← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

فقد دعا ﵇ بالرحمة لمن فعل ذلك، فمن أحب أن تناله بركة دعوة النبى ﵇ فليقتد بهذا الحديث ويعمل به. وفى قوله ﵇: (إذا اقتضى) حض على ترك التضييق على الناس عند طلب الحقوق وأخذ العفو منهم، وقد روى يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبى جعفر، عن نافع، عن ابن عمر وعائشة، أن النبى ﵇ قال: (من طلب حقا فليطلبه فى عفاف واف أو غير واف) ، قال ابن المنذر: وفى هذا الحديث الأمر بحسن المطالبة وإن قبض هذا الطالب دون حقه، وقد جاء فى إنظار المعسر من الفضل ما يذكر فى الباب بعد هذا - إن شاء الله. - باب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا / ٢٦ - فيه: حُذَيْفَةَ، قَالَ ﵇: (تَلَقَّتِ الْمَلائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِى أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعسِرِ، قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ) . وقال أبو مالك، عن ربعى قال: كنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، وتابعه الملك، عن ربعى: أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر. / ٢٧ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا، قَالَ، لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ) .

стр. 2837

قال المهلب: فيه أن الله يغفر الذنوب بأقل حسنة توجد للعبد، وذلك - والله أعلم إذا خلصت النية فيها لله - تعالى - وان يريد بها وجهه، وابتغاء مرضاته، فهو أكرم الأكرمين، ولا يجوز أن يخيب عبده من رحمته، وقد قال فى التنزيل: (من ذا الذى يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له وله أجر كريم (. وروى أبو عيسى الترمذى هذا الحديث، وزاد فيه: (أنه ينظر فلا يجد حسنة ولا شيئًا، فيقال له، فيقول: ما أعرف شيئًا إلا أنى كنت إذا داينت معسرًا تجاوزت عنه، فيقول الله: أنت معسر، ونحن أحق بهذا منك) . قال ابن المنذر: فى هذا الحديث: دليل أن المؤمن يلحقه أجر ما يأمر به من أبواب البر والخير، وإن لم يتول ذلك بنفسه. - باب إِذَا بَيَّنَ الْبَيِّعَانِ وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا وَيُذْكَرُ عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: كَتَبَ لِىَ النَّبِىُّ ﵇: (هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، بَيْعَ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمُسْلِمِ، لا دَاءَ وَلا خِبْثَةَ وَلا غَائِلَةَ) . وَقَالَ قَتَادَةُ: الْغَائِلَةُ: الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإبَاقُ. وَقِيلَ لإبْرَاهِيمَ: إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّى آرِىَّ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَيَقُولُ: جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ، فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً.

стр. 2838

وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لا يَحِلُّ لامْرِئٍ بِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلا أَخْبَرَهُ. / ٢٨ - فيه: حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) . وترجم له (باب ما يمحق الكذب والكتمان فى البيع) . وأصل هذه الباب أن نصيحة المسلم للمسلم واجبة، وقد كان رسول الله يأخذها فى البيعة على الناس كما يأخذ عليهم الفرائض، قال جرير: (بايعت رسول الله على السمع والطاعة، فشرط على والنصح لكل مسلم) وأمر المؤمنين بالتحاب والمؤاخاة فى الله، قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فحرم بهذا كله غش المؤمنين وخديعتهم، ألا ترى قول عقبة بن عامر: (لا يحل لامرئ بيع سلعة يعلم بها داءً إلا أخبره) وقد رواه عن النبى ﵇ ذكره ابن المنذر، وذكر مثله من حديث واثلة بن الأسقع عن النبى ﵇. قال ابن المنذر: فكتمان العيوب فى السلع حرام، ومن فعل ذلك فهو متوعد بمحق بركة بيعه فى الدنيا والعذاب الأليم فى الآخرة. وقال ابن قتيبة: قوله: (لا داء) يعنى لا داء فى العبد من الأدواء التى يرد منها مثل الجنون، والجذام، والبرص، والسل، والأوجاع المتقادمة.

стр. 2839

وقوله: (لا غائلة) هو من قولك: اغتالنى فلان، إذا احتال عليك بحيلة يتلف بها بعض مالك، يقال: غائلت فلانًا غولا: إذا أتلفته، والمعنى: لا حيلة عليك فى هذا البيع يغتال بها مالك. و (الخبثة) يريد الأخلاق الخبيثة مثل: الإباق والسرف، والعرب أيضًا تدعو الزنا خبثًا وخبثةً، وقال صاحب العين: الخبثة: الزنية. وقوله: (كان بعض النخاسين يسمى آرى) يريد يسمى موضوع الدابة فى داره ومربطها خراسان وسجستان، ويريد بذلك الخديعة والغرر بالمشترى منه، واختلف أهل اللغة فى تفسير الآرى فقال ابن الأنبارى: الآرى عند العرب الأِخيةُ التى تُحبس بها الدابة وتلزم بها موضعًا واحدًا، وهو مأخوذ من قولهم: قد تأرى الرجل بالمكان، إذا أقام به. قال الأعشى: لا يتأرى لما فى القدر يرقبه فالعامة تخطئ فى الآرى فتظن أنها المعلف. هذا قول ابن الأنبارى. وقال صاحب العين: الآرى: المعلف، وآرت الدابة إلى معلفها تأرى: إذا ألفته. - باب بَيْعِ الْخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ / ٢٩ - فيه: أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ، وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (لا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، وَلا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ) .

стр. 2840

فقه هذا الباب: أن التمر كله جنس واحد رديئه وجيده، لا يجوز التفاضل فى شىء منه، ويدخل فى معنى التمر جميع الطعام، فلا يجوز فى الجنس الواحد منه التفاضل ولا النسيئة بإجماع، فإذا كانا جنسين جاز فيهما التفاضل ولم تجز النسيئة، هذا حكم الطعام المقتات كله عند مالك؛ وعند الشافعى الطعام كله المقتات وغير المقتات، وعند الكوفيين الطعام المكيل والموزون. وفى حديث أبى سعيد من الفقه: أن من لم يعلم بتحريم الشىء فلا حرج عليه حتى يعلمه، والبيع إذا وقع محرمًا فهو مفسوخ مردود لقوله ﵇: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) . - باب مَا قِيلَ فِى اللَّحَّامِ وَالْجَزَّارِ / ٣٠ - فيه: أَبُو مَسْعُود، جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ، فَقَالَ لِغُلامٍ لَهُ قَصَّابٍ: اجْعَلْ لِى طَعَامًا يَكْفِى خَمْسَةً، فَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِىَّ، ﵇ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّى قَدْ عَرَفْتُ فِى وَجْهِهِ الْجُوعَ، فَدَعَاهُمْ فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﵇: (إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، فَأْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ، فَقَالَ: لا، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ) . قال المهلب: إنما صنع طعام خمسة لعلمه أن النبى ﵇ سيتبعه من أصحابه غيره، فوسع فى الطعام لكى يبلغ النبى شبعه. وفى هذا الحديث من الأدب ألا يدخل المدعو مع نفسه غيره. وفيه: كراهية طعام الطفيلى؛ لأنه مقتحم غير مأذون له، وقيل: إنما استأذن النبى ﵇ للرجل؛ لأنه لم يكن بينه وبين

