← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

أخرى ثلاث مرار بحضرة الصحابة، ولم ينكر ذلك أحد، فثبت أنه إجماع. قال: ولما كان طريق التعزير إلى اجتهاد الإمام على حسب ما يغلب على ظنه أنه يردع، وكان فى الناس من يردعه الكلام، وكان فيهم من لا يردعه مائة سوط، وهى عنده كضرب المروحة؛ لم يكن للتحديد فيه معنى، وكان مفوضًا إلى ما يؤديه اجتهاده أن مثله يردع. قال المهلب: ألا ترى أن النبى ﷺ زاد المواصلين فى النكال كذلك يجوز للإمام أن يزيد فيه على حسب اجتهاده، وكذلك ضرب المتابعين للطعام، وانتقامه ﷺ لحرمات الله لم يكن محدودًا فيجب أن يضرب كل واحد منهم على قدر عصيانه للسنة، ومعاندته أكثر مما يضرب الجاهل، ولو كان فى شىء من ذلك حد لنقل ولم يجز خلافه. - باب مَنْ أَظْهَرَ الْفَاحِشَةَ وَاللَّطْخَ وَالتُّهَمَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ / ٣٤ - فيه: سَهْلِ، قَالَ: شَهِدْتُ الْمُتَلاعِنَيْنِ، فَقَالَ النبى ﷺ ، إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَهُوَ قَالَ الزُّهْرِىَّ: فَجَاءَتْ بِهِ لِلَّذِى يُكْرَهُ. / ٣٥ - وفيه: ابْنُ عَبَّاسٍ ذَكَرَ الْمُتَلاعِنَيْنِ، فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: هِىَ الَّتِى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً عَنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ قَالَ: لا تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ. . . الحديث. إلى قوله ﷺ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِى ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلاعَنَ النَّبِىُّ -

стр. 4272

( ﷺ - بَيْنَهُمَا، فَقَالَ الرَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: هِىَ الَّتِى قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ؟ فَقَالَ: لا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِى الإسْلامِ السُّوءَ) . قال المهلب: هذا الحديث أصل فى أنه لا يجوز أن يحد أحد بغير بينة. وإن اتهم بالفاحشة، ألا ترى أنه ﷺ قد وسم ما فى بطن المرأة الملاعنة بالمكروه وبغيره، فجاءت به على النعت المكروه بالشبه للمتهم بها، فلم يقم عليها الحد بالدليل الواضح إذكان ذلك خلاف ما شرع الله، فلا يجوز أن تتعدى حدود الله، ولا يستباح دم ولامال إلا بيقين لا شك فيه، وهذه رحمة من الله تعالى بعباده، وإرادة الستر عليهم والرفق بهم ليتوبوا. - باب رَمْىِ الْمُحْصَنَاتِ: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً (إلى قوله) غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: ٤] ،) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ (الآية [النور: ٢٣] . / ٣٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ) . قال الله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات) [النور: ٢٣] وهن العفائف الحرائر المسلمات،) ثم لم يأتوا بأربعة

стр. 4273

شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤] فناب ذكر رمى النساء عن ذكر رمى الرجال، وأجمع المسلمون أن حكم المحصنين فى القذف كحكم المحصنات قياسًا، واستدلالا، وأن من قذف حرا عفيفًا مؤمنًا عليه الحد ثمانون كمن قذف حرة مؤمنة، وجاءت الأخبار عن النبى ﷺ بالتغليظ فى رمى المحصنات، وأن ذلك من الكبائر. قال المهلب: إنما سماها رسول الله ﷺ موبقات؛ لأن الله تعالى إذا أراد أن يأخذ عبده بها أوبقه فى نار جهنم. - باب: قذف العبد / ٣٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِىءٌ مِمَّا قَالَ: جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ) . فى هذا الحديث النهى عن قذف العبيد والاستطالة عليهم بغير حق؛ لإخبار النبى ﷺ أنه من فعل ذلك جلد يوم القيامة. وقوله: (إلا أن يكون كما قال) دليل على أنه لا إثم عليه فى رميه عبده بما فيه، وأن ذلك ليس من باب الغيبة المنهى عنها فى الأحرار. قال المهلب: والعلماء مجمعون أن الحر إذا قذف عبدًا فلا حد عليه، وحجتهم قوله ﷺ : (من قذف مملوكه جلد يوم القيامة) فلو وجب عليه الحد فى الدنيا لذكره، كما ذكره فى الآخرة، فجعل ﷺ العبيد غير مقارنين للأحرار فى الحرمة فى الدنيا، فإذا ارتفع ملك العبد فى الآخرة واستوى الشريف

