← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

بذلك، والله أعلم، أنها لباس الكفار فى الدنيا ومن لا حظ له فى الآخرة، فنهى ﵇ عن مشابهتهم واستعمال زيهم، والله أعلم، وسأستقصى مذاهب العلماء فى هذه المسألة فى كتاب اللباس، إن شاء الله. وقال أبو عبد الله، أخو المهلب: وقول على: فرأيت الغضب فى وجهه، يدل على أن النهى عن الحرير على غير التحريم، وإنما هو على الكراهية، ولو كان تحريمًا لما عرف على الكراهية إلا من نهيه لا بدليل من وجهه. وقوله: (لا ينبغى هذا للمتقين) ، دليل آخر، ولو كان حرامًا لكان المتقى فيه والمسىء فيه واحدًا، ولكنه كما قال تعالى فى المتعة: (حقًا على المتقين) [البقرة: ٢٤١] ، و) حقًا على المحسنين) [البقرة: ٢٣٦] . قال المؤلف: وحملت طائفة الآثار المروية عن النبى، ﵇، فى النهى عن لباس الحرير على التحريم، ولم يأت عنه ما يعارضها إلا ما يخصها من جواز لباسه فى الحرب وعند التداوى، وما عدا هذين الوجهين فباق على التحريم، ومن جعل تحريم الحرير كتحريم كل ذى ناب من السباع، فذلك دليل على التحريم؛ لأن جمهور الأمة على أن تحريم كل ذى ناب من السباع على التحريم البين الذى هو ضد التحليل، فكيف يحتج هذا القائل بما يخالفه فيه أكثر الأمة.

стр. 3362

- بَاب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : (هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ، أَوْ جَبَّارٌ، فَقَالَ: أَعْطُوهَا هاجَرَ) ، وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِىِّ، ﵇، شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ. وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِىِّ، ﵇، بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ. / ٤٤ - وفيه: أَنَس، أُهْدِىَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: (وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِى الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا) . وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِىِّ، ﵇. / ٤٥ - وفيه: أَنَس، أَنَّ يَهُودِيَّةً أهدت إلى النَّبِىَّ، ﵇، شَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِىءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلاَ نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: (لاَ) ، فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِى لَهَوَاتِ النَّبِىّ، ﵇. / ٤٦ - وفيه: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، ثَلاَثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ: (هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟) ، فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبىُّ، ﵇: (بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً) ، أَوْ قَالَ: (أَمْ هِبَةً؟) ، قَالَ: لاَ، بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ الرسول ﷺ )

стр. 3363

بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى، وَايْمُ اللَّهِ مَا فِى الثَّلاَثِينَ وَالْمِائَةِ، إِلاَ قَدْ حَزَّ النَّبِىُّ ﷺ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاه، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتِ الْقَصْعَتَانِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَعِيرِ، أَوْ كَمَا قَالَ. وثبت عن النبى بهذه الآثار وغيرها أنه قبل هدايا المشركين، وأكثر العلماء على أنه لا يجوز ذلك لغير النبى ﷺ من الأمراء إذا كان قبولها منهم على جهة الاستبداد بها دون رعيته؛ لأنه إنما أهدى له ذلك من أجل أنه أمير الجيش، وليس النبى ﷺ فى ذلك كغيره؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله عليه من أموال الكفار من غير قتال. وقد اختلف العلماء فى هدايا المشركين، فقال ابن حبيب: ما أهداه الحربى إلى والى الجيش كان الوالى الأعظم أو من دونه فهو مغنم؛ لأنه لم ينله إلا بهم، وفيه الخمس، وهو قول الأوزاعى، ومحمد بن الحسن. قال ابن حبيب: وسمعت أهل العلم يقولون: إنما والى الجيش فى سهمانه كرجل منهم له ما لهم وعليه ما عليهم. وقال أبو يوسف: ما أهدى إلى والى الجيش فهو له خاصة، وكذلك ما يعطاه الرسول. وقال محمد بن الحسن: ولو أهدى العدو إلى رجل من المسلمين ليس بقائد ولا أمير هدية، فلا بأس أن يأخذها، وتكون له دون العسكر، وهو قول الأوزاعى، وابن القاسم صاحب مالك. فإن قيل: فقد روى عن النبى ﷺ أن عياض بن حمار أهدى إلى النبى ﷺ هدية، أو ناقة، فقال: (أسلمت؟) ، قال: لا، فلم يقبلها، وقال: (إنى نهيت عن زبد المشركين) ، رواه شعبة، عن قتادة،

стр. 3364

عن أبى العلاء يزيد بن عبد الله، عن عياض بن حمار، وهذا معارض لما روى عن الرسول ﷺ من قبول هدايا المشركين، فهو ناسخ لها. قيل: يحتمل أن يكون ترك قبول هديته لما فى ذلك من التأنيس والتحاب، ومن حاد الله وشاقه حرم على المؤمنين موالاته، ألا ترى أنه ﵇ جعل علة ردها لما لم يسلم، وقد روى معمر، عن الزهرى، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: جاء ملاعب الأسنة إلى النبى ﷺ بهدية، فعرض عليه النبى ﷺ الإسلام فأبى أن يسلم، فقال ﵇: (فإنى لا أقبل هدية مشرك) . فدل هذا الحديث على مثل ما دل عليه حديث عياض، وبان به أن قبول النبى ﷺ هدية من قبل هديته من المشركين إنما كان على وجه التأنيس له والاستئلاف، ورجاء إنابتهم إلى الإسلام، ومن يئس من إسلامه منهم رد هديته. وقال الطبرى: قبول النبى ﷺ هدايا المشركين إنما كان نظرًا منه للمسلمين وعودًا بنفعه عليهم، لا إيثارًا منه نفسه به دونهم، وللإمام قبول هدايا أهل الشرك وغيرهم، إذا كان ما يقبله من ذلك للمسلمين، وأما رده هدية من رد هديته منهم، فإنما كان ذلك من أجل أنه أهداها له فى خاصة نفسه، فلم ير قبولها، تعريفًا منه لأئمة أمته من بعده أنه ليس له قبول هدية أحد لخاصة نفسه.

стр. 3365

ويبين ذلك ما رواه ابن عوف، عن الحسن، قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ يقال له: عياض، كانت بينه وبين النبى ﷺ صداقة قبل أن يبعث بهديته، فقال له النبى ﷺ : (أسلمت؟) ، قال: لا، قال: (فإنه لا يحل لنا زبد المشركين) . قال الحسن: الزبد: الرفد، ذكره ابن سلام. قال الطبرى: فإن ظن ظان أن قوله ﵇: (لا تقبل هدية مشرك) ، وأن ما رواه عطاء، عن جابر، عن النبى، ﵇، أنه قال: (هدايا الإمام غلول) ، أن ذلك على العموم، فقد ظن خطأ. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن الله تعالى قد أباح للمسلمين أموال أهل الشرك بالقهر والغلبة لهم بقوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم) [الأنفال: ٤١] الآية، فهو بطيب أنفسهم لا شك أحلى وأطيب. والدليل على صحة قولنا ما رواه شعبة، عن على بن زيد، عن أبى المتوكل الناجى، عن أبى سعيد الخدرى، أن ملك الروم أهدى لرسول الله ﷺ جرة من زنجبيل، فقسمها رسول الله ﷺ بين أصحابه، فأعطى كل رجل قطعة. وما رواه قرة، عن الحسن، قال: أهدى أكيدر دومة الجندل إلى رسول الله ﷺ جرة فيها مَن، بالنبى ﵇ وأهله إليها حاجة،

