← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

عليه وعكفوا على العبادة، فلو كان واجبًا لكان تركه معصية، ولا يجوز أن يفعله الصحابة وهو معصية، وخاصة بكون الرسول ﷺ باقيًا، فلما لم ينقل عنه ولا عن الأئمة بعده النكير على من لم يتزوج، علم أنه غير واجب. فإن قال أهل الظاهر: قد قال معاذ بن جبل: زوجونى لئلا ألقى الله أعزب، وقال عمر لأبى الزوائد: لم لا تتزوج؟ ما يمنعك منه مع علمك بوجوبه إلا عجز أو فجور، قيل: أما معاذ فأراد أن يلقى الله على أكمل أحواله؛ لأن النكاح مندوب إليه، ويحتمل أن يريد عمر بوجوبه وجوب سنة، وهذا أبو الزوائد من الصحابة لم يتزوج. ومن الدليل أنه غير فرض أنه قضاء شهوة، ولم يفرض الله على أحد من خلقه فرضًا هو شهوة لا يخاف مع تركها الهلاك، فإن قالوا: الغذاء هو شهوة، وقد فرض الله إحياء النفوس به، قيل: ليس فى ترك الجماع خوف الهلاك كما فى فقد الغذاء، فهما غير مشتبهين. وإذا كان لا يخاف الهلاك فى فقد الجماع، فالفضل فى الصبر على تركه، إذ الفضل فى ترك اللذات، وفى إجماع الحجة على أن من صبر عن النكاح ولم يقتحم محرمًا بصبره عنه غير حرج ولا آثم أدل دليل على صحة ما قلناه من أن أمر النبى، ﵇، بالنكاح على الندب لا على الفرض، وهذا قول الطبرى، وابن القصار، وقد تقدم تفسير الباءة والوجاء فى كتاب الصيام.

стр. 3397

٣ - باب كَثْرَةِ النِّسَاءِ / ٤ - فيه: عَطَاء، حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جِنَازَةَ مَيْمُونَةَ بِسَرِفَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِىِّ، ﵇، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا، فَلا تُزَعْزِعُوهَا، وَلا تُزَلْزِلُوهَا، وَارْفُقُوا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِىِّ ﵇ تِسْعٌ كَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ، وَلا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ. / ٥ - وفيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِى لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ. / ٦ - وفيه: ابْن جُبَيْرٍ، قال: قال لِى ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: فَتَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً. قال المهلب: لم يرد ابن عباس أنه من كثر نساؤه من المسلمين أنه خيرهم، وإنما قاله على معنى الحض والندب إلى النكاح، وترك الرهبانية فى الإسلام، وأن النبى، ﵇، الذى يجب علينا الاقتداء به واتباع سنته كان أكثر أمته نساء؛ لأن الله تعالى أحل له منهن تسعًا بالنكاح، ولم يحل لأحد من أمته غير أربع. وفى هذا الحديث من الفقه أن حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًا؛ لأن ابن عباس راعى من توقير زوج النبى ﷺ بعد موتها ما كان يراعيه فى حياتها، والتى لم يقسم لها النبى ﷺ من أزواجه هى سودة؛ لأنها وهبت يومها لعائشة؛ لعلمها بحب النبى ﷺ لها، وإنما فعلت ذلك رغبة أن تحشر فى جملة أزواج النبى ﷺ ، فكانت من أزواجه ولم يكن لها قسمة فى المبيت. وقال صاحب العين: الزعزعة تحريك الشىء إذا أردت

стр. 3398

رفعه، وكذلك تحريك الريح الشجر، والزلزلة الاضطراب أخذ من زلزلة الأرض. ٤ - باب مَنْ هَاجَرَ أَوْ عَمِلَ خَيْرًا لِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ فَلَهُ مَا نَوَى / ٧ - فيه: عُمَر، قال النَّبِىّ ﷺ : (الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) . قال محمد بن الحسين الآجرى: لما هاجر النبى، ﵇، من مكة إلى المدينة وجب على جميع المسلمين ممن هو بمكة أن يهاجروا، ويدعوا أهليهم وعشائرهم وديارهم، يريدون بذلك وجه الله، فكان الناس يهاجرون على هذا النعت، فخرج رجل من مكة مهاجرًا فى الظاهر قد شمله الطريق مع الناس، ولم يكن مراده الله ورسوله، وإنما كان مراده تزويج امرأة من المهاجرات قبله أراد تزويجها، فلم يعد فى المهاجرين، وسمى مهاجر أم قيس. ٥ - باب تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ الَّذِى مَعَهُ الْقُرْآنُ وَالإسْلامُ / ٨ - فيه: سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇. / ٩ - وفيه: ابْن مَسْعُود، كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِىِّ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَسْتَخْصِى؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. قال المهلب: أما قوله: تزويج المعسر الذى معه القرآن والإسلام،

стр. 3399

فدليل على أنه لم يملكها إياه على التعليم، ولو كان على التعليم لما كان معسرًا. وقوله: والإسلام يدل على ذلك؛ لأنها كانت مسلمة، فلا يجوز أن يعلمها الإسلام، فيكون على معنى الأجرة، وإنما راعى له ﵇ حرمة حفظه القرآن، ومن جعله على التعليم فقد يجوز ألا تتعلم شيئًا فلا يستحقها الزوج، وقد ملكه الرسول ﷺ إياها قبل التعليم. وسيأتى مذاهب العلماء فى قوله ﵇: (قد زوجتكها بما معك من القرآن) ، فى حديث سهل بعد هذا، إن شاء الله، وأما موضع الترجمة من حديث ابن مسعود، فهو أنه ﵇، لما نهى أصحابه المعسرين عن الخصاء، دل على جواز التزويج للمعسر، ولو لم يجز التزويج إلا للأغنياء لحظره عليهم من أجل عسرتهم، فهو دليل فى حديث ابن مسعود، ونص فى حديث سهل بقوله: (قد زوجتكها بما معك من القرآن) ، وكتاب الله شاهد بصحة هذا المعنى، وهو قوله: (وأنكحوا الأيامى منكم) [النور: ٣٢] الآية. ٦ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لأخِيهِ: انْظُرْ أَىَّ زَوْجَتَىَّ شِئْتَ حَتَّى أَنْزِلَ لَكَ عَنْهَا رَوَاهُ ابْنُ عَوْفٍ . / ١٠ - فيه: أَنَس، قَدِمَ عَبْدُالرَّحْمَنِ، فَآخَى النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأنْصَارِىِّ، وَعِنْدَ الأنْصَارِىِّ امْرَأَتَانِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِى أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِى عَلَى السُّوقِ،

стр. 3400

فَأَتَى السُّوقَ فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وسَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِىُّ، ﵇، بَعْدَ أَيَّامٍ، وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: (مَهْيَمْ يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ. . .) الحديث. فى هذا الحديث ما كان عليه الصدر الأول من هذه الأمة من الإيثار على أنفسهم، وبذل النفيس لإخوانهم، كما وصفهم الله فى كتابه. قال المهلب: وفيه جواز عرض الرجل أهله على أهل الصلاح من إخوانه. وفيه: أنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوجها. وفيه: المواعدة بطلاق امرأة لمن يحب أن يتزوجها، وفيه تنزه الرجل عما يبذل له ويعرض عليه من المال وغيره، والأخذ بالشدة على نفسه فى أمر معاشه. وفيه: أن العيش من تجر أو صناعة أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الصدقات والهبات وشبهها. وفيه: مباشرة الفضلاء للتجارات بأنفسهم وتصرفهم فى الأسواق فى معايشهم وليس ذلك نقص لهم. وفيه: سؤال الرجل عن من تزوج وما نقد ليعينه الناس على وليمته ومؤنته. وفيه: سؤاله عما تزوج من البكر أو الثيب، وحضه على البكر للملاعبة والانهمال الحلال، وستأتى سائر معانى هذا الحديث فى مواضعها، إن شاء الله. وقوله: مهيم، كلمة موضوعة للاستفهام، ومعناها ما شأنك وما أمرك.