стр. 4274

والوضيع، والعبد والحر، ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقى، فتكافأ الناس فى الحدود والحرمة، وإنما لم يكافئوا فى الدنيا؛ لئلا تدخل الداخلة على المالكين من مكافأتهم لهم، فلا تصح لهم حرمة ولا فضل فى منزلة، وتبطل محنة التسخير؛ حكمة من الحكيم الخبير لا إله إلا هو. وقال مالك والشافعى: من قذف من يحسبه عبدًا فإذا هو حر فعليه الحد. قال ابن المنذر: واختلفوا فيما يجب على قاذف أم الولد، فروى عن ابن عمر أنه عليه الحد، وبه قال مالك، وهو قياس قول الشافعى، وذلك إذا قذف بعد موت السيد، وهو قياس قول كل من لا يرى بيع أمهات الأولاد، وروى عن الحسن البصرى أنه كان لايرى جلد قاذف أم الولد.

стр. 4275

٦٣ - كِتَاب الدِّيَاتِ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) [النساء: ٩٣] / ١ - فيه: ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَىُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ؟ قَالَ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تُزَانِىَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ (الآيَةَ [الفرقان: ٦٨] . / ٢ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لاَ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِى فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) . وَقَالَ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأمُورِ الَّتِى لا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ. / ٣ - وفيه: ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِى الدِّمَاءِ) . / ٤ - وفيه: الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى لَقِيتُ كَافِرًا، فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ يَدِى بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاذَ مِنِّى بِشَجَرَةٍ، وَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا تَقْتُلْهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَىَّ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا، آقْتُلُهُ؟ قَالَ: لا تَقْتُلْهُ،

стр. 4276

فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِى قَالَها) . / ٥ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ ، لِلْمِقْدَادِ: (إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِى إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ، فَقَتَلْتَهُ، فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِى إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ) . اختلف العلماء فى القاتل هل له توبة لاختلافهم فى تأويل هذه الآية، فروى عن زيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر أنه لا توبة له، وأن قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنًا) [النساء: ٩٣] غير منسوخة، وإنما نزلت بعد الآية البينة التى فى سورة الفرقان التى فيها توبة القاتل بستة أشهر، ونزلت آية الفرقان فى أهل الشرك، ونزلت آية النساء فى المؤمنين. وروى سعيد بن مينا، عن ابن عمر أنه سأله رجل فقال: إنى قتلت رجلا فهل لى من توبة؟ قال: تزود من الماء البارد فإنك لا تدخلها أبدًا. ذكره ابن المنذر، وروى عن على ابن أبى طالب وابن عباس، وابن عمر أن القاتل له توبة من طرق لا يحتج بها، وقاله جماعة من التابعين. روى ذلك عن النخعى، ومجاهد، وابن سيرين، وأبى مجلز، وأبى صالح، وجماعة أهل السنة وفقهاء الأمصار على هذا القول راجين له التوبة؛ لأنه تعالى يقبل التوبة عن عباده، وإنما أراد أن يكون المسلم فى كل الأمور خائفًا راجيًا. قال إسماعيل بن إسحاق: حدثنى المقدمى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن سليمان ابن عبيد البارقى، قال: حدثنى إسماعيل بن ثوبان قال: جالست الناس فى المسجد الأكبر قبل الدار

