Полный текст (5 502 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
عليه السلام: (فشأنك بها) ولو كان المراد بقوله: (فشأنك بها (إطلاق يده عليها، وسقوط ضمانها عنه؛ لبطلت فائدة قوله: (فأدها إليه (واستعمال الحديثين لفائدتين أولى من إسقاط أحدهما، هذه طريقة العلماء فى التأليف بين الآثار، والقضاء بالمجمل على المفسر. واختلفوا هل للواجد بعد الحول أن يأكلها أو يتصدق بها فروى عن على وابن عباس أنه يتصدق بها ولا يأكلها، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبى، وإليه ذهب الثورى، وقال أبو حنيفة: لا يأكلها الغنى، إلا أن يكون فقيرًا فيأكلها، ثم إن جاء صاحبها ضمنها، وروى ابن القاسم عن مالك انه استحب له أن يتصدق بها وروى عنه ابن وهب أنه إن شاء أمسكها، وإن شاء استنفقها، وإن شاء تصدق بها، فإن جاء صاحبها أداها إليه. وروى مثل هذا عن عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة، وهو قول عطاء، وبه قال الشافعى وأحمد وإسحاق. وقوله ﵇ بعد الحول -: (ثم استنفق بها) حجة لمن قال: يصنع ما شاء من صدقة بها، أو أكل، أو غيره لعموم قوله ﵇: (استنفق بها) ولم يخص وجهًا يستنفقها فيه من غيره، وأيضًا فإنه ﵇ لما قال: (استنفق بها) ولم يفرق بين الغنى والفقير دل على قول أبى حنيفة. وإنما لم يذكر البخارى فى هذا الباب رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد أنه قال: وكانت وديعة عنده. وذكرها فى باب ضالة الغنم؛ لأنه قد بين سليمان فى الحديث أن يحيى بن سعيد قال: عن يزيد قال: لا أدرى أفى حديث النبى
стр. 3187
- ﵇ هو أم من عنده. فاستراب البخارى بهذا الشك، وترجم بالمعنى ولم يذكره فى الحديث؛ لأنه استغنى بقوله: (فأدها إليه) عن قوله: (وكانت وديعة عنده) .
- بَاب هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلاَ يَدَعُهَا حَتَّى تَضِيعُ وَيَأْخُذَهَا مَنْ لاَ يَسْتَحِقُّ
/ ١١ - فيه: سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ، كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِى غَزَاةٍ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، فَقَالاَ لِى: أَلْقِهِ، فَقُلْتُ: لاَ، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ، وَإِلاَ اسْتَمْتَعْتُ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِىَّ ﷺ ، فَقَالَ: (عَرِّفْهَا حَوْلاً) ، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلاً، ثُمَّ أَتَيْتُ، فَقَالَ: (عَرِّفْهَا حَوْلاً) ، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلاً، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: (اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلاَ اسْتَمْتِعْ بِهَا) . اختلف العلماء فى اللقطة هل أخذها أفضل أم تركها؟ فكرهت طائفة أخذها، ورأوا تركها أفضل، روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول عطاء، وروى ابن القاسم عن مالك أنه كره أخذ اللقطة والآبق، فإن أخذ ذلك وضاعت اللقطة وأبق الآبق من غير تضييعه لم يضمن، وكره أحمد بن حنبل أخذ اللقطة أيضًا. وقالت طائفة: أخذها وتعريفها أفضل من تركها. هذا قول سعيد بن المسيب، وقال أبو حنيفة وأصحابه: تركها سبب لضياعها. وبه
стр. 3188
قال الشافعى، وروى عن مالك: إن كان شىء له بال فأخذه وتعريفه أحب إلى. وحجة القول الأول حديث جرير أن النبى ﵇ قال: (لا يأوى الضالة إلا ضال) وحديث الجارود أن النبى ﷺ قال: (ضالة المؤمن حرق النار) . وحجة من رأى أن تعريفها أفضل قول النبى، ﵇، للذى سأله عن اللقطة: (أعرف عفاصها ووكاءها) ، فأمره بتعريفها ولم يقل له: لم أخذتها؟ وذلك دليل على أن الفضل فى أخذها وتعريفها لأن تركها عون على ضياعها ومن الحق النصيحة للمسلم، وأن يحوطه فى ماله بما أمكنه، وتأويل قوله ﵇: (لا يأوى الضالة إلا ضال) و (ضالة المؤمن حرق النار) أن المراد بذلك من لم يعرفها وأراد الانتفاع بها حتى لا تتضاد الأخبار. قال الطحاوى: ويدل على ذلك ما روى يحيى بن أيوب قال: حدثنى عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة، حدثه عن أبى سالم الجيشانى، عن زيد بن خالد الجهنى قال: قال رسول الله: (من أوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها) . وروى شعبة عن خالد الحذاء، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبى مسلم، عن الجارود قال: (أتينا على رسول الله ونحن على إبل عجاف فقلنا: يا رسول الله، إنا نمر بالجدف فنجد إبلا فنركبها؟ فقال: ضالة المسلم حرق النار) فكان سؤالهم عن أخذها إنما هو لأن يركبوها، فأجابهم ﵇ بأن قال: (ضالة المسلم حرق النار) ، أى: ضالة المسلم حكمها أن تحفظ على صاحبها حتى تؤدى إليه، لا لأن ينتفع بها لركوب ولا غيره.
стр. 3189
- بَاب مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلْطَانِ
/ ١٢ - فيه: زَيْد، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: (عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا، وَإِلاَ فَاسْتَنْفِقْ بِهَا. . .) ، الحديث. ولا يجب عند جماعة العلماء على ملتقط اللقطة إن لم تكن ضالة من الحيوان أن يدفعها إلى السلطان، وإنما معنى هذه الترجمة أن السنة وردت بأن واجد اللقطة هو الذى يعرفها دون غيره؛ لقوله ﵇: (عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) لأنهم اختلفوا فى الملتقط إن كان غير مأمون على اللقطة على قولين: أحدهما: أنه يعرفها سنة، وليس للسلطان أخذها منه. والثانى: أن للسلطان أخذها منه ويدفعها إلى ثقة يعرفها. واختلف قول الشافعى على هذين القولين، وأما حكم الضوال فإنها تحتاج إلى حرز ومؤنة، وهذا لا يكون إلا بحكم حاكم، ولهذا كانت تدفع ضوال الإبل على عمر وعثمان وسائر الخلفاء بعدهما. واختلفوا إذا التقط لقطة فضاعت عنده، فقال أبو حنيفة وزفر: إن أشهد أنه أخذها ليعرفها لم يضمنها إن هلكت، وإن لم يشهد ضمنها. واحتج بحديث عياض بن حمار أن النبى ﵇ قال: (من التقط لقطة فليشهد ذوى عدل، ولا يكتم، ولا يغيب، فإن جاء صاحبها، وإلا فهو مال من مال الله يؤته من يشاء) ، رواه خالد الحذاء عن يزيد ابن الشخير، عن مطرف بن الشخير، عن، عياض، عن النبى ﵇.
