Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِى مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ) ، قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ. قد تقدم أنه لا يجوز استلحاق غير الأب واختلف العلماء إذا مات رجل وخلف ابنًا واحدًا لا وارث له غيره فأقر بأخ فقال ابن القصار: فعند مالك والكوفيين لا يثبت نسبه. وقال الشافعى: يثبت نسبه. واحتج بأن الوارث قام مقام الميت فصار إقراره كإقرار الميت نفسه فى حال حياته، ألا ترى أن النبى ﷺ ألحق الولد بزمعة بدعوى عبد وإقراره وحده. واحتج أهل المقالة بأن الميت يعترف على نفسه والوارث يعترف على غيره، وحكم إقرار الإنسان على نفسه آكد من إقراره على غيره، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر وإقراره بنسب فى حق غيره ليس هو بأكثر من شهادته له، فلو شهد واحد بنسب يثبت على غيره لم تقبل شهادته، فكذلك إقراره على غيره بالنسب أولى ألا يثبت ولا يلزم على هذا إذا كان الورثة جماعة فأقروا به أو أقر اثنان منهم كانوا عدلين؛ لأن النسب يثبت بشهادة اثنين وبالجماعة فى حق الغير الذى هو أبوهم. ويقال للشافعى حكم النبى ﷺ فى قصة ابن زمعة لم يكن من أجل الدعوى وإنما كان من أجل علمه بالفراش كما حد النبى ﷺ العسيف بقول أبيه؛ لأن ذلك دليل على أن ابنه كان مقرًا قبل ادعاء أبيه عليه ولولا ذلك ما حدَّ بمجرد دعوى أبيه عليه.
стр. 4167
- باب مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرَ أَبِيهِ
/ ٣٨ - فيه: سَعْد، قَالَ: النَّبِيّ ﷺ : (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) . / ٣٩ - وفيه: أَبو هُرَيْرَة، قَالَ ﷺ : (لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ) . قال الطبرى: فإن قال قائل: ما وجه هذا الحديث وقد كان من خيار الناس من ينسب إلى غير أبيه كالمقداد بن الأسود الذى نسب إليه، وإنما هو المقداد بن عمرو، ومنهم من يدعى إلى غير مولاه الذى أعتقه كسالم مولى أبى حذيفة، وإنما هو مولى امرأة من الأنصار وهؤلاء خيار الأمة؟ قيل: لا يدخل أحد منهم فى معنى هذه الأحاديث، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يستنكرون ذلك أن يتبنى الرجل منهم غير ابنه الذى خرج من صلبه فنسب إليه، ولا أن يتولى من أعتقه غيره فينسب ولاؤه إليه، ولم يزل ذلك أيضًا فى أول الإسلام حتى أنزل الله: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) [الأحزاب: ٤] ونزلت) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) [الأحزاب: ٥] الآية فنسب كل واحد منهم إلى أبيه ومن لم يعرف له أب ولا نسب عرف مولاه الذى أعتقه وألحق بولائه عنه غير أنه غلب على بعضهم النسب الذى كان يدعى به قبل الإسلام، فكان المعروف لأحدهم إذا أراد تعريفه بأشهر نسبه عرفه به من غير انتحال المعروف به، ولا تحول به عن نسبه وأبيه الذى هو أبوه على الحقيقة رغبة عنه فلم تلحقهم بذلك نقيصة، وإنما لعن النبى
стр. 4168
( ﷺ المتبرئ من أبيه والمدعى غير نسبه، فمن فعل ذلك فقد ركب من الإثم عظيمًا وتحمل من الوزر جسيمًا، وكذلك المنتمى إلى غير مواليه. فإن قيل: فتقول للراغب فى الانتماء إلى غير أبيه ومواليه كافر بالله كما روى عن أبى بكر الصديق أنه قال: كفر بالله ادعاء نسب لا يعرف. وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: كان مما يقرأ فى القرآن: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم) . قيل: ليس معناه الكفر الذى يستحق عليه التخليد فى النار وإنما هو كفر لحق أبيه ولحق مواليه، كقوله فى النساء: (يكفرن العشير) والكفر فى لغة العرب: التغطية للشىء والستر له، فكأنه تغطية منه على حق الله فيمن جعله له والدًا، لا أن من فعل ذلك كافرًا بالله حلال الدم. والله الموفق.
٣٠ - باب إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ ابْنًا
/ ٤٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (كَانَتِ امْرَأَتَانِ وَمَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِى بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلا: الْمُدْيَةَ.
стр. 4169
أجمع العلماء أن الأم لا تستحلق أحدًا؛ لأنها لو استلحقت ألحقت بالزوج ما ينكره والله تعالى يقول: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) [الأنعام: ١٦٤] وإنما يمكن أن تلحق الولد بالزوج إذا أقامت البينة أنها ولدته وهى زوجته فى عصمته، فإن الولد للفراش. وفائدة هذا الحديث أن المرأة إذا قالت هذا ابنى ولم ينازعها فيه أحد ولم يعرف له أب فإنه يكون ولدها، ترثه ويرثها ويرثه إخوته لأمه؛ لأن هذه المرأة التى قضى لها بالولد فى هذا الحديث إنما حصل لها ابنًا مع تسليم المنازعة لها فيه. وفيه من الفقه: أن من أتى من المتنازعين بما يشبه فالقول قوله؛ لأن سليمان جعل شفقتها عليه شبهة مع دعواها. وفيه: أنه جائز للعالم مخالفة غيره من العلماء وإن كانوا أسن منه وأفضل إذا رأى الحق فى خلاف قولهم. ويشهد لهذا قوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان الحرث) [الأنبياء: ٧٨] الآية فإنه أثنى على سليمان بعلمه، وعذر داود باجتهاده ولم يخله من العلم. وسيأتى الاختلاف فى هل كل مجتهد مصيب أو الحق فى واحد من أقاويل العلماء فى كتاب الاعتصام والله الموفق.
٣١ - باب الْقَائِفِ
/ ٤١ - فيه: عَائِشَةَ إِنَّ النبى ﷺ دَخَلَ عَلَىَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ،
стр. 4170
فَقَالَ: (أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأقْدَامَ بَعْضُهَا لَمِنْ بَعْضٍ) . / ٤٢ - وقال مرةً: (عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) . فى هذا الحديث إثبات الحكم بالقافة، وممن قال بذلك أنس بن مالك، وهذا أصح الروايتين عن عمر، وبه قال عطاء، وإليه ذهب مالك والأوزاعى والليث والشافعى وأحمد وأبو ثور. وقال الثورى وأبو حنيفة وأصحابه: الحكم بالقافة باطل وذلك تخرص وحدس لا يجوز ذلك فى الشريعة قالوا وليس فى حديث أسامة حجة فى إثبات الحكم بالقافة؛ لأن أسامة قد كان ثبت نسبه قبل فلم يحتج النبى ﷺ فى ذلك إلى قول أحد ولولا ذلك لما كان دعا أسامة فيما تقدم إلى زيد. وإنما تعجب من إصابة مجزز كما يتعجب من ظن الرجل الذى يصيب بظنه حقيقة الشىء ولا يجب الحكم بذلك، وترك الإنكار عليه لأنه لم يتعاط بقوله إثبات ما لم يكن ثابتًا فيما تقدم. هذا وجه الحديث، قاله الطحاوى. وقال أهل المقالة الأولى: لو كان قول مجزز على جهة الحدس والظن وعلى غير سبيل الحق والقطع بالصحة لأنكر ذلك النبى ﷺ على مجزز، ولقال له وما يدريك، ولم يسر النبى ﷺ بذلك؛ لأنه ليس من صفته أن يسر بأمر باطل عنده لا يسوغ فى شريعته، وكان أسامة أسود وكان زيد أبيض فكان المشركون يطعنون فى نسبه، وكان يشق ذلك على النبى ﷺ فسر بذلك لمكانهما منه.