стр. 3401

٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّبَتُّلِ وَالْخِصَاءِ / ١١ - فيه: سَعْد، رَدَّ النَّبِىّ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا. / ١٢ - وفيه: ابْن مسعود، كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِىّ ﷺ وَلَيْسَ لَنَا نساء، فَقُلْنَا: أَلا نَسْتَخْصِى؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة: ٨٧] الآية. / ١٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى رَجُلٌ شَابٌّ، وَإِنى أَخَافُ عَلَى نَفْسِى الْعَنَتَ، وَلا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَسَكَتَ عَنِّى، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّى، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّى، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ) . قال المهلب: إنما نهى ﵇ عن التبتل والترهب من أجل أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة، وأنه فى الدنيا مقاتل بهم طوائف الكفار، وفى آخر الزمان يقاتلون الدجال، فأراد ﵇ أن يكثر النسل. وقال الطبرى: التبتل الذى أراده عثمان بن مظعون ما كان عزم عليه من ترك النساء والطيب وكل ما يلتذ به، مما أحله الله لعباده من الطيبات والترهب، فأنزل الله فى النهى عن ذلك: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) [المائدة: ٨٧] الآية، وروى هذا عن ابن عباس وجماعة.

стр. 3402

فلا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شىء مما أحله الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك له بعض العنت والمشقة أو أمنه، وذلك لرد النبى ﷺ التبتل على عثمان بن مظعون، فثبت أنه لا فضل فى ترك شىء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو فى فعل ما ندب عباده إليه، وعمل به رسوله وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، إذ كان خير الهدى هدى نبينا محمد. فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لبس ذلك من حله، وآثر أكل الفول والعدس على أكل خبز البر والشعير، وترك أكل اللحم والودك حذرًا من عارض الحاجة إلى النساء، فإن ظن ظان أن الفضل فى غير الذى قلنا لما فى لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس، وصرف فضل ما بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة، فقد ظن خطأ. وذلك أن أولى للإنسان بالنفس إصلاحها وعونها له على طاعة ربها ولا شىء أضر للجسم من المطاعم الردية؛ لأنها مفسدة لعقله، ومضعفة لأدواته التى جعلها الله سببًا إلى طاعاته. وفيه: أن خصاء بنى آدم حرام، وذلك أن التبتل إذ كان منهيًا عنه ولا جناية فيه على النفس غير منعها المباح لها، فمنعها ما فيه جناية عليها بإيلامها وتعذيبها بقطع بعض الأعضاء أحرى أن يكون منهيًا عنه، فثبت بهذا أن قطع شىء من أعضاء الإنسان من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك حرام عليه.

стр. 3403

قال المهلب: وقول ابن مسعود: ثم أرخص لنا أن ننكح بالثوب، يعنى المتعة، التى كانت حلالاً فى أول الإسلام، ثم نسخت بالعدة والميراث والصداق، وفى حديث أبى هريرة إثبات القدر، وأن المرء لا يفعل باختياره شيئًا لم يكن سبق فى علم الله. وقال الطبرى: التبتل هو ترك شهوات الدنيا ولذاتها، والانقطاع إلى الله بالتفرغ لعبادته، والبتل القطع، ومنه قيل لمريم: البتول؛ لانقطاعها إلى الله بالخدمة، ومنه قولهم: صدقة بتلة، يعنى منقطعة عن مالكها، وقال أبو زيد الأنصارى: التبتل العزوبة. قال الطبرى: وهذا الذى قاله أبو زيد نوع من أنواع التبتل. ٨ - باب نِكَاحِ الأبْكَارِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعَائِشَةَ: لَمْ يَنْكِحِ النَّبِىُّ ﷺ بِكْرًا غَيْرَكِ. / ١٤ - فيه: عَائِشَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرة لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِى أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: فِى التى لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، يَعْنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا. / ١٥ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (أُرِيتُكِ فِى الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ، إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِى سَرَقَةِ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأَكْشِفُهَا، فَإِذَا هِىَ أَنْتِ، فَأَقُولُ إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ) .

стр. 3404

قال المهلب: فيه فضل الأبكار على غيرهن، وروى عن النبى ﷺ أنه حض على نكاح الأكبار، وقال: (إنهن أطيب أفواهًا، وأنتق أرحامًا، وأطيب أخلاقًا) ، وقيل فى تفسير: (أنتق أرحامًا) : أقبل للولد. وفيه: فخر النساء على ضرائرهن عند الأزواج. وفيه: ضرب الأمثال وتشبيه الإنسان بالشجرة. وسيأتى معنى قوله: (إن يكن هذا من عند الله يمضه) ، فى كتاب التعبير من هذا الكتاب فى باب كشف المرأة فى المنام، إن شاء الله، فهو أولى به. ٩ - باب نِكَاحِ الثَّيِّبَاتِ وَقَالَ النَّبِىّ لأُمُّ حَبِيبَةَ: (لا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أَخَوَاتِكُنَّ) . / ١٦ - فيه: جَابِر، قَفَلْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ مِنْ غَزْوَةٍ، فَتَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِى قَطُوفٍ، قَالَ: (مَا يُعْجِلُكَ) ؟ قُلْتُ: كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرُسٍ، قَالَ: (بِكْر أَمْ ثَيِّب) ؟ قُلْتُ: ثَيِّب، قَالَ: (فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُكَ وَتُلاعِبُهَا. . .) ؟ الحديث. / ١٧ - وقال أيضًا: (مَا لَكَ وَلِلْعَذَارَى وَلِعَابِهَا؟) . قال المهلب: فيه جواز نكاح الثيبات للشبان إذا كان ذلك لمعنى، كالمعنى الذى قصد له جابر من سبب أخواته، وذلك أن يكون للناكح بنات أو أخوات غير بالغات يحتجن إلى قيم ومتعهد. وفيه: أن نكاح الأبكار للشبان أولى لقوله ﵇: (فهلا جارية) .

стр. 3405

وفيه: سؤال الإمام رجاله عن أحوالهم فى نكاحهم ومفاوضتهم فى ذلك. وفيه: أن ملاعبة الأهل مستحبة؛ لأن ذلك يحبب الزوجين بعضهما لبعض، ويخفف المؤنة بينهما، ويرفع حياء المرأة عما يحتاج إليه الرجل فى مباعلتها، قال الله تعالى فى نساء الجنة: (عربًا أترابًا) [الواقعة: ٣٧] والعروب المتحببة إلى زوجها، ويقال: العاشقة له، ويقال: الحسنة التبعل. وقوله: (أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً) ، يريد حتى يسبقكم خبر قدومكم إلى أهليكم، (فتستحد المغيبة وتمتشط الشعثة) ، أى تصلح كل امرأة نفسها لزوجها مما غفلت عنه فى غيبته، وإنما معنى ذلك لئلا يجد منها ريحًا أو حالة يكرهها، فيكون ذلك سببًا إلى بغضتها، وهذا من حسن أدبه ﵇. وقوله: (ولعابها) ، هو مصدر لاعب ملاعبة ولعابًا، كما تقول: قاتل مقاتلة وقتالاً. - باب تَزْوِيجِ الصِّغَارِ مِنَ الْكِبَارِ / ١٨ - فيه: عُرْوَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَطَبَ إِلَى أَبِى بَكْرٍ عَائِشَة، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ، فَقَالَ: (أَنْتَ أَخِى فِى دِينِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ، وَهِىَ لِى حَلالٌ) . أجمع العلماء على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم، وإن كن فى المهد، إلا أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلا إذا صلحن

