Полный текст (5 502 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
عورة له، قال المهلب: وفى حديث ابن عباس الحرص على العلم وخدمة الرجل الشريف للسلطان والعالم، وأنه لا ضعة عليه فى خدمته، وفيه الكلام فى العلم على كل حال، فى المشى والطرق والخلوات، فأما قوله: (واعجبًا لك) عجب من حرصه على سؤاله عما لا ينتبه إليه إلا الحريص على العلم من تفسير ما لا محكم فيه من القرآن. وقوله: (استقبل عمر الحديث) فيه أن المحدث قد يأتى بالحديث على وجهه ولا يختصره؛ لأنه قد كان يكتفى حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما أخبره به من قوله: (عائشة وحفصة) . وقوله: (كنا نغلب النساء) يريد أن شدة المواطأة على النساء مذموم؛ لأن النبى سار بسيرة الأنصار فيهن وترك سيرة قومه قريش، وفيه موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها، وفيه الحزن والبكاء لأمور رسول الله وما يكرهه، والاهتمام بما يهمه، وفيه الاستئذان والحجابة للناس كلهم كان مع المستأذن عليه عيال أو لم يكن، وفيه الانصراف بغير صرف من المستأذن عليه. ومن هذا الحديث قال بعض العلماء: إن السكوت يحكم به كما حكم عمر بسكوت النبى عن صرفه له، وفيه التكرير بالاستئذان، وفيه أن للسلطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف، وفيه تقلل النبى من الدنيا، وصبره على مضض ذلك، وكانت له عنه مندوحة، وفيه أنه يسئل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته، وفى قول النبى لعمر: (لا) رد لما أخبر به الأنصارى من طلاق نسائه،
стр. 3222
ولم يخبر عمر بما أخبر به الأنصارى ولا شكاه، لعلمه أنه لم يقصد للأخبار بخلاف القصة، وإنما هو وهم جرى عليه. وفى قوله: (أستأنس) استنزال السلطان والاستئناس بين يديه بالحديث، وأخذ إذنه فى الكلام، وفى تبسم النبى لعمر حين ذكر غلبة قريش لنسائها وتحكم نساء الأنصار عليهم: دليل أن المعنيين ليسا بمحرمين، وفيه الجلوس بين يدى السلطان وإن لم يأمر بذلك إذا استؤنس منه إلى انبساط خلق. وفيه: أنه لا يجب أن يتسخط أحد حاله ولا ما قسم الله له، ولا يستحقر نعمة الله عنده، ولا سابق فضله؛ لأنه يخاف عليه ضعف يقينه، وفيه أن المتقلل من الدنيا ليرفع طيباته إلى دار البقاء خير حالا ممن تعجلها فى الدنيا الفانية، والمتعجل لها أقرب إلى السفه، وفيه الاستغفار من السخط وقله الرضا، وفيه سؤال النبى ﷺ الاستغفار، وكذلك يجبب أن يسأل أهل الفضل والخير الدعاء والاستغفار. وفيه: أن المرأة تعاقب على إفشاء سر زوجها، وعلى التحيل عليه بالأذى، والمنع من موافقته وشهواته بالتوبيخ لها بالقول، كما وبخ الله أزواج النبى على تظاهرهما عليه وإفشاء سره، وعاقبهن النبى بالإيلاء والاعتزال والهجران كما قال تعالى: (واهجروهن فى المضاجع (وفيه أن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، فإنما يجرى فيه على الأهلة التى جعلها الله مواقيت للناس فى آجالهم.
стр. 3223
وفيه: الرجل إذا قدم من سفر أو طرأ على أزواجه أن يبدأ بمن شاء منهن، وأنه ليس عليه أن يبدأ من حيث بلغ قبل الخروج وفى نقض رتبة الدوران وابتدائه من حيث بدأ دليل أن القسمة بين النساء فيها توسعة، ويدل على ذلك قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل (ومن أبيح له بعض الميل فقد رخص له فى التقصير عن العدل فى القسمة، وفيه أن المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها وذا الرأى من أهلها فى أمر نفسها ومالها؛ لأن أمر نفسها أخف من أمر مالها، وإذا كان النبى أمرها بالمشاورة فى أمر نفسها التى هى أحق بها من وليها فهى فى المال أولى بالمشاورة لا على أن المشاورة لازمة لها إذا كانت رشيدة كما كانت عائشة، وليس على من يتبين له رشد رأيه أن يشاور، ويسقط عنه الندب فيه. والمشربة: الغرفة، والأطم: حصن مبنى بالحجارة، وقال أبو عبيدة: رملت الحصير رملاً وأرملته إذا نسجته.
- بَاب مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى الْبَلاَطِ أَوْ فِى بَابِ الْمَسْجِدِ
/ ٢٩ - فيه: جَابِر، دَخَلَت على النَّبِىُّ ﷺ الْمَسْجِدَ، وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِى نَاحِيَةِ الْبَلاَطِ، فَقُلْتُ: هَذَا جَمَلُكَ. . . . الحديث.
стр. 3224
قال المهلب: فيه أن للداخل فى المسجد رحابه وما حواليه مناخًا لبعيره ومحبسًا له، وفيه جواز إدخال الأمتعة والأثاث فى المساجد قياسًا على دخول البعير فيه، وفيه حجة لمالك والكوفيين فى طهارة أبوال الإبل وأرواثها، ورد على الشافعى فى قوله بنجاستها، وهذا خلاف لدليل الحديث، ولو كانت نجسة كما زعم ما جاز لجابر إدخال البعير فى المسجد، وحين أدخله فيه ورآه النبى ﵇ لم يسوغه ذلك ولأنكره عليه، وأمره بإخراجه من المسجد خشية لما يكون منه الروث والبول إذا لا يؤمن حدوث ذلك منه، وعلى قول الشافعى لا يجوز إدخال البعير فى المسجد لنجاسة بوله وروثه، وعلى مذهب الآخرين يجوز إدخالها فيه لطهارة أبوالها وأرواثها، وقد تقصيت الحجة فى ذلك فى كتاب الطهارة فأغنى عن إعادته.
- بَاب الْوُقُوفِ وَالْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ
/ ٣٠ - فيه: حُذَيْفَةَ، أَتَى النَّبِىُّ، ﵇، سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا. قال المهلب: السباطة: المزبلة، ولا حرج على أحد فى البول فيها وإن كانت لقوم بأعيانهم؛ لأنها أعدت لطرح الكناسات والنجاسات فيها. وقال أبو عبيد: السباطة نحو من الكناسة، وقد تقدم حكم البول قائمًا فى كتاب الطهارة.
стр. 3225
- بَاب مَنْ أَخَذَ الْغُصْنَ أَوْ مَا يُؤْذِى النَّاسَ فِى الطَّرِيقِ فَرَمَى بِهِ
/ ٣١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ) . قال المهلب: إماطة الأذى وكل ما يؤذى الناس فى الطرق مأجور عليه، وفيه: أن قليل الأجر قد يغفر الله به كثير الذنوب، وقد قال النبى: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) . وفيه: دليل أن طرح الشوك فى الطريق والحجارة والكناسة والمياه المفسدة للطرق وكل ما يؤذى الناس تخشى العقوبة عليه فى الدنيا والآخرة.