стр. 3190
وقال مالك وأبو يوسف ومحمد والشافعى: لا ضمان عليه إن هلكت من غير تضييع منه وإن لم يشهد. وحجتهم إجماع العلماء أن المغصوبات لو أشهد الغاصب على نفسه أنه غصبها لم يدخلها إشهاده ذلك فى حكم الأمانات، فكذلك ترك الإشهاد على الأمانات لا يدخلها فى حكم المغصوبات ولا خلاف أن الملتقط أمين لا يضمن إلا بما تضمن به الأمانات من التعدى والتضييع. وأما حديث عياض بن حمار فمعناه: أن الملتقط إذا لم يعرف اللقطة ولم يشهدها وكتمها، ثم قامت عليه بينة أنه وجد لقطة وضمها إلى ماله ثم ادعى تلفها، أنه لا يصدق ويضمنها؛ لأنه بفعله ذلك خارج عن الأمانة، إلا أن تقوم البينة على تلفها، وأما إذا عرفها فى المحافل ولم يشهد فلا ضمان عليه. وقوله: (وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء) ، فإنه يريد انطلاق يد الملتقط عليها بعد الحول ثم يضمنها لصاحبها إن جاء بإجماع.
- باب
/ ١٣ - فيه: أَبُو بَكْر، انْطَلَقْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِى غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ، فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ: هَلْ فِى غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِى؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الْغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ، فَقَالَ: هَكَذَا ضَرَبَ إِحْدَى
стр. 3191
كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى، فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ. قال المؤلف: سألت بعض شيوخى عن وجه استجازة أبى بكر الصديق لشرب اللبن من ذلك الراعى، فقال لى: يحتمل أن يكون النبى ﵇ قد كان أذن له فى الحرب، وكانت أموال المشركين له حلالا فعرضته على المهلب بن أبى صفرة فقال لى: ليس هذا بشىء، لأن الحرب والجهاد إنما فرض بالمدينة، وكذلك المغانم إنما نزل تحليلها يوم بدر بنص القرآن. قال: وإنما شرب رسول الله وأبو بكر ذلك اللبن بالمعنى المتعارف عندهم فى ذلك الزمن من المكارمات، وبما استفهم به أبو بكر الراعى من أنه حالب أو غير حالب، ولو كان بمعنى الغنيمة ما استفهمه، ولحلب ما أراد الراعى أو كره، ولساق الغنم غنيمة، ولقتل الراعى إن شاء أو أخذه أسيرًا. والدليل على صحة هذا التأويل وأن شرب اللبن كان على وجه العادة عندهم ما ذكره أبو على البغدادى، قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال أبو عثمان السامدانى: عن الثورى، عن أبى عبيدة قال: مر رجل من أهل الشام بامرأة من كلب فقال لها: هل من لبن يباع؟ فقالت: إنك للئيم أو حديث عهد بقوم لئام، هل يبيع الرسل كريم أو يمنعه إلا لئيم؟ إنا لندع الكوم لأضيافنا تكوس إذا عكف الزمن الضروس ونغلى اللحم غريضًا ونهبته نضيجًا.
стр. 3192
قال أبوعلى: الرسل: اللبن، وتكوس: تمشى على ثلاث، وتغلى: من الغلا. قال المهلب: وقد قال أخى أبو عبد الله: إن هذا الحديث لا يعارض قوله ﵇: (لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه) ، لأن هذا قاله ﵇ لما علم أنه سيكون من التشاح وقله المواساة. قال المهلب: والحديث معناه: لا يهجمن أحدكم على ماشية غيره فيحلبها بغير إذنه أو غير إذن راعيها الذى له حكم العادات فيما استرعى فيه من المعروف، فكان بين الحديثين فرق يمنع من التعارض، فى حديث أبى بكر من الأدب والتنظف ما صنعه أبو بكر من أمره بنفض يدى الراعى، ونفض الضرع، وخدمته للنبى ﵇ وإلطافه به ما يجب أن يتمثل به فى كل عالم وإمام عادل - والله الموفق - وقد ذكرت تفسير الكثبة فى هذا الحديث وفى كتاب الأشربة فى باب شرب اللبن.
стр. 3193
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٠ - كِتَاب الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ وَقَوْل اللَّهِ: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ (إلى) عزيز ذو انتقام)
- بَاب قِصَاصِ الْمَظَالِمِ
/ ١ - فيه: أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِى الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِى الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَسْكنه كَانَ فِى الدُّنْيَا) . وهذه المقاصة التى فى هذا الحديث هى لقوم دون قوم وهم من لا تستغرق مظالمهم جميع حسناتهم؛ لأنه لو استغرقت جميعها لكانوا ممن وجب لهم العذاب، ولما جاز أن يقال فيهم: خلصوا من النار، فمعنى الحديث - والله أعلم - على الخصوص لمن يكون عليه تبعات يسيرة. فالمقاصة أصلها فى كلام العرب مقاصصة، وهى مفاعلة، ولا تكون المفاعلة أبدًا إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة، فكأن كل واحد منهم له
стр. 3194
على أخيه مظلمة وعليه له مظلمة، ولم يكن فى شىء منها ما يستحق عليه النار فيتقاصون بالحسنات والسيئات، فمن كانت مظلمته أكثر من مظلمة أخيه أخذ من حسناته فيدخلون الجنة، ويقتطعون فيها المنازل على قدر ما بقى لكل واحد منهم من الحسنات، فلهذا يتقاصون بالحسنات بعد خلاصهم من النار - والله أعلم - لأن أحدًا لا يدخل الجنة ولأحد عليه تبعة، فإن قلت: إذا نقوا وهذبوا دخلوا الجنة. وقوله: (فوالذى نفس محمد بيده لأحدهم بمسكنه فى الجنة أدل بمنزله كان فى الدنيا) وإنما عرفوا منازلهم فى الجنة بتكرير عرضها عليهم بالغداة والعشى، فقد أخبرنا ﵇ أن المؤمن إذا كان من أهل الجنة عرض عليه مقعده منها بالغداه والعشى، فيقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة. وقال المهلب: هذه المقاصة إنما تكون فى المظالم فى الأبدان من اللطمة وشبهها مما المظالم فيه ممكن لأداء القصاص فيه بحضور بدنه، فيقال للمظلوم: إن شئت أن تنتصف، وإن شئت أن تعفو للأجر. وقال غيره: الآثار تدل على أنه لا قصاص فى الآخرة فى العرض والمال وغيره إلا بالحسنات والسيئات، فمن ظلم غيره وكانت له حسنات أخذ منها وزيدت فى حسنات المظلوم، وإن لم يكن للظالم حسنات أخذ من سيئات المظلوم وردت على الظالم.