стр. 2841

القصاب الذى دعاه من الذمام والمودة ما كان بينه وبين أبى طلحة، إذ قام هو وجميع من معه، وقد قال الله: (أو صديقكم (. وفيه: الشفاعة؛ لأن النبى ﵇ شفع للرجل عند صاحب الطعام بقوله: (إن شئت أن تأذن له) . وفيه: الحكم بالدليل لقوله: (فإنى قد عرفت فى وجهه الجوع) . وفيه: أكل الإمام والعالم والشريف طعام الجزار، وإن كان فى الجزارة شىء من الضعة؛ لأنه يمتهن فيها نفسه فإن ذلك لا ينقصه ولا يسقط شهادته إذا كان عدلا. والقصاب: الجزار، عن صاحب العين. - باب قَوْلِ اللَّهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا (الآية [آل عمران: ١٣٠] / ٣١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُبَالِى الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ، مِنْ حَلالٍ أَوْ مِنْ حَرَامٍ) . نهى الله عباده المؤمنين أن يأكلوا الربا بعد إسلامهم، والربا: هو الزيادة على أصل المال بالتأخير عن الأجل الحال، عن عطاء ومجاهد. وتدخل فيه كل زيادة محرمة فى المعاملة لا تجوز من جهة المضاعفة، وكان أهل الجاهلية يعطون الدرهم بالدرهمين، والدينار

стр. 2842

بالدينارين إلى أجل، فإذا حل الأجل قال: إما أن تقضى وإما أن تربى، وكان كلما أخر عن الأجل إلى غيره زيد زيادة على المال الثانى أضعافًا مضاعفة، فحرم الله ذلك على المؤمنين. وأما وجه حديث أبى هريرة فى هذا الباب، فإن الربا محرم فى القرآن متوعد عليه، فمن لم يبال عن الحرام من أين أخذه، لم يبال عن الربا، لأنه نوع من الحرام. - باب آكِلِ الرِّبَا وَشَاهِدِهِ وَكَاتِبِهِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ (الآية [البقرة: ٢٧٥] / ٣٢ - فيه: عَائِشَةَ، لَمَّا نَزَلَتْ آخِرُ سُورَة الْبَقَرَةِ قَرَأَهُنَّ النَّبِىُّ، ﵇، فِى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِى الْخَمْرِ. / ٣٣ - وفيه: سَمُرَةَ، قَالَ النَّبِىُّ ﵇: (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِى، فَأَخْرَجَانِى إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِى فِى النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ، رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِى فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِى فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِى رَأَيْتَهُ فِى النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا) . أكل الربا من الكبائر، متوعد عليه بمحاربة الله ورسوله، وبما ذكره فى الحديث، وأما شاهداه وكاتبه، فإنما ذكروا مع آكله، لأن كل من أعان على معصية الله - تعالى - فهو شريك فى إثمها بقدر سعيه وعمله إذا علمه، وكان يلزم الكاتب ألا يكتب ما لا يجوز،

стр. 2843

والشاهدين ألا يشهدا على جواز ما حرم الله رسوله إذا علموا ذلك، فكل واحد منهما له حظه من الإثم، ألا ترى أن النبى لم يشهد لأبى النعمان بن بشير حين تبين له إيثاره للنعمان وقال: (لا أشهد على جور) وقد روى معمر، عن الزهرى، عن ابن المسيب، أن النبى ﵇ قال: (لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه) فسوى بينهم فى الإثم، ولهذا الحديث ترجم البخارى بهذه الترجمة. ومعنى قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا (يعنى فى الدنيا) لا يقومون (فى الآخرة إذا بعثوا من قبورهم إلا مثل قيام المجانين. والمس: الجنون، وعن مجاهد وقتادة وغيرهم قالوا: يقوم الخلق من قبورهم مسرعين كما قال تعالى: (يخرجون من الأجداث سراعًا (إلا أكلة الربا، فإن الربا يربو فى بطونهم، فيقومون ويسقطون، يريدون الإسراع فلا يقدرون، فهم بمنزلة المتخبط من الجنون، وقال ابن جبير: يبعث أحدهم حين يبعث ومعه شيطان يخنقه. والمراد فى هذه الآية بالأكل من أخذ الربا، أكله أم لم يأكله، ودخل فى معناه كل ما شابهه فى البيوع والدين وغير ذلك مما بينته السنة، كقرض جر منفعة وشبهه.

стр. 2844

- باب مُوكِلِ الرِّبَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا (إلى) وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [البقرة: ٢٧٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِىِّ، ﵇. - ٣٤ - فيه: أَبُو جُحَيْفَةَ، رَأَيْتُ أَبِى اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِىُّ، ﵇، عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ. سوى النبى ﵇ بين آكل الربا وموكله فى النهى، تعظيمًا لإثمه كما سوى بين الراشى والمرشى فى الإثم، وموكل الربا هو معطيه، وآكله هو آخذه، وأمر الله عباده بتركه والتوبة منه بقوله: (اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله (وتوعد تعالى من لم يتب منه بمحاربة الله ورسوله وليس فى جميع المعاصى ما عقوبتها محاربة الله ورسوله غير الربا، فحق على كل مؤمن أن يجتنبه، ولا يتعرض لما لا طاقة له به من محاربة الله ورسوله، ألا ترى فهم عائشة هذا المعنى حيث قالت للمرأة التى قالت لها: بعت من زيد من أرقم جارية إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم ابتعتها منه بستمائة درهم نقدًا، فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، أبلغى زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إن لم يتب. ولم تقل لها: إنه أبطل صلاته ولا صيامه ولا حجه، فمعنى ذلك - والله أعلم - أن من جاهد فى سبيل الله فقد حارب عن الله، ومن فعل ذلك ثم استباح الربا، فقد استحق محاربة الله،

стр. 2845

ومن أربى فقد أبطل حربه عن الله، فكانت عقوبته من جنس ذنبه قال المهلب: هذه الأشياء المنهى عنها فى الحديث مختلفة الأحكام، فمنها على سبيل التنزه مثل: كسب الحجام، وثمن الكلب، وهو مكروه غير محروم، وإنما كره للضعة والسقوط فى بيعه، ومنها حرام بين مثل الربا، وإنما اشترى أبو جحيفة العبد الحجام، ثم قال: نهى النبى عن ثمن الدم ليحجمه ويخلص من إعطاء الحجام أجر حجامته خشية أن يواقع نهى النبى عن ثمن الدم على ما تأوله فى الحديث، وقد جاء هذا بينا فى باب: ثمن الكلب بعد هذا، قال عون ابن أبى جحيفة: (رأيت أبى اشترى حجامًا، فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألته عن ذلك، فقال: (إن رسول الله نهى عن ثمن الدم) وإنما فعل ذلك على سبيل التورع والتنزه، وسيأتى القول فى كسب الحجام بعد هذا - إن شاء الله. - باب) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ) [البقرة: ٢٦٧] / ٣٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىّ، ﵇، يَقُولُ: (الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ) . قال المهلب: سئل بعض العلماء عن معنى قوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربى الصدقات (وقيل له: نحن نرى صاحب الربا يربو ماله، وصاحب الصدقة ربما كان مقلا قال: متى يربى الله

