← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

/ ١٤٨ - فيه: أَنَس، قَالَ: كَانَ فِى السَّبْىِ صَفِيَّةُ، فَصَارَتْ إِلَى دَحْيَةَ الْكَلْبِىِّ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇. قال المؤلف: حديث المقبرى عن أبى هريرة الذى أشار إليه البخارى فى هذا الباب، قد ذكره فى آخر كتاب الجهاد، فى باب: إخراج اليهود من جزيرة العرب، قال أبو هريرة: (بينا نحن فى المسجد خرج النبى ﵇ فقال: انطلقوا إلى يهود، فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس، فقال: أسلموا، واعلموا أن الأرض لله ولرسوله، وإنى أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله ثمنًا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله) . قال المؤلف: وهؤلاء اليهود الذين أجلاهم النبى ﵇ هم بنو النضير، وذلك أنهم أرادوا الغدر برسول الله، وأن يلقوا عليه حجرًا، فأوحى الله إليه بذلك، فأمر بإجلائهم، وأن يسيروا حيث شاءوا، فلما سمع المنافقون بذلك بعثوا إلى بنى النضير: اثبتوا وتمنعوا؛ فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا بذلك لنصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله فى قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله أن يجليهم، ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلفة، ففعل، فاحتملوا ذلك وخرجوا إلى خيبر، وخرج أكثرهم إلى الشام، وخلوا الأموال لرسول الله، فكانت

стр. 2977

له خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله على المهاجرين دون الأنصار فى حديث طويل ذكره ابن إسحاق , قال المؤلف: فإن قال قائل: هذا معارض لحديث المقبرى عن أبى هريرة؛ لأن فيه أن النبى ﵇ أمرهم ببيع أرضهم، وفى حديث ابن إسحاق أنهم تركوا أرضهم دون عوض، وحلت لرسول الله فما وجه ذلك؟ فالجواب: أن النبى إنما أمرهم ببيع أرضهم - والله أعلم - قبل أن يكونوا له حربا، فكانوا مالكين لأرضهم، وكانت بينهم وبين النبى مسالمة وموافقة للجيرة، فكان النبى ﵇ يمسك عنهم لإمساكهم عنه، ولم يكن بينهم عهد، ثم أطلعه الله على ما يؤملون من الغدر به، وقد كان أمره لهم ببيع أرضهم وإجلائهم قبل ذلك فلم يفعلوا؛ لأجل قول المنافقين لهم: اثبتوا فإنا لن نسلمكم إن قوتلتم فوثقوا بقولهم، وثبتوا ولم يخرجوا، وعزموا على مقاتلة النبى ﵇ فصاروا له حربًا؛ فحلت بذلك دماؤهم وأموالهم، فخرج إليه رسول الله وأصحابه فى السلاح وحاصرهم، فلما يئسوا من عون المنافقين ألقى الله فى قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله الذى كان عرضه عليهم قبل ذلك، فلم يبح لهم بيع الأرض، وقاضاهم على أن يجليهم ويتحملوا بما استقلت به الإبل، وعلى أن يكف عن دمائهم وأموالهم، فحلوا عن ديارهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكانت أراضيهم وأموالهم مما لم يوجف عليها بقتال مما انجلى عنها أهلها بالرعب، وصارت خالصة لرسول الله يضعها حيث شاء، قال ابن إسحاق: ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان أسلما على أموالهما فأحرزاها،

стр. 2978

قال: ونزلت فى بنى النضير سورة الحشر إلى قوله: (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم فى الدنيا (أى: بالقتل والسبى، ولهم فى الآخرة مع ذلك عذاب النار. وقوله: (لأول الحشر (، يعنى: الشام الذى جلا أكثرهم إليه؛ لأنه روى فى الحديث أنه تجىء نار تحشر الناس إلى الشام، ولذلك قيل فى الشام أنها أرض المحشر. وأما بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فإن العلماء اختلفوا فى ذلك، فقالت طائفة: لا ربا فى الحيوان، وجائز بيع بعضه ببعض نقدًا ونسيئة اختلف أو لم يختلف، هذا مذهب على ابن أبى طالب وابن عمر وابن المسيب، وهو قول الشافعى وأبى ثور، وقال مالك: لا بأس بالبعير النجيب بالبعيرين من حاشية الإبل نسيئة، وإن كانت من نعم واحدة إذا اختلف فبان اختلافها، وإن أشبه بعضها بعضا واتفقت أجناسها، فلا يؤخذ منها اثنان بواحد إلى أجل، ويؤخذ يد بيد، وهو قول سليمان بن يسار وربيعة ويحيى بن سعيد، وقال الثورى والكوفيون وأحمد: لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، اختلفت أجناسه أو لم تختلف، واحتجوا بحديث الحسن عن سمرة ابن جندب (أن النبى ﵇ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) . وبحديث يحيى بن أبى كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (نهى رسول الله عن بيه الحيوان بالحيوان نسيئة) ومعنى النهى عن ذلك عندهم لعدم وجود مثله؛ ولأنه غير موقوف عليه، قالوا: وهذا مذهب ابن عباس وعمار بن ياسر، وأجازوا التفاضل فيه يدًا بيد، وحجة القول الأول: ما رواه ابن

стр. 2979

إسحاق، عن أبى سفيان، عن مسلم بن كثير، عن عمرو بن حريش قال: قلت لعبد الله عمرو: (إنه ليس بأرضنا ذهب ولا فضة، وإنما نبيع البعير بالبعيرين، والبقرة بالبقرتين، والشاة بالشاتين. فقال: (إن رسول الله أمر أن يجهز جيش، فنفدت الإبل، فأمر أن نأخذ على قلائص الصدقة بالبعيرين إلى إبل الصدقة) . وقد سأل عثمان السجستانى يحيى بن معين عن سند هذا الحديث، فقال: سند صحيح مشهور، وهذا المذهب أراد البخارى، ووجه إدخاله حديث صفية فى هذا الباب، أن صفية صارت إلى دحية الكلبى بأمر النبى ﵇ فأخبر النبى أنها سيدة قريظة ولا تصلح إلا له، وذكر من جمالها، فأمر النبى فأتى بها، فلما رآها ﵇ قال لدحية: دعها وخذ غيرها، فكان تركه لها عند النبى وأخذه جارية السبى غير معينة، بيعًا لها بجارية نسيئة حتى يأخذها ويستحسنها، فحينئذ تتعين له، وليس ذلك يدًا بيد، وحجة مالك أن الحيوان إذا اختلفت منافعه صار كجنسين من سائر الأشياء، ويجوز فيه التفاضل والأجل؛ لاختلاف أغراض الناس فيه لأن غرض الناس من العبيد والحيوان والمنافع، ولا ربا عندهم فى الحيوان والعروض إذا حدث فيها النسيئة إلا من باب الزيادة فى السلف، وإذا كان التفاضل فى الجهة الواحدة خرج من أن تتوهم فيه الزيادة فى السلف، وليس العبد الكاتب والصائغ عندهم مثل العبد الذى هو مثله فى الصورة، إذا لم يكن كاتبًا ولا صائغًا، وأما إذا اتفقت منافعها فلا يجوز عندهم صنف منه بصنف مثله أكثر منه إلى أجل؛ لأن ذلك يدخل فى معنى قرض جر منفعة؛ لأنه أعطى