стр. 3406

للوطء واحتملن الرجال، وأحوالهن تختلف فى ذلك على قدر خلقهن وطاقتهن، وكانت عائشة حين تزوج بها النبى ﷺ بنت ست سنين، وبنى بها بنت تسع، وقد ذكره البخارى بعد هذا فى باب نكاح الرجل ولده الصغار. قال ابن المنذر: وفى هذا الحديث دليل على أن نهيه، ﵇، عن إنكاح البكر حتى تستأذن أنها البالغ التى لها إذن، إذ قد أجازت السنة أن يعقد الأب النكاح على الصغيرة التى لا إذن لها. واختلف العلماء فى تزويج الأولياء غير الآباء اليتيمة الصغيرة، فقال ابن أبى ليلى، ومالك، والليث، والثورى، والشافعى، وابن الماجشون، وأحمد، وأبو ثور: ليس لغير الأب أن يزوج اليتيمة الصغيرة، فإن فعل فالنكاح باطل، وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال: يزوج الوصى الصغيرة دون الأولياء إذا كان وصيًا لها، والجد عند الشافعى عند عدم الأب كالأب. قالت طائفة: إذا زوج الصغيرة غير الأب من الأولياء، فلها الخيار إذا بلغت، روى هذا عن عطاء، والحسن، وطاوس، وهو قول الأوزاعى، وأبى حنيفة، ومحمد، إلا أنهما جعلا الجد كالأب لا خيار فى تزويجه. وقال أبو يوسف: لا خيار لها فى جميع الأولياء. وقال أحمد: لا أرى للولى ولا للقاضى أن يزوج اليتيمة حتى تبلغ تسع سنين، فإذا بلغتها ورضيت فلا خيار لها. وحجة من جعل لها الخيار إذا بلغت أن النبى ﷺ لما أمر باستئمار

стр. 3407

اليتيمة، ولا تستأمر إلا من لها ميزة ومعرفة كان لها الخيار والاستئمار إذا بلغت. وحجة القول الأول قول النبى، ﵇: (تستأمر اليتيمة فى نفسها) ، ولا يصح استئمارها إلا ببلوغها، ولا يجوز أن يكون العقد موقوفًا على استئمارها بدليل امتناع الجميع من دخول الخيار فى عقد النكاح، ووقوفها إلى مدة فيها الخيار. وفرق مالك بين اليتيمة واليتيم، فأجاز للوصى تزويج اليتيم قبل البلوغ من قبل أن اليتيم لما كان قادرًا على رفع العقد الذى يوقعه الولى إن كرهه بعد بلوغه جاز ذلك لقدرته على الخروج منه، وليس كذلك اليتيمة؛ لأنها لا تقدر إذا بلغت على رفع العقد؛ لأن الطلاق ليس بيد النساء، فافترقا لهذه العلة، ولأن السنة وردت فى منع العقد على اليتيمة حتى تستأمر، ولا يصح استئمارها إلا بعد البلوغ، هذا قول مالك. قال المهلب: وفى حديث عائشة من الفقه جواز خطبة الرجل لنفسه إلى ولى المخطوبة إذا علم أنه لا يرده لتأكد ما بينهما، ويحتمل قول أبى بكر للنبى ﷺ : إنما أنا أخوك، أن يعتقد أنه لا يحل له أن يتزوج ابنته للمؤاخاة والخلة التى كانت بينهما، فأعلمه النبى ﷺ أن أخوة الإسلام ليست كأخوة النسب والولادة، فقال: (إنها لى حلال بوحى من الله تعالى) ، كما قال إبراهيم للذى أراد أن يأخذ منه

стр. 3408

زوجته: هى أختى، يعنى فى الإيمان؛ لأنه لم يكن أحد مؤمنًا غيرهما يومئذ. - باب إِلَى مَنْ يَنْكِحُ؟ وَأَىُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ وَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطَفِهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ ؟ / ١٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ: (خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِى صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِى ذَاتِ يَدِهِ) . قال المهلب: إنما يركب الإبل نساء العرب، ونساء قريش من العرب، فنساء قريش خير نساء العرب، وقد أخبر ﵇ بما استوجبن ذلك، وهو حنوهن على أولادهن، ومراعاتهن لأزواجهن، وحفظهن لأموالهم، وإنما ذلك لكرم نفوسهن، وقلة غائلتهن لمن عاشرهن وطهارتهن من مكايدة الأزواج ومشاحنتهن. وفيه: جواز مدح الرجل نساء قومه وولياته بفضائلهن، ومعنى هذا الحديث الحض على نكاح أهل الصلاح والدين وشرف الآباء؛ لأن ذلك يمنع من ركوب الإثم وتقحم العار، ولهذا المعنى قال ﵇: (عليك بذات الدين تربت يداك) .

стр. 3409

١٢ - باب اتِّخَاذِ السَّرَارِىِّ وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بِهَا / ٢٠ - فيه: أَبُو موسى، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ، فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ. . .) ، الحديث. / ٢١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىّ، ﵇: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلا ثَلاثَ كَذَبَاتٍ: بَيْنَمَا إِبْرَاهِيمُ مَرَّ بِجَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ. . .) - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ: (فَأَعْطَاهَا هَاجَرَ، قَالَتْ: كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْكَافِرِ وَأَخْذَ مَنِى هَاجَرَ) . / ٢٢ - وفيه: أَنَس، أَقَامَ الرسول ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلاثًا يبْنَى عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىٍّ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلا لَحْمٍ، أُمِرَ إلا التَّمْرِ وَالأقِطِ وَالسَّمْنِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا، فَهِىَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا، فَهِىَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ، وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ. قال المؤلف: اتخاذ السرارى مباح؛ لقوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) [المؤمنون: ٦] ، فأباح ملك اليمين كما أباح ملك النكاح، ورغب ﵇ فى عتق الإماء وتزويجهن بقوله أن فاعل ذلك له أجران، وإنما ذكر حديث أبى هريرة لما فيه من هبة الكافر خادمًا لسارة، وقبول إبراهيم لها. واختلف العلماء فيمن أعتق جاريته وتزوجها، فذهب قوم إلى أنه إن أعتقها، وجعل عتقها صداقها، فذلك جائز، فإن تزوجته فلا مهر

стр. 3410

لها غير العتاق على حديث صفية، روى هذا عن أنس بن مالك أنه فعله، وهو راوى حديث صفية، وهو قول سعيد بن المسيب، وطاوس، والنخعى، والحسن البصرى، والزهرى، وإليه ذهب الثورى، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق. وقال آخرون: ليس لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يفعل هذا، وإنما كان ذلك خاصًا لرسول الله ﷺ ؛ لأن الله أباح له أن يتزوج بغير صداق، ولم يجعل ذلك لأحد من المؤمنين غيره، هذا قول مالك، وأبى حنيفة، وزفر، ومحمد، والشافعى. واحتج أهل المقالة الأولى بأن عبد الله بن عمر، روى عن النبى، ﵇، أنه فعل فى جويرية بنت الحارث مثل ما فعله فى صفية أنه أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع عنه. وقال أهل المقالة الثانية: لا حجة فى خبر جويرية أيضًا؛ لأن ابن عمر رواه عن النبى ﷺ ، وقال: إنه خاص له. قال الطحاوى: فنظرنا فى عتق النبى ﷺ جويرية كيف كان، فروى ابن إسحاق عن عمر بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة، أنه لما أصاب رسول الله ﷺ بنى المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث فى سهم ثابت بن قيس، فكاتبت على نفسها وجاءت تستعين رسول الله ﷺ فى كتابتها، فقال لها: (هل لك فى خير من ذلك، أقضى عنك كتابتك وأتزوجك؟) ، قالت: نعم، فتزوجها.