стр. 2846

الصدقات؟ إن الصدقة يجدها صاحبها مثل أحد يوم القيامة، كذلك صاحب الربا يجد عمله كله ممحوقًا إن تصدق منه، أو وصل رحمه لم يكتب له بذلك حسنة، وكان عليه إثم الربا بحاله. وقالت طائفة: إن الربا يمحق فى الدنيا والآخرة على عموم اللفظ، واحتجوا على ذلك بقوله ﵇: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة) فلما كان نفاق السلعة بالحلف الكاذبة فى الدنيا كان ممحقًا للبركة فيها فى الدنيا فكذلك محق الربا يكون أيضًا فى الدنيا وذكر عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتى على صاحب الربا أربعون سنه حتى يمحق. - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْحَلِفِ فِى الْبَيْعِ / ٣٦ - فيه: ابْن أَبِى أَوْفَى، أَنَّ رَجُلا أَقَامَ سِلْعَةً، وَهُوَ فِى السُّوقِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِ؛ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا (الآيَةَ [آل عمران ٧٧] . وهو وعيد شديد فى اليمين الغموس، وذلك قوله تعالى: (أولئك لا خلاق لهم فى الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (فجمع الله هذه العقوبات كلها فى هذه اليمين الغموس لما جمعت من المعانى الفاسدة، وذلك كذبه فى اليمين بالله - تعالى - وهو أجل ما يحلف به، ومنها غروره فى سلعته من يقع فيها من أجل يمينه تلك، ومنها استحلاله ماله بالباطل، وهو الثمن القليل الذى لا يدوم له فى الدنيا لتسمية

стр. 2847

الله له قليلا عوضًا مما كان يلزمه من تعظيم حق الله - تعالى - والوفاء بعهده، والوقوف عند نهيه وأمره، فخاب تجره، وخسرت صفقته. - باب مَا قِيلَ فِى الصَّوَّاغِ وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِىُّ ﵇: (لا يُخْتَلَى خَلاهَا) . وَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلا الإذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: (إِلا الإذْخِرَ) . وَقَالَ أَيْضًا: فِإنَهُ لِصَاغَتِهُمْ. / ٣٧ - فيه: عَلِىّ، كَانَتْ لِى شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِى مِنَ الْمَغْنَمِ، وَكَانَ الرسول ﷺ أَعْطَانِى شَارِفًا مِنَ الْخُمْسِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِىَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاعَدْتُ رَجُلا صَوَّاغًا مِنْ بَنِى قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِى، فَنَأْتِىَ بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِى وَلِيمَةِ عُرُسِى. فيه أن الصياغة صناعة جائز التكسب منها، وأن الصياغ إذا كان عدلا لا تضره صناعته، لأن الرسول قد أقره. قال المهلب: وفيه: جواز بيع الإذخر وسائر المباحات، والاكتساب منها للرفيع والوضيع. وفيه: الاستعانة بأهل الصناعة فيما ينفق عندهم. وفيه: السعاية على الولائم والتكسب لها من طيب الكسب. وفيه: أن إطعام الوليمة على الناكح.

стр. 2848

- باب ذِكْرِ الْقَيْنِ وَالْحَدَّادِ / ٣٨ - فيه: خَبَّاب، قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِى عَلَى الْعَاصِ ابْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، قَالَ: لا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقُلْتُ: لا أَكْفُرُ بمحمد حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ، ثُمَّ يبْعَثَك، قَالَ: دَعْنِى حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَ، فَنَزَلَتْ: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) [مريم ٧٧] . وهذا الباب كالذى قبله أن الحداد لا تضره مهنته فى صناعته إذا كان عدلا. وفيه: أن الكلمة من الاستهزاء قد يتكلم بها المرء فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة، ألا ترى وعيد الله له على الاستهزاء بقوله: (سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردًا (. يعنى المال والولد بعد إهلاكنا إياه، ويأتينا فردا أى: نبعثه وحده تكذيبًا لظنه، وكان العاص بن وائل لا يؤمن بالبعث، فلذلك قال له خباب: والله لا أكفر بمحمد حتى تموت وتبعث، ولم يرد خباب أنه إذا بعثه الله بعد الموت أن يكفر بمحمد؛ لأن حينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، ويتمنى العاص ابن وائل وغيره أن لو كانوا ترابًا ولم يكن كافرًا، وبعد البعث يستوى يقين المكذب مع يقين المؤمن، ويرتفع الكفر وتزول الشكوك، فكان غرض خباب فى قوله إياس العاص من كفره، وذكر ابن الكلبى عن جماعة فى الجاهلية أنهم كانوا زنادقة منهم: العاص بن وائل، وعقبة بن أبى معيط، والوليد ابن المغيرة، وأبى بن خلف.

стр. 2849

وفيه: جواز الإغلاظ فى اقتضاء الدين لمن خالف الحق، وظهر منه الظلم والتعدى. قال صاحب العين: القين: الحداد، والتقين: التزين بألوان الزينة. وقال ابن دريد: أصل القين: الحداد، ثم صار كل صانع عند العرب قينًا، وجمعه أقيان وقيون، وقد قان الحديدة قينًا: ضربها بالمطرقة، وقان الشىء قيانةً: أصلحه، وقالت أم أيمن: أنا قينت عائشة لرسول الله: أى زينتها. وقان الله الإنسان على الشىء: جعله عليه قينةً، عن صاحب الأفعال. - باب الْخَيَّاطِ / ٣٩ - فيه: أَنَس، إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِىّ، ﵇، لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِىَّ، ﵇، يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَىِ الْقَصْعَةِ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. قال المهلب: فيه جواز أكل الشريف طعام الخياط والصانع، وإجابته إلى دعوته. وفيه: مؤاكلة الخدم. وفيه: أن المؤاكل لأهله وخدمه مباح له أن يتبع شهوته

стр. 2850

حيث رآها إذا علم أن ذلك لا يُكره منه، وإذا لم يعلم ذلك فلا يأكل إلا مما يليه، وقد سئل مالك عن هذه المسألة، فأجاب بهذا الجواب. - باب النَّسَّاجِ / ٤٠ - فيه: سَهْلَ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هِىَ الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ فِى حَاشِيَتِهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِى أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا رسُول اللَّه، ﵇، مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْسُنِيهَا، فَقَالَ: (نَعَمْ) ، فَجَلَسَ النَّبِىُّ ﷺ فِى الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلا، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلا لِتَكُونَ كَفَنِى يَوْمَ أَمُوتُ، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. قال المهلب: فيه: جواز قبول الهدية من الضعيف إذا كان له مقصدًا من التبرك وشبهه. وفيه: الهبة لما يسأله الإنسان من ثوب أو غيره. وفيه: الأثرة على نفسه وإن كانت به حاجة إلى ذلك الشىء. وفيه: التبرك بثوب الإمام والعالم، رجاء النفع به فى استشعاره كفنًا وشبه ذلك.

стр. 2851

- باب النَّجَّارِ / ٤١ - فيه: سَهْل، سأله رجل عَنِ الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: بَعَثَ النَّبِىّ، ﵇، إِلَى فُلانَةَ، أَنْ مُرِى غُلامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِى أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ، فَأَمَرَتْهُ يَعْمَلُهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ، فَجَلَسَ عَلَيْهَا. / ٤٢ - وقال جَابِر: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِى غُلامًا نَجَّارًا، قَالَ: (إِنْ شِئْتِ) ، قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِى صُنِعَ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِى كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ، فَنَزَلَ، ﵇، حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِىِّ الَّذِى يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: (بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ) . قال المهلب: هذان الحديثان متعارضان فى الظاهر، وإنما يصح المعنى فيهما أن تكون المرأة هى ابتدأت النبى بسؤال ذلك، ثم أضرب ﵇ عنه حتى رآه من الصواب، فبعث إليها فيما كانت تبرعت به. وفيه: المطالبة بالوعد، والاستنجاز فيه. وفيه: تكليف العبد ما يفعله العبد، ولا يسأل عن طيب نفس العبد بما عمل. وفيه: كلام ما لا يعرف له كلام من الجمادات وشبهها إذا أتانا ذلك

