Полный текст (5 502 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
يصم الثلاثة الأيام فى العشر، يصومها بعد أيام التشريق، وهو قول الحسن وعطاء، واحتج الكوفيون بما روى إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه، عن جده قال: (أمرنى رسول الله ﷺ أن أنادى أيام منى أنها أيام أكل وشرب، ولا صوم فيها) يعنى أيام التشريق، وروته عائشة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن حذافة، وأبو هريرة كلهم عن النبى ﵇ فلما تواترت هذه الآثار بالنهى عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى والحاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون ولم يستثن منهم أحدًا، دخل فى ذلك المتمتعون والقارنون وغيرهم، قال ابن القصار: ومن حجة مالك قوله تعالى: (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ) [البقرة: ١٩٦] ، ولا خلاف بين العلماء أن هذه الآية نزلت يوم التروية، وهو الثامن من ذى الحجة، فعلم أنه أباح لهم صومها، وأنهم صاموا فيها؛ لأن الذى بقى من العشر الثامن والتاسع، والثامن الذى نزلت فيه الآية لا يصح صومه؛ لأنه يحتاج إلى تبييت من الليل، والعاشر يوم النحر، والإجماع أنه لا يصام، فعلم أنهم صاموا بعد ذلك. وقول ابن عمر وعائشة: (لم يرخص فى أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى) يرفع الإشكال فى ذلك، قال المهلب: ومن حجة مالك أيضًا قول عمر بن الخطاب فى يوم الفطر والنحر: (هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم،
стр. 1752
والآخر يوم تاكلون فيه من نسككم) ، فخص اليومين بالنهى، وبقيت أيام التشريق مباحة، فأما قوله ﵇: (فإنها أيام أكل وشرب) فإنما يختص بذلك من لم يكن عليه صوم واجب، فعلى هذا تتفق الأحاديث، وفى إباحة صيامها للمتمتع حجة لمالك فيما ترجح قوله فيه فيمن يبتدئ صوم الظهار فى ذى القعدة، وقال: عسى أن يجزئه إن نسى أو غفل إذا أفطر يوم النحر وصام أيام التشريق، ثم وصل اليوم الذى أفطره، رجوت أن يجزئه، ويبتدئه أحب إلى، وإنما قال ذلك؛ لأن صوم المتمع صوم واجب، وإنما ينهى عن صيامها من ليس عليه صوم واجب، وقال غير واحد عن مالك: إن اليوم الرابع لم يختلف قوله فيه، ولا يصام تطوعًا، وقال ابن المنذر: مذهب ابن عمر فى صيام هذه الثلاثة الأيام من حين يحرم بالحج وآخرها يوم عرفة، وهذا معنى قول البخارى عن ابن عمر: (الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة) . قال ابن المنذر: وجماعة الفقهاء لا يختلفون فى جواز صيامها بعد الإجرام بالحج، إلا عطاء فإنه قال: إن صامهن حلالاً أجزأه، وهو قول أحمد بن حنبل، قال أبو بكر: لا يجب الصوم على المتمتع إلا بعد الإحرام، فمن صام قبل ذلك كان تطوعًا، ولا يجزئه عن فرضه، وفى قوله تعالى: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ) [البقرة: ٢٩٦] أبين البيان أنه لا يجزئه صيامها فى غير الحج، وهذا يرد أيضًا ما روى عن على والحسن وعطاء.
стр. 1753
٦٣ - باب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَإِذَا أصبح وَلم ينو الصيام ثُمَّ صام
/ ٨١ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىُّ، ﵇، يَوْمَ عَاشُورَاءَ: (إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ فطر) . / ٨٢ - وفيه: عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىّ، ﵇، أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. وَقَالَ مُعَاوِيَةَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ النَّبِىّ، ﵇، يَقُولُ: (هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ) . / ٨٣ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَدِمَ النَّبِىُّ، ﵇، الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: (مَا هَذَا) ؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِى إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: (فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) . وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ، ﵇، يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِى شَهْرَ رَمَضَانَ. / ٨٤ - وفيه: سَلَمَةَ، قَالَ: أَمَرَ النَّبِىُّ، ﵇، رَجُلا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِى النَّاسِ: (أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ) .
стр. 1754
اختلفت الآثار فى صوم يوم عاشوراء، فدل حديث عائشة على أن صومه كان واجبًا قبل أن يفرض رمضان، ودل أيضًا أن صومه قد رد إلى التطوع بعد أن كان فرضًا، ودل حديث سلمة أيضًا على وجوبه. قال الطحاوى: وفى أمر النبى ﵇ إياهم بصومه بعد أن أصبحوا دليل على أن من كان فى يوم عليه صومه بعينه، ولم يكن نوى صومه من الليل أنه يجوز أن ينوى صومه بعد ما أصبح إذا كان ذلك قبل الزوال. قال المؤلف: قد تقدمت هذه المسألة والخلاف فيها فى باب (إذا نوى بالنهار صومًا) . قال الطحاوى: ورويت عن الرسول آثار أخر دليل على أن صومه اختيار لا فرض، منها: حديث ابن عباس وذلك أنه أخبر بالعلة التى من أجلها صامه النبى ﵇ وأنه إنما صامه شكرًا لله فى إظهاره موسى على فرعون، فدل ذلك على الاختيار لا على الفرض، وعلى مثل ذلك دل حديث ابن عمر ومعاوية. واختلفت الآثار أى يوم هو يوم عاشوراء، فروى فى حديث الحكم بن الأعرج أنه سأل ابن عباس عنه فقال: (إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائمًا، قلت: كذلك كان يصوم النبى ﵇؟ قال: نعم) . قال المؤلف: وهذا يدل أنه عنده اليوم التاسع، وقد بين ذلك حماد ابن سلمة، عن على بن زيد، عن عمار ابن أبى عمار، عن ابن عباس قال: هو اليوم التاسع. قال الطحاوى: وقد جاء فى حديث الحكم بن الأعرج أنه اليوم العاشر، ذكر عبد الرزاق، عن إسماعيل بن عبد الله، أخبرنى يونس بن عبيد،
стр. 1755
عن الحكم بن الأعرج، عن ابن عباس قال: (إذا أصبحت فعد تسعًا وعشرين يومًا، ثم أصبح صائمًا فهو يوم عاشوراء، يعنى عد من بعد يوم النحر) وكذلك قال الحسن البصرى، وسعيد ابن المسيب: هو اليوم العاشر. وقالت طائفة: يصوم التاسع والعاشر، روى ذلك عن ابن عباس وأبى رافع أصحاب أبى هريرة، وابن سيرين، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق، هذا قول ابن المنذر، وقال صاحب العين: عاشوراء اليوم العاشر من المحرم، وقيل هو التاسع، قال الطحاوى: وقد روى ابن أبى ذئب عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير، عن ابن عباس، عن النبى ﵇ أنه قال: (لئن عشت للعام القابل لأصومن يوم التاسع، عاشوراء) . وقال ابن أبى ذئب مرة فى حديثه (لأصومن عاشوراء، يوم التاسع) خلاف قوله: (لأصومن يوم التاسع) ؛ لأن قوله: (لأصومن عاشوراء، يوم التاسع) إخبار منه أنه يكون ذلك اليوم يوم عاشوراء، وقوله: (لأصومن التاسع) يحتمل لأصومنه مع العاشر لئلا أقصد بصومى إلى يوم عاشوراء بعينه كما تفعل اليهود، ولكنى أخلطه بغيره فأكون قد صمته بخلاف ما تصومه اليهود، وقد روى عن ابن عباس ما دل على هذا المعنى، روى ابن جريح عن عطاء، عن ابن عباس قال: (خالفوا اليهود، صوموا يوم التاسع والعاشر) فدل ذلك على أن ابن عباس صرف تأويل قوله: (لأصومن يوم التاسع) إلى ما صرفناه إليه، وقد جاء ذلك عن رسول الله ﷺ ، روى ابن أبى ليلى عن داود بن على، عن أبيه، عن جده ابن عباس، عن النبى
стр. 1756
عليه السلام فى صوم يوم عاشوراء: (صوموه وصوموا قبله يومًا أو بعده، ولا تشبهوا باليهود) فثبت بهذا الحديث أن رسول الله ﷺ أراد بصوم يوم التاسع أن يدخل صوم يوم عاشوراء فى غيره من الصيام حتى لا يكون مقصودًا بعينه كما جاء عنه فى صيام يوم الجمعة، روى سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله ابن عمرو قال: (دخل النبى ﵇ على جويرية يوم جمعة وهى صائمة، فقال لها: (أصمت أمس؟) قالت: لا، قال: (وتصومين غدًا؟) قالت: لا، قال: (فأفطرى إذًا) قال الطحاوى: ووجه كراهيته إفراد هذه الأيام بالصيام التفرقة بين شهر رمضان وبين سائر ما يصوم الناس غيره؛ لأن شهر رمضان مقصود إليه بعينه لفرضه بعينه، وغيره من الشهور ليس كذلك، وبهذا كان يأخذ ابن عمر فكان لا يصوم عاشوراء إلا أن يوافق صومه. وقال الطبرى: كراهية ابن عمر لصيامه نظير كراهية من كره صوم رجب إذ كان شهر تعظمه الجاهلية، فكره أن يعظم فى الإسلام ما كان يعظمه أهل الجاهلية من غير تحريم صومه إذا ابتغى بصومه ثواب الله لا مريدًا به إحياء سنة أهل الشرك. وقد جاء فى فضل يوم عاشوراء ما روى شعبة عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد، عن أبى قتادة، عن النبى ﵇ قال فى صوم يوم عاشوراء: (إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله) ، وكان يصومه من السلف: على بن أبى طالب، وأبو موسى، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وأمر بصومه أبو بكر وعمر. فإن قيل: فقد رخص فى صيام أيام بعينها مقصودة بالصوم، وهى