стр. 4277

فسمعتهم يقولون: لما نزلت: (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم) [النساء: ٩٣] الآية، قال المهاجرون والأنصار: وجبت لمن فعل هذا النار. حتى نزلت: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨، ١١٦] . واحتج أهل السنة أن القاتل فى مشيئة الله بحديث عبادة بن الصامت: (أن النبى ﷺ أخذ عليهم فى بيعة العقبة: أن من أصاب ذنبًا فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) . وأما قوله: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) فهو كقوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) [الإسراء: ٣١] وقوله تعالى: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم) [الأنعام: ١٤٠] قال عكرمة: نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر. وقال قتادة: كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة السبى والفاقة فحرم الله قتل الأطفال، وأخبر ﷺ أن ذلك ذنب عظيم بعد الكفر وجعل بعده فى العظم الزنا بحليلة الجار لعظم حق الجار ووكيد حرمته، وقد تقدم فى باب إثم الزنا قبل هذا. قال المهلب: أما قوله: (أول ما ينظر فيه من أعمال الناس فى الدماء) يعنى أول ما ينظر فيه من مظالم الناس لعظم القتل عند الله وشدته، وقد جاء فى حديث آخر أن أول ما ينظر فيه الصلاة. وليس بمتعارض، ومعناه: أول ما ينظر فيه فى خاصة نفس كل مؤمن

стр. 4278

من بعد ما ينتصف الناس بعضهم من بعض، ولا تبقى تباعة إلا لله تعالى بالصلاة. وأما قوله ﷺ للمقداد: (فإنك بمنزلته قبل أن يقولها) فقد فسره حديث ابن عباس الذى فى آخر الباب، ومعناه أنه يجوز أن يكون اللائذ بالشجرة القاطع لليد مؤمنًا يكتم إيمانه مع قوم كفار غلبوه على نفسه، فإن قتلته فأنت شاك فى قتلك إياه أن ينزله الله من العمد والخطأ، كما هو مشكوكًا فى إيمانه لجواز أن يكون يكتم إيمانه، وكذلك فسره المقداد كما ففهمه من النبى ﷺ فقال: كذلك كنت أنت بمكة تكتم إيمانك، وأنت مع قوم كفار فى جملتهم وعددهم مكثرًا ومحزبًا، فكذلك الذى لاذ بالشجرة وأظهر إيمانه لعله كان ممن يكتم إيمانه وهذا كله معناه النهى عن قتل من شهر بالإيمان. فإن قيل: كيف قطع اليد وهو ممن يكتم إيمانه؟ قيل: إنما دفع عن نفسه من يريد قتله، فجاز له ذلك، كما جاز للمؤمن إذا أراد أن يقتله مؤمن أن يدفع عن نفسه من يريد قتله، فإن اضطره الدفع عن نفسه إلى قتل الظالم دون قصد إلى إرادة قتله فهو هدر؛ فلذلك لم يقد ﷺ من يد المقداد كما لم يقد قتيل أسامة؛ لأنه قتله متأولا، ويحتمل قوله ﷺ : (فإنه بمنزلتك قبل أن تقتلله) وجهًا آخر: أنه مغفور له بشهادة التوحيد كما أنت مغفور لك بشهود بدر. وقوله: (فأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته) يعنى أنك قاصد لقتله

стр. 4279

عمدًا إثم، كما كان هو قاصدًا لقتلك إثم، فأنت فى مثل حاله فى العصيان، لا أن أحدهما يكفر بقتله المسلم؛ لأن إتيان الكبائر لمن صح له عقد التوحيد لا يخرجه إلى الكفر، وإنما هى ذنوب موبقات، لله أن يغفرها لكل من لا يشرك به شيئًا. قال ابن القصار: معنى قوله: (وأنت بمنزلته قبل أن يقولها) فى إباحة الدم لا أنه كافر بذلك، فإنما قصد ردعه وزجره عن قتله؛ لأن الكافر إذا أسلم فقتله حرام. - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا) [المائدة: ٣٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلا بِحَقٍّ) فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (. / ٦ - وفيه: ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ ﷺ : (لا تُقْتَلُ نَفْسٌ إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا) . / ٧ - وفيه: ابْنَ عُمَرَ، قَالَ ﷺ : (لا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) . / ٨ - ابْنَ عُمَرَ، قَالَ النَّبِىِّ ﷺ : (الْكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، أَوْ قَالَ: وَقَتْلُ النَّفْسِ) . وَقَالَ أَنَسَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ. / ٩ - وفيه: أُسَامَةَ (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، قَالَ: وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ رَجُلا مِنْهُمْ،