стр. 2852

من طريق النبوة، وكانت هذه آية معجزة أراد الله أن يريها عبادة ليزدادوا إيمانًا، وما جرى على مجرى الإعجاز فهو خرق للعادة، وأما بيننا، فلا يجوز كلام الجمادات بيننا. ٣٠ - باب شِرَاءِ الْحَوَائِجَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: اشْتَرَى النَّبِىُّ، ﵇، جَمَلا مِنْ عُمَرَ، وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ: جَاءَ مُشْرِكٌ بِغَنَمٍ فَاشْتَرَى النَّبِىُّ، ﵇، مِنْهُ شَاةً وَاشْتَرَى مِنْ جَابِرٍ بَعِيرًا. / ٤٣ - فيه: عَائِشَةَ، اشْتَرَى النَّبِىّ، ﵇، مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا نَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. فيه من الفقه: مباشرة الشريف والإمام والعالم شراء الحوائج بنفسه وإن كان له من يكفيه؛ إيثارًا للتواضع، وخروجًا عن أحوال المتكبرين؛ لأنه لا يشك أحد أن جميع المؤمنين كانوا حراصًا على كفاية النبى ﵇ ما يعن له من أموره، وما يحتاج إلى التصرف فيه؛ رغبة منهم فى دعوة منه، وتبركًا بذلك. ٣١ - باب شِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالْحُمُرِ، وَإِذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ جَمَلا وَهُوَ عَلَيْهِ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ قَالَ النَّبِىُّ ﵇ لِعُمَرَ: (بِعْنِيهِ) ، يَعْنِى جَمَلا صَعْبًا.

стр. 2853

/ ٤٤ - فيه: جَابِر، كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﵇ فِى غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِى جَمَلِى وَأَعْيَا، فَأَتَى عَلَىَّ النَّبِىُّ، ﵇، فَقَالَ: (يَا جَابِرٌ) ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وقَالَ: (مَا شَأْنُكَ) ؟ قُلْتُ: أَبْطَأَ عَلَىَّ جَمَلِى وَأَعْيَا، فَتَخَلَّفْتُ، فَنَزَلَ يَحْجُنُهُ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ قَالَ: (ارْكَبْ) ، فَرَكِبْتُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: (أَتَبِيعُ جَمَلَكَ) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّى بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ النَّبِى، ﵇، قَبْلِى وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، قَالَ: (الآنَ قَدِمْتَ) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (فَدَعْ جَمَلَكَ، فَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) ، فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَأَمَرَ بِلالا أَنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً، فَوَزَنَ لِى بِلالٌ، فَأَرْجَحَ لِى فِى الْمِيزَانِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى وَلَّيْتُ، فَقَالَ: (ادْعُ لِى جَابِرًا) ، قُلْتُ: الآنَ يَرُدُّ عَلَىَّ الْجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْهُ، قَالَ: (خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ) . اختلف أهل العلم فى البيع، هل القبض شرط فى صحته أم لا؟ فذهب مالك وأحمد وإسحاق إلى أن البيع يتم بالقول، وليس القبض شرطًا فى صحته، غير الصرف وبيع الطعام بالطعام، وسيأتى فى موضعه - إن شاء الله. وقال أبو حنيفة والشافعى: من تمام العقد القبض، فإن تلف قبل قبض المبتاع فمن مال البائع، وسيأتى حكم تلفه قبل القبض فى موضعه - إن شاء الله. قال ابن المنذر: قد وهب رسول الله الجمل لجابر قبل أن يقبضه، فإذا جاز أن يهب المشترى الشىء المشترى للبائع قبل أن يقبضه؛ جاز أن يهبه لغير البائع، وجاز بيعه، وأن يفعل فيما اشتراه ما يفعله المالك فيما ملك، وليس مع من خالف هذا سنة يدفع بها هذه السنة الثابتة.

стр. 2854

وأما قوله: (فوزن لى بلال فأرجح) فذهب مالك والكوفيون والشافعى إلى أن الزيادة فى المبيع من البائع والمشترى، والحط من الثمن يجوز سواء قبض الثمن أم لا على حديث جابر، وهى عندهم هبة مستأنفة. وقال ابن القاسم: الزيادة هبة، فإن وجد بالمبيع عيبًا رجع بالثمن فى الهبة. وقال أبو حنيفة: إن كانت الزيادة فاسدة لحقت بالعقد وأفسدته. وخالفه أبو يوسف ومحمد. وقال الطحاوى: لا تجوز الزيادة فى البيع، وترك أصحابنا فيه القياس، وصاروا إلى حديث جابر. وسأزيد فى بيان هذه المسألة فى كتاب الاستقراض وأداء الديون فى باب استقراض الإبل - إن شاء الله. إلا أنهم اختلفوا فى أحكام الهبة، فعند مالك أنها تجوز وإن لم تقبض، وعند الكوفيين والشافعى لا تجوز حتى تقبض، وهى عندهم هبة، وستأتى أحكام الهبة فى موضعها - إن شاء الله. وقوله: (فنزل يحجنه بمحجنه) ، قال صاحب العين: المحجن: عصا فيها عقافة، والحجن والحجنة: الاعوجاج، ويحجنه بها: يصرفه، يقال: حجنته عن الشىء: صرفته ومنعته.

стр. 2855

٣٢ - باب الأسْوَاقِ الَّتِى كَانَتْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ فَتَبَايَعَ بِهَا النَّاسُ فِى الإسْلامِ / ٤٥ - فيه: ابْن عَبَّاس، كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإسْلامُ تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) [البقرة: ١٩٨] فِى مَوَاسِمِ الْحَجِّ، قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا. فقه هذا الباب: أن الناس تجروا قبل الإسلام وبعده، وأن التجارة فى الحج وغيره جائزة، وأن ذلك لا يحط أجر الحج إذا أقام الحج على وجهه، وأتى بجميع مناسكه؛ لأن الله - تعالى - قد أباح لنا الابتغاء من فضله. وفيه: أن مواضع المعاصى وأفعال الجاهلية لا يمنع من فعل الطاعة فيها، بل يستحب توخيها وقصدها بالطاعة وبما يرضى الله - تعالى - ألا ترى أن النبى أباح دخول حجر ثمود لمن دخله متعظا باكيًا خائفًا من نقمة الله ونزول سطوته لمن عصاه. ٣٣ - باب شِرَاءِ الإبِلِ الْهِيمِ أَوِ الأجْرَبِ الْهَائِمُ الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِى كُلِّ شَىْءٍ قَالَ عَمْرٌو: كَانَ هَاهُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ نَوَّاسٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِبِلٌ هِيمٌ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ فَاشْتَرَى تِلْكَ الإبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ، فَقَالَ: بِعْنَا تِلْكَ الإبِلَ، فَقَال: َ مِمَّنْ بِعْتَهَا، قَالَ: مِنْ شَيْخٍ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ وَاللَّهِ ابْنُ عُمَرَ فَجَاءَهُ، فَقَالَ: إِنَّ شَرِيكِى بَاعَكَ إِبِلا هِيمًا، وَلَمْ يَعْرِفْكَ،

стр. 2856

قَالَ: فَاسْتَقْهَا، قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا، قَالَ: دَعْهَا رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا عَدْوَى. فيه من الفقه: أنه يجوز شراء الشىء المعيب وبيعه إذا كان البائع قد عرف المبتاع بالعيب فرضيه، وليس ذلك من الغش إذا بين له، وأما ابن عمر فرضى بالعيب والتزمه، فصحت الصفقة فيه. وقال صاحب العين: الهيام كالمجنون، ويقال الهيوم: أن يذهب على وجهه، والهيمان: العطشان. ٣٤ - باب بَيْعِ السِّلاحِ فِى الْفِتْنَةِ وَغَيْرِهَا وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ فِى الْفِتْنَةِ / ٤٦ - فيه: أَبُو قَتَادَةَ، خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىّ، ﵇، عَامَ حُنَيْنٍ، [فَأَعْطَاهُ، يَعْنِى دِرْعًا] ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِى بَنِى سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِى الإسْلامِ. إنما كره بيع السلاح من المسلمين فى الفتنة؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، وذلك مكروه منهى عنه، ومن هذا الباب منع مالك بيع العنب ممن يعصره خمرًا، وذهب إلى فسخ البيع فيه، وكره الشافعى، وأجازه إذا وقع؛ لأنه باع حلالا بحلال، وقال الثورى: لا يكره شىء منه، وقال: بع حلالك ممن شئت. أما بيعه فى غير الفتنة من المسلمين فمباح، وداخل فى عموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع (.

