← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

عباس وأبو هريرة والمسور، ثم تلاهم التابعون فلم يوجبوا على من أقدم عليها الكفارة. قال: وأما قولهم: إذا قال أنا يهودى فقد عظم الإسلام وأراد الامتناع من الفعل، فالجواب أنهم يقولون: لو قال: وحق القرآن وحق المصحف ثم حنث أنه لا كفارة عليه، وفى هذا من التعظيم لله وللإسلام ما ليس لما ذكروه، فسقط قولهم، وأيضًا فإنه إذا قال: هو يهودى، أو كفر بالله، فليس من طريق التعظيم، وإنما هو من الجرأة والإقدام على المحرمات، كالغموس وسائر الكبائر، وهى أعظم من أن يكون فيها كفارة. ٨ - بَاب لا يَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ وَهَلْ يَقُولُ: أَنَا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ / ٢٨ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ، ﵇، يَقُولُ: (إِنَّ ثَلاثَةً فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ مَلَكًا فَأَتَى الأبْرَصَ، فَقَالَ: تَقَطَّعَتْ بِىَ الْحِبَالُ فَلا بَلاغَ لِى إِلا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ. . .) ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قال المهلب: إنما أراد البخارى أن يجيز (ما شاء الله ثم شئت) استدلالا بقوله ﵇ فى حديث أبى هريرة: (ولا بلاغ لى إلا بالله ثم بك) وإنما لم يجز أن نقول: ما شاء الله وشئت؛ لأن الواو تشرك المشيئتين جميعًا، وقد روى هذا المعنى عن النبى ﵇ أنه قال: (لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شاء فلان) وإنما أجاز دخول (ثم) مكان الواو؛ لأن مشيئة الله متقدمة على مشيئة خلقه، قال تعالى: (ما تشاءون إلا أن يشاء الله (.

стр. 2732

فهذا من الأدب، وذكر عبد الرزاق عن إبراهيم النخعى أنه كان لا يرى بأسًا أن يقول: ما شاء الله ثم شئت. وكان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، حتى يقول: ثم بك. والحديث فى ذلك رواه محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيرى، قال: حدثنا مسعر عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن يسار، عن قتيلة امرأة من جهينة قالت: (جاء يهودى إلى النبى ﵇ فقال: إنكم تشركون وإنكم تجعلون لله ندا، تقولون: والكعبة، وتقولون ما شاء وشئت، فأمرهم النبى ﵇ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت) ، وهذا الحديث رأى البخارى ولم يكن من شرط كتابه، فترجم به واستنبط معناه من حديث أبى هريرة - والله أعلم. ٩ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) [الأنعام: ١٠٩] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّى بِالَّذِى أَخْطَأْتُ فِى الرُّؤْيَا، قَالَ: (لا تُقْسِمْ) . / ٢٩ - فيه: الْبَرَاء، أَمَرَنَا النَّبِىُّ، ﵇، بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ. / ٣٠ - وفيه: أُسَامَةَ، أَنَّ ابِنْة للنَّبِىّ، ﵇، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: أَنَّ ابْنِى قَدِ احْتُضِرَ فَاشْهَدْنَا، فَأَرْسَلَ يَقْرَأُ السَّلامَ، وَيَقُولُ: (إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى. . . .) الحديث. فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ. الحديث.

стр. 2733

/ ٣١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (لا يَمُوتُ لأحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فتَمَسُّهُ النَّارُ إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ) . / ٣٢ - وفيه: حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ، ﵇، يَقُولُ: (أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ، وَأَهْلِ النَّارِ كُلُّ جَوَّاظٍ عُتُلٍّ مُسْتَكْبِرٍ) . قال المؤلف: من روى (بإبرار المقسم) بفتح السين، فمعناه بإبرار الإقسام؛ لأنه قد يأتى المصدر على لفظ المفعول، كقوله: أدخلته مدخلا بمعنى إدخال، وأخرجته مخرجًا بمعنى إخراج. وقال المهلب: قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم (دليل على أن الحلف بالله أكبر الأيمان كلها؛ لأن الجهد شدة المشقة. اختلف العلماء فى قول الرجل: أقسمت بالله، أو أقسمت ولم يقل بالله، فذهب أبو حنيفة والثورى أنها أيمان، سواء أريد بها اليمين أم لا. وقال مالك: (أقسم) لا تكون يميًا حتى يقول: أقسم بالله أو ينوى بقوله: (أقسم) اليمين، فإذا لم ينوه فليست بيمين. وروى مثله عن الحسن وعطاء وقتادة والزهرى. وقال الشافعى: (أقسم) ليست بيمين سواء أراد بها اليمين أم لا، و (أقسم بالله) يمين إن أراد بها اليمين. وروى عنه الربيع: إذا قال أقسم، ولم يقل: بالله فهو كقوله: والله. وحجة الكوفيين رواية من روى فى حديث أبى بكر: (أقسمت

стр. 2734

عليك يا رسول الله لتحدثنى فقال النبى: لا تقسم) واحتجوا بحديث البراء قال: (أمرنا النبى ﵇ بإبرار المقسم) قالوا: ولم يقل: بالله، وبحديث أسامة (أن ابنة النبى أرسلت تقسم عليه) ولم يقل: بالله، وبقوله ﵇: (لو أقسم على الله لأبره) ولم يأت فى شىء من هذه الأحاديث ذكر اسم الله، قالوا: وقد جاء فى القرآن ذكر الله مع القسم فى موضع، ولم يأت فى موضع آخر؛ اكتفاء بما دل عليه اللفظ، قال تعالى: (وأقسموا بالله (فذكر اسمه، قال تعالى: (إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين (، فحذف اسمه، فدل على أن أحد الموضعين يفيد ما أفاده الآخر. وقال السيرافى: لا تكون (أقسم) إلا يمينًا؛ لدخول اللام فى جوابها، ولو كانت غير يمين لما دخلت اللام فى الجواب؛ لأنك لا تقول: ضربت لأفعلن، كما تقول: أقسمت لأفعلن. وحجة مالك قوله ﵇: (الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى) ومن لم ينو اليمين فلا يمين له، وأيضًا فإن العادة جرت بأن يحلف الناس على ضروب، فمنها اللغو يصرحون فيه باسم الله، ثم لا تلزمهم الكفارة؛ لعدم قصدهم إلى الأيمان، فالموضع الذى عدم فيه التصريح والقصد أولى ألا تجب فيه كفارة، قاله ابن القصار قال: وقال أصحاب الشافعى:

стр. 2735

اليمين تكون يمينًا لحرمة اللفظ، وإذا قال: أقسمت، فلا لفظ هاهنا له حرمة، وكل ما احتج به الكوفيون فهو حجة على الشافعى. قال ابن القصار: ويقال للشافعى: قال الله - تعالى -: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم (فوصل القسم باسمه تعالى، فكان يمينًا وقال فى موضع آخر: (إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين (فأطلق القسم ولم يقيده بشىء، فوجب أن يبنى المطلق على المقيد، كالشهادة قرنت بالعدالة فى موضع، وعريت فى موضع من ذكر العدالة، كالرقبة فى الكفارة، قيد فى موضع مؤمنة، وأطلق فى موضع، فبنى المطلق على المقيد. قال ابن المنذر: وأمر النبى ﵇ بإبرار المقسم أمر ندب لا أمر وجوب؛ لأن أبا بكر أقسم على النبى فلم يبر قسمه، ولو كان ذلك واجبًا لم يشأ رجل أن يسأل آخر بأن يخرج له من كل ما يملك، ويطلق زوجته، ثم يحلف على الإمام فى حد أصابه أن يُسقط عنه؛ إلا تم له، وفى ذلك تعطيل الحدود وترك الاقتصاص مما فيه القصاص، وإذا لم يجز ذلك كان معنى الحديث الندب فيما يجوز الوقوف عنه دون ما لا يجوز تعطيله. وقال المهلب: إبرار القسم إنما يستحب إذا لم يكن فى ذلك ضرر على المحلوف عليه أو على جماعة أهل الدين؛ لأن الذى سكت عنه النبى ﵇ من بيان موضع الخطأ فى تعبير أبى بكر، هو عائد على المسلمين بهم وغم؛ لأنه عبر قصة عثمان بأنه