стр. 4171
وقد كانت العرب تعرف من صحة القافة فى بنى مدلج وبنى أسد ما قد شهر عنهما ثم وردت السنة بتصحيح ذلك، فصار أصلا، والشىء إنما يصير شرعًا للنبى إما بقوله أو بقطعه أو بأن يقر عليه، فلو كان إثبات النسب من جهته باطلا لم يجز أن يقر عليه مجززًا بل كان ينكره عليه ويقول له: هذا باطل فى شريعتى، فلما لم ينكره وسر به كان سنة. وذهب مالك فى المشهور عنه إلى أن الحكم بالقافة فى أولاد الإماء دون الحرائر، وروى ابن وهب عنه أن الحكم بالقافة فى ولد الزوجة وولد الأمة، وبهذا قال الشافعى. قال ابن القصار: وصورة الولد الذى يدعيه الرجلان من الأمة هو أن يطأ إنسان أمته ثم يبيعها من آخر فيطؤها الثانى قبل الاستبراء من الأول فتأتى بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء الثانى؛ فإن الحكم بالقافة هنا واجب، ولو أتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثانى فالولد للأول. ووجه قول مالك أن القافة فى ولد الإماء؛ لأنه يصح ملك جماعة رجال الأمة فى وقت واحد ووطؤهم لها إن كان وطء جميعهم غير مباح، وإذا كان ذلك فقد تساووا فليس أحد أولى بالولد من صاحبه إذا تنازعوه لاستوائهم فى شبهة الفراش بالملك، وأما الحرة فإن الوطء الثانى لا يساوى الأول فى الحرمة والقوة فلم يطأ وطأ صحيحًا من قبل أنه إما أن يطأ زوجة زيد مثل أن يتزوجها وهو لا يعلم
стр. 4172
أن لها زوجًا فقد فرط؛ لأنه قد كان يمكن أن يتعرف ذلك ولا يقدم على وطء زوجة وهى فراش لغيره أو يتزوجها فى عدتها فهو فى التقصير كذلك، أو يجد امرأة على فراشه فيطأها وهولا يعلم فالولد لاحق بصاحب الفراش الصحيح بقوته. وأما وجه رواية ابن وهب أن القافة تكون فى ولد الزوجات لاجتماع الواطئين فى شبهة النكاح والملك؛ لأن الولد يلحق بالنكاح الصحيح وشبهته وبالملك الصحيح وشبهته؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد بالوطء للحقه النسب، فكذلك إذا اشتركا فيه وجب أن يستويا فى الدعوى فوجب أن يحكم بالولد لأقربهما شبهًا به لقوة سببه، لأن شبه الولد ممن هو من أدل أدلة الله فوجبت القافة. وروى أشهب وابن نافع عن مالك أنه لا يؤخذ إلا بقول قائفين وهو قول الشافعى، وقال ابن القاسم: إن القائف الواحد يجزئ. وقال الزبير بن بكار: إنما قيل له مجززًا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا حلق لحيته. وأسارير وجهه: هى خطوط بين الحاجبين وقصاص الشعر. وروى عن عائشة أنها قالت: (دخل علىَّ رسول الله ﷺ تبرق أكاليل وجهه) جمع إكليل وهى ناحية الجبهة وما يتصل بها من الجبين. وذلك أن الإكليل إنما يوضع هناك، وكل ما أحاط بالشىء وتكلله من جوانبه فهو إكليل. عن الخطابى.
стр. 4173
٦٠ - كِتَاب الْحُدُودِ
- باب ما يُحذر من الحُدُودِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُنْزَعُ مِنْهُ نُورُ الإيمَانِ فِى الزِّنَا. / ١ - فيه: أَبو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) . وترجم له باب السارق حين يسرق. قال الطبرى: اختلف من قبلنا فى هذا الحديث فأنكر بعضهم أن يكون رسول الله ﷺ قال هذا القول. قال عطاء: اختلف الرواة فى أداء لفظ النبى ﷺ بذلك، قال محمد بن زيد ابن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسئل عن تفسير هذا الحديث فقال: إنما قال رسول الله ﷺ : (لا يزنين مؤمن ولا يسرقن مؤمن) . وقال آخرون: عنى بذلك: لا يزنى الزانى وهو مستحل للزنا غير مؤمن بتحريم الله ذلك عليه، فأما إن زنا وهو معتقد تحريمه فهو مؤمن، روى ذلك عن عكرمة عن ابن عباس. وحجة هذه المقالة حديث أبى ذر أن النبى ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وإن رغم أنف أبى ذر) .
стр. 4174
وقال آخرون: ينزع منه الإيمان فيزول عنه اسم المدح الذى يُسمى به أولياء الله المؤمنون، ويستحق اسم الذم الذى يسمى به المنافق فيوسم به ويقال له منافق وفاسق. روى هذا عن الحسن قال: النفاق نفاقان: تكذيب محمد فهذا لا يغفر، ونفاق خطايا وذنوب يرجى لصاحبه. وعن الأوزاعى قال: كانوا لا يكفرون أحدًا بذنب ولا يشهدون على أحد بكفر ويتخوفون نفاق الأعمال على أنفسهم. قال الوليد بن مسلم: ويصدق قول الأوزاعى أنه كان من قول السلف ما حدثنا الأوزاعى، عن هارون بن رئاب: (أن عبد الله بن عمر قال فى مرضه: زوجوا فلانًا ابنتى فلانة، وإنى كنت وعدته بذلك وأنا أكره أن ألقى الله بثلث النفاق) وما حدثناه عن الزهرى، عن عروة: (أنه قال لابن عمر: الرجل يدخل منا على الإمام فيراه يقضى بالجور فيسكت وينظر إلى أحدنا فيثنى عليه بذلك، فقال عبد الله: أما نحن معاشر أصحاب رسول الله ﷺ فكنا نعدها نفاقًا فلا أدرى كيف تعدونه) وعن حذيفة: (أنه سئل عن المنافق فقال: الذى يتكلم بالإسلام ولا يعمل به) . وحجة هذا القول أن النفاق إنما هو إظهار المرء بلسانه قولاً يبطن خلافه كنافقاء اليربوع الذى يتخذه كى إن طلبه الصائد من قبل مدخل قصَّع من خلافه، فمن لم يجتنب الكبائر من أهل التوحيد علمنا أن ما أظهره من الإقرار بلسانه خداع للمؤمنين فاستحق اسم النفاق. ويشهد لذلك قوله ﷺ : (ثلاث من علامات المنافق، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) .
стр. 4175
والزنا والسرقة وشرب الخمر أدل على النفاق من هذه الثلاث. وقال آخرون: إذا أتى المؤمن كبيرة نزع منه الإيمان وإذا فارقها عاد إليه الإيمان. وروى عن أبى الدرداء قال عبد الله بن رواحة: (إنما مثل الإيمان مثل قميص بينما أنت قد نزعته إذا لبسته وبينما أنت قد لبسته إذ نزعته) . وعن يزيد بن أبى حبيب عن أسلم بن عمر أنه سمع أبا أيوب يقول: (إنه ليمر على المرء ساعة وما فى جلده موضع إبرة من النفاق) . وعلة هذه المقالة أن الأيمان هو التصديق، غير أن التصديق معنيان أحدهما قول والآخر عمل فإذا ركب المصدق كبيرة فارقه اسم الإيمان كما يقال للاثنين إذا اجتمعا اثنين فإذا انفرد كل واحد منهما لم يقل له إلا واحد وزال عنهما الاسم الذى كان لهما فى حال الاجتماع، فكذلك الإيمان إنما هو اسم التصديق الذى هو الإقرار والعمل الذى هو اجتناب لكبائر. فإذا واقع المقر كبيرة زال عنه اسم الإيمان فى حال مواقعته، فإذا كف عنها عاد له الاسم؛ لأنه فى حال كفه عن الكبيرة مجتنب لها وباللسان مصدق، وذلك معنى الإيمان عندهم. وقال بعض الخوارج والرافضة والإباضية: من فعل شيئًا من ذلك فهو كافر خارج عن الإيمان؛ لأنهم يكفرون المؤمنين بالذنوب ويوجبون عليهم التخليد فى النار بالمعاصى، ومن حجتهم ظاهر حديث أبى هريرة (لا يزنى وهو مؤمن) .
