← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

فَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ) ، فَقُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِى، قَالَ: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ) ، قُلْتُ: فَإِنْ أَكَلَ؟ قَالَ: (فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ) ، قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِى فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قَالَ: (لا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى آخَرَ) . وترجم له (باب: ما أصاب المعراض بعرضه) . وقال عدى: (قلت: يا رسول الله، إنا نرمى بالمعراض. قال: كل ما خزق، وما أصاب بعرضه فلا تأكل) . اختلف العلماء فى صيد المعراض والبندقة، فقال مالك والثورى والكوفيون والشافعى: إذا أصاب المعراض بعرضه وقتله لم يؤكل، وإن خزق جلده وبلغ المقاتل بعرضه أكل. وذهب مكحول والأوزاعى وفقهاء الشام إلى جواز أكل ما قتل المعراض خزق أم لا. وكان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد لا يريان به بأسًا. واحتج مالك بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم (قال: فكل شيء يناله الإنسان بيده أو رمحه أو بشيء من سلاحه، فأنفذه وبلغ مقاتله فهو صيد، كما قال تعالى. ولا حجة لأهل الشام لخلافهم لحديث عدى بن حاتم أن ما أصاب بعرضه فهو وقيذ، والحجة فى السنة لا فيما خالفها. وأما البندقة والحجر فأكثر العلماء على كراهة صيدها وهو عندهم وقيذ كقول ابن عباس، إلا أن يدرك ذكاته، وبه قال النخعى، وذهب إليه مالك والثورى وأبو حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو

стр. 2557

ثور، ورخص فى صيد البندقة عمار بن ياسر، وهو قول سعيد بن المسيب وابن أبى ليلى وبه قال الشاميون. الأصل فى ذلك حديث عدى بن حاتم أن النبى أباح له أكل ما أصاب بحده ومنعه أكل ما أصاب بعرضه؛ لأنه وقيذ، ولا حجة لمن خالف السنة، وإنما كره الحسن البندقة للقرى والأمصار؛ لإمكان وجودهم للسكاكين وما تقع به الذكاة، وأجازها فى البرارى، وفى مواضع يتعذر وجود ذلك فيه. واختلفوا فيما قتلته الجوارح ولم تدمه. فقال الشافعى: لا يؤكل حتى يخزق؛ لقوله تعالى: (من الجوارح (وقال مرة: إنه حلال. واختلف ابن القاسم وأشهب فيها على هذين القولين. فقال ابن القاسم: لا يؤكل حتى يدميه ويجرحه. وقال أشهب: إن مات من صدمة الكلب أكل. والمعراض: السهم دون ريش، عن صاحب العين. وزاد الأصمعى: خزق يخزق خزوقا، وخسق يخسق خسوقا. وقال صاحب العين: كل شىء حاد رززته فى الأرض فارتز تقول: خزقته فانخزق والخسق يثبت، والخزق ما ينفذ. ٣ - باب: صيد القوس وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ: إِذَا ضَرَبَ صَيْدًا فَبَانَ مِنْهُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ، لا تَأْكُلُ الَّذِى بَانَ منه، وَتأكُلْ سَائِرَه.

стр. 2558

قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ أَوْ وَسَطَهُ فَكُلْهُ. وَقَالَ الأعْمَشُ، عَنْ زَيْدٍ: اسْتَعْصَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِاللَّهِ حِمَارٌ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوهُ حَيْثُ تَيَسَّرَ، دَعُوا مَا سَقَطَ مِنْهُ وَكُلُوهُ. ٢٠٠٤ / فيه: أَبُو ثَعْلَبَةَ، قُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِى آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِى وَبِكَلْبِى الَّذِى لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ؟ وَبِكَلْبِى الْمُعَلَّمِ فَمَا يَصْلُحُ لِى؟ قَالَ: (أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا، فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ) . أجمع العلماء أن السهم إذا أصاب الصيد فجرحه وأدماه فسقط على الأرض ميتًا ولم يدر أمات فى الهواء أو بعد ما صار إلى الأرض فإن سقط فمات، فقال مالك: إنه يؤكل إذا أنفذ السهم مقاتله. وهو قول أبى حنيفة والأوزاعى والشافعى وأبى ثور قالوا: وإن وقع على جبل فتردى فمات أو وقع فى ماء ولم ينفذ السهم مقاتله لم يؤكل، وإذا رمى الصيد بسهم مسموم أدرك ذكاته، فكان مالك يقول: لا يعجبنى أن يؤكل. وبه قال أحمد وإسحاق إذا علم أن السهم قتله، وقال غيره: إذا ذكاه فأكله جائز. واختلفوا فى الصيد يضرب فيبين منه عضو. فقالت طائفة: يطرح العضو الذى بان منه ويؤكل الباقى، هذا قول ابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة. وقال مالك: إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل كله، وإن قطع فخذه لم يؤكل الفخذ وأكل الباقي.

стр. 2559

وقال الشافعى: إن قطعه قطعتين أكله، وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى إذا مات من تلك الضربة، وإن قطع يدًا أو رجلا أو شيئًا يمكن أن يعيش بعده ساعة أو أكثر ثم قتله بعد رميته أكل ما لم يبن، ولا يأكل ما بان وفيه الحياة، وهذا نحو قول مالك. وقال الثورى وأبو حنيفة: إذا قطعه نصفين أكلا جميعًا، وإن قطع الثلث مما يلى الرأس أكلا جميعًا، وإن قطع الثلث الذى يلى العجز أكل الثلثين مما يلى الرأس، ولا يأكل الثلث الذى يلى العجز. قال المهلب: وحجة القول الأول أن ما قطع من الصيد قبل أن تنفذ مقاتله فالمقطوع منه ميتة؛ لا شك فى ذلك. وكذلك كان أهل الجاهلية يقطعون أسنمة الإبل وهى أحياء ويأكلونها ثم تكبر الأسنمة وتعود على ما كانت، وقول الكوفيين لا أعلم له وجهًا. ٤ - باب: الخذف والبندقة ٠٠٥ / فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلا يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: لا تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ - أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ - وَقَالَ: (إِنَّهُ لا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ، وَلا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ) ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ - أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ - وَأَنْتَ تَخْذِفُ، لا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا. والخذف عند أهل اللغة: الرمى بالحصاة والعصا. قال المهلب: وأباح الله الصيد فى كتابه على صفة اشترطها تعالى من الاصطياد بالأيدى والرماح بقوله: (تناله أيديكم ورماحكم (

стр. 2560

فمعنى الأيدى: الذبح، ومعنى الرماح: كل ما رميت به الصيد بنوع من أنواع فعل اليد من الخزق لجلد الصيد، وإنفاذ مقاتله، وليس البندقة والخذف بالحجر من ذلك المعنى، وإنما هو وقيذ، وقد حرم الله الموقوذة، وبين ذلك نبيه ﷺ أن الخذف لا يصاد به صيد؛ لأنه ليس من المجهزات، فدل أن الحجر لا تقع به ذكاة. وأثمة الفتوى بالأمصار على أنه لا يجوز أكل ما قتلته البندقة والحجر، واحتجوا بحديث عبد الله بن مغفل، وأجاز ذلك الشاميون، فخالفوا حديث ابن مغفل، ولا حجة لمن خالف السنة، وإنما الحجة العمل بها، وقد ذكرنا ذلك فى باب (صيد المعراض) . قال المهلب: فيه من الفقه أن من خالف السنة أنه لا بأس بهجرانه وقطع الكلام عنه، وليس يدخل هجرانه تحت نهى النبى عن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يدل على ذلك أمر الرسول بذلك فى كعب بن مالك وصاحبيه. وفيه: وجوب تغيير العالم ما خالف العلم. ٥ - باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية ٠٠٦ / فيه: ابْن عُمَر، قَالَ ﷺ : (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيَةٍ، نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ) . وقال مرة: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَينِ) .

стр. 2561

كان ابن عمر يجيز الكلب للصيد والماشية خاصة على نص حديثه، ولم يبلغه ما روى غيره فى ذلك. وقد روى مالك، عن يزيد بن خصيفة أن السائب بن يزيد أخبره أنه سمع سفيان بن أبى زهير يحدث (أنه سمع النبى ﷺ يقول: من اقتنى كلبًا لا يغنى عنه زرعًا ولا ضرعًا نقص من عمله كل يوم قيراط) . ويدخل فى معنى الزرع الكرم والثمار وغير ذلك، ولم يختلف العلماء فى تأويل قوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث (أنه كان كرمًا، وروى عبد الله بن مغفل أن النبى ﷺ قال: (من اتخذ كلبًا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا حرث. . .) ويدخل فى معنى الزرع والكرم منافع البادية كلها من الطارق وغيره. وقد سئل هشام بن عروة عن اتخاذ الكلب للدار، فقال: لا بأس به إذا كانت الدار مخوفة. فأما ما روى عنه ﷺ فى حديث سفيان بن أبى زهير: (قيراط) وفى حديث ابن عمر: (قيراطان) فيحتمل والله أعلم أنه ﷺ غلظ عليهم فى اتخاذ الكلاب، لأنها تروع الناس، فلم ينتهوا؛ فزاد فى التغليظ فجعل مكان القيراط قيراطين. وقد روى حماد بن زيد، عن واصل مولى أبى عيينة قال: سأل سائل الحسن فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ما ذكر فى الكلب أنه ينقص من أجر أهله كل يوم قيراط، بم ذلك؟ قال: لترويعه المسلم.

