Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
المسلمين يسعى فى الأرض بالفساد ويقطع الطريق، هذا قول مالك والكوفيين والشافعى وأبى ثور إلا أن بعض هؤلاء يقول إن حد المحارب على قدر ذنبه على ما يأتى تفسيره فى هذا الباب. وليس قول من قال: إن الآية وإن كانت نزلت فى المسلمين مناف فى المعنى لقول من قال إنها نزلت فى أهل الردة والمشركين؛ لأن الآية وإن كانت نزلت فى المرتدين بأعيانهم فلفظها عام يدخل فى معناه كل من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد فى الأرض، ألا ترى أن الله جعل قصر الصلاة فى السفر بشرط الخوف ثم ثبت القصر للمسافرين وإن لم يكن خوف لما يجمعهما فى المعنى. قال إسماعيل بن إسحاق: وظاهر كتاب الله وما مضى عليه عمل المسلمين يدل أن هذه الحدود نزلت فى المسلمين؛ لأن الله تعالى يقول: (إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) [محمد: ٤] وقال: (وقاتلوا المشركين كافة) [التوبة: ٣٦] . فلم يذكر فيهم إلا القتل والقتال؛ لأنهم إنما يقاتلون على الديانة لا على الأعمال التى يعملونها من سرق أو قطع طريق أو غيره، وإذا ذكرت الحدود التى تجب على الناس من الحرابة والفساد فى الأرض أو السرقة وغيرها لم تسقط عن المسلمين؛ لأنها إنما وجبت من طريق أفعال الأبدان لا من طريق اعتقاد الديانات. ولو كان حد المحارب فى الكافر خاصة لكانت الحرابة قد نفعته فى أمر دنياه لأنا نقتله بالكفر. فإن كان إذا أحدث الحرابة مع الكفر جاز لنا أن نقطع يده ورجله
стр. 4202
من خلاف أو نفيه من الأرض ولا نقتله فقد خففت عنه العقوبة. واحتج أبو ثور على من زعم أنها نزلت فى أهل الشرك بقوله تعالى: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) [المائدة: ٣٤] . قال: ولا أعلم خلافًا بين العلماء فى مشركين لو ظهر عليهم وقد قتلوا وأخذوا الأموال فلما صاروا فى أيدى المسلمين وهم على حالهم تلك أسلموا قبل أن يحكم عليهم بشىء أنهم لا يحل قتلهم، فلو كان الأمر على ما قال من خالف قولنا كان قتلهم والحكم عليهم بالآية لازمًا وإن أسلموا، فلما نفى أهل العلم ذلك دل على أن الحكم ليس فيهم. قال إسماعيل: وإنما سقط عنهم القتل وكل ما فعلوه بقوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨] . فإن مضى عليه قول شيوخ أهل العلم أن المعنى بهذا المسلمون وأنهم إذا حاربوا ثم تابوا من قبل أن يقدر عليهم فإن هذه الحدود تسقط عنهم لأنها لله، وأما حقوق العباد فإنها لا تسقط عنهم ويقتص منهم من النفس والجراح وأخذ ما كان معهم من المال أو قيمة ما استهلكوا. هذا قول مالك والكوفيين والشافعى وأبى ثور. ذكره ابن المنذر. وأما ترتيب أقوال العلماء الذين جعلوا الآية نزلت فى المسلمين فى حد المحارب المسلم، فقال مالك: إذا أشهر المحارب السلاح وأخاف
стр. 4203
السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالا كان الإمام مخيرًا فيه، فإن رأى أن يقتله أو يصلبه أو يقطع يده ورجله من خلاف أو ينفيه فعل. وقال الكوفيون والشافعى: إذا لم يقتل ولا أخذ مالا لم يكن عليه إلا التعزير، وإنما يقتله الإمام إن قتل، ويقطعه إذا سرق، ويصلبه إذا قتل وأخذ المال، وينفيه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك، ولا يكون الإمام مخيرًا فيه. قال إسماعيل: فأجروا حكم المحارب كحكم القاتل غير المحارب، ولم توجب المحاربة عندهم شيئًا وقد ركب ما ركب من الفساد فى الأرض وقد قال تعالى: (من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا) [المائدة: ٣٢] فجعل الفساد بمنزلة القتل. والمعنى والله أعلم من قتل نفسًا بغير نفس، أو بغير فساد فى الأرض فلم يحتج إلى أن تعاد (غير) وعطف الكلام على ما قبله، فجعل الفساد عدلا للقتل. وإذا كان الشىء بمنزلة الشىء فهو مثله، فكان الفساد فى الأرض بمنزل القتل. هذا قول إسماعيل وعبد العزيز بن أبى سلمة. قال إسماعيل: والذى يعرف من الناس من الكلام فى كل ما أمر به فقيل افعلوا كذا أو كذا، فإن صاحبه مخير. وقال عطاء ومجاهد والضحاك: كل شىء فى القرآن أو. . . أو فهو خيار. واحتج من أسقط التخيير بقوله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس) .
стр. 4204
فجاوبهم أهل المقالة الأولى بأن ظاهر هذا الحديث يدل أن المحارب غير داخل فيه؛ لأن قاتل النفس فى غير المحاربة إنما أمره فى القتل أو الترك إلى ولى المقتول، وأمر المحارب إلى السلطان؛ لأن فساده فى الأرض لا يلتفت فيه إلى عفو المقتول فعلمنا بهذا أن المحارب لا يدخل فى هذا الحديث وإنما يدخل فيه القاتل الذى الأمر فيه إلى ولى المقتول إذا قتل فيه أو قتل نفسًا فكأنه على مجرى القصاص، ولو كان على العموم لوجب أن يقتل كل قاتل قتل مسلمًا عمدًا. وقد رأينا مسلمًا قتل مسلمًا عمدًا لم يجب عليه القتل فى قول جماعة المسلمين، وذلك أنهم أجمعوا فى قتلى الجمل وصِفين أنه لا قصاص بينهم إذ كان القاتل المسلم إنما قتل المسلم المقتول عمدًا على التأويل فى الدين لم يقتله لثائرة بينه وبينه ولا قصد له فى نفسه وإنما قصد فى قتله الديانة عنده فسقط عنه القود لذلك فكذلك أمر المحارب إنما كان على قصد قتل المسلم لقطع الطريق وأخذ الأموال والفساد فى الأرض، فكان الأمر فيه إلى السلطان لا إلى ولى المقتول، فكما خرج قتلى صِفين والجمل من معنى هذا الحديث كذلك خرج المحارب من معناه. ويشهد لما قلناه ما رواه الأعمش عن عبد الله بن مرة قال: قال مسروق: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم رجل مسلم إلا بإحدى ثلاث. فعدَّ النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك لدينه المفارق الجماعة) . قال إسماعيل: وقوله: (المفارق الجماعة) يدل على الفساد فى الأرض نحو الخوارج والمحاربين، فإذا كان الخوارج يحل قتلهم
стр. 4205
وليسوا بمرتدين لفسادهم فى الأرض، كذلك يحل قتل المحاربين وإن لم يكونوا قتلوا ولا ارتدوا لفسادهم فى الأرض. واختلف فى صفة نفى المحارب، فعند مالك أنه ينفيه إلى غير بلده ويحبسه فيه حتى يظهر توبته، وقال أبو حنيفة: نفيهم من الأرض هو أن يحبسوا فى بلدهم. وقال الشافعى: نفيهم هو إذا هربوا بعث الإمام خلفهم وطلبهم ليأخذهم ويقيم عليهم الحد. قال ابن القصار: والنفى بعينه أشبه بظاهر القرآن لقوله تعالى: (أو ينفوا من الأرض) [المائدة: ٣٣] وهذا يقتضى أن ينفيهم الإمام كما يقتلهم أو يصلبهم، وما قاله أبو حنيفة من الحبس فى بلدهم فالنفى ضد الحبس وليس يعقل من النفى حبس الإنسان فى بلده، وإنما يعقل منه إخراجه من وطنه وهو أبلغ فى ردعه ثم يحبس فى المكان الذى يخرج إليه حتى يظهر توبته، هذا حقيقة النفى، وهو أشد فى الردع والزجر وقد قرن الله مفارقة الوطن بالقتل فقال: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم) [النساء: ٦٦] الآية.