стр. 3195
- بَاب قوله تَعَالَى: (أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (
/ ٢ - فيه: ابْن عُمَرَ، سَمِعْتَ النَّبِىّ، ﵇، فِى النَّجْوَى؟ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ يُدْنِى الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَىْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِى نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِى الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِق، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: (هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ () . قال المهلب: فى هذا الحديث عظيم تفضل الله على عباده المؤمنين وستره لذنوبهم يوم القيامة، وأنه يغفر ذنوب من شاء منهم بخلاف قول من أنفذ الوعيد على أهل الإيمان؛ لأنه لم يستثن فى هذا الحديث ﵇ ممن يضع عليه كنفه وستره أحدًا إلا الكفار والمنافقين، فإنهم الذين ينادى عليهم على رءوس الأشهاد باللعنة لهم. وسيأتى فى كتاب الأدب فى باب ستر المؤمن على نفسه حديث النجوى، وانقضاء الكلام فى معناه - إن شاء الله - وهذا الحديث حجة لأهل السنة فى قولهم: إن أهل الذنوب من المؤمنين لا يكفرون بالمعاصى كما زعمت الخوارج. وقوله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين (أن المراد بالظلم هاهنا الكفر والنفاق كما ذكر فى الحديث، وليس كل ظالم يدخل فى معنى الآية ويستحق اللعنة؛ لأنه لا تكون عقوبة الكفر عند الله كعقوبة صغائر الذنوب، واللعن فى كلام العرب: الإبعاد من
стр. 3196
الله - تعالى - فدلت الآية أن الكلام ليس على العموم، وأنه يفتقر إلى ما يبين معناه، وهذا الحديث يبين أن قول الله: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (أن السؤال عن النعيم الحلال إنما هو سؤال تقرير وتوقيف له على نعمه التى أنعم بها عليه، ألا ترى أنه تعالى يوقفه على ذنوبه التى عصاه فيها، ثم يغفرها له، فإذا كان ذلك فسؤاله عباده عن النعيم الحلال أولى أن يكون سؤال تقرير لا سؤال حساب وانتقام.
٣ - بَاب لاَ يَظْلِمُ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ وَلاَ يُسْلِمُهُ
/ ٣ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . قوله ﵇: (المسلم أخو المسلم) من قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة (وقوله: (لا يظلمه ولا يسلمه) فإن الله حرم قليل الظلم وكثيره. وقوله: (لا يسلمه) مثل قوله ﵇: (انصر أخالك ظالمًا أو مظلومًا) وباقى الحديث حض على التعاون، وحسن التعاشر، والألفة، والستر على المؤمن، وترك التسمع به، والإشهار لذنوبه، وقد قال تعالى: (وتعانوا على البر والتقوى (وهذا حديث شريف يحتوى على كثير من
стр. 3197
آداب الإسلام، وفيه أن المجازاة قد تكون فى الآخرة من جنس الطاعة فى الدنيا. وقال ابن المنذر: ويستحب لمن اطلع من أخيه المسلم على عورة أو زلة توجب حدا، أو تعزيرًا، أو يلحقه فى ذلك عيب أو عار أن يستره عليه؛ رجاء ثواب الله، ويجب لمن بلى بذلك أن يستتر بستر الله، فإن لم يفعل ذلك الذى أصاب الحد، وأبدى ذلك للإمام وأقر بالحد لم يكن آثمًا؛ لأنا لم نجد فى شىء من الأخبار الثابتة عن النبى ﵇ أنه نهى عن ذلك، بل الأخبار الثابتة دالة على أن من أصاب حدا وأقيم عليه فهو كفارته.
٤ - بَاب أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا
/ ٤ - فيه: أَنَسَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا) ، قَيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نصرُته مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: (تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَهِ) . والنصرة عند العرب: الإعانة والتأييد، وقد فسره رسول الله أن نصر الظالم منعه من الظلم؛ لأنه إذا تركته على ظلمه ولم تكفه عنه أداه ذلك إلى أن يقتص منه؛ فمنعك له مما يوجب عليه القصاص نصره، وهذا يدل من باب الحكم للشىء وتسميته بما يئول إليه، وهو من عجيب الفصاحة، ووجيز البلاغة، وفى الباب بعد هذا شىء من معنى هذا الباب.
стр. 3198
٥ - بَاب نَصْرِ الْمَظْلُومِ
/ ٥ - فيه: الْبَرَاء، أَمَرَنَا النَّبِىُّ، ﵇، بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، فَذَكَرَ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلاَمِ، وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِى، وَإِبْرَارَ الْمُقْسِمِ. / ٦ - وفيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) . نصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية، فمن قام به سقط عن الباقين، ويتعين فرض ذلك على السلطان، ثم على كل من له قدرة على نصرته إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه. وأما عيادة المريض فهى سنة مرغب فيها، مندوب إليها، واتباع الجنائز من فروض الكفايات لمن قام بها، وتشميت العاطس قيل: إنه من فروض الكفايات، وقيل: إنه سنة، وإجابة الداعى سنة أيضًا، إلا أنه فى الوليمة آكد، وسيأتى ذلك فى بابه - إن شاء الله - وإبرار المقسم مندوب إليه إذا أقسم عليه فى مباح يستطيع فعله، فإن أقسم على ما لا يجوز ويشق على صاحبه لم يندب إلى الوفاء به. وسأذكر كلام الطبرى فى حديث البراء فى كتاب الاستئذان، فى باب إفشاء السلام، فقد تقصى القول فى معانية إن
стр. 3199
شاء الله، وفى كتاب النكاح فى إجابة دعوة الوليمة، وقد تقدم جملة منه فى كتاب الجنائز.
٦ - بَاب الانْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ (الآية) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا. قال: الانتصار من الظالم مباح بهذه الآية، روى ابن أبى نجيح عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم (فى الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه أنه لم يحسن ضيافته ويؤذيه بما فعل به. وقال : (والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون (وقال: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (فأباح الانتصار بهذه الآيات. وأما قول إبراهيم أنهم كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإن النبى ﵇ قد روى عنه هذا المعنى، روى أنه استعاذ بالله من غلبة الرجال، واستعاذ من شماتة الأعداء، وقوله: (فإذا قدروا عفوا) ، فإن العفو أجل وأفضل؛ لما جاء فى ثوابه وعظيم أجره ﷺ وقد أثنى الله - تعالى - على من فعل ذلك فقال: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (وهذه السبيل امتثل النبى فى خاصة نفسه، فكان لا ينتقم لنفسه، ولا يتقص من جفا عليه ولم يوقره،
стр. 3200
وقد جفا عليه كثير من الأعراب، وقال له قائل: إنك ما عدلت منذ اليوم، فآثر ﵇ الأخذ بالعفو ليسن لأمته.
