Полный текст (5 502 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
الطحاوى: فدل هذا على أن المطلوب لا يبرأ بكفالة الكفيل عنه، وأن للطالب أن يأخذ به بعد الكفالة أيهما شاء. قال الأبهرى: ولما كان الضامن يلزمه إذا ضمن كما يلزم المديان أداء ما عليه، كان صاحب الحق مخيرًا أن يأخذ ممن شاء منهما. وقال المهلب: ترك النبى الصلاة على المديان، إنما هو أدب للأحياء؛ لئلا يستأكلوا أموال الناس فتذهب، وهذا كان فى أول الإسلام قبل أن يفتح الله عليه المال، فلما فتح عليه الفىء جعل منه نصيبًا لقضاء دين المسلم، وهذه عقوبة فى أمور الدين أصلها المال، فلما جاز أن يعاقب فى طريق دينه على سبب المال، جاز أن يعاقب فى المال على سبب الدين، كما توعد النبى من لم يخرج إلى المسجد أن يحرق بيته، وسيأتى الحديث الذى نسخه فى آخر باب من تكفل عن ميت دينا، والتنبيه عليه - إن شاء الله.
٣ - بَاب الْكَفَالَةِ فِى الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا
وَبعث عُمَرَ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلاً حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ وَعَذَرَهُم بِالْجَهَالَةِ. وَقَالَ جَرِيرٌ وَالأَشْعَثُ لِعَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِى الْمُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ، فَلاَ شَىْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَكَمُ: يَضْمَنُ. / ٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىّ، ﵇، أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِى
стр. 3047
بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَقَالَ: فَأْتِنِى بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِى الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الَّذِى أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا الأَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَيه، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّى تَسَلَّفْتُ منه، وَسَأَلَنِى شَهِيدًا وَكَفِيلاَ، فَرَضِىَ بِكَ. . . وذكر الحديث. قال المهلب: الكفالة فى القرض الذى هو السلف بالأموال كلها جائزة، وحديث الخشبة أصل فى الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع، والكفالة بالأبدان والحدود غير صحيحة، ويستحق المدعى علته الحد حتى ينظر فى أمره، إلا أن جمهور الفقهاء قد أجازوا الكفالة بالنفس، وهذا قول مالك والليث والثورى والأوزاعى وأبو حنيفة وأحمد واختلف عن الشافعى، فمرة أجازها ومرة ضعفها.؟ وقالت طائفة: لا تجوز الكفالة بالنفس، ولم يختلف الذين أجازوها فى النفس أن المطلوب إن غاب أو مات لم يقم على الكفيل به حد، ولا لزمه قصاص، فصارت الكفالة بالنفس عندهم غير موجبة لحكم فى البدن. وشذ أبو يوسف ومحمد، فأجازا الكفالة فى الحدود والقصاص، وقالا: إذا قال المقذوف أو المدعى للقصاص: بينتى حاضرة، كفلته ثلاث أيام. واحتج لهما الطحاوى بما روى عن حمزة
стр. 3048
بن عمرو وابن مسعود وجرير بن عبد الله والأشعث أنهم حكموا بالكفالة بالنفس بمحضر الصحابة حتى كتب إلى عمر فى ذلك، ولا حجة فيه؛ لأن ذلك إنما كان على سبيل الترهيب على المطلوب والاستيثاق، لا أن ذلك لازم لمن تكفل إذا زال المتكفل به؛ لأنه يؤدى ما ضمن فى ذمته عمن تكفل عنه، وإنما تصح الكفالة فى الأموال؛ لأنه يؤدى ما ضمن فى ذمته عمن تكفل عنه، وأصل الكفالة فى المال قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (أى: كفيل وضامن. واختلف الفقهاء فى من تكفل بالنفس أو بالوجه، هل يلزمه ضمان المال، فقال الكوفيون: من تكفل بنفس رجل لم يلزمه الحق الذى على المطلوب. وهذا أحد قولى الشافعى، وقال مالك والليث والأوزاعى: إذا تكفل بنفسه وعليه مال، فإنه إن لم يأت به غرم المال، ويرجع به على المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال: لا أضمن المال؛ فلا شىء عليه من المال. قال: والحجة لمن أوجب غرم المال أن الكفيل قد علم أن المضمون وجهه لا يطلب بدم وإنما يطلب بمال، فإذا ضمنه له ولم يأت به، فكأنه قد فوت عليه وغره منه؛ فلذلك لزمه المال. واحتج الطحاوى للكوفيين فقال: أما ضمان المال بموت المكفول به، فلا معنى له إذا لم يشترط؛ لأنه إنما تكفل بالنفس وقد فاتت، ولا قيمة لها يرجع إليها بعد عدمه، وأيضًا فإنه تكفل بالنفس ولم يتكفل بالمال، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به. قال المهلب: وفى حديث الخشبة أن من صح منه التوكل على الله فإن الله ملى بنصره وعونه، قال الله - تعالى -: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه (فالذى نقر الخشبة توكل
стр. 3049
على الله ووثق به فى تبليغها وحفظها، والذى سلفه وطلب الكفيل صح منه أيضًا التوكيل على؛ لأنه قنع بالله كفيلاً وحميلاً، فوصل إليه ماله، وسيأتى حكم أخذ الرجل الخشبة حطبًا لأهله فى كتاب اللقطة - إن شاء الله تعالى.
٤ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) [النساء: ٣٣]
/ ٤ - فيه: ابْن عَبَّاس،) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ (، قَالَ: وَرَثَةً) وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ (، قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الأَنْصَارِىَّ دُونَ ذَوِى رَحِمِهِ، لِلأُخُوَّةِ الَّتِى آخَى بَيْنَهُمْ النَّبِىُّ ﷺ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ (نَسَخَتْ، ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ (، إِلاَ النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِى لَهُ. / ٥ - فيه: أَنَس، قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ عَوْفٍ، فَآخَى النَّبِىّ، ﵇، بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. / ٦ - وفيه: فقيل له: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، قَالَ: (لاَ حِلْفَ فِى الإِسْلاَمِ) ، قَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِى دَارِى. قال الطبرى: قد روى عن النبى ﵇ أنه قال: (لا حلف فى الإسلام، وما كان من حلف الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة) فإن قيل: يعارض قول أنس: (حالف
стр. 3050
رسول الله بين قريش والأنصار فى دارى بالمدينة) . قيل: كان هذا فى أول الإسلام، كان ﵇ آخى بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بذلك العقد، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه، وكانت الجاهلية تفعل ذلك فى جاهليتها، فنسخ الله ذلك بقوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله (ورد المواريث إلى القرابات بالأرحام والحرمة بقوله: (يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين (وأما الذى قال فيه ﵇: (ما كان من حلف فى الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة) ، فهو ما لم ينسخه الإسلام، ولم يبطله حكم القرآن، وهو التعاون على الحق والنصرة على الأخذ على يد الظالم الباغى، وهو معنى قول ابن عباس: إلا النصر والرفادة، أنها مستثناة مما ذكر نسخه من مواريث المعاقدين.