стр. 3366

فلما قضى الصلاة أمر طائفًا فطاف بها على أصحابه، فجعل الرجل يدخل يده فيخرج فيأكل، فأتى على خالد بن الوليد فأدخل يده، فقال: يا رسول الله، أخذ القوم مرة مرة، وأخذت مرتين، فقال: (كل وأطعم أهلك) . وأهدى البون ملك الروم إلى مسلمة بن عبد الملك لؤلؤتين وهو بالقسطنطينية، فشاور أهل العلم، من ذلك الجيش فقالوا: لم يهدها إليك إلا لموقعك من هذا الجيش، فنرى أن تبيعها وتقسم ثمنها على هذا الجيش، فثبت بفعل النبى ﷺ وقول أهل العلم من بعده أن الذى كان من رد رسول الله ﷺ هدية من رد من المشركين كان لما وصف لك، إذ من المحال اجتماع الرد والقبول فى الشىء الواحد والحال الواحدة، فبان أن سبب قبوله، ﵇، ما قبل غير سبب رده ما رد منه. فإن قيل: إن آخر فعله كان ناسخًا للآخر. قيل له: لو كان كذلك لكان مبينًا، وكان على الناس دليل مفرق بينه وبين المنسوخ، إذ غير جائز أن يكون شىء من حكم الله تعالى غير معلوم الواجب عنه على عباده إما بنص عليه، أو لأدلة منصوبة لهم على اللازم فيه.

стр. 3367

فبان بهذا أن سبيل الأئمة القائمين بعد النبى ﷺ بأمر الأمة سبيله، ﵇، فى أن من أهدى إليه ملك من ملوك أهل الحرب هدية فله قبولها وصرفها حيث ما جعل الله ما حول المسلمين بغير إيجاف منهم عليه بخيل ولا ركاب. وإن كان الذى أهدى إليه وهو منتح مع جيش من المسلمين بعقدة دارهم محاصرًا لهم، فله قبوله وصرفه فيما جعل الله من أموالهم مصروفًا فيما نيل بالقهر والغلبة لهم، وذلك ما أوجفوا عليه بالخيل والركاب، كالذى فعل النبى ﷺ بأموال قريظة إذ نزلوا على حكم سعد لما نزل رسول الله ﷺ وأصحابه محاصرين لهم. قال المهلب: فى حديث أبى حميد: مكافأة المشرك على هديته؛ لأن النبى ﷺ أهدى له بردًا. وفيه: جواز تأمير المسلمين المشرك الذمى على قومه لما فى ذلك من طوعهم له وانقيادهم. قال الطبرى: كان صاحب أيلة من أهل الجزية بالصلح الذى جرى بينه وبين النبى ﷺ . قال المهلب: وفيه تولية البحر، وأنه عمل من الأعمال، وفيه جواز نسبة العمل إلى من أمر به؛ لقوله ﵇: (وكتب له ببحرهم) ، وهو ﵇ لم يكتب كما قال رحم رسول الله ﷺ ، وإنما أمر بذلك.

стр. 3368

وفى قبول الشاة المسمومة دليل على أكل طعام من يحل أكل طعامه دون أن يسأل عن أصله ولا يحترس من حيث إن كان فيه مع جواز ما قد ظهر إليه من السم، فدل ذلك على حمل الأمور على السلامة حتى يقوم دليل على غيرها، وكذلك حكم ما أبيع فى سوق المسلمين هو محمول على السلامة حتى يتبين خلافها. وفى حديث المشرك المشعان جواز قبول هدايا المشركين، وقد تقدم كثير من معناه فى كتاب البيوع فى باب الشراء والبيع من المشركين وأهل الحرب، وفيه المواساة بالطعام عند المسغبة والشدة وتساوى الناس فى ذلك، وفى أكل أهل الجيش من الكبد على قلته علامة باهرة من علامات النبوة، وآية قاهرة من آيات النبى، ﵇. - بَاب الْهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ وَقَالَ تَعَالَى: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ) [الممتحنة: ٨] الآية. / ٤٧ - فيه: ابْن عُمَرَ، أن النَّبِىّ، ﵇، أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ سيراء، فَقَالَ: كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ إِنَّمَا يَلبسُها مَنْ لا خِلاق لَهُ فِى الآخِرة، قَالَ: (إِنِّى لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا) ، فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. / ٤٨ - وفيه: أَسْمَاءَ، قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّى، وَهِىَ مُشْرِكَةٌ فِى عَهْدِ النَّبِىّ، عَلَيْهِ

стр. 3369

السَّلام، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِىّ، ﵇، قُلْتُ: إن أمِّى أتتنى وَهِىَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّى؟ قَالَ: (صِلِى أُمَّكِ) . وروى الطبرى، عن ابن الزبير، أن قول الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين) [الممتحنة: ٨] ، نزلت فى أم أسماء بنت أبى بكر، وكان اسمها قتيلة بنت عبد العزيز. وقالت طائفة: نزلت فى مشركى مكة من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجهم من ديارهم. وقال مجاهد: هو خطاب للمؤمنين الذين بقوا بمكة ولم يهاجروا. وقال السدى: كان هذا قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة، فاستشار المسلمون النبى ﷺ فى قراباتهم من المشركين أن يبروهم ويصلوهم، فأنزل الله هذه الآية. فى تفسير الحسن قال قتادة وابن زيد: ثم نسخ ذلك، ولا يجوز اليوم مهاداة المشركين ولا متاحفتهم إلا للأبوين خاصة؛ لأن الهدية فيها تأنيس للمهدى إليه، وإلطاف له، وتثبيت لمودته، وقد نهى الله عن التودد للمشركين بقوله: (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون) [المجادلة: ٢٢] الآية، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا) [الممتحنة: ١] الآية. وإنما بعث عمر بالحلة إلى أخيه المشرك بمكة على وجه التأليف له على الإسلام؛ لأنه كان طمع بإسلامه، وكان التألف على الإسلام حينئذ مباحًا، وقد تألف رسول الله ﷺ صناديد قريش، وجعل الله للمؤلفة قلوبهم سهمًا فى الصدقات، وكذلك فعلت أسماء فى أمها؛

стр. 3370

لأن الله قد أمر بصلة الآباء الكفار وبرهما بقوله: (وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم) [لقمان: ١٥] الآية، فأمر تعالى بمصاحبة الأبوين المشركين فى الدنيا بالمعروف، وبترك طاعتهما فى معصية الله. وروى البخارى فى حديث أسماء: إن أمى أتتنى وهى راغبة، بالباء من الرغبة فى العطاء، ورواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن أبى شعيب، حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة: راغمة، بالميم. وفسره الخطابى، قال: راغمة، أى كارهة لإسلامى وهجرتى. وقال بعض أصحابه: معناه هاربة من قومها. واحتج بقوله تعالى: (ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة) [النساء: ١٠٠] ، وأنشد للجعدى يمدح رجلاً: كطود يلوذ بأكتافه عزيز المراغم والمهرب فلو كانت أرادت به المضى لقالت: مراغمة، لا راغمة، وكان أبو عمرو بن العلاء يتأول فى قوله تعالى: (مراغمًا كثيرًا) [النساء: ١٠٠] ، قال: الخروج من العدو برغم أنفه، وراغبة بالباء أظهر فى معنى الحديث.