стр. 3411

فبينت عائشة العتاق الذى ذكره ابن عمر الذى جعله مهرها أنه أداه عنها كتابتها لتعتق بذلك الأداء، ويكون مهرًا لها، فلما كان لرسول الله ﷺ أن يجعل ذلك مهرًا لها كان ذلك له خاصًا دون أمته، كما كان له خاصًا أن يجعل العتاق الذى تولاه هو مهرًا. فإن قال قائل: قد رأيت الرجل يعتق أمته على مال فتقبل منه، فتكون حرة، ويجب له عليها ذلك المال، فما ننكر إذا أعتقها على أن عتقها صداقها فقبلت ذلك منه أن تكون حرة، ويجب ذلك له عليها. قيل: إذا أعتقها على مال فقبلت ذلك منه وجب لها عليه العتاق، ووجب له عليها المال، فوجب لكل واحد منهما بذلك العقد سببًا أوجبه له ذلك العقد لم يكن مالكًا له قبل ذلك. وإذا أعتقها على أن عتقها صداقها، فقد ملكها رقبتها على أن ملكيته بضعها، فملكها رقبة هو لها مالك، ولم تكن هى مالكة لها قبل ذلك، على أن ملكته بضعًا هو له مالك قبل ذلك، فلم تملكه بذلك العتاق شيئًا لم يكن له مالكًا قبله، وإنما ملكته بعض ما قد كان له، فلذلك لم يجب عليها بذلك العتاق شىء، هذه حجة على من يقول: تكون له زوجة بالعتاق الذى هو الصداق. وفيه من الفقه: أنه يجوز للسيد إذا أعتق أمته أن يزوجها من نفسه دون السلطان، وكذلك الولى فى وليته، وسيأتى اختلاف العلماء فى

стр. 3412

هذه المسألة فى باب إذا كان الولى هو الخاطب بعد هذا، إن شاء الله. قال ابن المنذر: وفى تزويج النبى ﷺ صفية من نفسه إجازة النكاح بغير شهود إذا أعلن، وهو قول الزهرى، وأهل المدينة، ومالك، وعبد الله بن الحسن، وأبى ثور، وروى عن ابن عمر أنه تزوج ولم يحضر النكاح شاهدين، وأن الحسن بن على زوج عبد الله ابن الزبير وما معهما أحد من الناس ثم أعلنوه بعد ذلك. وقالت طائفة: لا يجوز نكاح إلا بشاهدى عدل، روى ذلك عن ابن عباس، وعطاء، والنخعى، وسعيد بن المسيب، والحسن، وبه قال الثورى، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد ابن حنبل، وقال أبو حنيفة: لا يجوز النكاح إلا بشاهدين، ويجوز أن يكونا محدودين فى قذف، أو فاسقين، أو أعميين، وأجمع العلماء على رد شهادة الفاسق. وكان يزيد بن هارون يعتب أصحاب الرأى، ويقول: أمرنا الله بالإشهاد عند التبايع، فقال: (وأشهدوا إذا تبايعتم) [البقرة: ٢٨٢] ، وأمر بالنكاح ولم يأمر بالإشهاد عليه، فزعم أصحاب الرأى أن البيع الذى أمر الله بالإشهاد عليه جائز من غير شهود، وأن النكاح الذى لم يأمر بالإشهاد عنده لا يجوز إلا بشهود. قال ابن المنذر: وقد اختلف فى ذلك أصحاب الرسول ﷺ ، وجاء الحديث الثابت الدال على إجازة النكاح من غير شهود، وهو حديث تزويج الرسول ﷺ صفية، ألا ترى أن أصحابه اختلفوا فلم يعرفوا إن كانت زوجة له أو ملك يمين، واستدلوا على أنه تزوجها بالحجاب.

стр. 3413

فدل ذلك على أنه لم يشهدهم على نكاحها، واجتزأ فيه بالإعلان، ولو كان هناك شهود ما خفى ذلك عليهم، وفيه الحكم بالدليل. ووقع فى المغازى فى هذا الكتاب فى هذا الحديث كلمة من الغريب، وهى قوله: (يحوى لها وراءه بعباءة) ، أى يدير كساء حول سنام البعير لتركب عليه، وهو الحوية. قال الأصمعى: والحوية كساء محشو بثمام أو ليف يجعل على ظهر البعير، وفى قصة بدر أن أبا جهل بعث عمير بن وهب ليحزر أصحاب رسول الله ﷺ ، فطاف عمير برسول الله ﷺ ، فلما رجع قال: رأيت الحوايا عليها المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع. - باب تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) [النور: ٣٢] / ٢٣ - فيه: سَهْلِ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِى، فَنَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِىّ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا،

стр. 3414

جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: (وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ) ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: (اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا) فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لا، وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : (انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) ، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِى، قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ، فَلَه نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَىْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَىْءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِىَ، فَلَمَّا جَاءَ، قَالَ: (مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) ؟ قَالَ: مَعِى سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: (تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ) ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) . فيه: جواز إنكاح المعسر، وأن الكفاءة إنما هى فى الدين لا فى المال، فإذا استجازت المرأة أو الولى التقصير فى المال جاز النكاح، وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: ابتغوا الغنى فى النكاح، ما رأيت مثل من قعد بعد هذه الآية: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) [النور: ٣٢] ، وذكر إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنى إسماعيل بن أبى أويس، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن ابن غيلان، عن سعيد بن أبى سعيد، عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة كلهم حق على الله عونه: المجاهد فى سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء) .

стр. 3415

قال المهلب: وفى حديث سهل جواز خطبة المرأة الرجل لنفسها إذا كان صالحًا، ولا عار عليها فى ذلك، وفيه أن النساء يخطبن إلى الأولياء، فإن لم يكن ولى فالسلطان ولى من لا ولى له، وسيأتى اختلاف العلماء فى قوله: (قد ملكتكها بما معك من القرآن) ، بعد هذا إن شاء الله. - باب الأكْفَاءِ فِى الدِّينِ وَقول الله تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا) [الفرقان: ٥٤] / ٢٤ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِشَمْسٍ - وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِىِّ ﵇ تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدا بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ - وَهُوَ مَوْلًى لامْرَأَةٍ مِنَ الأنْصَارِ - كَمَا تَبَنَّى النَّبِىُّ ﵇ زَيْدًا. . .) الحديث. / ٢٥ - وفيه: عَائِشَةَ، دَخَلَ النَّبِىّ ﵇ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ قَالَتْ: لاَ وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِى إِلا وَجِعَةً، قَالَ لَهَا: حُجِّى وَاشْتَرِطِى، وَقُولِى: اللَّهُمَّ مَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأسْوَدِ. / ٢٦ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) .

