Полный текст (5 502 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
ما يعاب عليه، والقول قوله فى ذلك مع يمينه، وروى أشهب عنه فيمن استأجر جفنة أنه لها ضامن، إلا أن يقيم بينة على الضياع.
- بَاب رَعْىِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ
/ ٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَ رَعَى الْغَنَمَ) ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ قَالَ: (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) . معنى قوله ﵇: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم) - والله أعلم - أن ذلك توطئة وتقدمةً فى تعريفه سياسة العباد، واعتبارًا بأحوال رعاة الغنم، وما يجب على راعيها من اختيار الكلأ لها، وإيرادها أفضل مواردها، واختيار المسرح والمراح لها، وجبر كسيرها، والرفق بضعيفها، ومعرفة أعيانها وحسن تعهدها، فإذا وقف على هذه الأمور كانت مثالاً لرعاية العباد، وهذه حكمة بالغة. وأجمع العلماء أنه جائز أن يستأجر الراعى شهورًا معلومة بأجرة معلومة. قال مالك: وليس على الراعى ضمان، وهو مصدق فيما هلك أو سرق؛ لأنه أمين كالوكيل، وإلا أن يفرط أو يتعدى.
٣ - بَاب اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلاَمِ وَعَامَلَ النَّبِىُّ ﵇ يَهُودَ خَيْبَرَ
/ ٤ - فيه: عَائِشَةَ، اسْتَأْجَرَ النَّبِىُّ، ﵇، وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ
стр. 3012
بَنِى الدِّيلِ، ثُمَّ مِنْ بَنِى عَبْدِ بْنِ عَدِىٍّ هَادِيًا - الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ - قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِى آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلاَثٍ، فَارْتَحَلاَ وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ الدِّيلِىُّ، فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ. استئجار المشركين عند الضرورة وغيرها جائز حسن؛ لأن ذلك ذلة وصغار لهم، وإنما قال البخارى فى ترجمته: إذا لم يوجد أهل الإسلام، ومن أجل أن النبى ﵇ إنما عامل أهل خيبر على العمل فى أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم فى عمل الأرض، حتى قوى الإسلام واستغنى عنهم وأجلاهم عمر بن الخطاب، وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها. قال المهلب: وفيه من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا علم منهم وفاءً ومروءة، كما استأمن النبى ﵇ هذا الدليل المشرك، وهو من الكفار الأعداء المطالبين له، لكنه علم منه مروءة ووفاء ائتمنه من أجلهما على سره فى الخروج من مكة، وعلى الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث فى غار ثور. وقال ابن المنذر: فيه استئجار المسلم الكافر على هداية الطريق، وفيه استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما.
стр. 3013
وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق، ويقال: إنه من العرب، واسترق وهو غلام فاشتراه أبو بكر فأعتقه، ويقال: إنه من الأزد، وكان ممن يعذب بمكة فى الله، شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة، وهو الذى حكت عائشة عنه أنه كان إذا أخذته الحمى يقول: قد رأيت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه وقال مالك فى العتبية: كان اسم الدليل رقيط. وقال ابن إسحاق: اسمه عبد الله.
٤ - بَاب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ جَازَ وَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا الَّذِى اشْتَرَطَاهُ إِذَا جَاءَ الأَجَلُ
/ ٥ - فيه: عَائِشَةَ، اسْتَأْجَرَ النَّبِىّ، ﵇، وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِى الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلاَثٍ. قال ابن المنذر: وهذا الخبر دال على إباحة أن يستأجر الرجل الرجل على أن يدخل فى العمل بعد أيام معلومة، يصح عقد الاجارة قبل وقت العمل، وقياس هذا أن يجوز أن يستأجر منزلاً معلومًا سنة معلومة قبل مجىء السنة بأيام، وأجاز مالك وأصحابه استئجار الأجير على أن يعمل بعد يوم أو يومين أو ما قرب، وهذا إذا نقده الأجرة.
стр. 3014
واختلفوا إذا استأجره ليعمل له بعد شهر أو سنة ولم ينقده، فأجازه مالك وابن القاسم، وقال أشهب: لا يجوز، وهذا عندهم فى الأجير المعين والراحلة المعينة، وأما إذا كان كراء مضمونًا فيجوز فيه ضرب الأجل البعيد وتقديم رأس المال، ولا يجوز أن يتأخر رأس المال إلا اليومين والثلاثة؛ لأنه إذا تأخر كان من باب الدين بالدين، وتفسير الكراء المضمون أن يستأجره على حمولة بعينها على غير دابة معينة، والإيجارة المضمونة أن يستأجر على بناء بيت، ولا يشترط عليه عمل يده، ويصف له طوله وعرضه وجميع آلته، وعلى أن المؤنة فيه كله على العامل مضمونًا عليه حتى يتمه، فإن مات قبل تمامه كان ذلك فى ماله ولا يضره بُعد الأجل فيه، ووجه قول أشهب أنه لا يدرى أيعيش المستأجر أو الدابة، وهو من باب منع التصرف فى الراحلة والأجير. والخريت: الدليل الحاذق. من كتاب العين.
٥ - بَاب الأَجِيرِ فِى الْغَزْوِ
/ ٦ - وفيه: يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَعْمَالِى فِى نَفْسِى، فَكَانَ لِى أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَ صَاحِبِهِ، فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇. . . الحديث. استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل فى الغزو وغيره سواء.
стр. 3015
قال المهلب: وأما القتال فلا يستأجر عليه، لأن على كل مسلم أن يقاتل حتى تكون كلمة الله هى العليا. قال غيره: وإنما ذكر هذا الباب، لأن عمل الجهاد كله عمل بر، ومن أهل العلم من كره أن يؤاجر نفسه فى شىء من أعمال البر، لكنه لما كان الجهاد فرضًا على الكفاية ولم يتعين، جاز للرجل أن يؤاجر نفسه فى سبب منه أو مما يتعلق به، وقد تقدم فى كتاب الجهاد: هل يسهم للأجير أم لا؟
٦ - بَاب مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَبَيَّنَ لَهُ الأَجَلَ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْعَمَلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ (، إِلَى قَوْلِهِ: (وَكِيلٌ (
. قال المهلب: ليس كما ترجم، لأن العمل عندهم معلوم من سقى وحرث ورعى واحتطاب، وما شاكل أعمال البادية ومهنة أهلها، فهذا متعارف وإن لم يبين له أشخاص الأعمال ولا مقاديرها، مثل أن يقول له: إنك تحرث كذا من السنة، وترعى كذا من السنة. فهذا إنما هو على المعهود من خدمة البادية، والذى عليه المدار فى هذا أنه قد عرفه بالمدة وسماها له، وإنما الذى لا يجوز عند الجميع أن تكون المدة مجهولة والعمل مجهول غير المعهود، لا يجوز حتى يعلم. قال المهلب: والنكاح على أعمال البدن لا يجوز عند أهل المدينة، لأنه غرر، وما وقع من النكاح على مثل هذا الصداق لا نأمر به اليوم، لظهور الغرر فى طول المدة، وهو خصوص لموسى عند أكثر العلماء، لأنه قد قال: إحدى ابنتى، ولم يعينها، وهذا لا يجوز إلا بالتعيين،
стр. 3016
وأما مذاهب العلماء فى ذلك، فقال مالك: إذا تزوجها على أن يؤاجرها نفسه سنة أو أكثر يفسخ النكاح إن لم يكن دخل بها، وإن كان دخل بها ثبت النكاح بصداق المثل. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كان حرًا فلها مهر مثلها، وإن كان هبدًا فلها خدمة سنة. وقال الشافعى: النكاح جائز على خدمته إذا كان وقتها معلومًا. وقال بعض أصحاب مالك: إنما كره مالك النكاح على الخدمة، لأنه لم يبلغه أن أحدًا من السلف فعل ذلك، والنكاح موضوع على الاتباع والاقتداء. وقوله: (أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على (أى: ذلك واجب لك على فى تزويجى إحدى ابنتيك، فما قضيت من هذين الأجلين، فليس لك على مطالبة بأكثر منه، والله على ما أوجبه كل واحد منا على نفسه شهيد وحفيظ. وروى عن ابن عباس أن النبى ﵇ قال: (سألت جبريل: أى الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما) يعنى عشر سنين.
