طالب أن المتمتع إذا لم يجد الهدى، ولم

стр. 1751

يصم الثلاثة الأيام فى العشر، يصومها بعد أيام التشريق، وهو قول الحسن وعطاء، واحتج الكوفيون بما روى إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه، عن جده قال: (أمرنى رسول الله ﷺ أن أنادى أيام منى أنها أيام أكل وشرب، ولا صوم فيها) يعنى أيام التشريق، وروته عائشة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن حذافة، وأبو هريرة كلهم عن النبى ﵇ فلما تواترت هذه الآثار بالنهى عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى والحاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون ولم يستثن منهم أحدًا، دخل فى ذلك المتمتعون والقارنون وغيرهم، قال ابن القصار: ومن حجة مالك قوله تعالى: (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ) [البقرة: ١٩٦] ، ولا خلاف بين العلماء أن هذه الآية نزلت يوم التروية، وهو الثامن من ذى الحجة، فعلم أنه أباح لهم صومها، وأنهم صاموا فيها؛ لأن الذى بقى من العشر الثامن والتاسع، والثامن الذى نزلت فيه الآية لا يصح صومه؛ لأنه يحتاج إلى تبييت من الليل، والعاشر يوم النحر، والإجماع أنه لا يصام، فعلم أنهم صاموا بعد ذلك. وقول ابن عمر وعائشة: (لم يرخص فى أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى) يرفع الإشكال فى ذلك، قال المهلب: ومن حجة مالك أيضًا قول عمر بن الخطاب فى يوم الفطر والنحر: (هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم،

стр. 1752

والآخر يوم تاكلون فيه من نسككم) ، فخص اليومين بالنهى، وبقيت أيام التشريق مباحة، فأما قوله ﵇: (فإنها أيام أكل وشرب) فإنما يختص بذلك من لم يكن عليه صوم واجب، فعلى هذا تتفق الأحاديث، وفى إباحة صيامها للمتمتع حجة لمالك فيما ترجح قوله فيه فيمن يبتدئ صوم الظهار فى ذى القعدة، وقال: عسى أن يجزئه إن نسى أو غفل إذا أفطر يوم النحر وصام أيام التشريق، ثم وصل اليوم الذى أفطره، رجوت أن يجزئه، ويبتدئه أحب إلى، وإنما قال ذلك؛ لأن صوم المتمع صوم واجب، وإنما ينهى عن صيامها من ليس عليه صوم واجب، وقال غير واحد عن مالك: إن اليوم الرابع لم يختلف قوله فيه، ولا يصام تطوعًا، وقال ابن المنذر: مذهب ابن عمر فى صيام هذه الثلاثة الأيام من حين يحرم بالحج وآخرها يوم عرفة، وهذا معنى قول البخارى عن ابن عمر: (الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة) . قال ابن المنذر: وجماعة الفقهاء لا يختلفون فى جواز صيامها بعد الإجرام بالحج، إلا عطاء فإنه قال: إن صامهن حلالاً أجزأه، وهو قول أحمد بن حنبل، قال أبو بكر: لا يجب الصوم على المتمتع إلا بعد الإحرام، فمن صام قبل ذلك كان تطوعًا، ولا يجزئه عن فرضه، وفى قوله تعالى: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ) [البقرة: ٢٩٦] أبين البيان أنه لا يجزئه صيامها فى غير الحج، وهذا يرد أيضًا ما روى عن على والحسن وعطاء.

стр. 1753

٦٣ - باب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَإِذَا أصبح وَلم ينو الصيام ثُمَّ صام / ٨١ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىُّ، ﵇، يَوْمَ عَاشُورَاءَ: (إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ فطر) . / ٨٢ - وفيه: عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىّ، ﵇، أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. وَقَالَ مُعَاوِيَةَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ النَّبِىّ، ﵇، يَقُولُ: (هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ) . / ٨٣ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَدِمَ النَّبِىُّ، ﵇، الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: (مَا هَذَا) ؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِى إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: (فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) . وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ، ﵇، يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِى شَهْرَ رَمَضَانَ. / ٨٤ - وفيه: سَلَمَةَ، قَالَ: أَمَرَ النَّبِىُّ، ﵇، رَجُلا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِى النَّاسِ: (أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ) .