٥ - بَاب مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ
. / ٧ - فيه: سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّىَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: (هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟) ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: عَلَىَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. / ٨ - وفيه: جَابِر، قَالَ: قَالَ رسُول اللَّه ﷺ : (لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا) ، فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِىُّ، ﵇، فَلَمَّا
стр. 3051
جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ، فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِىِّ، ﵇، عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِىَّ، ﵇، قَالَ لِى كَذَا، فَحَثَى لِى حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِىَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيهَا. / ٩ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاء؟) ، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً، صَلَّى عليه، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ، قَالَ: (أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَىَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ) . اختلف العلماء فيمن تكفل عن ميت بدين، فقال ابن أبى ليلى وأبو يوسف ومحمد والشافعى: الكفالة جائزة عنه وإن لم يترك الميت شيئًا، ولا يرجع به فى مال الميت إن ثاب للميت مالك، وكذلك إن كان للميت مال وضمن عنه لم يرجع فى قولهم؛ لأنه متطوع. قال مالك: إذا تكفل عن ميت فله أن يرجع فى ماله، كذلك إن قال: إنما أديت لأرجع فى ماله. وإن لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له إن بان للميت مال. قال ابن القاسم: لأنه بمعنى الهبة. وشذ أبو حنيفة وخالف الحديث وقال: إذا لم يترك الميت شيئًا فلا تجوز الكفالة، وإن ترك شيئًا جازت الكفالة بقدر ما ترك. وقال الطحاوى: هذا خلاف لحديث النبى؛ لأنه ﵇ قد أجاز الضمان عن الميت الذى لم يترك شيئًا، واحتج من قال أنه لا رجوع له على الميت وإن كان للميت مال، أنه لو كان له رجوع لقام الكفيل مقام الطالب، فلم يكن النبى ﵇ ليصلى عليه
стр. 3052
حين ضمن دينه أبو قتادة، وحجة مالك أن أبا قتادة علم أنه لا وفاء للميت حين ضمن دينه، ولو علم أن له مالاً وتكفل بدينه على أن يرجع به فى ماله، لم يمنعه من ذلك كتاب ولا سنة، بل هو الذى بينه ﵇ بقوله: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) ، وكذلك اختلافهم إذا تكفل عن حى بغير أمره، فقال الكوفيون والشافعى: لا يرجع به عليه إذا أداه؛ لأنه متطوع. وروى ابن القاسم عن مالك أن له الرجوع بذلك على المطلوب. وحجة مالك أن كل من فعل عن غير فعلاً كان واجبًا على الغير أن يفعله، فإنه واجب عليه الخروج مما لزمنه عنه قياسًا على الإمام يستأجر على السفيه والممتنع من أداء الحق. وقال المهلب: وأما تحمل أبى بكر لعدات النبى ﵇ وديونه، فذلك لأن الوعد منه ﵇ يلزم فيه الإنجاز، لأنه من مكارم الأخلاق، وقد وصفه الله بأنه على خلق عظيم، وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد، وإنما صدق أبو بكر من ادعى أن له قبل النبى عدةً أو دينًا؛ لقوله ﵇: (ليس كذب على ككذب على غيرى، من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) فهو وعيد، ولا نظن بأن يقدم عليه من شهد الله لهم فى كتابه أنهم خير أمة أخرجت للناس. وحديث أبى هريرة فيه: تكفل النبى ﵇ بديون من مات من أمته معدمًا، وتحمل كل دينهم وضياع عيالهم، وقد جاء هذا الحديث بهذا اللفظ: (ومن ترك كلاً أو ضياعًا فعلى) قال: وهذا الحديث ناسخ لتركه ﵇ الصلاة على من مات وعليه دين.
стр. 3053
وقوله: (فعلى قضاؤه) يعنى مما يفىء الله عليه من المغانم والصدقات التى أمر الله بقسمها على الغارمين والفقراء، وجعل للذرية نصيبًا فى الفىء، وقضى منه دين المسلم، وهكذا يلزم السلطان أن يفعله لمن مات وعليه دين، فإن لم يفعله وقع القصاص منه فى الآخرة، ولم يحبس الغريم عن الجنة بدين له مثله فى بيت المال، إلا أن يكون الدين الذى عليه أكثر مما له فى بيت المال ولم تف بذلك حسناته، ومعلوم أن حق المسلم فى بيت المال وإن لم يتعين عنده مال من ماله، يعلمه الذى أحصى كل شىء عددًا، ومحال أن يحبس عن الجنة من له من الحسنات عند من ظلمه ولا يقدر على الانتصاف منه فى الدنيا مما يفى بدينه، والله أعلم.
٦ - بَاب جِوَارِ أَبِى بَكْرٍ فِى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ وَعَقْدِهِ
/ ١٠ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَىَّ قَطُّ إِلاَ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَ يَأْتِينَا فِيهِ النَّبِىّ، ﵇ طَرَفَىِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِىَ الْمُسْلِمُونَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِى قَوْمِى، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِى الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّى، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ، فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلاَدِكَ، فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِى بَكْرٍ، فَطَافَ
стр. 3054
فِى أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلاً يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِى الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْدَهرِّ، فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقَالُوا لابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِى دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلاَ يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلاَ يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِى بَكْرٍ، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِى دَارِهِ وَلاَ يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلاَةِ وَلاَ الْقِرَاءَةِ فِى غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبِى بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَبَرَزَ، فَكَانَ يُصَلِّى فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لاَ يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِى دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَأَعْلَنَ الصَّلاَةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا فَأْتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِى دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلاَ أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ، فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِى بَكْرٍ الاسْتِعْلاَنَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِى عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَىَّ ذِمَّتِى، فَإِنِّى لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّى أُخْفِرْتُ فِى رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّى أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ
стр. 3055
وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، [رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ) ، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ] ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ النَّبِىّ، ﵇: (عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّى أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِى) ، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى النَّبىِّ ﵇؛ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قال المهلب: هذا الجوار كان معروفًا بين العرب، وكان وجوه العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم، وقد أجار أبو طالب النبى ﵇ ولا يكون الجوار إلا من الظلم والعداء، ففى هذا من الفقه أنه إذا خشى المؤمن على نفسه من ظالم أنه مباح له وجائز أن يستجير بمن يمنعه ويحميه من الظلم، وإن كان مجيره كافرًا، إن أراد الأخذ بالرخصة، وإن أراد الأخذ بالشدة على نفسه فله ذلك كما رد أبو بكر الصديق على ابن الدغنة جواره، ورضى بجوار الله وجوار رسوله ﵇ وأبو بكر يومئذ من المستضعفين، فآثر الصبر على ما يناله من أذى المشركين محتسبا على الله وواثقا به، فوفى الله له ما وثق به فيه، ولم ينله مكروه حتى أذن الله لنبيه فى الهجرة، فخرج أبو بكر معه ونجاهم الله - تعالى - من كيد أعدائهما حتى بلغ مراده تعالى من إظهار النبوة وإعلاء الدين، وكان لأبى بكر فى ذلك من الفضل والسبق فى نصرة نبيه وبذل نفسه وماله فى ذلك ما لم يخف مكانه، ولا جهل موضعه. قال أبو على: (قط) تجزم إذا كانت بمعنى التقليل، وتضم وتثقل إذا كانت فى معنى الزمن والحين من الدهر، تقول: لم أر هذا قط،
стр. 3056
وليس عندى إلا هذا فقط، وأخفرت الرجل: نقضت عهده، وخفرته: منعته وحميته، وفى كتاب الأفعال: طفق بالشىء طفوقاُ إذا أدام فعله ليلاً ونهارًا، ومنه قوله تعالى: (فطفق مسحاُ بالسوق والأعناق (.