стр. 2562

٦ - بَاب إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) [المائدة: ٤] الآية. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ، فَقَدْ أَفْسَدَهُ، إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ (فَيضْرَبُ وَيُعَلَّمُ حَتَّى يَتْرُكَ، وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَرِبَ الدَّمَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ. ٢٠٠٧ / - وفيه: عَدِىّ، سَأَلْتُ النَّبِىّ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلابِ، فَقَالَ: (إِذَا أَرْسَلْتَ كِلابَكَ الْمُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ قَتَلْنَ إِلا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ، فَإِنِّى أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلا تَأْكُلْ) . اختلف العلماء فى الكلب المعلم إذا أكل من الصيد هل يجوز أكله أم لا؟ فقال ابن عباس: إذا أكل فقد أفسده وأمسك على نفسه. وقال بذلك من التابعين: الشعبى وعطاء وعكرمة وطاوس والنخعى وقتادة، وحجتهم حديث عدى بن حاتم، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور قالوا كلهم: إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم، فلا يؤكل صيده. وفيها قول آخر روى عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم قالوا: كل وإن أكل الكلب ولو لم يبق إلا نصفه، وهذا قول على بن أبى طالب وابن عمر، وسعد بن أبى وقاص، وسلمان الفارسى، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن،

стр. 2563

والزهرى، وربيعة، وهو قول مالك، والليث، والأوزاعى، وحجتهم ما رواه أبو داود، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا هشيم، حدثنا داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد الله عن أبى إدريس الخولانى، عن أبى ثعلبة الخشنى قال: قال رسول الله: (إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه) . وقال لى بعض شيوخى: فى الظاهر أن حديث أبى ثعلبة ناسخ لحديث عدي. وقال إسماعيل بن إسحاق: إنما ذكر فى الحديث (إن أكل فلا تأكل) قال إسماعيل: ولما ثبت فى حديث عدى وغيره أن النبى ﷺ جعل قتل الكلب للصيد تذكية. لم يضر ما حدث بعد التذكية من أكل الكلب أو غيره، كما أن البهيمة إذا ذبحت لم يضر لحمها ما حدث بعد التذكية، وإنما الكلب بمنزلة السهم إنما أرسلته؛ فذهب بإرسالى إلى الصيد فقتله فقلته، فكأنى أنا قتلته، فكذلك السهم إذا أرسلته من يدى فأصاب الصيد فكأنى أنا ذبحت الصيد؛ لأنى لا أنال الصيد الذى أناله بيدى إلا كذلك. والمعنى فى قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم (حبسه الصيد حتى جئت فأدركته مقتولا، فلا يضره ما صنع بلحمه بعد التذكية. قال المهلب: ويحتمل أن يكون معنى قوله ﷺ : (فإنى أخشى أن يكون قد أمسك على نفسه) إذا أكل الكلب قبل إنفاذ مقاتله وفوات نفسه. وقد أجمع العلماء أنه إن أكل الكلب وحياته قائمة حتى مات من أجل أكله أنه غير مذكى ولا يحل أكله، وهو فى معنى الوقيذ.

стр. 2564

قال إسماعيل: والذين قالوا: إذا أكل الكلب فلا يؤكل. يقولون إذا أكل البازى والصقر فلا بأس أن يؤكل، قالوا: لأن الكلب ينهى فينتهى، والبازى والصقر إنما يعلمان بالأكل. قال إسماعيل: وهذا يفسد اعتلالهم، ولو كانت علتهم صحيحة لكان البازى والصقر إذا أكلا أمسكا على أنفسهما أيضًا؛ إذ الطير فى معنى الكلاب، لأنها جوارح، والجوارح عند العرب الكواسب على أهلها قال تعالى: (ويعلم ما جرحتم بالنهار (أى: كسبتم، وقوله: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات (. وروى عن ابن عمر ومجاهد قول شاذ أنه لا يكون جارح إلا كلبًا، وكرها صيد الطير، والناس على خلافهم لما دل عليه الكتاب من كونها كلها جوارح. ٧ - باب: الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة ٠٠٨ / فيه: عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ،، عَنِ النَّبِىِّ، ﷺ ، قَالَ: (إِنْ رَمَيْتَ صيدًا، فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَيْسَ بِهِ إِلا أَثَرُ سَهْمِكَ، فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِى الْمَاءِ، فَلا تَأْكُلْ) . وَقَالَ عَدِىّ أيضًا: إنا نَرْمِى الصَّيْدَ فَنَفْتَقِرُ أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ، ثُمَّ نَجِدُهُ مَيِّتًا، وَفِيهِ سَهْمُهُ؟ قَالَ: (يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ) . اختلف العلماء فى الصيد يغيب عن صاحبه. فقال الأوزاعى: إذا وجده من الغد ميتًا ووجد فيه سهمه أو أثرًا من

стр. 2565

كلبه، فليأكله. وهو قول أشهب وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، قالوا: إذا مات وأنفذت الجوارح أو السهم مقاتله، ولم يشك فى ذلك فليؤكل. وذكر ابن القصار أنه روى مثله عن مالك، والمعروف عنه خلافه. وقال مالك فى الموطأ والمدونة: لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه، إذا وجدت به أثرًا من كلبك، أو كان به سهمك، ما لم يبت، فإذا بات لم يؤكل. وقال أبو حنيفة: إذا توارى عنه الصيد والكلب فى طلبه فوجده قد قتله جاز أكله، وإن ترك الكلب الطلب واشتغل بعمل غيره، ثم ذهب فى طلبه فوجده مقتولا. والكلب عنده كرهت أكله. وقال الشافعى: القياس ألا يأكله إذا غاب عنه لأنه يمكن أن يكون غيره قتله، وقد قال ابن عباس: (كل ما أصميت ودع ما أنميت) . وقال أبو عبيد: الإصماء: أن يرميه فيموت بين يديه لم يغب عنه، والإنماء: أن يغيب عنه فيجده ميتًا. واحتج ابن القصار لأهل المقالة الأولى الذين أوقفوا حديث عدى قالوا: إن النبى ﷺ أجاز أكله بعد يومين وثلاثة إذا وجد فيه أثر سهمه، ألا ترى أن النبى ﷺ بين له أنه إنما يحل أكله بشرط أن يجد فيه أثر سهمه أو سهمه وهو يعلم أنه قتله، فإذا عدم الشرط لم يحل. واحتج الكوفيون بقول عدى: إنا نرمى الصيد، فنقتفوا أثره اليومين والثلاثة، يأكل إن شاء. قالوا: إنما أباح أكله لأجل افتقاده أثره، وهو أن يتبعه؛ لأنه إذا لم يتبعه ووجده مقتولا عسى أن يكون

стр. 2566

قد صار مقدورًا عليه فلم يلحق ذكاته فلا يؤكل. فيقال لهم: قد جاء حديث عدى فى أول هذا الباب أنه قال: (إذا رميت صيدًا فوجدته بعد يوم أو يومين، وليس به إلا أثر سهمك فكل) ولم يذكر الاتباع فنستعمل الجميع، فيجوز أن يؤكل وإن لم يتبعه إذا كان فيه سهمه ولا أثر فيه غيره، ويستعمل خبركم إذا شاهده قد أنفذ مقاتله، ثم غاب الصيد عنه ثم وجده على حاله، واستعمال الأخبار أولى من إسقاط بعضها. وأما قولهم: إذا لم يتبعه لم يأمن أن يكون قد صار مقدورًا عليه. فإننا نقول: هذا حكم بشيء مظنون، وإنما يجوز أكله إذا لم ير فيه أثرًا غير كون سهمه فيه، ولو روعى هذا الذى ذكره لوجب أن يتوقف عن كل صيد؛ لأنه يجوز أن يكون مات خوفًا وفزعًا، وإن شاهدناه واتبعناه، فإذا وجدنا السهم فيه ولا أثر فيه غيره فالظاهر أنه مات منه. وقد روى عن النبى ﷺ (أنه مر بالروحاء فإذا هو بوحش عقير فيه سهم قد مات، فقال النبى: دعوه حتى يجيء صاحبه فجاء البهزى، فقال: يا رسول الله هى رميتي. فأمره أن يقسمه بين الرفقة وهم محرمون) . ولو كان الحكم يختلف بين أن يتبعه حتى يجده، أو يشتغل عنه ثم يطلبه ويجده، لاستفسره ﷺ ، فلما لم يسأل عن ذلك وقال: (دعوه حتى يجيء صاحبه) ولم يزد: هل كان يتبعه؟ علم أن الحكم لا يختلف. والحجة لقول مالك: ما روى عن ابن عباس أنه سئل عن الرجل يرمى الصيد فيجد فيه سهمه من الغد، قال: لو أعلم أن سهمك قتله لأمرتك بأكله ولكن لا أدرى قتله هو أو غيره، وفى حديث آخر: (وما غاب عنك ليلة فلا تأكله) .