- بَاب إِذَا اخْتَلَفُوا فِى الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ وَهِىَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا الْبُنْيَانَ فَتُرِكَ مِنْهَا لِلطَّرِيق سَبْعَةَ أَذْرُعٍ
/ ٣٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَضَى النَّبِىُّ، ﵇، إِذَا تَشَاجَرُوا فِى الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ. قال المهلب: هذا حكم من النبى فى الأفنية، إذا أراد أهل الأرض البنيان أن يجعل الطريق سبعة أذرع حتى لا يضر بالمارة عليها، وإنما جعلها سبعة أذرع لمدخل الأحمال والأثقال ومخرجها وتلاقها،
стр. 3226
ومدخل الركبان والرحال، ومطرح مما لا بد لهم من مطرحه عند الحاجة إليه، وما لا يجد الناس بدا من الارتفاق من أجله بطرقهم. قال الطبرى: والحديث على الوجوب عند العلماء للقضاء به، ومخرجه على الخصوص عندهم، ومعناه أن كل طريق يجعل سبعة أذرع، وما يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء فى الأرض قدر ما ينتفع به، ولا مضرة عليه فيه، فهى المراد بالحديث، وكل طريق يؤخذ لها سبعة أذرع ويبقى لبعض الشركاء من نصيبه بعد ذلك ما لا ينتفع به فغير داخل فى معنى الحديث. وقال غيره: هذا الحديث هو فى أمهات الطرق وما يكثر الاختلاف فيه والمشى عليه، وأما بنات الطرق فيجوز فى أفنيتها ما اتفقوا عليه، وإن كان أقل من سبعة أذرع. وروى ابن وهب عن ابن سمعان أن من أدرك من العلماء قالوا فى الطريق يريد أهلها تبيان عرضها: إن أهلها الذين هم أقرب الناس منها يقتطعونها بالجصص على قدر ما شرع فيها من ربعهم فيعطى صاحب الربع الواسع بقدره، وصاحب الصغيرة بقدره، ويتركون لطريق المسلمين ثمانية أذرع أو سبعة أذرع على ما روى عن النبى. واختلف أصحاب مالك فيمن أراد أن يبنى فى الفناء الواسع ولا يضر فيه بأحد بعد أن يترك للطريق سبعة أذرع أو ثمانية، فروى ابن وهب عن مالك أنه ليس له ذلك، وقال أصبغ: أكرهه، فإن ترك
стр. 3227
لم يعرض له، قد تركت فأفتى فيها أشهب قال: إذا كانت الطريق واسعة وأخذ منها يسيرًا لا ضرر فيه فلا بأس بذلك. قال ابن حبيب: وقول مالك أعجب إلى، لأن الطريق المنفعة فيه للناس عامة، وربما ضاق الطريق بأهله وبالدواب فيميل الراكب وصاحب الحمل عن الطريق إلى تلك الأفنية والرحاب فيتسع فيها، فليس لأهلها تغييرها عن حالها. وقول أصبغ وأشهب يعضده حديث أبى هريرة، وما وافق الحديث أولى مما خالفه، ففيه الحجة البالغة، ومن معنى هذا الباب ما ذكره ابن حبيب أن عمر بن الخطاب قضى بالأفنية لأرباب الدور، وتفسير هذا يعنى أنه قضى بالانتفاع بالمجالس والمرابط والمصاطب وجلوس الباعة فيها، وليس بأن تحاز بالبنيان والتحضير، وقد مر عمر بكير حداد فى السوق فأمر به فهدم، وقال: يضيقون على الناس. وقال أبو عمرو الشيبانى: الميتاء: أعظم الطريق، وهى التى يكثر إتيان الناس عليها. قال حميد بن ثور: إذا انضم ميتاء الطريق عليهما مضت قدمًا موج الجذام زهوق
стр. 3228
٣٠ - بَاب النُّهْبَى بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ
وَقَالَ عُبَادَةُ: بَايَعْنَا النَّبِىَّ ﷺ أَنْ لاَ نَنْتَهِبَ / ٣٣ - وفيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ النُّهْبَى، وَالْمُثْلَةِ. ٢٥٦١ / ٣٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَالَ ﵇: (. . . . وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) . الانتهاب الذى أجمع العلماء على تحريمه هو ما كانت العرب عليه من الغارات وانطلاق الأيدى على أموال الناس بالباطل، فهذه النهبة لا ينتهبها مؤمن، كما لا يسرق ولا يزنى مؤمن، يعنى مستكمل الإيمان، على هذا وقعت البيعة فى حديث عبادة فى قوله: (بايعنا رسول الله ألا ننتهب) يعنى: ألا نغير على المسلمين فى أموالهم. قال ابن المنذر: وفسر الحسن والنخعى هذا الحديث، فقالا: النهبة المحرمة أن ينتهب مال الرجل بغير إذنه وهو له كاره. وهو قول قتادة. قال أبو عبيد: وهذا وجه الحديث على ما فسره النخعى والحسن، وأما النهبة المكروهة فهو ما أذن فيه صاحبه للجماعة وأباحة لهم وغرضه تساويهم فيه أو مقاربة التساوى، فإذا كان القوى منهم يغلب الضعيف على ذلك ويحرمه، فلم تطب نفس صاحبه بذلك الفعل. وقد اختلف العلماء فيما ينثر على رءوس الصبيان فى الأعراس فتكون فيه النهبة فكرهه مالك والشافعى، وأجازة الكوفيون، قال الأبهرى: وإنما كرهه، لأنه قد يأخذ منه من لا يحب صاحب الشىء أخذه ويحب أخذ غيره له.
стр. 3229
قال ابن المنذر: إلا أنه لا تجرح بذلك شهادة أحد، وأنما أكرهه، لأن من أخذه إنما أخذه بفضل قوة وقلة حياء، ولم يقصد به هو وحده، إنما قصد به الجماعة، ولا يعرف حظه من حظ غيره، فهو خلسة وسحت. واحتج الكوفيون بأن النبى ﵇ لما نحر الهدى قال: (دونكم فانتهبوا) ، قال ابن المنذر: هذا الحديث حجة فى إجازة أخذ ما نثر فى الملاك وغيره، وأبيح أخذه، لأن المبيح لهم ذلك قد علم اختلاف فعلهم فى الأخذ وليس فى البدن التى أباحها النبى ﵇ لأصحابه معنى إلا وهو موجود فى النثار - والله أعلم.
٣١ - بَاب كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الْخِنْزِيرِ
/ ٣٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) ؟ . قال المهلب: هذا وعد من النبى ﵇ بنزول عيسى ابن مريم إلى الأرض، وفيه من الفقه كسر نصب المشركين وجميع الأوثان، وإنما قصد إلى كسر الصليب وقتل الخنزير من أجل أنهما فى دين النصارى المغترين المعتدين فى شريعتهم إليه، فأخبر النبى أن عيسى سيغير ما نسبوه إليه كما غيره محمد وأعلمهم
стр. 3230
أنهم على الباطل فى ذلك، فدل هذا أن عيسى يأتى بتصحيح شريعة محمد حاكمًا بالعدل بين أهلها. وأما قوله: (ويضع الجزية) ، فمعناه يتركها فلا يقبلها، لأنه إنما قبلناها نحن لحاجتنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى عند خروجه إلى مال، لأنه يفيض فى أيامه حتى لا يقبله أحد، ولا يقبل إلا الإيمان بالله وحده، وأما الساعة فلو كسر صليب لأهل الكتاب المعاهدين بين أظهرنا لكان ذلك تعديا، لأن على ذلك يؤدون الجزية، وإن كسره لأهل الحرب كان مشكوراُ، وكذلك قتل الخنزير.