стр. 4280

فَلَمَّا غَشِينَاهُ، قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، قَالَ: فَكَفَّ عَنْهُ الأنْصَارِىُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِى حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: فَقَالَ لِى: يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّى لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ) . / ١٠ - وفيه: عُبَادَةَ: بَايَعْنَا النبى ﷺ ، عَلَى أَنْ لاَ نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بالحق. . . الحديث. / ١١ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ قَالَ ﷺ : (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا) . / ١٢ - وفيه: الأحْنَفِ عَنِ أَبَى بَكْرَةَ، قَالَ النبى ﷺ : إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِى النَّارِ) . اختلف العلماء فى قوله تعالى: (فكأنما قتل الناس جميعًا) [المائدة: ٣٢] و) فكأنما أحيا الناس جميعًا) [المائدة: ٣٢] . فقالت طائفة: معناه: التغليظ لتعظيم الوزر فى قتل المؤمن، عن الحسن وقتادة ومجاهد، قال مجاهد: إن قاتل النفس المحرمة يصير إلى النار كما يصير إلى النار لو قتل الناس جميعًا. وقال آخرون: معناه أنه يجب عليه من القود بقتله المؤمن مثلما يجب عليه لو قتل الناس جميعًا؛ لأنه لا يكون عليه غير قتلة واحدة لجميعهم. عن زيد بن أسلم. وقال آخرون: أى أن المؤمنين كلهم خصماء القاتل، وقد وترهم وتر من قصد لقتلهم جميعًا. عن الزجاج، وله: (ومن أحياها) [المائدة: ٣٢] ، أى ومن لم يقتل أحدًا فقد سلم منه الناس جميعًا عن مجاهد.

стр. 4281

وقالت طائفة: من وجب له القصاص، فعفا عن القاتل؛ أعطاه الله من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعًا. عن زيد بن أسلم والحسن. واختار الطبرى فى قوله: (فكأنما قتل الناس جميعًا) [المائدة: ٣٢] أنه فى تعظيم العقوبة وشدة الوعيد، واختار فى قوله: (فكأنما أحيا الناس جميعًا) [المائدة: ٣٢] القول الأول أنه من لم يقتل أحدًا فقد أحيا الناس بسلامتهم منه. قال: وهذا نظير قول الكافر: أنا أحيى وأميت: أى: أترك من قدرت على قتله، وأميت أى: أقتل من وجب عليه القتل، وإنما اختار ذلك؛ لأنه لا نفس يقوم قتلها فى عاجل الضرر مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقام إحياء جميع النفوس فى عاجل النفع، فدل ذلك أن معنى الإحياء سلامة جميع النفوس، وفى هذه الأحاديث كلها تغليظ للقتل والنهى عنه. وقوله فى حديث ابن مسعود: (إلا كان على ابن آدم كفل من دمه) يعنى: إثمًا؛ لأنه أول من سنَّ القتل، فاستن به القاتلون بعده، وهذا نظير قوله ﷺ : (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) . وقوله فى حديث ابن عمر: (لا ترجعوا بعدى كفارًا) لتحريم الدماء، وحقوق الإسلام، وحرمة المؤمنين، وليس يريد الكفر الذى هو ضد الإيمان لما تقدم من إجماع أهل السنة أن المعاصى غير مخرجة من الإيمان.