стр. 2567

قال ابن القصار: وهذا عندى على الكراهية والله أعلم. واقتفوت الأثر: اتبعته. ٨ - باب: إذا وجد مع الصيد كلبًا آخر ٠٠٩ / فيه: عَدِىّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أُرْسِلُ كَلْبِى وَأُسَمِّى، فَقَالَ ﷺ : (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وَسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَأَكَلَ، فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ) . قُلْتُ: إِنِّى أُرْسِلُ كَلْبِى أَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ لا أَدْرِى أَيُّهُمَا أَخَذَهُ؟ فَقَالَ: (لا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ) . جمهور العلماء بالحجاز والعراق متفقون أنه إذا أرسل كلبه على الصيد ووجد معه كلبًا آخر لا يدرى أيهما أخذه؛ فإنه لا يؤكل ذلك الصيد، وأخذوا بحديث عدى بن حاتم. وممن قال ذلك: عطاء ومالك والكوفيون والشافعى وأحمد وأبو ثور، وقد بين الرسول ﷺ المعنى فى ذلك فقال: إنما سميت على كلبك عند إرسالك له ولم تسم على غيره، فينبغى أن يكون الصيد بإرسال ونية لله تعالى عند إرساله. وكان الأوزاعى يقول: إذا أرسل كلبه المعلم فعرض له كلب آخر فقتلاه فهو حلال، وإن كان غير معلم فقتلاه لم يؤكل. وقال لى بعض من لقيت: إن كان الكلب المعلم قد أرسله صاحبه فالمسألة إجماع جواز أكله، ولو أن كلبًا معلمًا انطلق على صيد، وأخذه لم يرسله أحد عليه أنه لايجوز أكله لعدم الإرسال والنية، وهذا إجماع. قال ابن المنذر: وإذا اجتمع أصحاب كلاب وأطلقوا كلابهم على صيد وسمى كل واحد منهم، ثم وجدوا الصيد قتيلا، ولا يدرى من

стр. 2568

قتله منهم فكان أبو ثور يقول: إذا مات الصيد بينهم فإنه يؤكل، وهذا إجماع، فإن اختلفوا فيه وكانت الكلاب متعلقة به كان بينهم، وإن كان مع واحد منهم كان صاحبه أولى، وإن كان قتيلا والكلاب ناحية أقرع بينهم، فمن أصابته القرعة كان له. ٩ - باب: ما جاء فى الصيد ٠١٠ / فيه: عَدِىِّ، قلت: يَا رسُول اللَّه، إِنَّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهَذِهِ الْكِلابِ. ٢٠١١ / وفيه: أَبُو ثَعْلَبَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابِ نَأْكُلُ فِى آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِى، وَأَصِيدُ بِكَلْبِى الْمُعَلَّمِ، وَالَّذِى لَيْسَ مُعَلَّمًا. . . . الحديث. ٢٠١٢ / وفيه: أَنَس، قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَوْا عَلَيْهَا حَتَّى تَعِبُوا، فَسَعَيْتُ عَلَيْهَا حَتَّى أَخَذْتُهَا، فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِى طَلْحَةَ، فَبَعَثَ إِلَى النَّبِىِّ، ﷺ ، بِوَرِكَيْهَا أَوْ فَخِذَيْهَا، فَقَبِلَهُ. ٢٠١٣ / وفيه: أَبُو قَتَادَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِىّ، ﷺ ، بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ. . . الحديث. فقال ﷺ : (إنما هى طعمة أطعمكموها الله) العلماء مجمعون على جواز الصيد للاكتساب وطلب المعاش. وقال مالك: إن من كان شأنه الصيد للذة أن شهادته غير جائزة.

стр. 2569

وقد روى ابن عباس عن النبى ﷺ أنه قال: (من طلب الصيد غفل) إلا أن حال الذى يصيد للذة ينبغى أن يعتبر، وإن كان يضيع له فرائضه وما يلزمه من مراعاة أوقات الصلوات وشبهها فهذا هو الأمر المسقط لشهادته ولو لم يكن ثم صيد، وإن كان لا يضيع شيئًا يلزمه؛ فلا ينبغى أن ترد شهادته. وحديث ابن عباس رواه سفيان الثورى، عن أبى موسى التمار، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله: (من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن لزم السلطان افتتن) . وقوله: (أنفجنا أرنبًا) يعنى: أجرينا، وفى كتاب الأفعال: نفج الأرنب وغيره نفوجًا: أسرع. وقال صاحب العين: وأنفجته وكل ما ارتفع فقد انتفج، ورجل نفاج بما لم يفعل. - باب: الصيد على الجبال ٠١٤ / فيه: أَبُو قَتَادَةَ، كنت مَعَ النَّبِىّ، ﷺ ، فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَأَنَا حِلٌّ عَلَى فَرَسى، وَكُنْتُ رَقَّاءً عَلَى الْجِبَالِ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ، إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ مُتَشَوِّفِينَ لِشَيْءٍ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ. . . . الحديث. التصيد على الجبال، كالصيد على السهل فى الإباحة والجواز. وفيه: أن الجرى على الخيل فى الجبال والأوعار جائز للحاجة إلى ذلك، وليس من تعذيب البهائم والتحامل عليها.

стр. 2570

- بَاب قَوْلِ اللَّهِ: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) [المائدة ٩٦] وَقَالَ عُمَرُ: صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ،) وَطَعَامُهُ (مَا رَمَى بِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الطَّافِى حَلالٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ،) طَعَامُهُ (: مَيْتَتُهُ إِلا مَا قَذِرْتَ مِنْهَا، وَالْجِرِّىُّ لا تَأْكُلُهُ الْيَهُودُ، وَنَحْنُ نَأْكُلُهُ. وَقَالَ شُرَيْحٌ صَاحِبُ النَّبِىِّ ﷺ : كُلُّ شَىْءٍ فِى الْبَحْرِ مَذْبُوحٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَمَّا الطَّيْرُ، فَأَرَى أَنْ تَذْبَحَهُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: صَيْدُ الأنْهَارِ وَقِلاتِ السَّيْلِ، أَصَيْدُ بَحْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلا: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ) [فاطر: ١٢] . وَرَكِبَ الْحَسَنُ عَلَى سَرْجٍ مِنْ جُلُودِ كِلابِ الْمَاءِ. وَقَالَ الشَّعْبِىُّ: لَوْ أَنَّ أَهْلِى أَكَلُوا الضَّفَادِعَ لأطْعَمْتُهُمْ، وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بِالسُّلَحْفَاةِ بَأْسًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ نَصْرَانِىٍّ أَوْ يَهُودِىٍّ أَوْ مَجُوسِىٍّ، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: فِى الْمُرِى، ذَبَحَ الْخَمْرَ النِّينَانُ وَالشَّمْسُ. ٢٠١٥ / فيه: جَابِر، غَزَوْنَا جَيْشَ الْخَبَطِ، وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْر، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ. ٢٠١٦ / - وقَالَ جَابِر مرة: بَعَثَنَا النَّبِىُّ، ﷺ ، ثَلاثَمِائَةِ رَاكِبٍ، وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ، فَسُمِّىَ جَيْشَ الْخَبَطِ، وَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا، يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا بِوَدَكِهِ حَتَّى صَلَحَتْ أَجْسَامُنَا، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلاعِهِ فَنَصَبَهُ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ، وَكَانَ فِينَا رَجُلٌ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْجُوعُ نَحَرَ ثَلاثَ جَزَائِر، ثُمَّ ثَلاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.