٧ - بَاب عَفْوِ الْمَظْلُومِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (،) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (إلى قوله: (إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (. قد تقدم فى الباب قبل هذا أن العفو أفضل لما جاء فيه من الترغيب، وقد روى عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: قد جعلت المعتصم بالله فى حل من ضربى وسجنى؛ لأنه حدثنى هاشم بن القاسم عن ابن المبارك قال: حدثنى من سمع الحسن البصرى يقول: إذا جثت الأمم بين يدى رب العالمين يوم القيامة نودى: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا فى الدنيا. يصدق هذا الحديث قوله تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (وكان أحمد بن حنبل يقول: ما أحب أن يعذب الله بسببى أحدًا. وقال ابن الأنبارى: كان الحسن البصرى يدعو ذات ليلة: اللهم
стр. 3201
اعف عمن ظلمنى، فأكثر فى ذلك، فقال له رجل: يا أبا سعيد، لقد سمعتك الليلة تدعو لمن ظلمك حتى تمنيت أن أكون فيمن ظلمك، فما دعاك إلى ذلك؟ قال: قوله تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله (.
٨ - بَاب الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
/ ٧ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . قال المهلب: هذه الظلمات لا نعرف كيف هى، إن كانت من عمى القلب أو هى ظلمات على البصر، والذى يدل عليه القرآن أنها ظلمات على البصر حتى لا يهتدى سبيلا، قال الله - تعالى -: (يوم يقوم المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا (إلى) بسور (. فدلت الآية أنهم حين منعوا النور بقوا فى ظلمة غشيت أبصارهم كما كانت أبصارهم فى الدنيا عليها غشاوة من الكفر، وقال تعالى فى المؤمنين: (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم (فأثاب الله المؤمنين بلزوم نور الأيمان لهم، ولذذهم بالنظر إليه، وقوى به أبصارهم، وعاقب الكفار والمنافقين بأن أظلم عليهم، ومنعهم لذة النظر، هذا حديث مجمل بينه دليل القرآن.
стр. 3202
٩ - بَاب مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ أحد فَحَلَّلَهَا لَهُ هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلَمَتَهُ
/ ٨ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، أَوْ شَىْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ) . قال المهلب: إن بين فهو أطيب وأصح فى التحلل؛ لأنه يعرف مقدار ما يحلله منه معرفة صحيحة، وقد اختلف العلماء فيمن كانت بينه وبين أحد معاملة وملابسة ثم حلل بعضهم بعضًا من كل ما جرى بينهما من ذلك، فقال قوم: إن ذلك براءة له فى الدنيا والآخرة وإن لم يبين مقداره. وقال آخرون: إنما تصح البراءة إذا بين له وعرف مال عنده أو قارب ذلك بما لا مشاحة فى مثله. قال المهلب: وهذا الحديث حجة لهذا القول؛ لأن قوله ﵇: (أخذ منه بقدر مظلمته) يدل أنه يجب أن يكون معلوم القدر مشارًا إليه.
- بَاب الاتِّقَاءِ وَالْحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ
/ ٩ - فيه: ابْن عَبَّاس، بَعَثَ النَّبِىّ، ﵇، مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: (اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) . قد فسر ذلك عمر فى حديث الحمى فقال: (اتق دعوة المظلوم فإنها مجابة) ، وقد روى ذلك عن النبى، روى ابن أبى شيبة قال: حدثنا
стр. 3203
الفضل بن دكين قال: حدثنا أبو معشر، عن سعيد بن أبى سعيد، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (دعوة المظلوم مجابة، وإن كان فاجرًا، فجوره على نفسه) . وقال عون بن عبدا لله: أربع دعوات لا ترد، ولا يحجبن عن الله: دعوة والد راض، وإمام مقسط، ودعوة مظلوم، ودعوة رجل دعا لأخيه بظهر الغيب.
- بَاب إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فَلاَ رُجُوعَ
/ ١٠ - فيه: عَائِشَةَ،) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا (قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِى فِى حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِى ذَلِكَ. العلماء متفقون أنه إذا حلله مما قد علم مبلغه، فإنه قد أبرأه، ولا رجوع له فيه، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: (خشيت سودة بنت زمعة أن يطلقها النبى ﵇ فقالت: يا رسول الله لا تطلقنى وأمسكنى واجعل يومى لعائشة، ففعل؛ فأنزل الله: (أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير (فما اصطلحا عليه من شىء فهو جائز، فلم يكن لسودة الرجوع فى يومها الذى وهبت لعائشة.
стр. 3204
- بَاب إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ أَحَلَّهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ
/ ١١ - فيه: سَهْل، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، أُتِىَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلاَمِ: (أَتَأْذَنُ لِى أَنْ أُعْطِىَ هَؤُلاَءِ؟) فَقَالَ الْغُلاَمُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِى مِنْكَ أَحَدًا، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى يَدِهِ. قال المهلب: لو حلل الغلام فى نصيبه الأشياخ وأذن فى إعطائه لهم، لكان ما حلل منه غير معلوم لأنه لا يعرف مقدار ما كانوا يشربون ولا مقدار ما كان يشرب هو. وقد تقدم فى كتاب المياه فى باب من رأى صدقة الماء وهبته جائزة مقسومًا كان أو غير مقسوم، أن سبيل ما يوضع للناس للأكل والشرب سبيله المكارمة وقلة التشاح، وقد طابت نفوس أصحاب النبى فى سبى هوازن جملة، وقبل النبى ﵇ ذلك التطييب، ولم يعرف مقدار ما كان بيد كل واحد منهم. وسيأتى فى كتاب الهبات فى آخر هذا الجزء فى باب الهبة المقسومة: الخلاف فى المسألة - إن شاء الله - والمعروف من مذهب مالك أن هبة المجهول جائزة، مثل أن يهب رجل نصيبه فى ميراث رجل أو نصيبه فى دار لا يدرى مقداره، وكذلك كل ما لا يؤخذ عليه عوض فهبته عنده جائزة.
- بَاب إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ
/ ١٢ - فيه: سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) .
стр. 3205
/ ١٣ - وفيه: أَبُو سَلَمَة، أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ،، فَقَالَتْ عَائِشَة: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ فَإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) . / ٤ - وفيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ ﵇: (مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ) . قال المؤلف: قد جاء عن النبى كيف صورة هذا التطويق، ذكره الطبرى قال: حدثنا سيفان بن وكيع قال: حدثنا حسين ابن على، عن زائدة، عن الربيع، عن أيمن أبى ثابت - أو ابن أبى ثابت - قال: حدثنى يعلى بن مرة الثقفى قال: سمعت النبى ﵇ يقول: (أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس) . ورواه الشعبى عن أيمن، عن يعلى بن مرة، عن النبى وقال فيه: (من سرق شبلاً من أرض أو غله جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى سبع أرضين) . ورواه مروان بن معاوية الفزارى، حدثنا أبو يعقوب، حدثنا أيمن ثنا يعلى بن مرة قال: سمعت النبى ﵇ يقول: (من أخذ أرضًا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر) . قال المهلب: ومعنى قوله: (خسف به) أنه يلج فى سبع أرضين فتكون كلها فى عنقه، فهو تطويق له.