стр. 2980

شيئًا له منفعة بشىء أكثر منه له مثل تلك المنفعة؛ لأنه إنما طلب زيادة الشىء لاختلاف منافعه، فلم يجز ذلك، وتأول مالك فيما روى عن على بن أبى طالب أنه باع جملا له يدعى عصيفير بعشرين بعيرًا إلى أجل، وما روى عن ابن عمر أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة، أن منافعها كانت مختلفة، وليس فى الحديث عنهم أن منافعها كانت متفقة، فلا حجة للمخالف فى ذلك. وأما قول ابن سيرين: لا بأس ببعير ببعيرين، ودرهم بدرهم نسيئة، وفى بعض النسخ بدرهمين نسيئة، فإن ذلك خطأ فى النقل عن البخارى، والصحيح عن ابن سيرين ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: (لا بأس ببعير ببعيرين وردهم، والدرهم نسيئة فإن كان أحد البعيرين نسيئة فهو مكروه) وهذا مذهب مالك، وقد ذكره فى الموطأ فى مسألة الجمل بالجمل وزيادة دراهم، قال: والذى يجوز من ذلك أن يكون الجملان نقدًا، ولا يبالى تأخرت الدراهم أم تعجلت؛ لأن الجمل بالجمل قد حصل يدًا بيد، فبطل أن يتوهم فيه السلف، وأعلم أنه بيع؛ لأن الدراهم هاهنا تبع للجمل، وليس هى المقصد، وأما إذا كان أحد الجملين نسيئة فلا يجوز؛ لأنه عنده من باب الزيادة فى السلف، كأنه أسلفه جملا فى مثله واستزاد عليه الدراهم، ولو كانت الدراهم والجمل جميعًا إلى أجل لم يجز؛ لأنه أقرضه الجمل على أنه يرده إليه بصفته ويرد معه دراهم، فهو سلف جر منفعة، وزيادة على ما أخذ المستسلف فلا يجوز.

стр. 2981

وقول رافع بن خديج: (آتيك غدًا رهوًا) قال صاحب العين: الرهو: مشى فى سكون. وقال أبو عبيد: يقول: آتيك عفوًا لا احتباس فيه. ٠ - بَاب بَيْعِ الرَّقِيقِ / ١٤٩ - فيه: أَبُو سَعِيد، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ فَكَيْفَ تَرَى فِى الْعَزْلِ؟ فَقَالَ: (أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ، لاَ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا ذَلِكُ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلاَ هِىَ خَارِجَةٌ) . / ١٥٠ - وفيه: جَابِر، قَالَ: بَاعَ النَّبِىُّ ﷺ الْمُدَبَّرَ. / ١٥١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، أنّ النَّبِىّ، ﵇، سُئل، عَنِ الأَمَةِ تَزْنِى وَلَمْ تُحْصَنْ، قَالَ: (اجْلِدُوهَا، فَإِنْ زَنَتْ، فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ) . بيع الرقيق كبيع سائر المباحات الداخلة فى عموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع (. وقوله فى حديث أبى سعيد: فنحب الأثمان. يدل أنه لا يجوز بيع أم الولد؛ لأن الحمل منهن يمنع الفداء والثمن، وسيأتى تمام القول فى أم الولد فى موضعه - إن شاء الله. وأما بيع المدبر فإن العلماء اختلفوا فيه، فذهب مالك والكوفيون إلى أنه لا يجوز بيعه، ولا يجوز تحويله عن موضعه الذى وضع فيه،

стр. 2982

وقال الشافعى: بيع المدبر جائز، واحتج بحديث جابر أن النبى ﵇ باع مدبرًا، وسيأتى بيان مذاهبهم فيه فى موضعه، وقد تقدم فى باب بيع العبد الزانى، الكلام فى حديث أبى هريرة، فأغنى عن إعادته - والحمد لله. ١ - بَاب هَلْ يُسَافِرُ بِالْجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يُبَاشِرَهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِذَا وُهِبَتِ الْوَلِيدَةُ الَّتِى تُوطَأُ، أَوْ بِيعَتْ أَوْ عَتَقَتْ، فَلْيُسْتَبْرَأْ رَحِمُهَا بِحَيْضَةٍ، وَلاَ تُسْتَبْرَأُ الْعَذْرَاءُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ مِنْ جَارِيَتِهِ الْحَامِلِ مَا دُونَ الْفَرْجِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِلاَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ (. / ١٥٢ - فيه: أَنَس، قَدِمَ النَّبِىُّ، ﵇، خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا، فَاصْطَفَاهَا النَّبِىّ ﷺ لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِى نِطَعٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ ﵇: (آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ) ، فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَفِيَّةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَوِّى لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ. فى

стр. 2983

حديث صفية دليل على أن الاستبراء أمانة، يؤتمن المبتاع عليها بألا يطأها حتى تحيض حيضة إن لم تكن حاملاً؛ لأن النبى ﵇ ألقى رداءه على صفية، وأمرها أن تحتجب بالجعرانة حين صارت فى سهمه، ومعلوم أن من سنته أن الحائل لا توطأ حتى تحيض حيضة؛ خشية أن تكون حاملاً، وأن الحامل لا توطأ حتى تضع؛ لئلا يسقى ماءه زرع غيره، فلما كان الاستبراء أمانة ارتفعت فيه الحكومة، وفى هذا حجة لمن لم يوجب المواضعة على البائع، وهو قول جماعة فقهاء الأمصار غير ربيعة ومالك بن أنس، فإنهما أوجبا المواضعة فى الجوارى المرتفعات المتخذات للوطء خاصة، قال مالك فى المدونة: أكره ترك المواضعة وائتمان المبتاع على الاستبراء، فإن فعلا أجزأهما، وهى من البائع حتى تدخل فى أول دمها. قال المهلب: وإنما قال مالك بالمواضعة خشية أن يتذرع المشترى إلى الوطء، فجعل الاستبراء حياطة على الفروج وحفظا للأنساب، ولقوله ﵇: (لا توطأ حائل حتى تحيض) . وأحتج من لم ير المواضعة بأن عطاء بن أبى رباح قال: ما سمعنا بالمواضعة قط. وقال محمد بن عبد الحكم: أول من قال بالمواضعة ربيعة. قال الطحاوى: والدليل على أن المواضعة غير واجبة أن العقد إنما يوجب تسليم البدلين، وقد وافقنا مالك على أن غير المرتفعات من الجوارى لا يجب فيهن استبراء، فوجب أن يكون كذلك حكم المرتفعات، وأجمع الفقهاء على أن حيضة واحدة براءة فى الرحم،

стр. 2984

إلا أن مالكًا والليث قالا: إن اشتراها فى أول حيضتها اعتد بها، وإن كان فى آخرها لم يعتد بها. واختلفوا فى تقبيل الجارية ومباشرتها قبل الاستبراء، فأجاز ذلك الحسن البصرى وعكرمة، وبه قال أبو ثور، وثبت عن ابن عمر أنه قبل جارية وقعت فى سهمه يوم جلولاء ساعة قبضها. وكره ذلك ابن سيرين، وهو قول الليث ومالك وأبى حنيفة والشافعى، ووجه كراهتهم لذلك قطعا للذريعة، وحفظاُ للانساب. وحجة الذين أجازوا ذلك قوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم (وقوله ﵇: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض) . فدل هذا أن ما دون الوطء من المباشرة والقبلة فى حيز المباح وسفر النبى ﵇ بصفية قبل أن يستبرئها حجة فى ذلك لأنه لو لم يحل له من مباشرتها ما دون الجماع لم يسافر بها معه، لأنه لا بد أن يرفعها أو ينزلها، وكان ﵇ لا يمس بيده امرأة لا تحل له، ومن هذا الباب اختلافهم فى مباشرة المظاهر وقبلته لامرأته التى ظاهر منها، فذهب الزهرى والنخعى ومالك وأبو حنيفة والشافعى إلى أنه لا يقبل امرأته ولا يتلذذ منها بشىء. وقال الحسن البصرى: لا بأس أن ينال منها ما دون الجماع. وهو قول الثورى والأوزاعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور، وكذلك