стр. 2571

اختلف العلماء فى تأويل قوله تعالى: (وطعامه متاعا لكم (فقال ابن عباس: طعامه ما لفظه فألقاه ميتًا. وقال ابن عباس: أشهد على أبى بكر الصديق لسمعته يقول: (السمكة الطافية حلال لمن أكلها) . وعن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو وأبى هريرة، مثل قول ابن عباس فى تأويل الآية، وروى عن ابن عباس قول آخر قال: (طعامه مملوحه) وعن سعيد بن المسيب، والنخعى، ومجاهد، وابن جبير مثله، ومن قال: طعامه مملوحه كره أكل ما يلقى منه ميتًا، وروى ذلك عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وعن طاوس، وابن سيرين، والكوفيين: لا يؤكل الطافيء ولا يؤكل من البحر غير السمك. وقال مالك: يؤكل كل حيوان فى البحر، وهو حلال حيا كان أو ميتًا. وهو قول الأوزاعى، وأجاز الشافعى خنزير الماء، وكرهه مالك. قال ابن القصار: من غير تحريم. وقال ابن القاسم: لا أراه حرامًا. وحديث جابر حجة على الكوفيين ومن وافقهم؛ لأن أبا عبيدة فى أصحاب النبى أكلوا الحوت الذى لفظه البحر ميتًا، ولا يجوز أن يخفى عليهم وجه الصواب فى ذلك، ويأكلوا الميتة وهم ثلاثمائة رجل. وقال بعض المالكيين: إنهم لم يأكلوا ذلك الحوت على وجه ما يؤكل عليه الميتة عند الضرورة إليها، وذلك أنهم أقاموا عليه أيامًا يأكلون منه، والمضطر إلى الميتة إنما يأكل منها ثم ينتقل يطلب المباح.

стр. 2572

وقوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر (يقتضى عمومه إباحة كل ما فى البحر من جميع الحيوان حوتًا كان أو غيره مما صاد، خنزيرًا كان أو كلبًا أو ضفدعًا، ويشهد لذلك قوله ﷺ : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فأطلق على جميع ميتته وأباحها؛ فسقط قول أبى حنيفة. قال ابن القصار: وقد قال أبو بكر الصديق: (كل دابة فى البحر فقد ذكاها الله لكم) ولم يخص، ولا مخالف له، وأيضًا فإن البحر لما عفى عن الذكاة فيما يخرج منه عفى عن مراعاة صورها، وبعضها كصور الحيات، وكذلك صورة الدابة التى يقال لها: العنبر خارجة عن عادات السمك ولم يحرم أكلها. وأيضًا فإن اسم سبع وكلب وخنزير لا يتناول حيوان الماء؛ لأنك تقول خنزير الماء وكلب الماء بالإضافة، والخنزير المحرم مطلق لا يتناول إلا ما كان فى البر خاصة، وكذلك البحرى داخل فى صيد البحر ولم يرو كراهته إلا عن على بإسناد لا يصح. وأجازه الكوفيون؛ لأنه داخل فى عموم السمك، وحرموا الضفادع، وبه قال الشافعي. وأما قول ابن عباس: كل ما صاد من البحر مجوسى أو غيره. فهو قول جمهور العلماء؛ لأن طعام البحر ميتة ولا يحتاج فيه إلى ذكاة. قال مالك: فإذا أكل ميته فلا يضر من صاده. وقال الحسن: أدركت سبعين من أصحاب النبى ﷺ كلهم يأكل صيد المجوسى؛ الحيتان وما ينخلج فى صدورهم منه شيء. وروى ذلك عن عطاء، والنخعى، وهو قول مالك، والكوفيين، والليث والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور. وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة: معنى قول أبى الدرداء: (ذبح الخمر النينان

стр. 2573

والشمس) أن الخمر تطرح فى الحيتان حتى تصير مريا فكأن الحيتان والشمس ذكاة الخمر وذبحها الذى يحللها. وهذا حجة فى جواز تخليل الخمر، وسيأتى ذلك فى كتاب البيوع فى باب: تحريم التجارة فى الخمر إن شاء الله. والقلات: جمع قلت والقلت نفرة بحجر يحفرها السيل وكل نقرة فى الجبل أو غيره: قلت؛ فإنما أراد ما سابق السيل من الماء وبقى فى الغدر الصفار فكان فيها حيتان. والجرى ضرب من سمك. والخبط: اسم ما خبط من القشر والورق. - باب: الجراد ٠١٧ / فيه: ابْن أَبِى أَوْفَى، غَزَوْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ - أَوْ سِتًّا - كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ. اختلف الناس فى الجراد فقال الكوفيون: يؤكل الجراد كيفما مات وهو قول الشافعى، وقال مالك: إن وجده ميتًا لم يأكله حتى يقطع رءوسه أو يطرح فى النار وهو حى من غير أن تقطف رءوسه فهو حلال. ومن أجاز أكله ميتًا جعله من صيد البحر كطافى الحيتان يجوز أكلها. وذكر الطبرى عن ابن عباس أنه قال: الجراد ذكى حيه وميته. وذكر عبد الرزاق أن ابن عباس قال: كان عمر يأكل الجراد، ويقول: لا بأس به؛ لأنه لا يذبح. وعن على بن أبى طالب أنه قال: الجراد مثل صيد البحر وهو قول عطاء. وأما مالك فهو عنده من صيد البر، ولا يجوز أكله إلا بذكاة، وهو قول ابن شهاب وربيعة. وكان علقمة يكره الجراد ولا يأكله. قال الأبهرى: والدليل على أنه من صيد البر أن المحرم يجوز له

стр. 2574

صيد البحر وهو ممنوع من صيد الجراد، وذلك لئلا يقتله، فعلم أنه من صيد البر، وإذا كان ذلك كذلك فيحتاج إلى ذكاة إلا أن ذكاته حسب ما تيسر كما يكون فى الصيد، ذكاته حسب ما يقدر عليه من الرمى، وإرسال الكلب؛ لأنه لا يتمكن من ذبحه من الحلق واللبة، كذلك الجراد تذكيته كيفما تيسر؛ لأنه لا حلق له ولا لبة، ولما كان يعيش فى البر وجب أن يفارق السمك فلا يستباح إلا بما يقوم مقام الذكاة من أخذه كيف تيسر؛ لأن صيد البر لم يسامح فيه بغير ذكاة كما سومح فى صيد البحر. - باب: آنية المجوسى والميتة ٠١٨ / فيه: أَبُو ثَعْلَبَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَنَأْكُلُ فِى آنِيَتِهِمْ؟ فَقَالَ: (لا تَأْكُلُوا فِى آنِيَتِهِمْ، إِلا أَنْ لا تَجِدُوا بُدًّا، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُدًّا، فَاغْسِلُوا وَكُلُوا. . . .) الحديث. ٢٠١٩ / وفيه: سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ، وَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (عَلامَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ) ؟ قَالُوا: لُحُومِ الْحُمُرِ الإنْسِيَّةِ، قَالَ: (أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا، وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا) ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا، فَقَالَ ﷺ : (أَوْ ذَاكَ) . قال المهلب: معنى ذكر آنية المجوسى فى هذه الترجمة، وذكر سؤال أبى ثعلبة للنبى ﷺ عن آنية أهل الكتاب، من أجل أن أهل الكتاب لا يتحرزون من الميتة والخنزير والخمر، و [. . . . .] أعناق الحيوان وذلك ميتة كطعام المجوس، وقد جاء هذا

стр. 2575

المعنى مبينًا فى حديث أبى ثعلبة الخشنى قال: قلت: يا رسول الله، إن أرضنا أرض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: (إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا) فأباح ﷺ غسل ما جعل فيه الخنزير والخمر، واستعمال الأواني. والعلماء مجمعون على أن الماء مطهر لكل نجاسة من جميع أوانى الشراب وغيرها إلا ما روى أشهب عن مالك فى زقاق الخمر أنها لا تطهر بالغسل؛ لأنها تشرب الخمر وذلك مخالف لجميع الظروف. وأما حديث تحريم الحمر فى هذا الباب فهو بين؛ لأن الحمر قد ثبت تحريمها فهى كالميتة، وأباح النبى ﷺ القدور بعد غسلها، وكذلك آنية المجوس يجوز استعمالها بعد غسلها؛ لأن ذبائحهم ميتة، وذكر ابن حبيب، عن ابن عباس أنه قيل له: (إنا نغزو أرض الشرك، ونزل بالمجوس وقد طبخوا فى قدورهم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، فقال: (ما كان من حديد أو نحاس فاغسلوه بالماء ثم اطبخوا فيه، وما كان من فخار فاغلوا فيها الماء، ثم اغسلوها واطبخوا فيها، فإن الله جعل الماء طهورًا) وسيأتى الكلام فى ظروف الخمر هل تضمن إذا كسرت فى كتاب المظالم، إن شاء الله.