стр. 4282

وأما قتل أسامة الرجل؛ فإنه ظنه كافرًا، وجعل ما سمع منه من الشهادة تعوذًا من القتل، وأقل أحوال أسامة فى ذلك أن يكون قد أخطأ فى فعله؛ لأنه إنما قصد إلى قتل كافر عنده، ولم يكن عرف حكم النبى ﷺ فيمن أظهر الشهادة بلسانه أنها تحقن دمه فسقط عنه القود، لأنه معذور بتأويله، وكذلك حكم كل من تأوله فأخطأ فى تأويله معذور فى ذلك. وهو فى حكم من رمى من يجب له دمه، فأصاب من لا يجب له قتله، أنه لا قود عليه، وما لقى أسامة من النبى ﷺ فى قتله هذا الرجل الذى ظنه كافرًا من اللوم والتوبيخ، حتى تمنى أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم آلى على نفسه ألا يقاتل مسلمًا أبدًا؛ ولذلك قعد عن على ابن أبى طالب يوم الجمل وصفين، وقد تقدم فى كتاب الإيمان معنى قوله: (القاتل والمقتول فى النار) وإنما خرج على الترهيب والتغليظ فى قتل المؤمن فجعلهما فى النار؛ لأنهما فعلا فى تقاتلهما ما يئول بهما إلى النار إن أنفذ الله سبحانه عليهما الوعيد والله تعالى فى وعيده بالخيار عند أهل السنة وسيأتى أيضًا فى كتاب الفتن بقية الكلام فيه إن شاء الله تعالى. ٣ - باب قَوْلِه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى (الآية [البقرة: ١٧٨] وباب سُؤَالِ الْقَاتِلِ حَتَّى يُقِرَّ، وَالإقْرَارِ فِى الْحُدُودِ / ١٣ - فيه: أَنَسِ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ

стр. 4283

فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلانٌ، أَوْ فُلانٌ، حَتَّى سُمِّىَ الْيَهُودِىُّ، فَأُتِىَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ، فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. قال المؤلف: قال قتادة فى هذه الآية: إن أهل الجاهلية كان فيهم بغى وطاعة للشيطان، فكان الحى إذا كان فيهم عز ومنعة، فقتل لهم عبد، قتله عبد قوم آخرين؛ قالوا: لا نقتل به إلاحرا وإذا كان فيهم امرأة قتلتها امرأة؛ قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، فنهاهم الله عن البغى، وأخبر أن الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى. قال إسماعيل بن إسحاق: وقد قال قوم: يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمى. هذا قول الثورى، والكوفيين، واحتجوا بقوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) [المائدة: ٤٥] . وقال مالك والليث والشافعى وأبو ثور: لا يقتل حر بعبد. وهذا مذهب أبى بكر وعمر وعلى وزيد بن ثابت، قال إسماعيل بن إسحاق: وغلط الكوفيون فى التأويل؛ لأن معنى قوله: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) [المائدة: ٤٥] إنما هى النفس المكافئة للنفس قى حرمتها وحدودها؛ لأن القتل حد من الحدود، ولو قذف حر عبدًا لما كان عليه حد القذف وكذلك الذمى. والحدود فى الأحرار من الرجال والنساء واحدة، وحرمتهم واحدة، ويبين ذلك قوله تعالى فى نسق هذه الآية: (والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له) [المائدة: ٤٥] فعلمنا أن العبد والكافر خارجان من ذلك؛ لأن الكافر لا يسمى بأنه متصدق ولا مكفَّر عنه، وكذلك العبد لا يجوز أن يتصدق بدمه ولا بجرحه؛ لأن ذلك إلى سيده، قال

стр. 4284

تعالى: (فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) [البقرة: ١٧٨] . وقال أبو ثور: لما اتفق جميعهم أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس؛ كانت النفس أحرى بذلك، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض. قال المهلب: فى قوله باب سؤال القاتل حتى يقر. ينبغى للإمام وللحاكم أن يشدد على أهل الجنايات ويتلطف بهم حتى يقروا ليؤخذوا بإقرارهم، بخلاف إذا جاءوا تائبين مستفتين فإنه حينئذٍ يعرض عنهم ما لم يصرحوا، فكان لهم فى التأويل شبهة، فإذا بينوا ورفعوا الإشكال أقيمت عليهم الحدود، وإقرار اليهودى فى هذا الحديث يدل أنه لم تقم عليه البينة بالقتل، ولو قامت عليه ما احتاج ﷺ أن يقرره حتى يقر، ولو لم يقر ما أقاد منه ﷺ . وفيه: دليل أنه بالشكوى والإشارة تجب المطالبة بالدم وغيره؛ لأن النبى ﷺ طلب اليهودى بإشارة الجارية. وفيه: دليل على إجازة وصية غير البالغ، وجواز دعواه بالدين وغيره على الناس.