стр. 3057
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٤ - كِتَاب الْوَكَالَةِ
- َكَالَةُ الشَّرِيكِ فِى الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا
وَقَدْ أَشْرَكَ النَّبِىُّ، ﵇، عَلِيًّا فِى هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا. / ١ - فيه: عَلِىّ، أَمَرَنِى النَّبِىّ، ﵇، أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلاَلِ الْبُدْنِ الَّتِى نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا. / ٢ - وفيه: عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِىَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِىِّ، ﵇، فَقَالَ: (ضَحِّ بِهِ أَنْتَ) . وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل، وهو بمنزلة الأجنبى فى أن ذلك مباح منه، وحديث على بين فى الترجمة، فإن قيل: ليس فى حديث عقبة وكالة الشريك، قيل: عقبة إنما وكله النبى ﵇ على قسمة الضحايا وهو شريك للموهوب لهم، فتوكيله على ذلك كتوكيل شركائه الذين قسم بينهم الضحايا.
- بَاب إِذَا وَكَّلَ الْمُسْلِمُ حَرْبِيًّا فِى دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِى دَارِ الإِسْلاَمِ جَازَ
/ ٣ - فيه: عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا، بِأَنْ يَحْفَظَنِى فِى صَاغِيَتِى بِمَكَّةَ وَأَحْفَظَهُ فِى صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ،
стр. 3058
فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ، قَالَ: لاَ أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، كَاتِبْنِى بِاسْمِكَ الَّذِى كَانَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِ بَدْرٍ، خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لأُحْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ، فَأَبْصَرَهُ بِلاَلٌ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ: لاَ نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِى آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا، خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ لأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى تَتْبَعُونَا، وَكَانَ رَجُلاً ثَقِيلاً، فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ، فَبَرَكَ فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِى لأَمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِى حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِى بِسَيْفِهِ، وَكَانَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الأَثَرَ فِى ظَهْرِ قَدَمِهِ. قال ابن المنذر: إذا وكل المسلم الحربى المستأمن أو وكل الحربى المستأمن المسلم فهو جائز. قال المؤلف: ألا ترى أن عبد الرحمن بن عوف وكل أمية بن خلف بأهله وحاشيته بمكة أن يحفظهم؟ وأمية مشرك، والتزم عبد الرحمن لأمية من حفظ حاشيته بالمدينة مثل ذلك مجازاة لصنعه. قال المهلب: وترك عبد الرحمن بن عوف أن يكتب إليه عبد الرحمن لأن التسمية علامة، كما فعل ذلك النبى ﵇ يوم الحديبية حين قال له رسول أهل مكة: لا أعرف الرحمن فكتب باسمك اللهم. فلم يضره محو ذلك ﵇، ولا تشاح فيه إذا ما محى من الكتاب ليس بمحو من الصدور، وإذ التشاح فى مثل هذا ربما آل إلى فساد ما أحكموه من المقاضاة.
стр. 3059
وقوله: فألقيت عليه نفسى لأمنعه، فلم يمتنع بذلك أمية بن خلف من القتل، هو منسوخ بقوله ﵇: (يجير على المسلمين أدناهم) لأن حديث أم هانئ كان يوم فتح مكة. وفيه من الفقه: مجازاة المسلمُ الكافَر على البر يكون منه للمسلم والإحسان إليه، ومفارضته على جميل فعله، والسعى له فى تخليصه من القتل وشبهه. وفيه أيضًا: المجازاة على سوء الفعل بمثله، والانتقام من الظالم، وإنما سعى بلال فى قتل أمية بن خلف، واستصرخ الأنصار عليه وأغراهم به فى ندائه: أمية بن خلف، لا نجوتُ إن نجا أمية؛ لأنه كان عذب بلالاً بمكة على ترك الإسلام، وكان يخرجه إلى الرمضاء بمكة إذا حميت فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ويقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد، فيقول بلال: أحد أحد. قال عبد الرحمن بن عوف: فكنت بين أمية وابنه آخذًا بأيديهما، فلما رآه بلال صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوتُ إن نجا، فأحاطوا بنا وأنا أذب عنه، فضرب رجل ابنه بالسيف فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط، قلت: انج بنفسك - ولا نجاية - فو الله لا أغنى عنك شيئًا فهذوهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. ذكره ابن إسحاق وذكر فى حديث آخر عن عبد الله بن أبى بكر وغيره عن عبد الرحمن بن عوف قال:
стр. 3060
وكان أمية بن خلف لى صديقًا بمكة، وكان اسمى عبد عمرو فتسميت حين أسلمت عبد الرحمن ونحن بمكة، فكان يلقانى بمكة ويقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبوك؟ فأقول: نعم. فيقول: فإنى لا أعرف الرحمن، فاجعل بينى وبينك شيئًا أدعوك به، فسماه عبد الإله. فلما كان يوم بدر مررت به وهو واقف به مع ابنه على بن أمية، ومعى أدراع أسبيتها فأنا أحملها فلما رآنى قال: يا عبد عمرو، فلم أجبه. قال: يا عبد الإله، قلت: نعم. قال: هل لك فى فأنا خير لك من هذه الأدراع التى معك، قلت: نعم. قال: فطرحت الأدراع من يدى وأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، فرآهما بلال، فكان حديثه ما تقدم، فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالا، ذهبت أدراعى وفجعنى بأسيرى. وقول بلال: أمية بن خلف، معناه عليكم أمية ابن خلف، ونصبه على الإغراء، ويجوز فيه الرفع على أن يكون خبر ابتداء مضمر تقديره: هذا أمية بن خلف. وقال الأصمعى: صاغية الرجل: الذين يميلون إليه ويأتونه. قال المؤلف: وهو مأخوذ من صغى يصغو ويصغى صغوًا، إذا مال، ومنه قوله تعالى: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة (وكل مائل إلى شىء أو معه فقد صغى إليه، وأصغى من كتاب الأفعال.