стр. 2576

- كتاب الذبائح - باب: التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ نَسِىَ فَلا بَأْسَ، قَالَ تَعَالَى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) [الأنعام: ١٢١] وَالنَّاسِى لا يُسَمَّى فَاسِقًا،) وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ (الآية. ٢٠٢٠ / فيه: رَافِعِ، كُنَّا مَعَ الرسول ﷺ بِذِى الْحُلَيْفَةِ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَبْنَا إِبِلا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِىُّ، ﷺ ، فِى أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَدُفِعَ النَّبِىُّ، ﷺ ، إِلَيْهِمُ، فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، وَكَانَ فِى الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) ، وَقَالَ جَدِّى: إِنَّا لَنَرْجُو - أَوْ نَخَافُ - أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَب. فَقَالَ: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) ، وَسَأُحْدثُكُمْ عَنْهُ: (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ) . قال المؤلف: اختلاف العلماء فى التسمية على الذبيحة كاختلافهم

стр. 2577

على التسمية فى الصيد، وقد تقدم اختلاف العلماء فى ذلك، والحجة لأقوالهم فى أول كتاب الصيد فأغنى عن إعادته. وقال أبو الحسن بن القابسى: يمكن أن يكون أمره ﷺ بإكفاء القدور من أجل أنهم استباحوا من الغنائم كما كانوا يعرفون فيما بعد عن بلاد الإسلام، وموضع الانقطاع عن مواضعهم، فهم مضطرون إلى ما وجدوه فى بلاد العدو كما جاء فى قصة خيبر أن قومًا أخذوا جرابًا فيه شحم فما عيب عليهم ولا طولبوا به، وقد مضى من سنن المسلمين فى الغنائم وأكلهم منها ما لاخلاف فيه. وكانوا فى هذه القسمة بذى الحليفة قريبًا من المدينة، ولم يكونوا مضطرين إلى أكل الغنيمة فأراهم النبى ﷺ أن هذا ليس لهم، فمنعهم مما فعلوه بغير إذنه ﷺ فكان فى باب الخوف من الغلول، وقد تقدم هذا المعنى في كتاب الجهاد فى باب (ما يكره من ذبح الإبل والغنم فى المغانم) وذكرت هناك وجهًا آخر. قال ابن القابسى: ولو قيل إن معنى ذلك من قبل أنهم بادروا قبل القسم كان داخلا فى المعنى الذى ذكره، ولو قيل: إنما كان ذلك من قبل أن الغنيمة كانت إبلا وغنمًا كلها لكان داخلا فى المعنى؛ لأن وجهه أنهم فعلوا ما ليس لهم. وقوله: (ثم قسم وعدل) ولم ينقل أحد أنه دخل فى ذلك قرعة، وما لم يدخله قرعة لا يضره اختلاف أجناسه فى القسمة فساووا فيه وتفاضلوا إذا رضوا بذلك. وقوله: (فند منها بعير) يقال: ند نديدًا وندادًا إذا شرد. وقوله: (فأهوى إليه رجل منهم بسهم فحبسه الله) يعنى: أن البعير حبسه الله بذلك السهم ومنعه من النفار الذى كان به حتى أدرك

стр. 2578

فذكى، وليس فى الحديث ما يمنع من هذا المعنى إذ لم يقل فيه: فحبسه الله فمات، لما أنه أدرك فذكى وذكاته ترفع التنازع فى أكله وتصير إلى الإجماع فى أكله، وهو قولنا فيما غلبنا من المواشى الإنسية أنا نحبسها بما استطعنا فما أدركنا منها لم تنفذ مقاتله فذكيناه أكلناه، وإذا أنفذنا مقاتله لم نحمله محمل الصيد؛ إذ لم يأتنا فى ذلك شيء من تتبعه، فنحن فى صيد الوحش على ما أذن الله ورسوله وفى ذكاة الإنسى على ما جاءنا به حكم الذكاة، وسيأتى اختلاف العلماء فى هذه المسألة فى بابها، وفى سائر الحديث فى الذبح بالسن والظفر فى بابه إن شاء الله. وقوله: (إن لهذه البهائم أوابد) قال أبو عمرو الشيبانى: قال النميرى: الآبد: التى تلزم الخلاء فلا تقرب أحدا، ولا يقربها. وقال أبو عمرو: قد أبدت الناقة تأبدًا وأبودًا إذا انفردت وحدها وتفردت، وتأبد أى: تفرد. وقال مرة: هى آبدة إذا ذهبت فى المرعى، وليس لها راعى فأبعدت شهرًا أو شهرين. وقال أبو على فى البارع فى باب وبد: قال ابن أبى طرفة: المستوبد: المستوحش. يقال: خلوت واستوبدت أى: استوحشت.

стр. 2579

- باب: ما يذبح على النصب والأصنام ٠٢١ / فيه: ابْن عُمَرَ، عَنْ النَّبِىّ، ﷺ ، أَنَّهُ لَقِىَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ - وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى النَّبِىّ ﷺ الْوَحْىُ - فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: (إِنِّى لا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلا آكُلُ إِلا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) . قال المؤلف: ظاهر هذا الحديث يدل أن زيدًا قال للنبى: إنى لا آكل مما تذبحون على أنصابكم. يوهم أن النبى كان يأكل ذلك، والنبى كان أولى باجتناب ذلك من زيد. وقد جاء هذا الحديث مبينًا فى مناقب زيد بن عمرو فى كتاب فضائل الصحابة، بينه فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة (أن النبى - ﷺ - لقى زيد بن عمرو بأسفل بلدح - قبل أن ينزل الوحى على الرسول - فقدمت إلى النبى سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إنى لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه) فالسفرة إنما قدمتها قريش للنبى ﷺ فأبى أن يأكل منها، فقدمها النبى ﷺ إلى زيد، فأبى أن يأكل منها، ثم قال لقريش الذين قدموها إلى النبى: (أنا لا آكل مما تذبحون على أنصابكم) . ولم يكن زيد فى الجاهلية بأفضل من النبى، فحين امتنع زيد فالنبى الذى كان حباه الله لوحيه واختاره ليكون خاتم النبيين وسيد المرسلين أولى بالامتناع منها فى الجاهلية أيضًا. قال الطبرى: أنصاب الحرم: أعلامه، وهو جمع نصب، وقد

стр. 2580

يجمع أيضًا: نصبًا. كما قال تعالى: (وما ذبح على النصب (. وكانت هذه النصب ثلاثمائة وستين حجرًا مجموعة عند الكعبة، كانوا يذبحون عندها لآلهتهم ولم تكن أصنامًا، وذلك أن الأصنام كانت تماثيل وصورًا مصورة، وأما النصب فكانت حجارة مجموعة. وقال ابن زيد: ما ذبح على النصب، وما أهل به لغير الله واحد، ومعنى (أهل به لغير الله) : ذكر عليه غير اسم الله من أسماء الأوثان التى كانوا يعبدونها، وكذلك المسيح وكل اسم سوى الله. قال الطبرى: ومعنى (ما أهل به لغير الله) : ما ذبح للآلهة والأوثان، فسمى عليه غير اسم الله. واختلف الفقهاء فى ذلك: فكره عمر، وابن عمر، وعائشة ما أهل به لغير الله. وعن النخعى والحسن مثله، وهو قول الثوري. وكره مالك ذبائح النصارى لكنائسهم وأعيادهم، وقال: لا يؤكل ما سمى عليه المسيح. وقال إسماعيل بن إسحاق: كرهه مالك من غير تحريم. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل ما سمى عليه المسيح. وقال الشافعى: لا يحل ما ذبح لغير الله ولا ما ذبح للأنصاب. ورخص فى ذلك آخرون روى ذلك عن عبادة بن الصامت، وأبى الدرداء، وأبى أمامة، وقال عطاء والشعبى: قد أحل الله ما أهل به لغير الله؛ لأنه قد علم أنهم سيقولون هذا القول وأحل ذبائحهم، وإليه ذهب الليث وفقهاء أهل الشام: مكحول، وسعيد بن عبد العزيز، والأوزاعى قالوا: سواء سمى المسيح على ذبيحته، أو ذبح لعيد أو كنيسة، كل ذلك حلال؛ لأنه كتابى ذبح لدينه، وكانت هذه ذبائحهم قبل نزول القرآن، وأحلها الله فى كتابه.