стр. 2857

٣٥ - باب فِى الْعَطَّارِ وَبَيْعِ الْمِسْكِ / ٤٧ - فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً) . وقد تقدم فى كتاب الذبائح اختلاف العلماء فيمن كره المسك ومن استحبه، وهذا الحديث حجة فى جوازه؛ لأن النبى ضرب مثل الجليس الصالح بصاحب المسك، وقال: لا تعدم منه أن تشتريه أو تجد ريحه. فأخبر ﵇ بعادة الناس فى شرائه، ورغبتهم فى شمه، ولو لم يجز شراؤه لبين ذلك ﵇، وقد حرم الله بيع الأنجاس، واستعمال روائح المنتة فلا معنى لقول من كرهه، وإنما خرج كلامه ﵇ فى هذا الحديث على المثل فى النهى عن مجالسة من يتأذى بمجالسته، كالمغتاب والخائض فى الباطل، والندب إلى مجالسة من ينال فى مجالسته الخير من ذكر الله - تعالى - وتعلم العلم وأفعال البر كلها، وقد روى عن إبراهيم الخليل أنه كان عطارًا. ٣٦ - باب ذِكْرِ الْحَجَّامِ / ٤٨ - فيه: أَنَس، قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ. / ٤٩ - وَقَالَ ابْن عَبَّاس: احْتَجَمَ النَّبِىُّ، ﵇، وَأَعْطَى الَّذِى حَجَمَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ.

стр. 2858

فى هذا الباب بيان أن أجر الحجام حلال كما تأوله ابن عباس، وفيه دليل أنه لا وجه لكراهة أبى حنيفة لأجر الحجام، واستدلاله على ذلك بنهيه ﵇ عن ثمن الدم، وهذا النهى عن العلماء ليس كنهيه عن ثمن الخمر والميتة، وليس من كسب الحجام فى شىء، بدليل حديث أنس وابن عباس ولو أراد ﵇ بنهيه عن ثمن الدم النهى عن كسب الحجام لكان منسوخًا بحديث أنس وابن عباس، أو يكون نهيه عنه على سبيل التنزه، لأن قريشًا فى الجاهلية كانت تتكرم عن كسب الحجام، وهو كنهيه عن عسب الفحل وهو خسة وضعة، فأراد ﵇ أن يرفع أمته عن الصناعات الوضيعة، وسيأتى فى كتاب الإجازات مذاهب العلماء فى كسب الحجام. ٣٧ - باب التِّجَارَةِ فِيمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ / ٥٠ - فيه: ابْن عُمَرَ، أَرْسَلَنى النَّبِىُّ ﷺ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةِ حَرِيرٍ، أَوْ سِيَرَاءَ فَرَآهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: (إِنِّى لَمْ أُرْسِلْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لا خَلاقَ لَهُ إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا) ، يَعْنِى تَبِيعَهَا. / ٥١ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِى وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ) ؟ قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ

стр. 2859

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) ، وَقَالَ: (إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِى فِيهِ الصُّوَرُ لا تَدْخُلُهُ الْمَلائِكَةُ) . التجارة فيما يكره لبسه جائزة إذا كان فى المبيع منفعة لغير اللباس وأما إذا لم يكن فيه منفعة لشىء من المنافع فلا يجوز بيعه ولا شراؤه؛ لأن أكل ثمنه من أكل المال بالباطل، وأما بيع الثياب التى فيها الصور المكروهة، فظاهر حديث عائشة يدل بأن بيعها لا يجوز، لكن قد جاءت آثار مرفوعة عن النبى تدل على جواز بيع ما يوطأ ويمتهن من الثياب التى فيها الصور، روى وكيع عن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: (سترت سهوة لى بستر فيه تصاوير، فلما قدم النبى ﵇ هتكه، فجعلته مسندتين فرأيت النبى ﵇ متكئًا على إحداهما) وإذا تعارضت الأخبار فالأصل الإباحة حتى يرد الحظر، ويحتمل أن يكون معنى حديث عائشة فى النمرقة لو لم يعارضه غيره محمولا على الكراهية دون التحريم، بدليل أن النبى ﵇ لم يفسخ البيع فى النمرقة التى اشترتها عائشة - والله أعلم. قال صاحب العين: السيراء: برود يخالطها حرير.

стр. 2860

٣٨ - باب صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ / ٥٢ - فيه: أَنَس، قَالَ النَّبِىُّ، ﵇: (يَا بَنِى النَّجَّارِ ثَامِنُونِى بِحَائِطِكُمْ) ، وَفِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ. لا خلاف بين الأمة أن صاحب السلعة أحق الناس بالسوم فى سلعته، وأولى بطلب الثمن فيها، ولا يجوز ذلك إلا له أو لمن وكله على البيع. ٣٩ - باب كَمْ يَجُوزُ الْخِيَارُ / ٥٤ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ فِى بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ خِيَارًا) . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ. / ٥٤ - وفيه: حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ النَّبِىّ ﵇: (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا) . اختلف الفقهاء فى أمد الخيار، فقالت طائفة: البيع جائز والشرط لازم إلى الأمد الذى اشترط إليه الخيار، هذا قول ابن أبى ليلى والحسن بن صالح وأبى يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبى ثور، عن ابن المنذر. وقال مالك: يجوز شرط الخيار فى بيع الثوب اليوم واليومين، والجارية الخمسة أيام والجمعة، وفى الدابة تركب اليوم وشبهه، ويسار عليها البريد ونحوه، وفى الدار الشهر لتختبر ويستشار

стр. 2861

فيها، وما بعد من أجل الخيار فلا خير فيه، لأنه غرر ولا فرق بين شرط الخيار للبائع والمشترى. وقال الثورى: يجوز شرط الخيار للمشترى عشرة أيام وأكثر، ولا يجوز شرطه للبائع. وقال الأوزاعى: يجوز أن يشترط الخيار شهرًا وأكثر. وقال أبو حنيفة وزفر والشافعى: الخيار فى البيع ثلاثة أيام، ولا تجوز الزيادة عليها، فإن زاد فسد البيع، واحتجوا بأن حبان ابن منقذ كان يخدع فى البيوع، فقال له النبى ﵇: (قل: لا خلابة) وجعل له الخيار ثلاثًا فيما ابتاع، وفى حديث المصراة إثبات الخيار ثلاثًا، قالوا: ولولا الحديث فى الثلاثة الأيام ما جاز الخيار ساعة واحدة. وحجة أهل المقالة الأولى ظاهر قوله ﵇: (المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار) فبان بهذا أن الخيار على الإطلاق دون توقيت مدة، ولم يخص من بيع الخيار بشرط الثلاث أو أكثر، فهو على ما اشترطاه، وقد قال ﵇: (المسلمون عند شروطهم) . والحجة لقول مالك أن العبد والجارية لا يعرف أخلاقهما ولا ما هما عليه من الطبائع فى مدة الثلاث، لأنهما يتكلفان ما ليس من طبعهما فى مدة يسيرة، ثم يعودان بعد ذلك إلى الطبع، فوجب أن يكون الخيار مدة يختبران فى مثلها، ليكون المبتاع داخلا على

