Полный текст (5 502 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
الضرورة، فقال مالك: لا يشربها؛ لأنها لا تزيده إلا عطشًا وجوعًا. وأجاز أبو حنيفة أن يشرب منها مقدار ما يمسك رمقه. واحتج من منع شربها بقول ابن مسعود: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. وقد روى هذا عن النبى ﵇. واحتج الكوفيون بأن الضرورة أباحت أكل ما حرمه الشرع من الميتة والدم والبول وما لا ينقلب إلى حالة أخرى، فأن تبيح الخمر أولى؛ لأنها قد تنقل من حالها إلى حال التخليل. قال ابن القصار: وكان الشيخ أبو بكر الأبهرى يقول: إن دفعته إليها ضرورة يغلب على ظنه أنه يتخلص بشربها جاز؛ لأنه لو تغصص بلقمة فى حلقة فلم يجد ما يدفعها به، واضطر أن يزردها بالخمر جاز له ذلك، ولم يجز أن يمنعه من حالة الحال فتصير كالميتة عند الضرورة. والأمر كما قال - إن شاء الله.
- بَاب الشُّرْبِ قَائِمًا
/ ٣٧ - فيه: عَلِىٌّ، أنه شَرِبَ قَائِمًا، فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِنِّى رَأَيْتُ النَّبِىَّ، ﵇، فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِى فَعَلْتُ. / ٣٨ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: شَرِبَ النَّبِىُّ، ﵇، قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ.
стр. 2697
إنما رسم البخارى هذا الباب؛ لأنه قد رويت عن النبى آثار فيها كراهية الشرب قائمًا، فلم تصح عنده، وصحت عنده أحاديث الإباحة فى ذلك، وعمل بهذا الخلفاء بعد النبى، وقال بها أئمة الفتوى، وروى الطبرى عن عمر بن الخطاب أنه شرب قائمًا، وعن على بن أبى طالب وسعد وابن عمر وعائشة وأبى هريرة مثله، وعن إبراهيم وطاوس وسعيد بن جبير مثله أيضًا. وروى عن أنس كره الشرب قائمًا، وعن أبى هريرة مثله، وبه قال الحسن البصرى. والدليل على جواز ذلك أن الأكل مباح قائمًا وعلى كل حال، فكذلك الشرب، ذكر ابن أبى شيبة قال: حدثنا حفص بن غياث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: (كنا نشرب ونحن قيام، ونأكل ونحن نمشى على عهد رسول الله) . قال الطبرى: وأحاديث النهى عن ذلك ليست على وجه التحريم، وإنما هى على وجه التأديب والإرشاد، يدل على ذلك أنه ﵇ شرب قائمًا، ولم يرد عنه أن أحد الخبرين ناسخ للآخر، ولا يجوز أن يكون منه ﵇ تحريم شىء بعد إطلاقه، أو إطلاق شىء بعد تحريمه، ثم لا يُعلم أمته أى ذلك الواجب عليهم العمل به، وقد روى فى سبب نهيه عن ذلك خبر فى إسناده نظر؛ روى بقية عن إسحاق بن مالك، عن محمد بن إبراهيم، عن الحارث بن فضيل، عن جعفر بن عبد الله، عن ابن عمر قال: قال النبى -
стр. 2698
عليه السلام -: (من أصابه الجن فى إحدى ثلاث لم يشف: وهو يشرب قائمًا، أو يمشى فى نعل واحدة، أو يشبك بين أصابعه) وهذا الخبر وإن كان مما لا يعتمد عليه لضعفه، فإن فى إجماع الحجة على أن نهى النبى عن الشرب قائمًا على غير وجه التحريم له دليل على أنه نهى عنه كراهية له سبب هو غير التحريم. وروى عن النخعى أنه قال: إنما أكره الشرب قائمًا مخافة أن يأخذ منه الداء. وقال مرة: يأخذ منه ذا البطن، وقال غيره: النهى عنه - والله أعلم - نهى اختيار، لأن الشرب جالسًا أهنأ وأمرأ.
- بَاب مَنْ شَرِبَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ
/ ٣٩ - فيه: أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇، بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ، عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأَخَذَه وَشَرِبَهُ. زَادَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ: عَلَى بَعِيرِهِ. وترجم له: باب الشرب فى الأقداح. إذا جاز الشرب قائمًا بالأرض، فالشرب على الدابة أحرى بالجواز؛ لأن الراكب أشبه بالجالس.
- بَاب الأيْمَنَ فَالأيْمَنَ فِى الشُّرْبِ
/ ٤٠ - فيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، أُتِىَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وَعَنْ
стр. 2699
يَمِينِهِ أَعْرَابِىٌّ، وَعَنْ شِمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الأعْرَابِىَّ، وَقَالَ: (الأيْمَنَ فَالأيْمَنَ) . قال المهلب: التيامن فى الأكل والشرب وجميع الأشياء من السنن، وأصله ما أثنى الله به على أصحاب اليمين فى الآخرة، فكان رسول الله يحب التيامن استشعارً منه لما شرف الله به أهل اليمين، ولئلا تكون أفعاله كلها إلا مرادا بها ما عند الله، وليحتذى حكمة الله فى أفعاله فنبه أن سنة المناولة فى الطعام والشراب من على اليمين. قال غيره: وما روى عن مالك أنه قال ذلك فى الماء خاصة، فلا أعلم أحدا قاله غيره، وحديث عائشة (أن النبى ﵇ كان يحب التيامن فى طهوره، وتنعله وترجله) يعم الماء وجميع الأشياء.
- بَاب هَلْ يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ فِى الشُّرْبِ لِيُعْطِىَ الأكْبَرَ
/ ٤ - وفيه: سَهْل، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ أُتِىَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلامِ: (أَتَأْذَنُ لِى أَنْ أُعْطِىَ هَؤُلاءِ) ؟ فَقَالَ الْغُلامُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا أُوثِرُ بِنَصِيبِى مِنْكَ أَحَدًا، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى يَدِهِ. الغلام المذكور فى هذا الحديث: هو ابن عباس، والأشياخ: خالد بن الوليد، وقد نقل هذا من طرق، ورواه الحميدى عن سفيان
стр. 2700
قال: حدثنا على بن زيد بن جدعان، عن عمر ابن حرملة، عن ابن عباس قال: (دخلت مع رسول الله على خالتى ميمونة ومعنا خالد بن الوليد، فقدمت إلينا ضبابًا مشوية، فلما رآها رسول الله تفل ثلاث مرات ولم يأكل منها، وأمرنا أن نأكل، ثم أتى رسول الله بإناء فيه لبن فشرب وأنا عن يمنيه، وخالد عن يساره، فقال لى رسول الله: الشربة لك يا غلام وإن شئت آثرت بها خالدًا. فقلت: ما كنت لأوثر بسؤر رسول الله أحدًا. ثم قال رسول الله: من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا به ما هو خير منه، ومن سقاه لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنى لا أعلم شيئًا يجزئ من الطعام والشراب غيره) . وفيه من الفقه: أنه وجب له حق أنه لا يؤخذ منه إلا عن إذنه، فلذلك قال الغلام: (والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبى منك أحدًا) تبركًا بفضله صلى الله عليه. قال المهلب: واستئذانه صاحب اليمين من باب التأدب لفضل السن، فلو أذن الشاب الذى على اليمين لكان من المؤثرين على أنفسهم، وإذ لم يأذن وتشاح فى نصيبه من النبى فله ما شح عليه من شريف المكان وفى هذا
стр. 2701
دليل أنه من يسبق إلى مجالسة الإمام والعالم أنه لا يقام لمن هو أسن منه، لأن النبى ﵇ لما لم يقم ذلك الأعرابى لأبى بكر ولا الغلام للشيخ، علم أن من سبق إلى المواضع عند العالم أو المسجد أو غيره مما حقوق الناس فيه متساوية أنه أحق به. قال غيره: وقوله: (كبر كبر) فى غير هذا الحديث، إنما ذلك إذا استوت حال القوم فى شىء واحد، فحينئذ يبتدأ بالأكبر، وأما إذا كان لبعضهم على بعض فضل فى شىء فصاحب الفضل أولى بالتقدمة، وسيأتى فى كتاب المياه فى باب: من رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة شىء من الكلام فى حديث سهل، إن شاء الله.