стр. 3061
٣ - بَاب الْوَكَالَةِ فِى الصَّرْفِ وَالْمِيزَانِ وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ فِى الصَّرْفِ
. / ٤ - فيه: أَبُو سَعِيد، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ: (أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا) ؟ قَالَ: إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ، فَقَالَ: (لاَ تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا) ، وَقَالَ فِى الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. الترجمة صحيحة، وبيع الطعام بالطعام يدًا بيد مثل الصرف سواء، وهو شبيهه فى المعنى، فلذلك ترجم لهذا الحديث باب الوكالة فى الصرف، وإنما صحت الوكالة فى هذا الحديث لقوله ﵇ لعامل خيبر: (بع الجمع بالدراهم) بعد أن كان باع على غير السنة، فلو لم يجز بيع الوكيل والناظر فى المال لعرفه ﵇ بذلك، وأعلمه أن بيعه مردود وإن وقع على السنة، فلما لم ينه النبى ﵇ إلا عن الربا الذى واقعه فى بيعه الصاع بالصاعين، دل ذلك أنه إذا باع على السنة أن بيعه جائز. وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الوكالة فى الصرف جائزة، ولو وكل رجل رجلا يصرف له دراهم، ووكل آخر يصرف له دنانير، فالتقيا وتصارفا صرفًا جائزًا، أن ذلك جائز، وإن لم يحضر الموكلان أو أحدهما، وكذلك إذا وكل الرجل الرجلين يصرفان دراهم، فليس لأحدهما أن يصرف ذلك دون
стр. 3062
صاحبه، فإن قام أحدهما فى المجلس الذى تصارفا فيه قبل تمام الصرف انتقض الصرف؛ لقوله ﵇: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء) . وقال أصحاب الرأى: إن قام أحدهما قبل أن يقبضا انتقضت حصة الذى ذهب، وحصة الثانى جائزة. وقال ابن المنذر: لم يجعل الموكل إلى أحدهما شيئًا دون الآخر، ولهذا أصل فى كتاب الله - تعالى - قال الله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها (ولا يجوز لأحد من الحكمين أمر إلا مع صاحبه. وقوله: (وقال فى الميزان مثل ذلك) يعنى: أن الموزونات حكمها فى الربا حكم المكيلات، وهذا عند أهل الحجاز فى المطعومات التى يجرى فيها الكيل والوزن، والكوفيون يجعلون علة الربا الكيل والوزن فى المطعوم وغيره؛ لقوله فى الذهب والورق: (وزنًا بوزن) وقوله فى الطعام فى حديث عبادة: (مدى بمدى وكيل بكيل) .
٤ - بَاب إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِى أَوِ الْوَكِيلُ شَاةً تَمُوتُ أَوْ شَيْئًا يَفْسُدُ [ذَبَحَ] وَأَصْلَحَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ
/ ٥ - فيه: كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَتْ لَه غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ،
стр. 3063
فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ رَسُول اللَّه ﷺ ، أَوْ أُرْسِلَ مَنْ يَسْأَلُهُ، وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِىَّ، ﵇، عَنْ ذَاكَ، أَوْ أَرْسَلَ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. قَالَ عُبَيْدُاللَّهِ: فَيُعْجِبُنِى أَنَّهَا أَمَةٌ، وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ. قال المهلب: وفيه من الفقه تصديق الراعى والوكيل على ما أؤتمن عليه حتى يظهر عليه دليل الخيانة والكذب، وهذا قول مالك وجماعة، وقال ابن القاسم: إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم يضمن، ويصدق إن جاء بها مذبوحة. وقال غيره: يضمن حتى يتبين ما قال. واختلف ابن القاسم وأشهب إذا أنزى على إناث بغير أمر أربابها فهلك فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه؛ لأن الإنزاء من صلاح المال ونمائه. وقال أشهب: عليه الضمان. وقول ابن القاسم أشبه بدليل هذا الحديث؛ لأن الرسول لما أجاز ذبح الأمة الراعية للشاة، وأمرهم بأكلها، وقد كان يجوز ألا تموت لو بقيت؛ دل على أن الراعى والوكيل يجوز له الاجتهاد فيما استرعى عليه ووكل به، وأنه لا ضمان عليه فيما أتلف باجتهاده إذا كان من أهل الصلاح، وممن يعلم إشفاقه على المال والنية فى إصلاحه، وأما إن كان من أهل الفسوق والفساد وأراد صاحب المال أن يضمنه فعل؛ لأنه لا يصدق أنه رأى بالشاة موتا؛ لما عرف من فسقه، وإن صدقه لم يضمنه.
стр. 3064
٥ - بَاب وَكَالَةُ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ جَائِزَةٌ
وَكَتَبَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إِلَى قَهْرَمَانِهِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ، أَنْ يُزَكِّىَ عَنْ أَهْلِهِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. / ٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِىِّ، ﵇، سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: (أَعْطُوهُ) ، فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلاَ سِنًّا فَوْقَهَا، فَقَالَ: (أَعْطُوهُ) ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِى أَوْفَى اللَّهُ بِكَ، قَالَ ﵇: (إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) . هذا الحديث حجة على أبى حنيفة فى قوله: لا يجوز توكيل الحاضر بالبلد الصحيح البدن إلا برضى من خصمه أو عذر مرض أو سفر ثلاثة أيام، وهذا الحديث خلاف قوله؛ لأن النبى ﵇ أمر أصحابه أن يقضوا عنه السن التى كانت عليه وذلك توكيل منه لهم على ذلك. ولم يكن ﵇ غائبًا ولا مريضًا ولا مسافرًا، وعامة الفقهاء يجيزون توكيل الحاضر الصحيح البدن وإن لم يرض خصمه بذلك على ما دل عليه هذا الحديث، وهذا قول ابن أبى ليلى ومالك وأبى يوسف ومحمد والشافعى إلا أن مالكًا قال: يجوز ذلك وإن لم يرض خصمه إذا لم يكن الوكيل عدوا للخصم. وقال سائرهم: يجوز ذلك وإن كان الوكيل عدو للخصم. وقال الطحاوى: اتفق الصحابة على جواز ذلك، فروى أن على بن أبى طالب وكل عقيلا عند أبى بكر، فلما أسر عقيل وكل عبد الله ابن جعفر، فخاصم عبد الله بن جعفر طلحة فى صغيرة أحدثها على عند عثمان،
стр. 3065
وأقر عثمان بذلك، فصار ذلك إجماعا، وقال النبى لعبد الرحمن بن سهل الأنصارى لما خاصم إليه فى دم أخيه عبد الله ابن سهل، الذى وجد مقتولا بخيبر بمحضر من عميه حويصة ومحيصة: (كبر كبر - يريد ولى الكلام فى ذلك الكبير منهما - فتكلم حويصة ثم محيصة، وكان الوارث عبد الله ابن سهل دونهما، فكانا وكيلين) ، وأما إذا وكل وكيلا غائبًا على طلب حقه، فإن ذلك يفتقر إلى قبول الوكيل للوكالة عند الفقهاء، وإذا كانت الوكالة مفتقرة إلى قبول الوكيل فحكم الغائب والحاضر فيها سواء، فإن قيل: فأين القبول فى حديث أبى هريرة؟ قيل: عملهم بأمر النبى ﵇ من توفية صاحب الحق حقه، قبول منهم لأمره ﵇.
٦ - بَاب الْوَكَالَةِ فِى قَضَاءِ الدُّيُونِ
/ ٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ، ﵇، يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً) ، ثُمَّ قَالَ: (أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ) ، فَقَالُوا: لاَنجد إِلاَ أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: (أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً) . الوكالة فى قضاء الديون وجميع الحقوق جائزة. قال المهلب: وفيه من الفقه أن من آذى السلطان بجفاء أو استنقاص،
стр. 3066
أن حقا على أصحابه وجلسائه أن يعاقبوه على ذلك، وينكروا عليه الجفاء وإن لم يأمرهم السلطان بذلك، وليس لهم أن يتركوا مثل هذا حتى ينهاهم السلطان عنه، كما نهى النبى ﵇ الذين هموا بالذى أغلظ له. ويبين هذا قصة المغيرة بن شعبة مع الشاب الأنصارى الذى جفا على أبى بكر الصديق، فكسر المغيرة أنفه، فاستعدى عليه الأنصارى ليقيده أبو بكر بن المغيرة، فقال أبو بكر: والله لخروجهم من ديارهم أقرب إليهم من ذلك أقيده من ورعه أنفه وكذلك فعل المغيرة برسول أهل مكة يوم المقاضاة، إذ كان يكلم النبى ويشير بيده نحو لحيته، فضربه المغيرة بسيفه مغمدًا، فقال: أقبض يدك عن لحية رسول الله قبل ألا ترجع إليك، فلم ينكر ذلك النبى ﵇.