- باب لَمْ يَحْسِمِ النَّبِىُّ ﷺ الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى هَلَكُوا
/ ٢ - فيه: أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَطَعَ الْعُرَنِيِّينَ، وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. إنما لم يحسم النبى ﷺ العرنيين والله أعلم لأن قتلهم كان واجبًا بالردة، فمحال أن يحسم يد من يطلب نفسه وأما
стр. 4206
من وجب قطع يده فى حد من الحدود فالعلماء مجمعون أنه لابد من حسمها؛ لأنه أقرب إلى البر وأبعد من التلف. قال ابن المنذر: وقد روى عن النبى ﷺ أنه أمر بقطع يد رجل سرق ثم قال: (احسموها) وفى اسناده مقال. واختلف العلماء فى فعل النبى ﷺ بالعرنيين فقالت طائفة من السلف: كان هذا قبل نزول الآية فى المحاربين، ثم نزلت الحدود بعد ذلك على النبى ﷺ ونهى عن المثلة فنسخ ذلك حديث العرنيين، روى هذا عن ابن سيرين وسعيد بن جبير وأبى الزناد. وقالت طائفة: حديث العرنيين غير منسوخ، وفيهم نزلت آية المحاربين، وإنما فعل النبى ﷺ بهم ما فعل قصاصًا؛ لأنهم فعلوا بالرعاء مثل ذلك، ذكره أهل السير. وروى محمَّد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: أن العرنيين قتلوا يسارًا راعى النبى ﷺ ثم مثلوا به واستاقوا اللقاح. وذكر ابن إسحاق قال: حدثنى بعض أهل العلم عمن حدثه، عن محمد بن طلحة، عن عثمان بن عبد الرحمن قال: (أصاب رسول الله ﷺ فى غزوة محارب بنى ثعلبة عبدًا يقال له يسار، فجعله فى لقاح له يرعى فى ناحية الحمى فخرجوا إليها، فقدم إلى النبى ﷺ نفر من قيس بعطية من نخيلة فاستوبئوا وطحلوا، فأمرهم أن يخرجوا إلى اللقاح يشربوا من أبوالها وألبانها،
стр. 4207
فخرجوا إليها، فلما صحّوا وانطوت بطونهم عدوا على راعى رسول الله ﷺ يسار فذبحوه وغرزوا الشوك فى عينيه. .) وذكر الحديث. وروى أبو عيسى الترمذى: حدثنا الفضل بن سهل الأعرج، حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سليمان التيمى، عن أنس بن مالك قال: (إنما سمل النبى ﷺ أعين العُرنيين؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء) . قال أبو عيسى: وهذا حديث غريب. قال المؤلف: فلما اختلفوا فى تأويل هذا الحديث أردنا أن نعلم أى التأويلين أولى فوجدناه قد صحب حديث العرنيين عمل من الصحابة فدل أنه غير منسوخ. روى عن أبى بكر الصديق أنه حرق عبد الله بن إياس بالنار حيا لارتداده ومقاتلته الإسلام، وحرق على ابن أبى طالب الزنادقة. وقد رأى جماعة من العلماء تحريق مراكب العّدو وفيها أسرى المسلمين، ورجموا الحصون بالمجانيق والنيران وتحريق من فيها من الذرارى. قل المهلب: وهذا كله يدل أن نهيه ﷺ عن المثلة ليس بذى تحريم وإنما هو على الندب والحض، فوجب أن يكون فعل النبى ﷺ بالعرنيين غير مخالف الآية. وذكر ابن المنذر عن بعض أهل العلم قالوا: فحكم النبى ﷺ فى العرنيين ثابت لم ينسخه شىء، وقد حكم الله فى كتابه بأحكام فحكم النبى ﷺ بها وزاد فى الحكم مالم يذكر فى كتاب الله أوجب الله على الزانى جلد مائة، وأوجب النبى ﷺ عليه ذلك وزاد فى سنته نفى سنة، وأوجب الله اللعان بين المتلاعنين وفرق النبى ﷺ بينهما، وليس ذلك فى كتاب الله، وألحق الولد بالأم ونفاه عن الزوج وأجمع العلماء على قبوله والأخذ به.
стр. 4208
وحسمت الشىء: قطعته. عن صاحب العين. وفى كتاب الأفعال: حَسم حسمًا: كواه بالنار لينقطع دمه.
٣ - باب لَمْ يُسْقَ الْمُرْتَدُّونَ وَالْمُحَارِبُونَ حَتَّى مَاتُوا
/ ٣ - فيه: أَنَس، قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ كَانُوا فِى الصُّفَّةِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْغِنَا رِسْلا، فَقَالَ: مَا أَجِدُ لَكُمْ، إِلا أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَتَوْهَا، فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِىَ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ الصَّرِيخُ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِى آثَارِهِمْ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِىَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ، فَأُحْمِيَتْ، فَكَحَلَهُمْ، وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَمَا حَسَمَهُمْ، ثُمَّ أُلْقُوا فِى الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَبُو قِلابَةَ: سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وروى: وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ. وترجم له باب: سمر النبى ﷺ أعين المحاربين. أجمع العلماء فيمن وجب عليه حد، سواء كان ذلك الحد يبلغ النفس أم لا أنه لا يمنع شرب الماء لئلا يجتمع عليه عذابان. وقد أمر النبى ﷺ القاتل بإحسان القتلة، وأمر ذابح الحيوان بحد الشفرة والإجهاز عليه. ومعنى ترك سقى العرنيين حتى ماتوا كمعنى ترك حسمهم. قال المهلب: ويحتمل أن يكون ترك سقيهم والله أعلم عقوبة لما جازوا سقى النبى ﷺ لهم اللبن حتى انتعشوا
стр. 4209
بالارتداد والحرابة والقتل، فأراد أن يعاقبهم على كفر السقى بالإعطاش فكانت العقوبة مطابقة للذنب. وفيه وجه آخر قريب من هذا، روى ابن وهب عن معاوية بن صالح ويحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، وعن سعيد بن المسيب وذكر هذا الحديث (فعمدوا إلى الراعى غلام لرسول الله ﷺ فقتلوه واستاقوا اللقاح فزعم أن رسول الله ﷺ قال: عطش الله من عطش آل محمد الليلة. فكان ترك سقيهم إجابة لدعوته ﷺ ) . وسمل وسمر لغتان بمعنى واحد. فإن قيل: قال أنس فى هذا الحديث (بإبل النبى ﷺ ) وقال فى أول كتاب المحاربين (بإبل الصدقة) فما وجه ذلك؟ قيل: وجهه والله أعلم أن النبى ﷺ كانت له إبل من نصيبه من المغنم، وكان يشرب لبنها، وكانت ترعى مع إبل الصدقة فأخبر مرة فى هذا الحديث عن إبله، وأخبر مرة عن إبل الصدقة فإنها كانت لا تخفى لكثرتها من أجل رعيها معها ومشاركتها فى المسرح والمرتع.
٤ - باب فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الْفَوَاحِشَ
/ ٤ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِى خَلاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَ: إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ) .