стр. 1757
الأيام البيض، فهذا دليل أنه لا بأس بالقصد بالصوم إلى يوم بعينه. قال الطحاوى: قيل له: إنه قد قيل إن الأيام البيض إنما أمر بصومها؛ لأن الكسوف يكون فيها، ولا يكون فى غيرها، وقد أمر بالتقرب إلى الله بالصلاة والعتاق وغير ذلك من أعمال البر عند الكسوف، فأمر بصيام هذه الأيام، ليكون ذلك برًا مفعولاً بعقب الكسوف، فذلك صيام غير مقصود به إلى يوم لعلته فى نفسه، ولكنه مقصود به فى وقت شكره لله لعرض كان فيه، فلا بأس بذلك، فكذلك صيام يوم الجمعة إذا صامه رجل لعارض من كسوف شمس أو قمر أو شكر الله لمعنى فلا بأس بذلك وإن لم يصم قبله يومًا ولا بعده يومًا. وعاشوراء وزنه: فاعولا، وهو من أبنية المؤنث، وهو صفة لليلة، واليوم مضاف إليها، وعلى ما حكاه الخليل أنه اليوم التاسع يكون عاشوراء صفة لليوم، فيقال: سوم عاشوراء، وينبغى ألا يضاف إلى اليوم؛ لأن فيه إضافة الشىء إلى نفسه، ومن جعل عاشوراء صفة لليلة فهو أصح فى اللغة، وهو قول من يرى أنه اليوم العاشر، وقال الداودى: قول معاوية: (أين علماؤكم؟) . يدل أنه سمع شيئًا أنكره، إما أن سمع قول من لا يرى بصومه فضلاً، أو سمع قول من يقول إنه فرض، فذكر ما روى فيه. وليوم عاشوراء فضائل منها: ما ذكر فى الحديث أن الله فرق فيه البحر لموسى بن عمران، وغرق فرعون وجنوده، ومنها ما روى معمر عن قتادة قال: ركب نوح فى السفينة فى رجب فى عشر بقين منه، ونزل من السفينة يوم عاشوراء. وقال عكرمة: هو يوم تاب الله
стр. 1758
فيه على آدم. وقال ابن حبيب: وفيه أخرج يوسف من الجب، وفيه نَجَّى الله يونس من بطن الحوت، وفيه تاب الله على قوم يونس، وفيه ولد عيسى بن مريم، وفيه تكسى الكعبة البيت الحرام فى كل عام. وروى شعبة، عن أبى الزبير، عن جابر، عن النبى ﷺ قال: (من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر السنة) قال جابر وأبو الزبير وشعبة: جربناه فوجدناه كذلك، وقاله يحيى بن سعيد وابن عيينة أيضًا.
٦٤ - باب فَضْلِ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ
/ ٨٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِرَمَضَانَ: (مَنْ قَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِى خِلافَةِ أَبِى بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ. / ٨٦ - وفيه: ابْن عَبْدٍالْقَارِىِّ، خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ لَيْلَةً فِى رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّى الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّى الرَّجُلُ فَيُصَلِّى بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّى أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِى يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنِ الَّتِى يَقُومُونَ، يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ.
стр. 1759
/ ٨٧ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِى الْمَسْجِدِ، وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَصَلَّى فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَىَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّى خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا) ، فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأمْرُ عَلَى ذَلِكَ. / ٨٨ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: لم يكن رسُولُ اللَّهِ يَزِيدُ فِى رَمَضَانَ وَلا فِى غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّى أَرْبَعًا، فَلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ أَرْبَعًا، ثُمَّ ثَلاثًا. . . الحديث. قوله: (من قام رمضان إيمانًا) يعنى مصدقًا بما وعد الله من الثواب عليه، وقوله: (احتسابًا) يعنى يفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى. وفى جمع عمر الناس على قارئ واحد دليل على نظر الإمام لرعيته فى جمع كلمتهم وصلاح دينهم، قال المهلب: وفيه أن اجتهاد الإمام ورأيه فى السنن مسموع منه مؤتمر له فيه، كما ائتمر الصحابة لعمر فى جمعهم على قارئ واحد؛ لأن طاعتهم لاجتهاده واستنباطه طاعة لله تعالى لقوله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣] ،
стр. 1760
وفيه جواز الاجتماع لصلاة النوافل، وفيه أن الجماعة المتفقة فى عمل الطاعة مرجو بركتها، إذ دعاء كل واحد منهم يشمل جماعتهم، فلذلك صارت صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فيجب أن تكون النافلة كذلك، وفيه أن قيام رمضان سنة لأن عمر لم يسن منه إلا ما كان رسول الله يحبه، وقد أخبر ﵇ بالعلة التى منعته من الخروج إليهم، وهى خشية أن يفترض عليهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا، فلما أمن عمر أن تفترض عليهم فى زمانه لانقطاع الوحى؛ أقام هذه السنة وأحياها، وذلك سنَةَ أربع عشرة من الهجرة فى صدر خلافته. قال المهلب: وفيه أن الأعمال إذا تركت لعلة، وزالت العلة أنه لا بأس بأعادة العمل، كما أمر عمر صلاة الليل فى رمضان بالجماعة، وفيه أنه يجب أن يؤم القوم أقرؤهم، فلذلك قال عمر: أُبَى أقرؤنا، فلذلك قدمه عمر، وهذا على الاختيار إذا أمكن؛ لأن عمر قدم أيضًا تميمًا الدارى، ومعلوم أن كثيرًا من الصحابة أقرأ منه، فدل هذا أن قوله ﵇: (يؤم القوم أقرؤهم) إنما هو على الاختيار، قول عمر: (نعم البدعة) فالبدعة اختراع ما لم يكن قبل، فما خالف السنة فهو بدعة ضلالة، وما وافقها فهو بدعة هُدى، وقد سئل ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة، ونعم البدعة. وقوله: (والتى ينامون عنها أفضل) يعنى القيام آخر الليل لحديث التنزل واستجابة الرب تعالى فى ذلك الوقت لمن دعاه،
стр. 1761
وقد تقدم معنى قوله ﵇: (خشيت أن يفترض عليكم) فى باب (تحريض الرسول على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب) فى آخر كتاب الصلاة، فأغنى عن إعادته، وكذلك تقدم فى باب (قيام النبى بالليل فى رمضان وغيره) واختلافهم فى عدد القيام فى رمضان، ونذكر منه هنا طرفًا لم يمض هناك، وهو أن قول عائشة: (لم يكن رسول الله ﷺ يزيد فى رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة) . فهذه الرواية مطابقة لما روى مالك عن محمد ابن يوسف، عن السائب بن يزيد قال: أمر عمر، رضى الله عنه، أبىَّ بن كعب وتميمًا الدارى أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. وقال الداودى وغيره: وليست رواية مالك عن السائب بمعارضة برواية من روى عن السائب ثلاثًا وعشرين ركعة، ولا ما روى مالك عن يزيد ابن رومان قال: (كان الناس يقومون فى رمضان بثلاث وعشرين ركعة) معارضة لروايته عن السائب؛ لأن عمر جعل الناس يقومون فى أول أمره بإحدى عشرة ركعة كما فعل النبى ﵇ وكانوا يقرؤن بالمئين ويطولون القراءة، ثم زاد عمر بعد ذلك فجعلها ثلاثًا وعشرين ركعة على ما رواه يزيد بن رومان، وبهذا قال الثورى، والكوفيون، والشافعى، وأحمد، فكان الأمر على ذلك إلى زمن معاوية، فشق على الناس طول القيام لطول القراءة، فخففوا القراءة وكثروا من الركوع، وكانوا يصلون تسعًا وثلاثين ركعة، فالوتر منها ثلاث ركعات، فاستقر الأمر على ذلك وتواطأ عليه الناس، وبهذا قال مالك، فليس ما جاء من اختلاف أحاديث قيام
стр. 1762
رمضان يتناقض، وإنما ذلك فى زمان بعد زمان، والله الموفق، وقد تقدم اختلافهم فى تأويل قولها: (يصلى أربعًا ثم أربعًا) فى أبواب صلاة الليل فى كتاب الصلاة، وأن ذلك مرتب على قوله: (صلاة الليل مثنى مثنى) ، وأنه سلم من الأربع، والرد على من أنكر ذلك، وكذلك تقدم فى باب (تحريض النبى على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب) اختلافهم فى صلاة رمضان، هل هى أفضل فى البيت أو مع الإمام؟ وقوله: (فإذا الناس أوزاع) قال صاحب (العين) : أوزاع الناس: ضروبهم منهم، والتوزيع: القسمة.