٣٢ - بَاب هَلْ تُكْسَرُ الدِّنَانُ الَّتِى فِيهَا الْخَمْرُ أَوْ تُخَرَّقُ الزِّقَاقُ
، فَإِنْ كَسَرَ صَنَمًا أَوْ صَلِيبًا أَوْ طُنْبُورًا، أَوْ مَا لاَ يُنْتَفَعُ بِخَشَبِهِ وَأُتِىَ شُرَيْحٌ فِى طُنْبُورٍ كُسِرَ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَىْءٍ. / ٣٦ - فيه: سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: (عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ؟) قَالُوا: عَلَى الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، قَالَ: (اكْسِرُوهَا وَأَهْرِقُوهَا) ، قَالُوا: أَلاَ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا، قَالَ: (اغْسِلُوا) . / ٣٧ - وفيه: ابْن مَسْعُود، دَخَلَ النَّبِىُّ، ﵇، مَكَّةَ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِى يَدِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ (الآيَةَ. / ٣٨ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ،
стр. 3231
فَهَتَكَهُ النَّبِىُّ، ﵇، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ فَكَانَتَا فِى الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا. قال: أما كسر الدنان التى فيها الخمر فلا معنى له، لأنه إضاعة المال، وما طهره الماء جاز الانتفاع به، ألا ترى أن النبى قال فى القدور: (اغسلوها) وأما الدنان فرأى مالك أن الماء لا يطهرها لما تداخلها وغاص فيها من الخمر، ورأى غيره تطهيرها وغسلها بالماء، لأن الماء أيضًا يغوص فيها، ويطهر ما غاص فيها من الخمر. وقال الطبرى: فى حديث ابن مسعود من الفقه كسر آلات الباطل وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير والبرابط التى لا معنى لها إلا التلهى بها عن ذكر الله ، والشغل بها عما يحبه إلى ما يسخطه أن يغيره عن هيئته المكروهة إلى ما خالفها من الهيئات التى يزول عنها المعنى المكروه، وذلك أنه ﵇ كسر الأصنام، والجوهر الذى فيه لا شك أنه يصلح إذا غير عن الهيئة المكروهة لكثير من منافع بنى آدم الحلال وقد روى عن جماعة من السلف كسر آلات الملاهى، وروى سفيان عن منصور، عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجوارى معهن الدفوف فى الطريق فيخرقونها. وروى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا وجد أحدًا يلعب بالنرد ضربه وأمر بها فكسرت. قال المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان فى خشبها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة، إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشريد والعقوبة على وجه الاجتهاد، كما
стр. 3232
فعل عمر حين أحرق دار رويشد على بيع الخمر، وقد هم النبى بتحريق دور من يتخلف عن صلاة الجماعة، وهذا أصل فى العقوبة فى المال إذا رأى ذلك. وهتك النبى الستر الذى فيه الصور دليل على إفساد الصور وآلات الملاهى. وقال ابن المنذر: فى معنى الأصنام الصور المتخذة من المدد والخشب وشبهها، وكل ما يتخذ الناس مما لا منفعة فيه إلا للهو المنهى عنه فلا يجوز بيع شىء منه إلا الأصنام التى تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت عما هى عليه وصارت نقراُ، أو قطعا، فيجوز بيعها والشراء بها.
٣٣ - بَاب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فقتل
/ ٣٩ - فيه: ابْن عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) . إنما أدخل هذا الحديث فى هذه الأبواب ليريك أن للإنسان أن يدفع عن نفسه وماله، فإذا كان شهيداُ إذا قتل فى ذلك، كان إذا قتل من أراده فى مدافعته له عن نفسه لا دية عليه فيه، ولا قود. قال المهلب: وكذلك كل من قاتل على ما يحل له القتال عليه من أهل أو دين فهو كمن قاتل دون نفسه وماله فلا دية عليه ولا تبعة، ومن أخذ فى ذلك بالرخصة وأسلم المال أو الأهل أو النفس فأمره إلى الله، والله يعذره ويأجره، ومن أخذ فى ذلك بالشدة وقتل كانت له الشهادة بهذا الحديث.
стр. 3233
وأما قول أهل العلم فى هذا الباب فذكر ابن المنذر قال: روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم، وقد أخذ ابن عمر لصا فى داره فأصلت عليه السيف، قال سالم: فلولا أنا نهيناه لضربه به. وقال النخعى: إذا خفت أن يبدأك اللص فابدأه. وقال الحسن البصرى: إذا طرق اللص بالسلاح فاقتله، وروينا هذا المعنى عن غير واحد من المتقدمين، وسئل مالك عن القوم يكونون فى السفر فتلقاهم اللصوص، قال: يناشدونهم الله، فإن أبوا وإلا قوتلوا. وعن الثورى وابن المبارك قال: يقاتلونهم ولوعلى دانق. وقال أحمد بن حنبل: إذا كان اللص مقبلا، وأما موليًا فلا. وعن إسحاق مثله. وقال أبو حنيفة فى رجل دخل على رجل ليلا فسرقه ثم خرج بالسرقة من الدار، فاتبعه الرجل فقتله، قال: لا شىء عليه. وكان الشافعى يقول: من أريد ماله فى مصر أو صحراء، أو أريد حريمه فالاختيار له أن يكلمه ويستغيث، فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله، فإن أبى أن يمتنع من قتله من أراده، فله أن يدفعه عن نفسه وعن ماله، وليس له عمد قتله، فإن أبى ذلك على نفسه فلا عقل عليه ولا قود ولا كفارة. قال ابن المنذر: والذى عليه عوام أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله وأهله إذا أريد ظلمًا، لقوله ﵇: (من قتل دون ماله فهو شهيد) ، ولم يخص وقتًا دون وقت، ولا حالا دون حال إلا السلطان، فإن كل من نحفظ عنهم من علماء الحديث
стр. 3234
كالمجمعين على أن كل من لم يمكنه أن يدفع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته ألا يفعل للآثار التى جاءت عن النبى ﵇ بالأمر بالصبر على ما يكون منه من الجور والظلم، وترك القيام عليهم ما أقاموا الصلاة. وما قلناه من إباحة أن يدفع الرجل عن نفسه وماله قول عوام أهل العلم إلا الأوزاعى، فإنه كان يفرق بين الحال الذى للناس فيها جماعة وإمام وبين حال الفتنة التى لا جماعة فيها ولا إمام، فقال فى تفسير قوله: (من قتل دون ماله فهو شهيد) إذا أقلعت الفتنة عن الجماعة، وأمنت السبل، وحج البيت، وجوهد العدو، وقعد اللص لرجل يريد دمه أو ماله قاتله، وإن كان الناس فى معمعة فتنة وقتال، فدخل عليه يريد دمه وماله اقتدى بمحمد بن مسلمة.
٣٤ - بَاب إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ
/ ٤٠ - فيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: (كُلُوا) ، وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ. قال المهلب: روى أن صفية هى التى صنعت الطعام لرسول الله، وروى أنها أم سلمة وأن الكاسرة عائشة. واختلف العلماء فيمن استهلك عروضاُ أو حيوانًا، فذهب الكوفيون والشافعى وجماعة إلى أن عليه مثل ما استهلك، قالوا: ولا يقضى
стр. 3235
بالقيمة إلا عند عدم المثل - واحتجوا بحديث القصعة، قالوا: ألا ترى أن الرسول ضمن القصعة بقصعة. وذهب مالك إلى أنه من استهلك شيئًا من العروض أو الحيوان فعليه قيمته يوم استهلكه، وقال: القيمة أعدل فى ذلك. واحتج بأن النبى ﵇ قضى فيمن أعتق شركاُ له فى عبد بقيمة حصة شريكه دون حصة من عبد مثله، لأن ضبط المثل بالقيمة أخص منه فى الحلقة والمثل لا يوصل إليه إلا بالاجتهاد، وكما أن القيمة تدرك بالاجتهاد، وقيمة العدل فى الحقيقة مثل، وقد تناقض العراقيون فى قوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم (وقالوا: القيمة مثل فى هذا الموضع. واتفق مالك والكوفيون والشافعى وأبو ثور فيمن استهلك ذهبًا أو ورقًا أو طعامًا مكيلا، أو موزونًا، أن عليه مثل ما استهلك فى صفته ووزنه وكيله، وقال مالك، وفرق بين الذهب والفضة والطعام، وبين الحيوان والعروض العمل المعمول به. قال ابن المنذر: ولا أعلم فى هذه المسألة خلافًا.