стр. 2862

بصيرة، ومما يدل على صحة هذا أن أجل العنين سنة، لأن حاله يختبر فيها، فكذلك ينبغى أن يكون كل خيار على حسب تعرف حال المختبر، ويقال لأبى حنيفة والشافعى: إن خيار الثلاث فى حديث حبان من رواية ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، وليس فى رواية الثقات الحفاظ، وأما حديث المصراة فهو حجة لنا، لأن المصراة لما كان لا يختبر أمرها فى أقل من ثلاث، جعل فيها هذا المقدار الذى يختبر فى مثله، فوجب أن يكون الخيار فى كل مبيع على قدر المدة التى يختبر فى مثلها. قال الطحاوى: وأما تفريق الثورى بين البائع والمشترى فى جواز الخيار إذا شرط المشترى، وإبطاله للبائع، فلم يقل به أحد من أهل العلم. ٤٠ - باب إِذَا لَمْ يُوَقِّتْ فِى الْخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ / ٥٥ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، أنَّ النَّبِىّ ﵇ قَالَ: (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ، وَرُبَّمَا قَالَ: أَوْ يَكُونُ بَيْعَ خِيَارٍ) . اختلف العلماء إذا اشترط فى الخيار مدة غير معلومة، فقالت طائفة: البيع جائز والشرط باطل. هذا قول ابن أبى ليلى والأوزاعى، واحتجا بحديث بريدة. وقالت طائفة: البيع جائز والشرط لازم، وللذى شرط الخيار أبدًا وهذا قول أحمد وإسحاق.

стр. 2863

وقال مالك: البيع جائز، ويجعل له من الخيار مثل ما يكون له فى تلك السلعة. وقال أبو يوسف ومحمد: له أن يختار بعد الثلاث. وقال أبو حنيفة والثورى والشافعى: إذا شرط الخيار بغير مدة معلومة فالبيع فاسد، فإن أجازه فى الثلاث جاز، وإن مضت الثلاث لم يكن له أن يجيزه. وظاهر هذا الحديث يرد هذا القول، ويدل أن الخيار يجوز اشتراطه بغير توقيت، لأن النبى ﵇ لما قال: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر) لم يذكر أمد الخيار فى ذلك، وسوى ﵇ بين تمام البيع بعد التفرق وبعد الأخذ بالخيار إذا شرطاه دون ذكر توقيت مدة، فلا معنى لقول من خالفه. ٤١ - باب الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِىُّ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ. / ٥٦ - فيه: حَكِيم، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) . / ٥٧ - وفيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلا بَيْعَ الْخِيَارِ) . وترجم لهما (باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع) .

стр. 2864

اختلف العلماء فى معنى التفرق المذكور فى هذا الحديث، فذهبت طائفة إلى أن المراد به التفرق بالأبدان، وأن المتبايعين إذا عقدا بيعهما، فكل واحد منهما بالخيار فى إتمامه وفسخه ما داما فى مجلسهما لم يفترقا بأبدانهما. روى هذا القول عن ابن عمر وأبى برزة الأسلمى وجماعة من التابعين، ذكرهم البخارى وقد روى عن سعيد بن المسيب والزهرى، وبه قال الليث وابن أبى ذئب والثورى والأوزاعى وأبو يوسف والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وذهبت طائفة إلى أن البيع يتم بالقول دون الافتراق بالأبدان، ومعنى قوله ﵇: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) أن البائع إذا قال له: قد بعتك، فله أن يرجع ما لم يقل المشترى: قد قبلت. والمتبايعان هما المتساومان. روى هذا القول عن النخعى، وهو قول ربيعة ومالك وأبى حنيفة ومحمد. واحتج من جعل التفرق بالأبدان بأن ابن عمر راوى الحديث، وهو أعلم بمخرجه، وقد روى عنه أنه بايع عثمان بن عفان قال: فرجعت على عقبى كراهة أن يُرادنِى البيع. قالوا: فالتفرق عند ابن عمر بالبدن لا باللفظ. وقالوا: إن من جعل المتبايعين فى هذا الحديث المتساومين لا وجه له؛ لأنه معقول أن كل واحد فى سلعته بالخيار قبل السوم، وما دام متساومًا حتى يمضى البيع ويعقده، وكذلك المشترى بالخيار قبل الشراء وفى حال المساومة،

стр. 2865

وإذا كان هذا كذلك بطلت فائدة الخبر، وقد جل رسول الله ﷺ عن أن يخبر بما لا فائدة فيه. واحتج عليهم من جعل التفرق بالقول فقال: أما قولكم أن من جعل المتبايعين المتساومين لا وجه له؛ لأنه لا يكون فى الكلام فائدة، فالجواب عن ذلك أن فائدته صحيحة، وذلك أن المتبايعين لا يبعد أن يختلفا قبل الافتراق بالأبدان، فلو كان كل واحد منهما بالخيار لم يجب على البائع ثمن ولا ترد؛ لأن التراد إنما يكون فيما تم من البيوع. قال الطحاوى: ومن لم يسم المتساومين متبايعين فقد أغفل سعة اللغة؛ لأنه يحتمل أن يتسميا متبايعين لقربهما من التبايع وإن لم يتبايعا، كما سمى إسحاق ذبيحًا لقربه من الذبح وإن لم يكن ذبح، وقد سمى النبى ﵇ المتساومين متبايعين، فقال ﵇: (لا يسوم الرجل على سوم أخيه) وقال: (لا يبع الرجل على بيع أخيه) ومعناهما واحد، ووهو اللازم لهم، والتفرق فى لسان العرب بالكلام معروف كعقد النكاح، وكوقوع الطلاق الذى سماه الله فراقًا، قال تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته (وأجمعت الأمة أن التفرق فى هذه الآية أن يقول لها: أنت طالق. وقال ﵇: (تفترق أمتى) ولم يرد التفرق بالأبدان. وأجمعوا أن رجلا لو اشترى قرصًا أو [. . . . .] ماء، فأكل

стр. 2866

القرص أو شرب الماء قبل التفرق؛ لكان ذلك له جائزًا، وكان قد أكل ماله، وسيأتى عند ذكر مبايعة ابن عمر لعثمان بعد هذا - إن شاء الله - فبان مذهب ابن عمر، وأنه حجة لم قال التفرق بالكلام. قال ابن المنذر: وإثبات النبى الخيار للمتبايعين ما لم يفترقا إنما هو على ما سوى بيع الخيار لقوله ﵇: (المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار) . فاستثنى بيع الخيار فيما قد تم فيه البيع بالتفرق، وبقى الخيار فى بيع الخيار بعد التفرق حتى يتم أمد الخيار، فيختار البيع أو يرد. ٤٢ - باب إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ / ٥٨ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ) . ذهب أكثر العلماء الذين يرون الافتراق بالأبدان إلى أنه إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع، فاختار إمضاء البيع فقد تم البيع وإن لم يفترقا بالأبدان، إلا أحمد بن حنبل، فإنه قال: هما بالخيار حتى يفترقا، خيرا أحدهما صاحبه أو لم يُخيره. وأما الذين يجيزون البيع بالكلام دون افتراق الأبدان، فهو عندهم بيع جائز، قال: اختر أو لم يقله، فتحصل من ذلك اتفاق الجميع غير أحمد بن حنبل وحده، وقوله خلاف الحديث، فلا معنى له.