٦٥ - باب فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: ١] إلى آخر السورة. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا كَانَ فِى الْقُرْآنِ: (وَمَا أَدْرَاكَ (فَقَدْ أَعْلَمَهُ، وَمَا قَالَ: (وَمَا يُدْرِيكَ (فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ. / ٨٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. . .) الحديث. قال ابن المنذر: معنى قوله: (إيمانًا) يعنى: تصديقًا أن الله فرض عليه الصوم، واحتسابًا لثواب الله عليه، وقد تقدم هذا المعنى. وقوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه) قول عام يُرجى لمن
стр. 1763
فعل ما ذكره فى الحديث أن يغفر له جميع الذنوب: صغيرها وكبيرها؛ لأنه لم يستثن ذنبًا دون ذنب، وفى الخبر أن القيام فى ليلة القدر أرجى منه فى غيرها من الليالى. وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ (روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزل القرآن جملة واحدة فى ليلة القدر فى شهر رمضان إلى السماء الدنيا، فجعل فى بيت العزة، ثم نزل على النبى ﷺ فى عشرين سنة. وقال ابن عباس أيضًا: أنزل الله القرآن جملة واحدة فى ليلة القدر إلى السماء الدنيا، فكان يمواقع النجوم، فكان الله ينزله على رسوله بعضه فى إثر بعض، فقالوا: (لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) [الفرقان: ٣٢] . وذكر ابن وهب، عن مسلمة بن على، عن عروة قال: (ذكر رسول الله ﷺ أربعة من بنى إسرائيل فقال: اعبدوا الله ولم يعصوه طرفة عين، فذكر أيوب، وزكريا، وحزقيل، ويوشع بن نون، فعجب أصحاب النبى ﷺ من ذلك، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيرًا من ذلك، ثم قال: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ (هذا أفضل مما عجبت منه أنت وأمتك، فَسُرَّ بذلك رسول الله ﷺ والناس معه) . قال مالك: وبلغنى عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها. وقال ابن عباس: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [الدخان: ٤] قال: يكتب فى أم الكتاب فى ليلة القدر ما يكون من السنة إلى السنة. وقال مجاهد: ليلة القدر
стр. 1764
ليلة الحكم. وقال غيره: كأنه تقدر فيها الأشياء. وقال قتادة: (سَلاَمٌ هِىَ (قال: خير هى) حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (.
٦٦ - باب الْتِمَسوا لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ
/ ٩٠ - فيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ رِجَالا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ، ﵇، أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى الْمَنَامِ فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ) . / ٩١ - وفيه: أَبُو سَعِيد، اعْتَكَفْنَا مَعَ رسُولُ اللَّه ﷺ الْعَشْرَ الأوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا، وَقَالَ: (إِنِّى أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، أَوْ نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ فِى الْوَتْرِ، وَإِنِّى رَأَيْتُ أَنِّى أَسْجُدُ فِى مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ) ، فَرَجَعْنَا، وَمَا نَرَى فِى السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِى الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِى جَبْهَتِهِ. قوله فى حديث ابن عمر: (فمن كان متحريها فليتحراها فى السبع الأواخر) يريد فى ذلك العام الذى تواطأت فيه الرؤيا على ذلك، وهى ليلة ثلاث وعشرين؛ لأنه قال فى حديث أبى سعيد:
стр. 1765
(فالتمسوها فى العشر الأواخر فى الوتر، وإنى رأيت أنى أسجد فى ماء وطين فمطرنا فى ليلة إحدى وعشرين) ، وكانت ليلة القدر فى حديث أبى سعيد فى ذلك العام فى غير السبع الأواخر. قال الطحاوى: وعلى هذا التأويل لا تتضاد الأخبار، وفى حديث أبى سعيد زيادة معنى أنها تكون فى الوتر، وقد جاء فى حديث عبد الله بن أنيس أنه ﵇ قال: (التمسوها الليلة) ، وكانت ليلة ثلاث وعشرين، فقال رجل: هذا أول ثمان، فقال: بل أول سبع؛ لأن الشهر لا يتم) فثبت بهذا أنها فى السبع الأواخر، وأنه قصد ليلة ثلاث وعشرين؛ لأن ذلك الشهر كان ناقصًا، فدل هذا أنها قد تكون فى غيرها من السنين بخلاف ذلك. قال المؤلف: وقد روى الثورى عن عاصم بن أبى النجود، عن زر بن حبيش قال: (قلت لأبى بن كعب: أخبرنى عن ليلة القدر؛ فإن ابن مسعود قال: من يقم الحول يصبها. فقال: يرحمه الله، لقد علم أنها فى رمضان، ولكن عمى على الناس لئلا يتكلوا، والذى أنزل الكتاب على محمد، إنها فى رمضان، وإنها ليلة سبع وعشرين) . قال المهلب: ومن ذهب إلى قول ابن مسعود وتأول منه أنها فى سائر السنة فلا دليل له إلا الظن من دوران الزمان بالزيادة والنقصان فى الأهلة، وذلك ظن فاسد؛ لأنه محال أن يكون تعليقها بليلة فى غير شهر رمضان كما لم يعلق
стр. 1766
صيامها بأيام معلومة تدور فى العام كله بالزيادة والنقصان فى الأهلة فيكون صوم رمضان فى غير رمضان، فكذلك لا يجب أن تكون ليلة القدر فى غير رمضان. قال الطحاوى: وفى كتاب الله ما يدل أنها فى شهر رمضان خاصة، وهو قول: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [الدخان: ٣، ٤] ، فأخبر تعالى أن الليلة التى يفرق فيها كل أمر حكيم هى ليلة القدر، وهى الليلة التى أنزل الله فيها القرآن فقال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة: ١٨٥] فثبت بذلك أن تلك الليلة فى شهر رمضان. والقزع: قطع من سحاب دقاق، عن صاحب العين، وقوله: (من كان متحريها) يعنى: من كان قاصدًا لها، يقال: تحريت الشئ، إذا قصدته وتعمدته، وقوله: (إنى أرى رؤياكم قد تواطت) فإن المحدثين يرونه كذلك، وإنما هو تواطأت بالهمز من قوله تعالى: (لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ) [التوبة: ٣٧] ، ومن قوله: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْءًا) [المزمل: ٦] ، ولكنه يجوز فى كلام كثير من العرب حذف الهمز، ومعنى (تواطت) : اتفقت واجتمعت على شىء واحد، والتوطئة: التلبين يقال: وطأت لفلان هذا الأمر، إذا سهلته ولينته.