٧ - بَاب إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ؛ لِقَوْلِ الرسول ﷺ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ: (نَصِيبِى لَكُمْ
/ ٨ - فيه: مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَىَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، إِمَّا السَّبْىَ، وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ) ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ
стр. 3067
قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلاَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلاَءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّى قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِىءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ) ، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يا رَسُولِ اللَّهِ لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّا لاَ نَدْرِى مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِى ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) ، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. قال: إذا كان الوكيل أو الشفيع طلب لنفسه ولغيره فشفع فيما طلب كان حكمهم كحكمه فى الشىء الذى سأل لنفسه ولهم، وأما إن وهب لقوم وقبض لهم وكيلهم تلك الهبة جازت، ولم يدخل الوكيل فى الهبة , والوفد رسل هوازن هم الوكلاء والشفعاء فى رد أموالهم إلى جماعتهم، فشفعهم النبى وقال لهم: (ونصيبى لكم) يعنى: من المال ومن العيال، ثم أخذ أنصباء الناس من العيال خاصة، وأبقى لهم المال لحاجتهم إليه. قال أبو عبد الله: فيه من الفقه أن بيع المكره فى الحق جائز، لأن النبى ﵇ حكم برد السبى، ثم قال: (من أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفئ الله علينا) ، ولم يجعل
стр. 3068
لهم الخيار فى إمساك السبى أصلا، وإنما خيرهم فى أن يعوضهم من مغانم أخر، ولم يخيرهم فى أعيان السبى، لأنه قال لهم هذا بعد أن رد إليهم أهليهم، وإنما خيرهم فى إحدى الطائفتين لئلا يجحف بالمسلمين فى مغانمهم فيخليهم منه كله، ويخيبهم مما غنموه وتعبوا فيه. قال المهلب: وفى رفع النبى ﵇ إملاك الناس عن الرقيق، ولم يجعل إلى تملك أعيانهم سبيلا دليل على أن للإمام أن يستعين على مصالح المسلمين بأخذ بعض ما فى أيدى الناس ما لم يجحف بهم، ويعد من لم تطب نفسه مما يأخذ منه بالعوض، ألا ترى قوله: (من أحب أن يطيب بذلك) ، فأراد ﵇ أن يطيب نفوس المسلمين لأهل هوازن بما أخذ منهم من العيال، ليرفع الشحناء والعداوة، ولا تبقى إحنة الغلبة لهم فى انتزاع السبى منهم فى قلوبهم، فيولد ذلك اختلاف الكلمة. وفيه أنه يجوز للإمام إذا جاءه أهل الحرب مسلمين بعد أن غنم أهليهم وأموالهم أن يرد إليهم عيالهم إذا رأى ذلك صوابًا كما فعل النبى ﵇ لأن العيال ألذق بنفوس الرجال من المال، والعار عليهم فيهم أشد. وقوله ﵇: (إنا لا ندرى من أذن منكم فى ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم) إنما هذا تقص من النبى فى استطابة نفوس الناس رجلا رجلا، وليعرف الحاضر منهم الغائب.
стр. 3069
٨ - بَاب إِذَا وَكَّلَ رَجُلاً أَنْ يُعْطِىَ شَيْئًا وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِى فَأَعْطَى عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ
/ ٩ - فيه: جَابِر، كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، فِى سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَقَالٍ، إِنَّمَا هُوَ فِى آخِرِ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِى النَّبِىُّ ﷺ ، فَقَالَ: (مَنْ هَذَا؟) فَقُلْتُ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: (مَا لَكَ؟) قُلْتُ: إِنِّى عَلَى جَمَلٍ ثَقَالٍ، قَالَ: (أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (أَعْطِنِيهِ) ، فَأَعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَهُ فَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْقَوْمِ، قَالَ: (بِعْنِيهِ) ، فَقُلْتُ: بَلْ، هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (بَلْ بِعْنِيهِ، قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ) ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قَالَ: (أَيْنَ تُرِيدُ؟) قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً. . . . . . . الحديث. فَلَمَّا قَدِمْت الْمَدِينَةَ قَالَ: (يَا بِلاَلُ، اقْضِهِ وَزِدْهُ) ، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَزَادَهُ قِيرَاطًا، قَالَ جَابِرٌ: لاَ تُفَارِقُنِى زِيَادَةُ النَّبِىّ، ﵇، فَلَمْ يُفَارِقُ الْقِيرَاطُ جِرَابَ جَابِرِ. المأمور بالصدقة إذا أعطى ما يتعارف الناس ويصلح للمعطى، ولا يخرج عن حال المعطى جاز ونفذ، فإن أعطى أكثر مما يتعارف الناس، تعلق ذلك برضا صاحب المال، فإن أجاز ذلك جاز، وإلا رجع عليه بمقدار ذلك، والدليل على ذلك أنه لو أمره أن يعطيه قفيزًا فأعطاه قفيزين ضمن الزيادة بإجماع، فدل أن المتعارف يقوم مقام الشىء المعين. قال المهلب: وهذا الحديث يبين أن من روى الاشتراط فى حديث جابر أن معناه: أن النبى ﵇ شرط له ذلك شرط تفضل،
стр. 3070
لأن القصة كلها جرت من النبى ﵇ على جهة التفضل والرفق بجابر، لأنه وهبه الجمل بعد أن أعطاه ثمنه وزاده. وجابر أيضًا قال للنبى حين سأله بيعه: (هو لك يا رسول الله) يعنى: بلا ثمن، وسيأتى إيضاح هذا المعنى ومذاهب العلماء فى ذلك فى كتاب الشروط بعد هذا إن شاء الله. وفيه بركة النبى ﵇. قال ثعلب: يقال بعير ثقال بفتح الثاء، أى: بطئ، والثقال بكسر الثاء: جلد أو كساء يوضع تحت الرحى يقع عليه الدقيق.
