← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

رقبة، ولم يذكر مؤمنة ولا غير مؤمنة، وكانت كفارات كلها، وجب اعتبار المؤمنة فى كل موضع، ألا ترى أن الله شرط العدالة فى الشهادة بقوله: (ممن ترضون من الشهداء (ثم قال فى موضع آخر: (وأشهدوا إذا تبايعتم (ولم يختلف العلماء أن العدالة من شرط الإشهاد فى التبايع، وجب أن يكون مثل ذلك فى الرقبة، وهذا عندهم من باب المجمل الذى يقضى عليه المفسر، فلما فسر أمر الرقبة فى الموضع الواحد استغنى عن إعادتها فى كل موضع، ألا ترى أن النبى إنما حض على عتق المؤمن، لأنه أزكى وأطهر، ولم يختلف العلماء فى جواز عتق الكافر فى التطوع، واحتج مالك فى ذلك بقول الله تعالى: (فإما منا بعد وإما فداء (فالمن: العتق للمشركين، وقد من رسول الله على جماعة منهم. ٥ - باب عِتْقِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ فِى الْكَفَّارَةِ وَعِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا وَقَالَ طَاوُسٌ: يُجْزِئُ الْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ. / ٨ - فيه: جَابِر، أَنَّ رَجُلا مِنَ الأنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ النَّبِىَّ ﵇، فَقَالَ: (مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّى) ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ. اختلف العلماء فى هذا الباب فقال مالك: لا يجوز أن يعتق فى الرقاب الواجبة مكاتب ولا مدبر ولا أم ولد ولا معتق إلى سنين.

стр. 2802

وهو قول الكوفيين والأوزاعى والشافعى، إلا أن الشافعى أجاز عتق المدبر. وأن الكوفيين والأوزاعى قالوا: إن كان المكاتب قد أدى شيئًا من كتابته فلا يجوز عتقه فى الكفارة، وإن لم يؤد شيئًا جاز عتقه وبه قال الليث وأحمد وإسحاق. وفيه قول ثالث: أن عتقه يجزئ وإن أدى بعض كتابته، قال: لأن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم فهو يباع، وقد اشترت عائشة بريرة بأمر النبى ﵇. وهذا قول أبى ثور. وحجة مالك ومن وافقه أن المكاتب والمدبر وأم الولد قد ثبت لهم عقد حرية لا سبيل إلى دفعها، والله - تعالى - إنما ألزم من عليه عتق رقبة واجبة أن يبتدئ عتقها من غير عقد حرية تقدمت فيها قبل عتقه فقال تعالى: (فتحرير رقبة (ولم يقل بعض رقبة. واحتج الشافعى فى المدبر يجزئ عتقه فى الكفارة بحديث جابر أن النبى ﵇ باع المدبر على الذى لم يكن له مال غيره من نعيم النحام، وقال: لما جاز بيعه جاز عتقه فى الكفارة وغيرها؛ لأنه لو كانت فيه شعبة من الحرية لم يبعه النبى ﵇. وقال المالكيون: من جعل جواز البيع حجة على جواز عتقه فقوله غير صحيح؛ لأن كثيرًا ممن يجوز بيعه لا يجوز عتقه مثل الأعمى والمقعد وشبهه. وقال مالك والكوفيون: إنما بيع المدبر فى حديث جابر؛ لأن تدبيره

стр. 2803

كان سفهًا، وكان من الإعلان بسوء النظر لنفسه، فلذلك رده النبى ﵇ لأن تدبيره كلا تدبير، وبهذا الحديث احتج بعض العلماء فى جواز نقض أفعال السفيه قبل أن يولى عليه، وأما التدبير الصحيح بخلاف هذا، لا يجوز أن يباع من ثبت له ذلك؛ لأنه قد ثبت له شرط الحرية بعد الموت. وأما عتق أم الولد فى الرقاب الواجبة، فإن فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز عتقها فى ذلك من أجل أنه قد ثبت لها شرط الحرية بعد موت سيدها، على ما حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة، وما ذكره البخارى عن طاوس أنه أجاز عتقها فى الرقاب الواجبة، فهو قول النخعى والحسن البصرى، وحجتهم الإجماع على أن أحكامها فى جراحها وحدودها أحكام أمة، لا أحكام حرة. وأما عتق ولد الزنا فى الرقاب الواجبة، فأجاز عتقه جمهور الفقهاء روى ذلك عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب، وعائشة، وجماعة من الصحابة - رضى الله عنهم - وقال عطاء والشعبى والنخعى: لا يجوز عتقه، وهو قول الأوزاعى وما روى عن أبى هريرة أن النبى ﵇ قال فيه: (إنه شر الثلاثة) . فقد روى عن ابن عباس وعائشة إنكار ذلك، قال ابن عباس: لو كان شر الثلاثة ما استوى بأمه حتى تضعه، وقالت عائشة: ما عليه من ذنب أبويه شىء، ثم قرأت: (ولا تز وازرة وزر أخرى (.

стр. 2804

٦ - باب إِذَا أَعْتَقَ عبدًا بينه وبين آخر فِى الْكَفَّارَةِ، لِمَنْ يَكُونُ وَلاؤُهُ ؟ / ٩ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِىَ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهَا الْوَلاءَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ، ﵇، فَقَالَ: (اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) . اختلف العلماء فى هذه المسألة، فقال مالك والأوزاعى: إذا أعتق أحد الشريكين عبدًا بينه وبين غيره عن الكفارة، إن كان موسرًا أجزأه ويضمن لشريكه حصته، وإن كان معسرًا لم يجزئه، وهو قول محمد وأبى يوسف والشافعى وأبى ثور. وقال أبو حنيفة وبعض أصحابه: لا يجزئه عن الكفارة موسرًا كان أو معسرًا. وحجة مالك أن للمعتق الموسر إذا لم يكن شريكه يعتق نصيبه، فالعبد كله على الموسر حر، فلذلك أجزأ عنده، وحجة من لم يجز العتق أنه أعتق نصف عبد لا عبدًا كاملا؛ لأن أصل أبى حنيفة أن الشريك مخير، إن شاء قوم على شريكه، وإن شاء استسعى العبد فى نصف قيمته، وإن شاء أعتق فيكون الولاء بينهما نصفين. وأما الولاء فهو للمكفر المعتق عند جمهور العلماء؛ لأنه لما أعتق نصيبه وكان موسرًا أوجب عليه عتقه كله، وقد قال عليه

стр. 2805

السلام: (الولاء لمن أعتق) فلذلك أدخل البخارى حديث بريرة فى هذا الباب. ٧ - باب الاسْتِثْنَاءِ فِى الأيْمَانِ / ١٠ - فيه: أَبُو مُوسَى، أَتَيْتُ النَّبِىّ، ﵇، فِى رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: (وَاللَّهِ لا أَحْمِلُكُمْ، مَا عِنْدِى مَا أَحْمِلُكُمْ) ، ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأُتِىَ بِإِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلاثَةِ ذَوْدٍ، فقلنا: لا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِىّ ﷺ فأخبرناه، فَقَالَ: (مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ إِنِّى وَاللَّهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرِهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى، وَأَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، أَوْ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى. / ١١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ سُلَيْمَانُ: لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلٌّهن تَلِدُ غُلامًا، يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ - يَعْنِى الْمَلَكَ -: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَنَسِىَ، فَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَأْتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ بِوَلَدٍ إِلا وَاحِدَةٌ بِشِقِّ غُلامٍ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تَرَوْنَهُ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِى حَاجَتِهِ. وَقَالَ مَرَّةً: قَالَ ﵇: (لَوِ اسْتَثْنَى) . اختلف العلماء فى الوقت الذى إذا استثنى فيه الحالف سقطت عنه الكفارة، فقال مالك والكوفيون والأوزاعى والليث