- بَاب تَغْطِيَةِ الإنَاءِ
/ ٤٢ - فيه: جَابِر، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - أَوْ أَمْسَيْتُمْ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ، فَأَغْلِقُوا الأبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ) . قال المهلب: خشى النبى ﵇ على الصبيان عند انتشار الجن أن تلم بهم فتصرعهم، فإن الشيطان قد أعطاه الله قوة على هذا، وقد علمنا رسول الله أن التعرض للفتن مما لا ينبغى، فإن الاحتراس منها أحزم، على أن ذلك الاحتراس لا يرد قدرًا ولكن
стр. 2702
لتبلغ النفس عذرها، ولئلا يسبب له الشيطان إلى لوم نفسه فى التقصير. وأما قوله: (إن الشيطان لا يفتح غلقا) فهو إعلام من النبى أن الله لم يعطه قوة على هذا، وإن كان قد أعطاه ما هو أكثر منه، وهو الولوج حيث لا يلج الإنسان، وسيأتى هذا المعنى فى باب إغلاق الأبواب بالليل فى آخر كتاب الاستئذان - إن شاء الله. والوكاء والتخمير دلائل على أن الاستعاذة تردع الشيطان، وقيل: إنما أمر بتغطية الإناء لحديث القعقاع بن حكيم عن جابر أن الرسول قال: (غطوا الإناء وأوكوا السقاء؛ فإن فى السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس فيه غطاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء) قال الليث بن سعد - وهو راوى الحديث -: والأعاجم يتقون ذلك فى كانون الأول. قال المهلب: وأما إطفاء السراج فقد بينه فى غير هذا الحديث، وقال: من أجل الفويسقة - وهى الفأرة - فإنها تضرم على الناس بيوتهم. وإنما سماها فويسقة لفسادها وأذاها، وسيأتى زيادة فى هذا المعنى فى كتاب الاستئذان فى باب قوله: لا تترك النار فى البيت عند النوم. وفيه: أن أوامر النبى قد تكون لمنافعنا لا لشىء من أمر الدين.
стр. 2703
- بَاب اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ
/ ٤٣ - فيه: أَبُو سَعِيد، نَهَى النَّبِىّ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ - يَعْنِى أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُهَا - فَيُشْرَبَ مِنْهَا. قال المهلب: معنى هذا النهى - والله أعلم - على وجه الأدب لجواز أن تكون فى أفواهها حية أو بعض الهوام لا يراها الشارب فيدخل فى حلقه، وقد قيل: إن ذلك على سبيل التقذر؛ لأنه يدخلها فى فيه، وقد روى ذلك فى الحديث، روى ابن وهب عن أنس ابن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه (أن النبى نهى أن يشرب من فم السقاء، وقال: إنه ينتنه) ، وقد أجاز مالك أن يشرب من أفواه الأسقية، وتقول العرب: خنث السقاء، وانخنث السقاء: إذا مال، ومنه قيل للمخنث مخنث لتكسره وميله إلى شبه النساء.
- بَاب الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ
/ ٤٤ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، نَهَى النَّبِىّ، ﵇، عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ - أَو الْقِرْبَةِ. / ٤٥ - وَعن ابْن عَبَّاس، مثله. قد تقدم فى الباب قبل هذا أن النهى عن الشرب من فم السقاء نهى أدب، لا نهى تحريم، روى عن أبى سعيد الخدرى: (أن رجلا شرب من فى السقاء فانساب جان فى بطنه؛ فنهى رسول الله عن اختناث الأسقية) ، وهذا يدل أن من فعل ذلك أنه ليس بحرام عليه شربه.
стр. 2704
- بَاب التَّنَفُّسِ فِى الإنَاءِ
/ ٤٦ - فيه: أَبُو قَتَادَة، قال ﵇: (إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَنَفَّسْ فِى الإنَاءِ، وَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلا يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ) . قال المهلب: التنفس إنما نهى عنه ﵇ كما نهى عن النفخ فى الطعام والشراب - والله أعلم - من أجل أنه لا يؤمن أن يقع فيه شىء من ريقه، فيعافه الطاعم له ويستقذر أكله؛ إذ كان التقذر فى باب الطعام والشراب، والتنظف فيه الغالب على طباع أكثر الناس، فنهاه عن ذلك؛ لئلا يفسد الطعام والشراب على من يريد تناوله هذا إذا أكل أو شرب مع غيره، وإذا كان الإنسان يأكل أو يشرب وحده أو مع أهله أو مع من يعلم أنه لا يقذر شيئا مما يأكل منه، فلا بأس بالتنفس فى الإناء، كما فعل النبى مع عمر بن أبى سلمة أمره أن يأكل مما يليه، وكان هو ﵇، يتتبع الدباء فى الصحفة، علما منه أنه لا يقذر منه شىء ﵇، وكيف يظن ذلك وكان إذا تنخم تبادر أصحابه نخامته فدلكوا بها وجوههم، وكذلك فضل وضوئه، فهذا فرق بين فعل النبى وأمره غيره بالأكل مما يليه.
- بَاب الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ
/ ٤٧ - فيه: أَنَس، أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِى الإنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلاثًا. قال المهلب: إن قال قائل: حديث أبى قتادة (أن النبى -
стр. 2705
عليه السلام - نهى عن التنفس فى الإناء) فى الباب قبل هذا يعارض حديث أنس هذا. قيل: لا تعارض بينهما بحمد الله، ويحتمل معنيين: أحدهما ذكره ابن المنذر قال: روى أبو هريرة عن النبى قال: (لا يتنفس أحدكم فى الإناء إذا شرب، ولكن إذا أراد أن يتنفس فليؤخره عن فيه، ثم يتنفس) فيحتمل أن يكون هذا الحديث مفسرًا لحديث أنس أنه ﵇ كان يتنفس ثلاثًا يعنى أنه كان يزيل القدح عنه فيه كل مرة يتنفس؛ ليعلم أمته ذلك، حتى لا يختلف الحديثان. قال المؤلف: والمعنى الثانى: أن يكون نهيه ﵇ عن التنفس فى الإناء فى حديث أبى قتادة إذا شرب مع من يكره تنفسه فيه ويتقذر الشرب منه، كما تقدم فى الباب قبل هذا وإذا شرب مع من لا يتقذر منه فالتنفس له مباح، ولذلك تنفس ﵇؛ لعلمه برغبة الناس فيما يتنفس فيه؛ ليدل أمته على إباحة ذلك ممن لا يتقذر بنفسه، ألا ترى أنه مج فى وجه محمود بن الربيع مجة فكانت له بذلك فضيلة، وهذا الوجه أولى بالصواب؛ لأن عامة الفقهاء لا يختلفون أنه لو تنفس فى الشراب لم يحرم بذلك. واختلفوا هل يجوز الشرب بنفس واحد، فروى عيسى عن ابن القاسم، أن مالكًا سئل عن قول الرجل للنبى ﷺ : (إنى لا أروى من نفس واحد، فقال له ﵇: فأبن القدح عن فيك) فقال مالك: أرى ذلك رخصة أن يشرب من نفس واحد ما شاء.