стр. 3371

- بَاب لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِى هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ / ٤٩ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ النَّبىُّ، ﵇: (لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِى يَعُودُ فِى هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِى قَيْئِهِ) . / ٥٠ - وفيه: عُمَر، حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَبَاعَهُ الَّذِى هو عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِىَّ، ﵇، فَقَالَ: (لاَ تَشْتَرِهِ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِى صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِى قَيْئِهِ) . اختلف العلماء فى هذا الباب، فقالت طائفة: ليس لأحد أن يهب هبة ويرجع فيها على ظاهر حديث ابن عباس وعمر، روى ذلك عن طاوس والحسن، وهو قول الشافعى، وأحمد ابن حنبل، وأبى ثور. وفيها قول آخر، روى عن عمر بن الخطاب: أن من وهب لذى رحم فلا رجوع له، ومن وهب لغير ذى رحم، فله الرجوع إن لم يثب منها، وعن على بن أبى طالب، رضى الله عنه، أنه من وهب لذى رحم فله الرجوع إن لم يثب منها خلاف قول عمر. وقال الثورى والكوفيون: يرجع فيما وهبه لذى رحم غير محرم إذا كانت الهبة قائمة لم تستهلك، ولم تزد فى بدنها أو لم يثب منها مثل: ابن عمه، وابن خاله، وأما إن وهب لذى رحم محرم وقبضوا الهبة، فليس له الرجوع فى شىء منها وهم: ابنته، أو إخوته

стр. 3372

لأمه، أو جده أبو أمه، أو خاله، أو عمه، أو ابن أخيه، أو ابن أخته، أو بنوهما. وتفسير الرحم المحرم هو من لو كان الموهوب له امرأة لم يحل للواهب نكاحها، وحكم الزوجين عندهم حكم ذى الرحم المحرم، ولا رجوع لواحد منهما فى هبته. وقال مالك: يجوز الرجوع فيما وهبه للثواب، وسواء وهبه لذى رحم محرم أو غير محرم، ولا يجوز له الرجوع فيما وهبه الله ولا لصلة رحم. قال الطحاوى: واحتج أهل المقالة الأولى بما روى شعبة وهشام، قالا: حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: (العائد فى هبته كالعائد فى قيئه) ، قالوا: فبان بهذا الحديث أن المراد العائد فى قيئه الرجل لا الكلب، ولما كان رسول الله ﷺ قد جعل الرجوع فى الهبة، كالرجوع فى القىء، وكان رجوع الرجل فى قيئه حرامًا عليه، كان كذلك رجوعه فى هبته. وحجة الكوفيين قوله: (كالكلب يعود فى قيئه) ، فبان بهذا الحديث أن العائد فى قيئه هو الكلب، والكلب غير متعبد بتحليل ولا بتحريم، فيكون المعنى العائد فى هبته كالعائد فى قدر كالقدر الذى يعود فيه الكلب، فلا يثبت بذلك منع الواهب من الرجوع فى هبته، فدل هذا أنه ﵇ أراد تنزيه أمته عن أمثال الكلاب؛ لأنه أبطل أن يكون لهم الرجوع فى هباتهم، ويصلح الاحتجاج بهذه الحجة لمالك.

стр. 3373

قال الطحاوى: واحتج أهل المقالة الأولى بحديث طاوس، عن ابن عباس، وابن عمر، أن النبى، ﵇، قال: (لا يحل لواهب أن يرجع فى هبته إلا الوالد لولده) ، ولا دليل لهم فيه على تحريم الرجوع فى الهبة، فقد يجوز أن يكون النبى، ﵇، وصف ذلك الرجوع بأنه لا يحل؛ لتغليظه إياه لكراهته أن يكون أحد من أمته له مثل السوء. وقد قال ﵇: (لا تحل الصدقة على ذى مرة سوى) ، فلم يكن ذلك على معنى أنها تحرم عليه كما تحرم على الغنى، ولكنها لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوى الحاجة والزمانة، فكذلك قوله: (لا يحل للواهب أن يرجع فى هبته) ، إنما هو على أنه لا يحل له ذلك، كما تحل له الأشياء التى قد أحلها الله له. وقال الطبرى: قوله ﵇: (العائد فى هبته) ، معناه الخصوص، وذلك لو أن قائلاً قال: العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه، إلا أن يكون والدًا للموهوب له، أو تكون هبته لثواب يلتمسه، فإنه ليس له مثل السوء، لم يكن مختلاً فى كلامه، ولا مخطئًا فى منطقه. فإن قيل: فبين لنا من يجوز له الرجوع فى هبته ومن لا يجوز، ومن المعنى بالذم فى ذلك. قيل: من وهب طلب ثواب إما باشتراط ذلك أو بغير اشتراط بعد أن يكون الأغلب من أمر الواهب والموهوب له أن مثله يهب مثله طلب الثواب منه، فله الرجوع.

стр. 3374

وأما الواهب لله يطلب الأجر كالواهب الغنى للفقير المحتاج، أو طلب صلة رحم كالواهب يهب لأحد أبويه، أو أخيه، أو أخته، أو قريب له قريب القرابة يريد بذلك صلة رحمه، فلا رجوع له، فهذا المعنى بالذم بقوله: (كالكلب يعود فى قيئه) . وقد أشار المهلب إلى قريب من هذا المعنى، وقال: وعلى هذا التأويل لا تتعارض الأحاديث، فيكون معنى قوله فى حديث عمر: (العائد فى صدقته) ، مفسرًا لقوله فى حديث ابن عباس: (العائد فى هبته) ، أن الهبة التى تجرى مجرى الصدقة والصلة، لا يجوز الرجوع فيها، وإنما يرجع فيما خرج من هذا المعنى وأريد به الثواب، وقد تقدم فى كتاب الزكاة واختلاف أهل العلم فى شراء الرجل صدقته فى باب هل يشترى الرجل صدقته؟ . قال الطحاوى: وقد بين ما قلنا ما روى عن عمر بن الخطاب، روى مالك، عن داود ابن الحصين، عن أبى غطفان بن ظريف، عن مروان بن الحكم، أن عمر بن الخطاب قال: من وهب لصلة رحم أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع بها، إن لم يرض منها، فهذا عمر بن الخطاب فرق بين الهبات والصدقات، فجعل الصدقات لله لا يرجع فيها، وجعل الهبات على ضربين، فضرب منها لصلة الأرحام، فرد ذلك إلى حكم الصدقات لله، ومنع الواهب من الرجوع فيها، وضرب منها جعل فيه الرجوع للواهب ما لم يرض منه.