٩ - بَاب وَكَالَةِ الْمَرْأَةِ الإِمَامَ فِى النِّكَاحِ
/ ١٠ - فيه: سَهْل، جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِى، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا، قَالَ: (قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) . وجه استنباط الوكالة من هذا الحديث: هو أن الرسول لما قالت له المرأة: (قد وهبت نفسى لك) كان ذلك كالوكالة له على تزويجها من نفسه، أو ممن رأى النبى تزويجها منه، فكان كل ولى للمرأة بهذه المنزلة أنه لا ينكحها حتى تأذن له فى ذلك، إلا الأب فى
стр. 3071
البكر، والسيد فى الأمة فإذا أذنت له وافتقر الولى إلى إباحتها ورضاها، كانت إباحتها ورضاها وكالة، وليست هذه الوكالة من جنس سائر الوكالات التى لا يفعل الوكيل شيئًا إلا والموكل يفعل مثله، من أجل أن الرسول قد خص النكاح أنه لا يتم إلا بهذه الوكالة بقوله: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل) . وجمهور العلماء على أنه لا تلى المرأة عقد نكاح بحال: لا نكاح نفسها، ولا امرأة غيرها، هذا قول ابن أبى ليلى ومالك والثورى والليث والشافعى، قال مالك: ويفسخ النكاح وإن ولدت منه. وقال الأوزاعى: إذا زوجت نفسها فحسن ألا يعرض لها الولى إلا أن تكون عربية تزوجت مولى فيفسخ. وقال أبو حنيفة وزفر: يجوز عقد المرأة على نفسها، وأن تزوج نفسها كفئًا. واختلفوا إذا لم يكن لها ولى فجعلت عقد نكاحها إلى رجل ليس بولى، ولم يرفع أمرها إلى السلطان، فروى المصريون عن مالك أن للسلطان أن ينظر فيه، فيجيزة أو يرده كما كان ذلك للولى، وقد روى عن مالك فيمن تزوجت بغير ولاية من يجوز له ولايتها، ودخل بها، والزوج كفء فلا يفسخ، وقال سحنون: قال غير ابن القاسم: لا يجوز وإن أجازه السلطان والولى، لأنه نكاح عقد بغير ولى. وهو قول ابن الماجشون، وحجتهم قوله ﵇: (أيما امرأة نكحت بغير ولى، فنكاحها باطل) .
стр. 3072
- بَاب إِذَا وَكَّلَ رجل رَجُلاً فَتَرَكَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَأَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ
/ ١١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِى النَّبِىّ، ﵇، بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِى آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: [وَاللَّهِ] لأرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنِّى مُحْتَاجٌ ولىَّ عِيَالٌ، وَبِى حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، أَصْبَح، النَّبىُّ فقال: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ) ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: (أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ) ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لاَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: دَعْنِى فَإِنِّى مُحْتَاجٌ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ لاَ أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِى النَّبىِّ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: (أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ) ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لاَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ تزعم أَنَّكَ لاَ تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِى أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هِىَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِىِّ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِى النَّبىِّ ﵇: (مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ) ؟ قُلْتُ: زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِى كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِى اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَىْءٍ
стр. 3073
عَلَى الْخَيْرِ، وحكيت له القول، فَقَالَ النَّبىُّ ﷺ : (أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ (ذَاكَ شَيْطَانٌ) . قال المهلب: قوله: فترك الوكيل شيئًا، يريد أن أبا هريرة ترك الذى حثا الطعام حين شكا إليه الحاجة، فأخبر النبى ﵇ بذلك، فأجاز فعله ولم يرده. قال غيره: ففهم من ذلك الحديث أن من وكل على حفظ شئ، أو أؤتمن على مال فأعطى منه شيئًا لأحد أنه لا يجوز، وإن كان بالمعروف، لأنه إنما جاز فعل أبى هريرة لأجازة النبى ﵇ له، لأنه ﵇ لم يوكل أبا هريرة على عطاء، ولا أباح له إمضاء ما انتهب منه، وإنما وكله بحفظه خاصة. والدليل على صحة هذا التأويل أنه ليس لمن أؤتمن على شىء أن يتلف منه شيئًا، وأنه إذا أتلفه ضمنه إلا أن يجيزه رب المال، وفى تعلق جواز ذلك بإجازة رب المال دليل على صحة الضمان لو لم يجزه وهذا لا أعلم فيه خلافاُ بين الفقهاء. وأما قوله: وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز، فلا أعلم خلافًا بين الفقهاء أن أحدًا لا يجوز له أن يقرض من وديعة عنده أو مال استحفظه لأحد شيئًا لا حالا ولا إلى أجل، ولكنه إن فعل كان رب المال مخيرًا بين إجازة فعله أو تضمينه، أو طلب الذى قبض المال.
стр. 3074
وقال المهلب: ويخرج قوله فى الترجمة: وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز لأن الطعام كان مجموعًا للصدقة، فلما أخذ السارق وقد حثا من الطعام، وقال له: دعنى فإنى محتاج، وتركه، فكان سلفه ذلك الطعام إلى أجل، وهو وقت قسمته وتفرقته على المساكين، لأنهم كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة أيام للتفرقة، فكأنه سلفه إلى ذلك الأجل، وفيه من الفقه أن السارق لا يقطع فى مجاعة، وفيه أنه يجوز أن يعفى عنه قبل أن يبلغ الإمام، وفيه أنه قد يعلم الشيطان علمًا ينتفع به إذا صدقته السنة وفيه أن الكاذب قد يصدق فى الندرة، وفيه علامات النبوة، وفيه تفسير لقوله تعالى: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم (يعنى: الشياطين، أن المراد بذلك ما هم عليه من خلقتهم الروحانية التى جبلوا عليها فإذا تشخصوا فى صور الأجسام المدركة بالعين جازت رؤيتهم، كما تشخص الشيطان فى هذا الحديث لأبى هريرة فى صورة سارق.
- بَاب إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا بيعًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ
/ ١٢ - فيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ: جَاءَ بِلاَلٌ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇، بِتَمْرٍ بَرْنِىٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : (مِنْ أَيْنَ هَذَا) ؟ قَالَ بِلاَلٌ: كَانَ عِنْدَى تَمْرٌ رَدِىٌّ فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعِمَ النَّبِىَّ، ﵇، فَقَالَ ﵇: (أَوَّهْ أَوَّهْ،
стр. 3075
عَيْنُ الرِّبَا، مرتين، لاَ تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِىَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بهِ) . قال المهلب: لا خلاف بين العلماء أن كل من باع بيعًا فاسدًا أن بيعه مردود، وقول النبى ﵇: (أوه عين الربا) دليل على فسخ البيع، لأن الله - تعالى - قد أمر بذلك فى كتابه، وقضى برد رأس المال بقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا (وقوله: (فلكم رءوس أموالكم (وقد روى فى هذا الحديث عن بلال أن النبى قال: (اردده مكسومًا) وروى منصور وقيس بن الربيع عن أبى جمرة عن سعيد بن المسيب، عن بلال قال: (كان عندى تمر دون، فابتعت تمرًا أجود منه فى السوق بنصف كيله صاعين بصاع، وأتيت النبى فقال: من أين لك هذا؟ فحدثته بما صنعت، فقال: هذا الربا بعينه، انطلق فرده على صاحبه، وخذ تمرك وبعه بحنطة أو شعير، ثم اشتر من هذا التمر، ثم جئنى. .) وذكر الحديث. قال المهلب: فإنما الغرض فى بيع الطعام من صنف واحد - والله أعلم - مثلا بمثل التوسعة على الناس، ولئلا يستولى أهل الجدة على الطيب. وقال صاحب العين: تأوه الرجل آهة، إذا توجع، ويقال: أوهة لك، فى موضع مشقة وهم، ويقال: أوه من كذا، على معنى التذكر والتحزن.