стр. 4210
/ ٥ - وفيه: سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ: قَالَ ﷺ : (مَنْ تَوَكَّلَ لِى مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالْجَنَّةِ) . قوله ﷺ : (سبعة يظللهم الله فى ظله) معناه: يسترهم فى ستره ورحمته. تقول العرب: أنا فى ظل فلان: أى فى ستره وكنفه، وتسمى العرب الليل ظلا لبرده وروحه. ويدخل فى معنى قوله (إمام عادل) : من حكم بين اثنين فما فوقهما لقوله ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) . وروى عبد الله بن عمر عن النبى ﷺ أنه قال: (المقسطون يوم القيامة على منابر النور عن يمين الرحمن الذين يعدلون فى حكمهم وأهاليهم وما ولُوا) . وقوله: (شاب نشأ فى عبادة الله) فروى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : (عجب ربك تعالى لشاب ليس له صبوة) وفى قوله: (شاب نشأ فى عبادة الله) فضل من يسلم من الذنوب وشغل بطاعة ربه طول عمره. وهذا حجة لمن قال: إن الملائكة أفضل من بنى آدم؛ لأن الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون. وفيه: فضل البكاء من خشية الله، وفى اشتراطه الخلوة بذلك حصر وندب على أن يجعل المرء وقتًا من خلوته للندم على ذنوبه ويفزع إلى الله بإخلاص من قلبه، وتضرع إليه فى غفرانها فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، وألا يجعل خلوته كلها فى لذاته كفعل البهائم التى قد
стр. 4211
أمنت الحساب والمساءلة عن الفتيل والقطمير على رءوس الخلائق فينبغى لمن لم يأمن ذلك وأيقن به أن يطول فى الخلوة بكاؤه ويتبرم لحياته وتصير الدنيا سجنه لما سلف من ذنوبه. روى أبو هريرة عن النبى ﷺ أنه قال: (لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن فى الضرع) . روى أبو عمران عن أبى الجلد قال: قرأت فى مسألة داود ﷺ ربه: (إلهى ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه؟ قال: أسلم وجهه من لفح النار وأؤمنه يوم الفزع) . وفيه: فضل الحب فى الله قال مالك: الحب فى الله والبغض فى الله من الفرائض. روى أبو مسعود والبراء بن عازب عن النبى ﷺ : أن ذلك من أوثق عُرى الإيمان. وروى ثابت عن أنس قال النبى ﷺ : (ما تحاب رجلان فى الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه) وروى أبو رزين قال: (قال لى النبى ﷺ : يا أبا رزين إذا خلوت فحرك لسانك بذكر الله، وحب فى الله وأبغض فى الله، فإن المسلم إذا زار أخاه فى الله تعالى يشيعه سبعون ألف ملك يقولون: اللهم وَصَلَه فيك فصِلْه) . ومن فضل المتحابين فى الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب أمَّنَ الملك على دعائه، رواه أبو الدرداء عن النبى ﷺ . وأما الذى إذا دعته امرأة ذات منصب إلى نفسها فقال: إنى أخاف الله. فهو رجل عصمه الله ومنّ عليه بفضله حتى خافه بالغيب فترك ما يهوى
стр. 4212
لقوله تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى) [النازعات: ٤٠] وقال: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: ٤٦] . فتفضل الله على عباده بالتوفيق والعصمة وأثابهم على ذلك روى أبو معمر عن سلمة بن نبيط عن عبيد بن أبى الجعد، عن كعب الأحبار قال: إن فى الجنة لدار، درة فوق درة، ولؤلؤة فوق لؤلؤة، فيها سبعون ألف قصر، فى كل قصر سبعون ألف دار، فى كل دار سبعون ألف بيت، لا ينزلها إلا نبى أو صديق أو شهيد أو محكم فى نفسه أو إمام عادل، قال سلمة: فسألت عبيدًا عن المحكم فى نفسه قال: هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال فيعرض له فإذا ظفر به تركه مخافة الله فذلك المحكم فى نفسه. وقوله: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها) يعنى صدقة التطوع؛ لأن صدقة الفرض إعلانها أفضل من إخفائها ليقتدى به فى ذلك ويظهر دعائم الإسلام. وقوله: (حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه) إخفاء بذلك، ومصداق هذا الحديث فى قوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) [البقرة: ١٧١] . وقوله: (من ضمن لى ما بين لحييه) يريد لسانه (وما بين رجليه) يريد فرجه. وأكثر بلاء الناس من قبل فروجهم وألسنتهم، فمن سلم من ضرر هذين فقد سلم وكان النبى ﷺ له كفيلا بالجنة.
стр. 4213
٥ - باب إِثْمِ الزُّنَاةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا يَزْنُونَ) [الفرقان: ٦٨] ،) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) [الإسراء: ٣٢]
. / ٦ - فيه: أَنَسٌ، قَالَ: لأحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِى سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ، وَإِمَّا قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِلْخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ) . / ٧ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا يَزْنِى الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) . قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الإيمَانُ مِنْهُ؟ قَالَ: هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا، فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. / ٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ مثله، غير قول عِكْرِمَةُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ) . / ٩ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) . قال يحيى مثله. أجمعت الأمة أن الزنا من الكبائر وأخبر ﷺ فى حديث أنس أن ظهوره من أشراط الساعة.
стр. 4214
قال المهلب: فى حديث عبد الله ترتيب الذنوب فى العظم، وقد يجوز أن يكون بين الذنبين المرتبين ذنب غير مذكور، وهو أعظم من المذكور، وذلك أنه لا خلاف بين الأمة أن عمل قوم لوط أعظم من الزنا. وكان ﷺ إنما قصد بالتعظيم من الذنوب إلى ما يخشى مواقعته وبه الحاجة إلى بيانه وقت السؤال كما فعل فى الإيمان بوفد عبد القيس وغيرهم. وإنما عظم الزنا بحليلة الجار، وإن كان الزنا عظيمًا؛ لأن الجار له من الحرمة والحق ما ليس لغيره، فمن لم يراع حق الجوار فذنبه مضاعف؛ لجمعه بين الزنا وبين خيانة الجار الذى وصى الله تعالى بحفظه.
стр. 4215
٦٢ - كتاب الرجم
- باب رَجْمِ الْمُحْصَنِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ زَنَى بِأُخْتِهِ حُدَّ حَدَّ الزنَّا. / ١ - فيه: عَلِىٍّ حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: قَدْ رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . / ٢ - وفيه: الشَّيْبَانِىِّ: سَأَلْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى: هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ؟ قَالَ: لا أَدْرِى. / ٣ - وفيه: جَابِرِ أَنَّ رَجُلا مِنْ أَسْلَمْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ. قال ابن المنذر: وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) [النساء: ٩٥] وقال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [النساء: ٨٠] فألزم خلفه طاعة رسوله، وثبتت الأخبار عن الرسول أنه أمر بالرجم ورجم، ألا ترى قول على: رجمنا بسنة رسول الله ﷺ ورجم عمر بن الخطاب، فالرجم ثابت بسنة رسول الله ﷺ وبفعل الخلفاء الراشدين وباتفاق أئمة أهل العلم، منهم مالك بن أنس فى أهل المدينة، والأوزاعى فى أهل الشام، والثورى وجماعة أهل العراق، والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور. ودفع الخوارج الرجم والمعتزلة واعتلوا بأن الرجم ليس فى كتاب
стр. 4216
الله تعالى وما يلزمهم من اتباع كتاب الله مثله يلزمهم من اتباع سنة رسول الله ﷺ لقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر: ٧] فلا معنى لقول من خالف السنة وإجماع الصحابة واتفاق أئمة الفتوى ولا يعدون خلافًا. وقد روى حماد بن زيد وحماد بن سلمة وهشيم، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: سمعت عمر ابن الخطاب يقول: أيها الناس إن الرجم حق فلا يُحَد عنه فإن رسول الله ﷺ قد رجم. ورجم أبو بكر، ورجمنا بعدهما، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم والدجال، وبطلوع الشمس من مغربها، وبعذاب القبر، والشفاعة، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا. اختلف العلماء فيمن زنا بأخته أو ذات رحم منه، فقال بقول الحسن: حده حد الزانى. مالك ويعقوب ومحمد والشافعى وأبو ثور. وقالت طائفة: إذا زنا بالمحرمة قتِل، روى عن جابر بن زيد، وهو قول أحمد وإسحاق، واحتجوا بحديث البراء أن النبى ﷺ بعث إلى رجل نكح امرأة أبيه أن يضرب عنقه.