стр. 3017
٧ - بَاب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى أَنْ يُقِيمَ حَائِطًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ جَازَ
/ ٧ - ابْنُ عَبَّاسٍ، عَن أُبَىُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَانْطَلَقَا فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، قَالَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَاسْتَقَامَ) . قَالَ: (لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (. قال المهلب: إنما جاز الاستئجار عليه لقول موسى: لو شئت لتخذت عليه أجرًا. والأجر لا يتخذ إلا على عمل معلوم، وإنما كان يكون له الأجر لو عامله عليه قبل عمله، وأما بعد أن أقامه بغير إذن صاحبه فلا يجبر صاحبه على غرم شىء وقال ابن المنذر: فى قصة موسى والخضر جواز الإجارة على البناء. وفى قوله: (حملونا بغير قول) ، فيه جواز أخذ الأجرة من الركبان فى البحر.
٨ - بَاب الإِجَارَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ
/ ٨ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ) ، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلاً وَأَقَلَّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ ، قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِى أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) .
стр. 3018
وترجم له (باب الإجارة إلى صلاة العصر) ، وترجم له (باب الإجارة من العصر إلى الليل) . / ٩ - وذكر فيه حديث أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلاً يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِى شَرَطْتَ لَنَا، وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَفْعَلُوا، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلاً، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا، وَاسْتَأْجَرَ أَجِيرَيْنِ بَعْدَهُمْ، فَقَالَ: أَكْمِلوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَ هَذَا وَلَكُمَا الَّذِى شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الأَجْرِ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ صَلاَةِ الْعَصْرِ، قَالوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِى جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ: أَكْمِلوا بَقِيَّةَ يَومِكُم، مَا بَقِىَ مِنَ النَّهَارِ شَىْءٌ يَسِيرٌ فَأَبَوا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، [فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ] حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَاكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ) . قال ابن النذر: فى حديث ابن عمر ذكر الإجارة الصحيحة بالأجر المعلوم إلى الوقت المعلوم، ولولا أن ذلك جائز ما ضرب بها ﵇ المثل. وقال المهلب: إنما هذا مثل ضربه النبى للناس الذين خلقهم الله لعبادته، فشرع لهم دين موسى ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم به وينهاهم عنه، فعملوا على دين موسى إلى أن بعث الله عيسى، فأمرهم بأن يتبعوه على شريعته، فأبوا وتبرءوا مما جاء به عيسى، وعمل آخرون بما جاء به عيسى على أن يعملوا باقى الدهر بما يؤمرون
стр. 3019
به وينهون عنه، فعملوا حتى بعث الله محمداُ فدعاهم إلى العمل بما جاء به، فعصوا وأبوا وقطعوا العمل، فعمل المسلمون بما جاء به، ويعملون به إلى يوم القيامة، فلهم أجر من عمل الدهر كله، لأنهم أتموا الدهر بعبادة الله كإتمام النهار الذى كان استؤجر عليه كله أول طبقة. وقوله فى حديث ابن عمر: (من يعمل لى من غدوة إلى نصف النهر) قدر لهم مدة أعمال اليهود ولهم أجرهم عليه إلى أن نسخ الله شريعتهم بعيسى، وقال عند مبعث عيسى: من يعمل فى مدة هذا الشرع وله أجر قيراط؟ فعملت النصارى إلى أن نسخ الله دين عيسى بمحمد، ثم قال متفضلاً على المسلمين: من يعمل بقية النهار إلى الليل وله قيراطان فقال المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدهر بشريعة محمد، فهذا الحديث وجهه العمل بمدد الشرائع، والحديث الثانى وجهه العمل الدهر كله، فبقى أن من عمل من اليهود إلى أن نسخ دين موسى، ثم انتقل وآمن بعيسى وعمل بشريعته أن له أجره مرتين، كما كان للمسلمين أجرهم مرتين يعنى كأجر اليهود والنصارى قبلهم، لأنهم أعطوا قيراطين على أكثره، وإنما ذلك من أجل إيمان المسلمين بموسى وعيسى وإن كانوا لم يعملوا بشريعتهما، لأن التصديق عمل. فإن قيل: فما قول اليهود والنصارى: (نحن أكثر عملاً وأقل عطاء) وبين نصف النهار والعصر ثلاث ساعات، كما بين العصر إلى الليل ثلاث ساعات، وإنما كان يكون معنى الحديث
стр. 3020
ظاهرًا لو قال ذلك اليهود خاصة، لأنهم عملوا نصف النهار على قيراط وذلك ست ساعات، وعملت النصارى ثلاث ساعات على قيراط. قيل: يحتمل معان من التأويل: أحدها: أن يكون قوله: (نحن أكثر عملاً وأقل عطاء) من قول اليهود خاصة، لأنهم عملوا ست ساعات بقيراط، ويكون من قول النصارى: (نحن أقل عطاء) . وإن كانوا متقاربين مع المسلمين فى العمل، فيكون الحديث على العموم فى اليهود، وعلى الخصوص فى النصارى، وقد يأتى الكلام إخبار عن جملة والمراد بعضها، كقوله تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (وإنما يخرج من أحدهما من الملح لا من العذب، ومثله) فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما (والناسى كان يوشع وحده، يدل على ذلك قوله لموسى: إنى نسيت الحوت. وفيه تأويل آخر على العموم فيهما، على أن كل طائفة منهما أكثر عملاً وأقل عطاء، وذلك قوله: (فعملت النصارى إلى صلاة العصر) وليس فيه أنه إلى أول وقت العصر، فنحمله أنها عملت إلى آخر وقت صلاة العصر، قاله ابن القصار. وفيه وجه آخر: وذلك أن نصف النهار وقت زوال الشمس، والزوال فى آخر الساعة السادسة، والعصر فى أول العاشرة بعد مضى شىء يسير منها، فزادت المدة التى بين الظهر إلى العصر على المدة التى بين العصر إلى الليل بمقدار ما بين آخر الساعة التاسعة وأول
стр. 3021
العاشرة، وإن كان ذلك القدر لا يتبينه كثير من الناس، فهى زيادة معلومة بالعقل والله أعلم.