стр. 2736

يخلع ثم يراجع الخلافة، فلو أخبره النبى بخطئه لأخبر الناس بأنه يقتل ولا يرجع إلى الخلافة، فكان يُدخل على الناس فتنة بقصة عثمان من قبل كونها، وكذلك لو أقسم على رجل ليشربن الخمر ما وجب عليه إبرار قسمه، بل الفرض عليه ألا يبره. واختلف الفقهاء إذا أقسم على الرجل فحنثه، فروى عن ابن عمر أن الحالف يُكفر، وروى مثله عن عطاء وقتادة، وهو قول أهل المدينة والعراق والأوزاعى. وفيها قول ثان روى عن عائشة أم المؤمنين: (أن مولاة لها أقسمت لها فى قديدة تأكلها فأحنثتها عائشة، فجعل النبى تكفير اليمين على عائشة) قال ابن المنذر: وإسناده لا يثبت. وفيها قول ثالث روى عن أبى هريرة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنهما لم يجعلا فى ذلك كفارة، قال عبيد الله، ألا ترى أن أبا بكر قال للنبى فى الرؤيا: (أقسمت عليك لتخبرنى بالذى أخطأت، فقال النبى: لا تقسم) قال: ولم يبلغنا أنه أمره بالتكفير. قال ابن المنذر: ويقال للذى قال: إن الكفارة تجب على المقسم عليه: ينبغى أن يوجب الكفارة على النبى حين أقسم عليه أبو بكر فلم يخبره. وقال أبو زيد الأنصارى: الجواظ: الكثير اللحم، المختال فى مشيته، يقال: جاظ يجوظ جوظانا، وقال الأصمعى مثله، وأنشد لرؤبة: وفى العين: يعلو به ذا العضل الجواظا

стр. 2737

وفي العين: الجواظ: الأكول، ويقال: الفاجر، والعتل: الأكول. - باب إِذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أَوْ شَهِدْتُ بِاللَّهِ / ٣٣ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، سُئِلَ النَّبِىُّ، ﵇، أَىُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِىءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) . قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَنْهَوْنَنَا - وَنَحْنُ غِلْمَانٌ - أَنْ نَحْلِفَ بِالشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ. قال المؤلف: إنما قصد البخارى من هذا الحديث إلى قول إبراهيم: وكان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد يريد: أشهد الله، وعلى عهد الله فدل نهيهم عن الحلف بذلك أنهما يمينان مغلظان، ووجه النهى عنهما - والله أعلم - أن قوله: أشهد بالله، يقتضى معنى العلم بالقطع وعهد الله لا يقدر أحد على التزامه بما يجب فيه، واختلف العلماء فى ذلك، فقال النخعى وهو قول أبى حنيفة والثورى -: أشهد وأحلف وأعزم كلها أيمان تجب فيها الكفارة. وقال ربيعة والأوزاعى: إذا قال: أشهد لا أفعل كذا ثم حنث، فهى يمين. وقال مالك: (أشهد) لا تكون يمينا حتى يقول أشهد

стр. 2738

بالله، وكذلك (أحلف) و (أعزم) إذا أراد الله، وإن لم يرد ذلك فليست بأيمان. قال ابن خواز بنداد: وضعف مالك (أعزم الله) وكأنه لم يره يمينًا إلا أن يريد به اليمين؛ لأنه يكون على وجه الاستعانة، فيقول الرجل: أعزم بالله وأصول بالله، كأنه يقول: أستعين بالله، ولا يجوز أن يقال: إن قول الرجل: (أستعين بالله) تكون يمينًا. وقال المزنى: قال الشافعى: (أشهد بالله) و (أعزم بالله) إن نوى اليمين فيمين. وروى عنه الربيع: إن قال: (أشهد) و (أعزم) ولم يقل: (بالله) فهو كقوله: والله، وإن قال: (أحلف) فلا شىء عليه إلا أن ينوى اليمين. واحتج الكوفيون بقوله تعالى: (والله يعلم إنك لرسوله (ثم قال: (اتخذوا أيمانهم جنة (فدل على أن قول القائل: (أشهد) يمين؛ لأن هذا اللفظ عبارة عن القسم بالله وإنما يحذف اسم الله اكتفاءً بما دل عليه اللفظ. واحتج أصحاب مالك أن قولك: أشهد لأفعلن كذا ليس بصريح يمين؛ لأنه يحتمل أن يريد أشهد عليك بشىء إن فعلت كذا، وقد تقول: أشهد بالكعبة وبالنبى، فلا يكون يمينًا. وأنكر أبو عبيد أن تكون (أشهد) يمينًا، وقال: (الحالف غير الشاهد) ، قال: وهذا خارج من الكتاب والسنة ومن كلام العرب. قال الطحاوى: وقوله ﵇: (ثم يجىء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) إنما أراد أنهم يكثرون الأيمان على كل

стр. 2739

شىء حتى تصير لهم عادة، فيحلف أحدهم حيث لا يراد منه اليمين وقبل أن يُستحلف، يدل على ذلك قول النخعى: وكانوا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة العهد. يعنى أن نحلف بالشهادة بالله وعلى عهد الله، كما قال تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم (والشهادة هاهنا اليمين بالله قال تعالى: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله (أى أربع أيمان بالله. - باب عَهْدِ اللَّهِ / ٣٤ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ النَّبِىّ ﵇: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ، يَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ - أَوْ قَالَ: أَخِيهِ - لَقِىَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ () [آل عمران ٧٧] . قَالَ سُلَيْمَانُ فِى حَدِيثِهِ: فَمَرَّ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ. . . . الحديث. اختلف العلماء فيمن قال: على عهد الله، فقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعى: من حلف بذلك وجبت عليه الكفارة سواء نوى اليمين أو لا، وروى هذه القول عن طاوس، والشعبى، والنخعى، والحكم، والحسن البصرى، وقتادة، ومجاهد. وروى عن عطاء: ليس ذلك بيمين إلا أن ينوى اليمين، وهو قول الشافعى وأبى ثور وأبى عبيد. والحجة للقول الأول قوله: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً (فخص عهد الله بالتقدمة على سائر الأيمان؛ فدل على

стр. 2740

تأكيد الحلف به ولذلك قال إبراهيم: كانوا ينهوننا عن الحلف بالعهد وليس ذلك إلا لغلظ اليمين به وخشية التقصير فى الوفاء به، فعهد الله ما أخذه على عباده وما أعطاه عباده قال تعالى: (ومنهم من عاهد الله (إلى قوله: (بما أخلفوا الله ما وعدوه (فذمهم على ترك الوفاء؛ لأن تاركه مُستخِف بمن كان عاهده فى منعه ما كان وعده. قال ابن القصار: واحتجوا بقوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم (فأمر بالوفاء بعهده ثم عطف عليه بقوله: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها (ولم يتقدم ذكر غير العهد، فأعلمنا أنه يمين مؤكد، ألا ترى قوله: (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا (. وقال يحيى بن سعيد فى قوله: (ولا تنقضوا الأيمان (قال: العهود. وقد روى عن جابر بن عبد الله فى قوله تعالى: (أوفوا بالعقود (قال: عقدة الطلاق، وعقدة البيع، وعقد الحلف، وعقد العهد، فإذا قال: علىَّ عهد الله، فقد عقد على نفسه عقدًا يجب الوفاء به؛ لقوله تعالى: (أوفوا بالعقود (وروى عن ابن عباس: إذا قال: علىَّ عهد الله، فحنث يعتق رقبة. فإن قال الشافعى: فإذا قال: علىَّ عهد الله، يحتمل أن يريد معهود الله، وهو ما ذكره تعالى فى قوله: (ألم أعهد إليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان (وإذا كان هذا معهود الله، وهو محدث فهو كقوله: فرض الله، يكون عبارة عن مفروض الله، ولا يكون