- باب لا يُرْجَمُ الْمَجْنُونَةُ وَالْمَجْنُونُ
وَقَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ. / ٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: (أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ،
стр. 4217
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ، فَارْجُمُوهُ) . قَالَ جَابِرَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ. قال المهلب: أجمع العلماء أن المجنون إذا أصاب الحد فى حال جنونه أنه لا يجب عليه حد، وإن أفاق من جنونه بعد مواقعة الحد؛ لأن القلم مرفوع عنه وقت فعله والخطاب غير متوجه إليه حينئذ، ألا ترى قوله ﷺ للذى شهد على نفسه أربع شهادات (أبك جنون؟) فدل قوله هذا أنه لو اعترف بالجنون لدرأ الحد عنه، وإلا فلا فائدة لسؤاله هل بك جنون أم لا؟ وأجمعوا أنه إن أصاب رجل حدا وهو صحيح ثم جن بعد ذلك، أنه لا يؤخذ منه الحد حتى يفيق. وأجمعو أن من وجب عليه حد غير الرجم وهو مريض لا يرجى برؤه فإنه ينتظر به حتى يبرأ فيقام عليه الحد، فأما الرجم فلا ينتظر به لأنه إنما يراد به التلف فلا وجه للاستئناء به، والله أعلم. وأما قوله: (فلما أذلقته الحجارة هرب) قال ابن المنذر: ذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: إذا هرب يترك. وقال الكوفيون: إذا هرب وطلبه الشرط واتبعوه فى فوره ذلك أقيم عليه بقية الحد، وإن أخذوه بعد أيام لم يقم عليه بقية الحد، وإن أخذوه بعد أيام لم يقم عليه بقية الحد.
стр. 4218
فاحتج أحمد بن حنبل بقوله ﷺ : (هلا تركتموه) من غير رواية البخارى. قال ابن المنذر: يقام عليه الحد بعد يوم، وبعد أيام وسنين؛ لأن ما وجب عليه لا يجوز إسقاطه بمرور الأيام والليالى، ولا حجة مع من أسقط ما أوجبه الله من الحدود، وقد بين جابر بن عبد الله معنى قوله: (فهلا تركتموه) أنه لم يرد بذلك إسقاط الحد عنه. وروى محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن قتادة قال: حدثنى حسين بن محمد، عن على قال: (سألت جابرًا عن قصة ماعز فقال: أنا أعرف الناس بهذا الحديث كنت فيمن رجمه، إنا لما رجمناه فوجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردونى إلى رسول الله ﷺ إن قومى هم قاتلونى وغرونى من نفسى، أخبرونى أن رسول الله ﷺ غير قاتلى. فلم ننزع عنه حتى قتلناه فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ أخبرناه، قال: فهلا تركتم الرجل وجئتمونى) . ليتثبت رسول الله ﷺ فيه فأما لترك حد فلا. فاختلفوا إذا أقر بالزنا، ثم رجع عن إقراره. فقالت طائفة: يترك ولا يحد. هذا قول عطاء والزهرى والثورى والكوفيين والشافعى وأحمد وإسحاق. واختلف عن مالك فى هذه المسألة فحكى عنه القعنبى أنه إذا اعترف ثم رجع وقال: إنما كان هذا منى على وجه كذا وكذا لشىء يذكره، أن ذلك يقبل منه فلا يقام عليه الحد. وقال أشهب: يقبل رجوعه إن جاء بعذر وإلا لم يقبل.
стр. 4219
وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه إذا اعترف بغير محنة ثم نزع لم يقبل منه رجوعه. وقال أشهب وأهل الظاهر: وممن روى عنه أنه إذا أقر ثم رجع لا يقبل منه رجوعه، وأقيم عليه الحد؛ وهم: ابن أبى ليلى والحسن البصرى. قال ابن المنذر: واحتج الشافعى بقوله ﷺ فى ماعز: (هلا تركتموه) قال: فكل حد لله فهو هكذا، ولقوله لماعز: (لعلك قبلت أوغمزت) فالنبى ﷺ كان يلقنه ويعرض عليه بعد اعتراف قد سبق منه فلو أنه قال: نعم، قبلت أوغمزت لسقط عنه الرجم، وإلا لم يكن لتعريض النبى ﷺ لذلك معنى فعلم أنه إنما لقنه لفائدة وهى الرجوع، فهذا دليل قاطع. وحجة الآخرين أن الحدود تلزم بالبينة أو بالإقرار، وقد تقرر أنه لو لزم الحد بالبينة لم يقبل قوله فكذلك إذا إقر ثم رجع، وقالوا: ليس قوله ﷺ : (هلا تركتموه) يوجب إسقاط الحد عنه. ويحتمل أن يكون لما ذكره جابر بن عبد الله من النظر فى أمره والتثبت فى المعنى الذى هرب من أجله ولو وجب أن يكون الحد ساقطًا عنه بهربه لوجب أن يكون مقتولا خطأ. وفى ترك النبى ﷺ إيجاب الدية على عواقل القاتلين له بعد هربه دليل على أنهم قاتلون من عليه القتل، إذ لو كان دمه محقونًا بهربه لأوجب على عواقل قاتليه ديته، وليس فى شىء من أخبار ماعز دليل على الرجوع عما أقر به. وأكثر ما فيه أنه سأل عندما نزل به من الألم أن يرد إلى رسول الله ﷺ ولم يقل ما زنيت، وهذا القول أشبه بالصواب.
стр. 4220
٣ - باب لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ
/ ٥ - فيه: عَائِشَةَ قَالَ ﷺ : (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) . قال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة: معناه أن الزانى لا حظ له فى الولد ولا يلحق به نسبه. والعرب تقول لمن طلب شيئا ليس له: بفيك الحجر، تريد الخيبة. وقال بعضهم: للعاهر الحجر أى: للزانى الرجم بالحجر إذا كان محصنًا، والعاهر: الزانى. وذكر ابن الأعرابى أن الفراش عند العرب يقال للرجل والمرأة؛ لأن كل واحد منهما فراش لصاحبه، وقد تقدم ما فيه للعلماء فى كتاب الفرائض.