٩ - بَاب مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ الأَجِيرُ أَجْرَهُ فَعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ فَزَادَ أَوْ مَنْ عَمِلَ فِى مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ
/ ١٠ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْهَا إِلاَ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ إِنِّى اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِى لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِى بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ لى: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَدِّ إِلَىَّ أَجْرِى، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ بِى؟ فَقُلْتُ: لاَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ. . . .) الحديث. قال المهلب: تجره فى أجر أجيره على التفضل والتبرع والإحسان منه، وإنما كان عليه مقدار العمل خاصة، فلما أنماه له. وقبل ذلك الأجير، راعى الله له حق تفضله فعجل له المكافأة فى الدنيا بأن خلصه بذلك من هلكة الغار، والله تعالى يأجره على ذلك فى الآخرة. قال المؤلف: وأما من تجر فى مال غيره، فقالت طائفة: يطيب له الربح إذا رد رأس المال إلى صاحبه، وسواء كان غاصبًا للمال أو
стр. 3022
وديعة عنده متعديًا فيه. هذا قول عطاء وربيعة ومالك والليث والثورى والأوزاعى وأبى يوسف، واستحب مالك والثورى والأوزاعى تنزهه عنه، ويتصدق به. وقالت طائفة: يرد المال ويتصدق بالربح كله، ولا يطيب له منه شىء. هذا قول أبى حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن، وقالت طائفة: الربح لرب المال، وهو ضامن لما تعدى فيه. هذا قول ابن عمر وأبى قلابة، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال الشافعى: إن اشترى السلعة بالمال بعينه فالربح ورأس المال لرب المال، وإن اشتراها بمال بغير عينه مثل أن يستوجبها منه بثمن معروف المقدار غير معروف العين، ثم نقد المال المغصوب أو الوديعة بغير إذن ربها فالربح له، وهو ضامن لما استهلك من مال غيره. وأصح هذه الأقوال قول من رأى أن الربح للغاصب والمتعدى، والحجة له أن العين قد صار فى ذمته، وهو وغيره من ماله سواء، إذ لا غرض للناس فى أعيان الدنانير والدراهم، وإنما غرضهم فى تصرفهم فيها، ولو غصبها من رجل ثم أراد أن يدفع إليه غيرها مثلها وهى قائمة بيده، لكان له ذلك على أصل قول مالك، فإذا كان له أن يدفع إليه غيرها فربحها له، وحديث الباب حجة لذلك، ألا ترى أن الأجير حيث قال له من أجره: (كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرك، قال له: أتستهزئ بى؟) فدل هذا أن السنة كانت عندهم أن الربح للمتعدى العامل، وأنه لاحق فيه لرب رأس المال، وأخبر بذلك النبى فأقره ولم ينسخه، وقد روى عن عمر
стр. 3023
ابن الخطاب ما يدل على أن الربح له بالضمان، روى مالك فى الموطأ: (أن أبا موسى أسلف عبد الله وعبيد الله ابنى عمر من بيت المال، فاشتريا به متاعًا وحملاه إلى المدينة، فربحا فيه، فقال عمر: أديا المال وربحه. فقال عبيد الله: ما ينبغى لك هذا، لو هلك المال أو نقص ضمناه، فقال رجل: لو جعلته قراضًا يا أمير المؤمنين. قال: نعم، فأخذ منهما نصف الربح، فلم ينكر عمر قول ابنه: لو هلك المال أو نقص ضمناه، فلذلك طاب له ربحه، ولا أنكره أحد من الصحابة بحضرته، وقد تقدم فى كتاب البيوع فى حديث ابن عمر من زرع طعامًا مغصوبًا فى باب (إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضى) ومذاهب العلماء فى ذلك. والاغتباق والغبوق: شرب العشى، واسم الشراب: الغبوق، وقال صاحب الأفعال: غبقت الرجل، ولا يقال: أغبقته. وقوله: (ألمت بها سنة) يعنى: أتت عليها سنة شديدة أحوجتها.
- بَاب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ الأَجِيرِ أجره
/ ١١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِى ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ) . وروى ابن المنذر فى هذا الحديث: (ومن كنت خصمه خصمته) . وقال المهلب: هذا الحديث مصداقه فى كتاب الله، قال الله -
стр. 3024
تعالى: (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه (وقد وبخ الله من عاهده ثم نكث، ومن باع حرا فقد ألزمه الذلة والصغار، ومنعه التصرف فيما أباح الله له، وهذا ذنب عظيم ينازع الله به فى عباده، ومن ضع أجيرًا حقه فقد ظلمه حين استخدمه واستحل عرقه بغير أجر وخالف بصيرة الله فى عباده؛ لأنه استعملهم ووعدهم على عبادته جزيل الثواب وعظيم الأجر وهو خالقهم ورازقهم.
- بَاب مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِلحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ وَأُجْرَةِ الْحَمَّالِ
/ ١٢ - فيه: أَبُو مَسْعُود، قَالَ: كَانَ النَّبِىّ ﷺ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ فَنُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ: (مَا يراد إِلاَ نَفْسَهُ) قال المهلب: إنما هذا على الترغيب فى الصدقة، ورجاء أجرها عند الله، وقد أثنى الله - تعالى - على أهل هذه الصفة بقوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه (الآية. وقوله: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (. وفيه ما كان عليه سلف هذه الأمة من الحرص على اتباع أوامر النبى ﵇ والمبادرة إلى ما ندب إليه وحض عليه من الطاعة، وما كانوا عليه من التواضع والمهنة لأنفسهم فى الأعمال الشاقة عليهم؛
стр. 3025
لينالوا بذلك رضى ربهم، ولذلك وصفهم الله بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وكل هذا كان فى أول الإسلام قبل أن يفتح الله عليهم خزائن البلاد، وكان إذ حدَّث أبو مسعود هذا الحديث قد وسع الله عليهم لقوله: (وإن لبعضهم لمائة ألف) فأدرك الحالتين معًا، وقد ظن المحدث أن أبا مسعود أراد بذلك نفسه، وقد جاء هذا الحديث فى كتاب الزكاة وفيه: (وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف) .
- بَاب أَجْرِ السَّمْسَرَةِ
وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: بِعْ هَذَا الثَّوْبَ، فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا قَالَ: بِعْهُ بِكَذَا، وَكَذا، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهُوَ لَكَ، أَوْ قَالَ: بَيْنِى وَبَيْنَكَ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ النَّبىُّ ﵇: (الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ) / ١٣ - فيه: ابْن عَبَّاس، نَهَى النَّبِىّ ﷺ أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلاَ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا قَوْلُهُ: (لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟) ، قَالَ: لاَ يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. اختلف العلماء فى أجر السمسار، فأجازه غير من ذكرهم
стр. 3026
البخارى، منهم: مالك وأحمد ابن حنبل، وقال مالك: يجوز أن يستأجره على بيع سلع إذا ضرب لذلك أجلاً، قال: وكذلك إذا قال له: بع لى هذا الثوب ولك درهم، أنه جائز وإن لم يوقت له ثمنًا، وهو جعل، وكذلك إن جعل له فى كل مائة دينار شيئًا وهو جعل. وقال أحمد بن حنبل: لا بأس أن يعطيه من الألف شيئًا معلومًا. وذكر ابن المنذر عن حماد والثورى أنهما كرها أجر السمسار، وقال أبو حنيفة: إن دفع إليه ألف درهم يشترى له بها بزا بأجر عشرة دراهم، فهو فاسد، وذلك لو قال له: اشتر مائة ثوب، فهو فاسد، فإن اشترى فله أجر مثله، ولا يجاوز ما سمى له من الأجر. وقال أبو ثور: إذا جعل له فى كل ألف شيئًا معلومًا لم يجز، وإن جعل له فى كل ثوب شيئًا معلومًا لم يجز؛ لأن ذلك غير معلوم، فإن عمل على ذلك فله أجر مثله، فإن اكتراه شهرًا على أن يشترى له ويبيع فذلك جائز. وحجة من كرهه: أنه إجارة فى أمد غير محصور، والإجارة مفتقرة إلى أجل معلوم. وحجة من أجازه: أنه إذا سمى له ما على المائة، فقد عُرفت أجرة كل ثوب واستغنى عن الأجل فيه؛ لأنه عندهم من باب الجعل، وليس على المشترى إذا لم يطلب الشراء شىء من أجر
стр. 3027
السمسار عند من أجازه، وإنما عليه أجره إذا طلب الشراء أو طلب البيع. وقوله: (لا تكون له سمسارًا) يعنى: من أجل الضرر الداخل على التجار، لا من أجل أجرته، لأن السمسار أجير، وقد (أمر النبى ﵇ بإعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) من حديث زيد بن أسلم عن أبى صالح، عن أبى هريرة. وأما قول ابن عباس: (بع هذا الثوب فما زاد على كذا فهو لك) . وقول ابن سيرين: (بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك، أو بينى وبينك) . فإن أكثر العلماء لا يجيزون هذا البيع، وممن كرهه النخعى والحسن والثورى والكوفيون، وقال مالك والشافعى: لا يجوز، فإن باع فله أجر مثله. وأجازه أحمد وإسحاق، وقالا: هو من باب القراض، وقد لا يربح المقارض. وحجة الجماعة أنه قد يمكن ألا يبيعه بالثمن الذى سمى له؛ فيذهب عمله باطلاً، وهو من باب الغرر، وهى أجرة مجهولة أو جعل مجهول فلا يجوز، وأما حجة من أجازه فقول النبى ﵇: (المسلمون عند شروطهم) ولا حجة لهم فيه؛ لأنه قد أحكمت السنة أنه لا يجوز من شروط المسلمين شرط أحل حرامًا أو حرم حلالاً، وأما معنى قوله: (المسلمون عند شروطهم) يعنى: الجائزة بينهم.