стр. 2985

فسر عطاء وقتادة والزهرى قوله تعالى: (من قبل أن يتماسا (أنه عنى بالمسيس الجماع فى هذه الآية، واختلفوا فى استبراء العذراء فقال ابن عمر: لا تستبرأ. وبه قال أبو ثور، وقال سائر الفقهاء: تستبرأ بحيضة إذا كانت ممن تحيض ويوطأ مثلها. ٢ - بَاب بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالأَصْنَامِ / ١٥٣ - فيه: جَابِر، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: (إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ) ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، فَقَالَ: (لاَ هُوَ حَرَامٌ) ، ثُمَّ قَالَ ﵇ عِنْدَ ذَلِكَ: (قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا أجَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) . أجمعت الأمة على أنه لا يجوز بيع الميتة والأصنام، لأنه لا يحل الانتفاع بهما، فوضع الثمن فيهما إضاعة المال، وقد نهى النبى عن إضاعة المال، قال ابن المنذر: فإذا أجمعوا على تحريم بيع الميتة، فبيع جيفة الكافر من أهل الحرب كذلك، وقد روى ذلك عن النبى ﵇ وهو مذكور فى آخر كتاب الجهاد. قال الطبرى: فإن قال قائل: ما وجه قوله ﵇ إذ سأله السائل عن شحوم الميتة وقال: إنها تدهن بها الجلود والسفن

стр. 2986

ونستصبح بها، فقال مجيبًا له: (قاتل الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها) . قيل: إن جوابه ﵇ كان عن مسألة بيع الشحوم، لا عن دهن الجلود والسفن، وإنما سأله عن بيع ذلك إذ ظنه جائزًا من أجل ما فيه من المنافع، كما جاز بيع الحمر الأهلية لما فيها من المنافع وإن حرم أكلها، فظن أن شحوم الميتة كذلك، يحل بيعها وشراؤها وإن حرم أكلها، فأخبره ﵇ أن ذلك ليس كالذى ظن، وأن بيعها حرام وثمنها حرام إذ كانت نجسة، ونظيره الدم والخمر فيما يحرم من بيعها وأكل ثمنها، فأما الاستصباح ودهن السفن والجلود بها، فهو مخالف بيعها وأكل ثمنها، إذ كان ما يدهن بها من ذلك ينغسل بالماء غسل الشىء الذى أصابته نجاسة فيطهره الماء. هذا قول عطاء بن أبى رباح وجماعة من العلماء، وممن أجاز الاستصباح بالزيت تقع فيه الفأرة: على بن أبى طالب، وابن عباس، وابن عمر، وقد تقصينا هذا فى كتاب الذبائح فى باب (إذا وقعت الفأرة فى سمن جامد أو دهن) . ٣ - بَاب ثَمَنِ الْكَلْبِ / ١٥٤ - فيه: أَبُو مَسْعُود الأَنْصَارِىِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِىِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ.

стр. 2987

/ ١٥٥ - وفيه: أَبُو جُحَيْفَةَ، نَهَى النَّبِىّ عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ. . . الحديث. اختلفت الرواية عن مالك فى بيع الكلب، فقال فى الموطأ: أكره بيع الكلب الضارى وغيره؛ لنهى رسول الله عن ثمن الكلب. وروى ابن نافع عن مالك أنه كان يأمر ببيع الكلب الضارى فى الميراث والدين والمغانم، وكان يكره بيعه للرجل ابتداءً، قال ابن نافع: وإنما نهى رسول الله عن ثمن الكلب العقور، وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه لا بأس باشتراء كلب الصيد، ولا يعجبنى بيعها، وكان ابن كنانة وسحنون يجيزان بيع كلاب الصيد والحرث والماشية، قال سحنون: ويحج بثمنها، وهو قول الكوفيين. وقال مالك: إن قتل كلب الدار فلا شىء عليه إلا أن يسرح مع الماشية. وروى عن أبى حنيفة أنه من قتل كلبًا لرجل ليس بكلب صيد ولا ماشية فعليه قيمته، وكذلك السباع كلها، وقال الأوزاعى الكلب لا يباع فى مقاسم المسلمين، هو لمن أخذه، وقال الشافعى: لا يجوز بيع كلاب الصيد والحرث والماشية، ولا قيمة فيها. وهو قول أحمد بن حنبل، احتجا بعموم نهيه ﵇ عن ثمن الكلب. وحجة مالك والكوفيين قوله تعال: (يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين (فإذا أحل لنا الذى علمناه، أفادنا ذلك إباحة

стр. 2988

التصرف فيها بالإمساك والبيع وغير ذلك، فوجب أن يجوز بيعها وشراؤها بظاهر الآية. فإن قيل: المذكور فى هذه الآية هو تحليل تعليم الكلاب، وأكل ما أمسكن علينا. فالجواب: أن (ما) بمعنى الذى، وتقديره أحل لكم الطيبات والذى علمتم من الجوارح، ثم أباح تعليمهن بقوله: (تعلمونهن مما علمكم الله (وهذا قول جماعة السلف. روى عن جابر بن عبد الله أنه جعل القيمة فى كلب الصيد، وعن عطاء مثله، وقال: لا بأس بثمن الكلب السلوقى. وعن النخعى مثله، وقال أشهب: إذا قتل الكلب المعلم ففيه القيمة. وأوجب فيه ابن عمر أربعين درهمًا، وفى كلب ماشية، شاة، وفى كلب الزرع فرقًا من طعام، وأجاز عثمان الكلب الضارى فى المهر، وجعل فيه عشرين من الإبل على من قتله. وقد روى عن ابن عمر عن النبى ﵇ أنه قال: (من اقتنى كلبًا إلا كلبًا ضاريًا أو كلب صيد؛ نقص من عمله كل يوم قيراطان) فهذا الحديث زائد، فكأنه ﵇ نهى عن ثمن الكلب إلا الكلب الذى أذن فى اتخاذه للانتفاع به، ويحتمل أن يكون الحديث الذى فيه النهى عن ثمن الكلب وكسب الحجام كان فى بدء الإسلام، ثم نسخ ذلك، وأبيح الاصطياد به، وكان كسائر الجوارح فى جواز بيعه، وكذلك لما أعطى الحجام أجره كان ناسخًا لما تقدمه، وذكر الطحاوى من حديث أبى رافع أن النبى ﵇ لما أمر بقتل

стр. 2989

الكلاب أتاه ناس فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التى أمرت بقتلها؟ فنزلت: (يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين (فلما حل لنا الانتفاع بها، حل لنا بيعها وأكل ثمنها. وقال المهلب: ما فى حديث أبى جحيفة غير كسب الإماء وأكل الربا، فهو مكروه تنزهًا عن رذائل المكاسب، وكسب الإماء والزنا محرمان بالكتاب والسنة، وهو كله مذكور تحت قول واحد، فلا حجة لأحدٍ فى جمع أمور مختلفة الأحكام تحت كلام واحد. وحلوان الكاهن يعنى: أجره على الكهانة. وسيأتى تفسير البغى فى كتاب الإجارة، إن شاء الله. - بَاب السَّلَمِ فِى كَيْلٍ مَعْلُومٍ / ١ - فيه: ابْن عَبَّاس، قَدِمَ النَّبِىّ، ﵇، الْمَدِينَةَ، وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِى الثَّمَرِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ - أَوْ قَالَ: عَامَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً شَكَّ إِسْمَاعِيلُ - فَقَالَ: (مَنْ سَلَّفَ فِى تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِى كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) . وترجم له: (باب السلم فى وزن معلوم) وزاد فيه: (إلى أجل معلوم) . / ٢ - وفيه: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ، أنَّهُ اختلف هو وَأَبُو بُرْدَةَ فِى السَّلَفِ، فَبَعَثُونِى إِلَى ابْنِ أَبِى أَوْفَى، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَأَبِى بَكْرٍ، وَعُمَرَ فِى الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبْزَى، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ.