стр. 3375

٣٠ - بَاب / ٥١ - فيه: [عبد الله بن عبد الله بن أبى مليكة] ، أَنَّ بَنِى صُهَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْبًا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَدَعَاهُ، فَشَهِدَ لأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ. إنما ذكر هذا الحديث فى كتاب الهبة؛ لأن فيه هبة النبى ﷺ البيتين والحجرة لصهيب. فإن قيل: كيف قضى مروان بشهادة ابن عمر وحده لبنى صهيب، وذلك خلاف السنة؟ قيل: إن مروان إنما حكم بشهادة ابن عمر مع يمين المطالب على ما جاء فى السنة من القضاء باليمين مع الشاهد، ولم يذكر ذلك فى الحديث. ٣١ - بَاب مَا قِيلَ فِى الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى / ٥٢ - فيه: جَابِر، أن النَّبِىّ، ﵇، قَضَى بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. / ٥٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِىّ ﷺ قَالَ: (الْعُمْرَى جَائِزَةٌ) ، وَجَابِر مثله. قال أبو عبيد: تأويل العمرى أن يقول الرجل للرجل: هذه الدار لك عمرك، أو يقول: هذه الدار لك عمرى، وأصله مأخوذ من العمر. اختلف العلماء فى العمرى، فقال مالك: إذا قال: أعمرتك دارى أو ضيعتى، فإنه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته، فإذا مات رجعت الرقبة إلى المالك وهو المعمر، وإذا قال: قد أعمرتك

стр. 3376

وعقبك، فإنه قد وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقى منهم إنسان، فإذا انقضوا رجعت الرقبة إلى المالك المعمر؛ لأنه وهب له المنفعة، ولم يهب له الرقبة. وروى مثله عن القاسم بن محمد، ويزيد بن قسيط، وهو أحد قولى الشافعى. وقال الكوفيون والشافعى فى أحد قوليه وأحمد بن حنبل: العمرى تصير ملكًا للمعمر ولورثته، ولا تعود ملكًا إلى المعطى أبدًا. واحتجوا بما رواه مالك، عن ابن شهاب، عن أبى سلمة، عن جابر، أن النبى، ﵇، قال: (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذى يعطاها لا ترجع إلى الذى أعطاها أبدًا؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. وقالوا: إن مالكًا روى هذا الحديث وخالفه، قال: ليس عليه العمل ووددت أنه محى، واحتج أصحاب مالك بأن الإعمار عند العرب والإفقار والإسكان والمنحة والعارية والإعراء، إنما هو تمليك المنافع لا تمليك الرقاب، وللإنسان أن ينقل منفعة الشىء الذى يملك إلى غيره مدة معلومة ومجهولة إذا كان ذلك على غير عوض؛ لأن ذلك فعل خير ومعروف، ولا يجوز أن يخرج شىء عن ملك مالكه إلا بيقين ودليل على صحته. وقد قال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا على شروطهم فيما أعطوا، والدليل على أن العمرى لا تقتضى نقل الملك عن الرقبة أنه لو قال: بعتك شهرًا أو تصدقت بها عليك شهرًا، وأراد نقل ملك

стр. 3377

الرقبة لم يصح، كذلك إذا قال: أعمرتك؛ لأنه علقه بوقت مقيد، وهو عمره. وأما حديث أبى سلمة الذى احتجوا به، فهو حجة عليهم، وذلك أن المعمر إذا أعمر زيدًا وعقبه، فليس له أن يرجع فيما أعطى زيدًا، فكذلك فيما أعطى عقبه، والكوفى خالف هذا الحديث، ولم يقل بظاهره كما زعم؛ لأنه يقول: إن للمعمر بيع الشىء الذى أعمره، ومنع ورثته منه، وهذا خلاف شرط المعمر؛ لأنه أعطى عقبه كما أعطاه، وليس هو بأولى بالعطية من عقبه، وهو معنى قوله ﵇: (لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث) ، يعنى التداول للمنفعة لا ميراث الرقبة. وقد قال تعالى: (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) [الأحزاب: ٢٧] ، فلم يملكوها بالمواريث التى فرض الله، وإنما أخذوا منهم ما كان فى أيديهم، فكذلك العقب فى العمرى يأخذ ما كان لأبيه بعطية المالك. واختلفوا فى الرقبى، فأجازها أبو يوسف والشافعى كأنها وصية عندهم. وقال مالك، والكوفيون، ومحمد: لا تجوز، واحتجوا بما رواه حبيب بن أبى ثابت، عن ابن عمر، أن النبى، ﵇، نهى عن الرقبى، وقال: (من أرقب رقبى فهى له) ، والرقبى عند مالك: أن يقول للرجل: إن مت قبلك فدارى لك، وإن مت قبلى فدارك لى، فكأن كل واحد منهما يقصد إلى عوض لا يدرى هل يحصل له، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه، وليس كذلك العمرى؛ لأن المعمر لا يقصد عوضًا عن الذى أخرج عن يده.

стр. 3378

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٦ - كتاب العارية - بَاب مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الْفَرَسَ وَالدَّابَّةَ وَغَيْرَهما / ١ - فيه: أَنَس، كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِىُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِى طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ: الْمَنْدُوبُ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ، قَالَ: (مَا رَأَيْنَا مِنْ شَىْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا) . اختلف العلماء فى عارية الحيوان والعقار وما لا يعاب عليه، فروى ابن القاسم، عن مالك، أن من استعار حيوانًا أو غيره مما لا يعاب عليه فتلف عنده، فهو مصدق فى تلفه، ولا يضمنه إلا بالتعدى، وهو قول الكوفيين والأوزاعى. وقال عطاء: العارية مضمونة على كل حال، كانت مما لا يعاب عليه أم لا، وسواء تعدى فيها أو لم يتعد، وبه قال الشافعى، وأحمد بن حنبل، واحتجوا بما رواه إسماعيل ابن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولانى، قال: سمعت أبا أمامة الباهلى أنه سمع النبى، ﵇، فى حجة الوداع يقول: (العارية مؤداة، والزعيم غارم) . وروى أن ابن عباس وأبا هريرة ضمنا العارية. والحجة للقول الأول أن معنى قوله: (العارية مؤداة) ، هو كمعنى قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) [النساء: ٥٨] ، فإذا تلفت الأمانة لم يلزم المؤتمن عزمها، فكذلك العارية إذا علم أنها

стр. 3379

قد تلفت؛ لأنه لم يأخذها على الضمان، ولا هو متعد بالأخذ، فهى أمانة عند المستعير، فإذا تلفت بتعديه عليها، لزمه قيمتها بجنايته عليها، بمنزلة ما لو تعدى عليها وهى فى يد ربها، فعليه قيمتها، وروى عن على وابن مسعود أنه ليس على مؤتمن ضمان. وممن كان لا يضمن المستعير الحسن والنخعى، وقال شريح: ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان، وكتب عمر بن عبد العزيز فى العارية: لا يضمن صاحبها إلا أن يطلع منه على خيانة. - بَاب الاسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ الْبِنَاءِ / ٢ - فيه: عَائِشَةَ كَانَ عَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِى انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِى الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِى مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلاَ أَرْسَلَتْ إِلَىَّ تَسْتَعِيرُهُ. قال المهلب: عارية الثياب فى العرس من فعل المعروف والعمل الجارى عندهم، وأنه مرغب فى أجره؛ لأن عائشة لم تمنع منه أحدًا. وفيه أن المرأة قد تلبس فى بيتها ما خشن من الثياب، وما لا يلبسه بعض الخدم، والقطر ثياب من غليظ القطن، وتقين يعنى تزين. قال صاحب الأفعال: قان الشىء قيانة: أصلحه، والقينة:

стр. 3380

الأمة، ويقال: قن إياك عند الحداد، أى أصلحه، ومنه قيل للحداد: قين. قال أبو عمرو: أصله من إقيان البيت إقيانًا إذا حسن، ومنه قيل للمرأة: مقينة؛ لأنها تزين. قال غيره: القينة الماشطة، والقينة المغنية، والقينة الجارية، وكل صانع عند العرب قين. واختلف العلماء فى عارية الثياب والعروض وما يعاب عليه، فقال ابن القاسم فى المدونة: من استعار ما يعاب عليه من ثوب أو غيره فهلك عنده، فهو له ضامن ولا يقبل قوله فى هلاكه إلا أن يكون هلاكه ظاهرًا معروفًا، تقوم له به بينة من غير تفريط ولا تضييع فلا يضمن. وقال أشهب: يضمن، وإن أقام بينة أنه هلك بغير سببه، لحديث صفوان فى السلاح، وهو قول الشافعى قال: كل عارية مضمونة ما يعاب عليه وما لا يعاب، وسواء تعدى فى تلفه أم لا، وقد تقدم فى الباب قبل هذا من قال بهذا القول. وقالت طائفة: إنها أمانة على كل وجه، ولا يضمن ما تلف إلا بتعدى المستعير، ويقبل قوله فى تلفها، هذا قول الحسن البصرى والنخعى، وبه قال الأوزاعى والثورى وأبو حنيفة وأصحابه. وروى عن عمر وعلى وابن مسعود أنه لا ضمان فى العارية، واحتج الشافعى وأحمد بحديث صفوان بن أمية، أن النبى ﷺ استعار منه أدراعًا يوم حنين، فقال له: يا محمد، مضمونة؟ فقال: (مضمونة) ، فضاع بعضها، فقال له النبى ﷺ : (إن شئت غرمناها لك) ، فقال: لأنا أرغب فى الإسلام من ذلك يا رسول الله. رواه

стр. 3381

ابن أبى مليكة، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه، وروى قتادة، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، وقال: أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ فقال: بل مؤداة، وهذا ينفى الضمان، وحديث صفوان قد اضطرب جدًا فلا حجة فيه. وأيضًا: فلو وجب على النبى ﷺ الضمان لم يقل له: (إن شئت غرمناها لك) ، واحتجوا بحديث القصعة التى أهدتها بعض أزواج النبى ﷺ بطعام فكسرتها عائشة، فقال النبى ﷺ : (غارت أمكم، وغرم القصعة) . وقال ابن القصار: اختلفت الألفاظ فى خبر صفوان، فاستعملنا ما ورد منها بالضمان فيما يعاب عليه كما كان فى سلاح صفوان والقصعة، واستعملنا ما ورد بإسقاط الضمان فيما لا يعاب عليه؛ لأنه يمكن كتمانه، فنكون قد استعملنا كل خبر على فائدة غير فائدة صاحبه، ولا يمكن المخالفين استعمالها إلا على معنى واحد فيما يعاب عليه من العارية وما لا يعاب عليه، أما فى وجوب الضمان على قول الشافعى، أو إسقاطه على قول أهل العراق، فاستعمالنا أولى لكثرة الفوائد. قال المهلب: وإنما ألزمته ملك الضمان فيما يعاب عليه؛ لئلا يدعى المستعير هلاك العارية فيتطرق بذلك إلى أخذ مال غيره.

стр. 3382

٣ - بَاب فَضْلِ الْمَنِيحَةِ / ٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِىُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِىُّ تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ) . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكٍ: نِعْمَ الصَّدَقَةُ. / ٤ - فيه: أَنَس، لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ، وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَىء، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُوهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَئُونَةَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أَنَسٍ أُمُّ سُلَيْمٍ، كَانَتْ أُمَّ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، وَأَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ النَّبِىّ ﷺ عِذَاقًا، فَأَعْطَاهُنَّ النَّبِىُّ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلاَتَهُ، أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمِ الَّتِى كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ، فَرَدَّ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى أُمِّهِ عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى النَّبِىّ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ. وَقَالَ يُونُسَ مرة: (مِنْ خَالِصِهِ) . / ٥ - وفيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلاَهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا، وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إِلاَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ) ، قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ مِنْ رَدِّ السَّلاَمِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَغيره، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً. / ٦ - وفيه: جَابِر، كَانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضِينَ، فَقَالُوا: نُؤَاجِرُهَا

стр. 3383

بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبىُّ ﷺ : (مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ) . / ٧ - وفيه: أَبُو سَعِيدٍ، جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: (وَيْحَكَ إِنَّ الْهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ عندك مِنْ إِبِلٍ) ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَتُعْطِى صَدَقَتَهَا) ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا) ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا) . / ٨ - وفيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ تَهْتَزُّ بزَرْعها، فَقَالَ: (لِمَنْ هَذِهِ؟) فَقَالُوا: اكْتَرَاهَا فُلاَنٌ، فَقَالَ: (أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا) . المنيحة هى الناقة والشاة ذات الدر تعار للبنها، ثم ترد إلى أهلها، والمنحة عند العرب كالإفقار، والعمرى، والعارية، وهى تمليك المنافع لا تمليك الرقاب، ألا ترى قوله فى حديث أنس: (فلما فتح الله على رسوله ﷺ غنائم خيبر رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم وثمارهم. وقوله فى حديث جابر: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه) ، إنما يريد يهبه الانتفاع بها ولا يكريها منه بأجر، يبين ذلك قوله فى حديث ابن عباس: (أما إنه لو منحها إياه لكان خيرًا له من أن يأخذ عليها أجرًا) . وقوله فى حديث أبى سعيد بعد أن سأل النبى ﷺ صاحب الإبل إن كان

стр. 3384

يؤدى صدقتها، قال: (فهل تمنح منها؟) ، فدل أن المنحة غير إعطاء الرقاب؛ لأن إعطاء الرقاب قد تضمنته الزكاة، فدلت هذه الآثار على أن المنيحة التى حض النبى ﷺ أمته عليها من الأرض والثمار والأنعام، هى تمليك المنافع لا تمليك الرقاب. واللقحة الناقة التى لها لبن يحلب، والجمع لقاح، والصفى الغزيرة اللبن. قال المهلب: وقوله: (تغدو بإناء وتروح بإناء) ، يعنى أنها تغدو بأجر حلبها فى الغدو والرواح، والسنة أن ترد المنيحة إلى أهلها إذا استغنى عنها، كما رد النبى، ﵇، إلى أم سليم عذاقها، وكما رد المهاجرون للأنصار منائحهم حين أغناهم الله بخيبر، والمنحة والعارية والإفقار وغير ذلك هو من باب المشاركة والصلة، لا من باب الصدقة؛ لأنها لو كانت من باب الصدقة لما حلت للنبى ﷺ ، ولكانت عليه حرامًا، ولو كان فى أخذها غضاضة لما قبلها، ﵇. وأما قوله ﵇: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز) ، ولم يذكر الأربعين خصلة فى الحديث، ومعلوم أنه كان عالمًا بها كلها لا محالة، إلا لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك والله أعلم خشية أن يكون التعيين لها والترغيب فيها زهدًا فى غيرها من أبواب المعروف وسبل الخير، وقد جاء عنه، ﵇، من الحض على أبواب من أبواب الخير والبر ما لا يحصى كثرة، وليس قول