стр. 2741

يمينًا، لأنه يمين بمحدث؛ قيل: قوله: علىَّ عهد الله، غير قوله: معهود الله؛ لأنه لم يجر العرف والعادة بأن يقول أحد: علىَّ معهود الله، وإنما جرى بأن يراد بذلك اليمين. وقال مالك: إذا قال: علىَّ عهد الله وميثاقه، فعليه كفارتان إلا أن ينوى التأكيد فتكون يمينًا واحدةً. وقال الشافعى: عليه كفارة واحدة، وهو قول مطرف وابن الماجشون وعيسى بن دينار. والحجة لمالك أنه لما خالف بين اللفظين، وكل واحد يجوز أن يستأنف به اليمين كانت يمينين ووجب أن يكون لكل لفظ فائدة محددة. - باب الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلاَمِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِىُّ، ﵇، يَقُولُ: (أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ) . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﵇: (يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ، يَقُولُ: لا وَعِزَّتِكَ لا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) . وَقَالَ أَيُّوبُ: (وَعِزَّتِكَ لا غِنَى بِى عَنْ بَرَكَتِكَ) . / ٣٥ - فيه: أَنَس، قَالَ النَّبِىُّ، ﵇: (لا تَزَالُ جَهَنَّمُ: تَقُولُ: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) [ق: ٣٠] حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ، قَطْ، وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) .

стр. 2742

اختلف العلماء فى اليمين بصفات الله، فقال مالك فى المدونة: الحلف بأسماء الله وصفاته لازم كقوله: والعزيز، والسميع، والبصير، والعليم، والخبير، واللطيف، أو قال: وعزة الله وكبريائه، وعظمة الله وقدرته، وأمانته، وحقه، فهى أيمان كلها تُكفر، وذكر ابن المنذر مثله عن الكوفيين أنه إذا قال: وعظمة الله، وعزة الله، وجلال الله، وكبرياء الله، وأمانة الله: وجبت عليه الكفارة، وكذلك فى كل اسم من أسمائه تعالى. وقال الشافعى فى جلال الله، وعظمة الله، وقدرة الله، وحق الله، وأمانة الله: إن نوى بها اليمين فهى أيمان، وإن لم ينو اليمين فليست بيمين؛ لأنه يحتمل: وحق الله واجب، وقدرة الله ماضية. وقال أبو بكر الرازى: عن أبى حنيفة أن قول الرجل: وحق الله، وأمانة الله. ليست بيمين. قال أبو حنيفة: قال الله - تعالى -: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها (الآية، المراد بذلك الإيمان والشرائع. وهو قول سعيد بن جبير، وقال مجاهد: الصلاة. وقال أبو يوسف: وحق الله يمين وفيها الكفارة. وحجة القول الأول أن أهل السنة أجمعوا على أن صفات الله أسماء له، ولا يجوز أن تكون صفاته غيره، فالحلف بها كالحلف بأسمائه تجب فيها الكفارة، ألا ترى أن النبى ﵇ كثيرًا ما كان يحلف: (لا ومقلب القلوب) وتقليبه لقلوب عبادة صفة من صفاته، ولا يجوز على النبى أن يحلف بما ليس بيمين؛ لأنه قال: (من كان حالفًا فليحلف بالله) .

стр. 2743

قال أشهب: من حلف بأمانة الله التى هى صفة من صفاته، فهى يمين، وإن حلف بأمانة الله التى بين العباد، فلا شىء عليه، وكذلك عزة الله التى هى صفة ذاته، وأما العزة التى خلقها فى خلقه فلا شىء عليه. وقال ابن سحنون: معنى قوله: (سبحان ربك رب العزة (أنها العزة التى هى غير صفته التى خلقها فى خلقه، التى يتعازون بها، قال: وقد جاء فى التفسير أن العزة هاهنا يراد بها الملائكة. قال المؤلف: وإنما ذهب ابن سحنون إلى هذا القول - والله أعلم - فرارًا من أن تكون العزة التى هى صفة الله مربوبة، فيلزمه الحدث؛ وليس كما توهم لأن لفظ الرب قد يأتى فى كلام العرب لصاحب الشىء ومستحقه، ولا يدل ذلك على الحدث والخلق، فتقول لصاحب الدابة: رب الدابة، ولصاحب الماشية: رب الماشية، ولا تريد بذلك معنى الخلق، قال تعالى: (وتعز من تشاء وتذل من تشاء (فليس إعزازه بعلة، ولا إذلاله بعلة، بل هما حاصلان بالقضاء والمشيئة، وقوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا (وقوله: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (فكيف الجمع بينهما، فإن إحدى الآيتين توجب انفراده تعالى بالعزة، والثانية تشير إلى أن لغيره عزا؟ قيل: لا منافاة بينهما فى الحقيقة؛ لأن العز الذى للرسول وللمؤمنين فهو لله ملكًا وخلقًا، وعزه سبحانه له وصفًا، فإذن العز كله - لله تعالى - فقوله: (سبحان ربك رب العزة (يريد صاحب

стр. 2744

العزة ومستحقها، وهى نهاية العزة وغايتها التى لم يزل موصوفا بها قبل خلقه الخلق، التى لا تشبه عزة المخلوقين، ألا ترى أنه تعالى نزه نفسه بها فقال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون (ولا ينزه نفسه تعالى إلا بما يباين به صفات عباده، ويتعالى عن أشباهم، إذا ليس كمثله شىء. واختلفوا فيمن حلف بالقرآن أو المصحف، أو بما أنزل الله فحنث، فروى عن ابن مسعود: أن عليه بكل آية كفارة يمين. وهو قول الحسن البصرى وأحمد بن حنبل، وقال ابن القاسم فى العتبية: عليه إذا حلف بالمصحف كفارة يمين. وهو قول الشافعى فيمن حلف بالقرآن، قال: لأن القرآن كلام الله. وإليه ذهب أبو عبيد. وقال أبو حنيفة: من حلف بالقرآن فلا كفارة عليه. وهو قول عطاء، وروى عن على ابن زياد عن مالك نحوه، غير أن المعروف من أصل مذهبه ما يخالف هذه الرواية؛ روى إسماعيل بن أبى أويس عن مالك أنه قال: القرآن كلام الله وكلام الله من الله وليس من الله شىء مخلوق، فهذا القول منه يقطع أن الحالف بالقرآن إذا حنث أن عليه الكفارة، كما إذا حلف بالله أو باسم من أسمائه، وهذا مذهب جماعة أهل السنة. , وذكر ابن المنذر عن بعض أهل العلم أنهم قالوا: إذا كانوا يوجبون الكفارة على من حلف بعظمة الله، وعزة الله، وجلال الله، وكبرياء الله، فلم لا يوجبون على من حلف بكلام الله وهو صفة الله،

стр. 2745

وما الفرق بين ذلك؟ ويسألون عمن حلف بوجه الله فحنث. فإن قالوا: عليه الكفارة. قيل: وكذلك تجب الكفارة على من حلف بصفة من صفات الله فحنث. وأما قول ابن مسعود: عليه لكل آية كفارة يمين، فهو منه على التغليظ، ولا دليل على صحته، لأنه لا فرق ببينه وبين آخر لو قال: إن عليه لكل سورة كفارة، وآخر لو قال: عليه لكل كلمة كفارة. وهذا لا أصل له، وحسبه إذا حلف بالقرآن فقد حلف بصفة من صفات الله. قال المهلب: وقوله فى حديث أنس: (يضع فيها قدمه) أى ما قدم لها من خلقه، وسبق لها به مشيئته ووعده ممن يدخلها ومثله قوله تعالى: (لهم قدم صدق عند ربهم (أى متقدم صدق.

