Полный текст (5 502 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
أجارته أخته، وعلى هذا القول يكون تأويل قوله: (قد أجرنا من أجرت) ، أى: فى سنتنا وحكمنا إجارة من أجرت أنت ومثلك، والدليل على صحة هذا التأويل قوله ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم) . والمرأة من أدناهم، وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن الرسول خطب بها عام الفتح على درجات الكعبة، وقال: (يد المسلمين واحدة على من سواهم) .
- باب: ذِمةُ المسْلِمِينَ وَجِوَارُهُم وَاحِدةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُم
٩٧٨ / فيه: عَلِىّ، قَالَ: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: فِيهَا الْجِرَاحَاتُ. . . . . إلى قوله: وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. قال المهلب: معنى قوله: (ذمة المسلمين واحدة) أى: من انعقدت عليه ذمة من طائفة من المسلمين أن الواجب مراعاتها من جماعتهم إذا كان يجمعهم إمام واحد، فإن اختلفت الأئمة والسلاطين فالذمة لكل سلطان لازمة لأهل عمله، وغير لازمة للخارجين عن طاعته؛ لأن النبى إنما قال ذلك فى وقت إجماعهم فى طاعته، ويدل على ذلك حديث أبى بصير، حين كان شارط النبى ﷺ أهل مكة وقاضاهم على المهادنة بينهم وبين المسلمين، فلما خرج أبو بصير من طاعة النبى وامتنع، لم تلزم النبى ذمته، ولا طولب برد جنايته، ولا لزمه غرم ما انتهكه من المال. وقال ابن المنذر فى قوله ﷺ : (يسعى بها أدناهم) قال:
стр. 2522
الذمة: الأمان، يقول: إن كل من أمن أحدًا من الحربيين جاز أمانه على جميع المسلمين دنيا كان أو شريفًا، حرا كان أو عبدًا، رجلا أو امرأة، وليس لهم أن يخفروه. واتفق مالك والثورى والأوزاعى والليث والشافعى وأبو ثور على جواز أمان العبد قاتل أو لم يقاتل، واحتجوا بقوله ﷺ : (يسعى بذمتهم أدناهم) . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يجوز أمان العبد إلا أن يقاتل. وقولهما خلاف مفهوم الحديث. وأجاز مالك أمان الصبى إذا عقل الإسلام، ومنع ذلك أبو حنيفة والشافعى وجمهور الفقهاء، واحتج الشافعى بأن الصبى لا يصح عقده؛ فكذلك أمانه، والحجة لمالك عموم قوه ﷺ : (يجير على المسلمين أدناهم) فدخل فى ذلك الصبى وغيره، وأيضًا فإن أحكام الصبى تطوع، وهو ممن يصح منه التطوع، ويفرض له سهمه إذا قاتل، وإنما الأمان مما اختص به من له حرمة الإسلام، فجعل لأدناهم كما جعل لأعلاهم، وعلى أن الصبى والعبد أحسن حالا من المرأة، لأنها ليست من جيش من يقاتل. قال المهلب: وقوله (فمن اخفر مسلمًا) يعنى: فيمن أجاره فعليه لعنة الله والملائكة. وهذا اللعن وسائر لعن المسلمين إنما هو متوجه إلى الإغلاظ والترهيب لهم عن المعاصى، والإيعاد لهم من قبل مواقعتها، فإذا وقعوا فيها دعى لهم بالتوبة، يبين هذا حديث النعمان. وقوله: (لا يقبل منه صرف ولا عدل) يعنى: فى هذه الجناية أى لا كفارة لها؛ لأنه لم يشرع فيها كفارة فهى إلى أمر الله إن شاء عذب فيها وإن شاء غفرها على مذهب أهل السنة فى الوعيد.
стр. 2523
- باب إِذَا قَالُوا صَبَأْنَا وَلَمْ يُحْسِنُوا أن يقولوا أَسْلَمْنَا
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) . وَقَالَ عُمَرُ: إِذَا قَالَ: مَتْرَسْ، فَقَدْ آمَنَهُ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الألْسِنَةَ كُلَّهَا، أَوَ قَالَ: تَكَلَّمْ، لا بَأْسَ. قال المؤلف: غرض البخارى فى هذا الباب نحو ما تقدم فيمن تكلم بالفارسية والرطانة، وقوله تعالى: (واختلاف ألسنتكم وألوانكم (فذكر فيه عن النبى ﷺ أنه تكلم بألفاظ الفارسية، وكانت متعارفة عندهم، خاطب بها أصحابه، وفهموها عنه. فالمراد من هذين البابين أن العجم إذا قالوا: صبأنا، وأرادوا بذلك الإسلام فقد حقنوا دماءهم ووجب لهم الأمان؛ ألا ترى قول عمر: (إذا قال: مترس، فقد آمنه، إن الله يعلم الألسنة كلها) فسواء خاطبنا العجم بلغتهم، أو خاطبناهم بها على معنى الأمان؛ فقد لزم الأمان وحرم القتل. ولا خلاف بين العلماء أن من أمنَّ حربيا بأى كلام يفهم به الأمان، فقد تم له الأمان وأكثرهم يجعلون الإشارة بالأمان أمانًا، وهو قول مالك والشافعى وجماعة. قال المهلب: ولم يفهم خالد من قوله: (صبأنا) أنهم يريدون به أسلمنا، ولكن حمل اللفظة على ظاهرها، وتأولها أنها فى معنى الكفر؛ فلذلك قتلهم، ثم تبين أنهم أرادوا بها أسلمنا فجهلوا فقالوا: صبأنا. وإنما قالوا ذلك؛ لأن قريشًا كانت تقول لمن أسلم مع النبى:
стр. 2524
صبأ فلان حتى صارت هذه اللفظة معروفة عند الكفار وعادة جارية، فقالها هؤلاء القوم، فتأولها خالد على وجهها، فعذره النبى بتأويله، ولم يقد منه، وسيأتى اختلاف العلماء فى الحاكم إذا أخطأ فى اجتهاده فقتل من لم يجب عليه القتل، على من ضمان ذلك؟ فى كتاب الأحكام فى باب: إذا قضى القاضى بجور أو خلاف أهل العلم فهو مردود إن شاء الله. وأما قول عمر فذكره مالك فى الموطأ أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيش: (بلغنى أن رجالا منكم يطلبون العلج حتى إذا اشتد فى الجبل وامتنع قال رجل: مترس. يقول: لا تخف، فإذا أدركه قتله، والذى نفسى بيده، لا أعلم أحدًا فعل ذلك إلا ضربت عنقه) . قال مالك: وليس على هذا العمل. قال المؤلف: يعنى فى قتل المسلم بالكافر، وعليه العمل فى جواز التأمين. وأما قول عمر: أو قال: تكلم. لا بأس. فإنه يعنى قول عمر: للهرمزان تكلم. لا بأس فكان ذلك له عهدًا وتأمينًا. ذكر ابن أبى شيبة، حدثنا مروان بن معاوية، عن حميد، عن أنس قال: (حاصرنا تستر فنزل الهرمزان فلم يتكلم، فقال عمر: تكلم فقال: كلام حى أو كلام ميت؟ فقال عمر تكلم فلا بأس. قال: إنا وإياكم معشر العرب ما خلا الله بيننا كنا نقتلكم ونغصبكم، فأما إذا كن معكم فلم يكن لنا بكم يدان، فقال عمر: نقتله يا أنس؟ قلت: يا أمير المؤمنين، تركت خلفى
стр. 2525
شوكة شديدة وعدوًا كثيرًا، إن قتلته يئس القوم من الحياة، وكان أشد لشوكتهم، وإن استحييته طمع القوم. فقال: يا أنس، أستحيى قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور؟ فلما خشيت أن ينبسط عليه قلت له: ليس لك إلى قتله سبيل، فقال: أعطاك شيئًا؟ قلت: ما فعلت، ولكنك قلت له: تكلم فلا بأس، قال: لتجيئن بمن يشهد معك وإلا بدأت بعقوبتك؟ فخرجت من عنده، فإذا أنا بابن الزبير بن العوام قد حفظ ما حفظت، فشهد عنده فتركه، وأسلم الهرمزان وفرض له) .