стр. 2990

أجمع العلماء أنه لا يجوز السلم إلا فى كيل معلوم أو وزن معلوم فيما يكال أو يوزن، وأجمعوا أنه إن كان السلم فيما لا يكال ولا يوزن فلا بد فيه من عدد معلوم، وأجمعوا أنه لا بد من معرفة صفة الشىء المسلم فيه، واختلفوا فى الأجل على ما يأتى ذكره فى بابه بعد هذا - إن شاء الله. واختلفوا فى ترك ذكر مكان القبض، فقال أحمد وإسحاق وأبو ثور: إن لم يسم مكانًا فالسلم جائز، استدلالاً بحديث ابن عباس؛ لأنه ليس فيه ذكر المكان، ولو كان ترك ذلك يفسد السلم لأعلمهم بذلك ﵇، وقال مالك: إن لم يذكر الموضع جاز السلم، ويقبضه فى المكان الذى كان فيه السلم، فإن اختلفا فى الموضع فالقول قول البائع. وقال الثورى وأبو حنيفة: لا يجوز السلم فيما له حمل مؤنة إلا أن يشترط فى تسليمه مكانًا معلومًا. وهو قول الشافعى. قال ابن المنذر: وقوله: (يسلفون فى التمر العام والعامين) فيه إجازة السلم فى التمر وإن لم يكن ذلك الوقت موجودًا إذا وجد وقت يحل فيه السلم، ويفسد السلم عند الثورى والكوفيين والشافعى بالافتراق دون القبض لرأس المال، وهو عندهم من باب الدين بالدين، وعند مالك إن تأخر قبض رأس المال يومين وثلاثة بغير شرط فى العقد جاز، كما لو كان لرجل على رجل دين جاز أن يؤخر اليوم واليومين على وجه الرفق.

стр. 2991

- بَاب السَّلَم إِلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلٌ / ٣ - فيه: عَبْد اللَّه بِن أَبِى أَوْفَى، كُنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّأْمِ فِى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ فِى كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، قُلْتُ: إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَانِى إِلَى عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِىِّ، ﵇، يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ، ﵇، وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لاَ؟ . وَقَالَ: جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ: فِى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ. / ٤ - وفيه: ابْن عَبَّاس، سُئل عَنِ السَّلَمِ فِى النَّخْلِ، قَالَ: نَهَى النَّبِىُّ، ﵇، عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ، حَتَّى يُؤكَلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَىُّ شَىْءٍ يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ إِلَى جَانِبِهِ: حَتَّى يُحْرَزَ. قال المؤلف: روى وكيع، عن شعبة، عن محمد بن أبى المجالد قال: (اختلف أبو بردة وعبد الله بن شداد فى السلم فقال: فأرسلونى إلى ابن أبى أوفى، فقال: كنا نسلم على عهد رسول الله فى الحنطة والشعير والزبيب، ولا ندرى عند أصحابه من شىء أم لا) فهذا اختلاف من أبى بردة وعبد الله بن شداد فى هذه المسألة وإنما كره السلم إلى من ليس عنده أصل من كرهه؛ لأنه جعله من باب الغرر، وأصل السلم أن يكون إلى من عنده مما يسلم فيه أصل، إلا أنه لما وردت السنة فى السلم بالصفة المعلومة والكيل أو الوزن والأجل المعلوم كان ذلك عاما فيمن عنده أصل وفيمن

стр. 2992

ليس عنده، وجماعة الفقهاء يجيزون السلم إلى من ليس عنده أصل، وحجتهم حديث عبد الله بن أبى أوفى، وهو نص فى ذلك. قال المهلب: وفيه من الفقه جواز السلم فى العروض إلى من ليس عنه ما باع بالسلم، ولو كان عنده ما باع ما حل البيع؛ لأنه بيع شىء بعينه لا يقبض إلى مدة طويلة، وهذا لا يجوز بإجماع. وقال ابن المنذر: فى حديث ابن أبى أوفى مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم. وفيه دليل على إباحة السلم فى السمن والشبرق وما أشبه ذلك كيلاً معلومًا أو وزنًا معلومًا، إذ هو فى معنى الزيت، وأما حديث ابن عباس الذى هو فى آخر الباب، فليس هو من هذا الباب، وإنما هو من الباب الذى بعده، وغلط فيه الناسخ - والله أعلم. ٣ - بَاب السَّلَمِ فِى النَّخْلِ / ٥ - فيه: ابْن عُمَرَ، أنه سُئل عَنِ السَّلَمِ فِى النَّخْلِ، فَقَالَ: نُهِىَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ نَسِيئًا بِنَاجِزٍ. وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَمِ فِى النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِىُّ، ﵇، عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَحَتَّى يُوزَنَ. قُلْتُ: وَمَا يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْرَزَ.

стр. 2993

اختلف العلماء فى هذا الباب، فقال الكوفيون والثورى والأوزاعى: لا يجوز السلم إلا أن يكون المسلم فيه موجودًا فى أيدى الناس من وقت العقد إلى حين حلول الأجل، فإن انقطع فى شىء من ذلك لم يجز. وهو مذهب ابن عمر وابن عباس - على ما ذكره البخارى فى هذا الباب - وقال مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يجوز السلم فيما هو معدود من أيدى الناس إذا كان مأمون الوجود عند حلول الأجل فى الغالب، فإن كان ينقطع حينئذ لم يجز. واحتج الكوفيون بأن النبى نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وعن بيع ما لم يخلق، وقالوا: من مات فقد حل دينه وإن لم يوجد كان غررًا. قال ابن القصار: وهذا فاسد؛ فإنه قد يحل الأجل ويتعذر السلم؛ بأن يموت المسلم إليه أو يفلس، ولو وجب أن يمنع السلم لجواز ما ذكروه، لوجب ألا يجوز بيع شىء نسيئةً؛ لأنه قد يطرأ على المشترى الموت والفلس قبل محل الأجل، فلا يصل صاحب الحق إلى ماله فيكون هذا غررًا، ولكنه جائز؛ لأن الناس يدخلون فى وقت العقد على رجاء السلامة، ولم يكلفوا مراعاة ما يجوز أن يحدث ويجوز ألا يحدث، ولو سلم فى شىء إلى شهر فإن وقت المطالبة بالتسليم فيه هو رأس الشهر بدليل أن الشىء لو كان موجودًا قبل الشهر لم تكن له المطالبة

стр. 2994

به، ولا للمسلم إليه أن يجبره على مراعاة وجوده قبل المحل وحين العقد؛ لأن جوده كعدمه، ولو كان المسلم فيه موجودًا طول السنة إلا يوم القبض فسلم فيه إلى سنة، كان هذا السلم باطلاً بإجماع، وإن كان موجودًا وقت العقد وطول السنة؛ لأنه حين المحل والقبض معدوم، فعلم بهذا أن الاعتبار بوجوده حين القبض لا حين العقد، والدليل على صحة هذا أنهم كانوا يسلفون فى زمن النبى ﵇ فى الثمر السنة والسنتين، ومعلوم أنه إذا أسلف فى الثمر سنة فإنه يتخلل الأجل زمان ينقطع فيه الثمر، وهو زمان الشتاء، ثم إن النبى ﵇ أقرهم على ذلك، ولم ينكر عليهم السلف فى سنة وأكثر، فثبت ما قلناه. وأما نهيه ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها فهو محمول عندنا على أن بيع الثمرة عينًا لا يجوز إلا بعد بدو صلاحها، وفى السلم ليس عند العقد ثمرة موجودة عند البائع تستحق اسم البيع حقيقة، وحديث النهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها مرتب على السلم، تقديره: أنه نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها إلا أن يكون سلمًا، بدليل حديث ابن عباس أنهم كانوا يسلفون فى الثمر السنتين والثلاث، وذلك بيع له قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يخلق، وإذا جاز السلم فى الثمر فقد جاز فى الرطب، والرطب لا يوجد فى سائر السنة كما يوجد التمر، فلا معنى لقولهم. وقال الخطابى: قوله: (حتى يوزن) معناه حتى يخرص، وسماه