стр. 2746

- باب قَوْلِ الرَّجُلِ لَعَمْرُ اللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَعَمْرُكَ: لَعَيْشُكَ. / ٣٦ - فيه: عَائِشَةَ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ، فَقَامَ النَّبِىُّ، ﵇، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: (لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ) . قال أبو القاسم الزجاجى: (لعمر الله) كأنه حلف ببقائه تعالى، وقوله: لعمرك، مرفوع بالابتداء، والخبر مضمر، والتقدير لعمرك ما أُقسم به، وكذلك (لعمر الله) . واختلف الفقهاء فى قول الرجل: لعمر الله، فقال مالك والكوفيون: هى يمين. وقال الشافعى: إن لم يرد بها اليمين فليست بيمين، وهو قول إسحاق. والحجة لمالك والكوفيين أن أهل اللغة قالوا: إنها بمعنى بقاء الله، وبقاؤه صفة ذاته، فهى لفظة موضوعة لليمين فوجب فيها كفارة. وأما قولهم: (العمرى) فقال الحسن البصرى: عليه كفارة إذا حنث فيها، وسائر الفقهاء لا يرون فيها كفارة؛ لأنها ليست بيمين عندهم. قال ابن المنذر: وأما قوله تعالى: (لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون (فإن الله يقسم بما شاء من خلقه، وقد نهى النبى عن الحلف بغير الله.

стр. 2747

- باب) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ (الآية [البقرة: ٢٢٥] / ٣٧ - فيه: عَائِشَةَ،) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ (قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِى قَوْلِهِ: لا وَاللَّهِ، وبَلَى وَاللَّهِ. اختلف العلماء فى لغو اليمين، فذهب إلى قول عائشة: ابن عمر، وابن عباس - فى رواية - وروى ذلك عن القاسم، وعطاء، وعكرمة، والحكم، وطاوس، والحسن، والنخعى. وروى حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبى قلابة قال: لا والله، وبلى والله لغة من لغات العرب لا يراد بها اليمين، وهى من صلة الكلام. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعى، إلا أن أبا حنيفة قال: اللغو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، فيما يظن أنه صادق فيه على الماضى، وعند الشافعى سواء كانت فى الماضى أو المستقبل. وفيها قول ثان روى عن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين أن يحلف الرجل على الشىء يعتقد أنه كما حلف عليه، ثم يوجد على غير ذلك. وروى هذا القول أيضًا عن عائشة، ذكره ابن وهب عن عمر بن قيس، عن عطاء، عن عائشة. وروى مثله أيضًا إسماعيل القاضى عن النخعى، والحسن وقتادة، وهو قول ربيعة، ومكحول، ومالك، والليث، والأوزاعى. وقال أحمد بن حنبل: اللغو: الوجهان جميعًا. وجعل مالك لا والله، وبلى والله موضوعة لليمين، ورأى فيها الكفارة إلا ألا يراد به اليمين.

стр. 2748

وجعلها الشافعى ومن لم ير فيها الكفارة موضوعة لغير اليمين إلا أن يراد بها اليمين، ورأى الشافعى فى اللغو الذى عند مالك الكفارة؛ لأن حقيقة اللغو عند الشافعى ما لم يقصد له الحالف لكن سبق لسانه، كأنه يريد أن يتكلم بشىء فتبدر منه اليمين. قال إسماعيل: وأعلى الرواية وأمثلها فى تأويل الآية أن ما جاء فى قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو لا يريد اليمين فلم يكن عليه يمين؛ لأنه لم ينوها، وقال رسول الله: (الأعمال بالنيات) وما جرى على لسان الرجل من قول لم يقصده ولا نواه سقطت عنه الكفارة؛ إذا جعل بمنزلة من لم يحلف، ألا ترى قول أبى قلابة فى قوله: لا والله، وبلى والله، أنهما من لغة العرب ليست بيمين. وقال غيره: فى اللغو ثلاثة أقوال غير هذين. أحدهما: ما رواه طاوس عن ابن عباس قال: اللغو أن يحلف الرجل وهو غضبان. والثانى: قال الشعبى: اللغو فى اليمين كل يمين على معصية فليس لها كفارة، ثم قال لمن يُكفر، للشيطان؟ والثالث: قول سعيد بن جبير: هو تحريم الحلال، كقول الرجل: هذا الطعام علىَّ حرام فيأكله، فلا كفارة عليه. قال إسماعيل بن إسحاق: وقول سعيد بن جبير ليس على مجرى ما ذهب إليه أهل العلم فى ذلك. ولا حجة له. وإنما يرجع معنى

стр. 2749

قوله إلى معنى الحديث الذى فيه: (فليأت الذى هو خير، وليكفر عن يمينه) ، لأن من حلف ألا يأكل طعامًا، أو لا يدخل على أخيه؛ فقد حرم على نفسه ما أحل الله له. قال غيره: وأما قول ابن عباس اللغو يمين الغضبان، فإنما يشبه الغاضب بمن لم يقصد إلى اليمين ولا أراده، وكأنه غلبه الغضب، فهو كمن لم ينو اليمين فلا كفارة عليه وهذا معنى ضعيف؛ لأن جمهور الفقهاء على أن الغاضب عندهم قاصد إلى أفعاله، والغضب يزيده تأكيدًا وقوة فى قصده، وستأتى مذاهب العلماء فيمن حلف على معصية أو نذرها فى باب النذر فيما لا يملك، ولا نذر فى معصية بعد هذا - إن شاء الله. - باب إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ) [الأحزاب: ٥] وَقَالَ: (لا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ) [الكهف: ٧٣] / ٣٨ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، يَرْفَعُهُ، قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأمَّتِى عَمَّا وَسْوَسَتْ - أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ - أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ) . / ٣٩ - وفيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرِو، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبنا فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ كَذَا قَبْلَ كَذَا، ثُمَّ قَامَ إليه آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنْتُ أَحْسِبُ كَذَا، فَقَالَ ﵇: (افْعَلْ وَلا حَرَجَ. . . .) الحديث.

стр. 2750

/ ٤٠ - وفيه: ابن عباس مثله. / ٤١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يُصَلَّى، وَالنَّبِىّ ﷺ فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: (ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) ، فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالَ: (وَعَلَيْكَ ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) ، فَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ: علِمْنِى، فَقَالَ: (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ، فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَكَبِّرْ، وَاقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِىَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِىَ قَائِمًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِى صَلاتِكَ كُلِّهَا) . / ٤٢ - وفيه: عَائِشَةَ، هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ هَزِيمَةً تُعْرَفُ فِيهِمْ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ: أَىْ عِبَادَ اللَّهِ، أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ هِىَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ ابْنُ الْيَمَانِ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: أَبِى، أَبِى، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا انْحَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِى حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ. / ٤٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) . / ٤٤ - وفيه: ابْن بُحَيْنَةَ، صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ، ﵇، فَقَامَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، فَمَضَى فِى صَلاتِهِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ، انْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، فَكَبَّرَ وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَلَّمَ. / ٤٥ - وفيه: ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، صَلَّى بِهِمْ صَلاةَ الظُّهْرِ،

стр. 2751

فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا فقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ قَالَ: (وَمَا ذَاكَ) ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: (هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لَمْ يَدْرِ زَادَ فِى صَلاتِهِ أَمْ نَقَصَ، فَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ، فَيُتِمُّ مَا بَقِىَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) . / ٤٦ - وفيه: أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىّ، ﵇، قَالَ: (لا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا) [الكهف: ٧٣] قَالَ: (كَانَتِ الأولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا) . / ٤٧ - وفيه: الْبَرَاء، كَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ، فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ، فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلاةِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ، ﵇، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ. / ٤٨ - وفيه: جُنْدَب، شَهِدْتُ النَّبِىَّ، ﵇، صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: (مَنْ ذَبَحَ فَلْيُعد مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ) . اختلف العلماء فيمن حنث ناسيًا، هل تجب عليه كفارة أم لا؟ فقال عطاء وعمرو بن دينار فى الرجل يحلف بالطلاق على أمر لا يفعله ففعله ناسيًا: لا شىء عليه. وبه قال إسحاق. وأوجبت طائفة الكفارة عليه فى كل شىء، هذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، والزهرى، وربيعة، وبه قال مالك والكوفيون. واختلف قول الشافعى، فمرة قال: لا يحنث، ومرة قال: يحنث. وقاله أحمد بن حنبل فى الطلاق خاصة.