стр. 2806

والشافعى وجمهور العلماء: الثُنَيا لصاحبها فى اليمين ما كان من ذلك نسقًا يبتع بعضه بعضًا، ولم يقطع كلامه قطعًا يشغل عن الاستثناء ما لم يقم عن مجلسه، فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له. وقال الحسن البصرى وطاوس: للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: أو يتكلم. وقال أحمد: يكون له الاستثناء ما دام فى ذلك الأمر. وكذلك قال إسحاق، إلا أن يكون سكوت ثم عود إلى الأمر، وعن عطاء رواية أخرى، وهو أن له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة، وقال سعيد بن جبير: له ذلك بعد أربعة أشهر. وقال مجاهد: له ذلك بعد سنتين. وروى عن ابن عباس أنه قال: يصح له الاستثناء ولو بعد حين. فقيل: أراد به سنة. وقال ابن القصار: وقيل: أراد به أبدًا. وروى وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: يستثنى فى يمينه متى ذكر، واحتج بقوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت (. واحتج من أجاز الاستثناء بعد السكوت بما روى قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبى ﵇ قال: (والله لأغزون قريشًا - ثلاثًا - ثم سكت، ثم قال: إن شاء الله) . قال ابن القصار: ولا حجة فى هذا؛ لأن حديث ابن عباس رواه شريك عن سماك عن عكرمة، عن النبى، فالحديث مرسل،

стр. 2807

ولو صح عن ابن عباس لم يرد به إسقاط الحنث، وإنما أراد - والله أعلم - أن الله - تعالى - أوجب الاستثناء على كل قائل أنه يفعل شيئًا بقوله: (ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله (يقول: فإذا نسى: إن شاء الله، فليقله أى وقت ذكره ولو بعد سنةٍ، حتى يخرج بذلك عن المخالفة، لا أنه يجوز هذا فى اليمين، ولو صح الخبر عن النبى ﵇ احتمل أن يكون ناويًا للاستثناء وسكوته ليتذكر شيئًا أراده فى اليمين حتى إذا تممه استثنى، ويجوز أن يكون لانقطاع نَفَسٍ، أو لشىء شغله عن اتصال الاستثناء حتى يتمكن منه. ومن حجة أهل المقالة الأولى أيضًا قوله ﵇: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه) ولو أمكنه أن يخرج من هذه اليمين بقوله: إن شاء الله، لما أوجب كفارة على حانث أبدًا، ولقال له ﵇: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فاستثن وائت الذى هو خير ولم يذكر كفارة، ولبطل معنى قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (وكذلك معنى حديث سليمان أن كان حلف بالله ليطوفن على نسائه، فإن الاستثناء بعد يمينه متى أرادها كانت تخرجه من الحنث، لو كان كما زعم من خالف أئمة الفتوى.

стр. 2808

وقد قيل: إن قوله: (لأطوفن) لم يكن يمينًا على ما يأتى بيانه فى هذا الباب - إن شاء الله. قال المهلب: وإنما جعل الله الاستثناء فى اليمين رفقًا منه بعباده فى أموالهم؛ ليوفر بذلك الكفارة عليه إذا ردوا المشيئة إليه تعالى. واختلفوا فى الاستثناء فى الطلاق والعتق، فقال مالك، وابن أبى ليلى، والليث، والأوزاعى: لا يجوز فيه الاستثناء وروى مثله عن ابن عباس، وابن المسيب، والشعبى، والحسن، وعطاء، ومكحول، وقتادة، والزهرى. وأجاز الاستثناء فيهما طاوس والنخعى والحكم ورواية عن عطاء، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعى وإسحاق، واحتج لهم بعموم قوله ﵇ فى حديث سليمان: (لو قال: إن شاء الله، لم يحنث) وأن قول الحالف: إن شاء الله، عامل فى جميع الأيمان، لأنه لم يخص بعض الأيمان من بعض، فوجب أن يرفع الاستثناء الحنث فى الطلاق والعتق وجميع الأيمان. وحجة من أوجب الطلاق والعتق ومنع دخول الاستثناء فيهما، أن الاستثناء لا يكون إلا فى اليمين بالله وحده، وبذلك ورد الأثر عن النبى أنه قال: (من حلف بالله ثم قال: إن شاء الله، فلا حنث عليه) أسنده أيوب السختيانى، وكثير بن فرقد، وأيوب بن موسى

стр. 2809

عن نافع، عن ابن عمر - فى اليمين - عن النبى ﵇ وذكره مالك فى الموطأ عن نافع، عن ابن عمر من قوله. قال الأبهرى: فكان ذكره الاستثناء إنما هو فى اليمين بالله دون غيرها من الأيمان، ولم يجز تعدى ذلك إلى غيرها بغير دليل، وأما من جهة القياس، فلما كان الطلاق والعتق لا تحله الكفارة التى هى العتق والإطعام والكسوة، وهى أقوى فعلا وأغلظ على النفوس من الاستثناء الذى هو القول لم يحله القول، لأن ما لا يحله الأوكد لم يحله الأضعف، ولا تعلق لهم بحديث سليمان، لأن ظاهر قوله: (لأطوفن) لم يكن معه يمين، وإنما كان قولاً جعل فيه المشيئة لنفسه حين لم يقل: إن شاء الله، فعاقبه الله بالحرمان، كما قال تعالى لمحمد نبيه: (ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله (وأدب عباده بذلك ليتبرءوا إليه تعالى من الحول والقوة، ولم يكن قول سليمان يمينا بالله يوجب عليه الكفارة فتسقط عنه بالاستثناء. فإن قيل: قوله ﵇: (لو قال: إن شاء الله، لم يحنث) يدل أنه كان يمينًا. قيل: معنى قوله: (لم يحنث) لم يأثم على تركه استثناء مشيئة الله - تعالى - فلما أعطى لنفسه الحول عاقبه الله بالحرمان وخيبه، فكأنه تحنيث لقوله، والحنث فى لسان العرب: الإثم.