٣٥ - بَاب إِذَا هَدَمَ حَائِطًا يَبْنىِّ مِثْلَهُ
/ ٤١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَانَ رَجُلٌ فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ الْرَّاهِب يُصَلِّى، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّى، ثُمَّ أَتَتْهُ، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِى صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لاَفْتِنَنَّ
стр. 3236
جُرَيْجًا، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلاَمًا، فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلاَمَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ؟ قَالَ: الرَّاعِى، قَالُوا: نَبْنِى صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لاَ إِلاَ مِنْ طِينٍ) . وذهب الكوفيون والشافعى وأبو ثور إلى أن من هدم حائطا لرجل فإنه يبنى مثله على ظاهر هذا الحديث، واختلف قول مالك فى ذلك، فروى ابن القاسم عنه فى العتبية: فى رجل له خليج يجرى تحت جدار رجل آخر، فجرى السيل فيه فهدمه، قال مالك: أرى أن يقضى يبنيانه على صاحب الخليج الذى أفسد حائط الرجل. وقال فى المدونة: ما انهدم من الربع بيد الغاصب، وإن لم يكن بسببه فعليه قيمته يوم الغصب. وقوله فى مسألة الخليج أشبه بالحديث. قال المهلب: وفى هذا الحديث من الفقه المطالبة بالدعوى، كما طالبت بنو إسرائيل جريجًا بما ادعته المرأة عليه، وفيه استنقاذ عباد الله تعالى لصالح عباده وأوليائه عند جور العامة وأهل الجهل عليهم بآية يريهم الله إياها، فإن كانت عرض فى الإسلام فبكرامة يكرمه الله بها، وسبب يسببه له، لا بخرق عادة، ولا قلب عين، وإنما كانت الآيات فى بنى إسرائيل؛ لأن النبوة كانت ممكنة فيهم غير ممتنعة عليهم. ولا نبى بعد محمد، فليس يجرى من الآيات بعده ما يكون خرقًا ٦١٢ للعادة ولا قلب العين، إنما تكون كرامة لأوليائه مثل: دعوة مجابة، ورؤيا صالحة، وبركة ظاهرة، وفضل بين توفيق من الله إلى الإبرار مما اتهم به الصالحون، وامتحن به المتقون. وفى دعاء أمه عليه وهو فى الصلاة دليل أن دعاء الوالدين إذا كان بنية خالصة أنه قد يجاب، وإن كان فى حال ضجر وحرج ولم يكونا على صواب؛ لأنه قد أجيب دعاء أمه بأن امتحن مع المرأة التى كذبت عليه، إلا أنه تعالى استنقذه بمراعاته لأمر ربه، فابتلاه وعافاه، وكذلك يجب للإنسان أن يراعى أمر ربه ودينه، ويقدمه على أمور دنياه فتحمد عاقبته. وقوله: (فتوضأ وصلى) فيه رد على من قال أن هذه الأمة مخصوصة بالوضوء من بين سائر الأمم، وأنهم يأتون لذلك غرًا محجلين يوم القيامة، فبان بهذا الحديث أن الوضوء كان فى غير هذه الأمة، ووضح أن الذى خصت به هذه الأمة من بين سائر الأمم إنما هو الغرر والتحجيل ليمتازوا بذلك من بين سائر الأمم، وقد جاء فى حديث سارة حين أخذها الكافر من إبراهيم أنها قامت فتوضأت وصلت حتى غط الكافر برجله، ذكره البخارى فى كتاب الإكراه، وقد روى عن الرسول أنه توضأ ثلاثًا وقال: (هذا وضوئى ووضوء الأنبياء قبلى) فثبت بهذا كله أن الوضوء مشروع قبل أمه محمد ﷺ . تم بحمد الله الجزء السادس، ويليه بإذن الله الجزء السابع، وأوله: (كتاب الشركة) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3237
الجزء السابع
стр. 3238
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤١ - كِتَاب الشَّرِكَةِ
- بَاب مَا جَاءَ فِى الشَّرِكَةِ فِى الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالْعُرُوضِ وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً لَمَّا لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فِى النَّهْدِ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا، وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْقِرَانُ فِى التَّمْرِ .
/ ١ - فيه: جَابِر: بَعَثَ النّبِىّ، ﵇، بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلاَثُمِائَةٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِىَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَىْ تَمْرٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلاً قَلِيلاً حَتَّى فَنِىَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلاَ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِى تَمْرَةٌ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ، قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلاَعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا، فَلَمْ تُصِبْهُمَا. / ٢ - وفيه: سَلَمَةَ: خَفَّتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ وَأَمْلَقُوا، فَأَتَوُا النَّبِىَّ، ﵇، فِى نَحْرِ إِبِلِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ
стр. 3239
إِبِلِكُمْ؟ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَادِ فِى النَّاسِ يَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَعًا، وَجَعَلُوهُ عَلَى ذَلِك النِّطَعِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَعَا وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ) . / ٣ - وفيه: رَافِعَ، كُنَّا نُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ الْعَصْرَ، فَنَنْحَرُ جَزُورًا، فَيُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. / ٤ - وفيه: أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبىُّ، ﵇: (إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِى الْغَزْوِ، وَقَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِى إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّى وَأَنَا مِنْهُمْ) . النهد: ما يجمعه الرفقاء من مال، أو طعام، على قدر فى الرفقة، ينفقونه بينهم، وقد تناهدوا عن صاحب العين. وقال ابن دريد: يقال من ذلك: ناهد القوم الشىء، تناولوه بينهم. وقال المهلب: هذه القسمة لا تصلح إلا فيما جعل للأكل خاصة؛ لأن طعام النهد وشبهه لم يوضع للآكلين على أنهم يأكلون بالسواء، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره، وهذه القسمة موضوعة بالمعروف، وعلى طريقة بين الآكلين، ألا ترى جمع أبى عبيدة بقية أزواد الناس، ثم شركهم فيها بأن قسم لكل واحد منهم، وقد كان فيهم من لم يكن له بقية طعام، وقد أعطى بعضهم
стр. 3240
أقل مما كان بقى له ولآخر أكثر، وكذلك فى حديث سلم قسم النبى ﷺ بينهم بالاحتثاء، وهو غير متساو. وهذا الفعل للنبى ﷺ هو الذى امتثل أبو عبيدة فى جمعه للأزواد، وإنما يكون هذا عند شدة المجاعة، فللسلطان أن يأمر الناس بالمواساة ويجبرهم على ذلك، ويشركهم فيما بقى من أزوادهم أحياء لإرماقهم وإبقاء لنفوسهم، وفيه أن للإمام أن يواسى بين الناس فى الأقوات فى الحضر بثمن وبغير ثمن، كما له فعل ذلك فى السفر. وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث، وقال: إنه أصل فى ألا يقطع سارق فى مجاعة؛ لأن المواساة واجبة للمحتاجين، وقد تقدم كثير من معانى هذا الحديث فى باب حمل الزاد فى الغزو فى كتاب الجهاد. وفى حديث رافع: قسمة اللحم بالتحرى بغير ميزان؛ لأن ذلك من باب المعروف، وهو موضوع للأكل، وأما قسمة الذهب والفضة مجازفة، فلا تجوز بإجماع الأمة؛ لتحريم التفاضل فى كل واحد منهما، وإنما اختلف العلماء فى قسمة الذهب مع الفضة مجازفة، أو بيع ذلك مجازفة، فكرهه مالك، ورآه من بيع الغرر والقمار، ولم يجزه. وأما الكوفيون، والشافعى، وجماعة من العلماء، فأجازوا ذلك؛ لأن الأصل فى الذهب بالفضة جواز التفاضل، فلا حرج فى بيع الجزاف من ذلك وقسمته، وكذلك قسمة البر مجازفة لا تجوز، كما لا يجوز بيع جزاف بُر ببر ونحوه مما حرم فيه التفاضل، وما يجوز فيه التفاضل، فإنما الربا فيه فى النسيئة خاصة. وأملق الرجل: افتقر، ومنه قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم
стр. 3241
خشية إملاق﴾ [الإسراء: ٣١] ، أى خشى الفقر، ومثله أرملوا، يقال: أرمل القوم، فنى زادهم.