٤ - باب الرَّجْمِ بِالْبَلاطِ
/ ٦ - فيه: ابْنِ عُمَرَ: (أُتِىَ النبى ﷺ بِيَهُودِىٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَجِدُونَ فِى كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمَ الْوَجْهِ وَالتَّجْبِيهَ، قَالَ عَبْدُاللَّهِ ابْنُ سَلامٍ: ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالتَّوْرَاةِ، فَأُتِىَ بِهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا) . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلاطِ، فَرَأَيْتُ الْيَهُودِىَّ أَحْنَأَ عَلَيْهَا. قال أبو عبيد: يرويه أهل الحديث (يحنى) وإنما هو يحنأ مهموز
стр. 4221
ثابت، يقال حنا الرجل على الشىء يحنو حنوا: إذا انكب. فإن كان ذلك من خلقه قيل حناء ومنه قيل للتراس إذا صنع مقببًا محنأ. وأما قوله باب الرجم بالبلاط فلا يقتضى معنى والبلاط وغيره من الأمكنة سواء، وإنما يرجم به؛ لأنه مذكور فى الحديث. وقال الأصمعى: البلاط: الأرض الملساء. وذكر محمد بن إسحاق عن الزهرى، عن أبى هريرة: أن هذا الحديث كان حين قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة. قال مالك: ولم يكونا أهل ذمة وإنما كانوا أهل حرب حكموا رسول الله ﷺ فحكم بينهم. وقال بعض العلماء: معنى قول مالك: ولم يكونا أهل ذمة. لأنهما لو كانا أهل ذمة لم يسألهما النبى ﷺ كيف الحكم عندهم ولا حكم عليهم بقول أساقفتهم؛ لأن الحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه كحكمه بين المسلمين سواء. ويحتمل مسيره ﷺ إلى بيت المدراس وسؤاله اليهود عن حكم الزانيين أحد معنيين: إما أن يكون لما أراد الله تكذيبهم وإظهار ما بدلوا من حكم الله، ولذلك ألقى تعالى فى قلوبهم المحاكمة إليه، وأعلمهم أن فى التوراة حكم الله فى ذلك لقوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) [المائدة: ٤٣] . والمعنى الثانى: أن يكون حكم الرجم لم ينزل على النبى ﷺ وقد روى معمر عن ابن شهاب قال: فبلغنا أن هذه الآية
стр. 4222
نزلت فيهم: (إنا أنزلنا فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) [المائدة: ٤٤] فكان النبى ﷺ منهم. وفى هذا الحديث من الفقه حجة لمالك فى قوله: إن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا أنه جائز أن يترجم عنهم مترجم واحد كما ترجم عبد الله بن سلام عن التوراة وحده. وقد تقدم ما للعلماء فى هذه المسألة فى كتاب الأحكام. وفى قوله: (فرأيت اليهودى أحنا عليها) دليل أنه لا يحفر للمرجوم ولا للمرجومة؛ لأنه لو كان حفيرًا ما استطاع أن يحنو عليها، وبهذا استدل مالك. وقال أحمد بن حنبل: أكثر الأحاديث على ألا يحفر، والرجم إنما يجب أن يعم جميع بدنه، فإذا كان فى حفرة غاب بعض بدنه. وقال الكوفيون: لا يحفر لهما، وإن حفر فحسن. وخير الشافعى فى أى ذلك شاء. وقال أصبغ: يستحب أن يحفر لهما وترسل يداه يدرأ بهما عن وجهه. قال الطحاوى: روى عن على أنه حفر لشراحة، وفى قصة الجهينية أنه شد عليها ثيابها ثم أمر برجمها من غير أن يحفر لها. وفى هذا الحديث حجة للثورى أن المحدود لا يقعد، ويضرب قائمًا، والمرأة قاعدة. قال المحتج به: وقوله (فرأيت الرجل يحنأ على المرأة) يدل أن الرجل كان قائمًا والمرأة قاعدة.
стр. 4223
وقال مالك: الرجل والمرأة فى الحدود كلها سواء، لا يقام واحد منهما ويضربان قاعدين ويجرد الرجل ويترك على المرأة ما يسترها ولا يقيها الضرب. وقال الشافعى والليث وأبو حنيفة: الضرب فى الحدود كلها قائمًا مجردًا غير ممدود إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه من ثيابه ما لا يقيه الضرب.
٥ - باب الرَّجْمِ بِالْمُصَلَّى
/ ٧ - فيه: جَابِرٍ: (أَنَّ رَجُلا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ النَّبِىَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، قَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لا، قَالَ: آحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ، فَرَّ فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : خَيْرًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ) . لا معنى لهذا التبويب أيضًا والرجم بالمصلى كالرجم بسائر المواضع وإنما ترجم بذلك لأنه مذكور فى الحديث. وهذا الرجل المعترف هو ماعز بن مالك الأسلمى. روى يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: (أن ماعز بن مالك أتى إلى أبى بكر الصديق فأخبره أنه زنى، فقال أبو بكر: هل ذكرت ذلك لأحد غيرى؟ قال: لا. قال أبو بكر: استتر بستر الله وتب إلى الله، فإن الناس يعيرون ولا يغيرون، وإن الله يقبل التوبة عن عباده، فلم تقرره نفسه، حتى أتى إلى عمر بن الخطاب فقال له مثلما قال لأبى بكر، فقال له
стр. 4224
عمر مثلما قال له أبو بكر، فلم تقرره نفسه حتى أتى النبى ﷺ . . .) وذكر الحديث. وقال عيسى بن دينار: كان ماعز يتيمًا عند هذال قال: فأمره هذال أن يأتى النبى ﷺ فيعترف، فلما أمر برجمه وأحرقته الحجارة هرب فلقيه عبد الله بن أنيس فحذفه برضيف جمل فقتله. وفى هذا الحديث من الفقه رجم الثيب بلا جلد، وعلى هذا فقهاء الأمصار؛ لأن النبى، ﵇، أمر برجم ماعز ولم يحده وأمر أنيسًا الأسلمى أن يرجم المرأة إن اعترفت ولم يأمره بجلدها. وخالف ذلك إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر فقالوا: عليه الجلد والرجم. وروى مثله عن على بن أبى طالب وأبى بن كعب والحسن البصرى، واحتجوا بحديث ابن جريج، عن أبى الزبير، عن جابر أن رجلا زنا فأمر به النبى ﷺ فجلد ثم أخبر أنه كان أحصن فأمر به فرجم. وقالوا: هكذا حد المحصن الجلد والرجم جميعًا. واحتجوا بحديث عبادة بن الصامت أن النبى ﷺ قال: (خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) . واحتج عليهم الجماعة فقالوا: يجوز أن يكون النبى ﷺ إنما جلده حين لم يعلم أنه محصن فلما أخبر أنه محصن أمر برجمه، والجلد الذى جلده ليس من حده فى شىء. وأمَّا حديث عبادة بن الصامت فمنسوخ بحديث ماعز وبحديث العسيف؛ لأن النبى ﷺ رجمهما ولم يحدهما. فثبت أن هذا حكم أحدثه الله نسخ به ما قبله.
стр. 4225
وقال النسائى: ليس فى شىء من الأحاديث قدر الحجر الذى يرمى به. وقال مالك: لا يرمى بالصخور العظام ويأمر الإمام بذلك ولا يتولاه بنفسه، ولا يرفع عنه حتى يموت، ويخلى بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه، ولا يصلى عليه الإمام. وفى حديث جابر أن النبى ﷺ صلى عليه من رواية معمر عن الزهرى، وفيه حجة لمن قال من العلماء أن للإمام أن يصلى عليه إن شاء. وقد روى عمران بن حصين (أن امرأة أتت النبى ﷺ فذكرت أنها زنت، فلما وضعت أمر بها فرجمت وصلى عليها، فقال له عمر: أتصلى عليها وقد زنت؟ فقال: والذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين لوسعتهم) . وقد وجه بعض العلماء قول مالك: لا يصلى عليه الإمام. فقال: إنما قال ذلك ليكون ردعًا لأهل المعاصى، ولئلا يجترئ الناس على مثل فعله إذا رأوا أنه ممن لا يصلى عليه الإمام لعظيم ذنبه.