стр. 2581

قال المؤلف: وإذا ثبت أن ما ذبحوه لكنائسهم، وأعيادهم، وما أهلوا به لغير الله من طعامهم المباح لنا، فلا حجة لمن حرمه ومنعه. ٣ - باب: قول النبى ﷺ : فليذبح على اسم الله ٠٢٢ / فيه: جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ، ضَحَّيْنَا مَعَ النَّبِىّ، ﷺ ، أُضْحِيَةً ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا نَاسٌ قَدْ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَآهُمُ النَّبِىُّ، ﷺ ، أَنَّهُمْ قَدْ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلاةِ، فَقَالَ: (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ) . قال المهلب: قد تقدم أن التسمية من سنن الذبح. وفيه العقوبة فى المال؛ لمخالفة السنة، والتعزير عليها كما عاقب الذين استعجلوا فى ذى الحليفة، وإنما اتجهت العقوبة بالمنع لهم كما استعجلوه قبل وقته، من أصل السنة أن من استعجل شيئًا قبل وجوبه أنه يحرمه، كمن استعجل الميراث حرمه أيضًا، ومن استعجل الوطء فنكح فى العدة حرم ذلك أبدًا، فكذلك هؤلاء الذين عجلوا بالضحايا قبل وقتها حرموها عقوبة لهم. ٤ - باب: ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد ٠٢٣ / فيه: كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ شَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا، فَقَالَ لأهْلِهِ:

стр. 2582

لا تَأْكُلُوا حَتَّى آتِىَ النَّبِىَّ؛ ﷺ ، فَأَسْأَلَهُ، فَأَتَى إِلَيْهِ، فَأَمَرَ ﷺ بِأَكْلِهَا. ٢٠٢٤ / وفيه: رَافع أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لَنَا مُدًى، فَقَالَ: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ، فَكُلْ، لَيْسَ الظُّفُرَ وَالسِّنَّ، أَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ، وَأَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) . وترجم لحديث رافع باب (لا يذكى بالسن والعظم والظفر) . المروة: الحجارة البيض، وقيل: إنها الحجارة التى يقدح منها النار. واختلف العلماء فيما يجوز أن يذبح به. فقالت طائفة: كل ما ذكى به من شيء أنهر الدم وفرى الأوداج ولم يشرد جازت به الذكاة إلا السن والظفر؛ لنهى النبى عنهما، وإن كانا منزوعين، هذا قول النخعى والليث والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور، واحتجوا بحديث نافع، وقال مالك وأبو حنيفة: كل ما فرى الأوداج وأنهر الدم تجوز الذكاة به، وتجوز بالسن والظفر المنزوعين، فأما إن كانا غير منزوعين، فإنه لا يجوز ذلك؛ لأنه يصير خنقًا، وفى ذلك ورد النهى، وكذلك قال ابن عباس: ذلك الخنق؛ لأن ما ذبح به إنما يذبح بكف لا بغيرها، فهو مخنوق، وكذلك ما نهى عنه من السن إنما هو المركبة؛ لأن ذلك يكون عضا، فأما إن كانا منزوعين وفريا الأوداج فجائز الذكاة بهما؛ لأن فى حكم الحجر كل ما قطع ولم يشرد. وإذا جازت التذكية بغير الحديد، جازت بكل شيء فى معناه. وذكر الطحاوى: أن طائفة ذهبت إلى أنه تجوز الذكاة بالسن والظفر المنزوعين وغير المنزوعين، واحتجوا بما روى سفيان عن

стр. 2583

سماك بن حرب، عن مرى بن قطرى، عن رجل من بنى ثعلب، عن عدى بن حاتم (قلت: يا رسول الله، أرسل كلبى فيأخذ الصيد، فلا يكون معى ما يذكيه به إلا المروة والعصا. قال: أنهر الدم بما شئت، واذكر اسم الله) . وحديث رافع أصح من هذا الحديث فالمصير إليه أولى، ولو صح حديث عدى فكان معناه: أنهر الدم بما شئت إلا بالسن والظفر، وزاد الطبرى: وما كان نظيرًا لهما، وهو القرن. قالا: وهذه زيادة وتفسير لحديث عدى يجب الأخذ بها. وفى حديث عدى جواز ذبيحة المرأة، وهو قول جمهور الفقهاء وذلك إذا أحسنت الذبح، وكذلك الصبى عندهم إذا أحسن الذبح، واحتجوا بحديث كعب. واحتج الفقهاء بحديث كعب على جواز كل ما ذبح بغير إذن مالكه، وردوا بهذا الحديث على من أبى من أكل ذبيحة السارق، وهو قول يروى عن عكرمة وطاوس، وبه قال أهل الظاهر وإسحاق، وهو شذوذ لا يلتفت إليه، والناس على خلافه. وقال ابن المنذر: وليس بين ذبيحة السارق وذبيحة المحرم فرق. قال المهلب: فيه تصديق الراعى والأجير فيما اؤتمن عليه حتى يظهر عليه دليل الخيانة والكذب.

стр. 2584

٥ - باب: ذبيحة الأعراب ونحوهم ٠٢٥ / فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِىِّ ﷺ : إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لا نَدْرِى أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ: (سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ) ، قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِى عَهْدٍ بِالْكُفْرِ. قال المهلب: هذا أصل أن التسمية فى الذبح ليست بفرض، ولو كانت فرضًا لاشترطت على كل حال. والأمة مجمعة أن التسمية على الأكل مندوب إليه، وليست بفريضة، فلما نابت عن التسمية على الذبح دل أنها سنة؛ لأنه لا ينوب عن فرض، وهذا الحديث يدل أن حديث عدى بن حاتم وأبى ثعلبة محمولان على التنزه من أجل أنهما كانا صائدين على مذهب الجاهلية فعلمهما أمر الصيد والذبح دقيقه وجليله، لئلا يواقعا شبهة من ذلك، ويأخذا بأكمل الأمور فى بدو الأمر فعرفهم ﷺ . وهؤلاء القوم جاءوا مستفتين لأمر قد وقع ويقع من غيرهم، ليس لهم فيه قدرة على الأخذ بالكمال فى بدئه، فعرفهم ﷺ بأصل ما أحله الله لهم، ولم يقل لعدى: إنك إن فعلت فإنه حرام، ولكن قال له: (لا تأكل فإنى أخاف) فأدخل عليه الشبهة التى يجب التنزه عنها، والأخذ بالأكمل قبل مواقعتها. ويدل على صحة هذا المعنى أنه قد يشتد قبل وقوع الأمر ولا يشتد بعد وقوعه: قصة اللعن لشارب الخمر قبل شربها، ونهيه عن اللعنة بعد شربها بقوله ﷺ : (لا تعينوا الشيطان على أخيكم) .

стр. 2585

٦ - بَاب ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشُحُوم أَهْلِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِمْ وَقَوْلِهِ: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) [المائدة: ٥] . وَقَالَ الزُّهْرِىُّ: لا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّى لِغَيْرِ اللَّهِ، فَلا تَأْكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ، فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ. وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِىٍّ نَحْوُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ: لا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الأقْلَفِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ. ٢٠٢٦ / فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَر، فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ، فَنَزَوْتُ لآخُذَهُ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِىُّ، ﷺ ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ. قال المؤلف: أباح الله لعباده المؤمنين ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم (وأجمعوا أنه أريد بطعامهم فى هذه الآية ذبائحهم. اختلفوا فى شحومهم المحرمة عليهم إذا ذكروها، فكرهها مالك، وقال ابن القاسم وأشهب: إنها حرام. وأجاز أكلها الكوفيون والثورى والأوزاعى والليث والشافعى، واعتل من حرمها بأن الله إنما أباح لنا ما كان طعامًا لهم من ذبائحهم، والشحم ليس بطعام لهم فدليله أن ما ليس بطعام لهم فلا يحل لنا، وأيضًا فإنهم لا يقصدونه بالذكاة، والذكاة تحتاج إلى قصد، بدليل أنها لا تصح من المجنون والمبرسم، فجرت مجرى الدم الذى فى الشاة. قال المهلب: والحجة لمن أجازها: أن الشحوم محرمة عليهم

стр. 2586

لا علينا؛ لأن ذبائحهم حلال لنا، فما وقع تحت ذبائحهم مما هو فى شريعتنا مسكوت عنه بالتحريم فهو حلال بإطلاق الله لنا. فإن قيل: لما لم تعمل ذكاتهم فى الدم شيئًا لم يجب أن تعمل فى الشحوم. قيل: الدم منصوص على تحريمه علينا، وعلى كل أمة. والشحوم محرمة عليهم لا علينا. ألا ترى قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما (الآية، وليس للشحوم فيها ذكر. قال ابن القصار: ومن حجة من لم يحرمها أن التذكية لا تقع على بعض الشاة دون بعض، ولما كانت الذكاة شائعة فى جميعها دخل الشحم فى التذكية؛ لأنها إذا ذكيت ذبحت كلها، ثم إذا فصل الشحم فهو المحرم عليهم، وكرهناه نحن بعد أن سبقت الذكاة فيه، وحديث ابن مغفل فى قصة جراب الشحم واضحة فى جوازه؛ لأنه لو كان حرامًا لزجره عنه ﷺ ، وأعلمه تحريمه؛ لأنه يلزمه فرض التبليغ، وبيان ما أنزل إليه من ربه، إذ كان الأغلب أن يهود خيبر لا يذبح لهم مسلم، ويحتمل أن يكون ذلك الشحم الذى فى الجراب من الشحم الذى لم يحرم عليه؛ إذ الآية حرمت بعض الشحم دون بعض. وقوله: (فنزوت لآخذه) قال صاحب الأفعال: نزى نزوًا ونزا ونزوانًا: وثب. ونزى على الشيء: ارتفع. وقد تقدم الاختلاف فى ذبائح أهل الكتاب للأصنام فى باب: (ماذبح على النصب والأصنام) ويذكر ما لم يذكر هناك. ذكر البخارى عن على: أنه أجاز ذبائح نصارى العرب إن لم تسمعه يسمى لغير الله.