стр. 2810

ومن لم يرد المشيئة إلى الله - تعالى - فى جميع أموره فقد أثم وحرج، والحنث أيضًا أن لا يبر ولا يصدق. ووقع فى رواية أبى زيد: (بشائل) مكان قوله: (بإبل) وأظنه (بشوائل) إن صحت الرواية، وقال أبو عبيد عن الأصمعى: إذا أتى على الناقة من يوم حملها سبعة أشهر جف لبنها، فهى حينئذ شائل، وجمعها: شوائل. وفى كتاب العين: ناقة شائلة، ونوق شول للتى جف لبنها. وشولت الإبل: لزقت بطونها بظهورها. ٨ - باب الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ / ١٢ - فيه: حديث أَبِى مُوسَى، إلى قوله ﵇: (إِنِّى وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلا أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا) . / ١٣ - وفيه: عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (لا تَسْأَلِ الإمَارَةَ. . . . . .) إلى قوله: (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ) . اختلف العلماء فى جواز الكفارة قبل الحنث، فقال ربيعة ومالك والثورى والليث والأوزاعى: تجزئ قبل الحنث. وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، وروى مثله عن ابن عباس وعائشة وابن عمر. وقال الشافعى: يجوز تقديم الرقبة والكسوة والإطعام قبل

стр. 2811

الحنث، ولا يجوز تقديم الصوم. وقال أبو جنيفة وأصحابه: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث. قال ابن القصار: ولا سلف لأبى حنيفة فى ذلك. واحتج له الطحاوى بقوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم (والمراد إذا حلفتم فحنثتم. ولم يذكر البخارى فى حديث أبى موسى ولا فى حديث عبد الرحمن بن سمرة فى هذا الباب تقديم الكفارة قبل الحنث، وقد ذكر ذلك فى باب الاستثناء فى الأيمان، وفى أول كتاب الأيمان، وهو قوله ﵇: (إلا كفرت عن يمينى وأتيت الذى هو خير، أو أتيت الذى هو خير وكفرت عن يمينى) . وقال ابن المنذر: قد قال بعض أصحابنا: إنه ليس فى اختلاف ألفاظ هذه الأحاديث إيجاب لتقديم أحدهما على الآخر، إنما أمر الحالف بأمرين: أمر بالحنث والكفارة، فإذا أتى بهما جميعًا فقد أطاع وفعل ما أمر به كقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله (فأيهما قدم على الآخر فقد أتى بما عليه، كذلك إذا أتى بالذى هو خير وكفر فقد أتى بما عليه. قال ابن القصار: وقد رأى جواز تقديم الكفارة قبل الحنث أربعة عشر من الصحابة، وهم: ابن مسعود، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأبو أيوب، وأبو موسى، وأبو مسعود،

стр. 2812

وحذيفة، وسلمان، ومسلمة بن مخلد، وابن الزبير، ومعقل، ورجل لم يذكر، وبعدهم من التابعين: سعيد بن المسيب وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سرين، وعلقمة، والنخعى، والحكم بن عتيبة، ومكحول. فهؤلاء أعلام أئمة الأمصار، ولا نعلم لهم مخالفًا إلا أبا حنيفة، على أن أبا حنيفة يقول ما هو أعظم من تقديم الكفارة، وذلك لو أن رجلا أخرج عنزا من الظباء من الحرم، فولدت له أولادًا ثم ماتت فى يده هى وأولادها، أن عليه الجزاء عنها وعن أولادها، وإن كان حين أخرجها أدى جزاءها ثم ولدت أولادًا ثم ماتت هى وأولادها لم يكن عليه فيها ولا فى أولادها شىء. ولا شك أن الجزاء الذى أخرجه عنها وعن أولادها كان قبل أن تموت هى وأولادها، ومن قال هذا لم ينبغ له أن ينكر تقديم الكفارة قبل الحنث. وأما قوله: تقدير الآية: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتهم فحنثتم؛ فتقدير الآية عندنا: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فأردتم أن تحنثوا. وأما قول الشافعى: لا يجوز تقديم الصيام على الحنث، فيرد عليه قوله ﵇: (فليكفر عن يمينه، وليأت الذى هو خير) ولم يخص شيئًا من جنس الكفارة فى جواز التقديم، فإن قال: إن الصيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها

стр. 2813

كالصلاة، والعتق والكسوة والإطعام من حقوق الأموال فهى كالزكاة يجوز تقديمها. قيل له: ليس كل حق يتعلق بالمال يجوز تقديمه قبل وقته، ألا ترى أن كفارة القتل وجزاء الصيد لا يجوز تقديمه قبل وجوبه، وقد جاز تقديم العتق والإطعام والكسوة فى كفارة اليمين قبل وجوبه، فكذلك يجوز تقديم صيامها. وقال الأبهرى: وأما جواز تقديم ذلك من طريق النظر؛ فلأن عقد اليمين لما كان يحله الاستثناء إذا اتصل باليمين وإنما هو قول؛ كانت الكفارة بأن تحل عقد اليمين أولى؛ لأنها أقوى؛ لأنها ترفع حكم الحنث حتى كأنه لم يكن فكذلك ترفع حكم العقد حتى كأنه لم يكن وتشبيهه الإطعام والكسوة والعتق بالزكاة يجوز تقديمها فغير صحيح؛ لأن الزكاة لما كان وجوبها معلقًا بوقت لم يجز تقديمها، كما لا يجوز فى الصلاة والصيام، ووقت الكفارة غير معلق بوقت، وإنما هو على حسب ما يريده المكفر من الحنث، فكان فعلها جائزًا قبل الحنث وبعده.

стр. 2814

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ - كِتَاب الْبُيُوعِ - بَاب مَا جَاءَ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِى الأرْضِ (إلى آخر السورة وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [الجمعة: ١٠] / ١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُونَ: مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ لا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِى، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَقَدْ قَالَ النَّبِىّ ﵇: (إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِىَ مَقَالَتِى هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلا وَعَى مَا أَقُولُ) ، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَىَّ حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِى، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ مِنْ شَىْءٍ. / ٢ - وفيه: عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنِى وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّى لأَكْثَرُ الأنْصَارِ مَالا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِى، وَانْظُرْ أَىَّ زَوْجَتَىَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ: لا حَاجَةَ لِى فِى ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعٍ، قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُالرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ. . . الحديث.

стр. 2815

/ ٣ - وفيه: ابْن عَبَّاس كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاء الإسْلامُ كَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ، فَنَزَلَتْ: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ) [البقرة: ١٩٨] فِى مَوَاسِمِ الْحَجِّ. قال المؤلف: أباح الله التجارة فى كتابه وأمر بالابتغاء من فضله، وكان أفاضل الصحابة يتجرون ويتحرفون فى طلب المعاش، وقد نهى العلماء والحكماء عن أن يكون الرجل لا حرفة له ولا صناعة؛ خشية أن يحتاج إلى الناس فيذل لهم، وقد روى عن لقمان أنه قال لابنه: يا بنى، خذ من الدنيا بلاغك، وأنفق من كسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالا وعلى أعناق الرجال كلا. وروى عن حماد بن زيد أنه قال: كنت عند الأوزاعى فحدثه شيخ كان عنده أن عيسى ابن مريم ﵇ قال: إن الله يحب العبد يتعلم المهنة يستغنى بها عن الناس، وإن الله - تعالى - يبغض العبد يتعلم العلم يتخذه مهنة. وقال أبو قلابة لأيوب السختيانى: إنى يا أيوب ألزم السوق؛ فإن الغنى من العافية. قال المهلب: وفى حديث عبد الرحمن من الفقه أنه لا بأس للشريف أن يتصرف فى السوق فى البيع والشراء، ويتعفف بذلك عما يبذل له من المال وغيره. وفيه: الأخذ بالشدة على نفسه فى أمر معاشه، وأن العيش