стр. 2752

واحتج من أسقط الكفارة بقوله تعالى: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم (فبين أنه لا جناح علينا إلا فيما تعمدت قلوبنا، واحتجوا بقوله ﵇: (رُفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فوجب أن يكون مرفوعًا من كل وجه إلا أن يقوم دليل، قالوا: ووجدنا النسيان لا حكم له فى الشرع، مثل كلام الناسى فى الصلاة، فوجب أن يُحمل عليه كلامه إذا حنث ناسيًا. فعارضهم من أوجب الكفارة فقال: قوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به (لا ينفى وجوب الكفارة؛ لأنه قد أوقع الحنث، فلا يكون عليه جناح والكفارة تجب، وإنما أراد برفع الجناح الضيق والإثم، ألا ترى أن الكفارة تجب فى قتل الخطأ مع رفع الجناح والإثم. قال المهلب: وهذه الأحاديث التى أدخل البخارى فى هذه الباب إنما حاول فيها إثبات العذر بالجهل والنسيان وإسقاط الكفارة، وجعلها كلها فى معنى واحد عند الله، واستدل بأفعال النبى وأقواله، وما بسطه من عذر من جهل أو تأول فأخطأ، وبما حكم به فى النسيان فى الصلاة وغيرها، والذى يوافق تبويبه قوله ﵇: (إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها) وحديث أبى هريرة: (من أكل ناسيًا فليتم صومه) ولم يأمره بالإعادة، وحديث ابن بحينة فيما نسيه النبى ﵇ من الجلوس فى الصلاة فلم يعد ﵇ على حسب ما نسيه، ولا قضاه، وكذلك نسيان موسى

стр. 2753

لم يطالبه به الخضر بعد أن كان شرط عليه ألا يسأله عن شىء، فلما سمح له الخضر وهو عبد من عباد الله؛ كان الله أولى بالعفو عن مثل ذلك، فصدر البخارى على سبيل قوة الرجاء فى عفو الله، وكذلك قوله: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به (يعنى فى قضية التبنى الذى قد كان لصق بقلوب العرب، وغلب عليهم من نسبة المتبنين إلى من تبناهم لا لآبائهم، فعذرهم الله بغلبة العادة وآخذهم بما تعمدوه من ذلك. وأما غير ذلك مما ذكره من المعانى فى هذا الباب فإنما هى على التشبيه، فأما قوله: (لا حرج) فيما قدم من النسك، فإنما عذرهم بالجهالة لحدود ما أنزل الله فى كتابه، وكان فرض الحج لم تنتشر كيفيته عند العرب حتى كان ﵇ هو تولى بيانه عملا بنفسه، فلم يوجب على المخطئ فى التقديم والتأخير فدية لغلبة الجهالة. فإن قيل: فإن فى الأحاديث التى ذكرها البخارى فى هذا الباب ما يدل على سقوط الكفارة فى النسيان، ومنها ما يدل على إثباتها، فأما ما يدل على إثباتها فقوله ﵇: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ومنها حديث ابن مسعود أنه ﵇ قال: (من لم يدر ما صلى فليتحر الصواب فيتم ما بقى ثم يسجد سجدتين) ، ومنها حديث ابن نيار فى إعادة الأضحية. قيل: أما قوله ﵇: (ارجع فصل فإنك لم تصل) فإنه قد كان تقدم العلم بحدود الصلاة من النبى عيانًا، فلم يعذر

стр. 2754

الناقص منها، فأمره بالإعادة لصلاته تلك ثم أوسعه لما حلف له أنه لا يعرف غير هذا ما أوسع أهل الجهالة من أن لم يأمره بعد يمينه بالإعادة لصلاته تلك ولا لما سلف من صلاته قبلها. وأما ما ذكره لحديثى السهو فمعناهما مختلف؛ لأن المتروك من السنن نسيانًا لا يرجع إليه، بل يجبره بغيره من السنن، كما جبر الجلسة المتروكة بالسجدتين المسنونتين، وأما ما ترك من الفرائض فلا بد من الإتيان به، وإرغام أنف الشيطان بالسجود لله الذى بتركه خلده الله فى الجحيم، وذلك لتقدم المعرفة بهيئة الصلاة سننًا وفرائض. وأما إعادة الأضحية فعذر النبى ابن نيار بما توهمه جائزًا له من أجل إكرام الضيف وإطعام جاعة الجيران، فجوز عنه ما لا يجزئ عن أحد بعده، وأوجب عليه الإعادة لتقدم المعرفة بالسنن، وقطع الذريعة إلى الاشتغال بالأكل عن الصلاة الفاضلة التى أمر ﵇ بإخراج ذوات الخدور والحيض من النساء إليها، لما فى شهودها من الخير وبركة دعوة المسلمين، وأما حديث حذيفة فإنه أسقط الدية عن قاتلى أبيه، وعذرهم بالجهالة؛ لأن دية الخطأ كانت عليهم بنص القرآن، وبقيت الكفارة عليهم فيما بينهم وبين ربهم. وقد يدخل البخارى نصوص الأحاديث المختلفة الألفاظ؛ لاختلاف الناس فيها، وينشرها لأهل النظر والفقه، وليستنبط كل واحد منهم ما يوافق مذهبه، كحديث جابر فى بيع الجمل فيه لفظ اشتراط

стр. 2755

ظهره، ولفظ إفقار ظهره، والإفقار تفضل، والاشتراط كراء وكحديثه فيما دون الحد من العقوبات، فكذلك أدخل فى هذا الباب أحاديث فى ظاهرها ما يتعارض لينظر الناظر ويتدبر المستبحر فالله أعلم. وإنما يصح معنى الحديث فى نسيان اليمين إذا فات بالموت، فحينئذ يمكن أن يعذر بالنسيان، ويرجى له تجاوز الله وعفوه، وأما متى ذكره فالكفارة تلزمه فيه والله الموفق. - باب الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَقَوْلِ اللَّه: (َلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا (الآية [النحل: ٩٤] دَخَلا: مَكْرًا وَخِيَانَةً. / ٤٩ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ النَّبِىّ ﵇: (الْكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ) . اليمين الغموس هو أن يحلف الرجل على الشىء وهو يعلم أنه كاذب؛ ليرضى بذلك أحدًا، أو يقتطع بها مالا، وهى أعظم من أن يكفر، وجمهور العلماء لا يرى فيها الكفارة، وهو قول

стр. 2756

النخعى والحسن البصرى ومالك ومن تبعه من أهل المدينة، والأوزاعى فى أهل الشام، والثورى وسائر أهل الكوفة، وأحمد وإسحاق وأبى ثور وأبى عبيد وأصحاب الحديث. وفيها قول ثانٍ روى عن الحكم بن عتيبة وعطاء: أن اليمين الغموس فيها كفارة. قال عطاء: ولا يريد بالكفارة إلا خيرًا. وهو قول الشافعى، واحتج الشافعى بأن قال: جاءت السنة فيمن حلف ثم رأى خيرًا مما حلف عليه أن يُحنث نفسه ثم يكفر، وهذا قد تعمد الحنث وأمر بالكفارة، فقيل له: النبى أمره أن يحنث فعلم أن ذلك طاعة فينبغى أن يُجوز للحالف باليمين الغموس أن يحلف ويكون ذلك طاعة فلما كان عاصيًا والحانث مطيعًا؛ افترق حكمهما. قال ابن المنذر: وقوله ﵇: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذى هو خير ويكفر) يدل أن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله فيما يستقبل فلا يفعله، أو على فعل لا يفعله فيما يستقبل ففعله، وليس هذا المعنى فى اليمين الغموس، ألا ترى أن الرجل إذا حلف على المستقبل أو قاله من غير أن يحلف عليه، فإنما عقد شيئًا قد يكون وقد لا يكون، فخرج من باب الكذب. قال إسماعيل: وينبغى للشافعى ألا يسمى من تعمد الحلف على الكذب آثمًا إذا كفر يمينه؛ لأن الله جعل الكفارة فى تكفير اليمين، وقد قال تعالى: (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون أعد الله لهم عذابًا شديدًا إنهم ساء (الآية. وقال ابن مسعود: كنا نعد الذنب الذى لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه

стр. 2757

كاذبًا ليقتطعه - ولا مخالف له من الصحابة، فصار كالإجماع، وقد أخبر ﵇ أن من فعل ذلك فقد حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار. قال ابن المنذر: وأما قوله: (وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا (فلا يجوز أن يقاس ذلك على اليمنى الغموس؛ لأنه لا يقاس أصل على أصل، ولو جاز قياس أحدهما على الآخر لكان أحدهما فرعًا، وللزم أن يكون على الحالف بهذه اليمين التى شبهت بالظهار كفارة الظهار، وليس لأحد أن يوجب كفارة إلا حيث أوجبها الله ورسوله. ومن الحجة فى إسقاط الكفارة حديث عبد الله بن عمرو وقد أجمعت الأمة أن الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس لا كفارة فيها، وإنما كفارتها تركها والتوبة منها فكذلك اليمين الغموس حكمها حكم ما ذكر معها فى الحديث فى سقوط الكفارة. والدليل على أن الحالف بها لا يسمى عاقدًا ليمينه قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان (والعقد فى اللغة عبارة عن الإلزام والتوثق، يقال: عقدت على نفسى أن أفعل أى: التزمت، فمن قال: لقيت زيدًا. وما لقيه، فلم يلزم نفسه شيئًا، ولا ألزم غيره أمرًا يجب الامتناع منه أو

стр. 2758

الإقدام عليه، فلا يسمى عاقدًا، ومعنى الاستيثاق: وهو أن يستوثق بالعقد حتى لا يواقع المحلوف عليه، وهذا معنىُ لا يحصل فى اليمين الغموس؛ لأنها منحلة بوجود الحنث معها، فلا يسمى عقدًا، ألا ترى أن اللغو لما لم يكن يمينًا معقودة لم تجب فيها كفارة، كذلك اليمين الغموس، عن ابن القصار. - باب قوله تَعَالَى) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ (الآية [آل عمران: ٧٧] وَقَوْلِهِ: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ) [البقرة: ٢٢٤] وَقَوْلِهِ: (وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا (إلى) كَفِيلا) [النحل: ٩١] / ٥٠ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِىَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ (الآيَةِ، وذكر الحديق. وبهذه الآيات والحديث احتج جمهور العلماء فى أن اليمين الغموس لا كفارة فيها؛ لأنه ﵇ ذكر فى هذه اليمين المقصود بها الحنث والعصيان العقوبة والإثم ولم يذكر هاهنا كفارة، ولو كان هاهنا كفارة لذكرها كما ذكر فى اليمين المعقودة فقال: (فليكفر عن يمينه وليأت الذى هو خير) ويقوى هذا المعنى قوله ﵇ فى المتلاعنين بعد تكرار أيمانهما: (الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟) ولم يوجب كفارة، ولو وجبت لذكرها كما قال: (هل منكما تائب؟) .

стр. 2759

قال ابن المنذر: والأخبار دالة على أن اليمين التى يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حرامًا هى أعظم أن يكفرها ما يكفر اليمين، ولا نعلم سنةً تدل على قول من أوجب فيها الكفارة، بل هى دالة على قول من لم يوجبها، قال تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقووا وتصلحوا بين الناس (قال ابن عباس: هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته، فجعل الله له مخرجًا فى التفكير، وأمره ألا يعتل بالله، ويكفر يمينه ويبر. ويمين الصبر هو أن يحبس السلطان الرجل على اليمين حتى يحلف بها، ويقال: صبرت يمينه أى: حلفته بالله. - باب الْيَمِينِ فِيمَا لا يَمْلِكُ وَفِى الْمَعْصِيَةِ وَفِى الْغَضَبِ / ٥١ - فيه: أَبُو مُوسَى، أَرْسَلَنِى أَصْحَابِى إِلَى النَّبِىِّ ﷺ أَسْأَلُهُ الْحُمْلانَ، فَقَالَ: (وَاللَّهِ لا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَىْءٍ) ، وَوَافَقْتُهُ، وَهُوَ غَضْبَانُ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، قَالَ: (انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ، أَوْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ) . / ٥٢ - وفيه: عَائِشَةَ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِى قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا) [النور: ٢٢] ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، وَاللَّهِ إِنِّى لأحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِى، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِى كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لا أَنْزِعُهَا مَنْهُ أَبَدًا. / ٥٣ - وفيه: أَبُو مُوسَى، أَتَيْتُ النَّبِىّ، ﵇، فِى نَفَرٍ مِنَ

стр. 2760

الأشْعَرِيِّينَ، فَوَافَقْتُهُ، وَهُوَ غَضْبَانُ، فَاسْتَحْمَلْنَاهُ، فَحَلَفَ أَنْ لا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلا أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا) . واليمين فيما لا يملك فى حديث الأشعريين معناه أن النبى حلف ألا يحملهم، فكان ظاهر هذه اليمين الإطلاق والعموم، ثم آنسهم بقوله: (وما عندى ما أحملكم عليه) ومثال هذا أن يحلف رجل ألا يهب ولا يتصدق ولا يعتق، وهو فى حال يمينه لا يملك، ثم يطرأ له بعد ذلك مال، فيهب أو يتصدق أو يعتق، فعند جماعة الفقهاء تلزمه الكفارة إن فعل شيئًا من ذلك، كما فعل ﵇ بالأشعريين، أنه تحلل من يمينه، وأتى الذى هو خير، ولو حلف ألا يهب ولا يتصدق ما دام معدمًا، وجعل العدم عله لامتناعه من ذلك، ثم طرأ له بعد ذلك مال، لم يلزمه عند الفقهاء كفارة إن وهب أو تصدق أو أعتق، لأنه إنما أوقع يمينه على حالة العدم لا على حالة الوجود، هذا ما فى حديث أبى موسى من معنى اليمين فيما لا يملك. واختلفوا من هذا المعنى إذا حلف الرجل يعتق ما لا يملك إن ملكه فى المستأنف، فقال مالك: إن عين أحدًا أو قبيلة أو جنسًا لزمه العتق، وإن قال: كل مملوك أملكه أبدًا حر، لم يلزمه عتق، وكذلك فى الطلاق إن عين قبيلة أو بلدة أو صفة ما، لزمه الحنث، وإن لم يعين لم يلزمه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلزمه الطلاق والعتق سواء عم أو خص. وقال الشافعى: لا يلزمه ما خص ولا ما عم.