стр. 3416

/ ٢٧ - فيه: سَهْل، مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِى هَذَا؟ قَالُوا: حَرِىٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْمَعَ، ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِى هَذَا؟ قَالُوا: حَرِىٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ، فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأرْضِ مِثْلَ هَذَا) . اختلف العلماء فى الأكفاء من هم؟ فقال مالك: الأكفاء فى الدين دون غيره، والمسلمون بعضهم لبعض أكفاء، ويجوز أن يتزوج العربى والمولى القرشية. روى ذلك عن عمر بن الخطاب، قال: لست أبالى إلى أى المسلمين نكحت وأيهم أنكحت. روى مثله عن ابن مسعود، ومن التابعين عمر بن عبد العزيز، وابن سيرين، وقال أبو حنيفة: قريش كلهم أكفاء بعضهم لبعض، والعرب أكفاء بعضهم لبعض، ولا يكون أحد من العرب كفئًا لقريش، ولا أحد من الموالى كفئًا للعرب، ولا يكون كفئًا من لا يجد المهر والنفقة. وقال الشافعى: ليس نكاح غير الكفء بمحرم فأراده بكل حال، وإنما هو تقصير بالمتزوجة والأولياء، فإن تزوجت غير كفء، فإن رضيت به وجميع الأولياء جاز، ويكون حقًا لهم تركوه، وإن رضيت به وجميع الأولياء إلا واحدًا منهم فله فسخه. وقال بعضهم: إن رضيت به وجميع الأولياء لم يجز، وكان الثورى يرى التفريق إذا نكح مولى عربية، ويشدد فيه، وقال أحمد بن حنبل: يفرق بينهما.

стр. 3417

واحتج الذين جعلوا الكفاءة فى النسب والمال، فقالوا: العار يدخل على الأولياء والمناسبين؛ لأن حق الكفاءة دفع العار عنها وعنهم، قالوا: وقد روى عن ابن عباس أنه قال: قريش بعضهم لبعض كفء، والموالى بعضهم لبعض كفء، إلا الحاكة والحجامين. واحتج أهل المقالة الأولى بحديث عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنى سالمًا وأنكحه بنت أخيه الوليد بن عتبة، وهى سيدة أيامى قريش، وسالم مولى لامرأة من الأنصار، وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم النبى ﷺ المقداد بن الأسود، وهو عربى حليف للأسود بن عبد يغوث تبناه ونسب إليه. واحتجوا بقوله ﵇: (عليك بذات الدين تربت يداك) ، فجعل العمدة ذات الدين، فينبغى أن تكون العمدة فى الرجل مثل ذلك، ألا ترى قوله ﵇ فى حديث سهل حين فضل الفقير الصالح على الغنى، وجعله خيرًا من ملء الأرض منه. وقال المهلب: الأكفاء فى الدين هم المتشاكلون وإن كان فى النسب تفاضل، فقد نسخ الله ما كانت تحكم به العرب فى الجاهلية من شرف الأنساب، وجعل الاعتبار بشرف الصلاح والدين، فقال تعالى: (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) [الحجرات: ١٣] الآية، وقد نزع هذه الآية مالك بن أنس. وأما قولهم: إن العار يدخل عليها وعلى الأولياء،

стр. 3418

فيقال لهم: مع الدين والصلاح لا يدخل عار على أحد، وإنما رغبوا فيه لدينه الذى يحمل كل شىء، وفى النسب وعدم الدين كل عار، وقد تزوج بلال امرأة قرشية، وتزوج أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس، وهى قرشية. وقد كان عزم عمر بن الخطاب على تزويج ابنته من سلمان الفارسى، فقال عمرو ابن العاص لسلمان: لقد تواضع لك أمير المؤمنين، فقال سلمان: لمثلى يتواضع، والله لا أتزوجها أبدًا، ولولا أن ذلك جائز لما أراده عمر ولا هم به؛ لأنه لا يدخل العار على نفسه وعشيرته، وأما حديث ضباعة فى الاشتراط فى الحج، فإنما ذكره فى هذا الباب لقوله فى آخر الحديث: (كانت تحت المقداد بن الأسود) . واختلف العلماء فى الاشتراط فى الحج، فأجازه طائفة وأخذوا بهذا الحديث، فالاشتراط أن يقول عند إحرامه: لبيك اللهم بحجة أو حجة وعمرة، إلا أن يمنعنى منه ما لا أقدر معه على النهوض، فيكون محلى حيث حبستنى ولا شىء علىّ. وممن أجاز ذلك عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى، وابن مسعود، وعمار، وابن عباس، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعروة، وعطاء، وعلقمة، وشريح، وعبيدة، وذكر ذلك

стр. 3419

ابن أبى شيبة، وعبد الرزاق، وقال به بعض أصحاب الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وأنكر الاشتراط طائفة أخرى، وقالوا: هو باطل، روى ذلك عن ابن عمر، وعائشة، وهو قول النخعى، والحكم، وطاوس، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب مالك، والثورى، وأبو حنيفة، وقالوا: لا ينفعه اشتراط، ويمضى على إحرامه حتى يتمه، وكان ابن عمر ينكر ذلك، ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ أنه لم يشترط، فإن حبس أحدكم بحابس عن الحج، فليأت البيت فليطف به وبين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر، وقد حل من كل شىء حتى يحج قابلاً، ويهدى أو يصوم إن لم يجد هديًا. وأنكر ذلك طاوس، وسعيد بن جبير، وهما رويا الحديث عن ابن عباس، وأنكره الزهرى، وهو روى الحديث عن عروة، وهذا كله مما يوهن الاشتراط. قال المهلب: وفى قوله: (تنكح المرأة لمالها) ، دليل على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة، وأنه يقصد لذلك، فإن طابت به نفسًا فهو له حلال، وإن منعته فإنما له من ذلك بقدر ما بذل من الصداق. واختلفوا إذا أصدقها وامتنعت الزوجة أن تشترى شيئًا من الجهاز، فقال مالك: ليس لها أن تقضى منه دينها، ولا أن تنفق منه فى غير ما يصلحها لعرسها إلا أن يكون الصداق شيئًا كثيرًا فتنفق منه شيئًا يسيرًا فى دينها. وقال أبو حنيفة، والثورى، والشافعى: لا تجبر على شراء ما لا تريد، والمهر لها تفعل فيه ما شاءت، واحتجوا بإجماعهم أنها

стр. 3420

لو ماتت والصداق بحاله أن حكمه كحكم سائر مالها، فإذا كان ذلك حكمه بعد وفاتها، فحكمه كذلك فى حياتها كحكم سائر مالها. وقوله ﵇: (تنكح المرأة لمالها) ، يدل على أن للزوج الاستمتاع بمالها والارتفاق بمتاعها، ولولا ذلك لم يفدنا قوله: (تنكح المرأة لمالها) فائدة، ولتساوت الغنية والفقيرة فى قلة الرغبة فيها، فقول مالك أشبه بدليل الحديث. وقوله: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) ، فإن حقيقة هذه اللفظة عند أهل اللغة يراد بها الإخبار عن حلول الفقر. قال ابن السكيت: يقال: تربت يداه، إذا افتقر. وقال أبو عمرو: أصابهما التراب، ولم يدع عليه بالفقر. وقال الأصمعى فى تفسير الحديث: لم يرد النبى ﷺ الدعاء عليه بالفقر، وإنما أراد به الاستحثاث كما يقول الرجل: انخ ثكلتك أمك، إذا استعجلته، وأنت لا تريد أن تثكله أمه. وقال ابن قتيبة: وهذا من باب الدعاء الذى لا يراد به الوقوع، وسأتقصى أقوال أهل اللغة فى هذه الكلمة فى كتاب الأدب فى باب قول النبى ﷺ : (ترتب يمينك) ، و: (عقرى حلقى) ، إن شاء الله.