стр. 3206
- بَاب إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لآخَرَ شَيْئًا جَازَ له
/ ١٥ - فيه: جَبَلَةَ، كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فِى بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَصَابَتنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلاَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. / ١٦ - وفيه: أَبُو مَسْعُود، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لَهُ غُلاَمٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ: اصْنَعْ لِى طَعَامَ خَمْسَةٍ، لَعَلِّى أَدْعُو النَّبِىَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَأَبْصَرَ فِى وَجْهِ النَّبِىِّ، ﵇، الْجُوعَ فَدَعَاهُم، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبىُّ ﷺ : (إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا، أَتَأْذَنُ لَهُ) ؟ قَالَ: نَعَمْ. لا يكون الإذن إلا فيما يملكه الذى أذن فيه، كما أذن صاحب اللحم للرجل الذى جاء مع النبى ﵇ فجاز له الأكل من ذلك الطعام، وكما أجاز النبى ﵇ القران فى التمر إذا أذن فيه أصحابه الذين وضع بين أيديهم؛ لأنهم متساون فى الاشتراك فى أكله، فإذا استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يجز له؛ لما فى ذلك من الاستئثار بما لا تطيب عليه نفس صاحب الطعام، ولا أنفس الذين وضع بين أيديهم، إلا أن ما وضع للناس فسبيله سبيل المكارم لا سبيل التشاح، وإن تفاضلوا فى الأكل.
- بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام (
/ ١٧ - فيه: عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ) . قال: هذا الحديث أدخله العلماء فى تفسير قوله تعالى: (وهو
стр. 3207
ألد الخصام (قال أهل اللغة: الألد هو العسير الخصومة الشديد الحرب. وقد ذمه الله - تعالى - لمدافعته من الحق ما يعلمه وتشهد به نفسه، قال الله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام (وقد ترجم بهذه الترجمة فى كتاب الأحكام.
- بَاب إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِى بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ
/ ١٨ - فيه: أُمَّ سَلَمَةَ، أن النَّبِىّ، ﵇، سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِى الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِىَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِىَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ يَتْرُكْهَا) . قال المهلب: هذا يدل أن القوى على البيان البليغ فى تأدية الحجة قد يغلب بالباطل من أجل بيان، فيقضى له على خصمه، وليس ذلك بمحل ما حرم عليه؛ لقوله ﵇: (فإنما هى قطعة من الناس) وهذا هو معنى قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم (. ذلك، وسيأتى هذا الحديث وما فيه من انتزاع العلماء فى كتاب الأحكام.
стр. 3208
- بَاب إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ
/ ١٩ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقًا - أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ - كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) . الفجور: الكذب والريبة، وذلك حرام، ألا ترى أن النبى ﵇ قد جعل ذلك خصلة من النفاق، وليس هو بنفاق يخرج من الإيمان، وإنما أراد ﵇ أن من كانت فيه هذه الخلال أو واحدة منها، فإنه منافق فيها خاصة، وليس بمنافق فى غيرها من دينه مما صح فيه اعتقاده ويقينه. وإنما أطلق اسم النفاق على صاحب هذه الخلال؛ لأنها تغلب على أحوال المرء، وتستولى على أكثر الأفعال، فاستحق هذه التسمية بما غلب عليه من قبيح أفعاله، ومشابهته فيها المنافقين والكفار، فوصف بصفتهم تقبيحًا لحاله، ومجانبته أفعال المؤمنين - أعاذنا الله من ذلك - وقد تقدم بيان هذا المعنى فى كتاب الإيمان.
- بَاب قِصَاصِ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ يُقَاصُّهُ، وَقَرَأَ: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ (الآية
. / ٢٠ - فيه: عَائِشَةَ، جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، إِلىَ النَّبىِّ عَلَيهِ السَّلاَم
стр. 3209
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَىَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنِ الَّذِى لَهُ عِيَالَنَا؟ فَقَالَ: (لاَ حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ) . / ٢١ - وفيه: عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قُلْنَا لِلنَّبِىِّ ﵇: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا، فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لاَ يَقْرُونَا فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: (إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِى لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ) . اختلف العلماء فى الذى يجحد وديعة غيره، ثم يجد المودع له مالا، هل يأخذه عوضًا من حقه أم لا؟ . اختلف قول مالك فى ذلك، فروى ابن القاسم عن مالك أنه لا يفعل، واحتج بما روى عن النبى أنه قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) . وروى زياد عن مالك أن له أن يأخذ حقه إذا وجده من ماله إذا لم يكن فيه شىء من الزيادة، وهو قول الشافعى واحتج بحديث هند. وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا لم يكن على الجاحد للمال دين فله أن يأخذ مما يظفر له به من المال حقه، فإن كان عليه دين فليس له أن يأخذ إلا بمقدار ما يكون فيه أسوة الغرماء. وقال أبو حنيفة: يأخذ من الذهب الذهب، ومن الفضة الفضة، ومن المكيل المكيل ومن الموزون الموزون، ولا يأخذ غير ذلك. وقال زفر: له أن يأخذ العرض بالقيمة.
стр. 3210
وأولى الأقوال بالصواب فى ذلك قول من أجاز الانتصاف من حقه إذا وجد مال من ظلمه بدلالة الآية، ودلالة حديث هند، ألا ترى أن النبى ﵇ أجاز لها أن تطعم عيلة زوجها من ماله المعروف، عوض ما قصر فيه من إطعامهم، فدخل فى معنى ذلك كل من وجب عليه حق ولم يوفه أو جحده أنه يجوز له الاقتصاص منه، وليس قوله ﵇: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) بمخالف لهذا المعنى؛ لأن من أخذ حقه فلا يسمى خائنًا. وقوله: (أد الأمانة إلى من ائتمنك) معناه الخصوص، فكأنه قال: أد الأمانة إلى من ائتمنك إذا لم يكن غاصبًا لمالك ولا جاحدًا له، وأما من غصبك حقك وجحدك فليس يدخل فيمن أمر بأداء الأمانة إليه؛ لقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به (ولدلالة حديث هند، وهذا التأويل ينفى التضاد عن الآثار ودليل القرآن. وأما حديث عقبة بن عامر فقال أكثر العلماء أنه كان فى أول الإسلام، حين كانت المواساة واجبة، وهو منسوخ بقوله ﵇: (جائزته يوم وليلة) قالوا: والجائزة تفضل وليست بواجبة، وستأتى مذاهب العلماء فى الضيافة فى كتاب الأدب فى باب إكرام الضيف - إن شاء الله.