стр. 2761

وحجة مالك أن الله نهى عباده أن يحرموا ما أحل لهم، ومن استثنى موضع نكاح أو عتق، فلم يحرم على نفسه كل ما أحل الله له. وحجة الكوفيين أنها طاعة لله يلزمه الوفاء بها إن قدر عليها، ومخرجها مخرج النذر كما يقول مالك فى الأيمان. وحجة الشافعى قوله ﵇: (لا نذر فى معصية، ولا فيما لم يملك ابن آدم) . وإذا لم يلزمه النذر فيما لا يملك فاليمين أولى ألا تلزمه، وأما الطلاق فإن الله - تعالى - إنما جعله فى كتابه بعد النكاح، فقال تعالى) إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن (و (ثم) لا توجب غير التعقيب. وأجمعوا إذا حلف بعتق عبيد غيره، أنه لا يلزمه شىء من ذلك، إلا ابن أبى ليلى فإنه كان يقول: إن كان موسرًا بأثمانهم لزمه عتقهم. ثم رجع عن ذلك. وإن حلف على غيره مثل: أن يحلف على امرأته النصرانية أن تسلم، أو حلفه على رجل ليسلفنه مالا، أو حلف على غريمه ليقضينه حقه، فإن ضرب لذلك أجلا وكان الدين إلى أجل أُخر إلى الأجل وإن لم يقض، وإلا تلوم له على قدر ما يراه. هذا قول ابن القاسم عن مالك قال مالك: إن لم يضرب لذلك أجلا، فلا يكون من امرأته موليًا إن حلف بالطلاق، ولكن يتلوم له على قدر الطلبة إلى المحلوف عليه بفعل ما حلف عليه. وروى ابن الماجشون عن مالك وغيره من علماء المدينة: إن حلف

стр. 2762

بالطلاق، أو بالعتاق على فعل غيره مثل حلفه على فعل نفسه فى جميع وجوه ذلك، ويدخل عليه الإيلاء فى حلفه بالطلاق. وأما حديث عائشة فى يمين أبى بكر ألا ينفق على مسطح، فإنما هى يمين فى ترك طاعة وفضيلة فى حال غضبه، ولا خلاف بين علماء المدينة فى وجوب الكفارة على من حلف أن يمتنع من فعل الطاعة إذا رأى غير ما حلف عليه، وكذلك فعل أبو بكر كفر عن يمينه. وجمهور الفقهاء يلزمون الغاضب الكفارة، ويجعلون غضبه مؤكدًا ليمينه، وقد روى عن ابن عباس أن الغضبان يمينه لغو، ولا كفارة فيها. وروى عن مسروق، والشعبى، وجماعة أن الغضبان لا يلزمه يمين ولا طلاق ولا عتق، واحتجوا بقوله ﵇: (لا طلاق فى إغلاق، ولا عتق قبل ملك) وفى حديث الأشعريين رد لهذه المقالة، لأن النبى ﵇ حلف وهو غاضب ثم قال: (والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها) وهذه حجة قاطعة، وكذلك فعل أبو بكر. وأما الحديث (لا طلاق فى إغلاق) فليس بثابت، ولا مما يعارض به مثل هذه الأحاديث الثابتة، وتأول المدنيون والكوفيون معنى هذا الحديث (لا طلاق فى إغلاق) يعنى لا طلاق فى إكراه، هذا معنى الحديث عندهم. وأما اليمين فى المعصية فليس هذا الباب موضعه، وسيأتى عند قوله ﵇: (من نذر أن يعصى الله فلا يعصه) ، إن شاء الله.

стр. 2763

- باب إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لا أَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ، فَصَلَّى، أَوْ قَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ، أَوْ كَبَّرَ، أَوْ حَمِدَ، أَوْ هَلَّلَ، فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ وَقَالَ ﵇: (أفْضَلُ الْكَلامِ أَرْبَعة: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) . وقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: كَتَبَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) [آل عمران ٦٤] ، قَالَ مُجَاهِدٌ: كَلِمَةُ التَّوحيد: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. / ٥٤ - فيه: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ النَّبِىّ ﷺ فَقَالَ: (قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) . / ٥٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ) . / ٥٦ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇، كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى، قَالَ: (مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ النَّارَ) ، وَقُلْتُ أُخْرَى: مَنْ مَاتَ لا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ. أما قول البخارى: فهو على نيته. فالمعنى عند العلماء فى الحالف ألا يتكلم اليوم أنه محمول على كلام الناس لا على التلاوة والتسبيح، وقد أجمعوا أن الكلام محرم فى الصلاة، وأن تلاوة القرآن وفيها من القربات إلى الله - تعالى - وقال زيد بن أرقم: لما نزلت: (وقوموا لله قانتين (أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام، فتراه نهى عن القراءة؟ . وقال ﵇: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شىء من كلام

стр. 2764

الناس، إنما هو التهليل والتحميد وتلاوة القرآن) ، فحكم للذكر كله والتلاوة بغير حكم كلام الناس، والحالف إذا حلف ألا يتكلم، فإنما هو محمول عند العلماء على كلام الناس، لا على الذكر والتلاوة وهذا لا أعلم فيه خلافا، إلا أنه إذا نوى ألا يقرأ ولا يذكر الله فهو على نيته كما قال البخارى. وأجمعوا أنه إذا حلف ألا يتكلم وتكلم بالفارسية أو بأى لغة تكلم أن حانث، ويشبه معنى هذا الباب إذا حلف ألا يكلم رجلا فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا، فقال مالك: يحنث فيهما جميعًا إلا أن تكون له نية على المشافهة، ثم ذكر أنه رجع بعد ذلك فقال: لا ينوى فى الكتاب، وأراه حانثًا إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله فلا يحنث. وحكى ابن أبى أويس أنه قال: الرسول أهون من الكتاب؛ لأن الكتاب سر لا يعلمه إلا هو وصاحبه، وإذا أرسل إليه رسولا علم ذلك الرسول. وقال الكوفيون والليث والشافعى: لا يحنث فيهما. وهو قول ابن أبى ليلى، وقال أبو ثور: لا يحنث فى الكتاب. واختلفوا إذا أشار إليه بالسلام، فقال مالك: يحنث. واحتج ابن حبيب فى أن الإشارة بالسلام كلام بقوله تعالى لزكريا: (ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا (. وقال عيسى عن ابن القاسم: ما أرى الإشارة بالسلام كلامًا. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يحنث فى الإشارة بالسلام، ولا فى الرسول، ولا فى الكتاب؛ لأنه لم يكلمه فى ذلك كله.

стр. 2765

واحتج أبو عبيد فقال: الكلام غير الخط والإشارة، وأصل هذا - قال -: أن الله قال لزكريا: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا (. وقال فى موضع آخر: (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (والرمز: الإشارة بالعين والحاجب. والوحى: الخط والإشارة، ويقال: كتب إليهم وأشار إليهم وفى قصة مريم: (إنى نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيا (ثم قال: (فأشارت إليه (فصار الإيماء والخط خارجين من معنى النطق. واختلفوا لو سلم على قوم هو فيهم، فقال مالك والكوفيون: قد حنث، قال ابن القاسم عن مالك: علم أنه فيهم أو لم يعلم إلا أن يحاشيه. وقال الشافعى: لا يحنث إلا أن ينويه بالسلام. واحتج أبو عبيد لقول مالك والكوفيين فقال: ومما يبين أن السلام كلام أن إمامًا لو سلم بين ركعتين متعمدًا كان قاطعًا للصلاة، كما يقطعها المتكلم، وقد نهى النبى عن الهجرة وأمر بإفشاء السلام، فبان بأمره بهذا ونهيه عن هذا أنهما متضادان، وأن المسلم على صاحبه ليس بهاجر له.