стр. 2995

وزنًا، لأن الخارص يحرزها ويقدرها، فيحل ذلك محل الوزن لها، والمعنى فى النهى عن بيعها قبل الخرص شيئان: أحدهما: تحصين الأموال؛ وذلك أنها فى الغالب لا تأمن العاهة إلا بعد الإدراك، وهو أوان الخرص. والمعنى الآخر: أنه إذا باعها قبل بدو الصلاح على القطع سقط حقوق الفقراء؛ لأن الله أوجب إخراجها فى وقت الحصاد. ٤ - بَاب الْكَفِيلِ فِى السَّلَمِ / ٦ - فيه: عَائِشَةَ، اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِىٍّ بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ. ٥ - بَاب الرَّهْنِ فِى السَّلَمِ / ٧ - فيه: الأَعْمَشُ، تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِى السَّلَمِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِى الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، اشْتَرَى مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَارْتَهَنَ مِنْهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. اختلف العلماء فى هذا الباب، فقال مالك: لا بأس بالرهن والكفيل فى السلم، ولم يبلغنى أن أحدًا كرهه غير الحسن البصرى، ورخص فيه عطاء والشعبى، وبه قال أبو حنيفة والثورى وأبو يوسف ومحمد والشافعى. وكره الرهن والكفيل فى السلم على بن أبى طالب وسعيد بن جبير، وقال: ذلك الربح المضمون. وقال زفر: لا يجوز ذلك فى

стр. 2996

السلم، ولا سبيل له على الكفيل. وهو قول الأوزاعى وأحمد حنبل وأبى ثور. قال المهلب: وحجة من كرهه أنه إن أخذ الرهن فى رأس المال، فرأس المال غير الدين، إنما دينه ما سلم فيه، ورأس المال مستهلك فى الذمة غير مطلوب به، وإن أخذه بالمسلم فيه، فكأنه اقتضاه قبل أجله، وهو من باب سلف جر منفعة؛ لأنه ينتفع بما يستوثق به من الرهن والضامن، وحجة من أجازه إجماعهم على إجازة الرهن والكفيل والحوالة فى الدين المضمون من ثمن سلعة قبضت، فكذلك السلم، ووجه احتجاج النخعى بحديث عائشة: أنه استدل بأن الرهن لما جاز فى الثمن بالنسيئة المجمع عليها، جار فى المثمون وهو المسلم فيه وبيان ذلك أنه لما جاز أن يشترى الرجل طعامًا أو عرضًا بثمن إلى أجل، ويرهن فى الثمن رهنًا، كذلك يجوز إذا دفع عينًا سلمًا فى غوص طعام أو غيره إلى أجل أن يأخذ فى الشىء المسلم فيه رهنًا، ولا فرق بينهما. ٦ - بَاب السَّلَمِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَالأَسْوَدُ، وَالْحَسَنُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لاَ بَأْسَ بالسلم فِى الطَّعَامِ الْمَوْصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، مَا لَمْ يَكُ ذَلِكَ فِى زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ. / ٨ - فيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِى

стр. 2997

الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاَثَ، فَقَالَ: (أَسْلِفُوا فِى الثِّمَارِ فِى كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) . اختلف العلماء فى أجل السلم، فقال مالك والكوفيون وجمهور الفقهاء إنه لا يجوز السلم الحال، ولا بد فيه من أجل معلوم، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه لابد فيه من أجل وإن كانت أيامًا يسيرة، وقال ابن القاسم: معناه إذا كانت أيامًا تتغير فيها الأسواق. وقال الشافعى وأبو ثور: يجوز السلم بغير ذكر أجل أصلاً، وهذا خلاف الحديث؛ لأنه ﵇ قال: (من أسلم) ، فأتى بلفظ العموم، وأيضًا فإنه ﵇ أحل الأجل محل الكيل والوزن وقرنه بهما، فلما لم يجز العقد إذا عدمت صفة الكيل والوزن، فكذلك الأجل يجب اعتباره، كما لو قال: صل على صفة كذا. لم يجز العدول عن الصفة. واحتج الشافعى أن السلم بيع من البيوع، والبيوع تجوز بثمن معجل ومؤجل، فكذلك السلم، قيل: هذا ينتقض بجواز السلم فى المعدوم، وهو يجوز مؤجلاً ولا يجوز معجلاً، وإنما لم يجز ابن عمر السلم فى زرع لم يبد صلاحه؛ لأنه سلم فى عين، وحكم السلم ألا يكون فى عين معلومة، وإنما يكون فى صفة معلومة ثابتة فى الذمة، لا ينفسخ بموت أحد المتعاقدين فى السلم، ولا بجائحة تنزل، وهذا مذهب أهل الحجاز، إلا أن مالكًا أجاز السلم فى طعام بلد بعينه إذا كان الأغلب فيه أنه لا يخلف.

стр. 2998

ولم يختلف العلماء أنه لا يجوز أن يكون السلم فى قمح فدان بعينه؛ لأنه غرر لا يدرى هل يتم زرعه أم لا، ويجوز عند جميعهم أن يكون السلم فى زمن يكون فيه الزرع قد بدا صلاحه إذا لم يكن يعين زرعًا ما. فإن أسلم الرجل فى تمر حائط بعد طيبه أو زرع بعد ما أدرك، فذكر ابن حبيب عن ابن القاسم أنه كرهه، وإن فات لم يفسخ، وليس بالحرام البين، ولا يجوز عند سائر الفقهاء؛ لأنه كبيع عين اشترط فيه تأخير القبض، وهذا لا يجوز؛ لأن من شرط البيع تسليم البيع. قال ابن المنذر: قوله ﵇: (أسلموا فى الثمار) إجازة السلم فى الثمار كلها لعموم لفظه، وهو قول ابن عمر: لا بأس بالسلم فى الطعام بسعر معلوم. فإن العلماء اختلفوا فى رأس مال السلم، فقال مالك: ولو أسلم إليه عروضًا أو تبرًا أو فضة مكسرة جزافًا صح السلم، ولا يجوز أن يسلم إليه دنانير أو دراهم جزافًا، فرق بين التبر والدنانير والدراهم؛ لأن التبر بمنزلة الثوب والسلعة عنده. وقال أبو حنيفة: لا يسلم إليه تبرًا جزافًا، ولا شيئًا مما يكال أو يوزن جزافًا. هو أحد قولى الشافعى، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يسلم إليه الدنانير والدراهم وكل ما يكال أو يوزن جزافًا. وهو قول الشافعى الآخر. وحجة أبى حنيفة أنه لابد من معرفة رأس المال لأنه قد يعدم المسلم فيه حين المطالبة، فينفسخ العقد فيرجع بالثمن، وإذا لم يكن معلومًا لم يمكن المطالبة به، وهو كالقراض لا بد فيه معرفة رأس المال،

стр. 2999

والحجة لمالك أن مقتضى العقد أن تقع المطالبة بالمسلم فيه لا بالسلم، فلم يفتقر إلى الصفة، وهذا المعنى موجود فى بيع الأعيان؛ لأنه قد يستحق المبيع فتقع المطالبة برأس المال، ثم يجوز جزافًا كما يجوز معلومًا، وقد تجوز الإجازة بالجزاف، وقد تنهدم الدار فتقع المطالبة بالأجرة التى سلمها إليه المستأجر، ولم تفتقر الأجرة فيها إلى أن تكون موصوفة بل يكون جزافًا، كذلك رأس مال السلم، وإنما افتقر القراض أن تكون الدراهم موصوفة؛ لأن المطالبة تقع ببدل ما تسلمه، فهو بمنزلة المسلم فيه. ٧ - بَاب السَّلَمِ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ / ٩ - فيه ابن عمر: كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْجَزُورَ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ، فَنَهَى النَّبِىُّ، ﵇، عَنْهُ. فَسَّرَهُ نَافِعٌ، أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِى بَطْنِهَا. العلماء مجمعون على أنه لا يجوز هذا السلم؛ لأنه أجل مجهول، والنبى ﵇ إنما أجاز السلم إلى أجل معلوم. قال ابن المنذر: واختلفوا فيمن باع إلى الحصاد أو الجداد أو إلى العطاء أو عيد النصارى، فقالت طائفة: البيع جائز، وكذلك لو باع إلى رجوع الحاج، وأجاز ذلك كله أبو ثور، وقال مالك: من باع إلى الحصاد، أو إلى الجداد، أو إلى العطاء، فهو جائز؛ لأنه معروف. وبه قال أحمد. وكذلك إلى قدوم الغزاة، وروى عن ابن عمر أنه كان يشترى إلى العطاء، وعن القاسم بن محمد مثله، وقال الأوزاعى: إن باع إلى فصح النصارى أو