стр. 2706
يريد مالك أن النبى لما لم ينه الرجل أن يشرب من نفس واحد، وقال له: (أبن القدح عن فيك) عُلم أن ذلك كالإباحة، وقد روى عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبى رباح أنهما أجازا الشرب بنفس واحد. قال ميمون بن مهران: رآنى عمر بن عبد العزيز وأنا أشرب، فجعلت أقطع شرابى وأتنفس، فقال: إنما نُهى أن يتنفس فى الإناء، فأما إذا لم تتفس فى الإناء فاشربه إن شئت بنفس واحد. وروى عن ابن عباس وطاوس وعكرمة كراهية الشرب بنفس واحد، وقالوا: هو شرب الشيطان. وقول عمر بن عبد العزيز تفسير لهذا الباب وأصل له.
- بَاب الشُّرْبِ فِى آنِيَةِ الذَّهَبِ
/ ٤٨ - فيه: حُذَيْفَةُ، أنَّهُ اسْتَسْقَى، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِقَدَحِ فِضَّةٍ، فَرَمَى بِهِ، فَقَالَ: إِنِّى لَمْ أَرْمِهِ إِلا أَنِّى نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وَإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَانَا عَنِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَالشُّرْبِ فِى آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ: (هُنَّ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا، وَهُنَّ لَكُمْ فِى الآخِرَةِ) . العلماء متفقون أنه لا يجوز الأكل والشرب فى آنية الذهب والفضة؛ لأن ذلك من باب السرف، إذ جعل الله الذهب والفضة قوامًا للناس وأثمانًا لمعايشهم وقيمًا للأشياء، فكره استعمالها فى غير
стр. 2707
ذلك إلا ما أباحته السنة للرجال من السيف والخاتم والمصحف، والحلى للنساء. قال المهلب: وقوله ﵍: (هن لهم فى الدنيا وهن لكم فى الآخرة) وهو مثل قوله ﵇ فى الحرير: (إنما يلبس هذه من لا خلاق له فى الآخرة) وهم الكفار؛ لأنه لما كان الحرير من لباسهم فى الدنيا، وآثروه على ما أعده الله فى الآخرة لأوليائه، وأحبوا العاجلة؛ ذمهم النبى بذلك، ونهى المسلمين أن يتشبهوا بالكفار المؤثرين الدنيا على الآخرة، ولئلا يدخلوا تحت قوله تعالى: (أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا (الآية، وقال مالك بن دينار: قرأت فيما أنزل الله - تعالى -: (أن قل لأوليائى لا يطعموا مطاعم أعدائى، ولا يلبسوا ملابس أعدائى، فيكونوا أعدائى كما هم أعدائى) .
- بَاب آنِيَةِ الْفِضَّةِ
/ ٤٩ - فيه: حُذَيْفَةَ، قَالَ ﵇: (لا تَشْرَبُوا فِى آنِيَةِ الْفِضَّةِ) . / ٥٠ - وفيه: أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، قَالَ: (الَّذِى يَشْرَبُ فِى آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِى بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ) . / ٥١ - وفيه: الْبَرَاء، أَمَرَ النَّبِىّ، ﵇، بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، عَنِ الشُّرْبِ فِى آنِيَةِ الْفِضَّةِ. . . . . الحديث.
стр. 2708
قد تقدم فى الباب قبل هذا أنه لا يجوز الأكل والشرب فى آنية الفضة والذهب. واختلفوا فى الآنية المفضضة، فروى عن عائشة أنها نهت أن تضبب الآنية أو تحلقها بفضة. وكان ابن عمر لا يشرب فى آنية فيها حلقة أو ضبة فضة. وهو قول عطاء، وسالم، وعروة بن الزبير، وبه قال مالك والليث. ورخصت فى ذلك طائفة، روى ذلك عن عمران بن حصين وأنس بن مالك أنهما أجازا الشرب فى الإناء المفضض، وأجازه من التابعين: طاوس والحكم والنخعى والحسن البصرى. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس أن يشرب الرجل بالقدح المفضض إذا لم يجعل فاه على الفضة كالشرب بيده وفيها الخاتم. وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به إذا لم يجعل فاه على الفضة وهو مثل العلم فى الثوب، وبه قال إسحاق. وقال ابن المنذر: ثبت أن النبى ﵇ نهى عن آنية الفضة، والمفضض ليس بإناء فضة وكذلك المضبب، فالذى يحرم فيه الشرب ما نهى عنه النبى ولا نُعصِّى من شرب فيما لم ينه عنه. وقال أبو عبيدة نحوه. وفعل ابن عمر إنما هو محمول على التورع لا على التحريم، كما
стр. 2709
روى عنه أنه كان ينضح الماء فى عينيه لغسل الجنابة، وليس ذلك بواجب عليه. وروى أبو نعيم قال: حدثنا شريك عن حميد قال: (رأيت عند أنس قدح النبى ﵇ فيه فضة أو شد بفضة) . قال الطحاوى: لا يخلو ذلك أن يكون فى زمن النبى ﵇ أو أحدثه أنس بعده، فأى ذلك كان، فقد ثبت عن أنس إباحته؛ لأنه كان يسقى الناس فيه تبركا برسول الله قال أبو عبيدة: الجرجرة: صوت وقوع الماء فى الجوف، وإنما يكون ذلك عند شدة الشرب، ومنه قيل للبعير إذا صاح: هو يجرجر. وقوله: (يجرجر فى بطنه نار جهنم) محمول عند أهل السنة على أن الله فى ذلك بالخيار لمن أراد أن ينفذ عليه الوعيد.
٣٠ - بَاب الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِىِّ، ﵇ وَآنِيَتِهِ
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَ لِى ابْن سَلام: أَلا أَسْقِيكَ فِى قَدَحٍ شَرِبَ النَّبِىُّ، ﵇، فِيهِ. / ٥٢ - فيه: سَهْل، ذُكِرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِىَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ، فَنَزَلَتْ فِى أُجُمِ بَنِى سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى جَاءَهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا. . . . . الحديث
стр. 2710
إلى قوله: (اسْقِنَا يَا سَهْلُ) ، فَأَخذت هَذَا الْقَدَحِ، فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ، فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ فَوَهَبَهُ لَهُ. / ٥٣ - وفيه: عَاصِمٍ الأحْوَلِ، رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِىِّ، ﵇، عِنْدَ أَنَسِ، وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ، قَالَ وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: لا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ النَّبِىّ، ﵇، فَتَرَكَهُ. الشرب من قدح النبى وآنيته من باب التبرك بالنبى وامتثال فعله، كما كان ابن عمر يصلى فى المواضع التى صلى فيها رسول الله، ويدور ناقته حيث أدارها، تبركا بالاقتداء به، وحرصًا على اقتفاء آثاره، ومن هذا الباب ما يفعله الناس إلى اليوم من الدخول فى الغار الذى اختفى فيه ﵇ وأبو بكر الصديق على صعوبة الارتقاء إليه والدخول فيه، وهذا كله وإن كان ليس بواجب ولا لازم وإنما يحمل على فرط المحبة فى النبى ﵇ والاغتباط بموافقته، وقد قال ﵇: (والله لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) . وقوله: (قدح عريض من نضار) قال صاحب العين: قدح من
стр. 2711
نضار - ويتخذ من أثل، ورسى اللون - وذهب نضار، والنضار: الخالص. والأجم: جمع أجمة، وهى الغياض، قال ابن الفاسى: النضار: عود أصفر يشبه لون الذهب، وهو أعمق العود.