стр. 4176
قال أبو هريرة: الإيمان فوقه هكذا فإن هو تاب راجعه الإيمان وإن أصر ومضى فارقه. وقال أبو صالح عن أبى هريرة: ينزع منه الإيمان فإن تاب رُد عليه. قالوا: ومن نزع منه الإيمان فهو كافر؛ لأنه منزلة بين الإيمان والكفر، ومن لم يكن مؤمنًا فهو كافر. وجماعة أهل السنة وجمهور الأمة على خلافهم. قال الطبرى: وحجة أهل السنة أن ابن عباس قد بين حديث أبى هريرة وقال: إن العبد إذا زنا نزع منه نور الإيمان لا الإيمان. حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، حدثنا محمد بن كثير، عن شريك بن عبد الله، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: سمعت النبى ﷺ يقول: (من زنا نزع الله نور الإيمان من قلبه فإن شاء أن يرده عليه رده) . والصواب عندنا قول من قال: يزول عنه الاسم الذى هو بمعنى المدح إلى الاسم الذى هو بمعنى الذم، فيقال له فاجر فاسق زان سارق. ولا خلاف بين جميع الأمة أن ذلك من أسمائه ما لم تظهر منه التوبة من الكبيرة، ويزول عنه اسم الإيمان بالإطلاق والكمال بركوبه ذلك ونثبته له بالتقييد فنقول هو مؤمن بالله وبرسوله مصدق قولاً، ولا نقول مطلقًا هو مؤمن إذا كان الإيمان عندنا معرفة وعملا
стр. 4177
وقولاً، فلما لم يأت بها كلها استحق اسم التسمية بالإيمان على غير الإطلاق والاستكمال له. قال المهلب: وقوله ﷺ : (ينزع منه نور الإيمان) يعنى ينزع منه بصيرته فى طاعة الله لغلبة الشهوة عليه، فكأن تلك البصيرة نور طفته الشهوة من قلبه ويشهد لهذا قوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) [المطففين: ١٤] . وقد تقدم فى كتاب الإيمان فى باب علامات المنافق، والعلم فى باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهة ألا يفهموا.
- باب الضَّرْبِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ
/ ٢ - فيه: عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِنُعَيْمَانَ، أَوْ بِابْنِ نُعَيْمَانَ، وَهُوَ سَكْرَانُ، فَشَقَّ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ مَنْ فِى الْبَيْتِ، أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَضَرَبُوهُ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَكُنْتُ فِيمَنْ ضَرَبَهُ. وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. / ٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَة، أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ ، بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: اضْرِبُوهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: لا، تَقُولُوا هَكَذَا لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ. / ٤ - وفيه: عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ
стр. 4178
فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِى نَفْسِى إِلا صَاحِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ. / ٥ - وفيه: السَّائِب، كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِى بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ حَتَّى إِذَا عَتَوْا، وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ. وترجم لحديث عقبة بن الحارث: باب من أمر بضرب الحد فى البيت. اختلف العلماء فى حد الخمر كم هو؟ فذهب مالك، والثورى، والكوفيون، وجمهور العلماء، إلى أن حد الخمر ثمانون جلدة. وقال الشافعى وأبو ثور وأهل الظاهر حد الخمر أربعون. واحتجوا فى ذلك بما رواه مسدد قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سعيد ابن أبى عروبة، عن الداناج، عن حصين بن المنذر الرقاشى أبى ساسان، عن على بن أبى طالب قال: (جلد رسول الله ﷺ فى الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وكملها عمر ثمانين وكل سنة) . وبما رواه عبد العزيز بن المختار، عن الداناج، عن حصين بن المنذر قال: (شهدت عثمان وقد أتى بالوليد بن عقبة وقد صلى بأهل الكوفة فشهد عليه حُمران ورجل آخر أحدهما أنه رآه يشربها والآخر أنه رآه يقيئها، فقال عثمان: لم يقئها حتى شربها، فقال عثمان لعلى: أقم عليه الحد. فأمر عبد الله بن جعفر فجلده وعلى يعد حتى بلغ أربعين، ثم قال أمسك، ثم قال: إن النبى ﷺ جلد أربعين وعمر ثمانين وكل سُنة وهذا أحبُّ إلى) فاحتجوا بهذه الآثار وقالوا: إنَّ الجلد الذى يجب على شارب الخمر أربعون.
стр. 4179
واحتج عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا: حديث الداناج غير صحيح وأنكروا أن يكون على قال من ذلك شيئًا؛ لأنه قد روى عنه ما يخالف ذلك ويدفعه. وبما رواه البخارى أن عليا قال: (ما كنت لأقيم الحدَّ على أحدٍ فيموت فى نفسى إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن النبى ﷺ لم يسنه) . قال الطحاوى: فهذا على يخبرُ أن رسول الله ﷺ لم يكن سن فى شرب الخمر حدا، ثم الرواية عن على فى حد الخمر على خلاف حديث الداناج من اختيار الأربعين على الثمانين روى سفيان، عن عطاء بن أبى مروان، عن أبيه قال: أتى على بالنجاشى قد شرب الخمر فى رمضان فضربه ثمانين، ثم أمر به إلى السجن، ثم أمر به من الغد فضربه عشرين، ثم قال: هذه لانتهاكك حرمة رمضان وجرأتك على الله. وروى عن ابن شهاب، عن حميد ابن عبد الرحمن: أن رجلا من كلب يقال له ابن وبرة بعثه خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب فوجد عنده عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، فقالوا له: إن الناس قد انهمكوا فى الخمر. فقال عمر لمن حوله: ما ترون؟ قال على: يا أمير المؤمنين إنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وعلى المفترى ثمانون فتابعه أصحابه. أفلا ترى عليا لما سئل عن ذلك ضرب أمثال الحدود كيف هى، ثم استخرج منها حدًا برأيه فجعله كحد المفترى، ولو كان عنده فى ذلك شىء موقت عن النبى ﷺ لأغناه عن ذلك، ولو كان عند أصحابه فى ذلك أيضًا عن
стр. 4180
النبى ﷺ شىء لأنكروا عليه أخذ ذلك من جهة الاستنباط وضرب المثال فكيف يجوز أن نقبل على علىّ ما يخالف هذا وقد قال: إن النبى ﷺ لم يسن فى الخمر شيئًا. ودل حديث عقبة بن الحارث وحديث أنس وحديث أبى هريرة أن النبى ﷺ لم يقصد فى حدّ الشارب إلى عدد من الضرب يكون حدا، وإنما أمر النبى ﷺ أصحابه أن يضربوه بالجريد والنعال والثياب والأيدى، وإنما ضرب أبو بكر بعده أربعين على التحرى منه لضربه ﷺ إذ لم يوقفهم على حد فى ذلك، فثبت بهذا كله أن التوقيف فى حد الخمر على ثمانين إنما كان فى زمن عمر وانعقاد إجماع الصحابة على ذلك، فلا تجوز مخالفتهم؛ لأن إجماعهم معصوم كما أجمعوا على مصحف عثمان ومنعوا مما عداه، فانعقد الإجماع على ذلك ولزمت الحجة به، وقد قال تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) [النساء: ١١٥] الآية. وقال ابن مسعود: ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن؛ لأن إجماعهم معصوم. وفيه حجة لمالك ومن وافقه فى جواز أخذ الحدود قياسًا، خلافًا لأهل العراق وبعض أصحاب الشافعى فى منعهم ذلك، واستدلوا بأن الحدود والكفارات وضعت بحسب المصالح وقد تشترك أشياء مختلفة فى الحدود والكفارات وتختلف أشياء متقاربة، ولا سبيل إلى علم ذلك إلا بالنص. فيقال لهم: أجمع الصحابة على حد شارب الخمر ثم نصوا على
стр. 4181