- بَاب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فِى الصَّدَقَةِ
/ ٥ - فيه: أَنَس، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِى فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) . فقه هذا الباب أن الشريكين إذا كان رأس مالهما سواء، فهما شريكان فى الربح، فمن أنفق من مال الشركة أكثر مما أنفق صاحبه تراجعا عند أخذ الربح بقدر ما أنفق كل واحد منهما، فمن أنفق قليلاً رجع على من أنفق أكثر منه؛ لأن النبى، ﵇، لما أمر الخليطين فى الغنم بالتراجع بينهما بالسواء وهما شريكان، دل ذلك على أن كل شريك فى معناهما.
٣ - بَاب قِسْمَةِ الْغَنَمِ
/ ٦ - فيه رَافِع، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ بِذِى الْحُلَيْفَةِ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إِبِلاً وَغَنَمًا، قَالَ: وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ فِى أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ، فَأَعْيَاهُمْ. . . الحديث.
стр. 3242
وترجم له باب إذا عدل عشرة من الغنم بجزور فى القسمة، وقال فيه: فعدل عشرة من الغنم بجزور. أجاز قسم الغنم والبقر والإبل بغير تقويم: مالك، والكوفيون، وأبو ثور، إذا كان ذلك على التراضى. وقال الشافعى: لا يجوز قسم شىء من الحيوان بغير تقويم، وحجة من أجاز ذلك أن النبى، ﵇، قسم الغنائم، وكان أكثر غنائم خيبر الإبل والغنم، ولم يُذكر فى شىء من ذلك تقويم. قالوا: وتعديل الغنم بالغنم، والبقر بالبقر، والإبل بالإبل جائز على التراضى فى القسمة، ولا ربا يدخلها؛ لأنه يجوز فيها التفاضل يدًا بيد. ومن حجة الشافعى أن قسمة النبى ﷺ الغنم مع الإبل إنما كانت على طريق القيمة، ألا ترى أنه عدل عشرة من الغنم ببعير، وهذا هو معنى التقويم.
٤ - بَاب الْقِرَانِ فِى التَّمْرِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ
/ ٧ - فيه: ابْن عُمَر، نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. قال: النهى عن القران فى التمر عند العلماء من باب حسن الأدب فى الأكل؛ لأن القوم الذين وضع بين أيديهم التمر كالمتساوين فى أكله، فإذا استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يحمد له
стр. 3243
ذلك، ومن هذا الباب جعل أهل العلم النهى عن النهبة فى طعام النثر فى الأعراس وغيرها، لما فيه من سوء الأدب والاستئثار بما لا تطيب عليه نفس صاحب الطعام. وقال أهل الظاهر: إن النهى عن القران على الوجوب لا على حسن الأدب، وفاعل ذلك عاص لله إذا كان عالمًا بالنهى. ولا نقول أنه أكل حرامًا؛ لأن أصله الإباحة جملة، والدليل على أنه على حسن الأدب لا على الوجوب أن ما وضع بين أيدى الناس للأكل، فإنما سبيله سبيل المكارمة لا سبيل التشاح، لاختلاف الناس فى الأكل، فبعضهم يكفيه اليسير، وبعضهم لا يكفيه أضعافه، فلو كانت سهماتهم، سواء لما ساغ لمن لا يشبعه اليسير أن يأكل من مثل نصيب من يشبعه اليسير، ولما لم يتشاح الناس فى هذا المقدار علم أن سبيل هذا المكارمة، وليس على الوجوب، والله أعلم.
٥ - بَاب تَقْوِيمِ الأَشْيَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ
/ ٨ - فيه: ابْن عُمَر، قَالَ: قَالَ النّبِىّ، ﵇: (مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِى عَبْدٍ، أَوْ شِرْكًا لَهُ، أَوْ قَالَ: نَصِيبًا، وَكَانَ لَهُ مال يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ، وَإِلاَ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) .
стр. 3244
/ ٩ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : (مَنْ أَعْتَقَ شَقِصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلاَصُهُ فِى مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِىَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ) . قال: اختلف العلماء فى قسمة الرقيق، فذهب أبو حنيفة والشافعى إلى أنه لا يجوز قسمته إلا بعد التقويم، وحجتهم حديث ابن عمر، وأبى هريرة، أن النبى، ﵇، قال: (من أعتق شقصًا له من عبد قوم عليه قيمة عدل) ، قالوا: فأجاز، ﵇، تقويمه فى البيع للعتق، وكذلك تقويمه فى القسمة. وذهب مالك، وأبو يوسف، ومحمد، إلى أنه تجوز قسمة الرقيق بغير تقويم إذا تراضوا على ذلك، وحجتهم أن النبى، ﵇، قسم غنائم حنين، وكان أكثرها السبى والماشية، لا فرق بين الرقيق وسائر الحيوان، ولم يُذكر فى شىء من السبى تقويم، وتناقض أبو حنيفة، فأجاز قسم الإبل والبقر والغنم بغير تقويم، وزعم أن الفرق بين الرقيق وسائر الحيوان أن اختلاف الرقيق متفاوت، وهذا ليس بشىء؛ لأن القسمة بيع من البيوع، وكل بيع صحيح جائز إذا انعقد على التراضى. ولا خلاف بين العلماء أن قسمة العروض وسائر الأمتعة بعد التقويم جائزة، وإنما اختلفوا فى قسمتها بغير تقويم، فأجاز ذلك مالك، والكوفيون، وأبو ثور، إذا كان ذلك على سبيل التراضى، ومنع من ذلك الشافعى، وقال: لا يجوز قسم شىء من ذلك إلا بعد التقويم قياسًا على حديث ابن عمر فى تقويم العبد.