٦٧ - باب تَحَرِّى لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِى الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأوَاخِرِ فِى رَمَضَانَ
/ ٩٢ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَ، ﵇: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) .
стр. 1767
/ ٩٣ - وفيه: أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، وَقَالَ النَّبِىّ، ﵇: (وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، فَابْتَغُوهَا فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ، وَابْتَغُوهَا فِى كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِى أَسْجُدُ فِى مَاءٍ وَطِينٍ) ، فَاسْتَهَلَّتِ السَّمَاءُ فِى تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَأَمْطَرَتْ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِى مُصَلَّى النَّبِىِّ ﷺ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَبَصُرَتْ عَيْنِى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً. / ٩٤ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (الْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِى سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِى خَامِسَةٍ تَبْقَى) . وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عن النَّبِىّ ﷺ أيضًا: (هِىَ فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ، فِى تِسْعٍ يَمْضِينَ، أَوْ فِى سَبْعٍ يَبْقَيْنَ) . وَقَالَ: ابْنِ عَبَّاس: الْتَمِسُوا فِى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. قال الطبرى: اختلف الصحابة والتابعون لهم بإحسان فى تحديد ليلة القدر بعينها، مع اختلافهم عن النبى ﵇ حدها، قال ابن مسعود: هى ليلة عشرة من رمضان. وقال على وابن مسعود وزيد بن ثابت: هى ليلة تسع عشرة. وقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين على حديث أبى سعيد، روى ذلك أيضًا عن على وابن مسعود، وقال آخرون: ليلة ثلاث وعشرين على حديث ابن عمر، وابن عباس. وروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وبلال، وقاله مكحول، وقال ابن عباس وبلال: هى ليلة أربع وعشرين، وهو قول الحسن وقتادة، وأحسب الذين قالوا هذه
стр. 1768
المقالة ذهبوا إلى قوله ﵇: (التمسوها لسبع بقين) أن السابعة هى أول الليالى السبع البواقى، وهى ليلة أربع وعشرين إذا كان الشهر كاملاً، وقال على، وابن عباس، وأبى بن الكعب، ومعاوية: هى ليلة سبع وعشرين. وروى عن بن عمر أنه قال: هى فى رمضان كله، وروى عبد الله بن بريدة عن معاوية، عن النبى ﵇ (أنها آخر ليلة) . وقال أيوب عن أبى قلابة: إنها تجول فى ليالى العشر كلها. قال الطبرى: والآثار المروية فى ذلك عن النبى ﵇ صحاح، وهى متفقة غير مختلفة، وذلك أن جميعها ينبئ عنه ﵇ أنها فى العشر الأواخر، وغير منكر أن تتجول فى كل سنة فى ليلة من ليالى العشر كما قال أبو قلابة، وكان معلومًا أنه ﵇ إنما قال فى كل ليلة من الليالى التى أمر أصحابه بطلبتها فيها أنها كانت عنده فى ذلك العام فى تلك اليلة، فالصواب أنها فى شهر رمضان دون شهور السنة؛ لإجماع الجميع وراثة عن النبى ﵇ أنه قال: (هى فى العشر الأواخر فى وتر منها) ثم لا حد فى ذلك خاص لليلة بعينها لا يعدوها إلى غيرها؛ لأن ذلك لو كان محصورًا على ليلة بعينها لكان أولى الناس بمعرفتها النبى ﵇ مع جده فى أمرها ليعرفها أمته، فلم يعرفهم منها إلا الدلالة عليها أنها ليلة طلقة، لا حارة ولا باردة، وأن الشمس تطلع فى صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، ولأن فى دلالته أمته عليها بالآيات دون توقيفه على ليلة بعينها دليل واضح على كذب من زعم أنها تظهر فى
стр. 1769
تلك اليلة للعيون ما لا يظهر فى سائر السنة من سقوط الأشجار إلى الأرض، ثم رجوعها قائمة إلى أماكنها؛ إذ لو كان ذلك حقا، لم يخفف عن بصر من يقوم ليال السنة كلها، فكيف ليالى شهر رمضان، وأما الذى خصت به هذه الليلة من دون سائر الليالى فإنها خير من ألف شهر، يعنى بذلك أن عملاً فيها بما يرضى الله ويحبه من صلاة ودعاء وشبهه خير من عمل فى ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وأنه يستجاب فيها الدعاء ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، وقال مالك فى قوله ﵇: (التمسوها فى تاسعة تبقى) هى ليلة إحدى وعشرين و (سابعة تبقى) ليلة ثلاث وعشرين، و (خامسة تبقى) ليلة خمس وعشرين. قال المؤلف: وإنما يصح معناه وتوافق ليلة القدر وترًا من الليالى على ما ذكر فى الحديث إذا كان الشهر ناقصًا، فأما إن كان كاملاً فإنها لا تكون إلا فى شفع فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين، والخامسة الباقية ليلة ست وعشرين، والسابعة الباقية ليلة أربع وعشرين على ما ذكره البخارى عن ابن عباس، فلا تصادف واحدة منهن وترا، وهذا يدل على انتقال ليلة القدر كل سنة فى العشر الأواخر من وتر إلى شفع، ومن شفع إلى وتر؛ لأن النبى ﵇ لم يأمر أمته بالتماسها فى شهر كامل دون ناقص، بل أطلق على طلبها فى جميع شهور رمضان التى قد رتبها الله مرة على التمام، ومرة على النقصان، فثبت انتقالها فى العشر الأواخر كلها ما قاله أبو قلابة. وقول ابن عباس فى حديثه: (هى فى تسع يمضين أو فى سبع يبقين) هو شك منه أو من غيره فى أى اللفظين قال ﵇،
стр. 1770
ودل قوله فى الحديث الآخر: (فى سابعة تبقى) أن الصحيح من لفظ الشك قوله: (فى سبع يبقين) على طريقة العرب فى التأريخ إذا جازوا نصف الشهر فإنما يؤرخوا بالباقى منه لا بالماضى، ولهذا المنى عدوا تاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين، ولم يعدوها ليلة تسع وعشرين، وعدوا سابعة تبقى ليلة أربع وعشرين، ولم يعدوها ليلة سبع وعشرين لما لم يأخذوا العدد من أول العشر، وإنما كان يكون ذلك لو قال ﵇: (فى تاسعة تمضى) ولما قال ﵇: (التمسوها فى التاسعة والخامسة) وكان كلامًا مجملاً يحتمل معانى، وخشى ﵇ التباس معناه على أمته، بَيَّن الوجه المراد منه فقال: (فى تاسعة تبقى، وفى سابعة تبقى، وفى خامسة تبقى) ليزول الإشكال فى ذلك والله أعلم. وقوله: (فوكف المسجد) قال صاحب الأفعال: يقال: وكف المطر والدمع والبيت وكوفًا ووكيفا ووكفانًا: سال.