- باب الْمُوَادَعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ وَفَضْلُ الوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَإِثْمِ مَنْ لَمْ يَفِ بِهِ
٩٧٩ / فيه: سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ، إِلَى خَيْبَرَ، وَهِىَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِاللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَمَّطُ فِى دَمِهِ قَتِيلا، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ، إِلَى النَّبِىِّ، ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُالرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: كَبِّرْ، كَبِّرْ، وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: (تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ) ، قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ، قَالَ: (فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ
стр. 2526
بِخَمْسِينَ) ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَعَقَلَهُ النَّبِىُّ، ﷺ ، مِنْ عِنْدِهِ. قال المهلب: لا بأس بالموادعة والمصالحة للمشركين بالمال إذا كان ذلك بمعنى الاستئلاف للكفار، لا إذا كانت الجزية لأنها ذلة وصغار، وقد قال تعالى: (ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون (وإنما وداه النبى من عنده استئلافًا لليهود وطمعًا منه فى دخولهم الإسلام، وليستكف بذلك شرهم عن نفسه، وعن المسلمين مع إشكال القضية بإبائة أولياء القتيل من اليمين وإبائتهم أيضًا من قبول أيمان اليهود، فكان الحكم أن يكون مطلولا، ولكن أراد ﷺ أن يوادع اليهود بالغرم عنهم؛ لأن الدليل كان متوجهًا إلى اليهود فى القتل لعبد الله، وأراد أن يذهب ما بنفوس أوليائه من العداوة لليهود، بأن غرم لهم الدية؛ إذ كان فى العرب جاريًا أن من أخذ جية قتيله فقد انتصف. وذكر الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعى عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب على فدية أو هدنة يؤديها المسلمون إليهم فقال: لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة وشغل من المسلمين عن حربهم من قتال عدوهم، أو فتنة (سلمت) المسلمين، فإذا كان ذلك وذكرت ذلك لسعيد بن عبد العزيز فقال: قد صالحهم معاوية أيام صفين، وصالحهم عبد الملك بن مروان لشغله بقتال ابن الزبير، يؤدى عبد الملك إلى طاغية الروم فى كل يوم ألف دينار، وإلى تراجمة الروم وأنباط الشام فى كل جمعة ألف دينار.
стр. 2527
وقال الشافعى: لا يعطيهم المسلمون شيئا بحال إلا أن يخافوا أن يصطلحوا لكثرة العدد لأنه من معانى الضرورات أو يؤسر مسلم فلا يخلى إلا بفديه فلا بأس به لأن رسول الله قد فدا رجلا برجلين. قال المؤلف: ولم أجد لمالك وأصحابه ولا للكوفيين نصًا فى هذه المسألة، وقال الأوزاعى: لا بأس أن يصالحهم الإمام على غير خراج يؤدونه إليه، ولا فدية إذا كان ذلك نظرًا للمسلمين وإبقاء عليهم، وقد صالح رسول الله قريشًا عام الحديبية على غير خراج أدته قريش إلى رسول الله ولا فدية.
- باب: فَضْلُ الوَفَاءِ بِالْعَهْدِ
٩٨٠ / فيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِى رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِى الْمُدَّةِ الَّتِى مَادَّ فِيهَا النَّبِىّ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ فِى كُفَّارِ قُرَيْشٍ. قال المؤلف: قد جاء فضل الوفاء بالعهد وذم الختر فى غير موضع فى الكتاب والسنة، وإنما أشار البخارى فى هذا الحديث إلى سؤال هرقل لأبى سفيان: هل يغدر؟ إذ كان الغدر عند كل أمة مذمومًا قبيحًا، وليس هو من صفات رسل الله، فأراد أن يمتحن بذلك صدق النبى؛ لأن من غدر ولم يف بعهد لا يجوز أن يكون نبيًا؛ لأن الأنبياء والرسل ﵈ أخبرت عن الله بفضل من وفى بعهد وذم من غدر وختر ألا ترى قةله ﷺ فى صفة المنافق: (إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر) وقال ﷺ : (يرفع للغادر لواء يوم
стр. 2528
القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان) وهذه مبالغة فى العقوبة وشدة الشهرة والفضيحة.
- باب مَا يُحْذَرُ مِنَ الْغَدْرِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ (الآية [الأنفال: ٦٢]
٩٨١ / فيه: عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ، أَتَيْتُ النَّبِىَّ؛ ﷺ ، فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ فِى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: (اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ مَوْتِى، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ، تَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ، حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِى الأصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا) . قال المهلب: فى هذا الحديث علامات النبوة، وأن الغدر من أشراط الساعة، وفى الآية دليل أن الرسول معصوم من مكر الخديعة طول أيامه، وليس ذلك لغيره ﷺ ؛ لأن الله قال: (والله يعصمك من الناس (وأجمع المسلمون أنه معصوم فى الرسالة، وقد عصم من مكر الناس وغدرهم له. وقوله: (كقعاص الغنم) قال صاحب العين: (القعاص) : هو داء يأخذ الدواب، فيسيل من أنوفها شيء، وقد قعصت الدابة. والغاية هاهنا: الراية؛ لأنها غاية المتبع، إذا وقفت وقف، وإذا
стр. 2529
مشت تبعها. وهذه العلامات التى أنذر ﷺ بها قد ظهر كثير منها، والفتنة لم تزل من زمن عثمان عصمنا الله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن وقد دعا ﷺ ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها. فلم يزل الهرج إلى يوم القيامة.
- باب هَلْ يُعْفَى عَنِ الذِّمِّىِّ إِذَا سَحَرَ
وَسُئِلَ ابْن شِهَابٍ أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِىّ، ﷺ ، قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. ١٩٨٢ / فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ؛ ﷺ ، سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ الْشَىْءِ وَلَمْ يَصْنَعْهُ. قال المؤلف: لا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك؛ لقول ابن شهاب، ولكن يعاقب إلا أن يقتل بسحره؛ فيقتل، أو يحدث حدثًا؛ فيأخذ منه بقدر ذلك، وهو قول أبى حنيفة والشافعي. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أيضًا أنه لا يقتل ساحر أهل العهد إلا أن يدخل بسحره ضررًا على مسلم لم يعاهد عليه، فإذا فعلوا ذلك، فقد نقضوا العهد؛ يحل بذلك قتلهم. وعلى هذا القول لا حجة لابن شهاب فى أن النبى ﷺ لم يقتل الهيودى الذ سحره؛ لوجوه، منها أنه قد ثبت عن الرسول أنه كان لا ينتقم لنفسه، ولو عاقبه لكان حاكمًا لنفسه. قال المهلب: وأيضًا فإن ذلك السحر لم يضره ﷺ ؛ لأنه لم يفقده شيئًا من الوحى، ولا دخلت عليه داخلة فى الشريعة، وإنما
стр. 2530
اعتراه شيء من التخيل والتوهم، ثم لم يتركه الله على ذلك، بل تداركه ثم عصمه وأعلمه بموضع السحر، وأمره باستخراجه وحله عنه، فعصمه الله من الناس ومن شرهم، كما وعده، وكما دفع عنه أيضًا ضر السم بعد أن أطلعه الله على المكيدة فيه، بأنه أظهرها إليه معجزة من كلام الذراع. وقد اعترض بعض الملحدين بحديث عائشة، وقالوا: وكيف يجوز السحر على النبى، والسحر كفر وعمل من أعمال الشياطين، فكيف يصل ضره إلى النبى مع حياطة الله له وتسديده إياه بملائكته، وصون الوحى من الشياطين؟ وهذا اعتراض يدل على جهل وغباوة من قائله وعناد للقرآن؛ لأن الله قال لرسوله: (قل أعوذ برب الفلق (إلى قوله: (ومن شر النفاثات فى العقد (والنفاثات: السواحر ينفثن فى العقد كما ينفث الراقى فى الرقية، فإن كانوا أنكروا ذلك؛ لأن الله لا يجعل للشياطين سبيلا على النبى، فقد قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته (يريد إذا تلا ألقى الشيطان. وقد روى عن النبى - ﷺ أن عفريتًا تغلب عليه ليلة ليقطع عليه الصلاة حتى هم أن يربطه إلى سارية من سوارى المسجد فذكر قول سليمان: (رب اغفر لى وهب لى ملكًا لا ينبغى لأحد من بعدى (فرده خاسئًا. وليس فى جواز ذلك على النبى ما يدل أن ذلك يلزمه أبدًا، أو يدخل معه عليه داخلة فى شيء من حاله أو شريعته، وإنما ناله من ضر السحر ما ينال المريض من ضر الحمى والبرسام من غير سحر، من الضعف عن الكلام، وسوء التخيل،
стр. 2531
ثم زال ذلك عنه، وأفاق منه، وأبطل الله كيد السحرة، وقد أجمع المسلمون أنه معصوم فى الرسالة فسقط اعتراض الملحدة.