стр. 3028
- بَاب هَلْ يُؤَاجِرُ المسلم نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِى أَرْضِ الْحَرْبِ
/ ١٤ - فيه: خَبَّاب، قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِى عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لاَ وَاللَّهِ لاَ أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلاَ، قَالَ: وَإِنِّى لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. . . . الحديث. قال المهلب: كره العلماء أن يؤاجر المسلم نفسه من مشرك فى دار الحرب أو دار الإسلام؛ لأن فى ذلك ذلة للمسلمين، إلا أن تدعوا إلى ذلك ضرورة، فلا يخدمه فيما يعود على المسلمين بضر، ولا فيما لا يحل مثل: عصر خمر، أو رعاية خنازير أو عمل سلاح أو شبه ذلك، وأما فى دار الإسلام فقد أغنى الله بالمسلمين وبخدمتهم عن الاضطرار إلى خدمة المشركين، وقد أمر الله عبادة المؤمنين بالترأس على المشركين، فقال تعالى: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون (فلا يصح لمسلم أن يهين نفسه بالخدمة لمشرك إلا عند الضرورة، فإن وقع ذلك فهو جائز؛ لأنه لما جاز لنا أن نأخذ أموالهم بالمعارضة منهم فى أثمان ما بيع منهم، كان كذلك المنافع الطارئة منا - والله أعلم - ألا ترى أن خبابًا عمل للعاص بن وائل وهو كافر، وجاز له ذلك، وقد تقدم تفسير القين فى كتاب البيوع فى باب: (القين) .
стр. 3029
- بَاب مَا يُعْطَى فِى الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﵇: (أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا، كِتَابُ اللَّهِ) . وَقَالَ الشَّعْبِىُّ: لاَ يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ إِلاَ أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَيَقْبَلْهُ. وَقَالَ الْحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ وَأَعْطَى الْحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً. وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسًا، وَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِى الْحُكْمِ، وَكَانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى الْخَرْصِ. / ١٥ - فيه: أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ، ﵇، فِى سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَىٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَىْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَىْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَىْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَىْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَىْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّى لاَرْقِى، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِى وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ. قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمِ الَّذِى صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِى رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِىَ النَّبِىَّ، ﵇، فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِى كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا
стр. 3030
يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ) ، ثُمَّ قَالَ: (قَدْ أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِى مَعَكُمْ سَهْمًا. . . .) ، الحديث. اختلف العلماء فى جواز الأجر على الرقى بكتاب الله وعلى تعليمه، فأجاز ذلك عطاء وأبو قلابة، وهو قول مالك والشافعى وأحمد وأبى ثور، وحجتهم حديث ابن عباس وحديث أبى سعيد. وكره تعليم القرآن بالأجر الزهرى، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز على تعليم القرآن أجر. قال الطحاوى: وتجوز الأجرة على الرقى وإن كان يدخل فى بعضه القرآن؛ لأنه ليس على الناس أن يرقى بعضهم بعضًا، وتعليم الناس بعضهم بعضًا القرآن واجب؛ لأن فى ذلك التبليغ عن الله إلا أن من علمه أجزأ عنه بقيتهم، وذلك كتعليم الصلاة لا يجوز أخذ الأجرة عليه، ولا يجوز على الأذان، واحتجوا بأحاديث ضعاف منها حديث ابن مسعود أن النبى ﵇ قال: (اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به) وبحديث حماد بن سلمة عن أبى جرهم، عن أبى هريرة، ومرة يرويه حماد عن أبى المهزم، عن أبى هريرة قال: قلت: (يا رسول الله، ما تقول فى المعلمين؟ قال: درهمهم حرام) . وبحديث المغيرة ابن زياد عن عبادة بن نسى، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت أنه قال: (علم رجل من أهل الصفة سورة من القرآن فأهدى إليه قوسًا، فقال له رسول الله: إن سرك أن يطوقك الله طوقًا من نار فاقبلها) .
стр. 3031
والمغيرة بن زياد ضعيف، وأبو جرهم غير معروف، وأبو المهزم مجمع على ضعفه، وحديث ابن مسعود ضعيف، ومحال أن تُعارض هذه الأحاديث إذا تساوت طرقها فى النقل والعدالة، وأما إذا كان بعضها ضعيفًا فالصحيح منها يسقط الضعيف. وأما قول الطحاوى: إن تعليم الناس القرآن بعضهم بعضًا فرض، فغلط؛ لأن تعلم القرآن ليس بفرض، فكيف تعليمه وإنما الفرض المتعين منه على كل أحد ما تقوم به الصلاة، وغير ذلك فضيلة ونافلة، وكذلك تعليم الناس بعضهم بعضا الصلاة ليس بفرض متعين عليهم، وإنما هو على الكفاية، ولا فرق بين الأجرة على الرقى وعلى تعليم القرآن؛ لأن ذلك كله منفعة. وقوله ﵇: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) هو عام يدخل فيه إباحة التعليم وغيره، فسقط قولهم. وقد أجاز مالك أجر المؤذن، وكره أجر الإمام، وأجاز الشافعى جميع ذلك بحديث ابن عباس وأبى سعيد. قال المهلب: ومما يدل على جواز أخذ الأجرة على ذلك، أن الذين أخذوا الغنم تحرجوا من قسمتها وأكلها حتى سألوا رسول الله عن ذلك، فأعلمهم النبى أنها حلال لهم أخذ الأجر عليه، وأكد تأنيسهم، وطيب نفوسهم بأن قال: (اضربوا لى معكم بسهم) .