стр. 3245
٦ - بَاب هَلْ يُقْرَعُ فِى الْقِسْمَةِ وَالاسْتِهَامِ
/ ١٠ - فيه: النُّعْمَانَ بْن بَشِير، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِى أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِى نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ، وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا) . القرعة سنة لكل من أراد العدل فى القسمة بين الشركاء، والفقهاء متفقون على القول بها، وخالفهم بعض الكوفيين، وردت الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنه لا معنى لها، وأنها تشبه الأزلام التى نهى الله عنها، وحكى ابن المنذر، عن أبى حنيفة أنه جوزها، وقال: القرعة فى القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس فى ذلك وأخذنا بالآثار والسنة. وقال إسماعيل بن إسحاق: وليس فى القرعة إبطال شىء من الحق كما زعم الكوفيون، وإذا وجبت القسمة بين الشركاء فى أرض أو دار، فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة، ثم يستهموا ويصير لكل واحد منهم ما وقع له بالقرعة مجتمعًا مما كان له فى الملك مشاعًا، فيصير فى موضع بعينه، ويكون له ذلك بالعوض الذى صار لشريكه؛ لأن مقادير ذلك قد عدل بالقيمة. وإنما
стр. 3246
منعت القرعة أن يختار كل واحد منهم موضعًا بعينه، وهذا إنما يكون فيما يتشابه من الدور والأرض والعروض، وما تستوى رغبة الناس فى كل موضع مما يقترع عليه. وفى قوله، ﵇: (كمثل قوم استهموا على سفينة) ، جواز القرعة؛ لإقرار النبى ﷺ لها، وأنه لم يذم المستهمين فى السفينة، ولا أبطل فعلهم، بل رضيه وضربه مثلاً لمن نجى نفسه من الهلكة فى دينه، وقد ذكر البخارى أحاديث كثيرة فى القرعة فى آخر كتاب الشهادات، وترجم له باب القرعة فى المشكلات. قال المهلب: وفى حديث النعمان بن بشير تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفيه تبيين العالم للمسألة بضرب المثل الذى يفهم للعوام، وفيه أنه يجب على الجار أن يصبر على شىء من الأذى لجاره خوفًا مما هو أشد منه. وأما أحكام العلو والسفل تكون بين رجلين، فيعتل السفل أو يريد صاحبه هدمه، فذكر سحنون، عن أشهب أنه قال: إذا أراد صاحب السفل أن يهدم، وأراد صاحب العلو أن يبنى علوه، فليس لصاحب السفل أن يهدم السفل إلا من ضرورة يكون هدمه له أرفق لصاحب العلو؛ لئلا ينهدم بانهدامه العلو، وليس لرب العلو أن يبنى على علوه شيئًا لم يكن قبل ذلك إلا الشىء الخفيف الذى لا يضر بصاحب السفل. ولو تكسرت خشبة من سقف العلو لأدخل مكانها خشبة ما لم تكن أثقل منها، ويخاف ضررها على صاحب السفل. قال أشهب:
стр. 3247
وباب الدار على صاحب السفل. قال: ولو انهدم السفل والعلو، أجبر صاحب السفل على بنائه، وليس على صاحب العلو أن يبنى السفل، فإن أبى صاحب السفل من البناء، قيل له: بع ممن يبنى. وروى ابن القاسم، عن مالك فى السفل لرجل والعلو لآخر، فاعتل السفل، فإن صلاحه على رب السفل، وعليه تعليق العلو حتى يصلح سفله؛ لأن عليه أن يحمله إما على بنيان وإما على تعليق. وكذلك لو كان العلو على علو، فتعليق العلو الثانى على صاحب الأوسط فى إصلاح الأوسط، وقد قيل: إن تعليق العلو على رب العلو حتى يبنى الأسفل. وحديث النعمان حجة لقول مالك وأشهب، وفيه دليل على أن صاحب السفل ليس له أن يحدث على صاحب العلو ما يضر به، وإن أحدث عليه ضررًا لزمه إصلاحه دون صاحب العلو، وأن لصاحب العلو منعه من الضرر، لقوله، ﵇: (فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا) ، ولا يجوز الأخذ إلا على يد الظالم ومن هو ممنوع من إحداث ما لا يجوز له فى السنة.
٧ - بَاب شَرِكَةِ الْيَتِيمِ وَأَهْلِ الْمِيرَاثِ
/ ١١ - فيه: عَائِشَةَ، فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَ تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى) [النساء: ٣] ، قَالَتْ: هِىَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِى حَجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِى مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِى
стр. 3248
صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يُنْكِحُوهُنَّ إِلاَ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ. . . الحديث. قال: شركة اليتيم ومخالطته فى ماله لا تجوز عند العلماء إلا أن يكون لليتيم فى ذلك رجحان، فإن كان الرجحان لمخالطه أو مشاركه فلا يحل؛ لأن الله تعالى حرم أكل أموال اليتامى، ثم قال بعد ذلك: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح) [البقرة: ٢٢٠] ، فأباحت هذه الآية مخالطتهم ومشاركتهم بغير ظلم لهم.
٨ - بَاب الشَّرِكَةِ فِى الأَرَضِينَ وَغَيْرِهَا
/ ١٢ - فيه: جَابِر، جَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ الشُّفْعَةَ فِى كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ. اختلف أهل العلم فيما يحتمل القسم من الدور والأرضين، هل يقسم بين الشركاء إذا دعا بعضهم إلى ذلك، وفى قسمته ضرر على بعض؟ فقال مالك: يقسم بينهم ذلك، وهو قول الشافعى. وقال أبو حنيفة فى الدار الصغيرة بين اثنين يطلب أحدهما القسمة وأبى صاحبه: قسمت له. وقال ابن أبى ليلى: إن كان فيهم من لا ينتفع بما يقسم له فلا يقسم، وكل قسم يدخل الضرر على أحدهم دون الآخر فإنه لا يقسم، وهو قول أبى ثور. قال ابن المنذر: وهذا أصح القولين.
стр. 3249
وأجاز مالك قسم البيت وإن لم يكن فى نصيب أحدهم ما ينتفع به، وأجاز قسم الحمام وغيره، واحتج بقوله تعالى: (مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا) [النساء: ٧] . قال ابن القاسم: وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والحمامات والمنازل، وفى قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم، أن يباع ويقسم ثمنه ولا شفعة فيه؛ لقوله، ﵇: (لا ضرر ولا ضرار) ، ولقوله: (الشفعة فى كل ما لم ينقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة) ، فجعل، ﵇، الشفعة فى كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وعلق الشفعة بما لم ينقسم مما لم يمكن إيقاع الحدود فيه، هذا دليل الحديث، ولا حجة للكوفيين فى إجازة الضرر اليسير من ذلك ومنعهم للكثير؛ لأن دفع الضرر واجب على المسلمين فى كل شىء.
٩ - بَاب إِذَا اقَسَمَ الشُّرَكَاءُ الدُّورَ وَغَيْرَهَا فَلَيْسَ لَهُمْ رُجُوعٌ وَلاَ شُفْعَةٌ
/ ١٣ - فيه: جَابِرِ: قَضَى النَّبِىُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِى كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ. قال: إذا كانت قسمة مراضاة واتفاق، فلا رجوع فيها، وإن كانت قسمة قرعة وتعديل، ثم بان التغابن فيها، فللمغبون الرجوع ونقض القسمة عند العلماء، وأما الشفعة فلا تكون فى شىء مقسوم عند أحد
стр. 3250
من العلماء، وإنما هى فى المشاع؛ لقوله، ﵇: (فإذا وقعت الحدود فلا شفعة) .
- بَاب الاشْتِرَاكِ فِى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ
/ ١٤ - فيه: سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِى مُسْلِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ عَنِ الصَّرْفِ يَدًا بِيَدٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكٌ لِى شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ وَبنَسِيئَةً، فَجَاءَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: فَعَلْتُ أَنَا وَشَرِيكِى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَسَأَلْنَا النَّبِىَّ، ﵇، عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: (مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَرَدُوهُ) . فى هذا الحديث أنه لا يجوز فى شىء من الصرف نسيئة، وإنما يكون يدًا بيد، وأما صفة الشركة فى الصرف وغيرها، فأجمع العلماء على أن الشركة فى الدنانير والدراهم جائزة، واختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر. فقال مالك، والكوفيون، والشافعى، وأبو ثور: لا تجوز حتى يخرج أحدهما مثل ما أخرج صاحبه. وقال ابن القاسم: وإنما لم يجز ذلك؛ لأنه صرف وشركة، وكذلك قال لى مالك. وذكر ابن أبى زيد، قال: وقد اختلف عن مالك فى إجازة الشركة بدنانير من أحدهما ودراهم من الآخر، وأجازه سحنون،
стр. 3251
وأكثر قول مالك: أنه لا يجوز. وقال الثورى: يجوز أن يجعل أحدهما دنانير والآخر دراهم فيخلطاها، وذلك أن كل واحد منهما قد باع نصف نصيبه بنصف نصيب صاحبه، فآل: أمرهما إلى قسمة ما يحصل فى أيديهما فى المتعقب. وأجمع العلماء أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد من الشريكين مالاً مثل مال صاحبه، ثم يخلطان ذلك ولا يتميز، ثم ليس لأحدهما أن يبيع إلا مع صاحبه، إلا أن يجعل كل واحد منهما لصاحبه أن يتجر بما رآه، ويقيمه مقام نفسه.