стр. 2816

من الصناعات أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الهبات والصدقات وشبهها. وفيه: بركة التجارة، وفيه: المؤاخاة فى الإسلام على التعاون فى أمر الله، وبذل المال لمن يؤاخى عليه. وفيه معان ستأتى فى كتاب النكاح - إن شاء الله. وفى حديث أبى هريرة: الحرص على التعلم وإيثار طلبه على طلب المال. وفيه: فضيلة لأبى هريرة وهى أن النبى ﵇ خصه بأن يبسط له رداءه، وقال: ضمه، فما نسى من مقالة النبى ﵇ تلك من شىء، وقد تقدم فى كتاب العلم. وأما قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم (فإن إسماعيل بن إسحاق قال: كل شىء حرمه الله من القمار ومن البيوع الفاسدة فهو من أكل المال بالباطل؛ لأن المقامر يقول لصاحبه: إن كان كذا فلى كذا، وإن لم يكن فلك كذا، وكذلك البيع الفاسد من الغرر؛ لأنه يبيع صاحبه البيع الذى فيه غرر، فإن سلم غلبه المشترى، وإن لم يسلم غلبه البائع. وأما الربا فليس فساده من وجه القمار والغرر، ولكنه أخذ من صاحبه عوضًا للتأخير الذى لم يجعله الله له ثمنًا، والقرض الذى يجر منفعة، وما أشبه ذلك.

стр. 2817

وقوله: (من مساكين الصفة) فإن العرب تقول: صففت البيت وأصففته: جعلت له صفة، وهى السقيفة أمامه، وأصحاب الصفة: الملازمون لمسجد النبى ﵇ وقوله: (فبسطت نمرة) النمرة: ثوب مخمل من وبر أو صوف. - باب الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ / ٤ - فيه: النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ النَّبِىَّ، ﵇: (الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإثْمِ، أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ وَالْمَعَاصِى حِمَى اللَّهِ، فَمَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ) . قال المؤلف: ما نص الله على تحليله فهو الحلال البين، كقوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم () وأحل الله البيع () وأحل لكم ما وراء ذالكم (وما نص على تحريمه فهو الحرام البين، مثل قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم (إلى آخر الآية) وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا (وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وكل ما جعل الله فيه حدًا أو عقوبة أو وعيدًا فهو الحرام، كأكل أموال اليتامى، وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا باب يتسع

стр. 2818

القول فيه، وهو واضح يغنى عن تدبره وطلبه. وأما المشتبهات فكل ما تنازعته الأدلة من الكتاب والسنة وتجاذبته المعانى فوجه منه يعضده دليل الحرام ووجه منه يعضده دليل الحلال، فهذا الذى قال فيه ﵇: (وبينهما أمور مشتبهة) ، وقال فيه: (من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ، فالإمساك عنه ورع، والإقدام عليه لا يقطع عالم بتحريمه؛ لأن الحرام ما عرف بعينه منصوصًا عليه أو فى معنى المنصوص. وقد اختلف العلماء فى معنى الشبهات، فقالت طائفة: الشبهات التى أشار إليها ﵇ فى هذا الحديث حرام أو فى حيز الحرام، واستدلوا بقوله ﵇: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ، قالوا: ومن لم يستبرئ لدينه وعرضه فقد واقع الحرام. وقال آخرون: الشبهات المذكورة فى هذا الحديث حلال بدليل قوله ﵇ فيه: (كالراعى حول الحمى) فجعل الشبهات ما حول الحمى، وما حول الحمى غير الحمى، فدل أن ذلك حلال وأن تركه ورع، والورع عند ابن عمر ومن ذهب مذهبه ترك قطعة من الحلال خوف مواقعة الحرام. وقال آخرون: الشبهات لا نقول إنها حلال ولا إنها حرام، لأن النبى ﵇ قال: (الحلال بين والحرام بين) وجعل الشبهات غير الحلال البين والحرام البين، فوجب أن نتوقف عندها، وهذا من باب الورع أيضًا، ويقضى عليه قوله ﵇:

стр. 2819

(لا يعلمها كثير من الناس) فدل أن منهم من يعلمها، فمن علمها فهى عنده فى أحد الحيزين الحلال أو الحرام، وسأتقصى الكلام فى هذا المعنى فى الباب بعد هذا - إن شاء الله تعالى. وقال أبو الحسن بن القابسى: افهموا تكرير أسانيد هذا الحديث، ذكر فى الإسنادين الأولين الشعبى سمعت النعمان، سمعت النبى ﷺ وفى الإسناد الثالث النعمان عن النبى، وفى الرابع النعمان قال النبى ﷺ وإنما ذكر هذا، لأن يحيى بن معين قال: قال أهل المدينة: إن النعمان بن بشير لا يصلح له سماع من النبى ﷺ حديث علنى، أى فلا بد أنه عقل عن النبى ﷺ مجاوبته لأبيه. ٣ - باب تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِى سِنَانٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الْوَرَعِ، دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ. / ٥ - فيه: عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَذَكَرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَتَبَسَّمَ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ: (كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ) ؟ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِى إِهَابٍ. / ٦ - وفيه: عَائِشَةَ، كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّى فَاقْبِضْهُ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ، وَقَالَ: ابْنُ أَخِى، قَدْ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ، فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ: أَخِى وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِى، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) ، ثُمَّ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) ، (واحْتَجِبِى مِنْهُ يَا سَوْدَة لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ) .

стр. 2820

/ ٧ - وفيه: عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ، سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: (إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ) ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُرْسِلُ كَلْبِى، وَأُسَمِّى فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ عَلَى الصَّيْدِ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ، وَلا أَدْرِى أَيُّهُمَا أَخَذَ، قَالَ: (لا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ) . قد تقدم فى الباب قبل هذا أن الشبهات ما تنازعته الأدلة، وتجاذبته المعانى، وتساوت فيه الأدلة، ولم يغلب أحد الطرفين صاحبه، وبيان ذلك فى حديث عقبة بن الحارث، وذلك أن جمهور العلماء ذهبوا إلى أن النبى ﷺ أفتاه بالتحرر من الشبهة، وأمره بمجانبة الريبة خوفًا من الإقدام على فرج يُخاف أن يكون الإقدام عليه ذريعة إلى الحرام؛ لأنه قد قام دليل التحريم بقول المرأة: أنها أرضعتهما، لكنه لم يكن قاطعًا ولا قويا لإجماع العلماء أن شهادة امرأة واحدة لا تجوز فى مثل ذلك، لكن أشار عليه رسول الله ﷺ بالأحوط. وأما حديث ابن وليدة زمعة فإنه ﵇ حكم فيه بالولد للفراش لزمعة على الظاهر، وأنه أخو سودة على سبيل التغلب لا على سبيل القطع أنه لزمعة عند الله ثم أمر سودة بالاحتجاب منه؛ للشبهة الداخلة عليه وهى ما رأى من شبهه بعتبة فاحتاط لنفسه وذلك فعل الخائفين لله إذ لو كان ابن زمعة فى علم الله فى حكمه هذا لما أمر سودة بالاحتجاب منه كما لم يأمرها بالاحتجاب من سائر إخوتها. وأما حديث عدى بن حاتم فإن النبى ﷺ أفتاه بالتنزه عن الشبهة