стр. 3032
وأما أجر القسام فإن أكثر الفقهاء أجازوه، وأما ما روى عن مالك فيه من الكراهة، فإنما ذلك لأن القسام كانوا يرزقون من بيت المال، فإذا لم يكن ذلك فلا بأس باستئجارهم على القسمة عنده، والقسمة مثل عقد الوثائق، كل ذلك جائز عنده، وعقد الوثائق فرض على الكفاية بقوله: (وليكتب بينكم كاتب بالعدل (فلما لم يتعين الفرض جاز فيه أخذ الأجرة. وقال ابن المنذر وأبو حنيفة: يكره تعليم القرآن بالأجر، ويجوز أن يستأجر الرجل أن يكتب له نوحًا أو شعرًا أو غناء معلومًا بأجر معلوم. فيجيز الإجارة فيما هو معصية، ويبطلها فيما هو طاعة لله تعالى وقد دلت السنة على إجازته. قال المهلب: وفى حديث أبى سعيد من الفقه: وجوب التضيف على العادة المعروفة بين الناس فى القرى، وقوله: (قد استضفناكم فلم تضيفونا) دليل أنهم فاوضوهم فى منع معروفهم بأن منعوهم هؤلاء أيضًا معروفهم فى الرقية إلا بعوض، فهذا يدل على أن ترك الضيافة وأخذ الأجرة على الرقية ليس من مكارم الأخلاق. وقوله ﵇: (وما يدريك أنها رقية) يدل أن فى القرآن ما يخص الرقى وأن فيه ما لا يخصها، وإن كان القرآن كله مرجو البركة من أجل أنه كلام الله، لكن إذا كان فى الآية تعوذ بالله أو دعاء كان أخص بالرقية ما ليس فيه ذلك، وإنما أراد النبى ﵇ بقوله: (وما يدريك أنها رقية) أن يختبر علمه بذلك؛
стр. 3033
لأنه ربما خفى موضعها فى الحمد، وقوله: (وإياك نستعين (هو الموضع الذى فيه الرقية؛ لأن الاستعانة به تعالى على كشف الضر، وسؤال الفرج والتبرؤ إليه من الطاقة، والإقرار بالحاجة إليه وإلى عونه هو فى معنى الدعاء. قال المؤلف: ويحتمل أن يكون الراقى إنما رقى بالحمد لله لما علم أنها ثناء على الله، فاستفتح رقيته بالثناء رجاء الفرج، كما يرجى فى الاستفتاح به فى الدعاء الإجابة، ولذلك قال إبراهيم التيمى: إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء. قال صاحب الأفعال: أنشطت العقدة: حللتها، والتفل: البصاق، يقال: تفل تفلاً: بصق.
- بَاب ضَرِيبَةِ الْعَبْدِ وَتَعَاهُدِ ضَرَائِبِ الإِمَاءِ
/ ١٦ - فيه: أَنَس، قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ النَّبِىَّ، ﵇، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ، أَوْ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ، فَخَفَّفَ عَنْ غَلَّتِهِ أَوْ ضَرِيبَتِهِ. وترجم له: باب خراج الحجام. وذكر فيه: (أن النبى ﵇ احتجم وأعطى الحجام أجره) ولو علم كراهية لم يعطه، وقال أنس: (كان النبى ﵇ يحتجم، ولم يكن يظلم أحدًا أجره) .
стр. 3034
وترجم للأول باب: (من كلم موالى العبد أن يخففوا عنه من خراجه) . قال المهلب: فيه من الفقه: أنه لا بأس أن يضرب الإنسان على عبده خراجًا معلومًا فى الشهر، وأن يبلغ فى ذلك وسع العبيد وطاقتهم، ولا يثقل عليهم؛ لأن التخفيف لا يكون إلا عن ثقل. وفيه: الشفاعة للمديان فى الوضيعة، وللعبد فى الضريبة، وإن كان ليس بالدين الثابت لكنه مطالب به مستعمل فيه. وفيه: استعمال العبد بغير إذن سيده إذا كان معوضًا لذلك معروفًا به. وفيه: الحكم بالدليل؛ لأنه استدل على أنه مأذون له فى العمل لانتصابه له وعرض نفسه عليه. وأما مذاهب العلماء فى خراج الحجام وكسبه، فقال ابن القصار: يجوز للحجام أن يأكل من كسبه، وإن كان عبدًا جاز لسيده أن يأكله، وإن كنا لا نحبه؛ لأنها صنعة دنية، ولكنه غير محرم. وبهذا قال جماعة الفقهاء إلا أحمد وغيره من أصحاب الحديث فإنهم قالوا: هو محرم على الأحرار ومباح للعبيد، ولا يجوز للحر أن يحترف بالحجامة، وإن كان غلامه حجامًا لم ينفق على نفسه من كسبه، وإنما ينفقه على العبد وعلى بهائمه. والقصد بالحجام: الذى يحجم ليس الذى يزين الناس، واستدلوا لقولهم بحديث أبى رافع أن النبى ﵇ قال: (كسب الحجام خبيث) قالوا: والخبيث عبارة عن الحرام، بحديث ابن محيصة عن أبيه قال: (استأذنت النبى ﵇ فى
стр. 3035
إجارة الحجام فنهانى عنها، فما زلت أسأله حتى قال: اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك) . وحجة الجماعة حديث أنس وابن عباس: (أن النبى احتجم، وأعطى الحجام أجرة، قال ابن عباس: ولو علم كراهية لم يعطه) . قال الطحاوى: وفى إباحة النبى أن يطعمه رقيقه وناضحه دليل أنه ليس بحرام، ألا ترى أن المال الحرام الذى لا يحل للرجل أكله لا يحل له أن يطعمه رقيقه ولا ناضحه، فثبت بذلك نسخ ما تقدم من نهيه، وهو النظر عندنا؛ لأنا رأينا الرجل يستأجر الرجل يفصد له عرقًا، أو ينزع له ضرسًا فيجوز ذلك، فكذلك تجوز الحجامة. قال غيره: والدليل على ذلك قوله تعالى: (قو أنفسكم وأهليكم نارًا (قال أهل التفسير: جنبوهم ما يقود إلى النار وما يؤدى إلى سخطه، وذلك فرض على المخاطبين بهذه الآية. وقال ربيعة: إن الحجامين كان لهم سوق على عهد عمر بن الخطاب. وقال يحيى بن سعيد: لم يزل المسلمون مقرين بأجر الحجام، ولا ينكرونها. وأما قولهم: إنها صنعة دنية، فليست بأدنى من صنعة الكناس الذى ينقل الحش، وليست بحرام، وكذلك الحجام. وقولهم: إن اسم الخبيث عبارة عن الحرام، فليس كذلك، وقد يقع على الحلال، قال تعالى: (ولا يتمموا الخبيث منه تنفقون (وكانوا يتصدقون بالحشف وردىء التمر فنزلت هذه الآية فيه.
стр. 3036
- بَاب كَسْبِ الْبَغِىِّ وَالإِمَاءِ
وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ أَجْرَ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ (الآية. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (فَتَيَاتِكُمْ (إِمَاءَكُمْ. / ١٧ - فيه: أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِىِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. / ١٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ. ذكر أهل التفسير فى هذه الآية أنها كانت لعبد الله بن أبى حارثة أمة يكرهها على الزنا، فلما حرم الله الزنا قال لها: ألا تزنين؟ قالت: والله لا أزنى أبدًا، فنزلت هذه الآية، ليعرف أن إثمهن على من أكرهن، قال إسماعيل بن إسحاق: فدلت هذه الآية أن المكرهة على الزنا والمغتصبة توطأ، أنه لا حد عليها. قال غيره: وحرم الله كسب البغى بفرجها. وأجمع العلماء على إبطال النائحة والمغنية، وهو عندهم من أكل المال بالباطل. والبغى: الفاجرة، والاسم البغاء.