стр. 2867

٤٣ - باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ التفرق وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِى أَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ وَقَالَ طَاوُسٌ، فِيمَنْ يَشْتَرِى السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا ثُمَّ بَاعَهَا: وَجَبَتْ لَهُ، وَالرِّبْحُ لَهُ. / ٥٩ - فيه: ابْن عُمَرَ، كُنَّت مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِى فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ الْقَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ، وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﵇ لِعُمَرَ: (بِعْنِيهِ) ، قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (بِعْنِيهِ) ، فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ الرسول ﷺ : (هُوَ لَكَ يَا عَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ) . / ٦٠ - وفيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ: بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ مَالا بِالْوَادِى بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تَبَايَعْنَا، رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِى حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِى الْبَيْعَ، وَكَانَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، قَالَ عَبْدُاللَّهِ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِى وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّى قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنِّ سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودَ بِثَلاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِى إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ لَيَالٍ. هذا الباب حجة لمن يقول الافتراق بالكلام فى قوله ﵇: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) ، وحديث ابن عمر بين فى ذلك، ألا ترى أن النبى وهب الجمل من ساعته لابن عمر قبل التفرق من عمر، ولو لم يكن الجمل للنبى لما جاز له أن يهبه لابن عمر حتى يحب له بافتراق الأبدان، وأما حديث ابن عمر فى مبايعته لعثمان، فقد احتج به من قال: إن

стр. 2868

الافتراق بالأبدان، واحتج به من قال: إن الافتراق بالكلام، وكان من حجة الذين جعلوا الافتراق بالكلام أن قالوا: لو كان معنى الحديث التفرق بالأبدان، لكان المراد به الحض والندب إلى حسن المعاملة من المسلم للمسلم، وألا يفترسه فى البيع على استخباره عن الداء والغائلة، وقد قال ﵇: (من أقال نادمًا أقال الله عثرته يوم القيامة) من حديث أبى هريرة، ألا ترى قول ابن عمر: وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا فحكى ابن عمر أن الناس كانوا يلتزمون حينئذ الندب؛ لأنه كان زمن مكارمة، وأن الوقت الذى حدث ابن عمر هذا الحديث كان التفرق بالأبدان متروكًا، ولو كان التفرق بالأبدان على الوجوب ما قال ابن عمر: وكانت السنة بل كان يقول: وكانت السنة، ويكون أبدًا فلذلك جاز أن يرجع على عقبيه؛ لأنه فهم أن المراد بالحديث الحض والندب، لا سيما وهو الذى حضر فعل النبى فى هبته البكر له بحضرة البائع قبل التفرق. وقال الطحاوى: يحتمل قول ابن عمر الوجهين جميعًا، فنظرنا فى ذلك فروينا عنه ما يدل أن رأيه كان فى الفرقة بخلاف ما ذهب إليه من قال: إن البيع لا يتم إلا بها، وهو ما حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعى، حدثنى الزهرى، عن حمزة ابن عبد الله، أن ابن عمر قال: ما أدركت الصفقة حيا فهو من مال المبتاع. قال ابن المنذر: يعنى فى السلعة تتلف عند البائع قبل أن يقبضها المشترى بعد تمام البيع. قال ابن المنذر: هى من مال المشترى؛ لأنه لو كان عبدًا فأعتقه المشترى كان عقته جائزًا ولو أعتقه البائع لم يجز عتقه.

стр. 2869

قال الطحاوى: فهذا ابن عمر قد كان يذهب فيما أدركت الصفقة حيا فهلك بعدها، أنه من مال المشترى، فدل ذلك أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة التى تكون بعد ذلك، وأن المبيع ينتقل بالأقوال من ملك البائع إلى ملك المبتاع حتى يهلك من ماله إن هلك، وهذا من ابن عمر دال على مذهبه فى الفرقة التى سمعها من النبى ﵇ فيما ذكروا، وقد وجدنا عن رسول الله ما يدل على أن المبيع يملكه المشترى بالقول دون التفرق بالأبدان، وذلك أن النبى قال: (من ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يقبضه) فكان ذلك دليلا على أنه إذا قبضه حل له بيعه، ويكون قابضًا له قبل افتراق بدنه من بدن بائعه، وروى عن سعيد بن المسيب قال: سمعت عثمان يخطب على المنبر ويقول: (كنت أشترى التمر فأبيعه بربح الآصع فقال لى رسول الله: إذا اشتريت فاكتل، وإذا بعت فكل) ، فكان من ابتاع طعامًا مكايلة فباعه قبل أن يكتاله لا يجوز بيعه، فإذا ابتاعه فاكتاله وقبضه، ثم فارق بائعه فكل قد أجمع أنه لا يحتاج بعد الفرقة إلى إعادة الكيل، وخولف بين اكتياله إياه بعد البيع قبل التفرق وبين اكتياله إياه قبل البيع، فدل ذلك أنه إذا اكتاله اكتيالا يحل له به بيعه، فقد كان ذلك الاكتيال له وهو له مالك، وإن اكتاله اكتيالا لا يحل به بيعه، فقد كاله وهو غير مالك له، فثبت بما ذكرنا وقوع ملك المشترى فى المبيع بابتياعه إياه قبل فرقة تكون بعد ذلك، فهذا وجه من طريق الآثار.

стр. 2870

وأما من طريق النظر فرأينا الأموال تملك بعقود فى أبدان، وفى أموال، وفى أبضاع، وفى منافع، فكان ما يملك من الأبضاع هو النكاح، فكان يتم بعقده لا بفرقة بعد العقد، وكان ما يملك به المنافع هو الإجارات، فكان ذلك أيضًا مملوكًا بالعقد لا بفرقة بعد العقد، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك الأموال المملوكة بسائر العقود من البيوع وغيرها، تكون مملوكة بالأقوال لا بفرقة بعدها قياسًا ونظرًا. وفى حديث ابن عمر جواز بيع الشىء الغائب على الصفة، وسيأتى ذلك بعد هذا - إن شاء الله. وأجمع العلماء أن البائع إذا لم ينكر على المشترى ما أحدثه من الهبة أو العتق أنه بيع جائز، واختلفوا إذا أنكر ولم يرض بما أحدثه المشترى، فالذين يرون أن البيع يتم بالكلام يجيزون هبته وعتقه، ومن يرى التفرق بالأبدان لا يجيز شيئًا من ذلك إلا بعد التفرق، وحديث عمر حجة عليهم - والله الموفق. ٤٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخِدَاعِ فِى الْبَيْعِ / ٦١ - فيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ رَجُلا ذَكَرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِى الْبُيُوعِ، فَقَالَ: (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ) . قال المهلب: قوله: (فقل: لا خلابة) أى: لا تخلبونى فإنه لا يحل، فإن اطلعت على عيب رجعت به.