٦ - باب مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا دُونَ الْحَدِّ فَأَخْبَرَ الإمَامَ، فَلا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا
قَالَ عَطَاءٌ: لَمْ يُعَاقِبْهُ النَّبِىُّ ﷺ ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يُعَاقِبِ النَّبىّ، ﵇، الَّذِى جَامَعَ فِى رَمَضَانَ، وَلَمْ يُعَاقِبْ عُمَرُ صَاحِبَ الظَّبْىِ. / ٨ - وَفِيهِ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . / ٩ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِى رَمَضَانَ،
стр. 4226
فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لا، قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا) . / ١٠ - وفيه: عَائِشَةَ: (أَتَى رَجُلٌ النَّبِىَّ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ، قَالَ: احْتَرَقْتُ، قَالَ: مِمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ بِامْرَأَتِى فِى رَمَضَانَ، قَالَ لَهُ: تَصَدَّقْ، قَالَ: مَا عِنْدِى شَيْءٌ، فَجَلَسَ، وَأَتَاهُ إِنْسَانٌ يَسُوقُ حِمَارًا، وَمَعَهُ طَعَامٌ، قَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ: مَا أَدْرِى مَا هُوَ؟ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ؟ فَقَالَ: هَا أَنَا ذَا، قَالَ: خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ. . . الحديث. أجمع العلماء أنه من أصاب ذنبًا فيه حد أنه لا ترفعه التوبة ولا يجوز للإمام العفو عنه إذا بلغه. ومن التوبة عندهم أن يطهر ويكفر بالحد إلا الشافعى، ذكر عنه ابن المنذر أنه قال: إذا تاب قبل أن يقام عليه الحد سقط عنه، فأما من أصاب ذنبًا دون الحد ثم جاء تائبًا فتوبته تسقط عنه العقوبة، وليس للسلطان الاعتراض عليه بل يؤكد بصيرته فى التوبة، ويأمره بها لينتشر ذلك، فيتوب المذنب ألا ترى أن النبى ﷺ لما فهم من المواقع أهله فى رمضان الندم على فعله من صورة فزعه وقوله: احترقت. لم يعاقبه النبى ﷺ ولا أنبهُ بل أعطاه ما يكفر به. وأما حديث أبى عثمان عن ابن مسعود الذى أشار إليه البخارى ولم يذكره فهو أبين شىء فى هذا الباب، وقد ذكره فى باب مواقيت الصلاة فى باب الصلاة كفارة. قال ابن مسعود: إن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبى ﷺ فأخبره فنزل: (أقم الصلاة طرفى النهار وزلفًا) [هود: ١١٤] الآية فقال الرجل: إلى هذا يا رسول الله؟ قال: (لجميع أمتى كلهم) .
стр. 4227
وروى يحيى عن التيمى بإسناده أن النبى ﷺ قال له: (قم فصل ركعتين) . وروى علقمة والأسود هذا الحديث عن ابن مسعود وبينا فيه ما دل أنه جاء الرجل تائبًا نادمًا. وقال ابن مسعود: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: (إنى عالجت امرأة فأصبت منها ما دون أن أمسها وأنا ها ذا فأقم على ما شئت. فقال له عمر: قد ستر الله عليك فلو سترت على نفسك. . .) . وحجة جماعة الفقهاء فى أن التوبة لا تسقط الحد قول النبى ﷺ فى المرأة الجهينية: (لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أن جادت بنفسها) . وقال فى الغامدية: (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له) . فإقامة الرسول ﷺ الحد على هاتين مع توبتهما دليل قاطع على أن سقوط الحد بالتوبة إنما خص به المحاربون دون غيرهم.
٧ - باب إِذَا أَقَرَّ بِالْحَدِّ وَلَمْ يُبَيِّنْ، هَلْ لِلإمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ ؟
/ ١١ - فيه: أَنَسِ، قَالَ: (كُنْتُ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَىَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، قَالَ وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِىُّ ﷺ الصَّلاةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِىَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ) .
стр. 4228
قال المهلب وغيره: لما أقر الرجل عند النبى ﷺ بأنه أصاب حدا، ولم يبين الحدَّ، ولم يكشفه النبى ﷺ عنه ولا استفسره ﷺ ؛ فدل على أن الكشف عن الحدود لا يحل فإن الستر أولى. وكأنه ﷺ رأى أن الكشف عن ذلك ضرب من التجسس المنهى عنه فلذلك أضرب عنه وجعلها شبهة درأ بها الحد؛ لأنه كان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا. وجائز أن يكون الرجل ظن أن الذى أصاب حدا وليس بحد فيكون ذلك مما يكفر بالوضوء والصلاة، ولما لم تجز إقامة الحدود بالكناية دون الإفصاح وجب ألا يكشف السلطان عليه؛ لأن الحدود لا تقام بالشبهات بل تدرأ بها، وهذا يوجب على المرء أن يستر على نفسه إذا واقع ذنبًا ولا يخبر به أحدًا لعلَّ الله تعالى أن يستره عليه وقد جاء فى هذا الحديث عن النبى ﷺ : (من ستر مسلمًا ستره الله) فستر المرء على نفسه أولى به من ستره على غيره.
٨ - باب هَلْ يَقُولُ الإمَامُ لِلْمُقِرِّ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ أَوْ غَمَزْتَ ؟
/ ١٢ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِىَّ ﷺ ، قَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟ قَالَ: لا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَنِكْتَهَا؟ لا يَكْنِى، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ) . قال المهلب وغيره: فى هذا الحديث دليل على جواز تلقين المقر فى الحدود ما يدرأ بها عنه ألا ترى أن النبى ﷺ قال لماعز: (لعلك غمزت أو قبلت) ليدرأ عنه الحد إذ لفظ الزنا يقع على نظر
стр. 4229
العين وجميع الجوارح، فلما أتى ماعز بلفظ مشترك لم يحده النبى ﷺ حتى وقف على صحيح ما أتاه بغير إشكال؛ لأن من سننه ﷺ درء الحدود بالشبهات، فلما أفصح وبين أمر برجمه. قال غيره: وهذا يدل أن الحدود لا تقام إلا بالإفصاح دون الكنايات، ألا ترى لو أن الشهود شهدوا على رجل بالزنا، ولم يقولوا رأيناه أولج فيها كان حكمهم حكم من قذف لا حكم من شهد، رفقًا من الله بعباده وسترًا عليهم ليتوبوا. قال المهلب: وقد استعمل التلقين بعد النبى ﷺ أصحابه الراشدون روى مالك عن يحيى ابن سعيد أن عمر أتاه رجل وهو بالشام فذكر أنه وجد مع امرأته رجلا، فبعث عمر أبا واقد إلى امرأته يسألها عما قال زوجها لعمر، وأخبرها أنها لا تؤخذ بقوله، وجعل يلقنها أشباه ذلك لتنزع، فأبت أن تنزع فرجمها عمر. وروى معمر بإسناده أن عمر أتى برجل فقيل: إنه سارق، فقال عمر: إنى لأرى يد رجل ما هى بيد سارق، فقال الرجل: والله ما أنا بسارق فخلى سبيله. وعن الشعبى قال: أُتى على بامرأة يقال لها شراحة وهى حبلى من الزنا، فقال: ويحك لعل رجلا استكرهك، قالت: لا. قال: لعل وقع عليك وأنت نائمة. قالت: لا. قال: فلعل زوجك من عدونا، يعنى أهل الشام، فأنت تكرهين أن تدلى عليه. قالت: لا. فجعل يلقنها هذا وأشباهه وتقول: لا. فرجمها. وعن أبى مسعود أتى بسارق سرق بعيرًا. فقال: هل وجدته؟ قال: نعم. فخلى سبيله. قال المهلب: فهذا وجه التلقين بالتعريض لمن يعرف الحد
стр. 4230
وما يلزمه فيه، وأما تلقين الجاهل ومن لا يعرف الكلام فهو تصريح. وروى ابن جريج عن عطاء قال: كان بعضهم يؤتى بالسارق فيقول: أسرقت؟ قل: لا، أسرقت؟ قل: لا. وعلمى أنه سمى أبا بكر وعمر. وروى شعبة عن أبى الدرداء أنه أتى بجارية سوداء سرقت، فقال لها: أسرقت يا سلامة؟ قولى: لا قالت: لا فخلى سبيلها، فقلت: أنت تلقنها؟ قال أبو الدرداء: إنها اعترفت وهى لا تدرى ما يُراد بها. وقال الأعمش: كان إبراهيم يأمر بطرح المعترفين، وكان أحمد وإسحاق يريان تلقين السارق إذا أتى به. وكذلك قال أبو ثور: إذا كان السارق امرأة أو لا يدرى ما يصنع به أو ما يقول. قال المهلب: هذا التلقين على اختلاف منازله بسنة لازمة إلا عند اختيار الإمام ذلك، وله ألا يلقن ولا يعرض لقوله: (بينة وإلا حد فى ظهرك) . وأما التلقين الذى لا يحل فتلقين الخصمين فى الحقوق وتداعى الناس، وكذلك لا يجب تلقين المنتهك المعروف بذلك إذا تبين ما أقر به أو شهد عليه ويلزم الإمام إقامة الحد فيه.