المعنى الذى من أجله أجمعوا، وهو قول على وعبد الرحمن: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى أن يحد حد المفترى. ففى هذا دليل على أخذ الحدود قياسًا، وعلى أصل القياس جواز انعقاد الإجماع عنه. وفى قياسهم حد الخمر على حد الفرية حجة لمالك ومن قال بقطع الذرائع وجعلها أصلا وتحصينًا لحدود الله أن تنتهك؛ لأن عليا لما قال: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وعلى المفترى ثمانون. وتابعه الصحابة على ذلك، ولم يخالفه أحد منهم كان ذلك حجة واضحة فى القول بقطع الذرائع؛ لأنه قد يجوز أن يشرب الخمر من لا يبلغ بها إلى الهذى والفرية، ولما كان ذلك غير معلوم لاختلاف الناس فى التقليل من شربها وفى التكثير، وفى غلبة سورتها لبعضهم وتقصيرها عن بعض، وكان الحد لازمًا ولكل شارب؛ ثبت القول بقطع الذرائع فيما يخاف الإقدام فيه على المحرمات وهو أصل من أصول الدين مما أجمع عليه الصحابة. قال المهلب: وفى قول على: ما كنت لأقيم الحد على أحد فيموت فأجد منه فى نفسى. حجة لابن الماجشون ومن وافقه أن الحاكم لا قود عليه إذا أخطأ فى اجتهاده. ويؤيد هذا أن أسامة قتل رجلا قال: لا إله إلا الله ثم أتى النبى ﷺ فأخبره بذلك فلم يزد أن وبخه، ولم يأمره بالدية ولم يأخذها منه لاجتهاده وتأويله فى قتله. وقد تقدم اختلاف العلماء فى هذه المسألة فى كتاب الأحكام
стр. 4182
فى باب إذا قضى القاضى بجور خالف فيه أهل العلم فهو مردود والحمد لله. وقوله: (أتى النبى ﷺ بالنعيمان وهو سكران فشق عليه وأمر من فى البيت بضربه) فيه حجة أن السكران يقام عليه الحد ولا يؤخر حتى يصحو؛ لأن النبى ﷺ أمر من فى البيت أن يضربوه، ولم يؤخره إلى أن يصحو. وجمهور العلماء على خلاف هذا لا يرون الحد عليه وهو سكران حتى يصحو وهو قول مالك والثورى والكوفيين، قالوا: لأن الحد إنما وضعه الله للتنكيل وليألم المحدود ويرتدع، فالسكران لا يعقل ذلك؛ فغير جائز أن يقام الحدّ على من لا يحس به ولا يعقل.
٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ لَعْنِ شَارِبِ الْخَمْرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ الْمِلَّةِ
/ ٦ - فيه: عُمَر، أَنَّ رَجُلا عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ ، كَانَ اسْمُهُ عَبْدَاللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِى الشَّرَابِ، فَأُتِىَ بِهِ يَوْمًا، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (لا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إلا إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) . / ٧ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَة، أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ رَجُلٌ: مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ.
стр. 4183
وروى ابن المنذر هذا الحديث وقال فيه بعد قوله: لا تعينوا عليه الشيطان (ولكن قولوا: اللهم اغفر له) . قال المهلب: فى هذا الحديث بيان قوله ﷺ : (لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) يريد وهو مستكمل الإيمان، وليس بخارج من الملة بشربها ولا بمعصية من المعاصى؛ لأن النبى ﷺ قد شهد للشارب بحب الله ورسوله وبالإسلام، وقال فيه: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم) . فسماه أخًا فى الإسلام، وأمرهم أن يدعوا له بالمغفرة والرحمة. قال المؤلف: بيان قوله ﷺ : (لا يشرب الخمرحين يشربها وهو مؤمن) قال: فإن قيل: هذا الحديث معارض لما روى عن النبى ﷺ : (أنه لعن شارب الخمر وعاصرها ومعتصرها) ولعن كثيرًا من أهل المعاصى منهم من ادعى إلى غير أبيه وانتمى إلى غير مواليه، ولعن المصور وجماعة يكثر عددهم. قيل: لا تعارض بين شىء من ذلك بحمد الله، ووجه لعنته لأهل المعاصى يريد الملازمين لها غير التائبين منها ليرتدع بذلك من فعلها وسلك سبيلها، والذى نهى ﷺ عن لعنه فى هذا الباب قد كان أخذ منه حد الله الذى جعله تطهيرًا من الذنوب فحصل فى حالة مهيئة للتوبة ورجا له التمادى على ما حصل له من التطهير وبركة أمره ﷺ أصحابه بالدعاء له. فنهى عن لعنه خشية أن يوقع الشيطان فى قلبه أن من لعن بحضرة النبى ﷺ ولم يغير ذلك ولا نهى عنه فإنه مستحق العقوبة فى الآخرة فينفره بذلك ويغويه.
стр. 4184
قال المهلب: وقوله: (وكان يضحك النبى ﷺ ) فيه من الفقه جواز إضحاك العالم والإمام ببادرة يبدرها (وأمر) يعنى به من الحق لا من شىء من الباطل. وقال المؤلف: وحديث عمر ناسخ لما روى عن النبى ﷺ أنه قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فى الرابعة فاقتلوه) لأنه ﷺ حد الرجل مرارًا فى الخمر ولم يقتله؛ وبهذا قال أئمة الفتوى، لأن قول الذى لعنه (ما أكثر ما يؤتى به) يقتضى حدا من العدد، وما يدخل فى حيز الكثرة إن لم يكن أكثر من أربع فليس بدونها، وقد رفع الإشكال فى ذلك ما ذكره النسائى من حديث ابن المنذر عن جابر أن النبى ﷺ قال: (إن شرب الرابعة فاقتلوه) . قال جابر: فضرب النبى ﷺ نعيمان أربع مرات ولم يقتله، فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وأن القتل قد رفع.
٤ - باب لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ
/ ٨ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيّ ﷺ : (لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) . قَالَ الأعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ، وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يُسَاوِى دَرَاهِمَ. وقال ابن قتيبة: احتج الخوارج بهذا الحديث وقالوا: القطع يجب فى قليل الأشياء وكثيرها. قال: ولا حجة لهم فيه، وذلك أن الله لما أنزل على رسوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨] الآية. قال ﷺ :
стр. 4185
(لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده) على ظاهر ما نزل الله عليه فى ذلك الوقت، ثم أعلمه الله أن القطع لا يكون إلا فى ربع دينار فما فوقه على ما رواه الزهرى، عن عمرة، عن عائشة قالت: سمعت النبى ﷺ يقول: (لا قطع إلا فى ربع دينار فصاعدًا) ولم يكن يعلم رسول الله ﷺ من حكم الله إلا ما أعلمه الله وما كان الله عرفه ذلك جملة؛ بل كان ينزل عليه شيئًا بعد شىء ويأتيه جبريل بالسنن كما يأتيه بالقرآن، ولذلك قال ﷺ : (أوتيت الكتاب ومثله معه) يعنى من السنن. وأما قول الأعمش: إن البيضة فى هذا الحديث بيضة الحديد التى تغفر الرأس فى الحرب، وأن الحبل من حبال السفن فهذا تأويل لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب؛ لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة. وهذا ليس موضع تكثير لما يسرقه السارق ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبح الله فلانًا عرض نفسه للضرب فى عقد جوهر وتعرض للعقوبة بالغلول فى جراب مسك، وإنما العادة فى مثل هذا أن يقال: لعنه الله تعرض لقطع اليد فى حبل رث أو كُبة شعر أو رداء خلق، وكل ما كان من هذا الفن كان أبلغ. قال المؤلف: وقوله فى الترجمة باب لعن السارق إذا لم يُسم كذا فى جميع النسخ، والذى يستوحى من معناه إن صح فى الترجمة أنه لا ينبغى تعيير أهل المعاصى ومواجهتهم باللعنة، وإنما ينبغى أن يلعن فى الجملة من فعل أفعالهم ليكون ذلك ردعًا وزجرًا عن
стр. 4186
انتهاك شىء منها؛ فإذا وقعت من معين لم يلعن بعينه لئلا يقنط وييأس ولنهى النبى ﷺ عن ذلك فى حديث النعيمان. فإن كان ذهب البخارى إلى غير هذا فهو غير صحيح؛ لأن النبى ﷺ إنما نهى عن لعنه وقال: (لا تعينوا عليه الشيطان) بعد إقامة الحد عليه، فدل هذا الحديث على الفرق بين من تجب لعنته وبين من لا تجب، وبان به أن من أقيم عليه حدود الله فلا ينبغى لعنه ومن لم يقم عليه حد الله فاللعنة متوجهة إليه سواء سمى وعُين أم لا؛ لأن النبى ﷺ لا يلعن إلا من تجب له اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعنه، فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه إليه. ويبين هذا قوله ﷺ : (إذا زنت الأمة فليجلدها ولا يثرب) فدل هذا الحديث أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد وقبل التوبة. والله الموفق.