- باب كَيْفَ يُنْبَذُ إِلَى أَهْلِ الْعَهْدِ وَقَوْل اللَّهِ: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً (الآيَةَ [الأنفال: ٥٨]
٩٨٣ / فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، بَعَثَنِى أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: أَلاَ لا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَيَوْمُ الْحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا قِيلَ: (الأكْبَرُ) مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ (الْحَجُّ الأصْغَرُ) ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِى ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِى حَجَّ فِيهِ النَّبِىُّ، ﷺ ، مُشْرِكٌ. أجمع العلماء أن للإمام أن يبدأ من يخاف خيانته وغدره بالحرب بعد أن يعلمه ذلك، وقيل: إن هذه الآية نزلت فى قريظة؛ لأنهم ظاهروا المشركين على حرب رسول الله ونقضوا العهد. وقال الكسائى وغيره فى قوله: (على سواء (السواء: العدل، وروى عن ابن عباس قال السواء: المثل، وقيل: انبده إليهم على سواء. أى: أعلمهم أنك حاربتهم حتى يصيروا مثلك فى العلم. قال المهلب: وإنما خشى الرسول من المشركين عند الطواف بالبيت خيانتهم ولم يأمن من مكرهم، فأراد تعالى أن يطهر البيت من نجاستهم بقوله: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا (وأراد تنظيف البيت ممن كان يطوف عريانًا، وفى هذا
стр. 2532
دليل أن حجة أبى بكر بالناس كانت حجة الإسلام؛ لأنه وقفه بعرفة ووقف فى ذى الحجة، والوقوف بعرفة بنص كتاب الله) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس (يعنى: طواف العرب، وقد اتفق أهل السير أن العرب كانت تفترق فرقتين، فرقة تقف بعرفة، وكانت قريش تقف بالمشعر الحرام، وتقول نحن الحمس، ولا تعظم غير الحرم، فإذا كان يوم النحر اجتمعت القبائل كلها بمنى، وهو يوم الاجتماع الأكبر. وقول أبى هريرة: (يوم الحج الأكبر: يوم النحر؛ من أجل قول الناس: الأصغر) يريد العمرة أنها الحج الأصغر. ومذهب مالك وجماعة من الفقهاء أن يوم الحج الأكبر: يوم النحر وقال قوم: هو يوم عرفة. والحجة للقول الأول ما نصه أبو هريرة، ونادى به فى الموسم عن أبى بكر الصديق عن النبى ﷺ أن يوم الحج الأكبر: يوم النحر. وأما جهة النظر: يوم النحر يعظمه أهل الحج وسائر المسلمين بالتكبير، وفيه صلاة العيد والنحر، ألا ترى قوله ﷺ : (أى يوم هذا؟) فجعل له حرمة على سائر الأيام كحرمة الشهر على سائر الشهور والبلد على سائر البلاد.
стр. 2533
- باب: إِثمِ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ
٩٨٤ / فيه: ابْن عَمْرٍو قَالَ ﷺ : (أَرْبَعُ خِلالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ. . . . . .) الحديث. ١٩٨٥ / وفيه: عَلِىّ، مَا كَتَبْنَا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ إِلا الْقُرْآنَ، وَمَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ ﷺ : (الْمَدِينَةُ حَرَامٌ. . . . .) إلى قوله: (فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. . . . .) الحديث. ١٩٨٦ / وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا؟ قَالَ: إِى وَالَّذِى نَفْسُ أَبِى هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ فَيَشُدُّ اللَّهُ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِى أَيْدِيهِمْ. قد تقدم معنى حديث ابن عمرو فى كتاب الإيمان. قال المهلب: ويحتمل أن تكون هذه الأربعة الخلال فى رجل اشتملت على معالم أحواله فسمى بالأغلب مما يظهر منه توبيحًا له، وتقبيحًا لحالة، لا على أنه منافق كافر، وفى السنة نظائر لهذا كثيرة من الحكم بالأغلب، والغدر حرام بالمؤمنين وبأهل الذمة، وفاعله مستحق لاسم النفاق وللعنة الله والملائكة والناس أجمعين، على ما رواه علي. ودل حديث أبى هريرة على أن الغدر لأهل الذمة لا يجوز أيضًا، ألا ترى ما أوصى به النبى من الذمة والوفاء بها لأهلها من أجل إنماء معاش المسلمين، ورزق عيالهم، فأعلمهم بهذا الحديث أنهم متى ظلموا منعوا ما فى أيديهم، واشتدوا وحاربوا وأعادوا الفتنة، وخلعوا ربقة الذمة، فلم يجتب المسلمون درهمًا، فضاقت أحوالهم وساءت. وفيه من علامات النبوة.
стр. 2534
- باب
٩٨٧ / فيه: الأعْمَشَ، سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ، شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، يَقُولُ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِى يَوْمَ أَبِى جَنْدَلٍ، وَلَوْ أنى أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِىِّ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لأمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا. ١٩٨٨ / وفيه: أَبُو وَائِلٍ، كُنَّا بِصِفِّينَ، فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِىّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَوْ نَرَى قِتَالا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: (نعم) ، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلانَا فِى الْجَنَّةِ، وَقَتْلاهُمْ فِى النَّارِ؟ قَالَ: (بَلَى) ، قَالَ: فَعَلامَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِى دِينِنَا، أَنَرْجِعُ ولَمْ يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِى اللَّهُ أَبَدًا) ، فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَوْل النَّبىِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَفَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: (نَعَمْ) . ١٩٨٩ / وفيه: أَسْمَاءَ، قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّى، وَهِىَ مُشْرِكَةٌ فِى عَهْدِ قُرَيْشٍ، إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّى قَدِمَتْ عَلَىَّ وَهِىَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، صِلِيهَا) . قال المهلب: قوله: (اتهموا رأيكم) يعنى: فى هذا القتال، يعظ الفريقين؛ لأن كل فريق منهم يقاتل على رأى يراه، واجتهاد يجتهده، فقال لهم سهل: اتهموا رأيكم فإنما تقاتلون فى الإسلام إخوانكم براى رأيتموه، فلو كان الرأى يقضى به لقضيت يوم أبى
стр. 2535