стр. 2766

ولو صلى ورآه فرد ﵇، فقال ابن القاسم: لا يحنث؛ لأن رده السلام من سنة الصلاة، وليس من معنى، المكالمة. وقال ابن وهب: يحنث؛ لأنه كان قادرًا على أن يجتزئ بتسليمه عن يمينه وأخرى عن يساره ولا يرد على الإمام، وقالوا: لو تعايا ففتح عليه الحالف حنث، ولو كتب إليه المحلوف عليه، فروى عيسى وأبو زيد عن ابن القاسم أنه إذا قرأ كتابه حنث. وقال ابن حبيب: لا يحنث، وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم. - باب مَنْ حَلَفَ أَنْ لا يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ شَهْرًا فَكَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ / ٥٧ - فيه: أَنَسٍ، آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِى مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلَيْتَ شَهْرًا؟ فَقَالَ: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ) . قال الطحاوى: ذهب قوم إلى أن الرجل إذا حلف ألا يكلم رجلا شهرًا، فكلمه بعد مضى تسعة وعشرين يومًا أنه لا يحنث، واحتجوا بهذا الحديث، وخالفهم فى ذلك آخرون فقالوا: إن حلف مع رؤية الهلال فهو على ذلك الشهر كان ثلاثين يومًا أو تسعة وعشرين، وإن كان حلف فى بعض شهر فيمينه على ثلاثين يومًا. وهو قول مالك والكوفيين والشافعى، واحتجوا بقوله ﵇: (الشهر تسعة وعشرون يومًا، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين) ، أفلا تراه

стр. 2767

أوجب عليهم ثلاثين يومًا وجعله على الكمال حتى يروا الهلال قبل ذلك؟ وأخبر أنه إنما يكون تسعة وعشرين برؤية الهلال قبل الثلاثين، وقد روى هذا عن الحسن البصرى، ودل نزوله من المشربة لتسع وعشرين أنه كان حلف مع غرة الهلال، هذا وجه الحديث، ومن هذا الحديث قال مالك وأبو حنيفة والشافعى: إنه من نذر صوم شهور بغير عينها فله أن يصومها للأهلة أو لغير الأهلة، فإن صامها للأهلة فكان الشهر تسعة وعشرين يومًا أجزأه، وما صام لغير الأهلة أكملها ثلاثين يومًا. وروى ابن وهب عن مالك: من أفطر رمضان كله فى سفر أو مرض فكان تسعة وعشرين يومًا، فأخذ فى قضائه شهرًا فكان ثلاثين يومًا؛ أنه يصومه كله، وإن كان شهر القضاء تسعة وعشرين يومًا ورمضان ثلاثين يومًا أجزأه. وقال محمد بن عبد الحكم: إنما يصوم عدد الأيام التى أفطر. وفى رواية ابن وهب مراعاة شهر القضاء، وعلى قول ابن عبد الحكم مراعاة الشهر الفائت، وهو أصح فى القياس؛ لأن الله افترض عليه عدد الأيام التى أفطر. - باب من حَلَفَ أَنْ لا يَشْرَبَ النَبِيذ فَشَرِبَ الطِلاء، أَوْ سَكَرًا، أَوْ عَصِيرًا، لَمْ يَحْنَثْ فِى قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ / ٥٨ - فيه: سَهْل، أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ صَاحِبَ النَّبِىِّ، ﵇، عرَسَ، فَدَعَا النَّبِىَّ ﷺ لِعُرْسِهِ، فَكَانَتِ الْعَرُوسُ خَادِمَهُمْ، فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: هَلْ تَدْرُونَ

стр. 2768

مَا سَقَتْهُ؟ قَالَ: أَنْقَعَتْ لَهُ تَمْرًا فِى تَوْرٍ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَيْهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ. / ٥٩ - وفيه: ابْن عَبَّاس، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ، فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا. قال المؤلف: زعم أبو حنيفة أن الطلاء والعصير ليسا بنبيذ فى الحقيقية، وإنما النبيذ ما نبذ فى الماء ونقع فيه، ومنه سمى المنبوذ منبوذًا، لأنه نبذ أى: طرح. ومعنى قوله: من شرب سكرًا يعنى ما يسكر مما يعصر ولا ينبذ، ويعنى قوله: ما كان عصيرًا: ما كان حديث العصر من العنب ولم يبلغ حد السكر، وبالطلاء ما طبخ من عصير العنب حتى بلغ إلى ما لا يسكر، فلا يحنث عند أبى حنيفة فى شرب شىء من هذه الثلاثة، لأنها لم تنبذ، وإنما يحنث عنده بشرب ما نبذ فى الماء من غير العنب، سواء أسكر أو لم يسكر. قال المهلب: والذى عند جمهور الفقهاء أنه إذا حلف ألا يشرب النبيذ بعينه دون سائر المشروبات أنه لا يحنث بشرب العصير والطبيخ وشبهه، وإن كان إنما حلف على النبيذ خشية منه لما يكون من السكر وفساد العقل كان حانثًا فى كل ما شرب مما يكون فيه المعنى الذى حلف عليه، ويجوز أن تسمى سائر الأشربة من الطبيخ والعصير نبيذًا لمشابهتها له فى المعنى، ومن حلف عندهم ألا يشرب شرابًا ولا نية له، فأى شراب شربه مما يقع عليه اسم شراب فهو حانث.

стр. 2769

قال المؤلف: ووجه تعلق البخارى من حديث سهل فى الرد على أبى حنيفة هو أن سهلا إنما عرف أصحابه بأنه لم يسق النبى إلا نبيذًا قريب العهد بالانتباذ مما يحل شربه، ألا ترى قوله: (أنقعت له تمرًا فى تور من الليل حتى أصبح عليه فسقته إياه) وكان ينتبذ له ﵇ ليلا ويشربه غدوة، وينتبذ له غدوة ويشربه عشية، ولو كان بعيد العهد بالانتباذ مما بلغ حد السكر لم يجز أن يسقيه النبى ﵇ ففهم من هذا أن ما بلغ حد السكر من الأنبذة حرام كالمسكر من عصير العنب، وأن من شرب مسكرًا من أى نوع سواء كان معتصرًا أو منتبذًا فإنه يحنث لاجتماعهما فى حدوث السكر، وكونها كلها خمرًا. ووجه استدلاله من حديث سودة: أنهم حبسوا مسك الشاة للانتباذ فيه الذى يجوز لهم شربه غير المسكر، ووقع عليه اسم نبيذ، ولو ذكر حديث أنس حين كسر الجرار من نبيذ التمر كان أقرب للتعلق وأوضح للمعنى، لأنهم لم يكسروا جرار نبيذ التمر المسكر، وهم القدوة فى اللغة والحجة فيها، إلا أن معنى نبيذ التمر المسكر فى معنى عصير العنب المسكر فى التحريم، لأنهم كانوا أتقى لله من أن يتلفوا نعم الله ويهريقوها استخفافًا بها، وقد نهى النبى عن إضاعة المال، ولو كان المسكر غير خمر لجاز ملكه وبيعه وشربه وهبته وكانت إراقته من الفساد فى الأرض.

стр. 2770

- باب إِذَا حَلَفَ أَلاَّ يَأْتَدِمَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ وَمَا يَكُونُ مِنْهُ الأدْمِ ؟ / ٦٠ - فيه: عَائِشَةَ، مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ. / ٦١ - وفيه: أَنَس، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخرجت خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، وَأَرْسَلَتْنِى إِلَى النَّبِىّ ﷺ ، فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ النَّبِىّ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ. . . . الحديث. . فَأَتَتْ بالْخُبْزِ، وأَمَرَ بِهَ النَّبِىّ ﷺ ، فَفُتَّ وَعَصَرَتْ عُكَّةً لَهَا، فَأَدَمَت، ثُمَّ قَالَ فِيهِ النَّبِىّ، ﵇، مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. . . . . الحديث. اختلف العلماء فيمن حلف ألا يأكل إدامًا فأكل لحمًا مشويًا، فقال مالك والشافعى، قد حنث كما لو أكل زيتًا وخلا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الإدام ما يصطبغ به مثل الزيت والعسل والخل، فأما ما لا يصطبغ به مثل اللحم المشوى والجبن والبيض فليس بإدام. وقال محمد: ما كان الغالب فيه أنه يؤكل بالخبز فهو إدام. واحتج الكوفيون أن حقيقة الإدام هو اسم للجمع بين شيئين، قال ﵇: (إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إليها قبل أن يتزوجها، فإنه أحرى أن يؤدم بينهما) معناه يجمع بينهما، وليس كل اسم يتناوله إطلاق الاسم، بدليل أن من جمع بين لقمتين لا يسمى بهذا الاسم، وإنما المراد أن يستهلك فيه الخبز ويكون تابعًا له بأن
следующие страницы →