- بَاب شُرْبِ الْبَرَكَةِ وَالْمَاءِ الْمُبَارَكِ
/ ٥٤ - فيه: جَابِر، رَأَيْتُنِى مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، وَقَدْ حَضَرَتِ الْعَصْرُ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِى إِنَاءٍ، فَأُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: (حَىَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ، والْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ) ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ، وَشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لا آلُوا مَا جَعَلْتُ فِى بَطْنِى مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ. قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ وقَالَ جَابِر: خَمْس عَشْرَة مِائَةٍ. قال المهلب: قال البخارى: (باب شرب البركة) لقول جابر فى الحديث: (فعلمت أنه بركة) وهذا جائز سائغ فى لسان العرب أن يسمى الشىء المبارك فيه: بركة، كما قال أيوب النبى ﵇: (لا غنى بى عن بركتك) فسمى الذهب بركة، ومثله قوله تعالى: (هذا خلق الله (يعنى مخلوقاته، والخلق اسم الفعل.
стр. 2712
وفيه من الفقه: أن الإسراف فى الطعام والشراب مكروه إلا الأشياء التى أرى الله فيها بركة غير معهودة وآية قائمة بينة، فلا بأس بالاستكثار منها، وليس فى ذلك سرف ولا كراهية، ألا ترى قول جابر: (فجعلت لا آلو ما جعلت فى بطنى منه) أى لا أقصر عن جهدى فى الاستكثار من شربه. وفيه: علم عظيم من أعلام النبوة، وقد تقدم بيان هذا المعنى وما فى نبع الماء من بين أصابع النبى من عظم الآية، وشرف الخصوصية فى باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة فى كتاب الوضوء، فأغنى عن إعادته. والحمد لله وحده وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه
стр. 2713
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- كِتَاب الأيْمَانِ وَالنُّذُورِ
- باب قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ (الآية [المائدة: ٨٩]
/ ١ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِى يَمِينٍ قَطُّ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ، وَقَالَ: لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلا أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى. / ٢ - وفيه: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﵇: (يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ، لا تَسْأَلِ الإمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ) . / ٣ - وفيه: أَبُو موسى، أَتَيْتُ النَّبِىَّ، ﵇، فِى رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: (وَاللَّهِ، لا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِى مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) ، قَالَ: ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِىَ بِثَلاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَحَمَلَنَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا، قُلْنَا: - أَوْ قَالَ بَعْضُنَا - وَاللَّهِ، لا يُبَارَكُ لَنَا أَتَيْنَا النَّبِىَّ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِىِّ، ﵇، فَنُذَكِّرُهُ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ: (مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّى وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ
стр. 2714
فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى، وَأَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، أَوْ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى) . / ٤ - وفيه: هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَاه أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَاللَّهِ لأنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِى أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِىَ كَفَّارَتَهُ الَّتِى افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ) . / ٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﵇: (مَنِ اسْتَلَجَّ فِى أَهْلِهِ بِيَمِينٍ، هُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا، لِيَبَرَّ) ، يَعْنِى الْكَفَّارَةَ. (ليبر) ، يعنى الكفارة، للنسفى، وكذا عند ابن الفاسى. قال المؤلف: حض النبى ﵇ أمته على الكفارة إذا كان إتيانها خيرًا من التمادى على اليمين، وأقسم ﵇ أنه كذلك يفعل هو، ألا ترى أنه حلف ألا يحمل الأشعريين حين لم يكن عنده ما يحملهم عليه، فلما أتى بالإبل حملهم عليها، وأقسم أيضًا أن التمادى على اليمين والاستلجاج فيها أشد إثمًا من إعطاء الكفارة. والاستلجاج فى أهله وهو أن يحلف ألا ينيلها خيرًا، أو لا يجامعها، أو لا يأذن لها فى زيارة قرابة أو مسير إلى المسجد، فتماديه فى هذه اليمين وبره فيها آثم له عند الله من إثمه أن لا يكفر يمينه؛ لأن من فعل ذلك دخل فى قوله: تألى ألا يفعل خيرًا، وهذا منهى عنه، وقد جاء مصداق هذه الأحاديث فى كتاب الله - تعالى - قال
стр. 2715
تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا (الآية. قال أهل التفسير: نزلت هذه الآية فى الرجل يحلف أن لا يبر ولا يصل قرابته ورحمه، ولا يصلح بين اثنين، فأمروا بالصلة والمعروف والإصلاح بين الناس. والعرضة فى كلام العرب: القوة والشدة، يقال: هذا الأمر عرضة لك أى: قوة وشدة على أسبابك، فمعناه على هذا: لا تجعلوا يمينكم قوة لكم فى ترك فعل الخير. وأما قوله فى حديث أبى هريرة: (ليست تغنى الكفارة) . هكذا رواه جماعة، وروى أبو الحسن بن القابسى (ليبر، يعنى: الكفارة) وكذلك رواه النسفى، وهو الصواب، ومن روى: ليس تغنى الكفارة فلا معنى له؛ لأن الكفارة تغنى غناءً شديدًا، وقد جعلها الله تحلة الأيمان، ومعنى قوله: (ليبر) أى ليأت البر، ثم فسر ذلك البر ما هو بقوله: (يعنى الكفارة) خوفًا من أن يظن أنه من إبرار القسم والتمادى على اليمين، وهذا الحديث يرد قول مسروق وعكرمة وسعيد بن جبير، فإنهم ذهبوا إلى أنه يفعل الذى هو خير، ولا كفارة عليه، وقولهم خلاف الأحاديث، فلا معنى له. قال المهلب: وقوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم (الآية يدل أن الله لا يعذب إلا على ما كسبت القلوب بالقصد والعمل من الجوارح، لقوله: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان (وبقوله ﵇: (الأعمال بالنيات) وسيأتى تفسير وجوه اللغو فى بابه - إن شاء الله.
стр. 2716
وقوله: (غُر الُذرى) يعنى بيض الأسنمة، والأغر: الأبيض فى حُسن، ومن ذلك قيل للثنايا إذا كانت بيضًا حسانًا: هن غُر، وذروة كل شىء أعلاه.
- باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﵇: (وَايْمُ اللَّهِ
/ ٦ - فيه: ابْن عُمَرَ، بَعَثَ النَّبِىّ ﷺ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِى إِمْرَتِهِ، فَقَامَ النَّبِىّ ﷺ ، فَقَالَ: (إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِى إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِى إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ بَعْدَهُ) . اختلف أهل العلم بلسان العرب فى معنى (ايم الله) فقال أبو القاسم الزجاجى: ايم الله وايمن الله ومَ الله كل هذه لغات فيها، واشتقاقها عند سيبويه من اليمن والبركة، وألفها عنده ألف وصل، واستدل على ذلك بقول بعضهم وايمن الله بكسر الألف، ولو كانت ألف قطع لم تكسر، وسقوطها مع لام الابتداء قال الشاعر: وقال فريق ليمن الله ما ندرى وإنما التقدير لأيمن الله
стр. 2717
وقال الفراء: ألفها ألف قطع، وهى جمع يمين عنده، ومعنى قولهم: يمين الله أى يمين الحالف بالله؛ لأن الله لا يجوز أن يوصف بأنه يحلف بيمين، وإنما هذه من صفات المخلوقين، وروى عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يحلفان بايم الله، ورأى الحلف بها الحسن البصرى وإبراهيم النخعى، وذكر ابن خواز بنداد عن مالك أن ايم الله عنده يمين. وقال الطحاوى: (ايم الله) يمين عند أصحابنا، وهو قول مالك، وقال الشافعى: إن لم يرد بأيم الله يمينًا فليست بيمين، وقال إسحاق بن راهويه. إذا أراد بها يمينًا كانت يمينًا بالإرادة وعقد القلب.