جندل برد أمر النبى يوم الحديبية، حين قاضى أهل مكة أن يرد إليهم من فر إلى النبى من المسلمين، فحرج أبو جندل يستغيب يجر قيوده، وكان قد عذب على الإسلام. فقال سهيل، والد أبى جندل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه. فرد إليه أبا جندل، وهو ينادى: أتردوننى إلى المشركين وأنا مسلم، وترون ما لقيت من العذاب فى الله؟ وقام سهيل إلى ابنه بحجر فكسر فمه، ففارت نفوس المسلمين حينئذ، وقال عمر: لسنا على الحق؟ ولذلك قال سهل ولو أستطيع أن أرد أمر النبى لرددته. وقوله: (فما وضعنا سيوفنا) يعنى: ما جردناها فى الله لأمر فظيع علينا عظيم إلا أسهلت بنا سيوفنا، أقضته بنا إلى أسهل من أمرنا، غير هذا الأمر، يعنى: أمر الفتن التى وقعت بين المسلمين فى صدر الإسلام؛ فإنها [. . . . .] لم تتبين السيوف فيها الحقيقة بل حلت المصيبة بقتل المسلمين، فنزع السيف أول من سله فى الفتنة. وغرض البخارى فى هذا الباب: أن يعرفك أن الصبر على المفاتن، والصلة للمقاطع أقطع للفتنة وأحمد عاقبة، فكأنه قال: باب الصبر على أذى المفاتنين وعاقبة الصابرين. ألا ترى أن النبى أحذ يوم الحدبيية فى قتال المشركين بالصبر لهم، والوقوع تحت الدنية التى ظنها عمر فى الدين؟ وكان ذلك الصبر واللين الذى فهمه رسول الله عن ربه فى بروك الناقة عن توجيهها إلى مكة أفضل عاقبة فى الدنيا والآخرة من القتال لهم، وفتح مكة على ذلك الحنق الذى قال المسلمين من تحكمهم على النبى، فكان عاقبة صبر النبى
стр. 2536
ولينه لهم أن أدخلهم الله الإسلام، وأوجب لهم أجرهم فى الآخرة. ألا ترى قوله: (لأن يهدى الله بك رجلا واحدًا خير لك من حمر النعم) فكيف بأهل مكة أجمعين، وهم الذين كانوا أئمة العرب وسادة الناس، وبدخولهم دخلت العرب فى دين الله أفواجًا. وفيه من الفقة: أن صلة المقاطع أنجع فى سياسة النفوس، وأحمد عاقبة، وعلى مثل هذا المعنى دل حديث أسماء فى صلة أمها وهى مشركة. قال الطبرى: وفى حديث سهل بن حنيف الدلالة البينة أن رسول الله كان يدير كثيرًا من حروبه بحسب ما يحضره من الرأى مما الأغلب عنده أنه الصواب، وإن كان الله تعالى قد كان عهد إليه فى جواز الصلح فى مثل الحال التى صالحهم عليها عهدًا، فمن ذلك الرأى كان، لولا ذلك كان عمر وسهل بن حنيف ومن كان ينكر الصلح ويرى قتال القوم أصلح فى التدبير والرأى لينكروا ذلك، ويؤثروا آراءهم بالقتال على تركة لو كان عندهم آية من أمر الله تعالى نبيه، ولكنه كان عندهم أنه رأى من النبى وإبقاء على من معه من الصحابة؛ لقلة عددهم، وكثرة عدد المشركين، وكان عمر والذين يرون قتال القوم لحسن تصابرهم وجميل نياتهم فى الإسلام إذ كانوا أهل الحق، والمشركون أهل الباطل يرون أن الحق لن يعلوه باطل، لا سيما عدد: الله وليهم ورسوله، فأيدهم، فعظم بذلك عليهم الانحطاط فى الصلح، ورأوه وهنا فى الدين، وكان رسول الله أعلم بما يؤدى إليه عاقبة ذلك الصلح منهم مما هو
стр. 2537
أجدى على الإسلام وأهله نفعًا، وأن الله أوحى إليه الأمر بترك قتال القوم؛ لأن ذلك أسد فى الرأي. وفيه الدلالة الواضحة على أن لأهل العلم الاجتهاد فى النوازل فى دينهم فيما لا نص فيه من كتاب الله ولا سنة. وذلك أن الذين أنكروا الصلح يوم أبى جندل أنكروه اجتهادًا منهم، ورسوله الله بحضرتهم يعلم ذلك من أمرهم، فلم ينههم عن القول بما أدى إليه اجتهادهم، وإن كان قد عرفهم خطأ رأيهم فى ذلك، وصواب رأيه، ولو كان الاجتهاد خطأ لكان حريا عليه ﷺ أن يتقدم إليهم بالنهى عن القول بما أداهم إليه اجتهادهم أشد النهي. وفيه أيضًا: أن المجتهد عند نفسه مما يدرك بالاستنباط لا تبعة عليه فيما بينه وبين الله خطأ، إن كان منه فى اجتهاده، إذا كان اجتهاده على أصل، وكان من أهله؛ لأن النبى ﷺ لم يؤثم عمر ومن أنكر الصلح، والمعانى التى جرت بينهم فى كتاب الصلح مما كان خلافًا لرأى رسول الله، ولو كانوا فى ذلك مذنبين لأمرهم النبى بالتوبة، ولكنهم كانوا على اجتهادهم مأجورين، وإن كان الصواب فيما رأى رسول الله، وذلك نظير قوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) وستأتى زيادة فى هذا المعنى فى كتاب: الاعتصام إن شاء الله. وقال أبو الحسن بن القابسى: وقول عمر: أليس قتلادهم فى النار؟ فعلام نعطى الدنية فى ديننا؟ هذه المراجعة هى التى قال فيها عمر فى حديث مالك: نزرت رسول الله كل ذلك لا يجيبك.
стр. 2538
- باب: المُصَالَحَةَ عَلَى ثَلاَثَةَ أَيَامٍ أَوْ وَقْتٍ مَعْلُومٍ
٩٩٠ / فيه: الْبَرَاء، أَنَّ النَّبِىَّ؛ ﷺ ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يَسْتَأْذِنُهُمْ؛ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لا يُقِيمَ فِبهَا إِلا ثَلاثَ لَيَالٍ، وَلا يَدْخُلَهَا إِلا بِجُلُبَّانِ السِّلاحِ، وَلا يَدْعُوَ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَلَمَّا مَضَتِ الأيَّامُ، أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا: مُرْ صَاحِبَكَ، فَلْيَرْتَحِلْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلِىٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: (نَعَمْ) ، ثُمَّ ارْتَحَلَ. ليس فى أمر المهادنة حد عند أهل العلم لا يجوز غيره، وإنما ذلك على حسب الحاجة، والاجتهاد فى ذلك إلى الإمام وأهل الرأي. وقال المهلب: إنما قاضاهم على ثلاثة أيام؛ لأنها ليست بعام وهى داخلة فى حكم السفر، والصلاة تقصر فيها. وفيه: الوفاء بالشرط، والمطالبة بما وقعت عليه العقود، وسيأتى هذا الحديث فى كتاب الصلح إن شاء الله.
- باب: طَرْح جَيفِ المْشرِكِينَ فِى الْبِئرِ وَلاَ يُؤْخَذُ لَهَا ثَمنٌ
٩٩١ / فيه: ابْن مسعود: بَيْنَا النَّبِىّ ﷺ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِى مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِىِّ ﷺ ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَته مِنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلأ مِنْ قُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ أَبَا جَهْلِ، وَعُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ، وَعُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُبَىَّ بْنَ خَلَفٍ) . فَلَقَدْ
стр. 2539
رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِى بِئْرٍ غَيْرَ أُمَيَّةَ - أَوْ أُبَىٍّ - فَإِنَّهُ كَانَ [رَجُلا] ضَخْمًا، فَلَمَّا جَرُّوهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، قَبْلَ أَنْ يُلْقَى فِى الْبِئْرِ. قال المؤلف: فى طرح جيف المشركين فى البئر دليل على جواز المثلة بهم إذا ماتوا؛ لأنهم جروه حتى تقطعت أوصاله، وهذا يدل أن نهيه ﷺ عن المثلة إنما هو فى الأحياء، والبئر التى ألقوا فيها يحتمل أن تكون للمشركين، فأراد ﷺ إفسادها عليهم أو لا يكون لأحد عليها ملك، وكانت معطلة. وقوله: (ولا يؤخذ لها ثمن) أى: لا يجوز أخذ الفداء من المشركين إذ كان أصحاب القليب رؤساء مشركى مكة، ولو مكن أهلهم من إخراجهم من البئر، ودفنهم لبذلوا فى ذلك كثير المال، وإنما لم يجز أخذ الثمن فيها؛ لأنها ميتة لا يجوز تملكها، ولا أخذ عوض عنها، وقد حرم رسول الله ثمن الميتة والأصنام فى حديث جابر، وروى فى ذلك أثر عن النبى أخرجه أبو عيسى الترمذى قال: حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن ابن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس (أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى ﷺ أن يبيعهم إياه) . قال أبو عيسى: وقد رواه أيضًا الحجاج بن أرطأة عن الحكم. وقال أحمد بن حنبل: لا يحتج بحديث ابن أبى ليلى. قال البخارى: هو صدوق، ولكن لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه.