стр. 2821

أيضًا خشية أن يكون الكلب الذى قتله غير مسمى عليه، فكأنه أهل به، وقد قال الله - تعالى - فى ذلك: (وإنه لفسق (فكأن فى فتياه ﵇ باجتناب الشبهات دلالة على اختيار القول فى الفتوى، والاحتياط فى النوازل والحوادث المحتملات للتحليل والتحريم التى لا يقف العالم على حلالها وحرامها؛ لاشتباه أسبابها، وهذا معنى قوله ﵇: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) يقول: دع ما تشك فيه ولا تتيقن إباحته، وخذ ما لا شك فيه ولا التباس. وقال ابن المنذر: قال بعضهم: الشبهات تنصرف على وجوه: فمنها شىء يعلمه المرء محرمًا ثم يشك فيه هل حل ذلك أم لا، فما كان من هذا النوع فهو على أصل تحريمه، لا يحل التقدم عليه إلا بيقين، مثل الصيد حرام على المرء أكله قبل ذكاته، وإذا شك فى ذكاته لم يزل عن التحريم إلا بيقين الذكاة، والأصل فيه حديث عدى بن حاتم أن النبى ﷺ قال له: (إذا أرسلت كلبك فخالطه كلب لم تسم عليه فلا تأكل؛ فإنك لا تدرى أيهما قتله) ، وهذا أصل لكل محرم أنه على تحريمه حتى يعلم أنه قد صار حلالا بيقين، ومن ذلك أن يكون للرجل أخ له ولا وارث له غيره، فتبلغه وفاته ولأخيه جارية، فهى محرمه عليه حتى يوقن بوفاته، ويعلم أنها قد حلت له. وكذلك لو أن شاتين ذكية وميتة سلختا فلم يدر أيهما الذكية؛ كانتا محرمتين بقين على أصل التحريم حتى يعلم الذكية من الميتة، ولا يحل أن يأكل منهما واحدة بالتحرى؛ لأنهما كانتا محرمتين بيقين، فلا يجوز الانتقال من يقين التحريم إلى شك الإباحة. والوجه الثانى: أن يكون الشىء حلالا فيشك فى تحريمه، فما كان

стр. 2822

من هذه الوجه فهو على الإباحة حتى نعلم تحريمه بيقين، كالرجل تكون له الزوجة فيشك فى طلاقها، أو يكون له جارية فيشك فى وقوع العتق عليها، فالأصل فى هذا حديث عبد الله بن زيد أن من شك بالحدث بعد أن أيقن بالطهارة فهو على يقين طهارته؛ لقوله ﵇: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) . والوجه الثالث: أن يُشكل الشىء فلا يدرى أحرام هو أو حرام، ويحتمل الأمرين جميعًا ولا دلالة على أحد المعنيين، فالأحسن التنزه عنه كما فعل النبى ﷺ فى التمرة الساقطة. ٤ - باب مَا يُتَنَزَّهُ عَنْهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ / ٨ - فيه: أَنَس، مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ، فَقَالَ: (لَوْلا أَنْ تَكُونَ مِنْ صَدَقَةٍ لأكَلْتُهَا) . وقال أبو هريرة عن النبى ﷺ : (أجد تمرة ساقطة على فراشى) . قال المهلب: إنما ترك النبى ﷺ أكل التمرة تنزهًا عنها؛ لجواز أن تكون من تمر الصدقة، وليس على أحد بواجب أن يتبع الجوازات؛ لأن الأشياء مباحة حتى يقوم حتى يقوم الدليل على التحظير، فالتنزه عن الشبهات لا يكون إلا فيما أشكل أمره ولم يدر أحلال هو أو حرام واحتمل المعنيين، ولا دليل على أحدهما، ولا يجوز أن يحكم على أحد من مثل ذلك أنه أخذ حرامًا؛ لاحتمال أن يكون حلالا، غير أنا نستحب من باب الورع أن نقتدى برسول الله ﷺ فيما فعل فى التمرة، وقد قال ﵇ لوابصة بن معبد حين سأله عن الِبرَ والإثم فقال:

стр. 2823

(البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك فى الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) ، وقال ابن عمر: لا يبلغ أحد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك فى الصدر. وقال أبو الحسن بن القابسى: إن قال قائل: إذا وجد التمرة فى بيته فقد بلغت محلها وليست من الصدقة. قيل له: يحتمل أن يكون النبى ﷺ كان يقسم الصدقة ثم ينقلب إلى أهل، فربما علقت تلك التمرة بثوبه فسقطت على فراشه؛ فصارت شبهة. قال غيره: وفيه من الفقه: تحريم قليل الصدقة وكثيرها على النبى ﷺ وآله، وقد تقدم اختلاف العلماء فى ذلك فى كتاب الزكاة. وفيه أيضًا: أن أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة ويتشاح فى مثله، وأما التمرة واللبابة من الخبز أو التينة أو الزبيبة، وما أشبه ذلك، فقد أجمعوا على أخذها ورفعها من الأرض، وإكرامها بالأكل دون تعريفها، استدلالا بقوله ﵇: (لأكلتها) ، وأنها مخالفة لحكم اللقطة، وسيأتى ذلك فى كتاب اللقطة. ٥ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الْوَسَاوِسَ وَنَحْوَهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ / ٩ - فيه: عبد الله بن زيد، شُكِىَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجِدُ فِى الصَّلاةِ شَيْئًا، أَيَقْطَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: (لا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) .

стр. 2824

وَقَالَ الزُّهْرِىِ: لا وُضُوءَ إِلا فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ. / ١٠ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ أقَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لا نَدْرِى أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ) . إنما لم يدخل الوسواس فى حكم الشبهات المأمور باجتنابها لقوله ﵇: (إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم) ، فالوسوسة ملغاة مطرحة لا حكم لها ما لم تستقر وتثبت، وحديث عبد الله بن زيد محمول عند الفقهاء [. . . . .] الذى يعتريه ذلك كثيرًا، بدليل قوله: (شكى إلى النبى) ذلك، لأن الشكوى إنما تكون من علة، فإذا كثر الشك فى مثل ذلك وجب إلغاؤه وإطراحه، لأنه لو أوجب له ﵇ حكمًا لما انفك صاحبه من أن يعود إليه مثل ذلك التخيل والظن، فيقع فى ضيق وحرج وقد قال الله - تعالى -: (وما جعل عليكم فى الدين من حرج (وكذلك حديث عائشة مثل هذا المعنى، لأنه لو حمل ذلك الصيد على أنه لم يذكر اسم الله عليه لكان فى ذلك أعظم الحرج، والمسلمون محمولون على السلامة، ولا ينبغى أن يظن بهم ترك التسمية، فضعفت الشبهة فيه فلذلك لم يحكم بها النبى ﵇ وغلب الحكم بضدها؛ لأن المسلمين فى ذلك الزمن كانوا من القرن الذين أُثنى عليهم، فلا يتوجه إليهم سوء الظن فى دينهم. فإن قيل: فما معنى قوله ﵇: (سموا لله وكلوا)