٣ - باب كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِىِّ ﵇ ؟
قَالَ سَعْدٌ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ) . وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِىِّ ﵇: لاهَا اللَّهِ، ويُقَالُ: وَاللَّهِ وَبِاللَّهِ وَتَاللَّهِ. / ٧ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ النَّبِىِّ ﷺ : (لا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ) . / ٨ - وفيه: جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وأَبُو هُريرة، قَالَ ﵇: (إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ) .
стр. 2718
/ ٩ - وفيه: عَائِشَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلا) . / ١٠ - وفيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ هِشَامٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لأنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِلا نَفْسِى، فَقَالَ ﵇: (لا، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ) ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ لأنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ نَفْسِى، فَقَالَ ﵇: (الآنَ يَا عُمَرُ) . / ١١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، أنَّ النَّبِىّ، ﵇، قَالَ: (أَمَا وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ، فَرَدٌّ عَلَيْكَ. . . .) ، الحديث. / ١٢ - وفيه: أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﵇: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرًا مِنْ بَمِّى تَمِيمٍ وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَغَطَفَانَ وَأَسَدٍ خَابُوا وَخَسِرُوا) ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ) . / ١٣ - وفيه: أَبُو حُمَيْد، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، اسْتَعْمَلَ عَامِلا، فَجَاءَهُ الْعَامِلُ. . . . الحديث، فَقَالَ ﵇: (وَالَّذِى نَفْسى بِيَدِهِ، لا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا. . . . .) الحديث. / ١٤ - وفيه: أَبُو ذَرّ، انْتَهَيْتُ إِلى النَّبِىّ ﷺ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: (هُمُ الأخْسَرُونَ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) ، مرتين، يعنى الأكثرين. . . . . الحديث، إِلا مَنْ قَالَ: (هَكَذَا وَهَكَذَا) .
стр. 2719
/ ١٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (قَالَ سُلَيْمَانُ: لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِى بِفَارِسٍ، يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَايْمُ الَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ) . / ١٦ - وفيه: الْبَرَاء، أُهْدِىَ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇، سَرَقَةٌ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ ﵇: (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ فِى الْجَنَّةِ خَيْرٌ من هذا) . / ١٧ - وفيه: عَائِشَةَ، إِنَّ هِنْدَ ابِنة عُتْبَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أَهْلُ أَخْبَاءٍ - أَوْ خِبَاءٍ، شَكَّ يَحْيَى - أَحَبَّ إِلَىَّ من أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ أَخْبَائِكَ - أَوْ خِبَائِكَ - ثُمَّ مَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ أَهْلُ أَخْبَاءٍ - أَوْ خِبَاءٍ - أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ أَخْبَائِكَ - أَوْ خِبَائِكَ - قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (وَأَيْضًا، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) الحديث. / ١٨ - وفيه: ابْن مَسْعُود،، قَالَ النَّبِىّ ﷺ لأصْحَابِهِ: (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (أَفَتَرْضُوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (فَوَالَّذِى نَفْسى بِيَدِهِ، إِنِّى لأرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) . / ١٩ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ للذى قرأ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (: (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) . / ٢٠ - وفيه: أَنَس، قَالَ ﵇: (أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، إِنِّى لأرَاكُمْ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِى إِذَا مَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ) . / ٢١ - وفيه: أَنَس، أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ مَعَهَا أَوْلاَدٌهَا، فَقَالَ: (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لأحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ) ، ثَلاثًا.
стр. 2720
قال المؤلف: أما قوله: (والذى نفسى بيده) و (لا ومقلب القلوب) فهذه أيمان النبى ﵇ فالسنة أن يحلف بهما وبما شابههما من أسماء الله وصفاته - تعالى - وقد قال ﵇: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت) . وأجمع العلماء أنه من حلف فقال: والله أو بالله أو تالله أن عليه الكفارة؛ لأن الواو والباء والتاء هى حروف القسم عند العرب، والواو والباء يدخلان على كل محلوف به، ولا تدخل الفاء إلا على الله وحده. وقولهم: (لا ها الله) أصله لا والله، حذف حرف القسم وعوض منه (ها) التى للتنبيه، فصار واو القسم خافضًا مضمرًا مثله مظهرًا، غير أنه لا يجوز أن يظهر مع ما هو عوض منه. وأجمعوا أنه من حلف باسم من أسماء الله - تعالى - أن عليه الكفارة واختلفوا فيمن حلف بصفاته، وسيأتى ذلك فى بابه - إن شاء الله. واحتج من أوجب الكفارة فى الأيمان بالصفات كلها بحديث ابن عمر (أن النبى ﵇ كانت يمينه لا ومقلب القلوب) ، وصفاته تعالى كلها منه، وليس شىء مخلوق. وقوله: (خباء أو أخباء) : فالمعروف فى جمع خباء أخبية، وكذلك تجمع فعال وفعيل فى القليل على أفعلة، كمثال وأمثلة، وسقاء وأسقية، ورغيف وأرغفة، وقد جمع فعيل على أفعال كيتيم وأيتام، وشريف وأشراف، ويمين وأيمان، وهذا قياس خباء وأخباء.
стр. 2721
فإن قال قائل: بم يتعلق القسم فى قوله ﵇ فى حديث هند (وأيضًا والذى نفسى بيده) ؟ قيل: قد فسر المعنى معمر فى روايته عن الزهرى قال معمر: (لتزدادن) . قال المؤلف: يعنى لتزدادن محبة فيما ذكرت إذا قوى إسلامك وتحكم الإيمان فى قلبك، كما قال ﵇: (والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وولده ومن الناس أجمعين) يريد لا يبلغ حقيقة الإيمان وأعلى درجاته.