стр. 3037
- بَاب عَسْبِ الْفَحْلِ
/ ١٩ - فيه: ابْن عُمَرَ، نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ. اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث، فكرهت طائفة أن يستأجر الفحل لينز به مدة معلومة بأجر معلوم، ذكر ذلك عن أبى سعيد الخدرى والبراء بن عازب، وذهب الكوفيون والشافعى وأبو ثور إلى أنه لا يجوز عسب الفحل، واحتجوا بحديث ابن عمر، فقالوا: هو شىء مجهول لا ندرى أينتفع به أم لا؟ وقد لا ينزل الفحل. وقال عطاء لا يأخذ عليه أجرًا، ولا بأس أن يعطى الأجر إذا لم تجد من يطرقك. ورخص فيه الحسن وابن سيرين، وأجاز ذلك مالك مدة معلومة أو ضربات معلومة، واحتج الأبهرى بأنها بيع منفعة، وكما جاز للإنسان الانتفاع به جاز أن يبيعه ويعاوض عليه غير الوطء خاصة، وإنما الذى لا يجوز أخذ العوض عليه ما لا يجوز فعله، مما هو منهى عنه كبيع الخمر والخنزير، ومهر البغى، وحلوان الكاهن، وشبه ذلك من الأعيان المحرمة، والمنافع الممنوعة، ومعنى نهيه ﵇ عن عسب الفحل هو أن يكر به إلى العلوق؛ لأن ذلك مجهول لا يدرى متى يعلق، ولا يجوز إجارة المجهول، كما لا يجوز بيعه، فأما إذا كان إلى أجل معلوم أو نزوات معلومة فلا بأس بذلك. قال صاحب الأفعال: تقول العرب: عسب الرجل عسبًا: أكرى منه فحلاً ينز به، ويقال: العسب: ماء الفحل، قال أبو على: قال أبو ليلى: العسب: ماء الفحل فرسًا كان أو بعيرًا، ولا يتصرف منه فعل، يقال: قطع الله عسبه، أى ماءه ونسله.
стр. 3038
- بَاب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا
قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَيْسَ لأَهْلِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ. وَقَالَ الْحَكَمُ وَالْحَسَنُ وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: تُمْضَى الإِجَارَةُ إِلَى أَجَلِهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَعْطَى النَّبِىُّ، ﵇، خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﵇، وَأَبِى بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الإِجَارَةَ بَعْدَمَا قُبِضَ النَّبِىُّ ﷺ . / ٢٠ - فيه: ابْن عُمَرَ، أَعْطَى النَّبِىّ، ﵇، خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ الْمَزَارِعَ كَانَتْ تُكْرَى عَلَى شَىْءٍ سَمَّاهُ نَافِعٌ، ولاَ أَحْفَظَهَا. وَأَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ حَدَّثَ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ. اختلف العلماء فى هذا الباب، فقالت طائفة: لا تنفسخ الإجارة بموت أحدهما ولا بموتهما، بل يقوم الوارث منهما مقام الميت، هذا قول مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور ومن حجتهم ما ذكره البخارى فى هذا الباب، وقال الكوفيون والثورى والليث: تنتقض الإجارة بموت أيهما مات، واحتجوا لذلك فقالوا: لو قلنا: إن العقد لا ينفسخ، لم تحل للمكترى أن يستوفى المنافع من ملك المكرى، أو من ملك الوارث، فبطل أن يستوفيها من ملك المكرى؛ لأن المكرى إذا مات فلا ملك له، ولا يجوز أن يستوفيها من ملك الوارث؛ لأن الوارث لم يملكها، ولا عقد له معه، فلا يجوز أن يستوفى المنافع من ملكه فوجب أن ينفسخ العقد.
стр. 3039
قال ابن القصار: فيقال لهم: إن المكترى لا يستوفى المنافع من ملك واحد منهما. قلنا إنما يستوفيها من ملك نفسه؛ لأن المكرى كان يملك الرقبة وما يحدث لها من المنافع، فلما عقد على منافعها مدة ما زال ملكه عنها إلى المكترى فإذا مات قبل انقضاء المدة لم ينتقل إلى الوارث عنه ملك المنافع؛ لأنها ليست فى ملكه، وإنها انتقلت إليهم العين دون المنافع، فالمكترى إذا استوفى المنافع فإنه لا يستوفى شيئًا ملكه الوارث، بل يستوفى ملك نفسه، وأيضًا فإن مذهب أبى حنيفة أن الرجل إذا وقف دارًا أو ضيعة على غيره، وجعل إليه النظر فى ذلك، فأكرى الموقف على يديه ذلك عن غيره ثم مات، فالإجارة لا تنفسخ كما نقول نحن.
стр. 3040
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٣ - كِتَاب الْحِوَالَهَ والكَفَالَة
وَهَلْ يَرْجِعُ فِى الْحَوَالَةِ
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: إِذَا كَانَ يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ مَلِيًّا جَازَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ وَأَهْلُ الْمِيرَاثِ، فَيَأْخُذُ هَذَا عَيْنًا وَهَذَا دَيْنًا، فَإِنْ تَوِىَ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ. / ١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (مَطْلُ الْغَنِىِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِىٍّ فَلْيَتْبَعْ) . قال أبو عبد الله بن أبى صفرة: الحوالة لا تكون إلا بعد حلول أجل الدين؛ لقوله ﵇: (مطل الغنى ظلم) لأن المطل لا يكون إلا بعد حلول الأجل. وقوله: (إذا أتبع أحدكم على ملى فليتبع) معناه الحوالة، يقول: إذا أحيل أحدكم على ملى فليستحل. قال الخطابى: وأكثر المحدثين يقولون: إذا اتبع بتثقيل التاء، والصواب أتبع بالتخفيف. وقال ابن المنذر: هذا الخبر يدل على معان منها: أن من الظلم دفع الغنى صاحب المال عن ماله بالمواعيد، ومن لا يقدر على القضاء غير داخل فى هذا المعنى؛ لأن الله - تعالى - قد أنظره بقوله: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة (.