стр. 1754

اختلفت الآثار فى صوم يوم عاشوراء، فدل حديث عائشة على أن صومه كان واجبًا قبل أن يفرض رمضان، ودل أيضًا أن صومه قد رد إلى التطوع بعد أن كان فرضًا، ودل حديث سلمة أيضًا على وجوبه. قال الطحاوى: وفى أمر النبى ﵇ إياهم بصومه بعد أن أصبحوا دليل على أن من كان فى يوم عليه صومه بعينه، ولم يكن نوى صومه من الليل أنه يجوز أن ينوى صومه بعد ما أصبح إذا كان ذلك قبل الزوال. قال المؤلف: قد تقدمت هذه المسألة والخلاف فيها فى باب (إذا نوى بالنهار صومًا) . قال الطحاوى: ورويت عن الرسول آثار أخر دليل على أن صومه اختيار لا فرض، منها: حديث ابن عباس وذلك أنه أخبر بالعلة التى من أجلها صامه النبى ﵇ وأنه إنما صامه شكرًا لله فى إظهاره موسى على فرعون، فدل ذلك على الاختيار لا على الفرض، وعلى مثل ذلك دل حديث ابن عمر ومعاوية. واختلفت الآثار أى يوم هو يوم عاشوراء، فروى فى حديث الحكم بن الأعرج أنه سأل ابن عباس عنه فقال: (إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائمًا، قلت: كذلك كان يصوم النبى ﵇؟ قال: نعم) . قال المؤلف: وهذا يدل أنه عنده اليوم التاسع، وقد بين ذلك حماد ابن سلمة، عن على بن زيد، عن عمار ابن أبى عمار، عن ابن عباس قال: هو اليوم التاسع. قال الطحاوى: وقد جاء فى حديث الحكم بن الأعرج أنه اليوم العاشر، ذكر عبد الرزاق، عن إسماعيل بن عبد الله، أخبرنى يونس بن عبيد،

стр. 1755

عن الحكم بن الأعرج، عن ابن عباس قال: (إذا أصبحت فعد تسعًا وعشرين يومًا، ثم أصبح صائمًا فهو يوم عاشوراء، يعنى عد من بعد يوم النحر) وكذلك قال الحسن البصرى، وسعيد ابن المسيب: هو اليوم العاشر. وقالت طائفة: يصوم التاسع والعاشر، روى ذلك عن ابن عباس وأبى رافع أصحاب أبى هريرة، وابن سيرين، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق، هذا قول ابن المنذر، وقال صاحب العين: عاشوراء اليوم العاشر من المحرم، وقيل هو التاسع، قال الطحاوى: وقد روى ابن أبى ذئب عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير، عن ابن عباس، عن النبى ﵇ أنه قال: (لئن عشت للعام القابل لأصومن يوم التاسع، عاشوراء) . وقال ابن أبى ذئب مرة فى حديثه (لأصومن عاشوراء، يوم التاسع) خلاف قوله: (لأصومن يوم التاسع) ؛ لأن قوله: (لأصومن عاشوراء، يوم التاسع) إخبار منه أنه يكون ذلك اليوم يوم عاشوراء، وقوله: (لأصومن التاسع) يحتمل لأصومنه مع العاشر لئلا أقصد بصومى إلى يوم عاشوراء بعينه كما تفعل اليهود، ولكنى أخلطه بغيره فأكون قد صمته بخلاف ما تصومه اليهود، وقد روى عن ابن عباس ما دل على هذا المعنى، روى ابن جريح عن عطاء، عن ابن عباس قال: (خالفوا اليهود، صوموا يوم التاسع والعاشر) فدل ذلك على أن ابن عباس صرف تأويل قوله: (لأصومن يوم التاسع) إلى ما صرفناه إليه، وقد جاء ذلك عن رسول الله ﷺ ، روى ابن أبى ليلى عن داود بن على، عن أبيه، عن جده ابن عباس، عن النبى
следующие страницы →