стр. 2540
قال الترمذى: إنما يهم فى الإسناد. وقال الثورى: فقهاؤنا ابن أبى ليلى وابن شبرمة. وذكر ابن إسحاق فى السير قال: لما كان يوم الخندق اقتحمه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومى، فتورط فيه فقتل، فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسول الله أن يبيعهم جسده، فقال رسول الله: لا حاجة لنا بجسده، ولا ثمنه. فخلى بينهم وبينه. قال ابن هشام: أعطوا رسول الله فى جسده عشرة آلاف درهم فيما بلغنا عن الزهري. قال المهلب: وفيه من الفقه: جواز ستر عورات المشركين، وطرحهم فى الآبار المعطلة، وهو من باب ستر الأذى، ومواراة السوءة والعورة الظاهرة. وقال الطبرى: فيه من الفقه: أن من الحق مواراة جيفة كل ميت من بنى آدم عن أعين الناس ما وجد السبيل إلى ذلك، مؤمنًا كان الميت أو كافرًا؛ لأمره ﷺ أن يجعلوا بقليب بدر ولم يتركهم مطرحين بالعراء، فالحق الاستنان به ﷺ فيمن أصابه فى معركة الحرب أو غيرها من المشركين، فيوارون جيفته إن لم يكن لهم مانع من ذلك، ولا شيء يعجلهم عنه من خوف كرة عدو. وإذا كان ذلك من سنته ﷺ فى مشركى أهل الحرب، فالمشركون من أهل العهد والذمة إذا مات منهم ميت بحيث لا أحد من أوليائه، وأهل ملته بحضرته، وحضره أهل الإسلام أولى أن تكون السنة فيهم، لسنته فى أهل بدر، وأن يواروا جيفته ويدفنوه، وقد أمر ﷺ عليا فى أبيه أبى طالب إذ مات قال: (اذهب
стр. 2541
ره) فإن يفعلوا ذلك لشاغل أو مانع من ذلك، لم أرهم حرجين بتركهم ذلك؛ لأن أكثر مغازى رسول الله التى كان فيها القتال لم يذكر عنه فى ذلك ما ذكر عنه يوم بدر.
- باب: إِثْمِ الْغَادِرِ للْبَرِّ وَالْفَاجِرِ
٩٩٢ / فيه: أَنَسٍ قَالَ النَّبِىّ، ﷺ : (لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - قَالَ أَحَدُهُمَا: يُنْصَبُ، وَقَالَ الآخَرُ: يُرَى - يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُعْرَفُ بِهِ) . ١٩٩٣ / وفيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ ﷺ : (لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ بِغَدْرَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . ١٩٩٤ / وفيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: (إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأحَدٍ قَبْلِى، وَلَمْ يَحِلَّ لِى إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ، [بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ] ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاها. . .) . قال المهلب: أخبر ﷺ أن عقوبة الغادر يوم القيامة أن يرفع له لواء ليعرف الناس بغدرته، فينظرون منه بعين المعصية، وهذه عقوبة من نوع ما قال الله فى عقوبة الكاذبين على الله: (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم (وإنما قال البخارى: باب (إثم الغادر للبر والفاجر) لعموم قوله ﷺ : (لكل غادر لواء
стр. 2542
يوم القيامة) فدخل فيه من غدر من بر أو فاجر، دل أن الغدر حرام لجميع الناس برهم وفاجرهم؛ لأن الغدر ظلم، وظلم الفاجر حرام كظلم البر التقي. فإن قال قائل: فما وجه موافقة حديث ابن عباس للترجمة؟ قيل: وجه ذلك والله أعلم أن محارم الله عهود إلى عباده، فمن انتهك منها شيئًا لم يف بما عاهد الله عليه، ومن لم يف فهو من الغادرين، وأيضًا فإن النبى ﷺ لما فتح مكة من على أهلها كلهم مؤمنهم ومنافقهم، ومعلوم أنه كان فيهم منافقون، ثم أخبر ﷺ أن مكة حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وأنه لا يحل قتال أحد فيها، وإذا كان هذا فلا يجوز الغدر ببر منهم ولا فاجر؛ إذ شمل جميعهم أمان النبى وعفوه عنهم، والله الموفق.
стр. 2543
- كتاب العقيقة
- بَاب تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ وَتَحْنِيكِهِ
٩٩٥ / فيه: أَبُو مُوسَى، وُلِدَ لِى غُلامٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِىَّ؛ ﷺ ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَىَّ؛ وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِى مُوسَى. ١٩٩٦ / وفيه: عَائِشَةَ، أن النَّبِيّ ﷺ أُتِىَ بِصَبِىٍّ يُحَنِّكُهُ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَأَتْبَعَهُ الْمَاءَ. ١٩٩٧ / وفيه: أَسْمَاءَ، أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِاللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بقُبَاءً، فَوَلَدْتُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِىّ، ﷺ ، فَوَضَعْتُهُ فِى حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِى فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَىْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَّمْرَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِى الإسْلام، فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا؛ لأنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلا يُولَدُ لَكُمْ. ١٩٩٨ / وفيه: أَنَس، كَانَ ابْنٌ لأبِى طَلْحَةَ يَشْتَكِى، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصَّبِىُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ، قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِى؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِىَّ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ، أَتَى النَّبِىّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: (أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ) ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا) ، فَوَلَدَتْ
стр. 2544
غُلامًا، قَالَ لِى أَبُو طَلْحَةَ: احْفَظْهُ حَتَّى تَأْتِىَ بِهِ النَّبِىَّ؛ ﷺ ، فَأَتَى بِهِ النَّبِىَّ وَأَرْسَلَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَأَخَذَهَا النَّبِىُّ ﷺ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ فِيهِ، فَجَعَلَهَا فِى فِى الصَّبِىِّ وَحَنَّكَهُ بِهَا، وَسَمَّاهُ عَبْدَاللَّهِ. قال المهلب: تسمية المولود حين يولد، وبعد ذلك بليلة وليلتين وما شاء إذا لم ينو الأب العقيقة عنه يوم سابعه جائز، فإن أراد أن ينسك عنه فالسنة أن يؤخر تسميته إلى يوم النسك وهو السابع، لما روى الحسن، عن سمرة، عن الرسول أنه قال: (الغلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه ويسمى) قال: ويحنكه بالتمر (تقال) له بالإيمان؛ لأنها ثمرة الشجرة التى شبهها الله تعالى بالمؤمن وبحلاوتها أيضًا. وفيه: أنه حسن أن يقصد بالمولود من أهل الفضل والعلماء والأثمة الصالحين ويحنكونهم بالتمر وشبهه، ويتبرك بتسميتهم إياهم، غير أنه ليس ريق أحد فى البركة كريق النبي. فمن وصل إلى جوفه من ريقه ﷺ فقد أسعده الله وبارك فيه؛ ألا ترى بركة عبد الله بن الزبير وما حازه من الفضائل؛ فإنه كان قارئًا للقرآن عفيفًا فى الإسلام، وكذلك كان عبد الله بن أبى طلحة من أهل الفضل والتقدم فى الخير ببركة تحنيك النبى ﷺ له، وقد تقدم فى كتاب الجنائز الكلام فى حديث أسماء فى باب (من لم يظهر حزنه عند المصيبة) فأغنى عن إعادته. وأما خوفهم أن اليهود سحرتهم فإن ذلك لصحة السحر عندهم
стр. 2545
وخشية أن يفعل ذلك من لا يتقى الله من الكفار، كما سحر لبيد بن الأعصم النبى ﷺ فلما ولد عبد الله بن الزبير أمنوا ذلك وفرحوا. وقولها: (وأنا متم) قال صاحب الأفعال: أتمت كل حامل: جاز أن تضع.