٦٨ - باب رَفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِتَلاحِى النَّاسِ
/ ٩٨ - وفيه: عُبَادَةَ، خَرَجَ النَّبِىُّ، ﵇، لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: (خَرَجْتُ لأخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِى التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ) . وقوله: (فرفعت) يعنى رفع علمها عنه بسبب تلاحى الرجلين،
стр. 1771
فحرموا به بركة ليلة القدر، والتلاحى: التجادل والتخاصم، يقال: تلاحى فلان وفلان تلاحيًا، ولاحى فلان فلانًا ملاحاة ولحاءً بالمد، وهذا يدل أن الملاحاة والخلاف يصرف فضائل كثير من الدين، ويحرم أجرًا عظيمًا؛ لأن الله تعالى لم يرد التفرق من عباده، وإنما أراد الاعتصام بحبله، وجعل الرحمة مقرونة بالاعتصام بالجماعة لقوله تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ) [هود: ١١٨، ١١٩] ، وروى عن الرسول وجه آخر فى رفع معرفتها، روى ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، أن رسول الله قال: (أريت ليلة القدر، ثم أيقظنى بعض أهلى فنسيتها، فالتمسوها فى العشر الغوابر) . قال الطحاوى: وهذا خلاف حديث عبادة، إلا أنه قد يجوز أن يكون ذلك كان فى عامين، فرأى رسول الله ﷺ فى أحدهما ما ذكره عنه أبو هريرة قبل كون الليلة التى هى ليلة القدر، وذلك لا ينفى أن يكون فيما بعد ذلك العام فيما قبل ذلك من الشهر، ويكون ما ذكره عبادة على أن رسول الله ﷺ وقف على ليلة القدر بعينها، ثم خرج ليخبرهم بها فرفعت، ثم أمر بالتماسها فيما بعد ذلك العام فى التاسعة والسابعة والخامسة، وذلك كله على التحرى لا على اليقين، فدل ذلك على انتقالها. وقوله: (عسى أن يكون خيرًا لكم) يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثير من العمل، هو خير من هذه الجهة، والغوابر: البواقى فى آخر الشهر، ومنه قوله تعالى: (إِلاَّ عَجُوزًا فِى الْغَابِرِينَ) [الشعراء: ١٧١] يعنى الباقين الذين أتت عليهم الأزمنة، وقد تجعله العرب بمعنى الماضى أحيانًا، وهو من الأضداد، عن الطبرى.
стр. 1772
٦٩ - باب الْعَمَلِ فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ
/ ٩٦ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: (كَانَ النَّبِىُّ، ﵇، إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الأواخر شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) . إنما فعل ذلك ﵇؛ لأنه أخبر أن ليلة القدر فى العشر الأواخر، فَسَنَّ لأمته الأخذ بالأحوط فى طلبها فى العشر كله لئلا تفوت، إذ يمكن أن يكون الشهر ناقصًا وأن يكون كاملا، فمن أحيا ليال العشر كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، ولو أعلم الله عباده أن فى ليالى السنة كلها مثل هذه الليلة لوجب عليهم أن يحيوا الليالى كلها فى طلبها، فذلك يسير فى جنب طلب غفرانه، والنجاة من عذابه، فرفق تعالى بعباده وجعل هذه الليلة الشريفة موجودة فى عشر ليال؛ ليدركها أهل الضعف وأهل الفتور فى العمل مَنا من الله ورحمة. وقال سفيان الثورى: قوله: (شد مئزره) فى هذا الحديث يعنى: لم يقرب النساء، وفى قوله: (أيقظ أهله) من الفقه أن للرجل أن يحض أهله على عمل النوافل، ويأمرهم بغير الفرائض من أعمال البر، ويحملهم عليها. كمل (كتاب الصيام) بحمد الله وحسن عونه وتأييده، وصلى الله على محمد رسوله، خير خلقه، وصفوة عبيده
стр. 1773
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- كِتَاب الاعْتِكَافِ
- بَاب الاعْتِكَافِ فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ
الاعْتِكَافِ فِى الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧] الآية. / ١ - فيه: ابْن عُمَرَ، وعَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، زادت عائشة: حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. / ٢ - وفيه: أَبُو سَعِيد، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، كَانَ يَعْتَكِفُ فِى الْعَشْرِ الأوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِىَ اللَّيْلَةُ الَّتِى يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: (مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِى فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِى أَسْجُدُ فِى مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِى كُلِّ وِتْرٍ. . .) الحديث. العكوف فى اللغة: اللزوم للشىء والمقام عليه، وقال عطاء: قال يعلى بن أمية: إنى لأمكث فى المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف. قال عطاء: وهو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس فى المسجد احتساب الخير فهو معتكف وإلا فلا.
стр. 1774
وأجمع العلماء أن الاعتكاف لا يكون إلا فى المساجد لقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧] . وقال حذيفة: لا اعتكاف إلا فى مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس. وقال سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا فى مسجد نبى، وذهب هؤلاء إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد، وهو ما بناه نبى؛ لأن الآية نزلت على النبى ﵇ وهو معتكف فى مسجده، فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه نبى، وذهبت طائفة إلى أنه لا اعتكاف إلا فى مسجد تجمع فيه الجمعة، روى هذا القول عن على، وابن مسعود، وعروة، وعطاء، والحسن، وابن شهاب، وهو قول مالك فى (المدونة) ، قال: أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا فى الجامع، قال: وأقل الاعتكاف عشرة أيام، وروى عنه ابن القاسم فى العتبية: لا بأس بالاعتكاف يومًا أو يومين، وقد روى أن أقله يوم وليلة، وقال فى المدونة: لا أرى أن يعتكف أقل من عشرة أيام، فإن نذر دونها لزمه. وقالت طائفة: الاعتكاف فى كل مسجد جائز، روى ذلك عن النخعى، وأبى سلمة والشعبى، وهو قول أبى حنيفة، والثورى، والشافعى، وأحمد، وهو قول مالك فى (الموطأ) ، قال: لا أراه كره الاعتكاف فى المساجد التى لا يجمع فيها، إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذى اعتكف فيه إلى الجمعة، فإن كان
стр. 1775
مسجدًا لا يجمع فيه، ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة فى مسجد سواه، فلا أرى بأسًا بالاعتكاف فيه؛ لأن الله تعالى قال: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧] فعم المساجد كلها ولم يخص منها شيئًا، ونحوه قال الشافعى: المسجد الجامع أحب إلى، وإن اعتكف فى غيره فمن الجمعة إلى الجمعة. قال المهلب: وقول أبى سعيد فى هذا الحديث: (حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهى الليلة التى يخرج من صبيحتها من اعتكافه) فليس معارضًا لما روى فى حديث أبى سعيد (أن النبى ﵇ خرج صبيحة عشرين فخطبهم) والمعنى واحد، وذلك أنه قد روى جماعة هذا الحديث وقالوا فيه: وهى الليلة التى يخرج فيها من اعتكافه. وهذا هو الصحيح؛ لأن يوم عشرين معتكف فيه، وبه تتم العشرة الأيام؛ لأنه دخل فى أول الليل فيخرج فى أوله، فيكون معنى قوله: (فى ليلة إحدى وعشرين، وهى الليلة التى يخرج من صبيحتها) يريد الصبيحة التى قبل ليلة إحدى وعشرين، وأضافها إلى الليلة كما تضاف أيضًا الصبيحة التى بعدها إلى الليلة، وكل متصل بشىء فهو مضاف إليه، سواء كان فيه أو بعده، وإن كانت العادة فى نسبة الصبيحة إلى الليلة التى قبلها؛ لتقديم الليل على النهار، فإن نسبة الشىء إلى ما بعده جائز بدليل قوله تعالى: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) [النازعات: ٤٦] فنسب الضحى إلى ما بعده، ويبين ذلك رواية من روى عن أبى سعيد (فخرجنا صبيحة عشرين) فلا إشكال فى هذا بعد بيان أبى سعيد أنها صبيحة عشرين وبعد قول من روى: (فى ليلة إحدى وعشرين، وهى الليلة التى يخرج فيها
стр. 1776
من الاعتكاف) ، وسيأتى حكم خروج المعتكف فى بابه إن شاء الله. وقوله: (وكان المسجد على عريش) قال صاحب (العين) : العريش شبه الهودج، وعريش البيت سقفه، وقال الداودى: كان الجريد قد بسط فوق الجذوع بلا طين، فكان المطر يسقط داخل المسجد، وكان ﵇ قال لبنى النجار: (ثامنونى بحائطكم هذا. فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. فأخرج قبور المشركين، وقطع النخل التى كانت فيه، فجعل منها سوارى وجذوعًا وألقى الجريد عليها، فقيل له بعد ذلك: يا رسول الله، ألا تبنيه؟ قال: بل عريش كعريش موسى) .