стр. 4285

٤ - باب إِذَا قَتَلَ بِحَجَرٍ أَوْ بِعَصًا / ١٤ - فيه: أَنَسِ، قَالَ: (خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ، قَالَ: فَجِىءَ بِهَا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فُلانٌ قَتَلَكِ، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا، فَأَعَادَ عَلَيْهَا، قَالَ: فُلانٌ قَتَلَكِ، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا، فَقَالَ لَهَا فِى الثَّالِثَةِ: فُلانٌ قَتَلَكِ، فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا، فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ) . وترجم له: باب من أقاد بالحجر. اختلف العلماء فى صفة القود؛ فقال مالك: إنه يقتل بمثل ما قتل به، فإن قتله بعصًا أو بحجر أو بالخنق أو بالتغريق؛ قتل بمثله. وبه قال الشافعى: إن طرحه فى النار عمدًا حتى مات؛ طرح فى النار حتى يموت. وذكره الوقار فى (مختصره) عن مالك، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وقال ابن الماجشون: يقتل بالعصا وبالخنق وبالحجر ولا يقتل بالنار. وقال أبو حنيفة وأصحابه: بأى وجه قتل؛ فلا يقتل إلا بالسيف. وهو قول النخعى والشعبى. واحتجوا بحديث جابر: (أن النبى ﷺ قال: (لا قود إلا بحديدة) . وبقول ابن عباس حين بلغه أن عليا حرق قومًا بالنار، فقال: (لو كنت أنا لقتلتهم. فإنى سمعت النبى ﷺ يقول: لا يعذب بالنار إلا رب النار) . وحجة القول الأول: القرآن والسنة، فأما القرآن: فقوله: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) [النحل: ١٢٦] وقوله: (فمن اعتدى

стр. 4286

عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] فجعل تعالى لولى المقتول أن يقتل بمثل ما قُتل به وليه. وأما السنة: فحديث أنس: (أن يهوديًا رض رأس جارية بين حجرين، فرضَّ الرسول رأسه بين حجرين) . وأما قوله: (لا قود إلا بحديدة) معناه إذا قتل بحديدة بدليل حديث أنس. فإن قيل: إن خبر اليهودى مع الجارية لا حجة لكم فيه؛ لأن المرأة كانت حية، والقود لا يجب فى حى. قيل: إنما قتله النبى ﷺ بعد موتها؛ لأن فى الحديث (أن النبى ﷺ قال لها: فلان قتلك؟) فدل أنها ماتت بعد ساعة؛ لأنها سيقت إلى النبى ﷺ وهى تجود بنفسها، فلم تقدر إلا على الإشارة على النطق، فلما ماتت استقاد لها النبى ﷺ من اليهوى بالحجر فكان ذلك سنة لا يجوز خلافها. واختلف قول مالك إن لم يمت من ضربة واحدة بعصًا أو حجر، فروى عنه ابن وهب أنه يضرب بالعصا حتى يموت، ولا يطول عليه، وروى عنه أشهب وابن نافع أنه يقتل بمثل ما قتل به، إذا كانت الضربة مجهزة، فأما أن يضربه ضربات فلا. قال ابن المنذر: وقول كثير من أهل العلم فى الرجل يخنق الرجل: عليه القود، وخالف ذلك محمد بن الحسن فقال: لو خنق رجل رجلا حتى مات، أو طرحه فى بئر فمات، أو ألقاه من جبل أو