- باب: إماطة الأذى عن الصبى فى العقيقة
٩٩٩ / فيه: حديث سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ ﷺ : (مَعَ الْغُلامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأذَى) . ٢٠٠٠ / وفيه: حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: أَمَرَنِى ابْنُ سِيرِينَ أَنْ أَسْأَلَ الْحَسَنَ مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: مِنْ سَمُرَةَ. قال المؤلف: حديث سمرة: رواه قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبى ﷺ قال: (كل غلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم السابع، ويسمى) وقد ذكرته فى الباب قبل هذا، وإماطة الأذى عن الصبى هو حلق الشعر الذى على رأسه. وقال الأصمعى وغيره: العقيقة أصلها الشعر الذى يكون على رأس الصبى، وإنما سميت الشاة التى تذبح: عقيقة، لأنه يحلق رأس الصبى عند ذبحها. قال الطبرى: فسمت العرب الذبيحة التى يذبحونها عند حلق ذلك الشعر باسم ذلك الشعر، كما سموا النجو: عذرة، وإنما العذرة
стр. 2546
فناء الدار؛ لأنهم كانوا يلقون ذلك بأفنيتهم، وكما قالوا الغائط للحدث، والغائط المطمئن من الأرض؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك فيما اطمأن من الأرض، وذلك كثير فى كلام العرب، أن ينقلوا اسم الشيء إلى ما صاحبه إذا كثرت مصاحبته له. وقوله: (أميطوا) يعنى: أزيلوا وأنفقوا. قال المهلب: ومعنى أمره ﷺ بإماطة الأذى عنه، وإراقة الدم يوم سابعه نسيكة لله تعالى ليبارك فيه، تفاؤلا بطهرة الله له بذلك، وليس ذلك على الحتم لما تقدم من تسميته ﷺ لابن أبى طلحة وابن الزبير وتحنيكه لهما قبل الأسبوع. وروى مالك فى الموطأ أن فاطمة بنت رسول الله وزنت شعر حسن وحسين فتصدقت بزنته فضة. وقوله ﷺ : (أميطوا عنه الأذى) رد لقول الحسن البصرى، وقتادة أن الصبى يطلى رأسه بدم العقيقة؛ لأن الدم من أكبر الأذى، فغير جائز أن ينجس رأس الصبى بدم. وقال الحسن: يعق عنه يوم سابعه، ثم يسمى، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق. قال مالك: فإن جاوز السابع لم يعق عنه، ولا يعق عن كبير وروى عنه ابن وهب أنه إن لم يعق عنه يوم السابع عق عنه فى السابع الثانى، وهو قول عطاء. وعن عائشة: إن لم يعق عنه فى السابع الثانى عق عنه فى السابع الثالث، وهو قول ابن وهب وإسحاق. وقوله ﷺ : (مع الغلام عقيقته) حجة لقول مالك أنه لا يعق عن الكبير، وعلى هذا أئمة الفتوى بالأمصار، واختلفوا فى وجوب العقيقة، فأوجبها الحسن البصرى وأهل الظاهر وتأولوا قوله ﷺ : (مع الغلام عقيقته) على الوجوب.
стр. 2547
وقال مالك والشافعى وأحمد وأبو ثور وإسحاق: العقيقة سنة يجب العمل بها ولا ينبغى تركها لمن قدر عليها. وقال الكوفيون: ليست بسنة. وقولهم خلاف ما عليه العلماء من الترغيب فيها والحض عليها، ألا ترى قول مالك أنها من الأمر الذى لم يزل عليه أمر الناس عندنا. وقال محمد بن الحسن: العقيقة تطوع ونسخها الأضحى. ولا أصل لقوله، إذ لاسلف له ولا أثر به. وروى أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: (أن الرسول عق عن الحسن والحسين بكبشين، كبش عن كل واحد منهما) . وروى حماد بن سلمة، عن عبد الله بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: (أمرنا رسول الله أن نعق عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة) وبه قال مكحول. فإن قيل: فأيهم الصحيح من هذه الآثار؟ قال الطبرى: كلاهما صحيح والعمل بأى ذلك شاء العامل فعل؛ لأنه ﷺ لما صح عنه أنه عق عن الحسن والحسين شاة شاة عن كل واحد منهما، ولم يأتنا خبر أن ذلك خاص لهما، علم أن أمره بالعق عن الغلام بشاتين إنما هو أمر ندب لا أمر إيجاب، وأن لأمته الخيار فى أى ذلك شاءوا. وقد رأى قوم أن العقيقة سنة فى الذكور، غير سنة فى الإناث. روى ذلك عن أبى وائل والحسن. وإلا لما عق ﵇، عن
стр. 2548
الحسن والحسين، فالسنة فى كل مولود من الذكران مثل السنة فيهما. وأما الإناث فلم يصح عندنا عنه ﷺ أنه أمر بالعقيقة عنهن ولا أنه فعل ذلك، إلا أن الذى مضى عليه السلف بالمدينة وانتشر فى بلدان المسلمين أن يعق عن الغلام والجارية. قال يحيى بن سعيد: أدركت الناس وما يدعون العقيقة عن الغلام والجارية. قال الطبرى: والدليل على أنها غير واجبة، ترك النبى ﷺ بيان من يجب ذلك عليه فى المولود، هل هو الأب أو المولود أو إمام المسلمين؟ ولو كان ذلك فرضًا لبين ﷺ من يلزمه ذلك، فمن عق عن المولود من والديه أو غيرهما كان بذلك محسنًا؛ ألا ترى أن الرسول عق عن الحسن والحسين دون أبيهما؟ ولو وجب ذلك على والد المولود لما أجزأ عن على عق النبى عن ابنيه، كما أن على لو لزمه هدى من جزاء صيد أو نذر لم يجزه إهداء مهد عنه إلا بأمره. وفى عقه ﷺ عنهما من غير مسألة على إياه ذلك الدليل الواضح على أنها لم تجب على علىّ، وإذا لم تجب عليه فهو أبعد من وجوبها على فاطمة، ولا نعلم أحدًا من الأئمة أوجبها إلا الحسن البصرى، وقد أبطل وجوبها بقوله إن الأضحى يجزىء عنها؛ لأن الأضحى نسك غير العقيقة، ولو أجزأت منها صار الأضحى يجزىء من فدية حلق الرأس للمحرم، ومن هدى واجب عليه. وفى إجماع الجميع أن الأضحى لا يجزىء عن ذلك الدليل الواضح أنها لا تجزىء من العقيقة، وهى سنة.
стр. 2549
٣ - باب: الفرع
٠٠١ / فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (لا فَرَعَ وَلا عَتِيرَةَ) . وَالْفَرَعُ: أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ، وَالْعَتِيرَةُ: فِى رَجَبٍ. وترجم له باب (العتيرة) . قال أبو عمرو: وهى الفرع بنصب الراء أول ولد تلده الناقة، كانوا يذبحونه فى الجاهلية لآلهتهم فنهوا عنها. قال أبو عبيد: وأما العتيرة فهى الرجبية كان أحدهم إذا طلب أمرًا نذر إن ظفر به أن يذبح من غنمه فى رجب كذا وكذا. فنسخ ذلك بعد. وكان ابن سيرين من بين سائر العلماء يذبح العتيرة فى رجب، وكان يروى فيها شيئًا لا يصح، وأظنه حديث ابن عون، عن أبى رملة، عن مخنف بن سليم، عن النبى ﷺ أنه قال: (على كل أهل بيت أضحى وعتيرة) ولا حجة فيه؛ لضعفه، ولو صح لكان حديث أبى هريرة ناسخًا له. والعلماء مجمعون على القول بحديث أبى هريرة.
стр. 2550
- كتاب الصيد والذبائح
- بَاب التَّسْمِيَةِ عَلَى الصَّيْدِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ (الآية. [المائدة ٩٤] وَقَوْلِهِ: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غير محلى الصيد وأنتم حرام (إِلَى: (وَاخْشَوْنِ) [المائدة ١] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعُقُودُ: الْعُهُودُ، مَا أُحِلَّ وَحُرِّمَ،) إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ (: الْخِنْزِيرُ،) يَجْرِمَنَّكُمْ (: يَحْمِلَنَّكُمْ،) شَنَآنُ (: عَدَاوَةُ،) الْمُنْخَنِقَةُ (: تُخْنَقُ فَتَمُوتُ،) الْمَوْقُوذَةُ (: تُضْرَبُ بِالْخَشَبِ، يُوقِذُهَا فَتَمُوتُ،) وَالْمُتَرَدِّيَةُ) [المائدة ٣] تَتَرَدَّى مِنَ الْجَبَلِ،) وَالنَّطِيحَةُ (: تُنْطَحُ الشَّاةُ، فَمَا أَدْرَكْتَهُ يَتَحَرَّكُ بِذَنَبِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ، فَاذْبَحْ وَكُلْ. ٢٠٠٢ / فيه: عَدِىّ، سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ، قَالَ: (مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ) ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ، فَقَالَ: (مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ أَوْ كِلابِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ، فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ، وَقَدْ قَتَلَهُ، فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ) . اختلف العلماء فى التسمية على الصيد والذبيحة، فروى عن نافع مولى ابن عمر ومحمد ابن سيرين والشعبى أنها فريضة فمن تركها عامدًا أو ساهيًا لم تؤكل، وهو قول أبى ثور وأهل الظاهر.