стр. 3041
وفيه ما دل على تحصين الأموال، وذلك أمره باتباع الملى دون المعسر؛ لأنه حض بقوله: (ومن أتبع على ملى فليتبع) فدل أن من أتبع على غير ملى فلا يتبع. قال غيره: وهذا معناه عند العلماء: إرشاد وندب وليس بواجب، ويجوز عندهم لصاحب الدين إذا رضى بذمة غريمه، وطابت نفسه على الصبر عليه ألا يستحيل عليه، وإذا علم غنى جاز له ألا يستحلى عليه إذا كان سيئ القضاء، وأوجب أهل الظاهر أن يستحيل على الملى فرضًا. والحوالة عند الفقهاء رخصة من بيع الدين بالدين؛ لأنها معروف، كما كانت العرية متثناة من المزابنة؛ لأنها معروف وكما جاز قرض الدراهم بالدراهم إلى أجل؛ لأن ذلك معروف. واختلف الفقهاء فى الرجل يحتال المال على ملى من الناس، ثم يفلس المحال عليه أو يموت، فقالت طائفة: يرجع على المحيل بماله. هذا قول شريح والشعبى والنخعى، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يرجع عليه إذا مات المحال عليه مفلسًا. وقال الحكم: لا يرجع مادام حيا حتى يموت ولا يترك شيئًا، فإن الرجل يوسر مرة ويعسر مرةً. وقالت طائفة: لا يرجع على المحيل بالمال أفلس المحال عليه أو مات، وسواء غره بالفلس أو طول عليه أو أنكره؛ لأنه فى معنى من قبض العوض، هذا قول الليث والشافعى وأحمد وأبى عبيد وأبى ثور، وقال مالك: لا يرجع على الذى أحاله إلا أن يغره من فلس علمه. واحتج الشافعى فقال: قول الرجل: أحلته وأبرأنى، أى: حولت حقه عنى وأثبته على غيرى، فلا
стр. 3042
يرجع فيه، ودل قوله ﵇: (من أتبع على ملى فليتبع) على تحول المال عن المحيل إلى المحال عليه، ولو لم يكن كذلك ما ضره لو أحيل على معدوم. والحجة لمالك أن الحوالة تحول من دين إلى دين، وبيع دين بدين، باع صاحب الحق دينه الذى له على زيد بالدين الذى لعمرو عليه فى ذمته، فليس له أن يرجع متى مات أو أفلس، لأن حقه قد وجب على المحال عليه، وفى ذمته دون ذمة المحيل، وكأنه باع سلعة له بسلعة، وهذا يوجب براءة كل واحد منهما من صاحبه، وذلك مخالف للمحالة، لأن الحمالة وثيقة من حقه، وليس بيع شئ، فأما إذا غره المحيل بفلس فإنه يرجع على من غره، لأن ذلك عيب لم يرض به صاحب الحق، كما يرجع المشترى على البائع بإرش العيب إذا دلس به، أو يرد السلعة إن كانت قائمة، ألا ترى قوله ﵇: (وإذا أتبع أحدكم على ملى فليتبع) فحكم أن الاتباع بشرط الملاء، فدل أنه إذا أحيل على غير ملى أنه لا يتبع، وإذا لم يتبعه وجبت له المطالبة بدينه، ويقال للكوفيين: إن الحوالة بيع دراهم فى ذمة المحيل بدراهم فى ذمة المحال عليه، وبيع الدراهم بالدراهم صرف، والصرف يبطل بترك القبض، فعلم أن الحوالة فى معنى القبض والاستيفاء، ولولا ذلك لم تصح الحوالة. فإن قالوا: إن إفلاس الغريم يجرى مجرى العيب، فيجب أن يكون له الرد بالعيب والرجوع، إلى الحق قيل: هو عيب حدث بعد البيع، فسقطت المطالبة به، والعيب الذى يجب به الرجوع إلى الحق هو العيب المتقدم قبل سقوط المطالبة، والفرق بين الحوالة والحمالة عند مالك، أن الحمالة والكفالة لفظان معناهما الضمان، وهما
стр. 3043
وثيقة لصاحب الدين بمنزلة الرهن هو وثيقة للمرتهن، وليس هو بانتقال من دين إلى دين، ولا من ذمة إلى ذمة، فمتى تلف الحميل رجع إلى المتحمل عنه، كما إذا تلف الرهن فللمرتهن أخذ حقه من الراهن.
- بَاب إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ إِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِىٍّ فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّه
/ ٢ - فيه: سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، إِذْ أُتِىَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: (هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟) ، قَالُوا: لاَ، قَالَ: (فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟) ، قَالُوا: لاَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِىَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: (هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟) ، قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟) ، قَالُوا: ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِىَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: (هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟) ، قَالُوا: لاَ، قَالَ: (فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟) ، قَالُوا: ثَلاَثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَىَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. وإنما ترجم إن أحال دين الميت على رجل، ثم أدخل حديث الضمان، لأن الحوالة والحمالة عند بعض العلماء معناهما متقارب وهو قول ابن أبى ليلى وإليه ذهب أبو ثور، فلهذا جاز
стр. 3044
أن يعبر عن الضمان بأحال، لأنه كله نقل ذمة رجل إلى ذمة آخر، ونقل ما على رجل من دين إلى آخر، والحمالة فى حديث أبى قتادة براءة لذمة الميت، فصار كالحوالة سواء. وقد اختلفوا فى الرجل يضمن دينًا معلومًا عن ميت بعد موته، ولم يترك وفاءً، فقالت طائفة: الضمان له لازم ترك الميت شيئًا أم لا. هذا قول ابن أبى ليلى، وبه قال مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة: لا ضمان على الكفيل؛ لأن الدين قد توى، فإن ترك شيئًا ضمن الكفيل بقدر ما ترك، فإن ترك وفاءً فهو ضامن لجميع ما تكفل به. قال ابن المنذر: فخالف أبو حنيفة هذا الحديث، وفى امتناع رسول الله أن يصلى عليه قبل ضمان أبى قتادة، وصلاته عليه بعد ضمان البيان البين عن صحة ضمان أبى قتادة، وأن من ضمن عن ميت دينًا فهو له لازم ترك الميت شيئًا أو لم يترك؛ لأنهم قالوا له: ما ترك وفاءً. وفى حديث أبى قتادة حجة على أبى حنيفة فى قوله أنه لا تصح الكفالة بغير قبول الطالب، وخالفه أبو يوسف وقال: الكفالة جائزة كان له مخاطب أو لم يكن. وقال ابن القاسم: لا حفظ عن مالك فيه شيئًا، وأراه لازمًا، وأجازه الشافعى إذا عرف مقدار ما تكفل به. وقال الطحاوى: قد أجاز النبى ﵇ ضمان أبى قتادة عن الميت من غير قبول المضمون له، فدل على صحة قول أبى يوسف.
стр. 3045
واختلفوا إذا تكفل عن رجل بمال، هل للطالب أن يأخذ من أيهما شاء منهما، فقال الثورى والكوفيون والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق: يأخذ أيهما شاء من المطلوب أو من الكفيل حتى يستوفى حقه. وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه وقال: لا يأخذ الكفيل إلا أن يفلس الغريم أو يغيب. وقالت طائفة: الكفالة والحوالة والضمان سواء، ولا يجوز أن يكون شىء واحد على اثنين، على كل واحد منهما. هذا قول أبى ثور، وقال ابن أبى ليلى: إذا ضمن الرحل عن صاحبه مالا تحول على الكفيل، وبرئ صاحب الأصل إلا أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ أيهما شاء، واحتج ببراءة الميت من الدين بضمان أبى قتادة، ولذلك صلى النبى عليه، وقال الأبهرى: وحجة مالك أن يأخذ الذى عليه الحق، فإن وفى بالدين وإلا أخذ ما نقصه من مال الحميل؛ فلأن الذى عليه الحق قد أخذ عوض ما يؤخذ منه، ولم يأخذ الحميل عوض ما يؤخذ منه، وإنما دخل على وجه المكرمة والثواب، فكان التبدئة بالذى عليه الحق أولى إلا أن يكون الذى عليه الحق غائبًا أو معدمًا، فإنه يؤخذ من الحميل؛ لأنه معذور فى أخذه فى هذه الحال. وهذا قول حسن، والقياس أن للرجل مطالبة أى الرجلين شاء، وحجة هذا القول ما رواه شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر (أن رجلاً مات وعليه دين، فلم يصل عليه النبى حتى قال أبو اليسر أو غيره: هو على، فصلى عليه، فجاءه من الغد يتقاضاه، فقال: إنما كان ذلك أمس، ثم أتاه من بعد الغد فأعطاه، فقال ﵇: الآن بردت عليه جلدته) . قال
стр. 3046
الطحاوى: فدل هذا على أن المطلوب لا يبرأ بكفالة الكفيل عنه، وأن للطالب أن يأخذ به بعد الكفالة أيهما شاء. قال الأبهرى: ولما كان الضامن يلزمه إذا ضمن كما يلزم المديان أداء ما عليه، كان صاحب الحق مخيرًا أن يأخذ ممن شاء منهما. وقال المهلب: ترك النبى الصلاة على المديان، إنما هو أدب للأحياء؛ لئلا يستأكلوا أموال الناس فتذهب، وهذا كان فى أول الإسلام قبل أن يفتح الله عليه المال، فلما فتح عليه الفىء جعل منه نصيبًا لقضاء دين المسلم، وهذه عقوبة فى أمور الدين أصلها المال، فلما جاز أن يعاقب فى طريق دينه على سبب المال، جاز أن يعاقب فى المال على سبب الدين، كما توعد النبى من لم يخرج إلى المسجد أن يحرق بيته، وسيأتى الحديث الذى نسخه فى آخر باب من تكفل عن ميت دينا، والتنبيه عليه - إن شاء الله.