- باب الْحَائِضِ تُرَجِّلُ الْمُعْتَكِفِ
/ ٣ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصْغِى إِلَىَّ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِى الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. قولها: (كان يصغى إلى رأسه) يعنى أنه كان يدخل رأسه وكتفيه إل الحجرة فترجله، لئلا يخرج من المسجد ما وجد المقام فيه؛ لأن الحائض لا تدخل المسجد، وقد ترجم له باب (المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل) ، وقال فيه: (كانت عائشة ترجل النبى ﵇ وهى حائض، وهو معتكف فى المسجد، وهى فى
стр. 1777
حجرتها يناولها رأسه) ، وفيه جواز ترجيل رأس المعتكف، وفى ذلك دليل على أن اليدين من المرأة ليستا بعورة، ولو كانتا عروة ما باشرته بهما فى اعتكافه، ويشهد لذلك أن المرأة تُنْهى عن لبس القفارين فى الإحرام، وتؤمر بستر ما عدا وجهها وكفيها، وهكذا حكمهما فى الصلاة، وفيه من الفقه أن الحائض طاهر إلا موضع النجاسة منها، والجوار والاعتكاف سواء عند مالك، حكمهما واحد إلا من جاور نهارًا بمكة، وانقلب ليلاً إلى أهله فلا صوم فيه، وله أن يطأ أهله، قال: وجوار مكة أمر يتقرب به إلى الله كالرباط والصيام. وقال عمرو بن دينار: الاعتكاف والجوار واحد. وقال عطاء: هما مختلفان، كانت بيوت النبى ﵇ فى المسجد، فلما اعتكف فى شهر رمضان خرج من بيوته إلى بطن المسجد فاعتكف فيه، والجوار بخلاف ذلك إن شاء الله جاور بباب المسجد أو فى جوفه إن شاء. وقال مجاهد: الحرم كله مسجد يعتكف فى أيه شاء، وإن شاء فى منزله، إلا أنه لا يصلى إلا فى جماعة.
٣ - باب لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةٍ
/ ٤ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَىَّ رَأْسَهُ، وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ
стр. 1778
لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا. قولها: (وكان يدخل البيت إلا لحاجة) تريد الغائط والبول، وهكذا فسره الزهرى وهو راوى الحديث، ورواه مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة وقال فيه: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) . وقال أبو داود: لم يتابع أحد مالكًا فى هذا الحديث على ذكره عمرة، واضطرب فيه أصحاب ابن شهاب، فقالت طائفة عنه عن عروة، عن عائشة وكذلك رواه ابن مهدى عن مالك، وقالت طائفة: عن عروة وعمرة جميعًا عن عائشة. وكذلك رواه ابن وهب عن مالك، وأكثر الرواة عن مالك عن عروة، عن عمرة، فخطؤه فى ذكر عمرة. قال المؤلف: ولهذه العلة والله أعلم لم يدخل البخارى حديث مالك، وإن كان فيه زيادة تفسير، لكنه ترجم للحديث بتلك الزيادة إذ كان ذلك عنده معنى الحديث. وقولها: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) يدل أن المعتكف لا يشتغل بغير ملازمة المسجد للصلوات وتلاوة القرن وذكر الله، ولا يخرج إلا لما له إليه حاجة، وفى معنى ترجيل رأس رسول الله ﷺ جواز استعمال الإنسان كل ما فيه صلاح بدنه من الغذاء وغيره، ومن جهة النظر أن المعتكف ناذر جاعل على نفسه المقام فى المسجد لطاعة الله، فواجب عليه الوفاء بذلك، وألا يشتغل عنه بما يلهيه، ولا يخرج إلا لضرورة كالمرض البيّن، والحيض فى النساء، وهذا فى معنى خروجه لحاجة الإنسان. واختلفوا فى خروجه لما سوى ذلك، فروى عن النخعى والحسن البصرى وابن جبير أن له أن يشهد الجمعة، ويعود المرضى، ويتبع الجنائز، وذكر ابن الجهم عن مالك أنه يخرج إلى الجمعة، ويتم اعتكافه فى الجامع. وقال عبد الملك: إن خرج إلى الجمعة فسد اعتكافه. ومنعت طائفة خروجه لعيادة المريض والجنائز، وهو قول
стр. 1779
عطاء، وعروة، والزهرى، ومالك، وأبى حنيفة، والشافعى، وأبى ثور. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يخرج المعتكف إلا إلى الجمعة، والبول والغائط خاصة. وقال مالك: إن خرج المعتكف لعذر ضرورة مثل أن يموت أبوه أو ابنه، ولا يكون له من يقوم به، فإنه يبتدئ اعتكافه، والذين منعوا خروجه لغير حاجة الإنسان أسعد باتباع الحديث. قال ابن المنذر: قولها: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) فيه دلالة على منع المعتكف من العشاء فى بيته، والخروج من موضعه إلا لحاجة الإنسان لبول أو لغائط، قال ابن المنذر: واختلفوا فى ذلك، فكان الحسن وقتادة يقولان: له أن يشترط العشاء فى منزله. وبه قال أحمد بن حنبل، وقال الشافعى: إن كان المعتكف فى بيته فلا شىء عليه. وقال أبو مجلز: ليس له ذلك، وهو يشبه مذهب المدنين، وبه نقول؛ لأنه موافق للسنة، وذلك قول عائشة: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) . وفى العتبية لابن القاسم عن مالك فى الرجل يأتيه الطعام من منزله ليأكله فى المسجد، قال: أرجو أن يكون خفيفًا، قال ابن المنذر: وفيه دليل على أن من حلف لا يدخل دارًا، فأدخل بعض بدنه أنه غير حانث؛ لأن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد، ففى إدخاله رأسه لترجله عائشة دليل على إباحة ذلك، وعلى إباحة غسل المعتكف رأسه، ولو أراد المعتكف حلق رأسه فأخرجه إلى الحلاق ليحلقه، كان ذلك عندى فى معنى هذا، والله أعلم.
стр. 1780
٤ - باب غَسْلِ الْمُعْتَكِفِ
/ ٥ - فيه: عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىُّ، ﵇، يُبَاشِرُنِى، وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. غسل رأس المعتكف جائز كترجيله على نص هذا الحديث، وغسل جسده فى معنى غسله رأسه، ولا أعلم فى ذلك خلافًا، وروى ابن وهب عن مالك قال: لا بأس أن يخرج إلى غسل الجمعة إلى الموضع الذى يتوضأ فيه، ولا بأس أن يخرج يغتسل للحر يصيبه. وقولها: (كان يباشرنى وأنا حائض) تريد غير معتكفٍ؛ لأن المعتكف لا تجوز به المباشرة لقوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧] ، وإنما ذكرت المباشرة فى هذا الحديث لتدل على جواز غسلها لرأسه وهى حائض، ويدل على طهارة بدن الحائض.
٥ - باب الاعْتِكَافِ لَيْلا
/ ٦ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِىَّ، ﵇، قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: (فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ) . وترجم له باب: (إذا نذر فى الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم) ، وباب: (من أجاز الاعتكاف بغير صيام) ، فقياس قوله أن يجيزه ليلا، وسيأتى اختلاف العلماء فى ذلك فى بابه إن شاء الله. وقال
стр. 1781
مالك: من نذر اعتكاف ليلة لزمه يوم وليلة. وقال سحنون: لا شىء عليه إن نذر اعتكاف ليلة؛ لأنه لا صيام فى الليل، قال: ومن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة، ويدخل اعتكافه قبل غروب الشمس من ليلته، وإن دخل قبل الفجر لم يُجْزِهِ، وإن أضاف إليه الليلة المستقبلة. وقوله ﵇: (أوف بنذرك) محمول عند الفقهاء على الحض والندب لا على الوجوب؛ بدلالة أن الإسلام يهدم ما قبله، وقد حمل الطبرى قوله ﵇: (أوف بنذرك) على الوجوب وقال: إنما أمر النبى ﵇ عمر بالوفاء فى الإسلام بنذر كان نذره فى الجاهلية إذ كان ذلك لله برا فى الإسلام، فالواجب أن يكون نظيره كل نذر نذره فى حال كفره مما هو طاعة فى الإسلام أن عليه الوفاء لله به فى حال إسلامه قياسًا على أمره ﵇ عمر أن يفى بنذره الذى كان نذره فى الجاهلية فى حال إسلامه، وسيأتى فى (كتاب الأيمان والنذور) من حمل ذلك على الوجوب، ومن حمله على الندب من العلماء، وبيان أقوالهم، إن شاء الله. قال المهلب: وفيه دليل على تأكيد الوفاء بالوعد؛ ألا ترى أنه أمره بالوفاء به وقد خرج من حال الجاهلية إلى حالة الإسلام، وإن كان عند الفقهاء أن ما كان فى الجاهلية من أيمان وطلاق وجميع العقود، فإن الإسلام يهدمها، ويسقط حرمتها.