стр. 2551
وذهب مالك والثورى وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه إن ترك التسمية عامدًا لم تؤكل، وإن تركها ساهيًا أكل. وقال مالك: هو بمنزلة من ذبح ونسى أن يذكر اسم الله، يأكل ويسمي. وقال الشافعى: يؤكل الصيد والذبيحة فى الوجهين جميعًا تعمد ذلك أو نسيه. روى ذلك عن أبى هريرة وابن عباس، وقال ابن عباس: (لا يضرك إنما ذبحت بدينك) . واحتج أصحاب الشافعى بأن المجوسى لو سمى الله لم ينتفع بتسميته؛ لأن المراعى دينه، وكذلك المسلم إذا ترك التسمية عامدًا لا يضره؛ لأن المراعى دينه، وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وابن أبى ليلى. قال ابن القصار: وكان الأبهرى وابن الجهم يقولان: إن قول مالك أن من تعمد ترك التسمية لم تؤكل كراهية وتنزهًا. قال ابن القصار: والدليل على أن التسمية ليست واجبة قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم (فأمر بأكل ما أمسكن علينا، ثم عطفه على الأكل بقوله: (واذكروا اسم الله عليه (والهاء فى (عليه) ضمير الأكل؛ لأنه أقرب مذكور، فإن قيل: الهاء فى (عليه) : عائدة على الإرسال. قيل: لو كانت شرطًا لذكرها قبله، ولم يذكرها بعده. ولما قال: (فكلوا مما أمسكن عليكم (وقال بعد تقدم الأكل) واذكروا اسم الله عليه (لم يحل أن
стр. 2552
يريد بالتسمية على الإمساك الذى قد حصل. فإذا أمسك علينا حينئذ يسمى أو يريد التسمية على الأكل فبطل أن يريد بالتسمية بعد الإمساك علينا من غير أكل؛ لأنه ليس بقول لأحد؛ لأن الناس على قولين: إما أن تكون التسمية قبل الإرسال وقبل الإمساك. أو يكون المراد بها عند الأكل. وإنما أراد تعالى نسخ أمر الجاهلية التى كانت تذكر اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها. وقد روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: (سئل رسول الله فقيل: يا رسول الله، إن ناسًا من أهل البادية يأتوننا بلحمان لا ندرى أسموا الله عليها أم لا، فقال رسول الله: (سموا الله وكلوا) . واحتج من أوجب التسمية بحديث عدى بن حاتم، وأن النبى ﷺ علل له بأن قال: (لأنك سميت على كلبك ولم تسم على غيره) فأباح كل الصيد الذى يجد عليه كلبه؛ لأنه ذكر الله عليه، فدليله أنه إذا لم يسم فلا يأكل فأجابهم الآخرون، فقالوا لحق بدليل الخطاب فإنا نقول: إن لم يسم فلا يأكل كراهية وتنزيها، لما ذكرناه من الدلائل المتقدمة. واختلف العلماء فى ذكاة المتردية والنطيحة والموقوذة والمنخنقة، فذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم أن ما أصاب هذه من نثر الدماغ والحشوة أو قرض المصير، وشق الأوداج
стр. 2553
وانقطاع النخاع، فلا يؤكل وإن ذكيت، فأما كسر الرأس ولم تنتثر الدماغ، أو شق الجوف ولم تنتثر الحشوة، ولا انشق المصير، أو كسر الصلب، ولم ينقطع النخاع، فهذه تؤكل إن ذكيت إن أدرك الروح فيها، ولم تزهق أنفسها، فإن لم يكن من هذه المقاتل شيء، ويئس لها من الحياة وأشكل أمرها، فذبحت فلا تؤكل، وإن طرفت بعينها واستفاض نفسها عند الذبح، وقد كان أصبغ وابن القاسم يحلان أكلها، ولا يريان دق العنق مقتلا حتى ينقطع النخاع، قالا: وهو المخ الأبيض الذى فى داخل العنق والظهر، وليس النخاع عندنا إلا دق العنق، وإن لم ينقطع المخ. كذلك قال ابن الماجشون ومطرف عن مالك. قال ابن حبيب: وأما انكسار الصلب ففيه يحتاج إلى انقطاع المخ الذى فى الفقار، فإن انقطع فهو مقتل، وإن لم ينقطع فليس بمقتل؛ لأنه قد يبرأ على حدب ويعيش. وقال أبو يوسف والحسن بن حيى كقول ابن الماجشون وابن عبد الحكم قالا: إذا بلغ التردى وشبهه حالا لا يعيش من مثله لم يؤكل وإن ذكيت قبل الموت. واحتج ابن حبيب لهذا القول فقال: تأول قوله: (إلا ما ذكيتم (يعنى: فى الحياة القائمة فمات بتذكيتكم لا فى حال اليأس منها؛ لأن الذكاة لا تقع عليها وإن تحركت؛ لأن تلك الحركة من الموت وقد تسبق إليها؛ لأنه هو الذى أماتهم، فإجراء الشفرة عليها وتلك حالها لا يحلها ولا يذكيها، كما أن المذبوحة التى قد قطعت الشفرة حلقومها وأوداجها إذا سقط عليها جدار قبل زهق نفسها أو
стр. 2554
أصابها غرق أو تردى لا يضرها ولا يحرمها؛ لأن الذى سبق إليها من التذكية قبل التردى أو غيره هو الذى أماتها و [. . . .] . وفيها قول آخر: روى الشعبى، عن الحارث، عن على قال: (إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة وهى تحرك يدًا أو رجلا فكلها) وعن ابن عباس وأبى هريرة مثله. وإليه ذهب النخعى والشعبى وطاوس والحسن وقتادة، وأبو حنيفة والثورى وقالا: يدرك ذكاته وفيه حياة ما كانت فإنه ذكى إذا ذكى قبل أن يموت، وهو قول الأوزاعى والليث والشافعى وأحمد وإسحاق. وذكرنا تأويل قتادة وأصحابه فى قوله تعالى: (إلا ما ذكيتم (قالوا: يعنى: من هذه إذ طرفت بعينها أو حركت ذنبها أو أذنها أو ركضت برجلها فذك وكل. واحتج بعض الفقهاء لصحة هذا القول بأن عمر بن الخطاب كانت جراحته مثقلة، وصحت عهوده وأوامره، ولو قتله قاتل فى ذلك الوقت كان عليه القود. قال الطحاوى: ولم يختلفوا فى الأنعام إذا أصابتها الأمراض المثقلة التى قد تعيش معها مدة قصيرة أو طويلة أن ذكاتها الذبح، فكذلك ينبغى فى القياس أن تكون المتردية ونحوها. وقال إسماعيل بن إسحاق: بلغنى عن بعض من يتكلم فى الفقه أن قوله: (إلا ما ذكيتم (إنما هو على ما أكله السبع خاصة، وأحسبه توهم ذلك؛ لأن الاستثناء يلى ما أكل السوابع، وإنما وقع الاستثناء على كل ما ذكر فى الآية كما قال قتادة: (إلا ما ذكيتم (
стр. 2555
أى: ولكن ما ذكيتم. كما قال تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس (يعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم، وإنما كان أهل الجاهلية يأكلون كل ما مات وكل ما قتل؛ فأعلم الله المسلمين أن المقتولة لا تحل إلا بالتذكية، وأن المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع حرام كله، وهو لا يسمى: موقوذة حتى يموت بالذى فعل بها، وكذلك المتردية والنطيحة وما أكل السبع، ولو متردية تركت فلم تمت من ترديها أو شاة عضها سبع أو أكل من لحمها فلم تمت من ذلك، لما كانت داخلة فى هذا الحكم، ولما سميت أكيلة السبع؛ لأنه لم يقتلها، وإنما تسمى العرب أكيلة السبع التى قتلها السبع فأكل منها وبقى منها، فإن العرب تقول للباقى: هذه أكيلة السبع. فنهوا عن ذلك الباقى، وأعلموا أن قتل السبع وغيره مما ذكر لا يقوم مقام التذكية، وإن كان ذلك كله قتلا؛ لأن فى التذكية التى أمرهم الله بها خصوصًا فى تحليل الذبيحة. وقال أبو عبيد: أكيلة السبع هو الذى صاده السبع فأكل منه وبقى بعضه، وإنما هو فريسة، والنصب: حجارة حول الكعبة كان يذبح عليها أهل الجاهلية.