- بَاب مُشَارَكَةِ الذِّمِّىِّ وَالْمُشْرِكِينَ فِى الْمُزَارَعَةِ
/ ١٥ - فيه: ابن عُمَر، أن النّبِىّ، ﵇، أعطى خَيْبَرَ الْيَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. قال المهلب: كل ما لا يدخله ربا ولا ينفرد به الذمى، فلا بأس بشركة المسلم له فيه، وهذه المشاركة إنما معناها معنى الأجرة، واستئجار أهل الذمة جائز حلال، وأما مشاركة الذمى ودفع المال إليه ليعمل فيه، فكرهه ابن عباس، وكرهه الكوفيون، والشافعى، وأبو ثور، وأكثر العلماء، لما يخاف عليه من التجر بالربا وبيع ما لا يحل بيعه، وهو جائز عندهم. وقال مالك: لا تجوز شركة المسلم للذمى إلا أن يكون
стр. 3252
النصراني يتصرف بحضرته، ولا يغيب عنه فى شراء ولا بيع ولا تقاض، أو يكون المسلم هو متولى البيع والشراء. وروى ذلك عن عطاء والحسن، وبه قال الليث، والثورى، وأحمد، وإسحاق. واحتج من أجاز ذلك بمعاملة النبى ﷺ لهم فى مساقاة خيبر، وإذا جاز مشاركتهم فى عمارة الأرض جاز فى غير ذلك، واحتج لمالك أن الذمى إذا تولى الشراء باع بحكم دينه، وأدخل فى مال المسلم ما لا يحل له، والمسلم ممنوع من أن يجعل ماله متجرًا فى الربا والخمر والخنزير، وأما أخذ أموالهم فى الجزية، فالضرورة دعت إلى ذلك، إذ لا مال لهم غيرها.
- بَاب قِسْمَةِ الْغَنَمِ وَالْعَدْلِ فِيهَا
/ ١٦ - فيه: عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ النّبِىّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى أصحابه، فَبَقِىَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ للنّبِىّ ﷺ فَقَالَ: (ضَحِّ بِهِ أَنْتَ) . هذه القسمة يجوز فيها ما لا يجوز فى القسمة التى هى تمييز الحقوق بعضها من بعض؛ لأن النبى، ﵇، إنما وكل عقبة على تفريق الضحايا على أصحابه، ولم يعين فيها لأحد منهم شيئًا بعينه، فيخاف أن يعطى غيره عند القسمة، فيكون ذلك ظلمًا له ونقصانًا عن حقه، فكان تفريقها موكولاً إلى اجتهاد عقبة، وكان ذلك على سبيل التطوع من النبى، ﵇، لا أنها كانت واجبة عليه لأصحابه، فلم يكن على عقبة حرج فى قسمتها، ولا لزمه من أحد منهم ملامة إن أعطاه دون ما أعطى صاحبه، وليس كذلك
стр. 3253
القسمة بين من حقوقهم واجبة متساوية فى المقسوم، فهذه لا يكون فيها تغابن ولا ظلم على أحد منهم، وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب الضحايا.
- بَاب الشَّرِكَةِ فِى الطَّعَامِ وَغَيْرِها
وَيُذْكَرُ أَنَّ رَجُلاً سَاوَمَ شَيْئًا، فَغَمَزَهُ آخَرُ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ لَهُ شَرِكَةً. / ١٧ - فيه: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ، جَدّ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ إِلَى السُّوقِ، فَيَشْتَرِى الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، فَيَقُولاَنِ لَهُ: أَشْرِكْنَا، فَإِنَّ النَّبِىَّ، ﵇، قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ فَيَشْرَكُهُمْ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِىَ، فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ. الشركة بيع من البيوع، فتجوز فى الطعام وفى كل ما يجوز تملكه عند جميع العلماء، وإنما اختلفوا فى الشركة بالطعام، وإن تساووا فى الكيل والقيمة، وسواء كان الطعام نوعًا واحدًا أو أنواعًا مختلفة، وهو قول الشافعى، وخالف ابن القاسم مالكًا، فقال: تجوز الشركة بالحنطة إذا اشتركا على الكيل ولم يشتركا على القيمة، وكانتا فى الجودة سواء. وأجاز الشركة بالطعام الكوفيون وأبو ثور، وقال الأوزاعى: تجوز الشركة بالقمح والزيت؛ لأنهما يختلطان جميعًا، ولا يتميز أحدهما من الآخر. قال إسماعيل بن إسحاق: إنما كره مالك الشركة بالطعام،
стр. 3254
وإن تساوى فى الكيل والجودة؛ لأنه يختلف فى الصفة والقيمة، ولا تجوز الشركة إلا على الاستواء فى القيمة، فاحتيج فى الطعام أن يستوى أمره فى الشركة فى الكيل والقيمة، وكان الاستواء فى ذلك لا يكاد أن يجتمع فيه فكرهه، وليس الطعام مثل الدنانير والدراهم التى هى على الاستواء عند الناس. وكان الأبهرى يقول: قول ابن القاسم أشبه؛ لأن الشركة تشبه البيع. قال: وكما جاز بيع الطعام بالطعام إذا استويا فى الكيل، وإن اختلفا فى القيمة، فكذلك تجوز الشركة فيه. واختلفوا فى الشركة بالعروض، فقال مالك، وابن أبى ليلى: هو جائز. وقال الثورى، والكوفيون، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: لا يجوز ذلك. وقال الشافعى: لا تجوز الشركة فى كل ما يرجع فى حال المفاضلة إلى القيمة، إلا أن يبيع نصف عرضه بنصف عرض الآخر ويتقايضا. وقال ابن المنذر: إنما لم تجز الشركة بالعروض؛ لأن رءوس أموالهم مجهولة، وغير جائز عقد الشركة على مجهول. وحجة مالك فى إجازة ذلك أن الشركة إنما وقعت على قيمة العرض الذى أخرجه كل واحد منهما، فلم يكن رأس مال مجهولاً، وأما إجازة ابن عمر الشركة للذى غمز صاحبه، فهو قول مالك. قال ابن حبيب: من قول مالك فى الذى يشترى الشىء للتجارة، فيقف به الرجل لا يقول له شيئًا، حتى إذا فرغ من الشراء استشركه، فرأى مالك أن الشركة له لازمة وأن يقضى بها؛ لأنه أرفق بالناس من
стр. 3255
إفساد بعضهم على بعض، ووجه ذلك أن المشترى قد انتفع بترك الزياد عليه، فوجبت الشركة بينهما بسبب انتفاعه بذلك. وكذلك إذا غمزه وسكت، فسكوته رضًا بالشركة؛ لأنه كان يمكنه أن يقول له: لا أشركك، فيزيد عليه، فلما سكت كان ذلك رضًا. قال عبد الملك بن حبيب: وذلك لتجار تلك السلعة خاصة كان مشتريها فى الأول من أهل تلك التجارة أو غيرهم. قال: وكل ما اشتراه لغير تجارة، فسأله رجل أن يشركه وهو يشترى، فلا تلزمه الشركة، وإن كان الذى استشركه من أهل التجارة. والقول قول المشترى مع يمينه أن شراءه ذلك لغير التجارة، قال: وما اشتراه الرجل من تجارته فى حانوته أو فى بيته فوقف به ناس من أهل تجارته فاستشركوه، فإن الشركة لا تلزمه، وليس مثل اشترائه ذلك فى غير حانوته ولا بيته.