стр. 3421

- باب مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ الْمَرْأَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) [النساء: ١٢] الآية / ٢٨ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (الشُّؤْمُ فِى: الْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ) . وقَالَ ابْن عُمر: ذُكَر الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: (إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِى شَىْءٍ فَفِى: الدَّارِ وَالْمَرأَةِ وَالْفَرَسِ) . / ٢٩ - وفيه: أُسَامَةَ، قَالَ ﵇: (مَا تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ) . قد تقدم الكلام فى معنى أحاديث الشؤم فى كتاب الجهاد فى باب ما يذكر من شؤم الفرس، فأغنى عن إعادته، وسيأتى فى كتاب الطب فى باب الطيرة رد قول من زعم أن أحاديث الشؤم تعارض نهيه، ﵇، عن الطيرة، ونفى التعارض عنها، وتوجيهها على ما يليق بها، إن شاء الله. وفى حديث أسامة أن فتنة النساء أعظم الفتن مخافة على العباد؛ لأنه ﵇ عمم جميع الفتن بقوله: (ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء) ، ويشهد لصحة هذا الحديث قول الله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين) [آل عمران: ١٤] الآية، فقدم النساء على جميع الشهوات، وقد روى عن بعض أمهات المؤمنين أنها قالت: من شقائنا قدمنا على جميع الشهوات. فالمحنة بالنساء أعظم المحن على قدر الفتنة بهن، وقد أخبر الله مع

стр. 3422

ذلك أن منهن لنا عدوًا، فينبغى للمؤمن الاعتصام بالله، والرغبة إليه فى النجاة من فتنتهن، والسلامة من شرهن، وقد روى فى الحديث أنه لما خلق الله المرأة فرح الشيطان فرحًا عظيمًا، وقال: هذه حبالتى التى لا يكاد يخطئنى من نصبتها له. - باب الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ / ٣٠ - فيه: عَائِشَةَ، كَانَ فِى بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ: عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ، وَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ، وَدَخَلَ النَّبِىّ ﷺ وَبُرْمَةٌ عَلَى النَّارِ، فَقِيلَ: لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ) . أجمع العلماء أن الحرة يجوز لها أن تنكح العبد إذا رضيت به؛ لأن ولدها منه حر تبع لأمه لقوله ﵇: (كل ذات رحم فولدها بمنزلتها) ، يعنى فى العتق والرق، وذكر ابن المنذر، عن الشافعى، قال: أصل الكفاءة مستنبط من حديث بريرة وصار زوجها غير كفء لها، فخيرها رسول الله ﷺ . وأجمعوا أن الأمة إذا عتقت تحت عبد قد كانت زوجته أن لها الخيار فى البقاء معه أو مفارقته، وإنما كان لها الخيار؛ لأنها إذا حدثت لها الحرية فقد حدث لها حال كمال ترتفع به عن العبد، ونقص الزوج عنها، وأيضًا فإنها حين عقد عليها سيدها لم تكن من أهل الاختيار لنفسها، فجعل لها الاختيار حين صارت أكمل حرمة من

стр. 3423

زوجها، فأما إذا كان زوجها حرًا فلا خيار لها عند جمهور العلماء؛ لأنه مساو لها فى حرمتها، فلا فضيلة لها عليه. قال الكوفيون: لها الخيار حرًا كان زوجها أو عبدًا، ورووا عن النخعى، عن الأسود، عن عائشة، أن زوج بريرة كان حرًا، وسيأتى بيان هذه الأقوال فى كتاب الطلاق فى باب التخيير مستوفى، إن شاء الله. - باب لا يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لِقَوْلِهِ: (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: ٣] وَقَالَ عَلِىُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: يَعْنِى مَثْنَى أَوْ ثُلاثَ أَوْ أربع، وَقَوْلُهُ: (أُولِى أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) [فاطر: ١] مثله . / ٣١ - فيه: عَائِشَةَ: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى) [النساء: ٣] ، قَالَتِ: هى الْيَتِيمَةُ، يَتَزَوَّجُهَا وليها عَلَى مَالِهَا، وَيُسِىءُ صُحْبَتَهَا، وَلا يَعْدِلُ فِى مَالِهَا، فَلْيَتَزَوَّجْ من طَابَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهَا مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ. قال ابن القصار: لا يجوز لأحد أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة فى النكاح، وهو عندنا إجماع. وقال قوم، لا يعدون خلافًا: إنه يجوز الجمع بين تسع، واحتجوا أن معنى قوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع) [النساء: ٣] ، يفيد الجمع بين العدد، بدليل أنه ﵇ مات عن تسع، ولنا فيه الأسوة الحسنة.

стр. 3424

وحجة الجماعة أن أهل التفسير اتفقوا فى تأويل قوله: (مثنى وثلاث ورباع) [النساء: ٣] ، أنه أراد التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع من وجهين: أحدهما: أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن لفظ الاختصار، وكان يقول: فانكحوا تسعًا، والعرب لا تعدل أن تقول: تسعة، وتقول: اثنان وثلاثة وأربعة، فلما قال: (مثنى وثلاث ورباع (صار تقديره: مثنى مثنى، وثلاث ثلاث، ورباع رباع، فيفيد التخيير كقوله تعالى: (أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع) [فاطر: ١] . والوجه الثانى أنه قال: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) [النساء: ٣] ، واللغة لا تدفع التخيير بين متباعدين يكون بينهما تفاوت، ولا يجوز أن يقال: فإن خفتم ألا تعدلوا فى التسع فواحدة؛ لأنه يصير بمنزلة من يقول: إن خفت أن تخرج إلى مكة على طريق الكوفة فامض إليها على طريق الأندلس أو الصعيد، وبالقرب من مكة طرق كثيرة لا يخاف منها، فعلم أنه أراد التخيير بين الواحدة والاثنين، وبين الثنتين والثلاث. وأما قولهم: إنه ﵇ مات عن تسع، ولنا أن نتأسى به، فإننا نقول: إنه كان مخصوصًا بالزيادة عن الأربع كما خص بأن ينكح بغير صداق، وكما خص ألا ينكح أزواجه من بعده وأنه اتفق أن مات عن تسع، وروى أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبى ﷺ : (اختر منهن أربعًا وفارق سائرهن) ، فسقط قولهم.

стр. 3425

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٨ - كتاب الرضاع - باب) وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِى أَرْضَعْنَكُمْ) [النساء: ٢٣] وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ / ١ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِى بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِى بَيْتِكَ، فَقَالَ ﵇: (أُرَاهُ فُلانًا) - لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ - قَالَتْ عَائِشَةُ: ولَوْ كَانَ فُلانٌ حَيًّا - لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَىَّ؟ - فَقَالَ: (نَعَمْ، الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلادَةُ) . / ٢ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قِيلَ لِلنَّبِىِّ، ﵇، أَلا تَتَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ؟ قَالَ: (إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ) . / ٣ - وفيه: أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِى سُفْيَانَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِى بِنْتَ أَبِى سُفْيَانَ، فَقَالَ: (أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ) ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِى فِى خَيْرٍ أُخْتِى، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (إِنَّ ذَلِكِ لا يَحِلُّ لِى) ، قُلْتُ: فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ، قَالَ: (بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: (لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِى فِى حَجْرِى مَا حَلَّتْ لِى، إِنَّهَا لابْنَةُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ،

стр. 3426

أَرْضَعَتْنِى وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أَخَوَاتِكُنَّ) . قَالَ عُرْوَةُ: وثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأبِى لَهَبٍ كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتِ النَّبِىَّ، ﵇، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ، أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ خِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ، غَيْرَ أَنِّى سُقِيتُ فِى هَذِهِ بِعَتَاقَتِى ثُوَيْبَةَ. لا خلاف بين الأمة أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؛ لقوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) [النساء: ٢٣] ، فإذا كانت الأم من الرضاع محرمة، كان كذلك زوجها، وصار أبًا لمن أرضعته زوجته؛ لأن اللبن منهما جميعًا، وإذا كان زوج التى أرضعت أبًا كان أخوه عمًا، وكانت أخت المرأة خالة، يحرم من الرضاع العمات، والخالات، والأعمام، والأخوال، والأخوات، وبناتهن، كما يحرم من النسب، هذا معنى قوله ﵇: (الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) . قال ابن المنذر: إذا أرضعت امرأة الرجل جارية حرمت على ابنه، وعلى أبيه، وعلى جده، وعلى بنى بنيه وبنى بناته، وعلى كل ولد ذكر، وولد ولده، وعلى كل جد له من قبل أبيه وأمه، وإذا كان المرضع غلامًا حرم الله عليه ولد المرأة التى أرضعته، وأولاد الرجل الذين أرضع هذا الصبى بلبنه، وهو زوج المرضعة، ولا تحل له عمته من الرضاعة ولا خالته، ولا بنت أخيه ولا بنت أخته من الرضاعة.