стр. 3211
- بَاب مَا جَاءَ فِى السَّقَائِفِ وَجَلَسَ النَّبِىُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ
(١) / ٢٢ - فيه: عُمَرَ، قَالَ حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ : إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ لأَبِى بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا فَجِئْنَاهُمْ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ. قال: السقائف والحوانيت قد علم الناس ما وضعت له، ومن اتخذ فيها مجلسًا فذلك مباح له إذا التزم ما جاء فى ذلك من غض البصر، ورد السلام، وهداية الضال، وجميع شروطه.
- بَاب لاَ يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِى جِدَارِهِ
/ ٢٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (لاَ يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِى جِدَارِهِ) ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِى أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاللَّهِ لاَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. قال أبو جعفر الطحاوى: حدثنى روح بن الفرج قال: سألت أبا زيد والحارث بن هشام ويونس بن عبد الأعلى كيف لفظ: (أن يغرز خشبة فى جداره؟) ، فقالوا جميعًا: خشبة بالنصب والتنوين على خشبة واحدة. واختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: هو على الوجوب إذا لم يكن فى ذلك مضرة على صاحب الجدار، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور. وذهب مالك والكوفيون إلى أنه لايغرز خشبة فى حائط أحد إلا بإذن صاحب الحائط، ومجمل الحديث عندهم على الندب، والحجة لهم قول الرسول: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) .
стр. 3212
وأنه لا يجوز لأحد أن يجبر أحدًا على أن يفعل فى ملكه ما يضر به، وقد قال ﵇: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) قالوا: فعلمنا أن قوله: (لا يمنع جاره أن يغرز خشبة فى جداره) محمول على الندب وحسن المجاورة لا على الوجوب، وهو كقوله: (ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) وكقوله: (ما آمن من بات شبعان وجاره طاو) . قالوا: ولو كان الحديث معناه الوجوب ما جهل الصحابة تأويله، ولا كانوا معرضين عن أبى هريرة حين كان يحدثهم بهذا الحديث، وإنما جاز لهم ذلك لتقرر الأعمال والأحكام عندهم بخلافه، ولا يجوز عليهم جهل الفرائض، فدل ذلك أن معناه على الندب، وفى هذا دليل أن تأويل الأحاديث على ما تلقاها عليه الصحابة، لا على ظواهرها. قال المهلب: ولو بلغ من اجتهاد حاكم أن يحكم به لنفذ حكمه بما حض النبى عليه أمته من ذلك، كما حكم عمر على ابن مسلمة فى تحويل الساقية إلى جنبه، وسئل ابن القاسم عن رجل كانت له خشبة فى حائط أدخلها بإذنه، ثم إن الذى له الحائط وقع بينه وبين الذى له الخشبة شحناء، فقال له: أخرج خشبتك من حائطى. قال مالك: ليس له أن يخرجها على وجه الضرر، ولكن ينظر فى ذلك فإن احتاج الرجل إلى حائطه لهدمه فهو أولى به، وروى ابن عبد الحكم عنه أنه قال: وإن
стр. 3213
أراد بيع داره فقال: انزع خشبك. فليس له ذلك. وقال مطرف وابن الماجشون: لا يقلع الخشب أبدًا وإن احتاج صاحب الجدار إلى جداره.
- بَاب صَبِّ الْخَمْرِ فِى الطَّرِيقِ
/ ٢٤ - فيه: أَنَس، قَالَ: كُنْتُ سَاقِىَ الْقَوْمِ فِى مَنْزِلِ أَبِى طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِى: أَلاَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَقَالَ لِى أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَأَهْرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِى سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ، وَهِىَ فِى بُطُونِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا (الآيَةَ. قال المهلب: إنما جاز هرق الخمر فى الطرق للسمعة، بهرقها والتشنيع، والائتمار لله فى رفضها والإعلان بنبذها، ولولا ذلك ما حسن هرقها فى الطريق، من أجل أذى الناس فى ممشاهم، ونحن نمنع من إراقة الماء الطاهر فى الطريق من أجل أذى الناس فى ممشاهم فكيف بالخمر.
- بَاب أَفْنِيَةِ الدُّورِ وَالْجُلُوسِ فِيهَا وَالْجُلُوسِ عَلَى الصُّعُدَاتِ
/ ٢٥ - فيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ) ، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِىَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ
стр. 3214
فِيهَا، قَالَ: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَ الْمَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا) ، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْىٌ عَنِ الْمُنْكَرِ) . قال الطبرى وغيره: فيه من الفقه وجوب غض البصر عن النظر إلى عورة مؤمن ومؤمنة، وعن جميع المحرمات، وكل ما تخشى الفتنة منه، وقد قال ﵇: (لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة) . وفيه: وجوب رد السلام على من سلم عليه، ولزوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وكف الأذى، وقد روى عمر بن الخطاب هذا الحديث عن النبى ﵇ وزاد فيه: (إغاثة الملهوف) قال أبو عبد الله بن أبى صفرة: وفيه قطع الذرائع؛ لأن الجلوس ذريعة إلى تسليط البصر، وقلة القيام بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فلذلك نهى عنه. قال المهلب: وإنما يلزم المؤمن تغيير المنكر، وإغاثة الملهوف، وعون الضعيف ما دفعت الحضرة إليه، وليس عليه طلب ذلك، إنما عليه ما حضر منها. قال الطبرى: وفيه الدلالة على الندب إلى لزوم المنازل التى يسلم لازمها من رؤية ما يكره رؤيته، وسماع ما لا يحل له سماعه، مما يجب عليه إنكاره ومن معاونة مستغيث يلزمه إعانته، وذلك
стр. 3215
أن الرسول إنما أذن فى الجلوس بالأفنية والطرق بعد نهيه عنه إذا كان من يقوم بالمعانى التى ذكرها ﵇. وإذا كان ذلك كذلك بالأسواق التى تجمع المعانى التى أمر النبى ﵇ الجالس بالطريق باجتنابها مع الأمور التى هى أوجب منها وألزم من ترك الكذب والحلف بالباطل وتحسين السلع بما ليس فيها، وغش المسلمين، وغير ذلك من المعانى التى لا يطيق القيام بما يلزمه فيها إلا من عصمه الله أحق وأولى بترك الجلوس فيها من الأفنية والطرق، وقد روى نحو قولنا عن جماعة من أهل العلم، روى هشام بن عروة، عن عبد الله بن الزبير قال: المجالس حلق الشيطان، إن يروا حقا لا يقوموا به، وإن يروا باطلا فلا يدفعوه. وقال عامر: كان الناس يجلسون فى مساجدهم، فلما قتل عثمان خرجوا إلى الطريق يسألون عن الأخبار. وقال سلمان: لا تكونن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته. وقال: السوق مبيض الشيطان ومفرخه. وقد يرخص فى الجلوس بالأفنية والطرق والأسواق قوم من أهل الفضل والعلم، ولعلهم إنما فعلوا ذلك؛ لأنهم قاموا بما عليهم فيه. قال أبو طلحة بن عبيد الله: مجلس الرجل بيان مروءة. وقال ابن عوف: مررت بعامر وهو جالس بفنائه. وقال ابن أبى خالد: رأيت الشعبى جالسًا فى الطريق. والصعدات: الطرق، عن صاحب العين.