стр. 2871

وفى كتاب العين: الخلابة: المخادعة، ورجل خلوب وخلبوب: خداع. وقال غيره: هذا الرجل المذكور فى الحديث منقذ بن عمرو الأنصارى جد واسع بن حبان، روى ذلك ابن عيينة عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: (أن منقذًا ضرب فى رأسه مأمومة فى الجاهلية فحبلت لسانه، وكان يخدع فى البيوع. فقال له رسول الله: (بع وقل: لا خلابة، وأنت بالخيار ثلاثًا. قال ابن عمر: فسمعته يقول إذا بايع: لا خلابة لا خلابة) وقيل: إن حبان بن منقذ هو الذى كان يخدع، وفيه جاء الحديث، والأول أصح. واختلف الفقهاء فيمن باع بيعًا غبن فيه غبنًا لا يتغابن الناس بمثله، فقال مالك: إن كانا عارفين بتلك السلعة، وبأسعارها وقت البيع، لم يفسح البيع كثيرًا كان الغبن أو قليلا، وإن كانا أو أحدهما غير عارف بتقلب السعر وبتغيره وتفاوت الغبن، فسخ البيع، إلا أن يريد أن يمضيه. ومن أصحاب مالك من اعتبر مقدار ثلث قيمة السلعة، ولم يحد مالك فى ذلك حدا، ومذهبه إذا خرج عن تغابن الناس فى مثل تلك السلعة أنه يفسخ، وبهذا قال أبو ثور. وقال أبو حنيفة والشافعى: ليس له أن يفسخ فى الغبن الكثير، كما لا يفسخ فى القليل، وقد قال ابن القاسم فى العتبية: إنه لا يفسخ فى الغبن الكثير. واحتج الكوفيون فقالوا: إن حبان بن منقذ أصابته آفة فى رأسه فكان يخدع فى البيوع، فقال له النبى: (إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا) قالوا: فموضع الدليل منه هو أنه كان يخدع فى البيع، ومن كان يخدع فى عقله

стр. 2872

بضعف يلحقه الغبن فى عقوده، فجعل له النبى الخيار لما يلحقه من ذلك، فلو كان الغبن شيئًا يملكه به فسخ العقد لما احتاج إلى شرط الخيار مع استغنائه عنه، وقال مالك: هذه الحجة لنا، لأنه ﵇ قال له: لك الخيار، ولم يقل له: اشترط الخيار، وإنما قال له قل: لا خلابة أى: لا خديعة، فلو كان الغبن مباحًا لم يكن لقوله: لا خلابة معنى، ولم ينفعه ذلك، فلما كان ذلك ينفعه جعل له النبى ﵇ الخيار بعد ذلك لينظر فيما باعه، ويسأل عن سعره، ويرى رأيه فى ذلك وإنما جعل ذلك فى حبان ليعلمنا الحكم فى مثله، وإنما تعرف الأحكام بما بينه ﵇، فبين ﵇ حكم من يغبن فى بيعه إذا لم يكن عارفًا بما يبيعه، ودليل آخر وهو قوله ﵇: (لا تلقوا الركبان للبيع، فمن تلقاها فهو بالخيار إذا دخل السوق) . وإنما جعل له الخيار فى ذلك لأجل الغبن الذى يلحقه، لأنه لم يدخل السوق، ولا عرف سعر ما باع، ومن يتلقاه فإنما يقصد الغبن والاسترخاص، فعلم بهذا أن الغبن يوجب الخيار، وأيضًا فإنه لو ابتاع سلعة فوجد بها عيبًا كان له الخيار فى الرد، لأجل النقص الموجود بها، فلا فرق بين أن يجد النقص بالسلعة أو بالثمن، لأنه فى كلا الموضعين قد وجد النقص الذى يخرج به عن القصد. فإن قيل: يلزمكم أن تفسدوا البيع وإن كان غبنًا يسيرًا. قيل: البيع لا يخلو من الغبن اليسير، لأن كل واحد منهما يقصد الاسترخاص، فأجيز على حسب تعارفهم فيه فإذا خرج عن عرفهم ثبت فيه الخيار، ذكر هذا كله ابن القصار.

стр. 2873

وذكر ابن حبيب قال: سئل مالك عن رجل جاهل باع حجرًا أو درة بدرهمين، فألفاه المشترى ياقوتة، فلم ير فيه رجوعًا، لأن الغلط ماض على البائع والمبتاع فى البيع على المساومة، وإنما يرد فى البيع على المرابحة، إلا أن يبيعه بائعه على أنه زجاج، فألفاه المشترى ياقوتة فإنه يرد البيع، وكذلك لو باعه على أنه ياقوت فألفاه المشترى زجاجًا يرده أيضًا. ٤٥ - باب مَا يذُكِرَ فِى الأسْوَاقِ وَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، قُلْتُ: هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعَ. وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ: دُلُّونِى عَلَى السُّوقِ، وَقَالَ عُمَرُ: أَلْهَانِى الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ. / ٦٢ - فيه: عَائِشَةُ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، [فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأرْضِ] يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) . / ٦٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: النَّبِىّ، ﵇: (صَلاةُ أَحَدِكُمْ فِى جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِى سُوقِهِ وَبَيْتِهِ. . .) الحديث. / ٦٤ - وفيه: أَنَس، كَانَ النَّبِىُّ، ﵇، فِى السُّوقِ، - وَقَالَ مَرَةٍ: فِى الْبَقِيع -: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ، ﵇، فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (سَمُّوا بِاسْمِى، وَلا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِى) .

стр. 2874

/ ٦٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، خَرَجَ النَّبِىُّ ﵇ فِى طَائِفَةِ النَّهَارِ لا يُكَلِّمُنِى وَلا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِى قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: (أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ) ، فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا أَوْ تُغَسِّلُهُ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ. . . . الحديث. / ٦٦ - وفيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ. قَالَ: وَحَديث ابْن عُمَرَ: نَهَى النَّبِىُّ ﵇ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. إنما أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول السوق، والشراء فيه للعلماء والفضلاء، وكأنه لم يصح عنده الحديث الذى روى (شر البقاع الأسواق، وخيرها المساجد) وهذا إنما خرج على الأغلب؛ لأن المساجد يذكر فيه اسم الله - تعالى - والأسواق قد غلب عليها اللغط واللهو والاشتغال بجمع المال، والكلب على الدنيا من الوجه المباح وغيره، وأما إذا ذكر الله فى السوق فهو من أفضل الأعمال، روى عن محمد بن واسع أنه قال: سمعت سالم بن عبد الله يقول: (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير يحيى ويميت، وهو على كل شىء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له بيت فى الجنة) وكذلك إذا لغا فى المسجد أو لغط فيه، أو عصى ربه لم يضر المسجد، ولا نقص من فضله، وإنما أضر بنفسه،

стр. 2875

وبالغ فى إثمه. وقد روى عن على بن أبى طالب أنه قال: من عصى الله فى المسجد فكأنما عصاه فى الجنة، ومن عصاه فى الحمام فكأنما عصاه فى النار، ومن عصاه فى المقبرة فكأنما عصاه فى عرصات القيامة، ومن عصاه فى البحر فكأنما عصاه على أكف الملائكة. قال المهلب: وفى حديث عائشة أن من كثر سواد قوم فى معصية أو فتنة أن العقوبة تلزمه معهم إذا لم يكونوا مغلوبين على ذلك؛ لأن الخسف لما أخذ السوقة عقوبة لهم شمل الجميع. واستنبط منه مالك أن من وجد مع قوم يشربون الخمر، وهو لا يشرب أنه يعاقب، ويؤيد أن المغلوبين على تكثير السواد ليسوا ممن يستحق العقوبة قوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم (. وفيه: علم من أعلام النبوة، وهو إخباره ﵇ بما يكون. وقوله فى حديث أبى هريرة: (ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة) النهز: الدفع، وقوله: (أثم لكع) ، فإنما أراد الحسن بن على. فيه من الفقه: أنه لا بأس بمهازلة الصبى وغيره إذا كان واقعًا تحت السن والفضل لا سيما إن عضد ذلك أبوه؛ لأن النبى أبوه، والجد أب، واللكع: اللئيم، تقول العرب: لكع الرجل لكعًا ولكعة: إذا لؤم، وهو لكع ولكيع وألكع، والمرأة لكاع.
следующие страницы →