стр. 3427

وأما قوله ﵇ فى ابنة حمزة: (إنها ابنة أخى من الرضاعة) ، فإن حمزة بن عبد المطلب عم النبى ﷺ أرضعته ثويبة مولاة أبى لهب، ثم أرضعت بعده رسول الله ﷺ ، ثم أرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد، هذا قول مصعب الزبيرى، قال: فكان أبو سلمة ورسول الله ﷺ وحمزة بن عبد المطلب أخوة من الرضاعة. قال ابن إسحاق: وكان حمزة أسن من النبى ﷺ بسنتين، وقيل: بأربع. وأما قول أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب زوج النبى ﷺ : يا رسول الله، انكح أختى، فإنها لم تعلم أن الجمع بين الأختين حرام، فكذلك قال لها ولسائر نسائه: (لا تعرضن علىّ بناتكن ولا إخواتكن، فإن بناتكن ربائب لى) ، والربيبة حرام مثل الجمع بين الأختين، وأما قوله فى بنت أبى سلمة: (لو لم تكن ربيبتى فى حجرى ما حلت لى) ، من أجل أن أباها أبا سلمة أخو النبى، ﵇، من الرضاعة، فكانت بنته حرامًا عليه؛ لأنها ربيبة النبى ﷺ ، وأنها بنت أخيه من الرضاعة. قال ابن المنذر: ولا بأس أن يتزوج الرجل المرأة التى أرضعت ابنه، وكذلك يتزوج بنت المرأة التى هى رضيعة ابنه، ولأخى هذا الصبى المرضع أن يتزوج المرأة التى أرضعت أخاه، ويتزوج ابنتها التى هى رضيع أخيه، وما أراد من ولدها وولد ولدها، وإنما يحرم نكاحهن على المرضع، وهذا مذهب مالك، والكوفيين، والشافعى،

стр. 3428

وأبى ثور. وذكر على بن المدينى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، أن أبا لهب أعتق جارية يقال لها: ثويبة، وكانت أرضعت النبى ﷺ ، فرأى أبا لهب بعض أهله فى النوم فسأله، فقال: ما وجدت بعدكم راحة، غير أنى سقيت فى هذه، وأشار إلى النقرة التى تحت إبهامه، بعتقى ثويبة، فبان برواية معمر أنه سقط من رواية البخارى فى هذا الحديث: راحة، بعد قوله: لم ألق بعدكم؛ لأنه لا يتم الكلام على ما رواه البخارى، وكذلك سقط منه: وأشار إلى النقرة التى تحت إبهامه، ولا يقوم معنى الحديث إلا بذلك، ولا أعلم ممن جاء الوهم فيه. وفى هذا الحديث من الفقه: أن الكافر بالله قد يعطى عوضًا من أعماله التى يكون مثلها قربة لأهل الإيمان بالله، وذلك أن أبا لهب أخبر أنه سقى فى النار بعتقه ثويبة فى النقرة التى تحت إبهامه، وكان ذلك تخفيفًا له من العذاب، كما جاء أنه يخفف عن أبى طالب العذاب ويجعل فى ضحضاح من نار يغلى منه دماغه، غير أن التخفيف عن أبى لهب أقل من التخفيف عن أبى طالب؛ لأن أبا لهب كان مؤذيًا للنبى ﷺ ، فلم يقع له التخفيف بعتق ثويبة إلا بمقدار ما تحمل النقرة التى تحت إبهامه من الماء، وخفف عن أبى طالب أكثر من ذلك لنصرته للنبى ﷺ وحياطته له، فدل هذا كله أن التخفيف عنهما مع كفرهما بالله تعالى الذى ماتا عليه كان لأجل ما أوقعاه من القربة وفعل الخير فى حال شركهما، ودل هذا على عظيم تفضل الله على عباده الكافرين. وصح قول من تأول فى معنى الحديث الذى

стр. 3429

جاء عن الله تعالى: (أن رحمته سبقت غضبه) ، أن رحمته لا تنقطع عن أهل النار المخلدين فيها، إذ فى قدرته تعالى أن يخلق لهم عذابًا يكون عذاب النار لأهلها رحمة وتخفيفًا بالإضافة إلى ذلك العذاب، وقد جاء فى حديث أبى سعيد الخدرى أن الكافر إذا أسلم يكتب له ثواب أعمال أهل الطاعة، وقد قال ﵇: (إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب له كل حسنة عملها، ومحى عنه كل سيئة عملها) ، وقال ﵇ لحكيم بن حزام: (اسلمت على ما سلف من خير) ، وقد تقدم حديث حكيم بن حزام فى كتاب الزكاة، فى باب من تصدق فى الشرك ثم أسلم، وفى كتاب العتق فى باب من أعتق المشرك، وقد تقدم حديث أبى سعيد الخدرى فى كتاب الإيمان فى باب حسن إسلام المرء، ومر هناك من الكلام ما فيه كفاية. - باب مَنْ قَالَ: لا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: ٢٣٣] وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ / ٤ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَخِى، فَقَالَ: (انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ) .

стр. 3430

اتفق أئمة الأمصار على أن رضاع الكبير لا يحرم، وشذ الليث وأهل الظاهر عن الجماعة، وقالوا: إنه يحرم، وذهبوا إلى قول عائشة فى رضاعة سالم مولى أبى حذيفة، وحجة الجماعة قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) [البقرة: ٢٣٣] ، فأخبر تعالى أن تمام الرضاعة حولان، فعلم أن ما بعد الحولين ليس برضاع، إذ لو كان ما بعده رضاعًا لم يكن كمال الرضاعة حولين، ويشهد لهذا قوله ﵇: (إنما الرضاعة من المجاعة) ، وهذا المعنى لا يقع برضاع الكبير، وقد روى هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، عن النبى، ﵇، أنه قال: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام) . وأما خبر عائشة فى رضاعة سالم، فلا يخلو أن يكون منسوخًا أو خاصًا لسالم وحده، وقد قالت أم سلمة وسائر أزواج النبى ﷺ : كان رضاع سالم خاصًا له؛ وذلك من أجل التبنى الذى انضاف إليه، ولا يوجد هذا فى غيره، وقد نسخ الله التبنى، فلا ينبغى أن يتعلق به حكم، وقوله تعالى: (حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) [البقرة: ٢٣٣] ، وقوله ﵇: (الرضاعة من المجاعة) ، قاطع للخلاف فى هذه المسألة، وما جعله الله حدًا لتمام فلا مزيد لأحد عليه. قال المهلب: وقوله: (انظرن ما إخوانكن) ، أى ما سبب أخوته، فإن حرمة الرضاع إنما هى فى الصغير حين