стр. 3216
- بَاب الآبَارِ عَلَى الطُّرُقِ إِذَا لَمْ يُتَأَذَّ بِهَا
/ ٢٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﵇ قَالَ: (بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ. . . .) الحديث. قال المهلب: هذا يدل أن حفر الآبار بحيث يجوز للحافر حفرها من أرض مباحة أو مملوكة له جائز، ولم يمنع ذلك لما فيه من البركة وتلافى العطشان، ولذلك لم يكن ضمانًا؛ لأنه قد يجوز مع الانتفاع بها أن يستضر بها ساقط بليل فيها أو تقع فيها ماشية، لكنه لما كان ذلك نادرًا وكانت المنفعة بها أكثر غلب حال الانتفاع على حال الاستضرار؛ فكانت جبارًا لا دية لمن هلك فيها.
- بَاب إِمَاطَةِ الأَذَى
وَقَالَ هَمَّامٌ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، (تُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) . قال المؤلف: قول أبى هريرة: (تميط الأذى عن الطريق صدقة) ليس هو من رأيه؛ لأن الفضائل لا تدرك بقياس، وإنما تؤخذ توقيفًا عن النبى ﵇ وقد أسند مالك معناه من حديث أبى هريرة عن النبى ﵇ أنه قال: (بينما رجل يمشى بطريق إذا وجد غصن شوك على الطريق فأخره؛ فشكر الله له فغفر له) . فإن قيل: كيف تكون إماطة الأذى عن الطريق صدقة؟ قيل: معنى الصدقة إيصال النفع إلى المتصدق عليه.
стр. 3217
فأما إماطة الأذى عن الطريق فقد تسبب إلى سلامة أخيه المسلم من ذلك الأذى، فكأنه قد تصدق عليه بالسلامة منه، فكان له على ذلك أجر الصدقة، وهذا كما جعل ﵇ الإمساك عن الشر صدقة على نفسه. وإماطة الأذى وكل ما أشبهه حض على الاستكثار من الخير وأن لا يستقل منه شىء، وقد قال ﵇ لأبى تميمة الهجيمى: (لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تضع من دلوك فى إناء المستقى) .
- بَاب الْغُرْفَةِ وَالْعُلِّيَّةِ الْمُشْرِفَةِ فِى السُّطُوحِ وَغَيْرِهَا
/ ٢٧ - فيه: أُسَامَةَ، أَشْرَفَ النَّبِىُّ، ﵇، عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: (هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّى أَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ) . / ٢٨ - وفيه ابْن عَبَّاسٍ، لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ، ﵇، اللَّتَيْنِ، قَالَ اللَّهُ لَهُمَا: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (فَحَجَجْتُ مَعَه، فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ حَتَّى جَاءَ، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ اللَّتَانِ، قَالَ اللَّهُ لَهُمَا: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (؟ فَقَالَ: وَا عَجَبِى لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الْحَدِيثَ
стр. 3218
يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنِّى كُنْتُ وَجَارٌ لِى مِنَ الأَنْصَارِ فِى بَنِى أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهِىَ مِنْ عَوَالِى الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا، وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الأَمْرِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِى، فَرَاجَعَتْنِى، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِى، فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِىِّ ﷺ ليُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ، فَأَفْزَعَنِى، فَقُلْتُ: خَابَتْ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَىَّ ثِيَابِى، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَىْ حَفْصَةُ، أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ، أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ فَتَهْلِكِينَ، لاَ تَسْتَكْثِرِى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلاَ تُرَاجِعِيهِ فِى شَىْءٍ، وَلاَ تَهْجُرِيهِ، وَاسْأَلِينِى مَا بَدَا لَكِ، وَلاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكَ هِىَ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُرِيدُ عَائِشَةَ، وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ النِّعَالَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِى يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِى ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لاَ، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ،
стр. 3219
طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، قَالَ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَىَّ ثِيَابِى، فَصَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً لَهُ، فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِىَ تَبْكِى، قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ، أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ، أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: لاَ أَدْرِى هُوَ ذَا فِى الْمَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ، فَجِئْتُ الْمِنْبَرَ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِى بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ الَّتِى هُوَ فِيهَا، فَقُلْتُ لِغُلاَمٍ لَهُ أَسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ فَكَلَّمَ النَّبِىَّ ﷺ ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الْغُلاَمَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الْغُلاَمُ يَدْعُونِى، قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَىَّ، فَقَالَ: (لاَ) ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَنِى وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ فَتَبَسَّمَ النَّبِىُّ ﷺ ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِى وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِىَ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، يُرِيدُ عَائِشَةَ، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ،
стр. 3220
ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِى فِى بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلاَثَةٍ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: (أَوَفِى شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لِى، فَاعْتَزَلَ النَّبِىُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ: مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لاَ تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ النَّبىُّ ﷺ : (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) ، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَبَدَأَ بِى أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: (إِنِّى ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا وَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ) ، قَالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَىَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِى بِفِرَاقِكَ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ (، إِلَى قَوْلِهِ: (عَظِيمًا (قُلْتُ: أَفِى هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَىَّ، فَإِنِّى أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَقُلْنَ: مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ. الغرف والسطوح وغيرها مباحة ما لم يطلع منها على حرمة أحد أو