٣ - بَاب الْكَفَالَةِ فِى الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا
وَبعث عُمَرَ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلاً حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ وَعَذَرَهُم بِالْجَهَالَةِ. وَقَالَ جَرِيرٌ وَالأَشْعَثُ لِعَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِى الْمُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ، فَلاَ شَىْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَكَمُ: يَضْمَنُ. / ٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىّ، ﵇، أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِى
стр. 3047
بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَقَالَ: فَأْتِنِى بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِى الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الَّذِى أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا الأَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَيه، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّى تَسَلَّفْتُ منه، وَسَأَلَنِى شَهِيدًا وَكَفِيلاَ، فَرَضِىَ بِكَ. . . وذكر الحديث. قال المهلب: الكفالة فى القرض الذى هو السلف بالأموال كلها جائزة، وحديث الخشبة أصل فى الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع، والكفالة بالأبدان والحدود غير صحيحة، ويستحق المدعى علته الحد حتى ينظر فى أمره، إلا أن جمهور الفقهاء قد أجازوا الكفالة بالنفس، وهذا قول مالك والليث والثورى والأوزاعى وأبو حنيفة وأحمد واختلف عن الشافعى، فمرة أجازها ومرة ضعفها.؟ وقالت طائفة: لا تجوز الكفالة بالنفس، ولم يختلف الذين أجازوها فى النفس أن المطلوب إن غاب أو مات لم يقم على الكفيل به حد، ولا لزمه قصاص، فصارت الكفالة بالنفس عندهم غير موجبة لحكم فى البدن. وشذ أبو يوسف ومحمد، فأجازا الكفالة فى الحدود والقصاص، وقالا: إذا قال المقذوف أو المدعى للقصاص: بينتى حاضرة، كفلته ثلاث أيام. واحتج لهما الطحاوى بما روى عن حمزة
стр. 3048
بن عمرو وابن مسعود وجرير بن عبد الله والأشعث أنهم حكموا بالكفالة بالنفس بمحضر الصحابة حتى كتب إلى عمر فى ذلك، ولا حجة فيه؛ لأن ذلك إنما كان على سبيل الترهيب على المطلوب والاستيثاق، لا أن ذلك لازم لمن تكفل إذا زال المتكفل به؛ لأنه يؤدى ما ضمن فى ذمته عمن تكفل عنه، وإنما تصح الكفالة فى الأموال؛ لأنه يؤدى ما ضمن فى ذمته عمن تكفل عنه، وأصل الكفالة فى المال قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (أى: كفيل وضامن. واختلف الفقهاء فى من تكفل بالنفس أو بالوجه، هل يلزمه ضمان المال، فقال الكوفيون: من تكفل بنفس رجل لم يلزمه الحق الذى على المطلوب. وهذا أحد قولى الشافعى، وقال مالك والليث والأوزاعى: إذا تكفل بنفسه وعليه مال، فإنه إن لم يأت به غرم المال، ويرجع به على المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال: لا أضمن المال؛ فلا شىء عليه من المال. قال: والحجة لمن أوجب غرم المال أن الكفيل قد علم أن المضمون وجهه لا يطلب بدم وإنما يطلب بمال، فإذا ضمنه له ولم يأت به، فكأنه قد فوت عليه وغره منه؛ فلذلك لزمه المال. واحتج الطحاوى للكوفيين فقال: أما ضمان المال بموت المكفول به، فلا معنى له إذا لم يشترط؛ لأنه إنما تكفل بالنفس وقد فاتت، ولا قيمة لها يرجع إليها بعد عدمه، وأيضًا فإنه تكفل بالنفس ولم يتكفل بالمال، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به. قال المهلب: وفى حديث الخشبة أن من صح منه التوكل على الله فإن الله ملى بنصره وعونه، قال الله - تعالى -: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه (فالذى نقر الخشبة توكل
стр. 3049
على الله ووثق به فى تبليغها وحفظها، والذى سلفه وطلب الكفيل صح منه أيضًا التوكيل على؛ لأنه قنع بالله كفيلاً وحميلاً، فوصل إليه ماله، وسيأتى حكم أخذ الرجل الخشبة حطبًا لأهله فى كتاب اللقطة - إن شاء الله تعالى.
٤ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) [النساء: ٣٣]
/ ٤ - فيه: ابْن عَبَّاس،) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ (، قَالَ: وَرَثَةً) وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ (، قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الأَنْصَارِىَّ دُونَ ذَوِى رَحِمِهِ، لِلأُخُوَّةِ الَّتِى آخَى بَيْنَهُمْ النَّبِىُّ ﷺ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ (نَسَخَتْ، ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ (، إِلاَ النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِى لَهُ. / ٥ - فيه: أَنَس، قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ عَوْفٍ، فَآخَى النَّبِىّ، ﵇، بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. / ٦ - وفيه: فقيل له: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، قَالَ: (لاَ حِلْفَ فِى الإِسْلاَمِ) ، قَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِى دَارِى. قال الطبرى: قد روى عن النبى ﵇ أنه قال: (لا حلف فى الإسلام، وما كان من حلف الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة) فإن قيل: يعارض قول أنس: (حالف
стр. 3050
رسول الله بين قريش والأنصار فى دارى بالمدينة) . قيل: كان هذا فى أول الإسلام، كان ﵇ آخى بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بذلك العقد، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه، وكانت الجاهلية تفعل ذلك فى جاهليتها، فنسخ الله ذلك بقوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله (ورد المواريث إلى القرابات بالأرحام والحرمة بقوله: (يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين (وأما الذى قال فيه ﵇: (ما كان من حلف فى الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة) ، فهو ما لم ينسخه الإسلام، ولم يبطله حكم القرآن، وهو التعاون على الحق والنصرة على الأخذ على يد الظالم الباغى، وهو معنى قول ابن عباس: إلا النصر والرفادة، أنها مستثناة مما ذكر نسخه من مواريث المعاقدين.
٥ - بَاب مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ
. / ٧ - فيه: سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّىَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: (هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟) ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: عَلَىَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. / ٨ - وفيه: جَابِر، قَالَ: قَالَ رسُول اللَّه ﷺ : (لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا) ، فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِىُّ، ﵇، فَلَمَّا
следующие страницы →