стр. 3385

حسان بن عطية: فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة، بمانع أن يجدها غيره، وقد بلغنى عن بعض أهل عصرنا أنه طلبها فى الأحاديث، فوجد حسابها يبلغ أزيد من أربعين خصلة، فمنها: أن رجلاً سأل النبى ﷺ عن عمل يدخله الجنة، فقال له ﵇: لئن كنت قصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، فذكر له عتاقات، ثم قال له: والمنحة الركوب الغزيرة الدر، والفىء على ذى الرحم القاطع، فإن لم تطق ذلك فاطعم الجائع، واسق الظمآن، فهذه ثلاث خصال أعلاهن المنحة، وليس الفىء على ذى الرحم منها؛ لأنها أفضل من منيحة العنز، وإنما شرط أربعين خصلة أعلاهن منيحة العنز. ومنها السلام على من لقيت، وفى الحديث: (من قال: السلام عليك، كتبت له عشر حسنات، ومن زاد: ورحمة الله، كتبت له عشرون، ومن زاد: وبركاته، كتبت له ثلاثون حسنة) ، وتشميت العاطس، وفى الحديث: (ثلاث تثبت لك الود فى صدر أخيك: إحداهن تشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق. . .) ، وفى الحديث: (أن رجلاً أخر غصن شوك من الطريق، فشكر الله له فغفر له) . وإعانة الصانع، والصنعة للأخرق، وإعطاء صلة الحبل، وإعطاء شسع النعل، وأن يؤنس الوحشان، وسأل رجل النبى ﷺ عن المعروف، فقال: (لا تحقرن منه شيئًا ولو شسع النعل، ولو أن يعطى

стр. 3386

الحبل، ولو أن يؤنس الوحشان) . وقال أبو سليمان الخطابى: وقيل فى تأويل أنس الوحشان وجهان: أحدهما: أن تلقاه بما يؤنسه من القول الجميل. والوجه الآخر: أنه أريد به المنقطع بأرض الفلاة، المستوحش بها تحمله فتبلغه مكان الأنس، والأول أشبه. وكشف الكربة عن مسلم، قال ﵇: (من كشف عن أخيه كربة، كشف الله عنه كربة من كربات يوم القيامة) . وكون المرء فى حاجة أخيه، قال ﵇: (الله فى عون العبد مادام العبد فى عون أخيه) . وستر المسلم، قال ﵇: (من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة) . والتفسح لأخيك فى المجلس، قال تعالى: (فافسحوا يفسح الله لكم) [المجادلة: ١١] ، وقال ﵇: (ثلاث تثبت لك الود فى صدر أخيك: إحداهن أن توسع له فى المجلس) . وإدخال السرور على المسلم، ونصر المظلوم، والأخذ على يدى الظالم، قال ﵇: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) . والدلالة على الخير، وقد قال ﵇: (الدال على الخير كفاعله) . والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس، قال الله تعالى: (لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) [النساء: ١١٤] الآية، وقول طيب ترد به المسكين، قال الله تعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) [البقرة: ٢٦٣] ، وقال تعالى: (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى) [النساء: ٨] الآية، وقال ﵇: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة) .

стр. 3387

وأن تفرغ من دلوك فى إناء المستقى، أمر به ﵇ الذى سأله عن المعروف، وغرس المسلم وزرعه، قال ﵇: (ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة) . والهدية إلى الجار، قال ﵇: (يا نساء المؤمنات، لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو فرسن شاة محرقًا) . والشفاعة للمسلم، فإن الله تعالى يقول: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها) [النساء: ٨٥] ، وقال ﵇: (اشفعوا تؤجروا) . ورحمة عزيز ذل، وغنى افتقر، وعالم بين جهال، روى ذلك فى حديث عن النبى. وعيادة المرضى، وفى الحديث: (عائد المريض على مخارف الجنة، وعائد المريض يخوض فى الرحمة، فإذا جلس عنده استقرت به الرحمة) . والرد على من يغتاب أخاك المسلم، وفى الحديث: (من حمى مؤمنًا من منافق يغتابه بعث الله إليه ملكًا يوم القيامة يحمى لحمه من النار) . ومصافحة المسلم، وفى الحديث: (لا يصافح مسلم مسلمًا فتزول يده من يده حتى يغفر لهما) ، وفى حديث آخر: (تصافحوا يذهب الغل) . والتحاب فى الله، والتجالس فى الله، والتزاور فى الله، والتبادل فى الله، قال الله تعالى: وجبت محبتى لأصحاب هذه الأعمال الصالحة، وعون الرجل الرجل فى دابته يحمله عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، روى ذلك عن رسول الله ﷺ وذكر النصح لكل مسلم.

стр. 3388

٤ - بَاب إِذَا قَالَ: أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ فَهُوَ جَائِزٌ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ، وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ فَهُوَ هِبَةٌ. / ٩ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَوْهَا هَاجَرَ، فَرَجَعَتْ، فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ، وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً) . وَقَالَ مرة: (فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ) . لا أعلم خلافًا بين العلماء أنه إذا قال له: أخدمتك هذه الجارية، أو هذا العبد أنه قد وهب له خدمته لا رقبته، وأن الإخدام لا يقتضى تمليك الرقبة عند العرب، كما أن الإسكان لا يقتضى تمليك رقبة الدار، وليس ما استدل به البخارى من قوله: فأخدمها هاجر، بدليل على الهبة، وإنما تصح الهبة فى الحديث من قوله: (فأعطوها هاجر) ، فكانت عطية تامة. واختلف ابن القاسم وأشهب فيمن قال: وهبت خدمة عبدى لفلان، فقال ابن القاسم: يخدمه حياة العبد، فإن مات فلان فلورثته خدمة العبد ما بقى العبد، إلا أن يستدل من قوله أنه أراد حياة المخدم، ولا تكون هبة لرقبة العبد، وقال أشهب: إذا قال: وهبت خدمة عبدى لفلان، فإنه يحمل على أنه حياة فلان، ولو كانت حياة العبد كانت هبة لرقبته. وقول ابن القاسم أصح من قول أشهب؛ لأنه لا يفهم من هبة الخدمة هبة الرقبة، والأموال لا تستباح إلا بيقين.

стр. 3389

ولم يختلف العلماء أنه إذا قال: كسوتك هذا الثوب مدة يسميها فله شرطه، فإن لم يذكر أجلاً فهو هبة؛ لأن لفظ الكسوة يقتضى الهبة للثوب، لقوله تعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم) [المائدة: ٨٩] ، ولم تختلف الأمة أن ذلك تمليك للطعام والثياب. ٥ - بَاب إِذَا حَمَلَ رَجُلاً عَلَى فَرَسٍ فَهُوَ كَالْعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا. / ١٠ - فيه: عُمَرُ، إنى حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ النَّبِىّ ﷺ فَقَالَ: (لاَ تَشْتَرِهِ، وَلاَ تَعُدْ فِى صَدَقَتِكَ) . لا خلاف بين العلماء أن العمرى إذا قبضها المعمر لا يجوز الرجوع فيها، وكذلك الصدقة لا يجوز لأحد أن يرجع فى صدقته؛ لأنه أخرجها لله تعالى، فكذلك الحمل على الخيل فى سبيل الله لا رجوع فيه؛ لأنه صدقة لله، فما كان من الحمل على الخيل تمليكًا للمحمول عليه بقوله: هو لك، فهو كالصدقة المبتولة إذا