стр. 3000

صومهم، فذلك جائز، وإن باع إلى الأندر والعصير فهو مكروه؛ لتقارب ما بين أول الأندر وآخره. وقالت طائفة: لا يجوز السلم ولا البيع إلى العصير والحصاد والدراس. هذا قول ابن عباس، وبه قال أبو حنيفة والشافعى، واحتجوا بأن الله - تعالى - جعل المواقيت بالأهلة لقوله تعالى: (يسئلونك عن الأهلة (وفيها قول رابع: أن البيع إلى العطاء جائز والمال حال. هذا قول ابن أبى ليلى. ومن باع إلى أجل غير معلوم فالبيع إليه فاسد، استدلالاً بنهيه ﵇ عن بيع حبل الحبلة، وحجة مالك: أن المقصود بالحصاد وجداد النخل الأوقات، فهى أوقات معلومة عند أهل المعرفة بها سواء تقدمت أفعال الناس لها أو تأخرت.

стр. 3001

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣١ - كِتَاب الشُّفْعَةِ - بَاب الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلاَ شُفْعَةَ / ١ - فيه: جَابِر، قَضَى النَّبِىّ، ﵇، بِالشُّفْعَةِ فِى كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ. اتفق جماعة الفقهاء على القول بهذا الحديث، وأوجبوا الشفعة للشريك فى المشاع من الرباع، وكل ما تأخذه الحدود وتحتمله القسمة، وإنما اختلفوا فى غير الشريك. فذهب مالك والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه لا شفعة إلا فى المشاع بين الشركاء على ظاهر حديث جابر، وروى مثل ذلك عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وربيعة، وأبى الزناد. وقال أهل العراق بالشفعة للجار الملاصق غير الشريك، وأوجبها بعضهم إذا كانت الطرق واحدة. وفى هذا الحديث ما ينفى الشفعة للجار؛ لأن ضرب الحدود إذا نفى الشفعة كان الجار أبعد من ذلك. وفيه أيضًا ما ينفى الشفعة فى كل ما لا يحتمل قسمة ولا تضرب فيه الحدود، وذلك ينفى الشفعة فى العروض والحيوان، وهو قول شاذ يروى عن عطاء، والسنة المجتمع عليها بالمدينة ألا شفعة إلا فى الأرضين والرباع.

стр. 3002

قال ابن القصار: واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعى أن المسلم والذمى فى أخذ الشفعة من المسلم سواء، وحكى عن الشعبى أنه لا شفعة للذمى، لأنه صاغر، وهو قول الثورى وأحمد بن حنبل، وحجة من أجاز ذلك عموم قوله ﵇: (الشفعة فى كل ما لم يقسم) ، ولم يفرق بين مسلم وذمى، وأيضًا فإن ما يجب بالشركة لا يختلف فيه المسلم والذمى كالعتق، ألا ترى أنه لو أعتق شقصًا من عبد بينهما، قوم عليه كما يقوم على شريكه المسلم؟ والشفعة حق من حقوق الآدميين كسائر الحقوق التى هى له، مثل البيع والإجارة وغيرها، والشفعة حق يتعلق بالمال وضع لإزالة الضر كالرد بالعيب، فما وجب للمسلم فيه وجب للذمى مثله، وليس الصغار يدل على بطلان حقه؛ لأنه لا فرق بين المسلم والذمى فى الحقوق المتعلقة بالأموال، كخيار الشرط والأجل، وإمساك الرهن. - بَاب عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَقَالَ الْحَكَمُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلاَ شُفْعَةَ لَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِىُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ، وَهْوَ شَاهِدٌ لاَ يُغَيِّرُهَا، فَلاَ شُفْعَةَ لَهُ. / ٢ - فيه: أَبُو رَافِعٍ، مَوْلَى النَّبِىِّ، ﵇، أنه قَالَ لسعد: ابْتَعْ مِنِّى بَيْتَىَّ فِى دَارِكَ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا، فَقَالَ الْمِسْوَرُ: وَاللَّهِ

стр. 3003

لَتَبْتَاعَنَّهُمَا، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلاَفٍ مُنَجَّمَةً، أَوْ مُقَطَّعَةً، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْلاَ أَنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) ، مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلاَفٍ، وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ. قال المؤلف: عرض الشفعة على الشريك قبل البيع مندوب إليه كما فعل أبو رافع، ألا ترى أنه حط من ثمن البيتين كثيرًا رغبة فى العمل بالسنة؟ وفيه ما كانوا عليه من الحرص على موافقة السنن والعمل بها، والسماحة بأموالهم فى جنب ذلك، فإن عرض عليه الشفعة وأذن له الشريك فى بيع نصيبه، ثم رجع فطالبه بالشفعة، فقالت طائفة: لا شفعة له. هذا قول الحكم والثورى وأبى عبيد وطائفة من أهل الحديث، واحتجوا بحديث سفيان عن أبى الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله: (من كان له شريك فى ربعة، فليس له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن رضى أخذ، وإن كره ترك) قالوا: فدل هذا الحديث على أن تركه ترك تنقطع به شفعته، ومحال أن يقول له النبى: (إن شاء أخذ، وإن شاء ترك) ، فإذا ترك لا يكون لتركه معنى. وقالت طائفة: إن عرض عليه الأخذ بالشفعة قبل البيع فأبى أن يأخذ ثم باع، فأراد أن يأخذ بشفعته فذلك له. هذا قول مالك والكوفيين، ورواية عن أحمد، ويشبه مذهب الشافعى، واحتج أحمد فقال: لا تجب له الشفعة حتى يقع البيع، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك وقد احتج بمثله ابن أبى ليلى.

стр. 3004

واختلفوا فى المسألة التى ذكرها الشعبى فى هذا الباب، فقال مالك: إذا باع الشريك نصيبه من أجنبى وشريكه حاضر يعلم ببيعه، فله المطالبة بالشفعة متى شاء، ولا تنقطع شفعته إلا بمضى مدة يعلم أنه فى مثلها تارك. واختلف فى المدة، فذكر ابن [. .] أن الحد الذى تنقطع إليه الشفعة عند مالك مرور السنة، وقال ابن القاسم: وقفت مالكًا على مرور السنة فلم يرها كثيرًا، وذلك إذا علم الشفيع بشفعته، فإذا لم يعلم فهو على شفعته أبدًا، إن كان غائبًا فهو على شفعته وإن علم بها. وقال ابن الماجشون: لا ينقطع حق الشفعة إلا الطول، وقد سمعت مالكًا يقول: الخمس أعوام ليس بكثير. وقال أصبغ: السنتان والثلاث قليل لا ينقطع معه الشفعة. وقال أبو حنيفة: إذا وقع البيع فعلم الشفيع به، فأشهد مكانه أنه على شفعته، وألا بطلت شفعته. وبه قال الشافعى وقال: إلا أن يكون له عذر مانع من طلبها من حبس أو غيره، فهو على شفعته. واحتج الكوفيون فقالوا: إذا سكت عن المطالبة بالشفعة على الفور، كان ذلك رضى منه بتقرير النبى ﵇ ملك المشترى، قياسًا على خيار البكر أنه على الفور. والحجة لمالك فى أنه على شفعته إلا أن يطول زمانه فلأن الشفعة حق للشفيع، فهو واجب له حتى يعلم أنه