٥ - باب الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ
/ ٩ - فيه: عُبَادَةَ، قَالَ: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فِى مَجْلِسٍ، فَقَالَ: بَايِعُونِى عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّهَا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) . فإن أكثر العلماء ذهب إلى أن الحدود كفارة على حديث عبادة ومنهم من جبن عن هذا لما روى أبو هريرة عن النبى ﷺ أنه قال: (لاأدرى الحدود كفارة أم لا) لأن حديث عبادة أصح من
стр. 4187
جهة الإسناد، ولو صح حديث أبى هريرة لأمكن أن يقوله ﷺ قبل حديث عبادة ثم يعلمه الله أن الحدود طهرة أو صادة على حديث عبادة ولا تتضاد الأحاديث. قال المهلب: فإن قيل: إن آية المحاربة تعارض حديث عبادة وذلك قوله تعالى: (ذلك لهم خزى فى الدنيا) [المائدة: ٣٣] يعنى الحدود) ولهم فى الآخرة عذاب عظيم) [المائدة: ٣٣] فدلت هذه الآية أن الحدود ليست كفارة. والجواب: أن الوعيد فى المحاربة عند جميع المؤمنين مرتب على قول الله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨] فتأويل آية المحاربين) ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم) [المائدة: ٣٣] إن شاء الله تعالى بقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (وهذه الآية تبطل نفاذ الوعيد على غير أهل الشرك، إلا أن ذكر الشرك فى حديث عبادة مع سائر المعاصى لا يوجب أن من عوقب فى الدنيا وهو مشرك أن ذلك كفارة له؛ لأن الأمة مجمعة على تخليد الكفار فى النار وبذلك نطق الكتاب والسنة. وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الإيمان فى باب علامة الإيمان حبُ الأنصار، فحديث عبادة معناه الخصوص فيمن أقيم عليه الحد من المسلمين خاصة أن ذلك كفارة له.
٦ - باب ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إِلا فِى حَدٍّ أَوْ حَقٍّ
/ ١٠ - فيه: ابن عُمَر، قَالَ النبى ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (أَلا أَىُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلا شَهْرُنَا هَذَا، قَالَ: أَلا
стр. 4188
أَىُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلا بَلَدُنَا هَذَا، قَالَ: أَلا أَىُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلا يَوْمُنَا هَذَا، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ إِلا بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ: أَلا نَعَمْ. . . الحديث. قال المهلب قوله: ظهر المؤمن حمىً إلا فى حق يعنى أنه لا يحل للمسلم أن يستبيح ظهر أخيه ولا بشرته لثائرة تكون بينه وبينه أو عداوة إذا لم تكن على حكم ديانة الإسلام مما كانت الجاهلية تستبيحه من الأعراض والدماء، وإنما يجوز استباحة ذلك فى حقوق الله أو حقوق الآدميين أو فى أدب لمن قصر فى الدين، كما كان عمر يؤدب بالدرة وبغيرها كل مظنون به ومقصر. وقوله ﷺ : (ألا أى شهر تعلمونه) وقول أصحابه: (ألا شهرنا هذا) فإن العرب تزيد (ألا) فى افتتاح الكلام للتنبيه، كقوله تعالى: (ألا إنهم هم المفسدون) [البقرة: ١٢] ) وألا حين يستغشون ثيابهم) [هود: ٥] ، و) ألا يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم) [هود: ٤] . قال الشاعر: ألا يا زيد والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق
٧ - باب إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالانْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ
/ ١١ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا خُيِّرَ النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإثْمُ، كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ
стр. 4189
مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِى شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ. وقولها: (ما خُير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا) يحتمل أن يكون هذا التخيير ليس من الله؛ لأن الله لا يخير رسوله بين أمرين عليه فى أحدهما إثم فمعنى هذا الحديث ما خير رسول الله ﷺ أصحابه بين أن يختار لهم أمرين من أمور الدنيا على سبيل المشورة والإرشاد إلا اختار لهم أيسر الأمرين ما لم يكن عليهم فى الأيسر إثم؛ لأن العباد غير معصومين من إرتكاب الإثم، ويحتمل أن يكون ما لم يكن إثمًا فى أمور الدين، وذلك أن الغلو فى الدين مذموم والتشديد فيه غير محمود لقوله ﷺ : (إياكم والغلو فى الدين فإنما هلك من قبلكم بالغلو فى الدين) . فإذا أوجب الإنسان على نفسه شيئًا شاقًا عليه من العبادة فادحًا له ثم لم يقدر على التمادى فيه كان ذلك إثمًا، ولذلك نهى النبى ﷺ أصحابه عن الترهب. قال أبو قلابة: (بلغ النبى ﷺ أن قومًا حرموا الطيب واللحم، منهم عثمان بن مظعون وابن مسعود وأرادوا أن يختصوا، فقام النبى ﷺ على المنبر فأوعد فى ذلك وعيدًا شديدًا، ثم قال: إنى لم أبعث بالرهبانية، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة، وإن أهل الكتاب إنَّما هلكوا بالتشديد، وشدَّدوا فشدد عليهم، ثم قال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت واستقيموا يستقم لكم) .
стр. 4190
وقد جعل مطرف بن الشخير ويزيد بن مرة الجعفى مجاوزة القصد فى العبادة وغيرها والتقصير عنه سيئةً. فقالا: الحسنة بين السيئتين، والسيئتان إحداهما مجاوزة القصد والثانية التقصير عنه، والحسنة التى بينهما هى القصد والعدل. قال الداودى: وقولها وما انتقم رسول الله لنفسه، يعنى إذا أوذى بغير السب الذى يخرج إلى الكفر، مثل الأذى فى المال والجفاء فى رفع الصوت فوق صوته، ونحو التظاهر الذى تظاهرت عليه عائشة وحفصة، ومثل جبذ الأعرابى له حتى أثرت حاشية البرد فى عنقه أخذا منه بقوله تعالى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) [الشورى: ٤٣] وأما إذا أوذى فذلك كفر، وهو انتهاك حرمة الله فيجب عليه الانتقام لنفسه، وكذلك فعل فى ابن خطل يوم فتح مكة حين تعوَّذ بالكعبة من القتل، فأمر بقتله دون سائر الكفار؛ لأنه كان يكثر من سبه، وقد أمر بقتل قينتين كانتا تغنيان بسبه، وانتقم لنفسه؛ لأنه من سب رسول الله ﷺ فقد كفر، ومن كفر فقد آذى الله ورسوله، وكذلك قال: (من لكعب بن الأشراف فقد آذى الله ورسوله) ، فانتقم منه لذلك. قال المهلب: ولا يحل لأحد من الأئمة ترك حرمات الله أن تنتهك وعليهم تغيير ذلك. وقد روى عن مالك فى الرجل يؤذى وتنتهك حرمته ثم يأتيه الظالم
стр. 4191
المنتهك لحرمته فيسأله الغفران. فقال: لا أرى أن يغفر له. ووجه قول مالك إذا كان معروفًا بانتهاك حرم المسلمين فلا يجب أن يجرى على هذا، ويرد بالإغلاظ عليه والقمع له وعن ظلم أحد.