стр. 3390

بضت أنها ملك للمتصدق عليه، وما كان منه تحبيسًا فى سبيل الله فهو كالأوقاف لا يجوز الرجوع فيه عند جمهور العلماء. وخالف ذلك أبو حنيفة، وجعل الحبس باطلاً فى كل شىء، ولهذا قال البخارى: وقال بعض الناس: له أن يرجع فيها؛ لأنه عنده حبس باطل راجع إلى صاحبه. وفى حديث عمر جواز تحبيس الخيل، وهو يرد قول أبى حنيفة، ولا يخلو الفرس الذى حمل عليه عمر وأراد شراءه من أن يكون حبسه فى سبيل الله، أو حمل عليه وجعله ملكًا للمحمول عليه، فإن كان حبسًا فلا يجوز بيعه عند العلماء إلا أن يضيع أو يعجز عن اللحاق بالخيل، فيجوز حينئذ بيعه ووضع ثمنه فى فرس عتيق إن وجده، وإلا أعان به فى مثل ذلك، وإن كان عمر قد أمضى الفرس للذى حمله عليه وملكه إياه، فهو ملك للمتصدق عليه كالصدقة المبتولة، فجاز له التصرف فيه وبيعه من الذى حمله عليه، كما يجوز له بيعه من غيره، وإنما أمره ﵇ بتركه تنزهًا لا إيجابًا، وقد تقدم فى كتاب الجهاد فى باب إذا حمل على فرس فى سبيل الله فرآها تباع اختلاف العلماء فيمن حمل على فرس فى سبيل الله، ولم يقل: هو حبس فى سبيل الله،

стр. 3391

فأغنى عن إعادته، وسيأتى فى كتاب الأوقاف اختلافهم فى جواز تحبيس الحيوان فى باب وقف الدواب والكراع، إن شاء الله.

стр. 3392

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٧ - كِتَاب النِّكَاحِ - باب التَّرْغِيبِ فِى النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) [النساء: ٣] الآيَة / ١ - فيه: أَنَس، جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِىِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا، كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ ، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّى أُصَلِّى اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: (أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا، وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لأخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، ولَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى) . / ٢ - وفيه: عَائِشَةَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى) [النساء: ٣] ، قَالَتْ: هى الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِى حَجْرِ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ فِى مَالِهَا وَجَمَالِهَا، يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ صَدَاقِهَا، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، فَيُكْمِلُوا الصَّدَاقَ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ. قال أهل التفسير فى قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم) [النساء: ٣] ، يعنى فانكحوا ما أحللت لكم مثنى وثلاث ورباع.

стр. 3393

قال المهلب: فى هذا الحديث من الفقه أن النكاح من سنن الإسلام، وأنه لا رهبانية فى شريعتنا، وأن من ترك النكاح رغبة عن سنة محمد، ﵇، فهو مذموم مبتدع، ومن تركه من أجل أنه أوفق له وأعون على العبادة فلا ملامة عليه؛ لأنه لم يرغب عن سنة نبيه وطريقته، وفيه الاقتداء بالأئمة فى العبادة، والبحث عن أحوالهم وسيرهم فى الليل والنهار، وأنه لا يجب أن يتعدى طرق الأئمة الذين وضعهم الله ليقتدى بهم فى الدين والعبادة، وأنه من أراد الزيادة على سيرهم فهو مفسد، فإن الأخذ بالتوسط والقصد فى العبادة أولى حتى لا يعجز عن شىء منها، ولا ينقطع دونها، لقوله ﵇: (خير العمل ما دام عليه صاحبه وإن قل) . وفى تفسير عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك من صداق المثل، والرد إليه فيما فسد صداقه، ووقع الغبن فى مقداره؛ لقولها: من سنة صداقها، فوجب أن يكون الصداق معروفًا لكل طبقة من الناس على قدر أحوالهم، وقد قال مالك: للناس مناكح قد عرفت لهم، وعرفوا بها، أى أن للناس صدقات وأكفاء، فإذا كان الله قد نهى عن نكاح اليتيمة حتى يبلغها صداق مثلها، فوجب ألا يجوز نكاح بقبضة تبن، ولا بما لا خطر له ولا حطب، كما قال بعض الناس، والذى أصله مالك فى أقل الصداق، وهو الذى يؤدى إليه النظر على كتاب الله،

стр. 3394

ويصححه القياس من أنه لا يستباح عضو مسلمة بأقل مما استباحه النبى، ﵇، من عضو مسلم بالسرقة، وذلك ربع دينار فما كان أقل من ذلك فخلاف للسنة، وستأتى مذاهب العلماء فى هذه المسألة بعد هذا. وفيه: أن تفسير القرآن لا يؤخذ إلا عمن له علم به، كما كانت عائشة أولى الناس بعلمه من قبل الرسول ﷺ لاختصاصها به. وفيه: أن المرأة غير اليتيمة لها أن تنكح بأدنى من صداق مثلها؛ لأنه تعالى إنما حرج ذلك فى اليتامى، وأباح سائر النساء بما أجبن إليه من الصداق، هذا مفهوم من الآية. وفيه: أن لولى اليتيمة أن ينكحها من نفسه إذا عدل فى صداقها. - باب قَوْلِ النَّبِىِّ، ﵇: (مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ) ، وَهَلْ يَتَزَوَّجُ مَنْ لا إِرَبَ لَهُ فِى النِّكَاحِ ؟ / ٣ - فيه: عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِاللَّهِ فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ، إِنَّ لِى إِلَيْكَ حَاجَةً فَخَلَيا، فَقَالَ عُثْمَانُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ فِى أَنْ أُزَوِّجَكَ بِكْرًا تُذَكِّرُكَ

стр. 3395

مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُاللَّهِ أَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى هَذَا أَشَارَ لَىّ، فَقَالَ: يَا عَلْقَمَةُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا النَّبِىُّ ﵇: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) . وترجم له: (باب من لم يستطع الباءة فليصم) . ذهب جماعة الفقهاء إلى أن النكاح مندوب إليه مرغب فيه، وذهب أهل الظاهر إلى أنه فرض على الرجل والمرأة مرة فى الدهر إن كان الرجل واجدًا لطول الحرة، وإن عدم لزمه نكاح الأمة، واحتجوا بظاهر هذا الحديث، وحملوا أمره ﵇ بالنكاح على الإيجاب، قالوا: ولكنه أمر لخاص من الناس، وهم الخائفون على أنفسهم العنت بتركهم النكاح، فأما من لم يخف العنت، فهو غير مراد بالحديث. قالوا: وقد بين صحة قولنا إخباره ﵇ عن السبب الذى من أجله أمر الذى يستطيع الباءة بالنكاح، وذلك قوله: (فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج) ، فمن قدر على غض بصره عن المحارم، وتحصين فرجه فغير فرض عليه النكاح، ومن كان غير قادر على ذلك وخشى مواقعة الحرام، فالنكاح فرض عليه لأمر النبى، ﵇، إياه به. واحتج أهل المقالة الأولى بقوله: (ومن لم يستطع فعليه بالصيام) ، وإذا كان الصوم الذى هو بدل عن النكاح ليس بواجب فمبدله مثله، وأيضًا فإن جماعة من الصحابة تركوه وهم قادرون