٤ - باب لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ
/ ٢٢ - فيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، أَدْرَكَ عُمَرَ، وَهُوَ يَسِيرُ فِى رَكْبٍ فَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) . قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ، ﵇، ذَاكِرًا وَلا آثِرًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) [الأحقاف: ٤] يَأْثُرُ عِلْمًا. / ٢٣ - وفيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ ﵇: (لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) . / ٢٤ - وفيه: أَبُو مُوسَى، (وَاللَّهِ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا. . . .) الحديث. قال المهلب: كانت العرب فى الجاهلية تحلف بآبائها وآلهتها، فأراد الله أن ينسخ من قلوبها وألسنتها ذكر كل شىء سواه، ويبقى
стр. 2722
ذكره تعالى، لأنه الحق المعبود، فالسنة اليمين بالله، كما رواه أبو موسى وغيره عن النبى، والحلف بالمخلوقات فى حكم الحلف بالآباء، لا يجوز عند الفقهاء شىء من ذلك. قال الطبرى فى حديث عمر: إن الأيمان لا تصلح بغير الله - تعالى - كائنًا ما كان، وأن من قال والكعبة أو وجبريل وميكائيل أو آدم وحوا ونوح أو قال: وعذاب الله، أو ثواب الله أنه قد قال من القول هجرًا، وتقدم على ما نهى النبى ﵇ عنه، ولزمه الاستغفار من قوله ذلك دون الكفارة، لثبوت الحجة أنه لا كفارة على الحالف بذلك. قال غيره: فإن قال قائل: فأين ما فى القرآن من الإقسام بالمخلوقات نحو قوله) والطور وكتاب مسطور () والتين والزيتون () والسماء والطارق (وما كان مثله؟ . قيل: المعنى فيه عند المفسرين: ورب السماء والطارق، ورب الطور، ورب النجم، فعلى هذا القول هى إقسام بالله - تعالى - لا بغيره. قال ابن المنذر: فالجواب أن الله أقسم بما شاء من خلقه، ثم بين الرسول ما أراد الله من عباده أنه لا يجوز لأحد أن يحلف بغيره، لقوله: (من كان حالفًا فليحلف بالله) . قال الشعبى: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغى له أن يقسم إلا بالخالق، والذى نفسى بيده لأن أقسم بالله فأحنث أحب إلى من أن أقسم بغيره فأبر. وذكر ابن القصار مثله عن ابن عمر.
стр. 2723
وقال قطرب: إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجب منها المخلوقين، ويعرفهم قدرته فيها ليعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها، فلا يجوز لأحد أن يقسم بهذه الأقسام وشبهها، لأجماع العلماء أنه من وجبت له يمين على رجل أنه لا يحلف له إلا بالله، ولو حلف له بالنجم أو بالسماء والطارق وقال: نويت رب ذلك، لم يكن عندهم يمينًا. وقال ابن المنذر: من حلف بغير الله وهو عالم بالنهى فهو عاص. قال: واختلف أهل العلم فى معنى نهى النبى عن الحلف بغير الله، أهو عام فى الأيمان كلها، أو هو خاص فى بعضها؟ فقالت طائفة: الأيمان النهى عنها، هى الأيمان التى كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيما منهم لغير الله، كاليمين باللات والعزى والآباء والكعبة والمسيح وبملل الشرك، فهذه المنهى عنها ولا كفارة فيها، وأما ما كان من الأيمان مما يئول الأمر فيه إلى تعظيم الله فهى غير تلك، وذلك كقول الرجل: وحق النبى، وحق الإسلام، وكاليمين بالحج والعمرة والصدقة والعتق وشبهه، فكل هذا من حقوق الله ومن تعظيمه، وقال أبو عبيد: إنما ألفاظ الأيمان ما كان أصله يراد به تعظيم الله والقربة إليه، ومن القربة إليه اليمين بالعتق والمشى والهدى والصدقة. قال ابن المنذر: وقد مال إلى هذا القول غير واحد ممن لقيناه، واستدل بعضهم بما روى عن أصحاب النبى ﵇ من إيجابهم على الحالف بالعتق وصدقة المال والهدى ما أوجبوه
стр. 2724
مع روايتهم هذه الأخبار التى فيها التغليظ فى اليمين بغير الله، أن معنى النهى فى ذلك غير عام، إذ لو كان عاما ما أوجبوا فيه من الكفارات ما أوجبوا، ولنهوا عن ذلك. وقوله: (ذاكرًا) يعنى متكلمًا به، كقولك: ذكرت لفلان حديثًا حسنا، وليس من الذكر الذى هو ضد النسيان. وقوله: (ولا آثرًا) يقول: ولا مخبرًا عن غيرى أنه حلف به. وقال الطبرى: ومنه حديث مأثور عن فلان، أى تحدث به عنه.
٥ - باب لا يُحْلَفُ بِاللاتِ وَالْعُزَّى وَلا بِالطَّوَاغِيتِ
/ ٢٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇، (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِى حَلِفِهِ: بِاللاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ، أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ) . قال المهلب: كان أهل الجاهلية قد جرى على ألسنتهم الحلف باللات والعزى، فلما أسلموا ربما جروا على عادتهم من ذلك من غير قصد منهم فكان من حلف بذلك فكأنه قد راجع حاله إلى حالة الشرك، وتشبه بهم فى تعظيمهم غير الله، فأمر النبى ﵇ من عرض له ذلك بتجديد ما أنساهم الشيطان أن يقولوا: لا إله إلا الله، فهو كفارة له، إذ ذلك براءة من اللات والعزى ومن كل ما يعبد من دون الله. قال الطبرى: وقول ذلك واجب عليه مع إحداث التوبة،
стр. 2725
والندم على ما قال من ذلك، والعزم على ألا يعود، ولا يعظم غير الله، وقد روى أبو إسحاق السبيعى، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: (حلفت باللات والعزى، فقال أصحابى: ما نراك قلت إلا هجرًا. فأتيت النبى فقلت: إن العهد كان قريبًا فحلفت باللات والعزى. فقال: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شىء قدير، ثلاث مرات، وانفث عن شمالك ثلاثًا، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تعد) . قال الطبرى: وفيه الإبانة أن كل من أتى أمرًا يكرهه الله، ثم أتبعه من العمل بما يرضاه الله ويحبه بخلافه، وندم عليه، وترك العود له، فإن ذلك واضع عنه وزر عمله، وماح إثم خطيئته، وذلك كالقائل يقول: كفر بالله إن فعل كذا، فالصواب له أن يندم على قوله ندامة [.] على حلفه، وأن يحدث من قول الحق خلاف ما قال من الباطل، وكذلك أعمال الجوارح، كالرجل يهم بركوب معصية، فإن توبته ترك العزم عليه، والانصراف عن فعل ما هم به، وأن يهم بعمل طاعة لله مكان همه بالمعصية، كما قال ﵇ لمعاذ فى وصيته: (إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة تمحها) . قال غيره: وأما قوله ﵇: (من قال لصاحبه: تعالى أقامرك، فليتصدق) فهو محمول عند الفقهاء على الندب لا على الإيجاب، بدليل أنه من أراد أن يعصى الله ولم يفعل ذلك فليس عليه صدقة ولا غيرها، وقد روى ابن عباس عن النبى ﵇ أنه قال: (من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة) وروى أبو
стр. 2726
هريرة عن النبى أنه قال: (من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه شىء) . واحتج ابن عباس لروايته بقول الله - تعالى -) ولمن خاف مقام ربه جنتان (قال: هو العبد يهم بالمعصية ثم يتركها من خوف الله - تعالى - وستأتى زيادة فى معنى هذه الحديث فى آخر كتاب الاستئذان فى باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله، ومعنى قوله: (ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك) ، إن شاء الله. والطاغوت قد اختلف السلف فى معناه، فقال جماعة: هو الشيطان. روى ذلك عن عمر ومجاهد والشعبى وقتادة وجماعة. وقال آخرون: هو الساحر، روى ذلك عن أبى العالية وابن سيرين وغيرهما. وقال آخرون: هو الكاهن، روى ذلك عن جابر وسعيد بن جبير. قال الطبرى: وهو عندى فعلوت من الطغيان، كالجبروت من التجبر، والجلبوت من الجلب، قيل ذلك لكل من طغى على ربه، فعبد من دونه إنسانًا كان ذلك الطاغى أو شيطانًا أو صنمًا.
٦ - باب مَنْ حَلَفَ عَلَى الشَّىْءِ وَإِنْ لَمْ يُحَلَّفْ
/ ٢٦ - فيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَ يَلْبَسُهُ، فَيَجْعَلُ فَصَّهُ فِى بَاطِنِ كَفِّهِ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ: (إِنِّى كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتِمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ، فَرَمَى بِهِ) ، ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهِ لا أَلْبَسُهُ أَبَدًا فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ) .