٩ - باب سُؤَالِ الإمَامِ الْمُقِرَّ بالزنا: هَلْ أَحْصَنْتَ ؟
/ ١٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ: (أَتَى إِلَى النَّبىّ ﷺ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى زَنَيْتُ، يُرِيدُ نَفْسَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِىُّ ﷺ ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِى أَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِىُّ ﷺ ،
стр. 4231
فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. . الحديث. هذا لازم لكل إمام أن يسأل المقر إن كان محصنًا أو غير محصن، لأن الله قد فرق بين حد المحصن والبكر، فواجب على الإمام أن يقف على ذلك كما يجب عليه إذا أشكل إعلام المقر أن يسأله عن ذلك، ثم بعد ذلك يلزمه تصديق كل واحد منهما؛ لأن الحد لا يقام إلا باليقين ولا يحل فيه التجسس. قال المهلب: ولما كان قوله مقبولا فى اللمس والغمز كان قوله مقبولا فى الإحصان، فالباب واحد فى ذلك. اختلف العلماء فى الاعتراف بالزنا الذى يجب فيه الحد هل يفتقر إلى عدد أم لا. فقالت طائفة: لابد من اعتراف أربع مرات على ما جاء فى الحديث هذا قول ابن أبى ليلى والثورى والكوفيين وأحمد غير أن ابن أبى ليلى وأحمد قالا: يجزئ إلا فى أربع مرات فى مجلس واحد. وقال الكوفيون: لا يجزىء إلا فى أربع مواضع. وقال آخرون: إذا اعترف بالزنا مرة واحدة وثبت على ذلك لزمه الحد، روى هذا عن أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وهو قول مالك والشافعى وأبى ثور. وقال أهل المقالة الأولى: لما كان الزنا مخصوصًا من بين سائر الحقوق بأربعة شهداء جاز أن يكون مخصوصًا بإقرار أربع مرات.
стр. 4232
واحتج عليهم الآخرون فقالوا: قد قال ﷺ : (اغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يقل له إن اعترفت أربعًا، فلا معنى لاعتبار العدد فى الإقرار، وأيضًا فإنه لا يدل على مخالفة الزنا لسائر الحقوق فى أنه مخصوص بأربعة شهداء على مخالفته فى الإقرار؛ لأن القتل مخالف للأموال فى الشهادات فلا يقبل فى القتل إلا شاهدان، ويقبل فى الأموال شاهد وامرأتان، ثم اتفقا فى باب الإقرار أنه يقبل فيه إقرار مرة. ولو وجب اعتبار الإقرار بالشهادة لوجب ألا يقبل فى الموضع الذى يقبل فيه شاهدان إلا إقرار مرتين. وقد أجمع العلماء أن سائر الإقرارات فى الشرع يكتفى فيها مرة واحدة، وإن أقر بالردة مرة واحدة يلزمه اسم الكفر، والقتل واجب عليه فلزم فى الزنا مثله. فإن قالوا: فلم لم يُقم النبى ﷺ الحد بإقراره أول مرة؟ قيل: فائدة الخبر أنه ﷺ لما رآه مختل الصورة فزعًا أراد التثبيت فى أمره هل به جنة أم لا، مع أنه كره ما سمع منه فأعرض عنه رجاء أن يستر على نفسه، ويتوب إلى الله، ألا ترى أنه لقنه فقال: (لعلك لمست أو غمزت) فلا معنى لاعتباره العدد فى الإقرار. وقوله: جمز أى: أسرع يهرول، وقال بعض السلف لرجل: اتق الله قبل أن يجمز بك. يريد المشى السريع فى جنازته. وقال الكسائى: الناقة تعدو الجمز وهو العدو الذى نثر وقال رؤبة: فإن تريننى اليوم جمزى
стр. 4233
- باب الاعْتِرَافِ بِالزِّنَا
/ ١٤ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ قَالا: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، إِلا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ، وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ، فَقَالَ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِى، قَالَ: قُلْ، قَالَ: إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِى أَنَّ عَلَى ابْنِى جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ، فَقَالَ ﷺ : وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا) . / ١٥ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ: قَائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ فِى كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ، أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوِ الاعْتِرَافُ. قال المهلب وغيره: فى هذا الحديث ضروب من الفقه: منها الترافع إلى السلطان الأعلى فيما قد غيره ممن هو دونه إذا لم يوافق الحق. ومنها فسخ كل صلح ورد كل حكم وقع على خلاف السنة. قال غيره: وفيه أن ما قبضه الذى قضى له بالباطل لا يصلح له ملكه. وفيه: أن العالم قد يُفتى فى مصر فيه من هو أعلم منه، ألا ترى
стр. 4234
أنه سأل أهل العلم ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، وكذلك كان الصحابة يفتون فى زمن النبى ﷺ . وفى سؤاله أهل العلم ورجوعه إلى النبى ﷺ دليل على أنه يجوز للرجل ألا يقتصر على قول واحد من العلماء. وفيه: أنه جائز للخصم أن يقول للإمام العدل: احكم بيننا بالحق، لأنه قال للنبى ﷺ : اقض بيننا بكتاب الله، وقد علم أنه لا يقضى إلا بما أمره الله، ولم ينكر ذلك عليه النبى ﷺ . وقال الملكان لداود ﷺ فاحكم بيننا بالحق، وذلك إذا لم يرد السائل التعريض. وقوله: وكان أفقههما يعنى والله أعلم لاستئذانه النبى ﷺ فى الكلام وترك صاحبه لذلك تأكيدًا. واختلف العلماء فى تأويل ذلك فقال بعضهم: الرجم فى كتاب الله فى قوله تعالى: (ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله) [النور: ٨] . والعذاب الذى تدرؤه الزوجة عن نفسها باللعان هو الذى يجب عليها بالبينة أو بالإقرار أو بالنكول عن اللعان. وقد بين ﷺ آية الرجم فى الثيب برجم ماعزٍ وغيره. وقال آخرون: الرجم مما نسخ من القرآن خطه وثبت حكمه. وقال غيره: معنى قوله (لأقضين بينكما بكتاب الله) أى بحكم الله وبفرضه، هذا جائز فى اللغة قال تعالى: (كتاب الله عليكم) [النساء: ٢٤] أى حكمه فيكم وقضاؤه عليكم ومنه قوله تعالى: (أم عندهم
стр. 4235
الغيب فهم يكتبون) [الطور: ٤١] أى يقضون. وكذلك قوله: (كتب ربكم على نفسه الرحمة) [الأنعام: ٥٤] وكل ما قضى به النبى ﷺ فهو حكم الله. وفيه: أن رسول الله ﷺ لم يجعلهما قاذفين حين أخبراه. وليس فى الحديث أنه سأل ابن الرجل هل زنا؟ وهل صدقا عليه أم لا؟ ولكن من مفهوم الحديث أنه أقر لأنه لا يجوز أن يقام الحد إلا بالإقرار أو بالبينة، ولم يكن عليهما بينة لقوله ﷺ : (فإن اعترفت فارجمها) . وفيه: النفى والتغريب للبكر الزانى خلاف قول أبى حنيفة فى إسقاطه النفى عن الزانى وستأتى أقوال العلماء فى ذلك فى موضعها إن شاء الله تعالى. وفى الحديث من الفقه: رجم الثيب بلا جلد على ما ذهب إليه أئمة الفتوى بالأمصار. وفيه من الفقه: استماع الحكم من أحد الخصمين وصاحبه غائب وفتياه له دون خصمه ألا ترى أن النبى ﷺ قد أفتاهما والمرأة غائبة وكانت إحدى الخصمين. وفيه: تأخير الحدود عند ضيق الوقت؛ لأنه ﷺ أمره بالغدو إلى المرأة فإن اعترفت رجمها. وفيه: إرسال الواحد فى تنفيذ الحكم. وفيه: إقامة الحد على من أقر على نفسه مرة واحدة؛ لأن النبى ﷺ لم يقل لأنيس فإن اعترفت أربع مرات وقد تقدم القول فى هذه المسألة فى الباب الذى قبل هذا.