стр. 3076
- بَاب الْوَكَالَةِ فِى الْوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ
/ ١٣ - وَقَالَ عَمْرٍو فِى صَدَقَةِ عُمَرَ: لَيْسَ عَلَى الْوَلِىِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا لَهُ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ يَلِى صَدَقَةَ عُمَرَ يُهْدِى لِنَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ. قال المهلب: هذا إنما أخذه عمر من كتاب الله فى ولى اليتيم فى قوله: (ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف (والمعروف ما تعارفه الناس بينهم غير مكتسب مالا، فهذا مباح عند الحاجة، وهذا سنة الوقف أن يأكل منه الولى له ويؤكل، لأن الحبس لهذا حبس، وليس هو مثل من أؤتمن على مال لغير الصدقة فأعطى منه بغير إذن ربه شيئًا، فإنه لا يجوز له ذلك بإجماع العلماء.
- بَاب الْوَكَالَةِ فِى الْحُدُودِ
/ ١٤ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ،، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) .
стр. 3077
/ ١٥ - وفيه: عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: جِىءَ بِالنُّعَيْمَانِ، أَوِ ابْنِ النُّعَيْمَانِ شَارِبًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ فِى الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوا، قَالَ: فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالْجَرِيدِ والنِّعَالِ. فى حديث أنس من الفقه أنه يجوز للإمام أن يبعث فى إنفاذ الحكم من يقوم مقامه فيه، كالوكيل للموكل. واختلف العلماء فى الوكالة فى الحدود والقصاص، فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لا يجوز قبول الوكالة فى ذلك، ولا يقيم الحد والقصاص حتى يحضر المدعى، وهو قول الشافعى، وقال ابن أبى ليلى وطائفة: تقبل الوكالة فى ذلك، وقالوا: لا فرق بين الحدود والقصاص والديون إلا أن يدعى الخصم أن صاحبه قد عفا، فيوقف عن النظر فيه حتى يحضر. وقول من أجاز الوكالة فى ذلك يشهد له دلائل الأحاديث الثابتة، فإن قيل: إن فى بعث النبى ﵇ أنيسًا لإقامة الحد على المرأة إن اعترفت بالزنا دليلاً على ذلك، وأما حديث ابن النعيمان فإنما أقيم فيه الحد بحضرته ﵇. قيل: المعنى واحد، وذلك أنه لما كان الإمام لا يتناول إقامة الحد بنفسه، وأنه إنما يولى ذلك غيره، كان ذلك فى معنى إقامة أنيس الحد غائبًا عنه إن اعترفت المرأة لأن فى كلتا الحالتين إنما أقام الحد عن أمره ﵇ بإقامته، وذلك فى معنى الوكيل، ويجئ على مذهب مالك أن الحد يقام على المقر دون حضور المدعى، خلاف قول أبى حنيفة والشافعى،
стр. 3078
لأنه حق وجب عليه، وليس دعواه على المدعى بها يسقط الحد مما يجب أن يلتفت إليه بمجرد دعواه، إلا أن يقيم بينه على ما ادعى من ذلك.
- بَاب الْوَكَالَةِ فِى الْبُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا
/ ١٦ - فيه: عَائِشَة، أَنَا فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْىِ النَّبِىّ، ﵇، ثُمَّ قَلَّدَهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِى. . . الحديث. الوكالة فى البدن وفى كل ما يجوز للإنسان أن ينوب عن غيره فيه منابه من الأعمال جائزة، لا خلاف فى شىء من ذلك، وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب الحج، فأغنى عن إعادته.
- بَاب إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ وَقَالَ الْوَكِيلُ قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ
/ ١٧ - فيه: أَنَس، قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِى بِالْمَدِينَةِ مَالاً، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (فَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا، وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا
стр. 3079
يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ، فَقَالَ: (بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِى الأَقْرَبِينَ) ، قَالَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِى أَقَارِبِهِ وَبَنِى عَمِّهِ. قال المهلب: قوله ﵇: (قد سمعت ما قلت) يدل على قبول النبى لما جعل إليه أبو طلحة من الرأى فى وضعها، ثم رد النبى الوضع فيها إلى أبى طلحة بعد أن أشار عليه فيمن يضعها. وفيه أن للوكيل أن يقبل ما وكل عليه وله أن يرد، وأن الوكالة لا تتم إلا بقبول الوكيل، ألا ترى أن أبا طلحة قال للنبى: (فضعها يا رسول الله حيث أراك الله) فأشار عليه بالرأى، ورد عليه العمل وقال: (أرى أن تجعلها فى الأقربين) فتولى أبو طلحة قسمتها. وفيه: أن من أخرج شيئًا من ماله لله ولم يملكه أحد، فجائز له أن يضعه حيث أراه الله من سبل الخير، وجائز أن يشاور فيه من يثق برأيه من إخوانه وليس لذلك وجه معلوم لا يتعدى، كما قال بعض الناس: معنى قول الرجل: لله وفى سبيل الله فى وجه دون وجه، ألا ترى أن هذه الصدقة الموقوفة رجعت إلى قرابة أبى طلحة، ولو سبلها فى وجه من الوجوه لم تصرف إلى غيره. واختلف الفقهاء إذا قال الرجل: خذ هذا المال فاجعله حيث أراك الله من وجوه الخير، هل يأخذ منه لنفسه إن كان فقيرًا أم لا؟ فقالت طائفة: لا يأخذ منه شيئًا، لأنه إنما أمر بوضعه عند غيره. وهذا يشبه مذهب مالك فى المدونة، سئل مالك عن رجل أوصى بثلث ماله لرجل أن يجعله حيث رأى، فأعطاه ولد نفسه، يعنى ولد الوصى أو أحدًا من ذوى قرابته، قال مالك: لا أرى ذلك جائزًا.
стр. 3080
وقال آخرون: يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء وقال آخرون: جائز له أن يأخذه لنفسه كله إن كان فقيرًا. ووجه قول من قال: لا يأخذ منه شيئًا لنفسه، لأن ربه أمره أن يضعه فى الفقراء، ولم يأذن له أن يأخذه لنفسه، ولو شاء أن يعطيه له لم يأمره أن يضعه فى غيره، فكأنه أقامه مقام نفسه ولو فرقه ربه لم يحبس منه شيئًا، ووجه قول من قال: يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء، فهو أن ربه أمره أن يضعه فى الفقراء، وهو أحدهم، فلم يتعد ما قاله، ووجه قول من قال: يأخذه كله لنفسه، أن ربه أمره أن يضعه فى الفقراء، ومعلوم أنه لا يحيط بجماعتهم، وأن المال إنما يوضع فى بعضهم، وإذا كان فقيرًا فهو من بعضهم لأنه من الصفة التى أمره أن يضعه فيها.
- بَاب وَكَالَةِ الأَمِينِ فِى الْخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا
/ ١٨ - فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِىّ ﵇: (الْخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِى يُنْفِقُ - وَرُبَّمَا قَالَ: الَّذِى يُعْطِى - مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلاً مُوَفَّرًا طَيِّبًا نَفْسُهُ إِلَى الَّذِى أُمِرَ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ) . قال المهلب: إنما كان أحد المتصدقين - والله أعلم - لأنه معين على إنفاذ الحسنة، وأما إذا أعطاه كارهًا غير مريد لإعطائه لم يؤجر على ذلك، لأنه لا نية له مع فعله، وقد اشترط النبى ﵇ أن الأعمال بالنيات، فدل ذلك أنها إذا لم تصحبها نية لا يؤجر بها، ألا ترى أن المنافقين لم تقبل منهم صلاة ولا صيام ولا غيره إذ عريت أعمالهم عن النيات.