стр. 2727
قال المهلب: إنما كان النبى يحلف على تضاعيف كلامه وكثير من فتواه، متبرعًا بذلك لينسخ ما كانت الجاهلية عليه من الحلف بآبائها وآلهتها من الأصنام وغيرها، ليعرفهم ألا محلوف به إلا الله، وليتدربوا على ذلك حتى ينسوا ما كانون عليه من الحلف بغير الله. وقوله: (لا ألبسه أبدًا) أراد بذلك تأكيد الكراهية فى نفوس الناس بيمينه؛ لئلا يتوهم الناس أنه كرهه لمعنى، فإن زال ذلك المعنى لم يكن بلبسه بأس، وأكد بالحلف ألا يلبسه على جميع وجوهه. وفيه من الفقه: أنه لا بأس بالحلف على ما يحب المرء تركه، أو على ما يحب فعله من سائر الأفعال.
٧ - باب مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإسْلامِ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﵇: (مَنْ حَلَفَ بِاللاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى الْكُفْرِ. / ٢٧ - وفيه: ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ، ﵇: (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإسْلامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ) ، قَالَ: (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ، عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ) . قال المهلب: قوله: (فهو كما قال) يعنى هو كاذب فى يمينه لا كافر؛ لأنه لا يخلو أن يعتقد الملة التى حلف بها، فلا كفارة له إلا الرجوع إلى الإسلام، أو يكون معتقدًا للإسلام بعد الحنث فهو كاذب فيما قاله، بمنزلة من حلف يمين الغموس لا كفارة عليه،
стр. 2728
ألا ترى قوله ﵇: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله) ، ولم ينسبه إلى الكفر. قال ابن المنذر: وفسر ابن المبارك الكفر فى هذه الأحاديث أن المراد به التغليظ وليس بالكفر، كما روى عن ابن عباس فى قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (أنه ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وكذلك قال عطاء: كفر دون كفر، وفسق دون فسق وظلم دون ظلم، وكما قال ﵇: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) أى كفر بما أمر به ألا يقتل بعضهم بعضًا. قال غيره: والأمة مجمعة أن من حلف باللات والعزى فلا كفارة عليه، فكذلك من حلف بملة سوى الإسلام لا فرق بينهما، ومعنى الحديث عن الحلف بما حلف من ذلك والزجر عنه. فإن ظن ظان أن فى هذا الحديث دليلا على إباحة الحلف بملة غير الإسلام صادقًا، لاشتراطه فى هذا الحديث أن يحلف بذلك كاذبًا. قيل له: ليس كما توهمت؛ لورود نهى رسول الله عن الحلف بغير الله نهيًا مطلقًا، فاستوى الكاذب والصادق فى النهى، وقد تقدم معنى هذا الحديث فى آخر كتاب الجنائز فى باب قاتل النفس، وستأتى زيادة فى بيانه فى كتاب الأدب فى باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال - إن شاء الله. وقوله: (من قتل نفسه بشىء عذب به فى نار جهنم) هو على الوعيد، والله - تعالى - فيه بالخيار.
стр. 2729
وقوله: (ولعن المؤمن كقتله) فيه تأويلان. قال المهلب: وهو معنى قوله الطبرى: اللعن فى اللغة هو الإبعاد. فمن لعن مؤمنًا فكأنه أخرجه من جماعة الإسلام، فأفقدهم منافعه وتكثير عددهم، فكان كمن أفقدهم منافعه بقتله، ويفسر هذا قوله للذى لعن ناقته: (انزل عنها فقد أجيبت دعوتك) فسرحها ولم ينتفع بها أحد بعد ذلك، فأفقد منافعها لما أجيبت دعوته، فكذلك يخشى أن تجاب دعوة اللاعن فيهلك الملعون. والتأويل الآخر: أن الله حرم لعن المؤمن كما حرم قتله فهما سواء فى التحريم، وهذا يقتضى تحذير لعن المؤمنين والزجر عنه؛ لأن الله - تعالى - قال: (إنما المؤمنون إخوة (فأكد حرمة الإسلام، وشبهها بإخوة النسب، وكذلك معنى قوله: (من رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله) يعنى فى تحريم ذلك عليه - والله أعلم. فإن قيل: هذا التأويل يعارض ما ثبت عن رسول الله أنه لعن جماعة من المؤمنين فلعن المخنثين من الرجال، ولعن شارب الخمر، ولعن فيه عشرة، ولعن المصورين، ولعن من غير تخوم الأرض، ولعن من انتمى إلى غير مواليه، ومن انتسب إلى غير أبيه، ولعن من سب والديه، وجماعة سواهم. قيل: لا تعارض فى شىء من ذلك، والمؤمن الذين حرم رسول الله لعنهم هم غير من لعنهم، فنهى عن لعن من لم يظهر الكبائر ولا استباح ركوب ما نهى الله عنه، وأمر بموالاتهم وموآخاتهم فى الله والتودد إليهم، ولعن من خالف أمره واستباح نهيه، وأمر
стр. 2730
بإظهار النكير عليهم، وترك موالاتهم والانبساط إليهم والرضا عن أفعالهم، فالحديثان مختلفان؛ فانتفى التعارض بحمد الله. واختلف العلماء فى الرجل يقول: أكفر بالله أو أشرك بالله ثم يحنث، فقال مالك: لا كفارة عليه، وليس بكافر ولا مشرك حتى يكون قلبه مضمرًا على الشرك والكفر، وليستغفر الله، وبئس ما صنع. وهو قول عطاء ومحمد بن على وقتادة، وبه قال الشافعى وأبو ثور وأبوعبيد. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثورى، والأوزاعى: من قال هو يهودى أو نصرانى أو كفرت بالله أو أشركت بالله أو برئت من الله أو من الإسلام؛ فهو يمين، وعليه الكفارة إن حنث؛ لأنه تعظيم لله، فهو كاليمين بالله. وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق. وممن رأى الكفارة على من قال هو يهودى أو نصرانى: عبد الله بن عمر، وعائشة، والشعبى، والحسن، وطاوس، والنخعى، والحكم. قال ابن المنذر: وقول من لم يرها يمينًا أصح؛ لقول النبى ﵇: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله) ولم يأمره بكفارة. قال ابن القصار: وبقوله ﵇: (من حلف بملة غير الإسلام فهو كما قال) ومعناه النهى عن مواقعة ذلك اللفظ والتحذير منه؛ لا أنه يكون كافرًا بالله بقول ذلك. قال ابن القصار: وإنما أراد التغليظ فى هذه الأيمان حتى لا يجترئ عليها أحد. وكذلك قال ابن
стр. 2731
عباس وأبو هريرة والمسور، ثم تلاهم التابعون فلم يوجبوا على من أقدم عليها الكفارة. قال: وأما قولهم: إذا قال أنا يهودى فقد عظم الإسلام وأراد الامتناع من الفعل، فالجواب أنهم يقولون: لو قال: وحق القرآن وحق المصحف ثم حنث أنه لا كفارة عليه، وفى هذا من التعظيم لله وللإسلام ما ليس لما ذكروه، فسقط قولهم، وأيضًا فإنه إذا قال: هو يهودى، أو كفر بالله، فليس من طريق التعظيم، وإنما هو من الجرأة والإقدام على المحرمات، كالغموس وسائر الكبائر، وهى أعظم من أن يكون فيها كفارة.