стр. 2825

؟ قيل: هذا منه ﵇ من الأخذ بالحزم فى ذلك خشية أن ينسى الذى صاده التسمية، وإن كانت التسمية عند الأكل غير واجبة لما قدمناه من فضل أهل ذلك القرن، وبعدهم عن مخالفة أمر الله ورسوله فى ترك التسمية على الصيد. ٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا) [الجمعة: ١١] / ١١ - فيه: جَابِر، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِىَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلا، فَنَزَلَتْ: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا (. تقدير الآية عند المبرد: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهوًا انفضوا إليه، ثم حذف ضمير الثانى، وأخر ضمير الأول، والمعنى وإذا رأوا ذلك أسرعوا إليه. واللهو ما يصنع عند النكاح من الدف، وقيل: هو الطبل. وقال قتادة: (وتركوك قائما (. قال الحسن: قال النبى ﵇: (لو اتبع آخرهم أولهم التهب الوادى عليهم نارًا) وقال قتادة: لم يبق مع النبى إلا اثنا عشر رجلا وامرأة. وقال الحسن: إن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر، فلذلك خرجوا إلى العير حين قدمت.) قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة (أى ما عند الله من

стр. 2826

الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة) والله خير الرازقين (فارغبوا إليه فى سعة الأرزاق. ٧ - باب مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ الْمَالَ / ١٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (يَأْتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُبَالِى الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ) . هذا يكون لضعف الدين وعموم الفتن، وقد أخبر ﵇ أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، وأنذر كثرة الفساد، وظهور المنكر، وتغير الأحوال، وذلك من علامات نبوته ﵇، وقد روى عنه ﵇ أنه قال: (من بات كالا من عمل الحلال بات والله عنه راضٍ، وأصبح مغفورًا له) و (طلب الحلال فريضة على كل مؤمن، وهو مثل مقارعة الأبطال فى سبيل الله) . ٨ - باب التِّجَارَةِ فِى الْبَرِّ وَقَوْلِهِ تعالى: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) [النور: ٣٧] وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْقَوْمُ يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ. / ١٣ - فيه: الْبَرَاء، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 2827

( ﷺ ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: (إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلا يَصْلُحُ) . وأما التجارة فى البر فليس فى الباب ما يقتضى تعيينها من بين سائر التجارات، غير أن قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله (يدخل فى عمومه جميع أنواع التجارات من البر وغيره، وهذا الحديث يدل أن اسم الصرف إنما يقع على بيع الورق بالذهب، وأما الذهب بالذهب، أو الورق بالورق فإنما يسمى مراطلة ومبادلة. وفيه: أن الصرف لا يكون إلا يدًا بيد، وفى الآية نعت تجار سلف الأمة، وما كانوا عليه من مراعاة حقوق الله، والمحافظة عليها، والتزام ذكر الله فى حال تجارتهم، وصبرهم على أداء الفرائض وإقامتها وخوفهم سوء الحساب والسؤال يوم عرض القيامة، ورأيت فى تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله (قال: كانوا حدادين وخرازين، فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى فسمع الأذان لم يخرج الإشفى من الغرزة، ولم يوقع المطرقة، ورمى بها وقام إلى الصلاة. ٩ - باب الْخُرُوجِ فِى التِّجَارَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (فَانْتَشِرُوا فِى الأرْضِ) [الجمعة: ١٠] / ١٤ - فيه: أَبُو مُوسَى، أنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَكَانَ مَشْغُولا، فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى فَفَرَغَ عُمَرُ، فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ

стр. 2828

عَبْدِاللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، ائْذَنُوا لَهُ، قِيلَ: قَدْ رَجَعَ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: تَأْتِينِى عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأنْصَارِ، فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: لا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلا أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ، فَذَهَبَ بِأَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِىَ هَذَا عَلَىَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَلْهَانِى الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ، يَعْنِى الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ. وقوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله (وهو إباحة بعد حظر مثل قوله: (وإذا حللتم فاصطادوا (. قال المهلب: أما قوله: (ألهانى الصفق بالأسواق) مأخوذ من قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها (فقرن التجارة باللهو، فسماها عمر لهوًا مجازًا؛ لأن اللهو المذكور فى الآية غير التجارة؛ لأنه تعالى فصل بينهما بالواو، وهو الدف عند النكاح وشبهه، فدل هذا أنما أراد شغلنى البيع والشراء عن ملازمة النبى ﵇ فى كل أحيانه، حتى حضر من هو أصغر منى ما لم أحضره من العلم. وفيه: أن الصغير قد يكون عنده العلم ما ليس عند الكبير. وفيه: أنه يجب البحث وطلب الدليل على ما ينكره من الأقوال حتى يثبت عنده.

стр. 2829

- باب التِّجَارَةِ فِى الْبَحْرِ وَقَالَ مَطَرٌ: لا بَأْسَ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِى الْقُرْآنِ إِلا بِحَقٍّ ثُمَّ تَلا: (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) [النحل: ١٤] . / ١٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِىّ، ﵇، ذَكَرَ رَجُلا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ خَرَجَ إِلَى الْبَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. استدلال مطر الوراق من الآية حسن؛ لأن الله - تعالى - جعل تسخيره البحر لعباده لابتغاء فضله من نعمه التى عددها عليه، وأراهم فى ذلك عظيم قدرته، وسخر الرياح باختلافها تحملهم وتردهم، وهذا من عظيم آياته وكبير سلطانه، ونبههم على شكره عليها بقوله: (ولعلكم تشكرون (وهذا يرد قول من منع ركوب البحر فى أبان ركونه، وهو قول يروى عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عمرو بن العاص يسأله عن البحر، فقال: خلق عظيم يركبه خلق ضعيف، دود على عود. فكتب إليه عمر ألا يركبه أحد طوله حياته. فلما كان بعد عمر لم يزل يركب حتى كان عمر بن عبد العزيز، فاتبع فيه رأى عمر بن الخطاب، وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الجهاد فى باب ركوب البحر، وذكرت هناك قول من منع ركوبه للحج، وإذا كان الله قد أباح ركوبه للتجارة، فركوبه للحج والجهاد أجوز، ولا حجة لأحد مع مخالفة الكتاب والسنة، فأما إذا كان أبان ارتجاجه فالأمة مجمعة أنه لا يجوز ركوبه؛ لأنه تعرض للهلاك، وقد نهى الله عباده عن ذلك بقوله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (وبقوله: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا (ولم يزل البحر يركب

стр. 2830

فى قديم الزمان، ألا ترى ما ذكر فى هذا الحديث أنه ركب فى زمن بنى إسرائيل، فلا وجه لقول من منع ركوبه. - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) [البقرة: ٢٦٧] / ١٦ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَ ﵇: (إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا) . / ١٧ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ) . ومعنى هذه الآية أن الله أمر عباده بالأكل والصدقة من حلال كسبهم وتجارتهم، والآية التى ترجم بها وقع فيها غلط من الناسخ - والله أعلم - وصوابها) يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم (وقال فى موضع آخر: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم (. وأما صدقة المرأة من بيت زوجها بغير إذنه فإنما يباح لها أن تتصدق منه بما تعلم أن نفسه تطيب به ولا تشح بمثله، فيؤجر كل واحد منهم لتعاونهم على الطاعة، وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الزكاة.