٨ - باب إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ
/ ١٢ - فيه: عَائِشَةَ: أَنَّ أُسَامَةَ كَلَّمَ النَّبِىَّ ﷺ فِى امْرَأَةٍ، فَقَالَ: (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى الْوَضِيعِ، وَيَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ فَعَلَتْ ذَلِكَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) . قال المهلب: هذا يدل أن حدود الله لا يحل للأئمة ترك إقامتها على القريب والشريف، وأن من ترك ذلك من الأئمة فقد خالف سنُة رسول الله ﷺ ورغب عن اتباع سبيله. وفيه: أن إنفاذ الحكم على الضعيف ومحاشاة الشريف مما أهلك الله به الأمم، ألا ترى أنه ﷺ وصف أن بنى إسرائيل هلكوا بإقامة الحد على الوضيع وتركهم الشريف. وقد وصفهم الله بالكفر لمخالفتهم أمر الله تعالى، فقال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [المائدة: ٤٤] ) الظالمون) [المائدة: ٥٤] ) الفاسقون) [المائدة: ٤٧] وقوله ﷺ : (لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها) هو فى معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) [النساء: ١٣٥] .
стр. 4192
فامتثل ﷺ أمر ربه فى ذلك، وامتثله بعده الأئمة الراشدون فى تقويم أهليهم فيما دون الحد. وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب إذا نهى الناس عن شىء جمع أهله، فقال: إنى نهيت الناس عن كذا وكذا، والناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإنى والله لا أوتى برجل منكم وقع فى شىء مما نهيته عنه إلا أضعف عليه العقوبة لمكانه منى، فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر.
٩ - باب كَرَاهِة الشَّفَاعَةِ فِى الْحَدِّ إِذَا رُفِعَ إِلَى السُّلْطَانِ
/ ١٣ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِى سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ، فَخَطَبَ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ سَرَقَتْ، لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا) . ذهب جماعة العلماء إلى أن الحدّ إذا بلغ الإمام أنه يجب عليه إقامته، لأنه قد تعلق بذلك حق لله ولا تجوز الشفاعة فيه لإنكاره ذلك على أسامة وذلك من أبلغ النهى، ثم قام ﷺ خطيبًا فحذر أمته من الشفاعة فى الحدود إذا بلغت إلى الإمام.
стр. 4193
فإن قيل: فقد قال مالك وأبو يوسف والشافعى: إن القذف إذا بلغ إلى الإمام يجوز للمقذوف العفو عنه إن أراد سترًا. قيل له: إن هذه شبهة يجوز بها درء الحد؛ لأنه إن ذهب الإمام إلى حد القاذف خشى أن يأتى بالبينة على صدق ما قال من القذف، فيسقط الحد عنه، وربما وجب على المقذوف فقويت الشبهة فى ذلك. وقد قال مالك أيضًا: إنه لا يجوز عفوه إذا بلغ الإمام. وهو قول أبى حنيفة والثورى والأوزاعى، وهذا القول أشبه بظاهر الحديث. وأجاز أكثر أهل العلم الشفاعة فى الحدود قبل وصولها إلى الإمام. روى ذلك عن الزبير ابن العوام، وابن عباس، وعمار بن ياسر، ومن التابعين سعيد بن جبير والزهرى، وهو قول الأوزاعى. قالوا: وليس على الإمام التجسس عما لم يبلغه. وكره ذلك طائفة: فقال ابن عمر: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله فى حكمه. وفرق مالك بين من لم يعرف منه أذى للناس. فقال: لا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عرف بشر وفساد فى الأرض فلا أحب أن يشفع له أحد، ولكن يترك حتى يقام عليه الحد. قال ابن المنذر: واحتج من رأى الشفاعة مباحة قبل الوصول إلى الإمام بحديث المخزومية؛ لأنه ﷺ إنما أنكر شفاعة أسامة فى حد قد وصل إليه وعلمه. وفى هذا الحديث بيان رواية معمر عن ابن شهاب: (أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبى ﷺ بقطع يدها) وقد تعلق بهذا قوم فقالوا: من استعار ما يجب القطع
стр. 4194
فيه ثم جحده فعليه القطع. هذا قول أحمد وإسحاق وقالوا: إن الذى أوجب عليها القطع أنها كانت تستعير المتاع وتجحده. وخالفهم أهل المدينة والكوفة والشافعى وجمهور العلماء وقالوا: لا قطع عليهم. وحجتهم ما رواه الليث عن ابن شهاب فى هذا الحديث: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التى سرقت، فدل هذا الحديث أنها لم تقطع على استعارتها للمتاع، وإنما قطعت على السرقة، ألا ترى قوله ﷺ فى آخر الحديث (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) فارتفع الإشكال بهذا لو لم يذكر الليث فى أول الحديث أنها سرقت. قال ابن المنذر: وقد يجوز أن كانت تستعير المتاع وتجحده ثم سرقت فوجب قطع يدها للسرقة. وقد تابع الليث على روايته يونس بن يزيد وأيوب بن موسى روياه عن الزهرى كرواية الليث، وإذا اختلفت الآثار وجب الرجوع إلى النظر ووجب رد ما اختلف فيه إلى كتاب الله، وإنما أوجب الله القطع على السارق لا على المستعير.
- باب قَوْلِ اللَّهِ : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨] وَفِى كَمْ يُقْطَعُ ؟
وَقَطَعَ عَلِىٌّ مِنَ الْكَفِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِى امْرَأَةٍ سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ شِمَالُهَا: لَيْسَ إِلا ذَلِكَ. / ١٤ - فيه: عَائِشَةَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (تُقْطَعُ الْيَدُ فِى رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا) .