- بَاب الشَّرِكَةِ فِى الرَّقِيقِ
/ ١٨ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِى مَمْلُوكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ) . الشركة بيع من البيوع تجوز فى العبيد وفى كل شىء، وكل ما جاز أن يملكه رجل جاز أن يملكه رجلان شراء أو هبة أو غيره، إلا أن الشريك
стр. 3256
إذا وطئ جارية من مال الشركة، فإنهما يتقاومانها وتصير لأحدهما بثمن قد عرفه؛ لأنه لا تحل الشركة فى الفروج ولا إعارتها، ويدرأ عنه الحد بالشبهة.
- بَاب الاشْتِرَاكِ فِى الْهَدْىِ وَالْبُدْنِ وَإِذَا أَشْرَكَ الرَّجُلُ رجلاً فِى هَدْيِهِ بَعْدَ مَا أَهْدَى
/ ١٩ - فيه: جَابِرٍ، وابْن عَبَّاس، قَالاَ: قَدِمَ النَّبِىُّ، ﵇، وَأَصْحَابُهُ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ لاَ يَخْلِطُهُمْ شَىْءٌ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً. . .) ، إِلَى قَوله: وَجَاءَ عَلِىُّ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النّبِىّ ﷺ ، فَأَمَرَه النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ وَإشْرَكَهُ فِى الْهَدْى. قال المهلب: لا يصح فى هذا الحديث ما ترجم به من الاشراك فى الهدى بعد ما أهدى؛ لأنه ما كان بعد تقليد الهدى وإشعاره، فإنما هو شريك فى الفضيلة؛ لأنه لا تجوز هبة الهدى ولا بيعه بعد تقليده، وما كان قبل تقليده فيمكن الشركة فى رقابه وهبته لمن يهدى عنه. قال المؤلف: ذكر البخارى فى المغازى، عن بريدة الأسلمى، أن النبى، ﵇، كان بعث عليًّا إلى اليمن قبل حجة الوادع ليقبض الخمس، وقال غير جابر: فقدم على من سعايته، فقال له، ﵇: (بما أهللت يا على؟) ، قال: بما أهل به النبى، ﵇، قال: (فاهد وامكث حرامًا كما أنت) ، قال: فأهدى له على هديًا.
стр. 3257
فهذا تفسير قوله: (وأشركه فى الهدى) ، أنه الهدى الذى أهداه على عن النبى، وجعل له ثوابه، فيحتمل أن يفرده، ﵇ بثواب ذلك الهدى كله، فهو شريك له فى هديه؛ لأنه أهداه عنه متطوعًا من ماله، ويحتمل أن يشركه فى ثواب هدى واحد يكون بينهما، كما ضحى النبى عنه وعن أهل بيته بكبش، وعمن لم يضح من أمته بكبش وأشركهم فى ثوابه. ويجوز الاشتراك فى هدى التطوع، وقد تقدم اختلاف العلماء فى الاشتراك فى الهدى فى كتاب الحج فى باب قوله: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) [البقرة: ١٩٦] ، فأغنى عن إعادته.
стр. 3258
٤٢ - كِتَاب الرَّهون
- الرَّهْنِ فِى الْحَضَرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣] الآية
/ ١ - فيه أَنَس: رَهَنَ النَّبِىُّ ﷺ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ. . . وذكر الحديث. الرهن جائز فى الحضر والسفر، وبه قال جميع الفقهاء، وحكى عن مجاهد أنه قال: لا يحل الرهن إلا فى السفر. وبه قال أهل الظاهر، واحتجوا بقوله: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة) [البقرة: ٢٨٣] ، قالوا: فأباح الرهن بشرط أن يكون فى السفر. وحجة الجماعة أن الله لم يذكر السفر على أن يكون شرطًا فى الرهن، وإنما ذكره لأجل أن الغالب فيه أن الكاتب يعدم فى السفر، وقد يوجد الكاتب فى السفر، ويجوز فيه الرهن، فكذلك يجب أن يجوز الرهن فى الحضر، وإن كان الكاتب حاضرًا؛ لأن الرهن إنما هو على معنى الاستيثاق، بدليل قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضًا) [البقرة: ٢٨٣] الآية، وكل ما جاز أن يستوثق به فى الحضر كالكفيل والضمين. وقد رهن النبى، ﵇، درعه بالمدينة عند يهودى فى شعير أخذه لأهله، والمدينة حضرته ووطنه، فسقط قولهم.
стр. 3259
- بَاب مَنْ رَهَنَ دِرْعَهُ
/ ٢ - فيه الأَعْمَشُ، قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ وَالْقَبِيلَ فِى السَّلَفِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنِى الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، اشْتَرَى مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَ دِرْعَهُ. وترجم له الرهن عند اليهود وغيرهم، وإنما أراد النخعى أن يستدل بأن الرهن لما جاز فى الثمن بالسنة المجتمع عليها، جاز فى المثمن وهو السلم. وبيان ذلك أنه لما جاز أن يشترى الرجل طعامًا أو عرضًا بثمن إلى أجل، ويرهن فى الثمن رهنًا، كذلك يجوز إذا دفع عينًا سلمًا فى عرض طعام أو غيره أن يأخذ فى الشىء المسلم فيه رهنًا، وكل ما جاز تملكه وبيعه جاز رهنه. وفى رهن النبى، ﵇، درعه عند يهودى من الفقه دليل أن متاجرة أهل الكتاب والمشركين جائزة، إلا أن أهل الحرب لا يجوز أن يباع منهم السلاح، ولا كل ما يتقوون به على أهل الإسلام، ولا أن يرهن ذلك عندهم، وكان هذا اليهودى الذى رهنه النبى، ﵇، درعه من أهل الذمة، وممن لا تخشى منه غائلة ولا مكيدة للإسلام، ولم يكن حربيًا.
٣ - بَاب رَهْنِ السِّلاَحِ
/ ٣ - فيه جَابِر: قَالَ النّبِىّ، ﵇: (مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَرَدْنَا
стр. 3260
أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ، فَقَالَ: ارْهَنُونِى نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا، وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِى أَبْنَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا، فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ، هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللأَمَةَ، يَعْنِى السِّلاَحَ، فَوَعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِىَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ. قال ابن إسحاق: كان كعب بن الأشرف من طى، وكانت أمه من بنى النضير، وكان يعادى النبى ويحرض المشركين عليه، فلما أصيب المشركون ببدر خرج إلى مكة يحرض على رسول الله، ثم رجع إلى المدينة يشبب بنساء المسلمين حتى أذاهم، فقال النبى، ﵇، عند ذلك: (من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله) . قال المهلب: ولم تكن بنو النضير ذمة لرسول الله ﷺ ، فلم يكن كعب بن الأشرف فى عهد لرسول الله ﷺ ، قال: والدليل على ذلك إعلان النبى، ﵇، بأنه آذى الله ورسوله على رءوس الناس، وكيف يكون فى عهد من يشكو منه الأذى، بل كان ممتنعًا وقومه فى حصنه، وكان المسلمون يقنعون منهم بالقعود عن حربهم والتجيش عليهم، وإنما كانت بينهم مسالمة وموافقة للجيرة. فكان النبى ﷺ يمسك عنهم لإمساكهم عنه من غير عهد ولا عقد، ولو كان لكعب عهد لنقضه بالأذى، ولوجب حربه، ولكان بقوله، ﵇: (من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟) ، نابذًا
следующие страницы →