стр. 3081
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٥ - كِتَاب الْمُزَارَعَةِ
- بَاب مَا جَاء فِى الحرث والْمزارعة وَفَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ وَقوله تَعَالَى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ (الآية .
/ ١ - فيه: أَنَس، قَالَ ﵇: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ) . قال المهلب: هذا يدل أن الصدقة على جميع الحيوان وكل ذى كبد رطبة فيه أجر، لكن المشركين لا نأمر بإعطائهم من الزكاة الواجبة لقوله ﵇: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها فى فقرائكم) . وفيه من الفقه: أن من يزرع فى أرض غيره أن الزرع للزارع، ولرب الأرض عليه كراء أرضه لقوله ﵇: (ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا إلا كان له صدقة) . فجعل الصدقة للزارع والثواب له خاصة دون رب الأرض، فعلمنا أنه ليس لرب الأرض حق فى الزرع الذى أخرجته الأرض وفيه الحض على عمارة الأرض لتعيش نفسه أو من يأتى بعده ممن يؤجر فيه، وذلك يدل على جواز اتخاذ الصناع، وأن الله - تعالى - أباح ذلك لعباده المؤمنين لأقواتهم وأقوات أهليهم طلبًا للغنى بها عن الناس، وفساد قول من أنكر ذلك، ولو كان كما زعموا ما كان لمن زرع زرعًا وأكل منه إنسان أو بهيمة أجر، لأنه لا يؤجر أحد فيما
стр. 3082
لا يجوز فعله، وقد تقدم بيان هذه المسألة بأوضح من هذا فى كتاب الخمس فى باب نفقة نساء النبى ﵇ بعد وفاته، فأغنى عن إعادته.
- بَاب مَا يُحَذَّرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ وَتَجَاوِزِ الْحَدِّ الَّذِى أُمِرَ بِهِ
/ ٢ - فيه: أَبُو أُمَامَةَ، أنَّهُ رَأَى سِكَّةً أَو شَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (لاَ يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلاَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ) . قال المهلب: معنى هذا الحديث - والله أعلم - الحض على معالى الأحوال، وطلب الرزق من أشرف الصناعات لما خشى النبى على أمته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد فى سبيل الله، لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها، فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة، والوقوع بذلك تحت أيدى السلاطين وركاب الخيل. ألا ترى أن عمر قال: تمعددوا واخشوشنوا، واقطعوا الركب، وثبوا على الخيل وثبًا لا يغلبكم عليها دعاة الإبل. أى دعوا التملك والتدلك بالنعمة، وخذوا أخشن العيش لتتعلموا الصبر فيه، فأمرهم بملازمة الخيل والتدريب عليها والفروسية، لئلا تملكهم الرعاة الذين شأنهم خشونة العيش، ورياضة أبدانهم
стр. 3083
بالوثوب على الخيل، وقد رأينا عاقبة وصيته فى عصرنا هذا بميلنا إلى الراحة والنعمة. قال المؤلف: فمن لزم الحرث وغلب عليه، وضيع ما هو أشرف منه، لزمه الذل كما قال ﵇، ويلزمه الجفاء فى خلقه لمخالطته من هو كذلك، وقد جاء فى الحديث (من لزم البادية جفا) وقد أخبرنا ﵇ بما يقوى هذا المعنى فقال: (السكينة فى أهل الغنم، والخيلاء فى أصحاب الخيل، والقسوة فى الفذاذين أهل الوبر) ، فكأنه قال: والذل فى أهل الحرث، أى: من شأن ملازمة هذه المهن توليد ما ذكر من هذه الصفات ومن الذل الذى يلزم من اشتغل بالحرث ما ينوبه من المؤنة بخراج الأرضين. وفيه: علامة النبوة، وذلك أنه ﵇ علم أن من يأتى فى آخر الزمان من الولاة يجورون فى أخذ الصدقات والعشور، ويأخذون فى ذلك أكثر مما يجب لهم، لأنه لا ذل لمن أخذ منه الحق الذى عليه، وإنما يصح الذل بالتعدى وترك الحق فى الأخذ.
٣ - بَاب اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ
/ ٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ اقتنِى كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، إِلاَ كَلْبَ حَرْثٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ) . وقال مرة: (إِلاَ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ حَرْثٍ، أَوْ صَيْدٍ) .
стр. 3084
اقتناء الكلب للحرث والماشية والصيد مباح بدليل الكتاب والسنة، وقد تقدم حكم الكلب فى جميع وجوهه فى كتاب البيوع وكتاب الصيد فأغنى عن إعادته.
٤ - بَاب اسْتِعْمَالِ الْبَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ
/ ٤ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ،، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ، قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً، فَتَبِعَهَا الرَّاعِى، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لاَ رَاعِىَ لَهَا غَيْرِى، قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ) . وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِى الْقَوْمِ. قال المهلب: فبيان كلام البهائم من الآيات التى خصت بها بنو إسرائيل، لجواز أن تكون النبوة فيهم غير محظورة، وهذا الحديث حجة على من جعل علة المنع من أكل الخيل والبغال والحمير أنها خلقت للركوب والزينة لقوله تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة (وقد خلقت البقر للحراثة، وأنطقها الله بذلك زيادة فى الآية المعجزة، ولم يمنع ذلك من أكل لحومها لا فى بنى إسرائيل ولا فى الإسلام، وفيه الثقة بما يعلم من صحة إيمان المرء وثاقب علمه والقضاء عليه بالعادة المعلومة منه، كما قضى النبى ﷺ على أبى بكر وعمر بتصديق كلام البقرة والذئب، الذى توقف الناس عن الإقرار به، حتى احتاج رسول الله أن يقول أن هذا
стр. 3085
بقربه معه أبو بكر وعمر، وناهيك بذلك فضيلة لهما ورفعة، لشهادة النبى لهما الذى لا ينطق عن الهوى. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضى: قال لى على بن المدينى: سمعت أبا عبيدة معمر ابن المثنى يقول فى حديث النبى، حين أخذ الذئب الشاة وأخذت منه - فقال: (من لها يوم السبع، يوم لا راعى لها غيرى) قال: ليس هو السبع الذى يسبع الناس، إنما هو عيد كان لهم فى الجاهلية يشتغلون بأكلهم ولعبهم، فيجئ الذئب فيأخذها.
٥ - بَاب إِذَا قَالَ اكْفِنِى مَئُونَةَ النَّخْلِ وَغَيْرِهِ وَتُشْرِكُنِى فِى الثَّمَرِ
/ ٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَتِ الأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: (لاَ) ، قَالَ: (تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ، وَنَشْرَكْكُمْ فِى الثَّمَرَةِ) ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قال المهلب: إنما أراد الأنصار مشاركة المهاجرين بأن يقاسموهم أموالهم، فكره رسول الله أن يخرج عنهم شيئاَ من عقارهم، وعلم أن الله سيفتح عليهم البلاد فيغنى جميعهم، فأشركهم فى الثمرة على أن يكفوهم المئونة والعمل فى النخيل، وتبقى رقاب النخل للأنصار، وهذه هى المسافة بعينها.
следующие страницы →