стр. 1782
٦ - باب اعْتِكَافِ النِّسَاءِ
/ ٧ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ، ﵇، يَعْتَكِفُ فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّى الصُّبْحَ، ثُمَّ يَدْخُلُهُ، فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً، فَأَذِنَتْ لَهَا، فَضَرَبَتْ خِبَاءً فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ، ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِىُّ ﷺ رَأَى الأخْبِيَةَ، فَقَالَ: (مَا هَذَا) ؟ فَأُخْبِرَ، فَقَالَ، ﵇: (أَالْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ) ؟ فَتَرَكَ الاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. اختلف العلماء فى اعتكاف النساء، فقال مالك: تعتكف المرأة فى مسجد الجماعة، ولا يعجبه أن تعتكف فى مسجد بيتها. وقال الشافعى: تعتكف المرأة والعبد والمسافر حيث شاءوا؛ لأنه لا جمعة عليهم. وقال الكوفيون: لا تعتكف المرأة إلا فى مسجد بيتها، ولا تعتكف فى مسجد الجماعة، وذلك مكروه. واحتجوا بأن النبى ﵇ نقض اعتكافه إذ تبعه نساؤه، وهذا إنكار منه عليهن، قالوا: وقد قال ﵇: (صلاة المرأة فى بيتها أفضل) فإذا منعت المرأة من المكتوبة فى المسجد مع وجوبها، فلأن تكون ممنوعة من اعتكاف هو نفل أولى، ولما كانت صلاة الرجل فى المسجد أفضلً، كان اعتكافه فيه أفضل. قال ابن القصار: وحجة مالك أن النبى ﵇ لما أراد الاعتكاف أذن لعائشة وحفصة فى ذلك، وقد جاء هذا مبينًا فى باب: (من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج) ، ولو كان المسجد غير موضع اعتكافهن لما أباح ذلك لهن معه، ولا يجوز أن يظن به ﵇ أنه نقض اعتكافه، ولكنه أخره تطييبًا لقلوبهن لئلا يحصل معتكفًا وهن غير معتكفات، وإنما فعل ذلك لأنه كره أن يكن مع الرجال فى مسجده ﵇؛
стр. 1783
لأنه موضع الاجتماع، والوفود ترد عليه فيه، وهذا كما يستحب لهن أن يتعمدن الطواف فى الأوقاف الخالية، وكما يكره للشابات منهن الخروج للجمع والعياد، فإذا أردن أن يصلين الجمع لم يجز إلا فى الجامع مع الرجال. وقال ابن المنذر: فى هذا الحديث إباحة اعتكاف النساء؛ لأنه ﵇ أذن لعائشة وحفصة فى ذلك. وفيه: دليل أن المرأة إذا أرادت اعتكافًا لم تعتكف حتى تستأذن زوجها، ويدل على أن الأفضل والأعلى للنساء لزوم منازلهن، وترك الاعتكاف مع إباحته لهن؛ لأن ردهن ومنعهن منه يدل على أن لزوم منازلهن أفضل من الاعتكاف.
٧ - باب الأخْبِيَةِ فِى الْمَسْجِدِ
/ ٨ - وذكر حديث عَمْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، إِذَا أَخْبِيَةٌ: خِبَاءُ عَائِشَةَ، وَخِبَاءُ حَفْصَةَ، وَخِبَاءُ زَيْنَبَ. . . الحديث. قال المهلب: فيه من الفقه أن المعتكف يجب أن يجعل لنفسه فى المسجد مكانًا لمبيته، بحيث لا يضيق على المسلمين، كما فعل الرسول ﷺ فى الصحن إذا ضرب فيه خباءه، وفيه من الفقه أن المعتكف إذا أراد أن ينام فى المسجد أن يتنحى عن الناس؛ خوف أن يكون منه ما يؤذيهم من آفات البشر. وقال ابن المنذر: وفيه دليل على إباحة ضرب الأخبية فى المسجد للمعتكفين. وقال مالك فى المجموعة: وليعتكف فى عجز المسجد ورحابه، فذلك الشأن فيه. وقال الخطابى: وقوله: (آلبر تقولون بهن؟) معناه: آلبر تظنون بهن؟ قال الشاعر:
стр. 1784
متى تقول القُلُصَ الرواسما يلحقن أم عاصم وعاصمًا أى: متى تظن القُلُص يلحقهما، ولذلك نصب القلص، قال الفراء: والعرب تجعل ما بعد القول مرفوعًا على الحكاية فتقول: عبد الله ذاهب، وقلت: إنك قائم، هذا فى جميع القول إلا فى أتقول وحدها فى حروف الاستفهام، فإنهم ينزلونها منزلة أتظن، فيقولون: أتقول إنك خارج، ومتى تقول: إن عبد الله منطلق وأنشد: أما الرحيل فدون بعد غد فمتى تقول الدار تجمعنا بنصب الدار كأنه يقول: فمتى تظن الدار تجمعنا، وأجاز سيبويه الرفع فى قوله: الدار تجمعنا على الحكاية.
٨ - باب هَلْ يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ
/ ٩ - فيه: صَفِيَّةَ، أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِىّ ﷺ تَزُورُهُ فِى اعْتِكَافِهِ فِى الْمَسْجِدِ فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِىُّ، ﵇، مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى النَّبِىّ، ﵇، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِىُّ ﷺ : (عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ) ، فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ، ﵇: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَيْئًا) .
стр. 1785
وترجم له باب: (زيارة المرأة زوجها فى اعتكافه) ، وذكر أن بيت صفية كان فى دار أسامة خارج المسجد، فخرج النبى ﵇ معها. لا خلاف فى جواز خروج المعتكف فيما لا غنى به عنه، وإنما اختلفوا فى المعتكف يدخل لحاجته تحت سقف، فأجاز ذلك الزهرى، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعى، وروى عن ابن عمر، والنخعى، وعطاء أنه لا يدخل تحت سقف، وهو قول إسحاق، وقال الثورى والحسن بن حيى: إن دخل بيتًا غير المسجد بطل اعتكافه، إلا أن يكون ممره فيه. وكذلك اختلفوا فى اشتغاله بالأمور المباحة، فقال مالك فى الموطأ: لا يأتى المعتكف حاجة ولا يخرج لها، ولا يعين أحدًا عليها، ولا يشتغل بتجارة، ولا بأس أن يأمر أهله ببيع ماله وصلاح ضيعته. وقال أبو حنيفة والشافعى: له أن يتحدث ويبيع ويشترى فى المسجد، ويتشاغل بما لا يأثم فيه، وليس عليه صمت. وقال مالك: لا يشترى إلا ما لا غنى له عنه من طعامه إذا لم يكن له من يكفيه. وكره مالك والليث للمؤذن الصعود على المنارة قالا: ولا يصعد على ظهر المسجد، وأجاز ذلك أبو حنيفة والشافعى، قالا: ولو كانت المنارة خارج المسجد. وكذلك اختلفوا فى حضوره مجالس العلم، فرخص فى ذلك كثير من العلماء، روى ذلك عن عطاء والأوزاعى والليث والشافعى. وقال مالك: لا يشتغل فى مجالس العلم، وكره أن
стр. 1786
يكتب العلم. وقال ابن المنذر: طلب العلم من أفضل العمال بعد أداء الفرائض لانتشار الجهل ونقصان العلم، وذلك إذا أراد اللهَ به طَالبُهُ، وعمل البر لا ينافى الاعتكاف. وقال غيره: مجالس العلم شاغلة له عن اعتكافه، ومالك أسعد بأصله؛ لأنهم يوافقونه فى أن المعتكف لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة، وذلك من عمل البر، واحتج الطحاوى على جواز اشتغال المعتكف بالمباح من الأفعال بشغله ﵇ فى اعتكافه بمحادثة صفية ومشيه معها إلى باب المسجد. قال المهلب: وفيه من الفقه أنه لا بأس بزيارة أهل المعتكف له فى اعتكافه، وفيه أنه لا بأس أن يعمل فى اعتكافه بعض العمل الذى ليس من الاعتكاف من تشييع قاصد، وبر زائر، وإكرام مفتقر، وما كان فى معناه مما لا ينقطع به عن اعتكافه.