стр. 3221
عورة له، قال المهلب: وفى حديث ابن عباس الحرص على العلم وخدمة الرجل الشريف للسلطان والعالم، وأنه لا ضعة عليه فى خدمته، وفيه الكلام فى العلم على كل حال، فى المشى والطرق والخلوات، فأما قوله: (واعجبًا لك) عجب من حرصه على سؤاله عما لا ينتبه إليه إلا الحريص على العلم من تفسير ما لا محكم فيه من القرآن. وقوله: (استقبل عمر الحديث) فيه أن المحدث قد يأتى بالحديث على وجهه ولا يختصره؛ لأنه قد كان يكتفى حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما أخبره به من قوله: (عائشة وحفصة) . وقوله: (كنا نغلب النساء) يريد أن شدة المواطأة على النساء مذموم؛ لأن النبى سار بسيرة الأنصار فيهن وترك سيرة قومه قريش، وفيه موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها، وفيه الحزن والبكاء لأمور رسول الله وما يكرهه، والاهتمام بما يهمه، وفيه الاستئذان والحجابة للناس كلهم كان مع المستأذن عليه عيال أو لم يكن، وفيه الانصراف بغير صرف من المستأذن عليه. ومن هذا الحديث قال بعض العلماء: إن السكوت يحكم به كما حكم عمر بسكوت النبى عن صرفه له، وفيه التكرير بالاستئذان، وفيه أن للسلطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف، وفيه تقلل النبى من الدنيا، وصبره على مضض ذلك، وكانت له عنه مندوحة، وفيه أنه يسئل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته، وفى قول النبى لعمر: (لا) رد لما أخبر به الأنصارى من طلاق نسائه،
стр. 3222
ولم يخبر عمر بما أخبر به الأنصارى ولا شكاه، لعلمه أنه لم يقصد للأخبار بخلاف القصة، وإنما هو وهم جرى عليه. وفى قوله: (أستأنس) استنزال السلطان والاستئناس بين يديه بالحديث، وأخذ إذنه فى الكلام، وفى تبسم النبى لعمر حين ذكر غلبة قريش لنسائها وتحكم نساء الأنصار عليهم: دليل أن المعنيين ليسا بمحرمين، وفيه الجلوس بين يدى السلطان وإن لم يأمر بذلك إذا استؤنس منه إلى انبساط خلق. وفيه: أنه لا يجب أن يتسخط أحد حاله ولا ما قسم الله له، ولا يستحقر نعمة الله عنده، ولا سابق فضله؛ لأنه يخاف عليه ضعف يقينه، وفيه أن المتقلل من الدنيا ليرفع طيباته إلى دار البقاء خير حالا ممن تعجلها فى الدنيا الفانية، والمتعجل لها أقرب إلى السفه، وفيه الاستغفار من السخط وقله الرضا، وفيه سؤال النبى ﷺ الاستغفار، وكذلك يجبب أن يسأل أهل الفضل والخير الدعاء والاستغفار. وفيه: أن المرأة تعاقب على إفشاء سر زوجها، وعلى التحيل عليه بالأذى، والمنع من موافقته وشهواته بالتوبيخ لها بالقول، كما وبخ الله أزواج النبى على تظاهرهما عليه وإفشاء سره، وعاقبهن النبى بالإيلاء والاعتزال والهجران كما قال تعالى: (واهجروهن فى المضاجع (وفيه أن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، فإنما يجرى فيه على الأهلة التى جعلها الله مواقيت للناس فى آجالهم.
стр. 3223
وفيه: الرجل إذا قدم من سفر أو طرأ على أزواجه أن يبدأ بمن شاء منهن، وأنه ليس عليه أن يبدأ من حيث بلغ قبل الخروج وفى نقض رتبة الدوران وابتدائه من حيث بدأ دليل أن القسمة بين النساء فيها توسعة، ويدل على ذلك قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل (ومن أبيح له بعض الميل فقد رخص له فى التقصير عن العدل فى القسمة، وفيه أن المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها وذا الرأى من أهلها فى أمر نفسها ومالها؛ لأن أمر نفسها أخف من أمر مالها، وإذا كان النبى أمرها بالمشاورة فى أمر نفسها التى هى أحق بها من وليها فهى فى المال أولى بالمشاورة لا على أن المشاورة لازمة لها إذا كانت رشيدة كما كانت عائشة، وليس على من يتبين له رشد رأيه أن يشاور، ويسقط عنه الندب فيه. والمشربة: الغرفة، والأطم: حصن مبنى بالحجارة، وقال أبو عبيدة: رملت الحصير رملاً وأرملته إذا نسجته.
- بَاب مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى الْبَلاَطِ أَوْ فِى بَابِ الْمَسْجِدِ
/ ٢٩ - فيه: جَابِر، دَخَلَت على النَّبِىُّ ﷺ الْمَسْجِدَ، وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِى نَاحِيَةِ الْبَلاَطِ، فَقُلْتُ: هَذَا جَمَلُكَ. . . . الحديث.
стр. 3224
قال المهلب: فيه أن للداخل فى المسجد رحابه وما حواليه مناخًا لبعيره ومحبسًا له، وفيه جواز إدخال الأمتعة والأثاث فى المساجد قياسًا على دخول البعير فيه، وفيه حجة لمالك والكوفيين فى طهارة أبوال الإبل وأرواثها، ورد على الشافعى فى قوله بنجاستها، وهذا خلاف لدليل الحديث، ولو كانت نجسة كما زعم ما جاز لجابر إدخال البعير فى المسجد، وحين أدخله فيه ورآه النبى ﵇ لم يسوغه ذلك ولأنكره عليه، وأمره بإخراجه من المسجد خشية لما يكون منه الروث والبول إذا لا يؤمن حدوث ذلك منه، وعلى قول الشافعى لا يجوز إدخال البعير فى المسجد لنجاسة بوله وروثه، وعلى مذهب الآخرين يجوز إدخالها فيه لطهارة أبوالها وأرواثها، وقد تقصيت الحجة فى ذلك فى كتاب الطهارة فأغنى عن إعادته.
- بَاب الْوُقُوفِ وَالْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ
/ ٣٠ - فيه: حُذَيْفَةَ، أَتَى النَّبِىُّ، ﵇، سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا. قال المهلب: السباطة: المزبلة، ولا حرج على أحد فى البول فيها وإن كانت لقوم بأعيانهم؛ لأنها أعدت لطرح الكناسات والنجاسات فيها. وقال أبو عبيد: السباطة نحو من الكناسة، وقد تقدم حكم البول قائمًا فى كتاب الطهارة.
стр. 3225
- بَاب مَنْ أَخَذَ الْغُصْنَ أَوْ مَا يُؤْذِى النَّاسَ فِى الطَّرِيقِ فَرَمَى بِهِ
/ ٣١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ) . قال المهلب: إماطة الأذى وكل ما يؤذى الناس فى الطرق مأجور عليه، وفيه: أن قليل الأجر قد يغفر الله به كثير الذنوب، وقد قال النبى: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) . وفيه: دليل أن طرح الشوك فى الطريق والحجارة والكناسة والمياه المفسدة للطرق وكل ما يؤذى الناس تخشى العقوبة عليه فى الدنيا والآخرة.
- بَاب إِذَا اخْتَلَفُوا فِى الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ وَهِىَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا الْبُنْيَانَ فَتُرِكَ مِنْهَا لِلطَّرِيق سَبْعَةَ أَذْرُعٍ
/ ٣٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَضَى النَّبِىُّ، ﵇، إِذَا تَشَاجَرُوا فِى الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ. قال المهلب: هذا حكم من النبى فى الأفنية، إذا أراد أهل الأرض البنيان أن يجعل الطريق سبعة أذرع حتى لا يضر بالمارة عليها، وإنما جعلها سبعة أذرع لمدخل الأحمال والأثقال ومخرجها وتلاقها،
следующие страницы →