٨ - بَاب لا يَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ وَهَلْ يَقُولُ: أَنَا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ
/ ٢٨ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ، ﵇، يَقُولُ: (إِنَّ ثَلاثَةً فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ مَلَكًا فَأَتَى الأبْرَصَ، فَقَالَ: تَقَطَّعَتْ بِىَ الْحِبَالُ فَلا بَلاغَ لِى إِلا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ. . .) ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قال المهلب: إنما أراد البخارى أن يجيز (ما شاء الله ثم شئت) استدلالا بقوله ﵇ فى حديث أبى هريرة: (ولا بلاغ لى إلا بالله ثم بك) وإنما لم يجز أن نقول: ما شاء الله وشئت؛ لأن الواو تشرك المشيئتين جميعًا، وقد روى هذا المعنى عن النبى ﵇ أنه قال: (لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شاء فلان) وإنما أجاز دخول (ثم) مكان الواو؛ لأن مشيئة الله متقدمة على مشيئة خلقه، قال تعالى: (ما تشاءون إلا أن يشاء الله (.
стр. 2732
فهذا من الأدب، وذكر عبد الرزاق عن إبراهيم النخعى أنه كان لا يرى بأسًا أن يقول: ما شاء الله ثم شئت. وكان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، حتى يقول: ثم بك. والحديث فى ذلك رواه محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيرى، قال: حدثنا مسعر عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن يسار، عن قتيلة امرأة من جهينة قالت: (جاء يهودى إلى النبى ﵇ فقال: إنكم تشركون وإنكم تجعلون لله ندا، تقولون: والكعبة، وتقولون ما شاء وشئت، فأمرهم النبى ﵇ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت) ، وهذا الحديث رأى البخارى ولم يكن من شرط كتابه، فترجم به واستنبط معناه من حديث أبى هريرة - والله أعلم.
٩ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) [الأنعام: ١٠٩]
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّى بِالَّذِى أَخْطَأْتُ فِى الرُّؤْيَا، قَالَ: (لا تُقْسِمْ) . / ٢٩ - فيه: الْبَرَاء، أَمَرَنَا النَّبِىُّ، ﵇، بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ. / ٣٠ - وفيه: أُسَامَةَ، أَنَّ ابِنْة للنَّبِىّ، ﵇، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: أَنَّ ابْنِى قَدِ احْتُضِرَ فَاشْهَدْنَا، فَأَرْسَلَ يَقْرَأُ السَّلامَ، وَيَقُولُ: (إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى. . . .) الحديث. فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ. الحديث.
стр. 2733
/ ٣١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (لا يَمُوتُ لأحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فتَمَسُّهُ النَّارُ إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ) . / ٣٢ - وفيه: حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ، ﵇، يَقُولُ: (أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ، وَأَهْلِ النَّارِ كُلُّ جَوَّاظٍ عُتُلٍّ مُسْتَكْبِرٍ) . قال المؤلف: من روى (بإبرار المقسم) بفتح السين، فمعناه بإبرار الإقسام؛ لأنه قد يأتى المصدر على لفظ المفعول، كقوله: أدخلته مدخلا بمعنى إدخال، وأخرجته مخرجًا بمعنى إخراج. وقال المهلب: قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم (دليل على أن الحلف بالله أكبر الأيمان كلها؛ لأن الجهد شدة المشقة. اختلف العلماء فى قول الرجل: أقسمت بالله، أو أقسمت ولم يقل بالله، فذهب أبو حنيفة والثورى أنها أيمان، سواء أريد بها اليمين أم لا. وقال مالك: (أقسم) لا تكون يميًا حتى يقول: أقسم بالله أو ينوى بقوله: (أقسم) اليمين، فإذا لم ينوه فليست بيمين. وروى مثله عن الحسن وعطاء وقتادة والزهرى. وقال الشافعى: (أقسم) ليست بيمين سواء أراد بها اليمين أم لا، و (أقسم بالله) يمين إن أراد بها اليمين. وروى عنه الربيع: إذا قال أقسم، ولم يقل: بالله فهو كقوله: والله. وحجة الكوفيين رواية من روى فى حديث أبى بكر: (أقسمت
стр. 2734
عليك يا رسول الله لتحدثنى فقال النبى: لا تقسم) واحتجوا بحديث البراء قال: (أمرنا النبى ﵇ بإبرار المقسم) قالوا: ولم يقل: بالله، وبحديث أسامة (أن ابنة النبى أرسلت تقسم عليه) ولم يقل: بالله، وبقوله ﵇: (لو أقسم على الله لأبره) ولم يأت فى شىء من هذه الأحاديث ذكر اسم الله، قالوا: وقد جاء فى القرآن ذكر الله مع القسم فى موضع، ولم يأت فى موضع آخر؛ اكتفاء بما دل عليه اللفظ، قال تعالى: (وأقسموا بالله (فذكر اسمه، قال تعالى: (إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين (، فحذف اسمه، فدل على أن أحد الموضعين يفيد ما أفاده الآخر. وقال السيرافى: لا تكون (أقسم) إلا يمينًا؛ لدخول اللام فى جوابها، ولو كانت غير يمين لما دخلت اللام فى الجواب؛ لأنك لا تقول: ضربت لأفعلن، كما تقول: أقسمت لأفعلن. وحجة مالك قوله ﵇: (الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى) ومن لم ينو اليمين فلا يمين له، وأيضًا فإن العادة جرت بأن يحلف الناس على ضروب، فمنها اللغو يصرحون فيه باسم الله، ثم لا تلزمهم الكفارة؛ لعدم قصدهم إلى الأيمان، فالموضع الذى عدم فيه التصريح والقصد أولى ألا تجب فيه كفارة، قاله ابن القصار قال: وقال أصحاب الشافعى:
стр. 2735
اليمين تكون يمينًا لحرمة اللفظ، وإذا قال: أقسمت، فلا لفظ هاهنا له حرمة، وكل ما احتج به الكوفيون فهو حجة على الشافعى. قال ابن القصار: ويقال للشافعى: قال الله - تعالى -: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم (فوصل القسم باسمه تعالى، فكان يمينًا وقال فى موضع آخر: (إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين (فأطلق القسم ولم يقيده بشىء، فوجب أن يبنى المطلق على المقيد، كالشهادة قرنت بالعدالة فى موضع، وعريت فى موضع من ذكر العدالة، كالرقبة فى الكفارة، قيد فى موضع مؤمنة، وأطلق فى موضع، فبنى المطلق على المقيد. قال ابن المنذر: وأمر النبى ﵇ بإبرار المقسم أمر ندب لا أمر وجوب؛ لأن أبا بكر أقسم على النبى فلم يبر قسمه، ولو كان ذلك واجبًا لم يشأ رجل أن يسأل آخر بأن يخرج له من كل ما يملك، ويطلق زوجته، ثم يحلف على الإمام فى حد أصابه أن يُسقط عنه؛ إلا تم له، وفى ذلك تعطيل الحدود وترك الاقتصاص مما فيه القصاص، وإذا لم يجز ذلك كان معنى الحديث الندب فيما يجوز الوقوف عنه دون ما لا يجوز تعطيله. وقال المهلب: إبرار القسم إنما يستحب إذا لم يكن فى ذلك ضرر على المحلوف عليه أو على جماعة أهل الدين؛ لأن الذى سكت عنه النبى ﵇ من بيان موضع الخطأ فى تعبير أبى بكر، هو عائد على المسلمين بهم وغم؛ لأنه عبر قصة عثمان بأنه
следующие страницы →