٩ - باب الاعْتِكَافِ وَخَروجَ النَّبِىُّ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ
/ ١٠ - فيه: أَبُو سَعِيد، اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِىّ، ﵇، الْعَشْرَ الأوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، قَالَ: فَخَطَبَنَا النَّبِىّ، ﵇، صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، فَقَالَ: (إِنِّى أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. . .) الحديث. قد تقدم فى أول (كتاب الاعتكاف) أن قول أبى سعيد فى هذا
стр. 1787
الحديث: (فخرجنا صبيحة عشرين) أنه بيان للرواية التى فيها (حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهى الليلة التى يخرج من صبيحتها من اعتكافه) أنه يريد الصبيحة التى قبل ليلة إحدى وعشرين، إذ قد يجوز إضافة الشىء إلى ما قبله وما بعده، وسيأتى حكم خروج المعتكف فى بابه بعد إن شاء الله.
- باب اعْتِكَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ
/ ١١ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتِ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا، وَهِىَ تُصَلِّى. حكم المستحاضة كحكم الطاهر، ولا خلاف بين العلماء فى جواز اعتكافها، وفيه أنه لا بأس أن تعتكف مع الرجل زوجته إذا كان لها موضع تستتر فيه، وأما المعتكفة تحيض، فقال الزهرى، وربيعة، ومالك، والأوزاعى، وأبو حنيفة، والشافعى: تخرج إلى دارها، فإذا طهرت فلترجع ثم تبنى على ما مضى من اعتكافها، وقال أبو قلابة: تضرب خباءها على باب المسجد إذا حاضت.
- باب هَلْ يَدْرَأُ الْمُعْتَكِفُ عَنْ نَفْسِهِ
/ ١٢ - فيه: صَفِيَّةَ أنها أَتَتِ النَّبِىَّ، ﵇، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَلَمَّا رَجَعَتْ مَشَى مَعَهَا، فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ، فَقَالَ: (تَعَالَ، هِىَ صَفِيَّةُ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: هَذِهِ صَفِيَّةُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى
стр. 1788
مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم) . قُلْتُ لِسُفْيَانَ: أَتَتْهُ لَيْلا؟ قَالَ: وَهَلْ هُوَ إِلا لَيْلٌ؟ . قال المهلب: فيه من الفقه تجنب مواضه التهم، وأن الإنسان إذا خشى أن يسبق إليه بظن سوء أن يكشف معنى ذلك الظن، ويبرئ نفسه من نزغات الشيطان الذى يوسوس بالشر فى القلوب، وإنما خشى ﵇ أن يحدث على الرجل من سوء الظن فتنة، وربما زاغ بها فيأثم أو يرتد، وإن كان النبى ﵇ منزهًا عند المؤمنين من مواضع التهم، ففى قول النبى ﷺ : (إنها صفية) السنة الحسنة لأمته، أن يتمثلوا فعله ذلك فى البعد عن التهم ومواقف الريب، وكما جاز أن يدرأ المعتكف عن نفسه بالقول، كذلك يجوز أن يدرأ عن نفسه بالفعل من يريد أذاه، وليس المعتكف أكثر من المصلى، وقد أبيح له أن يدرأ عن نفسه فى صلاته من يمر بين يديه فكذلك المعتكف.
- باب مَنْ خَرَجَ مِنِ اعْتِكَافِهِ عِنْدَ الصُّبْحِ
/ ١٣ - فيه: أَبُو سَعِيد، اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِىّ، ﵇، الْعَشْرَ الأوْسَطَ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَنَا، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُعْتَكَفِهِ، فَإِنِّى رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. . .) الحديث. قال المهلب: ترجم البخارى لما سبق من ظاهر الأحاديث فى خروج المعتكف فى صبيحة عشرين، وبين لك أن الذى يظنه الناس من ظاهر الحديث من خروجه صبيحة عشرين، أنه ليس
стр. 1789
بخروج من الاعتكاف، وإنما خو خروج بالمتاع الذى كانوا يبيتون فيه، ويأكلون ويشربون فيه، إذ لا حاجة لهم بشىء من ذلك فى يوم عشرين الذى به ينقضى اعتكافهم للعشر الأوسط، فإذا انقضى اليوم بمغيب الشمس خرجوا ليلة إحدى وعشرين إلى بيوتهم خفافًا من أثقالهم، وقد بين ذلك أبو سعيد بقوله: (فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا) ولم يقل: خرجنا من اعتكافنا، فأخبر الله تعالى نبيه أن الذى تطلب أمامك، فقال: (من كان اعتكف معى فليعتكف العشر الأواخر فإنى أُريت هذه الليلة. .) الحديث. قال غيره: وأجمع العلماء أنه من اعتكف العشر الأول أو الأوسط أنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه، وفى إجماعهم على ذلك ما يوهن رواية من روى فى ليلة إحدى وعشرين أنه يخرج من صبحها أو فى صبيحتها، وأن الصواب رواية من روى يخرج فيها من اعتكافه، يعنى بعد الغروب، وإجماعهم يقضى على ما اختلفوا فيه من الخروج لمن اعتكف العشر الأواخر. قال النخعى: كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر حتى يكون غدوه منه إلى العيد، وهو قول أبى قلابة وأبى مجلز، وبه قال مالك، وحكاه عن أهل الفضل، وهو قول أحمد بن حنبل، وذكر ابن وهب عن الليث، عن عقيل، أن ابن شهاب كان لا يرى بأسًا أن ينصرف المعتكف إلى أهله إذا غابت الشمس ليلة الفطر، وهو قول الليث، والأوزاعى، والشافعى، وروى ابن القاسم عن مالك فى العتبية: إن خرج من معتكفه ليلة الفطر أنه لا شىء عليه، وهذا
стр. 1790
هو الصحيح؛ لأن ليلة العيد ويم العيد ليس بموضع اعتكاف، والعشر يزول بزوال الشمس، والعشر يزول بزوال الشهر، والشهر ينقضى بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فدل هذا أن قول مالك الأول أنه استحباب ليتصل له نسك بنسك، لا أنه واجب.
- باب الاعْتِكَافِ فِى شَوَّالٍ
/ ١٤ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِىّ، ﵇، يَعْتَكِفُ فِى كُلِّ رَمَضَانٍ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِى اعْتَكَفَ فِيهِ، قَالَ: فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا فَضَرَبَتْ قُبَّةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْغَدَاةِ رآها، فأمر بنزعها، فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِى رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِى آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. قال المؤلف: الاعتكاف فى شوال وسائر السنة مباح لمن أراده. وقال المهلب: هذا الحديث الذى جاء بدخول المعتكف إلى اعتكافه إذا صلى الصبح يوهم أنه كان يدخل ذلك الحين الاعتكاف، وليس ذلك على ما يوهم ظاهره؛ لأنه ﵇ إنما كان يدخل الخباء الذى يضرب له لينظر كيف ترتيب مكان نومه ومصلاه وحوائجه، ثم يخرج فى حوائجه، فإذا صلى المغرب دخل معتكفه، ولا يمكن أن يدخل بنية الاعتكاف ثم ينصرف عنه؛ لأنه لا يحل قطع الاعتكاف البتة بعد أن يدخل فيه، ولا يجوز أيضًا أن يقطع اعتكاف غيره لا سيما وقد كان ﵇ أذن لعائشة وحفصة فى ذلك، ودليل آخر وهو أنه إن
следующие страницы →