стр. 4195
/ ١٥ - وقالت مرة: إِنَّ يَدَ السَّارِقِ لَمْ تُقْطَعْ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ إِلا فِى ثَمَنِ مِجَنٍّ حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ. / ١٦ - وقالت مرة: لَمْ تُقْطَعُ فِى أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ المِجَن حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ. / ١٧ - فيه: ابْن عُمَر، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ قَطَعَ فِى مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ. / ١٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أن النّبىّ ﷺ قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) . هذه الآية محكمة فى وجوب قطع السارق ومجملة فى مقدار ما يجب فيه القطع، فلو تركنا مع ظاهره لوجب القطع فى قليل الأشياء وكثيرها، لكن بين لنا النبى ﷺ مقدار ما يجب فيه القطع بقوله: (يقطع الكف فى ربع دينار فصاعدًا) ففهمنا بهذا الحديث أن الله إنما أراد بقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨] بعض السراق دون بعض فلا يجوز قطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدًا أو فيما قيمته ربع دينار مما يجوز ملكه إذا سرق من حرز. روى هذا القول عن عمر وعثمان وعلى وعائشة، وهو قول مالك والليث والأوزاعى والشافعى وأبى ثور. وذهب الثورى والكوفيون إلى أنه لا تقطع اليد إلا فى عشرة دراهم، وقالوا: من سرق مثقالا لا يساوى عشرة دراهم لا قطع عليه. وكذلك من سرق عشرة دراهم فضة لا تساوى عشرة دراهم مضروبة لم يقطع، واحتجوا بما رواه أبو إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن
стр. 4196
عطاء، عن ابن عباس قال: كانت قيمة المجن الذى قطع رسول الله ﷺ فيه عشرة دراهم. والحجة على الكوفيين أنه يحتمل أن يكون القطع فى عهد رسول الله ﷺ فى مجنين مختلفين أحدهما ثمنه ثلاثة دراهم والثانى ثمنه عشرة دراهم؛ لأنه إذا صح القطع بنقل الثقات فى ثلاثة دراهم دخلت فيه العشرة دراهم، وهذا أولى من حمل الأخبار على التضاد. ومع الأئمة الأربعة الراشدين عائشة، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدرى، وابن الزبير، رضوان الله عليهم. واختلف مالك والشافعى فى تقويم الأشياء المسروقة، فقال مالك: تقوم بالدراهم على حديث ابن عمر أن المجن كان ثمنه ثلاثة دراهم، ولا ترد الفضة إلى الذهب فى القيمة ولا الذهب إلى الفضة، فمن سرق عنده ربع دينار فعليه القطع، ومن سرق ثلاثة دراهم فعليه القطع، ولو سرق عنده درهمين صرفهما ربع دينار لم يجب عليه قطع، ولو سرق ربع دينار لا تبلغ قيمته ثلاثة دراهم لوجب عليه القطع. وذهب الشافعى إلى أن تقويم الأشياء بالذهب على حديث عائشة فى ربع دينار، ولا يقوم شيئًا بالدراهم فيقطع فى ربع دينار ولا يقطع فى ثلاثة دراهم إلا أن تكون قيمتها ربع دينار قال: لأن الثلاثة دراهم إنما ذكرت فى الحديث؛ لأنها كانت يومئذ ربع دينار ذهبًا. فيقال للشافعى: الذهب والورق أصلان كالدية التى جعلت ألف دينار أو اثنى عشر ألف درهم، وكالزكاة التى جعلت فى مائتى درهم أو عشرين دينارًا لا يرد أحدهما إلى الآخر. فكذلك لا ينبغى أن يقوم
стр. 4197
الذهب بالدراهم ولا تقوم الدراهم بالذهب؛ لأنها قيم المتلفات وأثمان الأشياء، بل الغالب القيمة بالدراهم، ومحال أن يحكى ابن عمر أن المجن قيمته ثلاثة دراهم إلا وقد قوم بها دون الذهب، وإذا ثبت أن المجن قُوم بالدراهم ولم ينقل بعد ذلك أن الدراهم قومت بالذهب لم يجز تقويمها بالذهب كما لا يقوم الذهب بها، ووجب استعمال الأحاديث فوجب القطع فى ربع دينار وثلاثة دراهم. واختلفوا فى اليد والرجل من أين يُقطعان؟ فروى عن عمر وعثمان وعلى أنهم قالوا: من المفصل. وعليه أكثر الفقهاء، وقد روى عن على رواية أخرى أنها تقطع اليد من الأصابع والرجل من نصف القدم ويترك له عقبًا. وقال أبو ثور: فعل على أرفق وأحب إلىّ. والقول الأول: أولى بقوله تعالى: (فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨] . واختلفوا إذا سرق ثالثة بعد أن قطع فى الأولى والثانية. فقالت طائفة: تقطع يده اليسرى، ثم إن سرق رابعة قطعت رجله اليمنى فيصير مقطوع اليدين والرجلين. روى هذا عن أبى بكر الصديق وعمر وعثمان، ومن التابعين عروة والقاسم وسعيد بن المسيب وربيعة، وهو قول مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة والثورى والأوزاعى: إن سرق الثالثة لا يقطع منه شىء ويغرم السرقة، روى مثل هذا عن على بن أبى طالب وهو قول النخعى والشعبى والزهرى.
стр. 4198
قال عطاء، وقال بعض أصحاب الظاهر: لا يجب أن يقطع من السارق إلا الأيدى دون الأرجل، واحتج عطاء بقول الله تعالى: (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨] ولو شاء أمر بالرجل وما كان ربك نسيا. وحجة الكوفيين ما رواه إسماعيل بن جعفر، عن أبيه أن على بن أبى طالب كان لا يزيد أن يقطع للسارق يدًا أو رجلا فإذا أتى به بعد ذلك قال: إنى لأستحى أن لا يتطهر للصلاة ولكن امسكوا كلبه عن المسلمين بالسجن وأنفقوا عليه من بيت المال. والحجة لمالك أن أهل العراق والحجاز يقولون بجواز قطع الرجل بعد اليد وهم يقرءون) فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨] وهذه المسألة تشبه المسح على الخفين وهم يقرءونه غسل الرجلين أو مسحهما، وتشبه الجزاء فى قتل صيد الخطأ وهم يقرءونه) ومن قتله منكم متعمدًا) [المائدة: ٩٥] ولا يجوز على الجمهور تحريف الكتاب ولا الخطأ فى تأويله، وإنما قالوا ذلك بالسنة الثابتة والأمر المتبع. وقال إسماعيل بن إسحاق: لما قال الله: (فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨] فأجمعوا أن يده تقطع، ثم إن سرق بعد ذلك قطع منه شىء آخر، فدل على أن المذكور فى القرآن إنما هو على أول حكم يقع عليه فى السرقة، وأنه إن سرق بعد ذلك أعيد عليه الحكم كما يحد إذا زنا وهو بكر، فإذا أعاد الزنا أعيد عليه الحد فإذا صح هذا وجب أن يقطع أبدًا حتى لا يبقى له يد ولا رجل كما يجلد أبدًا حتى لا يبقى فيه موضع جلد.
стр. 4199
وقال غيره: إنما فهم السلف قطع يد السراق وأرجلهم من خلاف من آية المحاربين، والله أعلم وقد تقدم الكلام على حديث أبى هريرة فى باب لعن السارق إذا لم يسم.
- باب تَوْبَةِ السَّارِقِ
/ ١٩ - فيه: عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قَطَعَ يَدَ امْرَأَةٍ، وَكَانَتْ تَأْتِى بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَتَابَتْ، وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا. / ٢٠ - وفيه: عبادة فى حديث المبايعة إلى قوله ﷺ : (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأُخِذَ بِهِ فِى الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) . وقد تقدم فى كتاب الشهادة اختلاف العلماء فى قبول شهادة التائب فى كل شىء مما حدَّ فيه وفى غيره لقول عائشة: فتابت وحسنت توبتها وقد قال ﷺ : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) وهو معنى قوله فى هذا الحديث أن الحدود فى الدنيا كفارة وطهور، وصحة القول أرجح فى النظر من قول من خالفه لما شهد له من ثابت الآثار ومعانى القرآن، والحمد لله.