стр. 3005

قد تركها، وذلك بمنزلة الأمة إذا أعتقت تحت العبد، أن لها أن تختار نفسها أبدًا ما لم يعلم تركها للخيار، وذلك بأن تختار زوجها، أو يطأها بعد علمها بالعتق وهى طائعة، وكذلك المشترى للسلعة المعيبة، له ردها إلا إن يرضى بالعيب، أو يستخدم العبد أو الأمة، أو يستعمل ما اشتراه وبه عيب بعد أن يعلم به، فليس له الرد؛ لأن استعماله ذلك دليل على رضاه، وقبل أن يعلم رضاه بقوله أو دلالة الحال، فله الرد بالعيب، وكذلك الشفيع قبل أن يعلم ترك شفعته بالقول أو دلالة الحال، فله الأخذ بالشفعة. واستدل أهل العراق على وجوب الشفعة للجار بقوله ﵇: (الجار أحق بصقبه) غير أنهم جعلوا الشريك فى المنزل أحق بالشفعة من الجار، فإن سلم الشفعة الشريك فى الدار، فالجار الملاصق أحق بالشفعة من غيره، فإنت كان بينهما طريق نافذة فلا حق له فى الشفعة، هذا قول أبى حنيفة وأصحابه فتعلقوا بلفظة الجار فى قوله ﵇: (الجار أحق بصبقه) وقالوا: لا يراد بهذا الحديث الشريك؛ لأن الجار لا يقع إلا على غير الشريك، وزعموا أنه لا يوجد فى اللغة أن الشريك يسمى جارًا، فخالفوا نص الحديث، وتركوا أوله لتأويل تأولوه فى آخره، فأما خلافهم لنصه، فهو أن أبا رافع كان شريك سعد بالبيتين فى داره، ولذلك دعاه إلى الشراء بأقل مما أعطاه غيره ممن ليس شريك له وفيه: أن أبا رافع سمى شريكه جارًا حين صرف معنى قوله ﵇: (الجار أحق بصقبه) إلى شريكه، وهو روى الحديث وعلم معناه، ولو كان المراد بقوله: (الجار أحق بصقبه) الجار غير الشريك كما زعم أهل العراق ما سلم

стр. 3006

سعد لأبى رافع احتجاجه بالحديث ولا استدلاله به، ولقال له سعد: ليس معنى الحديث كما تأولته، وإنما الجار المراد به غير الشريك. فلما لم يرد عليه تأويله، ولا أنكره المسور، وهم الفصحاء أهل اللسان المرجوع إليهم؛ علم أن معنى الحديث ما تأوله أبو رافع، وأن الجار فيه يراد به الشريك، وأما بيع أبى رافع للبيتين من سعد بأقل مما أعطاه غيره، فإنما كان على وجه التطوع منه؛ لأنه لا خلاف بين العلماء أنه لا يجب على الشريك أن يعطى شريكه الشقص الذى يريد بيعه بأقل من ثمنه، وكل منا قارب بدنه بدن صاحبه قيل له: جار فى لسان العرب، ولذلك قالوا لامرأة الرجل: جارة؛ لما بينهما من الاختلاط بالزوجية، وقد جاء فى حديث دية الجنين: (أن حمل بن مالك قال: كنت بين جارتين لى) يريد امرأيته، ومنه قول الأعشى لامرأته: أجارتنا بينى فإنك طالقة فكذلك الشريك يسمى جارًا لما بينهما من الاختلاط بالشركة، وتأويل قوله ﵇: (الجار أحق بصقبه) عند أهل الحجاز على وجهين: أحدهما: أن يراد به الشريك، ويكون حقه الأخذ بالشفعة دون غيره، وهو أولى الوجهين لما تقدم من الدلائل. والوجه الثانى: يحتمل أن يراد به الجار غير الشريك، ويكون حقه غير الشفعة، فيكون جار الرحبة يريد الارتفاق بها، ويريد مثل ذلك غير الجار، فيكون الجار أحق بصقبه، فإن لم يكن هذا فيكون ذلك فيما يجب للجيران بعضهم على بعض من حق الجوار

стр. 3007

وما للأجنبيين من الكرامة والبر وسائر الحقوق الذى إذا اجتمع فيها الجار ومن ليس بجار، وجب إيثار الجار على من ليس بجار من طريق مكارم الأخلاق وحسن الجوار، لا من طريق الفرض اللازم، فقد أوصى الله - تعالى - بالجار فقال: (والجار ذى القربى والجار الجنب (وقال ﵇: (ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ذكره ابن المنذر عن الشافعى. وإذا احتمل هذا كله الحديث المجمل، ثم فسره حديث آخر بقوله: (فإذا وقعت الحدود فلا شفعة) كان المفسر أولى من المجمل. والصقب: القرب، يقال: قد أصقب فلان فلانًا، إذا قربه منه، فهو يصقبه، وقد تصاقبا: إذا تقاربا. ٣ - بَاب أَىُّ الْجِوَارِ أَقْرَبُ / ٣ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِى؟ قَالَ: (إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا) . لا حجة فى هذا الحديث لمن أوجب الشفعة بالجوار، لأن عائشة إنما سألت النبى عمن تبدأ به من جيرانها فى الهدية، فأخبرها أنه من قرب بابه أولى بها من غيره، فدل بهذا أنه أولى بجميع حقوق الجوار وكرم العشرة والبر ممن هو أبعد منه بابًا. قال ابن المنذر: وهذا الحديث يدل أن اسم الجار يقع على غير

стр. 3008

اللزيق، لأنه قد يكون له جارًا لزيقًا وبابه من سكة غير سكته، وله جار بينه وبين بابه قدر ذراعين وليس بلزيق له، وهو أدناهما بابًا، وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر هذا الحديث فقال: إن الجار اللزيق إذا ترك الشفعة، وطلبها الذى يليه وليس له حد إلى الدار ولا طريق، ألا شفعة له. وعوام العلماء يقولون: إذا أوصى الرجل لجيرانه بمال أُعطى اللزيق وغيره، إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء وقال: لا يعطى إلا اللزيق وحده. وكان الأوزاعى يقول: الجار أربعين دارًا من كل ناحية. وقاله ابن شهاب. وقال على ابن أبى طالب: من سمع النداء فهو جار. قال المهلب: وإنما أمر ﵇ بالهدية إلى من قرب بابه؛ لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحب أن يشاركه فيه، وأنه أسرع إجابة لجاره عند ما ينوبه من حاجة إليه فى أوقات الغفلة والغرة؛ فلذلك بدأ به على من بعد بابه، وإن كانت داره أقرب.

стр. 3009

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٢ - كِتَاب الإِجَارَات - بَاب اسْتِئْجَارُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِىُّ الأَمِينُ (وَالْخَازِنُ الأَمِينُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أَرَادَهُ / ١ - فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبىُّ، ﵇: (الْخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِى يُؤَدِّى مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ) . / ٢ - وَقَالَ أَيْضًا: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇، وَمَعِى رَجُلاَنِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَقُلْتُ: مَا عَلِمَتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، فَقَالَ: لَنْ - أَوْ لاَ - نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ. ذكر أهل التفسير أن شعيبًا كان غيورًا، فلما قالت له ابنته: يا أبت أستاجره إن خير من استأجرت القوى الأمين، قال لها: وما يدريك ما قوته وأمانته؟ قالت: أما قوته فما رأيت منه حين استقى، لم أر رجلاً أقوى فى السقاء منه، قال مجاهد: وقيل: إنه استقى بدلو لم يكن يرفعها إلا جملة من الناس، وقيل: إنه رفع عن البئر حجرًا لا يرفعه إلا فئام من الناس، وأما أمانته فإنه نظر