стр. 3431

تسد الرضاعة المجاعة، لا حين يكون الغذاء يغير الرضاع فى حال الكبر. واختلفوا فى مقدار مدة الرضاع، فقال جمهور العلماء: ما كان فى الحولين فهو يحرم، وما كان بعد الحولين فلا يحرم، روى هذا عن ابن مسعود، وابن عباس، وعن الشعبى، وابن شبرمة، وهو قول الثورى، والأوزاعى، وأبى يوسف، ومحمد، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور، وهو قول مالك فى الموطأ، وفيها قول ثان: روى الوليد ابن مسلم، عن مالك، أن ما كان بعد الحولين بشهر أو شهرين أو ثلاثة يحرم. وفيها قول ثالث حكى عن أبى حنيفة أن ما كان بعد الحولين بستة أشهر فإنه يحرم. وفيها قول رابع: قال زفر: مادام يجتزئ باللبن ولم يطعم، وإن أتى عليه ثلاث سنين فهو رضاع. والقول قول من قال بالحولين لشهادة كتاب الله وسنة رسوله. روى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، أن النبى، ﵇، قال: (لا رضاع إلا ما كان فى الحولين) ، ودليل آخر وهو قوله تعالى: (وفصاله فى عامين) [لقمان: ١٤] ، فعلم أن ما بعد الحولين بخلافهما. قال ابن المنذر: والذى يعتمد عليه فى ذلك قوله تعالى: (حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) [البقرة: ٢٣٣] ، وليس لما بعد التمام حكم. واختلفوا فى مقدار الرضاع الذى تثبت به الحرمة، ولا تجوز الزيادة فيه. قال ابن المنذر: قالت طائفة: يحرم قليل ذلك وكثيره، وهو قول على، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس،

стр. 3432

وروى عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، ومكحول، وطاوس، والحكم، وهو قول مالك، والليث، والأوزاعى، والثورى، والكوفيين. وقالت طائفة: لا تحرم الرضعة والرضعتان، وإنما تحرم ثلاث، روى ذلك عن عائشة، وابن الزبير، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، واحتجوا بقوله ﵇: (لا تحرم الإملاجة والإملاجتان) . وقالت طائفة: لا يقع التحريم إلا بخمس رضعات مفترقات، روى ذلك عن عائشة، وهو قول الشافعى، وحكى عن إسحاق، واحتجوا بقول عائشة: كان فيما نزل فى القرآن عشر رضعات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله ﷺ وهى فيما يقرأ من القرآن. وروى عن عائشة أيضًا أنه لا يحرم إلا سبع رضعات، وروى عنها أنها أمرت أختها أم كلثوم أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات ليدخل عليها، وروى مثله عن حفصة أم المؤمنين. وحجة القول الأول قوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم) [النساء: ٢٣] ، ولم يخص قليل الرضاع من كثيره، وقد قال العلماء: إن أحاديث عائشة فى الرضاع اضطربت، فوجب تركها والرجوع إلى كتاب الله. قال الطحاوى: وكيف يجوز أن تأمر عائشة بعشر رضعات وهى منسوخة، وتركنا ونأخذ بالخمس الناسخة لها، وحديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت؛ لأنه مرة يرويه ابن الزبير عن النبى،

стр. 3433

عليه السلام، ومرة عن عائشة، ومرة عن أبيه، ومثل هذا الاضطراب يسقطه. قال الطحاوى: والنظر فى ذلك أنا رأينا الذى يحرم لا عدد فيه، ويحرم قليله وكثيره، ألا ترى لو أن رجلاً جامع امرأة بنكاح أو ملك مرة واحدة أن ذلك يوجب حرمتها على أبيه وعلى ابنه، ويوجب حرمة أمها وابنتها عليه، فكذلك الرضاع لما كان كثيره يحرم كان قليله فى القياس أيضًا كذلك. ٣ - باب لَبَنِ الْفَحْلِ / ٥ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِى الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا - وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ - بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِىّ ﷺ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِى صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِى أَنْ آذَنَ لَهُ. اختلف العلماء فى التحريم بلبن الفحل، فذهبت طائفة إلى أنه يحرم، روى ذلك عن على، وابن عباس، وهو قول عطاء، وطاوس، وإليه ذهب مالك، والأوزاعى، والثورى، والكوفيون، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وذهبت طائفة إلى أن لبن الفحل لا يحرم، قالوا: وإنما يقع التحريم من ناحية المرأة لا من ناحية الرجل، روى هذا عن عائشة، وابن عمر، وابن الزبير، والنخعى، وابن المسيب، والقاسم، وأبى سلمة، وهو مذهب أهل الظاهر، واحتجوا بأن عائشة كان يدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أخيها، ولا يدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها، وحجة الذين رأوا به التحريم حديث أفلح أخى أبى القعيس؛ لأن عائشة كانت رضعت

стр. 3434

من امرأة أبى القعيس بلبنه، فصار أبو القعيس أبًا لعائشة، وصار أخوه عمًا لعائشة، فأشكل هذا على عائشة إذ لا رضاعة حقيقة إلا من امرأة؛ لقوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) [النساء: ٢٣] ، فلم تر للرجل حكمًا للرضاع، فقالت: يا رسول الله، إنما أرضعتنى المرأة ولم يرضعنى الرجل، فأخبرها النبى ﷺ أن لبن الفحل يحرم بقوله: (إنه عمك فأذنى له) . قال ابن المنذر: والسنة مستغنى بها عما سواها، ومن جهة النظر أن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة جميعًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما كما كان الولد لهما وإن اختلف سببهما، كما أن الجد لما كان سببًا فى الولد تعلق تحريم ولد الولد به كتعلقه بولده، كذلك حكم الرجل والمرأة، وقد سُئل ابن عباس عن رجل له امرأتان، فأرضعت إحداهما غلامًا والأخرى جارية، فقال: لا يجوز للغلام أن يتزوج الجارية؛ لأن اللقاح واحد، أى الأمهات وإن افترقن فإن الأب واحد الذى هو سبب اللبن للمرأتين، فالغلام والجارية أخوان لأب من الرضاع. ٤ - باب شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ / ٦ - فيه: عُقْبَةَ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ، ﵇، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: لِى إِنِّى قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِىَ كَاذِبَةٌ،

стр. 3435

فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فقُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ، قَالَ: (كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ دَعْهَا عَنْكَ) . اختلف العلماء فى هذا الباب، فقالت طائفة: يجوز شهادة امرأة واحدة فى الرضاع إذا كانت مرضية، وتستحلف مع شهادتها، روى ذلك عن ابن عباس، وطاوس، وهو قول الزهرى، والأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بقوله ﵇: (كيف وقد قيل) ، ونهيه عنها، وذكر عن الأوزاعى أنه إنما أجاز شهادة امرأة واحدة فى ذلك إذا شهدت قبل أن يتزوجها، وأما بعد أن يتزوجها فلا يجيز شهادتها. وقالت طائفة: لا يقبل فى ذلك إلا رجلان أو رجل وامرأتان، روى ذلك عن عمر ابن الخطاب، وهو قول الكوفيين. وقال مالك: تقبل فى ذلك شهادة امرأتين دون رجل، وبه قال الحكم، قال مالك: إذا كان ذلك قد فشا وعرف من قولهما، هذه رواية ابن القاسم، وروى عنه ابن وهب أنه تقبل شهادة امرأتين، وإن لم يفش ذلك من قولهما. وقالت طائفة: لا يقبل فى ذلك أقل من أربع نسوة، روى ذلك عن عطاء، والشعبى، وهو قول الشافعى، قال: ولو شهد فى ذلك رجلان أو رجل وامرأتان لجاز، وتأول أهل هذه المقالات غير أهل المقالة الأولى أن قوله ﵇: (كيف وقد قيل) ، إنما هو على وجه التنزه والتورع، لا على الإيجاب، وروى ابن مهدى، و
следующие страницы →