- باب صَيْدِ الْمِعْرَاضِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِى الْمَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقَةِ: تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ، وَكَرِهَهُ سَالِمٌ وَالْقَاسِمُ وَمُجَاهِدٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ رَمْىَ الْبُنْدُقَةِ فِى الْقُرَى وَالأمْصَارِ، وَلا يَرَى بَأْسًا فِيمَا سِوَاهُ. ٢٠٠٣ / فيه: عَدِىَّ، سَأَلْتُ النَّبِىّ ﷺ ، عَنِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: (إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ،
стр. 2556
فَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ) ، فَقُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِى، قَالَ: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ) ، قُلْتُ: فَإِنْ أَكَلَ؟ قَالَ: (فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ) ، قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِى فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قَالَ: (لا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى آخَرَ) . وترجم له (باب: ما أصاب المعراض بعرضه) . وقال عدى: (قلت: يا رسول الله، إنا نرمى بالمعراض. قال: كل ما خزق، وما أصاب بعرضه فلا تأكل) . اختلف العلماء فى صيد المعراض والبندقة، فقال مالك والثورى والكوفيون والشافعى: إذا أصاب المعراض بعرضه وقتله لم يؤكل، وإن خزق جلده وبلغ المقاتل بعرضه أكل. وذهب مكحول والأوزاعى وفقهاء الشام إلى جواز أكل ما قتل المعراض خزق أم لا. وكان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد لا يريان به بأسًا. واحتج مالك بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم (قال: فكل شيء يناله الإنسان بيده أو رمحه أو بشيء من سلاحه، فأنفذه وبلغ مقاتله فهو صيد، كما قال تعالى. ولا حجة لأهل الشام لخلافهم لحديث عدى بن حاتم أن ما أصاب بعرضه فهو وقيذ، والحجة فى السنة لا فيما خالفها. وأما البندقة والحجر فأكثر العلماء على كراهة صيدها وهو عندهم وقيذ كقول ابن عباس، إلا أن يدرك ذكاته، وبه قال النخعى، وذهب إليه مالك والثورى وأبو حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو
стр. 2557
ثور، ورخص فى صيد البندقة عمار بن ياسر، وهو قول سعيد بن المسيب وابن أبى ليلى وبه قال الشاميون. الأصل فى ذلك حديث عدى بن حاتم أن النبى أباح له أكل ما أصاب بحده ومنعه أكل ما أصاب بعرضه؛ لأنه وقيذ، ولا حجة لمن خالف السنة، وإنما كره الحسن البندقة للقرى والأمصار؛ لإمكان وجودهم للسكاكين وما تقع به الذكاة، وأجازها فى البرارى، وفى مواضع يتعذر وجود ذلك فيه. واختلفوا فيما قتلته الجوارح ولم تدمه. فقال الشافعى: لا يؤكل حتى يخزق؛ لقوله تعالى: (من الجوارح (وقال مرة: إنه حلال. واختلف ابن القاسم وأشهب فيها على هذين القولين. فقال ابن القاسم: لا يؤكل حتى يدميه ويجرحه. وقال أشهب: إن مات من صدمة الكلب أكل. والمعراض: السهم دون ريش، عن صاحب العين. وزاد الأصمعى: خزق يخزق خزوقا، وخسق يخسق خسوقا. وقال صاحب العين: كل شىء حاد رززته فى الأرض فارتز تقول: خزقته فانخزق والخسق يثبت، والخزق ما ينفذ.
٣ - باب: صيد القوس
وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ: إِذَا ضَرَبَ صَيْدًا فَبَانَ مِنْهُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ، لا تَأْكُلُ الَّذِى بَانَ منه، وَتأكُلْ سَائِرَه.
стр. 2558
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ أَوْ وَسَطَهُ فَكُلْهُ. وَقَالَ الأعْمَشُ، عَنْ زَيْدٍ: اسْتَعْصَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِاللَّهِ حِمَارٌ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوهُ حَيْثُ تَيَسَّرَ، دَعُوا مَا سَقَطَ مِنْهُ وَكُلُوهُ. ٢٠٠٤ / فيه: أَبُو ثَعْلَبَةَ، قُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِى آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِى وَبِكَلْبِى الَّذِى لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ؟ وَبِكَلْبِى الْمُعَلَّمِ فَمَا يَصْلُحُ لِى؟ قَالَ: (أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا، فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ) . أجمع العلماء أن السهم إذا أصاب الصيد فجرحه وأدماه فسقط على الأرض ميتًا ولم يدر أمات فى الهواء أو بعد ما صار إلى الأرض فإن سقط فمات، فقال مالك: إنه يؤكل إذا أنفذ السهم مقاتله. وهو قول أبى حنيفة والأوزاعى والشافعى وأبى ثور قالوا: وإن وقع على جبل فتردى فمات أو وقع فى ماء ولم ينفذ السهم مقاتله لم يؤكل، وإذا رمى الصيد بسهم مسموم أدرك ذكاته، فكان مالك يقول: لا يعجبنى أن يؤكل. وبه قال أحمد وإسحاق إذا علم أن السهم قتله، وقال غيره: إذا ذكاه فأكله جائز. واختلفوا فى الصيد يضرب فيبين منه عضو. فقالت طائفة: يطرح العضو الذى بان منه ويؤكل الباقى، هذا قول ابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة. وقال مالك: إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل كله، وإن قطع فخذه لم يؤكل الفخذ وأكل الباقي.
стр. 2559
وقال الشافعى: إن قطعه قطعتين أكله، وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى إذا مات من تلك الضربة، وإن قطع يدًا أو رجلا أو شيئًا يمكن أن يعيش بعده ساعة أو أكثر ثم قتله بعد رميته أكل ما لم يبن، ولا يأكل ما بان وفيه الحياة، وهذا نحو قول مالك. وقال الثورى وأبو حنيفة: إذا قطعه نصفين أكلا جميعًا، وإن قطع الثلث مما يلى الرأس أكلا جميعًا، وإن قطع الثلث الذى يلى العجز أكل الثلثين مما يلى الرأس، ولا يأكل الثلث الذى يلى العجز. قال المهلب: وحجة القول الأول أن ما قطع من الصيد قبل أن تنفذ مقاتله فالمقطوع منه ميتة؛ لا شك فى ذلك. وكذلك كان أهل الجاهلية يقطعون أسنمة الإبل وهى أحياء ويأكلونها ثم تكبر الأسنمة وتعود على ما كانت، وقول الكوفيين لا أعلم له وجهًا.
٤ - باب: الخذف والبندقة
٠٠٥ / فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلا يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: لا تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ - أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ - وَقَالَ: (إِنَّهُ لا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ، وَلا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ) ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ - أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ - وَأَنْتَ تَخْذِفُ، لا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا. والخذف عند أهل اللغة: الرمى بالحصاة والعصا. قال المهلب: وأباح الله الصيد فى كتابه على صفة اشترطها تعالى من الاصطياد بالأيدى والرماح بقوله: (تناله أيديكم ورماحكم (
стр. 2560
فمعنى الأيدى: الذبح، ومعنى الرماح: كل ما رميت به الصيد بنوع من أنواع فعل اليد من الخزق لجلد الصيد، وإنفاذ مقاتله، وليس البندقة والخذف بالحجر من ذلك المعنى، وإنما هو وقيذ، وقد حرم الله الموقوذة، وبين ذلك نبيه ﷺ أن الخذف لا يصاد به صيد؛ لأنه ليس من المجهزات، فدل أن الحجر لا تقع به ذكاة. وأثمة الفتوى بالأمصار على أنه لا يجوز أكل ما قتلته البندقة والحجر، واحتجوا بحديث عبد الله بن مغفل، وأجاز ذلك الشاميون، فخالفوا حديث ابن مغفل، ولا حجة لمن خالف السنة، وإنما الحجة العمل بها، وقد ذكرنا ذلك فى باب (صيد المعراض) . قال المهلب: فيه من الفقه أن من خالف السنة أنه لا بأس بهجرانه وقطع الكلام عنه، وليس يدخل هجرانه تحت نهى النبى عن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يدل على ذلك أمر الرسول بذلك فى كعب بن مالك وصاحبيه. وفيه: وجوب تغيير العالم ما خالف العلم.
٥ - باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية
٠٠٦ / فيه: ابْن عُمَر، قَالَ ﷺ : (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيَةٍ، نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ) . وقال مرة: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَينِ) .
следующие страницы →