стр. 2831

- باب مَنْ أَحَبَّ الْبَسْطَ فِى الرِّزْقِ / ١٨ - فيه: أَنَس، قَالَ ﵇:: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) . فى هذا الحديث إباحة اختيار الغنى على الفقر، وسيأتى الكلام فى ذلك فى كتاب الرقائق - إن شاء الله تعالى. فإن قيل: هذا الحديث يعارض قوله ﵇: (يجمع خلق أحدكم فى بطن أمه أربعين يومًا مضغة: وفيه: (فيكتب رزقه وأجله) . قال المهلب: اختلف العلماء فى وجه الجمع بينهما على قولين: فقيل: معنى البسط فى رزقه هو البركة؛ لأن صلته أقاربه صدقة، والصدقة تُربى المال وتزيد فيه، فينمو بها ويزكو. ومعنى قوله: (وينسأ فى أثره) أى: يبقى ذكره الطيب وثناؤه الجميل مذكورًا على الألسنة، فكأنه لم يمت، والعرب تقول الثناء يضارع الخلود، قال الشاعر: إن الثناء هو الخلود كما يسمى الذم موتًا قال سابق البريرى: قد مات قوم وهم فى الناس أحياء يعنى بسوء أفعالهم وقبح ذكرهم. والقول الثانى: أنه يجوز أن يكتب فى بطن أمه أنه إن وصل رحمه

стр. 2832

فإن رزقه وأجله كذا، وإن لم يصل رحمه فكذا، بدلالة قوله تعالى فى قصة نوح: (أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى (يريد أجلا قد قضى به لكم إن أطعتم يؤخركم إليه لأن أجل الله إذا جاء فى حال معصيتكم لا يؤخر عنكم قال تعالى: (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحياة (وهو الهلاك على الكفر) ومتعناهم إلى حين (فهذا كله من المكتوب فى بطن أمه، أى الأجلين استحق لا يؤخر عنه، ويؤيد هذا قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (وقد روى عن عمر بن الخطاب ما هو تفسير لهذه الآية، روى أنه كان يقول فى دعائه: اللهم إن كنت كتبتنى عندك شقيا، فامحنى واكتبنى سعيدًا، فإنك تقول: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (وستأتى جملة من هذا فى كتاب الأدب فى باب من بُسط له فى الرزق لصلة الرحم، إن شاء الله. - باب شِرَاءِ النَّبِىِّ ﵇ بِالنَّسِيئَةِ / ١٩ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِىٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. / ٢٠ - وفيه: أَنَس، أنَّ النَّبِىَّ، ﵇، رَهَنَ دِرْعًا لَهُ عِنْدَ يَهُودِىٍّ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لأهْلِهِ. . . الحديث.

стр. 2833

العلماء مجمعون على جواز البيع بالنسيئة لأن النبى ﷺ اشترى الشعير من اليهودى نسيئة. وقال ابن عباس: البيع بالنسيئة فى كتاب الله وقرأ: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين (الآية. وسيأتى ما للعلماء فى الرهن والسلم فى موضعه إن شاء الله. وقال أبو عبيدة: الإهالة: الشحم والزيت. وفيه: جواز معاملة من يخالط ماله الحرام ومبايعته؛ لأن الله - تعالى - ذكر أن اليهود أكالون السحت، وقد اشترى النبى من اليهودى طعامًا ورهنه درعه، وقد تقدم اختلاف العلماء فى ذلك فى كتاب الزكاة فى باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفس، فتأمله هناك. - باب كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ / ٢١ - فيه: عَائِشَةَ، لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِى أَنَّ حِرْفَتِى لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَئُونَةِ أَهْلِى، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِى بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ. / ٢٢ - وفيه: عَائِشَة، كَانَ أَصْحَابُ النَّبِىّ ﷺ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ لَهُمْ أَرْوَاحٌ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ؟ . / ٢٣ - وفيه: الْمِقْدَامِ، عَنْ الرسول ﷺ قَالَ: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ

стр. 2834

خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ دَاوُدَ، ﵇، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) . / ٢٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لأنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ) . قال المهلب: الحرفة هاهنا التصرف فى المعاش والمتجر فلما اشتغل أبو بكر عنه بأمر المسلمين ضاع أهله، فاحتاج أن يأكل هو وأهله من بيت مال المسلمين، لاستغراقه وقته فى أمورهم واشتغاله عن تعيش أهله. وقوله: (وأحترف لهم فيه) أى: أتجر لهم فى مالهم حتى يعود عليهم من ربحه بقدر ما آكل أو أكثر. وليس بواجب على الإمام أن يتجر فى مال المسلمين بقدر مؤنته، إلا أن يتطوع بذلك كما تطوع أبو بكر؛ لأن مؤنته مفروضة فى بيت مال المسلمين بكتاب الله؛ لأنه رأس العاملين عليها. وفى حديث عائشة: ما كان عليه أصحاب النبى من التواضع واستعمال أنفسهم فى أمور دنياهم. وقوله: (لو اغتسلتم) يبين ما روى أبو سعيد الخدرى أن النبى قال: (غسل الجمعة واجب على كل مسلم) . أنه ليس بواجب فرضًا، وأن المراد بذلك الندب إلى النظافة، وتأكيد الغسل عليهم؛ لفضل الجمعة ومن يشهدها من الملائكة والمؤمنين، وقد تقدم ما للعلماء فى ذلك فى كتاب الجمعة.

стр. 2835

وفى حديث المقدام: أن أفضل الكسب من عمل اليد، ألا ترى أن نبى الله داود كان يأكل من عمل يديه، وقال أبو الزاهرية: كان داود يعمل القفاف، ويأكل منها. قال ابن المنذر: وإنما فُضل عمل اليد على سائر المكاسب، إذا نصح العامل بيده، وروى أبو سعيد المقبرى عن أبى هريرة، أن النبى ﵇ قال: (خير الكسب يد العامل إذا نصح) وروى عن النبى (أن زكريا كان نجارًا) وقال النبى ﷺ : (وهل من نبى إلا وقد رعى الغنم) . وقد ذكر معمر عن سليمان أنه كان يعمل الخوص، فقيل له: أتعمل هذا وأنت أمير المدائن، يجرى عليك رزق؟ قال: إنى أحب أن آكل من عمل يدى. - باب السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِى الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِى عَفَافٍ / ٢٥ - فيه: جَابِر، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى) . فيه: الحضُ على السماحة وحسن المعاملة، واستعمال معالى الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة فى البيع، وذلك سبب إلى وجود البركة فيه لأن النبى ﵇ لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم فى الدنيا والآخرة، فأما فضل ذلك فى الآخرة

стр. 2836

فقد دعا ﵇ بالرحمة لمن فعل ذلك، فمن أحب أن تناله بركة دعوة النبى ﵇ فليقتد بهذا الحديث ويعمل به. وفى قوله ﵇: (إذا اقتضى) حض على ترك التضييق على الناس عند طلب الحقوق وأخذ العفو منهم، وقد روى يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبى جعفر، عن نافع، عن ابن عمر وعائشة، أن النبى ﵇ قال: (من طلب حقا فليطلبه فى عفاف واف أو غير واف) ، قال ابن المنذر: وفى هذا الحديث الأمر بحسن المطالبة وإن قبض هذا الطالب دون حقه، وقد جاء فى إنظار المعسر من الفضل ما يذكر فى الباب بعد هذا - إن شاء الله. - باب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا / ٢٦ - فيه: حُذَيْفَةَ، قَالَ ﵇: (تَلَقَّتِ الْمَلائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِى أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعسِرِ، قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ) . وقال أبو مالك، عن ربعى قال: كنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، وتابعه الملك، عن ربعى: أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر. / ٢٧ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا، قَالَ، لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ) .