стр. 4236
وفيه: دليل على صحة قول مالك وجمهور الفقهاء أن الإمام لا يقوم بحد من قذف بين يديه حتى يطلبه المقذوف؛ لأن له أن يعفو عن قاذفه أو يريد سترًا، ألا ترى أنه قال بين يدى النبى ﷺ : (إن ابنى كان عسيفًا على هذا فزنا بامرأته فقذفها) فلم يقم عليه النبى ﷺ الحد؛ لأنها لما اعترفت بالزنا سقط حكم قذفها، ومثله حديث العجلانى حين رمى امرأته برجل فلاعن بينه وبين امرأته؛ لأنه لم يطلبه بحده ولو طلبه به لحُد إلا أن يقيم البينة على ما قال. والمخالف فى هذه المسألة ابن أبى ليلى فإنه يقول: إن الإمام يحد القاذف وإن لم يطلبه المقذوف. وقوله خلاف السنن فسيأتى ما بقى من معانى هذا الحديث بعد هذا فى مواضعه إن شاء الله تعالى، وكذلك حديث ابن عباس سيأتى الكلام عليه فى الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى.
- باب رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا إِذَا أَحْصَنَتْ
/ ١٦ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِى مَنْزِلِهِ بِمِنًى، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِى آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا؛ إِذْ رَجَعَ إِلَىَّ عَبْدُالرَّحْمَنِ، فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلا أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ فِى فُلانٍ، يَقُولُ: لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ، لَقَدْ بَايَعْتُ فُلانًا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِى بَكْرٍ إِلا فَلْتَةً، فَتَمَّتْ، فَغَضِبَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّى إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِى النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ
стр. 4237
أُمُورَهُمْ، قَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا تَفْعَلْ، فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمِ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِى النَّاسِ، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وَأَنْ لا يَعُوهَا، وَأَنْ لا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ، فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِى أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِى عُقْبِ ذِى الْحَجَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، عَجَّلْتُ الرَّوَاحَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ حَتَّى أَجِدَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ جَالِسًا إِلَى رُكْنِ الْمِنْبَرِ، فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ تَمَسُّ رُكْبَتِى رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ خَرَجَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلا، قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّةَ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ، فَأَنْكَرَ عَلَىَّ، وَقَالَ: مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ؟ فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ، قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّى قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِى أَنْ أَقُولَهَا، لا أَدْرِى لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَىْ أَجَلِى، فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا، فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِىَ أَنْ لا يَعْقِلَهَا فَلا أُحِلُّ لأحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَىَّ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا، وَعَقَلْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ، مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ،
стр. 4238
أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِى كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوِ الاعْتِرَافُ، ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنْ لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، أَلا ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لا تُطْرُونِى كَمَا أُطْرِىَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّ قَائِلا مِنْكُمْ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ، بَايَعْتُ فُلانًا، فَلا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِى بَكْرٍ فَلْتَةً وَتَمَّتْ، أَلا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الأعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِى بَكْرٍ، مَنْ بَايَعَ رَجُلا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلا يُبَايَعُ هُوَ وَلا الَّذِى بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلا، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّ الأنْصَارَ خَالَفُونَا، وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ، وَخَالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِى بَكْرٍ، فَقُلْتُ لأبِى بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هَؤُلاءِ مِنَ الأنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُمْ لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلانِ صَالِحَانِ، فَذَكَرَا مَا تَمَالأ عَلَيْهِ الْقَوْمُ، فَقَالا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلاءِ مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالا: لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَقْرَبُوهُمُ، اقْضُوا أَمْرَكُمْ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: يُوعَكُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلا، تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَتِيبَةُ الإسْلامِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ، وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا، وَأَنْ يَحْضُنُونَا مِنَ
стр. 4239
الأمْرِ، فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِى أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَىْ أَبِى بَكْرٍ، وَكُنْتُ أُدَارِى مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّى، وَأَوْقَرَ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِى فِى تَزْوِيرِى إِلا قَالَ فِى بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا، حَتَّى سَكَتَ، فَقَالَ: مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ، فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَلَنْ يُعْرَفَ هَذَا الأمْرُ إِلا لِهَذَا الْحَىِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شىءتُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِى وَبِيَدِ أَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا، كَانَ وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِى لا يُقَرِّبُنِى ذَلِكَ مِنْ إِثْمٍ، أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، اللَّهُمَّ إِلا أَنْ تُسَوِّلَ إِلَىَّ نَفْسِى عِنْدَ الْمَوْتِ شَيْئًا لا أَجِدُهُ الآنَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَارْتَفَعَتِ الأصْوَاتُ حَتَّى فَرِقْتُ مِنَ الاخْتِلافِ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأنْصَارُ، وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ، قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، قَالَ عُمَرُ: وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِى بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ، وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ، فَيَكُونُ فَسَادٌ، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلا عَلَى
стр. 4240
غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلا يُتَابَعُ هُوَ وَلا الَّذِى بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلا. أما قوله: باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت فمعناه: باب هل يجب على الحبلى رجم أم لا؟ وأجمع العلماء أن الحبلى من الزنا لا رجم عليها حتى تضع. واختلفوا إذا وضعت متى يجب عليها الرجم. فقال مالك: إذا وضعت حُدَّت إذا وجد للمولود من يرضعه وإن لم يوجد أخّرت حتى ترضعه وتفطمه خوف هلاكه. وقال الشافعى: لا ترجم حتى تفطمه كما فعل ﷺ فى المرجومة على ما رواه مالك فى الموطأ. وقال الكوفيون: ترجم بعد الوضع على ما رواه عمران بن حصين أن امرأة أتت النبى ﷺ فذكرت أنها زنت فأمر بها أن تقعد حتى تضعه، فلما وضعته أتته فأمر بها فرجمت وصلى عليها. واختلفوا فى المرأة توجد حاملا ولا زوج لها، فقال مالك: إن قالت استكرهت أو تزوجت. أن ذلك لا يقبل منها ويقام عليها الحد؛ إلا أن تقيم بينة على ما ادَّعت من ذلك، أو تجئ بدماء أو استغاثت حتى أتت وهى على ذلك. وقال ابن القاسم: إن كانت غريبة طارئة فلا حد عليها. وقال الكوفيون والشافعى: إذا وجدت حاملا ولا زوج لها فلا حد عليها إلا أن تقر بالزنا أو تقوم عليها بينة، ولم يفرقوا بين طارئة وغيرها واحتجوا بقوله ﷺ : (ادرءوا الحدود بالشبهات) .
следующие страницы →