стр. 3396

عليه وعكفوا على العبادة، فلو كان واجبًا لكان تركه معصية، ولا يجوز أن يفعله الصحابة وهو معصية، وخاصة بكون الرسول ﷺ باقيًا، فلما لم ينقل عنه ولا عن الأئمة بعده النكير على من لم يتزوج، علم أنه غير واجب. فإن قال أهل الظاهر: قد قال معاذ بن جبل: زوجونى لئلا ألقى الله أعزب، وقال عمر لأبى الزوائد: لم لا تتزوج؟ ما يمنعك منه مع علمك بوجوبه إلا عجز أو فجور، قيل: أما معاذ فأراد أن يلقى الله على أكمل أحواله؛ لأن النكاح مندوب إليه، ويحتمل أن يريد عمر بوجوبه وجوب سنة، وهذا أبو الزوائد من الصحابة لم يتزوج. ومن الدليل أنه غير فرض أنه قضاء شهوة، ولم يفرض الله على أحد من خلقه فرضًا هو شهوة لا يخاف مع تركها الهلاك، فإن قالوا: الغذاء هو شهوة، وقد فرض الله إحياء النفوس به، قيل: ليس فى ترك الجماع خوف الهلاك كما فى فقد الغذاء، فهما غير مشتبهين. وإذا كان لا يخاف الهلاك فى فقد الجماع، فالفضل فى الصبر على تركه، إذ الفضل فى ترك اللذات، وفى إجماع الحجة على أن من صبر عن النكاح ولم يقتحم محرمًا بصبره عنه غير حرج ولا آثم أدل دليل على صحة ما قلناه من أن أمر النبى، ﵇، بالنكاح على الندب لا على الفرض، وهذا قول الطبرى، وابن القصار، وقد تقدم تفسير الباءة والوجاء فى كتاب الصيام.

стр. 3397

٣ - باب كَثْرَةِ النِّسَاءِ / ٤ - فيه: عَطَاء، حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جِنَازَةَ مَيْمُونَةَ بِسَرِفَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِىِّ، ﵇، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا، فَلا تُزَعْزِعُوهَا، وَلا تُزَلْزِلُوهَا، وَارْفُقُوا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِىِّ ﵇ تِسْعٌ كَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ، وَلا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ. / ٥ - وفيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِى لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ. / ٦ - وفيه: ابْن جُبَيْرٍ، قال: قال لِى ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: فَتَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً. قال المهلب: لم يرد ابن عباس أنه من كثر نساؤه من المسلمين أنه خيرهم، وإنما قاله على معنى الحض والندب إلى النكاح، وترك الرهبانية فى الإسلام، وأن النبى، ﵇، الذى يجب علينا الاقتداء به واتباع سنته كان أكثر أمته نساء؛ لأن الله تعالى أحل له منهن تسعًا بالنكاح، ولم يحل لأحد من أمته غير أربع. وفى هذا الحديث من الفقه أن حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًا؛ لأن ابن عباس راعى من توقير زوج النبى ﷺ بعد موتها ما كان يراعيه فى حياتها، والتى لم يقسم لها النبى ﷺ من أزواجه هى سودة؛ لأنها وهبت يومها لعائشة؛ لعلمها بحب النبى ﷺ لها، وإنما فعلت ذلك رغبة أن تحشر فى جملة أزواج النبى ﷺ ، فكانت من أزواجه ولم يكن لها قسمة فى المبيت. وقال صاحب العين: الزعزعة تحريك الشىء إذا أردت

стр. 3398

رفعه، وكذلك تحريك الريح الشجر، والزلزلة الاضطراب أخذ من زلزلة الأرض. ٤ - باب مَنْ هَاجَرَ أَوْ عَمِلَ خَيْرًا لِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ فَلَهُ مَا نَوَى / ٧ - فيه: عُمَر، قال النَّبِىّ ﷺ : (الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) . قال محمد بن الحسين الآجرى: لما هاجر النبى، ﵇، من مكة إلى المدينة وجب على جميع المسلمين ممن هو بمكة أن يهاجروا، ويدعوا أهليهم وعشائرهم وديارهم، يريدون بذلك وجه الله، فكان الناس يهاجرون على هذا النعت، فخرج رجل من مكة مهاجرًا فى الظاهر قد شمله الطريق مع الناس، ولم يكن مراده الله ورسوله، وإنما كان مراده تزويج امرأة من المهاجرات قبله أراد تزويجها، فلم يعد فى المهاجرين، وسمى مهاجر أم قيس. ٥ - باب تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ الَّذِى مَعَهُ الْقُرْآنُ وَالإسْلامُ / ٨ - فيه: سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇. / ٩ - وفيه: ابْن مَسْعُود، كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِىِّ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَسْتَخْصِى؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. قال المهلب: أما قوله: تزويج المعسر الذى معه القرآن والإسلام،

стр. 3399

فدليل على أنه لم يملكها إياه على التعليم، ولو كان على التعليم لما كان معسرًا. وقوله: والإسلام يدل على ذلك؛ لأنها كانت مسلمة، فلا يجوز أن يعلمها الإسلام، فيكون على معنى الأجرة، وإنما راعى له ﵇ حرمة حفظه القرآن، ومن جعله على التعليم فقد يجوز ألا تتعلم شيئًا فلا يستحقها الزوج، وقد ملكه الرسول ﷺ إياها قبل التعليم. وسيأتى مذاهب العلماء فى قوله ﵇: (قد زوجتكها بما معك من القرآن) ، فى حديث سهل بعد هذا، إن شاء الله، وأما موضع الترجمة من حديث ابن مسعود، فهو أنه ﵇، لما نهى أصحابه المعسرين عن الخصاء، دل على جواز التزويج للمعسر، ولو لم يجز التزويج إلا للأغنياء لحظره عليهم من أجل عسرتهم، فهو دليل فى حديث ابن مسعود، ونص فى حديث سهل بقوله: (قد زوجتكها بما معك من القرآن) ، وكتاب الله شاهد بصحة هذا المعنى، وهو قوله: (وأنكحوا الأيامى منكم) [النور: ٣٢] الآية. ٦ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لأخِيهِ: انْظُرْ أَىَّ زَوْجَتَىَّ شِئْتَ حَتَّى أَنْزِلَ لَكَ عَنْهَا رَوَاهُ ابْنُ عَوْفٍ . / ١٠ - فيه: أَنَس، قَدِمَ عَبْدُالرَّحْمَنِ، فَآخَى النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأنْصَارِىِّ، وَعِنْدَ الأنْصَارِىِّ امْرَأَتَانِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِى أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِى عَلَى السُّوقِ،

стр. 3400

فَأَتَى السُّوقَ فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وسَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِىُّ، ﵇، بَعْدَ أَيَّامٍ، وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: (مَهْيَمْ يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ. . .) الحديث. فى هذا الحديث ما كان عليه الصدر الأول من هذه الأمة من الإيثار على أنفسهم، وبذل النفيس لإخوانهم، كما وصفهم الله فى كتابه. قال المهلب: وفيه جواز عرض الرجل أهله على أهل الصلاح من إخوانه. وفيه: أنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوجها. وفيه: المواعدة بطلاق امرأة لمن يحب أن يتزوجها، وفيه تنزه الرجل عما يبذل له ويعرض عليه من المال وغيره، والأخذ بالشدة على نفسه فى أمر معاشه. وفيه: أن العيش من تجر أو صناعة أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الصدقات والهبات وشبهها. وفيه: مباشرة الفضلاء للتجارات بأنفسهم وتصرفهم فى الأسواق فى معايشهم وليس ذلك نقص لهم. وفيه: سؤال الرجل عن من تزوج وما نقد ليعينه الناس على وليمته ومؤنته. وفيه: سؤاله عما تزوج من البكر أو الثيب، وحضه على البكر للملاعبة والانهمال الحلال، وستأتى سائر معانى هذا الحديث فى مواضعها، إن شاء الله. وقوله: مهيم، كلمة موضوعة للاستفهام، ومعناها ما شأنك وما أمرك.
следующие страницы →