стр. 2837

قال المهلب: فيه أن الله يغفر الذنوب بأقل حسنة توجد للعبد، وذلك - والله أعلم إذا خلصت النية فيها لله - تعالى - وان يريد بها وجهه، وابتغاء مرضاته، فهو أكرم الأكرمين، ولا يجوز أن يخيب عبده من رحمته، وقد قال فى التنزيل: (من ذا الذى يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له وله أجر كريم (. وروى أبو عيسى الترمذى هذا الحديث، وزاد فيه: (أنه ينظر فلا يجد حسنة ولا شيئًا، فيقال له، فيقول: ما أعرف شيئًا إلا أنى كنت إذا داينت معسرًا تجاوزت عنه، فيقول الله: أنت معسر، ونحن أحق بهذا منك) . قال ابن المنذر: فى هذا الحديث: دليل أن المؤمن يلحقه أجر ما يأمر به من أبواب البر والخير، وإن لم يتول ذلك بنفسه. - باب إِذَا بَيَّنَ الْبَيِّعَانِ وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا وَيُذْكَرُ عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: كَتَبَ لِىَ النَّبِىُّ ﵇: (هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، بَيْعَ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمُسْلِمِ، لا دَاءَ وَلا خِبْثَةَ وَلا غَائِلَةَ) . وَقَالَ قَتَادَةُ: الْغَائِلَةُ: الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإبَاقُ. وَقِيلَ لإبْرَاهِيمَ: إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّى آرِىَّ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَيَقُولُ: جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ، فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً.

стр. 2838

وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لا يَحِلُّ لامْرِئٍ بِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلا أَخْبَرَهُ. / ٢٨ - فيه: حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) . وترجم له (باب ما يمحق الكذب والكتمان فى البيع) . وأصل هذه الباب أن نصيحة المسلم للمسلم واجبة، وقد كان رسول الله يأخذها فى البيعة على الناس كما يأخذ عليهم الفرائض، قال جرير: (بايعت رسول الله على السمع والطاعة، فشرط على والنصح لكل مسلم) وأمر المؤمنين بالتحاب والمؤاخاة فى الله، قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فحرم بهذا كله غش المؤمنين وخديعتهم، ألا ترى قول عقبة بن عامر: (لا يحل لامرئ بيع سلعة يعلم بها داءً إلا أخبره) وقد رواه عن النبى ﵇ ذكره ابن المنذر، وذكر مثله من حديث واثلة بن الأسقع عن النبى ﵇. قال ابن المنذر: فكتمان العيوب فى السلع حرام، ومن فعل ذلك فهو متوعد بمحق بركة بيعه فى الدنيا والعذاب الأليم فى الآخرة. وقال ابن قتيبة: قوله: (لا داء) يعنى لا داء فى العبد من الأدواء التى يرد منها مثل الجنون، والجذام، والبرص، والسل، والأوجاع المتقادمة.

стр. 2839

وقوله: (لا غائلة) هو من قولك: اغتالنى فلان، إذا احتال عليك بحيلة يتلف بها بعض مالك، يقال: غائلت فلانًا غولا: إذا أتلفته، والمعنى: لا حيلة عليك فى هذا البيع يغتال بها مالك. و (الخبثة) يريد الأخلاق الخبيثة مثل: الإباق والسرف، والعرب أيضًا تدعو الزنا خبثًا وخبثةً، وقال صاحب العين: الخبثة: الزنية. وقوله: (كان بعض النخاسين يسمى آرى) يريد يسمى موضوع الدابة فى داره ومربطها خراسان وسجستان، ويريد بذلك الخديعة والغرر بالمشترى منه، واختلف أهل اللغة فى تفسير الآرى فقال ابن الأنبارى: الآرى عند العرب الأِخيةُ التى تُحبس بها الدابة وتلزم بها موضعًا واحدًا، وهو مأخوذ من قولهم: قد تأرى الرجل بالمكان، إذا أقام به. قال الأعشى: لا يتأرى لما فى القدر يرقبه فالعامة تخطئ فى الآرى فتظن أنها المعلف. هذا قول ابن الأنبارى. وقال صاحب العين: الآرى: المعلف، وآرت الدابة إلى معلفها تأرى: إذا ألفته. - باب بَيْعِ الْخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ / ٢٩ - فيه: أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ، وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (لا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، وَلا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ) .

стр. 2840

فقه هذا الباب: أن التمر كله جنس واحد رديئه وجيده، لا يجوز التفاضل فى شىء منه، ويدخل فى معنى التمر جميع الطعام، فلا يجوز فى الجنس الواحد منه التفاضل ولا النسيئة بإجماع، فإذا كانا جنسين جاز فيهما التفاضل ولم تجز النسيئة، هذا حكم الطعام المقتات كله عند مالك؛ وعند الشافعى الطعام كله المقتات وغير المقتات، وعند الكوفيين الطعام المكيل والموزون. وفى حديث أبى سعيد من الفقه: أن من لم يعلم بتحريم الشىء فلا حرج عليه حتى يعلمه، والبيع إذا وقع محرمًا فهو مفسوخ مردود لقوله ﵇: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) . - باب مَا قِيلَ فِى اللَّحَّامِ وَالْجَزَّارِ / ٣٠ - فيه: أَبُو مَسْعُود، جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ، فَقَالَ لِغُلامٍ لَهُ قَصَّابٍ: اجْعَلْ لِى طَعَامًا يَكْفِى خَمْسَةً، فَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِىَّ، ﵇ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّى قَدْ عَرَفْتُ فِى وَجْهِهِ الْجُوعَ، فَدَعَاهُمْ فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﵇: (إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، فَأْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ، فَقَالَ: لا، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ) . قال المهلب: إنما صنع طعام خمسة لعلمه أن النبى ﵇ سيتبعه من أصحابه غيره، فوسع فى الطعام لكى يبلغ النبى شبعه. وفى هذا الحديث من الأدب ألا يدخل المدعو مع نفسه غيره. وفيه: كراهية طعام الطفيلى؛ لأنه مقتحم غير مأذون له، وقيل: إنما استأذن النبى ﵇ للرجل؛ لأنه لم يكن بينه وبين
следующие страницы →