стр. 3010

إلى حين أقبلت إليه، فلما علم أنى امرأة صوب رأسه فلم يرفعه، ولم ينظر إلى حين بلغته رسالتك، وقيل: إنها مشت بين يديه تدله على الطريق فضربتها الريح، فنظر إلى عجيزتها فقال لها: امشى خلفى ودلينى على الطريق فسرى عنه وصدقها. فمعنى قولها: (استأجره) أى: لرعى غنمك والقيام عليها. (إن خير من استأجرت القوى) على حرز ماشيتك وإصلاحها، (الأمين) عليه، فلا تخاف منه فيها خيانة. قال المهلب: لما كان طلب العمالة دلالة على الحرص وجب أن يحترز من الحريص عليها، وقد أخبر ﵇ أنه لا يعان من طلب العمل على ما يطلبه، وإنما يعان عليه من طلب به، وإذا كان هذا فى علم الله معروفًا وعلى لسان نبيه ﵇، وجب ألا يستعمل من علم أنه لا يعان عليه ممن طلبه، ووجب على العاقل ألا يدخل فى ذلك إلا بضم السلطان له إليه إذا علم أنه سيطلع به، وإنما أدخل فى هذا الباب حديث (الخازن الأمين أحد المتصدقين) لأن من استؤجر على شىء فهو فيه أمين، وليس عليه فى شىء منه ضمان إن فسد أو تلف إلا أن يضيع تضييعًا معلومًا فعليه الضمان، وقال ملك: لا يضمن المستأجر

стр. 3011

ما يعاب عليه، والقول قوله فى ذلك مع يمينه، وروى أشهب عنه فيمن استأجر جفنة أنه لها ضامن، إلا أن يقيم بينة على الضياع. - بَاب رَعْىِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ / ٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَ رَعَى الْغَنَمَ) ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ قَالَ: (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) . معنى قوله ﵇: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم) - والله أعلم - أن ذلك توطئة وتقدمةً فى تعريفه سياسة العباد، واعتبارًا بأحوال رعاة الغنم، وما يجب على راعيها من اختيار الكلأ لها، وإيرادها أفضل مواردها، واختيار المسرح والمراح لها، وجبر كسيرها، والرفق بضعيفها، ومعرفة أعيانها وحسن تعهدها، فإذا وقف على هذه الأمور كانت مثالاً لرعاية العباد، وهذه حكمة بالغة. وأجمع العلماء أنه جائز أن يستأجر الراعى شهورًا معلومة بأجرة معلومة. قال مالك: وليس على الراعى ضمان، وهو مصدق فيما هلك أو سرق؛ لأنه أمين كالوكيل، وإلا أن يفرط أو يتعدى. ٣ - بَاب اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلاَمِ وَعَامَلَ النَّبِىُّ ﵇ يَهُودَ خَيْبَرَ / ٤ - فيه: عَائِشَةَ، اسْتَأْجَرَ النَّبِىُّ، ﵇، وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ

стр. 3012

بَنِى الدِّيلِ، ثُمَّ مِنْ بَنِى عَبْدِ بْنِ عَدِىٍّ هَادِيًا - الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ - قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِى آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلاَثٍ، فَارْتَحَلاَ وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ الدِّيلِىُّ، فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ. استئجار المشركين عند الضرورة وغيرها جائز حسن؛ لأن ذلك ذلة وصغار لهم، وإنما قال البخارى فى ترجمته: إذا لم يوجد أهل الإسلام، ومن أجل أن النبى ﵇ إنما عامل أهل خيبر على العمل فى أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم فى عمل الأرض، حتى قوى الإسلام واستغنى عنهم وأجلاهم عمر بن الخطاب، وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها. قال المهلب: وفيه من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا علم منهم وفاءً ومروءة، كما استأمن النبى ﵇ هذا الدليل المشرك، وهو من الكفار الأعداء المطالبين له، لكنه علم منه مروءة ووفاء ائتمنه من أجلهما على سره فى الخروج من مكة، وعلى الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث فى غار ثور. وقال ابن المنذر: فيه استئجار المسلم الكافر على هداية الطريق، وفيه استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما.

стр. 3013

وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق، ويقال: إنه من العرب، واسترق وهو غلام فاشتراه أبو بكر فأعتقه، ويقال: إنه من الأزد، وكان ممن يعذب بمكة فى الله، شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة، وهو الذى حكت عائشة عنه أنه كان إذا أخذته الحمى يقول: قد رأيت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه وقال مالك فى العتبية: كان اسم الدليل رقيط. وقال ابن إسحاق: اسمه عبد الله. ٤ - بَاب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ جَازَ وَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا الَّذِى اشْتَرَطَاهُ إِذَا جَاءَ الأَجَلُ / ٥ - فيه: عَائِشَةَ، اسْتَأْجَرَ النَّبِىّ، ﵇، وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِى الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلاَثٍ. قال ابن المنذر: وهذا الخبر دال على إباحة أن يستأجر الرجل الرجل على أن يدخل فى العمل بعد أيام معلومة، يصح عقد الاجارة قبل وقت العمل، وقياس هذا أن يجوز أن يستأجر منزلاً معلومًا سنة معلومة قبل مجىء السنة بأيام، وأجاز مالك وأصحابه استئجار الأجير على أن يعمل بعد يوم أو يومين أو ما قرب، وهذا إذا نقده الأجرة.

стр. 3014

واختلفوا إذا استأجره ليعمل له بعد شهر أو سنة ولم ينقده، فأجازه مالك وابن القاسم، وقال أشهب: لا يجوز، وهذا عندهم فى الأجير المعين والراحلة المعينة، وأما إذا كان كراء مضمونًا فيجوز فيه ضرب الأجل البعيد وتقديم رأس المال، ولا يجوز أن يتأخر رأس المال إلا اليومين والثلاثة؛ لأنه إذا تأخر كان من باب الدين بالدين، وتفسير الكراء المضمون أن يستأجره على حمولة بعينها على غير دابة معينة، والإيجارة المضمونة أن يستأجر على بناء بيت، ولا يشترط عليه عمل يده، ويصف له طوله وعرضه وجميع آلته، وعلى أن المؤنة فيه كله على العامل مضمونًا عليه حتى يتمه، فإن مات قبل تمامه كان ذلك فى ماله ولا يضره بُعد الأجل فيه، ووجه قول أشهب أنه لا يدرى أيعيش المستأجر أو الدابة، وهو من باب منع التصرف فى الراحلة والأجير. والخريت: الدليل الحاذق. من كتاب العين. ٥ - بَاب الأَجِيرِ فِى الْغَزْوِ / ٦ - وفيه: يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَعْمَالِى فِى نَفْسِى، فَكَانَ لِى أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَ صَاحِبِهِ، فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇. . . الحديث. استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل فى الغزو وغيره سواء.

стр. 3015

قال المهلب: وأما القتال فلا يستأجر عليه، لأن على كل مسلم أن يقاتل حتى تكون كلمة الله هى العليا. قال غيره: وإنما ذكر هذا الباب، لأن عمل الجهاد كله عمل بر، ومن أهل العلم من كره أن يؤاجر نفسه فى شىء من أعمال البر، لكنه لما كان الجهاد فرضًا على الكفاية ولم يتعين، جاز للرجل أن يؤاجر نفسه فى سبب منه أو مما يتعلق به، وقد تقدم فى كتاب الجهاد: هل يسهم للأجير أم لا؟ ٦ - بَاب مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَبَيَّنَ لَهُ الأَجَلَ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْعَمَلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ (، إِلَى قَوْلِهِ: (وَكِيلٌ ( . قال المهلب: ليس كما ترجم، لأن العمل عندهم معلوم من سقى وحرث ورعى واحتطاب، وما شاكل أعمال البادية ومهنة أهلها، فهذا متعارف وإن لم يبين له أشخاص الأعمال ولا مقاديرها، مثل أن يقول له: إنك تحرث كذا من السنة، وترعى كذا من السنة. فهذا إنما هو على المعهود من خدمة البادية، والذى عليه المدار فى هذا أنه قد عرفه بالمدة وسماها له، وإنما الذى لا يجوز عند الجميع أن تكون المدة مجهولة والعمل مجهول غير المعهود، لا يجوز حتى يعلم. قال المهلب: والنكاح على أعمال البدن لا يجوز عند أهل المدينة، لأنه غرر، وما وقع من النكاح على مثل هذا الصداق لا نأمر به اليوم، لظهور الغرر فى طول المدة، وهو خصوص لموسى عند أكثر العلماء، لأنه قد قال: إحدى ابنتى، ولم يعينها، وهذا لا يجوز إلا بالتعيين،
следующие страницы →