стр. 4200
٦١ - كتاب المحاربين
- باب الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المائدة: ٣٣]
. / ١ - فيه: أَنَس، قَدِمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ ، نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، فَارْتَدُّوا، وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا، وَاسْتَاقُوا الإبِلَ، فَبَعَثَ فِى آثَارِهِمْ، فَأُتِىَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. قال المؤلف: ذهب البخارى فى هذا الحديث والله أعلم، إلى أن آية المحاربة نزلت فى أهل الكفر والردة، ولم يبين ذلك فى الحديث، وقد بين عبد الرزاق فى روايته قال: حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس فذكر الحديث. قال قتادة: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) [المائدة: ٣٣] الآية كلها. وذكر مثله عن أبى هريرة وممن قال إن هذه الآية نزلت فى أهل الشرك: الحسن، والضحاك، وعطاء الزهرى. وذهب جمهور العلماء إلى أنها نزلت فيمن خرج من
стр. 4201
المسلمين يسعى فى الأرض بالفساد ويقطع الطريق، هذا قول مالك والكوفيين والشافعى وأبى ثور إلا أن بعض هؤلاء يقول إن حد المحارب على قدر ذنبه على ما يأتى تفسيره فى هذا الباب. وليس قول من قال: إن الآية وإن كانت نزلت فى المسلمين مناف فى المعنى لقول من قال إنها نزلت فى أهل الردة والمشركين؛ لأن الآية وإن كانت نزلت فى المرتدين بأعيانهم فلفظها عام يدخل فى معناه كل من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد فى الأرض، ألا ترى أن الله جعل قصر الصلاة فى السفر بشرط الخوف ثم ثبت القصر للمسافرين وإن لم يكن خوف لما يجمعهما فى المعنى. قال إسماعيل بن إسحاق: وظاهر كتاب الله وما مضى عليه عمل المسلمين يدل أن هذه الحدود نزلت فى المسلمين؛ لأن الله تعالى يقول: (إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) [محمد: ٤] وقال: (وقاتلوا المشركين كافة) [التوبة: ٣٦] . فلم يذكر فيهم إلا القتل والقتال؛ لأنهم إنما يقاتلون على الديانة لا على الأعمال التى يعملونها من سرق أو قطع طريق أو غيره، وإذا ذكرت الحدود التى تجب على الناس من الحرابة والفساد فى الأرض أو السرقة وغيرها لم تسقط عن المسلمين؛ لأنها إنما وجبت من طريق أفعال الأبدان لا من طريق اعتقاد الديانات. ولو كان حد المحارب فى الكافر خاصة لكانت الحرابة قد نفعته فى أمر دنياه لأنا نقتله بالكفر. فإن كان إذا أحدث الحرابة مع الكفر جاز لنا أن نقطع يده ورجله
стр. 4202
من خلاف أو نفيه من الأرض ولا نقتله فقد خففت عنه العقوبة. واحتج أبو ثور على من زعم أنها نزلت فى أهل الشرك بقوله تعالى: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) [المائدة: ٣٤] . قال: ولا أعلم خلافًا بين العلماء فى مشركين لو ظهر عليهم وقد قتلوا وأخذوا الأموال فلما صاروا فى أيدى المسلمين وهم على حالهم تلك أسلموا قبل أن يحكم عليهم بشىء أنهم لا يحل قتلهم، فلو كان الأمر على ما قال من خالف قولنا كان قتلهم والحكم عليهم بالآية لازمًا وإن أسلموا، فلما نفى أهل العلم ذلك دل على أن الحكم ليس فيهم. قال إسماعيل: وإنما سقط عنهم القتل وكل ما فعلوه بقوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨] . فإن مضى عليه قول شيوخ أهل العلم أن المعنى بهذا المسلمون وأنهم إذا حاربوا ثم تابوا من قبل أن يقدر عليهم فإن هذه الحدود تسقط عنهم لأنها لله، وأما حقوق العباد فإنها لا تسقط عنهم ويقتص منهم من النفس والجراح وأخذ ما كان معهم من المال أو قيمة ما استهلكوا. هذا قول مالك والكوفيين والشافعى وأبى ثور. ذكره ابن المنذر. وأما ترتيب أقوال العلماء الذين جعلوا الآية نزلت فى المسلمين فى حد المحارب المسلم، فقال مالك: إذا أشهر المحارب السلاح وأخاف
стр. 4203
السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالا كان الإمام مخيرًا فيه، فإن رأى أن يقتله أو يصلبه أو يقطع يده ورجله من خلاف أو ينفيه فعل. وقال الكوفيون والشافعى: إذا لم يقتل ولا أخذ مالا لم يكن عليه إلا التعزير، وإنما يقتله الإمام إن قتل، ويقطعه إذا سرق، ويصلبه إذا قتل وأخذ المال، وينفيه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك، ولا يكون الإمام مخيرًا فيه. قال إسماعيل: فأجروا حكم المحارب كحكم القاتل غير المحارب، ولم توجب المحاربة عندهم شيئًا وقد ركب ما ركب من الفساد فى الأرض وقد قال تعالى: (من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا) [المائدة: ٣٢] فجعل الفساد بمنزلة القتل. والمعنى والله أعلم من قتل نفسًا بغير نفس، أو بغير فساد فى الأرض فلم يحتج إلى أن تعاد (غير) وعطف الكلام على ما قبله، فجعل الفساد عدلا للقتل. وإذا كان الشىء بمنزلة الشىء فهو مثله، فكان الفساد فى الأرض بمنزل القتل. هذا قول إسماعيل وعبد العزيز بن أبى سلمة. قال إسماعيل: والذى يعرف من الناس من الكلام فى كل ما أمر به فقيل افعلوا كذا أو كذا، فإن صاحبه مخير. وقال عطاء ومجاهد والضحاك: كل شىء فى القرآن أو. . . أو فهو خيار. واحتج من أسقط التخيير بقوله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس) .
стр. 4204
فجاوبهم أهل المقالة الأولى بأن ظاهر هذا الحديث يدل أن المحارب غير داخل فيه؛ لأن قاتل النفس فى غير المحاربة إنما أمره فى القتل أو الترك إلى ولى المقتول، وأمر المحارب إلى السلطان؛ لأن فساده فى الأرض لا يلتفت فيه إلى عفو المقتول فعلمنا بهذا أن المحارب لا يدخل فى هذا الحديث وإنما يدخل فيه القاتل الذى الأمر فيه إلى ولى المقتول إذا قتل فيه أو قتل نفسًا فكأنه على مجرى القصاص، ولو كان على العموم لوجب أن يقتل كل قاتل قتل مسلمًا عمدًا. وقد رأينا مسلمًا قتل مسلمًا عمدًا لم يجب عليه القتل فى قول جماعة المسلمين، وذلك أنهم أجمعوا فى قتلى الجمل وصِفين أنه لا قصاص بينهم إذ كان القاتل المسلم إنما قتل المسلم المقتول عمدًا على التأويل فى الدين لم يقتله لثائرة بينه وبينه ولا قصد له فى نفسه وإنما قصد فى قتله الديانة عنده فسقط عنه القود لذلك فكذلك أمر المحارب إنما كان على قصد قتل المسلم لقطع الطريق وأخذ الأموال والفساد فى الأرض، فكان الأمر فيه إلى السلطان لا إلى ولى المقتول، فكما خرج قتلى صِفين والجمل من معنى هذا الحديث كذلك خرج المحارب من معناه. ويشهد لما قلناه ما رواه الأعمش عن عبد الله بن مرة قال: قال مسروق: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم رجل مسلم إلا بإحدى ثلاث. فعدَّ النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك لدينه المفارق الجماعة) . قال إسماعيل: وقوله: (المفارق الجماعة) يدل على الفساد فى الأرض نحو الخوارج والمحاربين، فإذا كان الخوارج يحل قتلهم
стр. 4205
وليسوا بمرتدين لفسادهم فى الأرض، كذلك يحل قتل المحاربين وإن لم يكونوا قتلوا ولا ارتدوا لفسادهم فى الأرض. واختلف فى صفة نفى المحارب، فعند مالك أنه ينفيه إلى غير بلده ويحبسه فيه حتى يظهر توبته، وقال أبو حنيفة: نفيهم من الأرض هو أن يحبسوا فى بلدهم. وقال الشافعى: نفيهم هو إذا هربوا بعث الإمام خلفهم وطلبهم ليأخذهم ويقيم عليهم الحد. قال ابن القصار: والنفى بعينه أشبه بظاهر القرآن لقوله تعالى: (أو ينفوا من الأرض) [المائدة: ٣٣] وهذا يقتضى أن ينفيهم الإمام كما يقتلهم أو يصلبهم، وما قاله أبو حنيفة من الحبس فى بلدهم فالنفى ضد الحبس وليس يعقل من النفى حبس الإنسان فى بلده، وإنما يعقل منه إخراجه من وطنه وهو أبلغ فى ردعه ثم يحبس فى المكان الذى يخرج إليه حتى يظهر توبته، هذا حقيقة النفى، وهو أشد فى الردع والزجر وقد قرن الله مفارقة الوطن بالقتل فقال: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم) [النساء: ٦٦] الآية.
- باب لَمْ يَحْسِمِ النَّبِىُّ ﷺ الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى هَلَكُوا
/ ٢ - فيه: أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَطَعَ الْعُرَنِيِّينَ، وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. إنما لم يحسم النبى ﷺ العرنيين والله أعلم لأن قتلهم كان واجبًا بالردة، فمحال أن يحسم يد من يطلب نفسه وأما
следующие страницы →