стр. 2587

وذكر الطبرى عن على فى نصارى بنى تغلب خلاف ما ذكره البخاري. روى عن عبيدة عن على أنه سأله عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا تأكل ذبائحهم، فإنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر، وهو قول ابن سيرين والنخعي. وقال مكحول: لا تأكلوا ذبائح بنى تغلب، وكلوا ذبائح تنوخ وبهذا [. . . .] فمن نهى عن أكل ذبائحهم، فيجب على مذهبه أن ينهى عن نكاح نسائهم. وقال آخرون: أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم حلال، روى ذلك عن ابن عباس وقرأ: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم (وعن الشعبى والحسن وعطاء والحكم مثله. قال الطبرى: فإذا كان الاختلاف بين بنى تغلب موجودًا بين السلف، وكانت تغلب تدين بالنصرانية، ولا تدفع الأمة أن عمر أخذ منها الجزية بين ظهرانى المهاجرين والأنصار من غير نكير، وكان أخذه ذلك بمعنى أنهم أهل كتاب، لا بمعنى أنهم مجوس، صح أنهم أهل كتاب، وأن ذبائحهم ونساءهم حلال للمسلمين. وأما ذبيحة الأقلف فروى عن ابن عباس أنها لا تؤكل. قال ابن المنذر: واتفق عوام أهل الفتيا من أهل الأمصار على جوازها؛ لأن الله أباح ذبائح أهل الكتاب، وفيهم من لا يختتن، فذبيحة المسلم الذى ليس بمختون أولى بالإباحة.

стр. 2588

فإن قيل: فما معنى قوله: (وطعامكم حل لهم (وهم لا يؤمنون بالقرآن؟ قال ابن قتيبة: فالذى عندى أن القصد بالتحليل لنا، وإن كان القول لهم كأنه قال: أحل لكم طعام أهل الكتاب أن تأكلوه، وأحل لكم أن تطعموهم طعامكم، ولو لم يقل: (وطعامكم حل لهم (لم نعلم إن كان يجوز لنا أن نطعم الكفار طعامنا. ٧ - بَاب مَا نَدَّ مِنَ الْبَهَائِمِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْشِ وَأَجَازَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَعْجَزَكَ مِنَ الْبَهَائِمِ مِمَّا فِى يَدَيْكَ فَهُوَ كَالصَّيْد، وَفِى بَعِيرٍ تَرَدَّى فِى بِئْرٍ مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَذَكِّهِ، وَرَأَى ذَلِكَ عَلِىٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ. ٢٠٢٧ / فيه: رَافِع، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا ملاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى، فَقَالَ: (اعْجَلْ - أَوْ أَرِنْ - مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ) ، وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ ﷺ : (إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا) . اختلف العلماء فى الإنسى الذى لا يحل إلا بالذكاة فى الحلق واللبة إذا توحش فلم يقدر عليه، أو وقع فى بئر فلم يوصل إلى حلقه ولبته، فذهبت طائفة من العلماء إلى أنه يقتل بما يقتل به الصيد،

стр. 2589

ويجوز أكله. روى ذلك البخارى عن خمسة من الصحابة، وقاله من التابعين عطاء وطاوس، ومن الفقهاء: الثورى، وسائر الكوفيين، والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال ابن المسيب: لا يكون ذكاة كل إنسية إلا بالذبح والنحر، وإن شردت لاتحل بما يحل به الصيد. وهو قول ربيعة ومالك والليث. واحتج الكوفيون بحديث رافع بن خديج، وقالوا: موضع الدلالة من الحديث من وجهين: أحدهما: أنه لو كان رمى فلم ينكر النبى عليه الرمى؛ بل أقره عليه، وإباحة مثل ذلك الرمى بأن قال: (اصنعوا به هكذا) ومن خالفنا لا يجيز رميه. والدلالة الثانية: قوله: (إن لها أوابد كأوابد الوحش) ورسول الله لا يعلمنا اللغة، وإنما يعلمنا الحكم، فعلم أنه أراد أنه يصير حكمه حكم الوحشى فى الذكاة. قالوا: ومن جهة القياس أنه لما كان الوحشى إذا قدر عليه لم يحل إلا بما يحل به الإنسى؛ لأنه صار مقدورًا عليه، فكذلك ينبغى فى الإنسى إذا توحش وامتنع أن يحل بما يحل به الوحشي. واحتج الآخرون فقالوا: لا تلزم هذه الحجة؛ لو كان المستأنس إذا استوحش كالوحشى فى الأصل، لوجب أن يكون حكمه حكم الوحشى فى الجزاء فيه إذا قتله المحرم، وفى أنه لا يجوز فى الضحايا والعقيقة، ويجب أن يصير ملكًا لمن أخذه ولا شيء على قاتله. قال مالك: لو أن رجلا رماها فقتلها غرمها، ولم يحل له أكلها، ولو كانت بمنزلة الصيد حلت له، فلما أجمعنا على أن جميع أحكامه التى كانت عليه قبل أن يتوحش لم تزل ولم تتغير، وكانت كلها بخلاف الوحشى فى الأصل، كذلك الذكاة. وأما احتجاجهم بحديث رافع بن خديج فنقول: يجوز إذا ند ولم يقدر عليه أن يرميه

стр. 2590

ليحبسه ثم يلحقه فيذكيه، وهذا معنى قوله ﷺ : (فاصنعوا به هكذا) أى: ارموه لتحبسوه، ثم ذكوه، ولم يرد قتله كما يقتل الوحشى، قاله ابن القصار، وقد تقدم بعض هذا المعنى فى أول كتاب الذبائح. وقوله: (أعجل أو أرنى ما أنهر الدم) وهكذا وقعت هذه اللفظة فى رواية الفربرى بالألف والراء والنون والياء بعدها. ولم أجد لها معنى يستقيم به الكلام، وأظنها مصحفة والله أعلم. وقال الخطابى: هذا حرف طالما استثبت فيه الرواة، وسألت عنه أهل العلم باللغة فلم أجد عند واحد منهم شيئًا يقطع بصحته، وقد طلبت له مخرجًا فرأيته يتجه لوجوه: أحدها: أن يكون ماخوذًا من قولهم: أران القوم فهم مرينون، إذا هلكت مواشيهم، فيكون معناه: أهلكها ذبحًا وأزهق أنفسها بكل ما أنهر الدم غير السن والظفر، هذا إذا رويته بكسر الراء على رواية أبى داود السجستاني. والوجه الثانى: أن يقال: أرأن القوم مهموز على وزن أعرن من أرن يأرن أرنا إذا نشط وخف، يقول: خف وأعجل لئلا يقتلها خنقًا، وذلك أن غير الحديد لا يمور فى الذكاة موره، والأرن الخفة والنشاط، يقال فى مثل سمن فأرن أى: بطر. والوجه الثالث: أن يكون أرن بمعنى: أدم الحز ولا تفتر من

стр. 2591

قولك: رنوت النظر إلى الشيء إذا أدمته أو يكون أراد: أدم النظر إليه وراعه ببصرك لا تزول عن المذبح. قال الخطابى: وأقرب من هذا كله: أن يكون أرز بالزاى من قولك: أرز الرجل أصبعه إذا أناخها فى الشيء، وأرزت الجرادة إرزازًا، إذا أدخلت ذنبها فى الأرض لكى تبيض. وارتز السهم فى الجدار إذا ثبت، هذا إن ساعدته رواية والله أعلم بالصواب. قال الخطابى: حدثنا به ابن داسة عن أبى داود قال: أرن مكسورة الراء على وزن عرِن، ورواه البخارى ساكنة الراء على وزن عرْن، هكذا حدثنى الخيام عن إبراهيم بن مغفل عنه. قال المؤلف: فعرضت قول الخطابى على بعض أئمة اللغة والنقد فى كلام العرب فقال لى: أما الوجه الأول الذى قال: هو مأخوذ من قولهم: أرن القوم فهم مرينون. فلا وجه له؛ لأن أران لا يتعدى إلى مفعول لا تقول أران الرجل غنمه ولا أرن غنمك. وقوله فى الوجه الثانى: أرأن على وزن أعرن خطأ؛ لاجتماع همزتين فى كلمة إحداهما ساكنة، وإنما تقول فى الأمر من هذه اللفظة ائرن، بياء بعد همزة الوصل بدلا من الهمزة التى هى فاء الفعل؛ لأن المستقبل منها يأرن، والأمر إنما يكون فى الفعل المستقبل. قال المؤلف: وهذا الوجه أولى بالصواب والله أعلم فكأنه قال ﷺ : أعجل وانشط فى الذبح؛ لأن السنة فيه سرعة الإجهاز على المذبوح بخلاف فعل الجاهلية فى تعذيب الحيوان، ويمكن أن يكون (أو) جاءت لشك المحدث فى أى اللفظين قال - عليه

стр. 2592

السلام - لتقاربهما فى المعنى أو تكون (أو) جاءت بمعنى الواو للتأكيد والله أعلم. وقول الخطابى: وأقرب من هذا كله: أن يكون أرز بالزاء، فلا وجه له؛ لعدم الرواية به. ٨ - بَاب النَّحْرِ وَالذَّبْحِ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: لا ذَبْحَ وَلا مَنْحَرَ، إِلا فِى الْمَذْبَحِ وَالْمَنْحَرِ، قُلْتُ: أَيَجْزِى مَا يُذْبَحُ أَنْ أَنْحَرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَكَرَ اللَّهُ ذَبْحَ الْبَقَرَةِ، فَإِنْ ذَبَحْتَ شَيْئًا يُنْحَرُ جَازَ، وَالنَّحْرُ أَحَبُّ إِلَىَّ، وَالذَّبْحُ قَطْعُ الأوْدَاجِ، قُلْتُ: فَيُخَلِّفُ الأوْدَاجَ حَتَّى يَقْطَعَ النِّخَاعَ؟ قَالَ: لا إِخَالُ. وَنَهَى ابْنَ عُمَرَ عَنِ النَّخْعِ، يَقُولُ: يَقْطَعُ مَا دُونَ الْعَظْمِ، ثُمَّ يَدَعُ حَتَّى الْمُوتَ،) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) [البقرة: ٥٤] وَقَالَ: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) [البقرة: ٧١] وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: الذَّكَاةُ فِى الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ: إِذَا قَطَعَ الرَّأْسَ فَلا بَأْسَ. ٢٠٢٨ / فيه: أَسْمَاءَ، نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رسُول اللَّه ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ. هكذا رواه جماعة عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء: (ذبحنا على عهد رسول الله فرسًا ونحن بالمدينة فأكلناه) ذكره البخارى. قال المؤلف: غرضه فى هذا الباب أن يبين أن ما يجوز فيه النحر يجوز ذبحه، وما يجوز فيه الذبح يجوز نحره، فأما البقر فالأئمة مجمعون على جواز النحر والذبح فيها، قال تعالى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة (وروت عمرة عن عائشة أنها قالت: (دخل علينا يوم النحر بلحم، فقيل: نحر رسول الله عن أزواجه البقرة) فجاز

стр. 2593

فيها الوجهان: وأراد البخارى أن يريك أن الفرس مما يجوز فيه النحر والذبح، لما جاء فيه من اختلاف الرواية، وسأذكر اختلاف العلماء فى أكله فى باب بعد هذا إن شاء الله. واختلفوا فى ذبح ما ينحر من الإبل ونحر ما يذبح من الغنم، فأجاز أكثر الفقهاء أى ذلك فعل المذكي. قال ابن المنذر: روى ذلك عن عطاء، والزهرى، وقتادة. وقال أبو حنيفة والثورى والليث والشافعى نحو ذلك ويكرهونه، ولم يكرهه أحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو قول عبد العزيز بن أبى سلمة فى ذبح الإبل أو نحر ما يذبح من طير أو غيره من غير ضرورة. وقال أشهب: إن ذبح بعيرًا من غير ضرورة لم يؤكل، واعتل أصحابه بأن النبى ﷺ بين وجه الذكاة فنحر الإبل وذبح الغنم والطير، ولا يجوز تحويل شيء من ذلك عن موضعه مع القدرة عليه إلا بحجة واضحة. وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا حرم أكل ما نحر مما يذبح، أو ذبح ما ينحر، وإنما كره ذلك مالك ولم يحرمه، وقد يكره المرء الشيء ولا يحرمه، وحجة الجمهور أنه لما جاز فى البقر والخيل الذبح والنحر، جاز ذلك فى كل ما تجوز تذكيته؛ ألا ترى قول ابن عباس: (الذكاة جائزة فى الحلق واللبة) ولم يخص شيئًا من ذلك دون شيء فهو عام فى كل ذى حلق وكل ذى لبة، والناس على هذا ولم يخالف ذلك غير مالك وحده. وأما قول ابن عباس: إن الذكاة فى الحلق واللبة. فمعناه: أن الذكاة لا تكون إلا فى هذين الموضعين.

стр. 2594

وقال صاحب العين: اللبة واللب من الصدر: أوسطه، ولبة القلادة واسطتها. واختلف العلماء فيما يكون بقطعه من الحلقوم الذكاة. فقال بعض الكوفيين: إذا قطع ثلاثة من الأوداج جاز. والأوداج أربعة وهى: الحلقوم والمريء وعرقان من كل جانب عرق. وقال الثورى: إذا قطع الأوداج جاز وإن لم يقطع الحلقوم وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن: إذا قطع الحلقوم والمريء وأكثر من نصف الأوداج ثم يدعها تموت فلا بأس بأكلها وأكره ذلك، فإن قطع أقل من نصف الأوداج فلا خير فيها. وقال مالك والليث: يحتاج أن يقطع الودجين والحلقوم، وإن ترك شيئًا منها لم يجز. ولم يذكر المريء. وقال الشافعى: أقل ما يجزىء من الذكاة قطع الحلقوم والمريء، وينبغى أن يقطع الودجين، فإن لم يفعل فيجزىء؛ لأنهما يسلان من البهيمة والإنسان ويعيشان. وقال ابن جريح: قال عطاء: الذبح: قطع الأوداج. قلت: فإن ذبح ذابح فلم يقطع أوداجها؟ فقال: ما أراه إلا قد ذكاها، فليأكلها. وروى يحيى عن ابن القاسم فى الدجاجة والعصفور والحمام، إذا أجيز على أوداجه ونصف حلقه أو ثلثه فلا بأس بذلك إلا أن يتعمد. وفى العتبية: فى سماع أبى زيد عن ابن القاسم عن مالك فيمن ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة أن تكون فى الرأس أنها لا تؤكل، وقاله أشهب وأضبغ وسحنون ومحمد بن عبد الحكم.

стр. 2595

قال ابن حبيب: إنما لم يؤكل؛ لأن الحلقوم إنما هو من العقدة إلى ما تحتها، وليس فوق العقدة إلى الرأس حلقوم، وإنما العقدة طرف الحلقوم، فمن جهل فذبح فوق العقدة لم يقطع الحلقوم، إنما قطع الجلدة المتعلقة بالرأس، فلذلك لم يؤكل. وأجاز أكلها ابن وهب فى العتبية، وأجازه أشهب وأبو مصعب وموسى بن معاوية من رواية ابن وضاح. وذكر ابن أبى زيد، عن أبى لبابة، عن محمد بن عبد الحكم أنها تؤكل. قال ابن لبابة على قياس قول القاسم: إذا جازت فى البدن وبقى فى الرأس منها مقدار حلقة الخاتم أنها تؤكل إلا أن يبقى فى الرأس منها ما لا يستدير فلا تؤكل. وحكى ابن المنذر عن أبى حنيفة أنه لا بأس بالذبح فى الحلق كله، أسفله وأوسطه وأعلاه. وقال ابن وضاح: سألت موسى بن معاوية عن هذه المسألة، فغضب وقال: هذه من مسائل المريسى وابن علية يخلطون على الناس دينهم. قد علم رسول الله أصحابه كل شيء حتى الخراءة أفكان يدعهم لا يعرفهم الذبح؟ قال موسى: لقد كتبت بالعراق نحوًا من مائة ألف حديث، وبمكة كذا وكذا ألف وبمصر نحوًا من أربعين ألف حديث ما سمعت لرسول الله ولا لأصحابه ولا للتابعين فيها شيئًا، وكان يحيى بن يحيى وأصحابه يقولون: ما نعرف العقدة، ما فرى الأوداج فكل. قال ابن وضاح: ثم بلغنى عن أبى زيد بن أبى الغمر أنه روى عن ابن القاسم، عن مالك كراهتها، فلما قدمت مصر سألته عنها،
следующие страницы →