стр. 4287

سطح فمات لم يكن عليه قصاص، وكان على عاقلته الدية، فإن كان معروفًا بذلك قد خنق غير واحد فعليه القتل. قال ابن المنذر: ولما أقاد ﷺ من اليهودى الذى رض رأس الجارية بالحجر، كان هذا فى معناه، فلا معنى لقوله. قال الطحاوى: واحتج بهذا الحديث من قال فيمن يقول عند موته: إن مت ففلان قتلنى؛ أنه يقبل منه، ويقتل الذى ذكر أنه قتل؛ هذا قول مالك والليث. وخالفهم آخرون فقالوا: لا يجوز أن يقتل أحد بمثل هذا، وإنما قتل النبى ﷺ اليهودى الذى رض رأس الجارية، لأنه اعترف؛ فقتله بإقراره بما ادُّعِىَ عليه لا بالدعوى، وقد بين ذلك ما أجمعوا عليه، ألا ترى أن رجلا لو ادعى على رجل دعوى قتلا أو غيره، فسئل المدعى عليه عن ذلك فأومأ برأسه أى نعم؛ أنه لا يكون بذلك مقرا فإذا كان إيماء المدعى عليه برأسه لا يكون إقرارًا منه كان إيماء المدعى برأسه أحرى أن لا يوجب له حقا. وقد أجمعوا أن رجلا لو ادعى فى حال موته أن له عند رجل درهمًا ثم مات أن ذلك غير مقبول منه، وأنه فى ذلك كهو فى دعواه فى حال الصحة، فالنظر على ذلك أن يكون دعواه الدم فى تلك الحال كدعواه ذلك فى حال الصحة. وقال لهم أهل المقالة الأولى: قول المقتول: دمى عند فلان فى حال تخوفه الموت، وعند إخلاصه وتوبته إلى الله عند معاينة فراقه الدنيا؛ أقوى من قولكم فى إيجاب القسامة بوجود القتيل فقط فى محلة قوم وبه أثر؛ فيحلف أهل ذلك الموضع أنهم لم يقتلوه، ويكون

стр. 4288

عقله عليهم، وألزموا العاقلة مالا بغير بينة ثبتت عليهم ولا إقرار منهم، وألزموه جناية عمدٍ لم تثبت أيضًا ببينة ولا إقرار. وقول المقتول: هذا قتلنى، أقوى من قول الشافعى أيضًا أن الولى يقسم إذا كان قرب وليه وهو مقتول رجل معه سكين لجواز أن يكون غيره قتله. والأوضاح جمع وضح، والوضح: حلى من فضة. عن صاحب العين. ٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (الآية [المائدة: ٤٥] / ١٥ - فيه: عَبْدِاللَّهِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ، إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِى، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) . قال أبو عبيد: ذهب أهل العراق إلى أن قوله تعالى: (النفس بالنفس) [المائدة: ٤٥] ناسخة لآية) الحر بالحر والعبد بالعبد) [البقرة: ١٧٨] التى فى سورة البقرة، وجعلوا بين الأحرار والعبيد القصاص فى النفس خاصة، ولا يرون فيما دون ذلك بينهم قصاصًا. وذهب ابن عباس إلى أن) النفس بالنفس) [المائدة: ٤٥] غير ناسخة لآية البقرة، ولا مخالفة لها، ولكنها جميعًا محكمتان إلا أن ابن عباس رأى قوله تعالى: (أن النفس بالنفس) [المائدة: ٤٥] كالمفسرة للتى فى البقرة، فتأول أن قوله: (النفس بالنفس) [المائدة: ٤٥] إنما هى على أن نفس الأحرار متساوية فيما بينهم دون العبيد، وأنهم يتكافئون فى دمائهم

стр. 4289

ذكورًا أو إناثًا، وأن أنفس المماليك متساوية فيما بينهم دون الأحرار، يتكافئون فيما بينهم ذكورًا كانوا أو إناثًا، وأنه لا قصاص على الأحرار فى شىء من ذلك من نفس ولا من دونها؛ لقوله تعالى: (الحر بالحر والعبد بالعبد) [المائدة: ٤٥] وهذا قول مالك وأهل الحجاز، وهو أولى من قول أهل العراق لوجهين: أحدهما أن هذا تفسير ابن عباس. الثانى: أنه قول يوافق بعضه بعضًا ولا يختلف، والتنزيل إنما هو على نسق واحد: أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن. وقول أهل العراق لس بمتفق؛ لأنهم أخذوا بأول الآية وهو قوله تعالى: (النفس بالنفس) [المائدة: ٤٥] وتركوا ما وراء ذلك، وليس لأحد أن يفرق بين ما جمع الله، فيأخذ بعضه دون بعض إلا أن يفرق بين ذلك كتاب أو سنة. وقوله ﷺ : (الثيب الزانى) لا يدخل فيه العبيد، وقد اتفق الكوفيون مع مالك مع أن من شروط الإحصان الموجب للرجم عندهم: الحرية والبلوغ والإسلام؛ فإذا زنا العبد، وإن كان ذا زوجة فحده الجلد عندهم، فكما لم يدخل العبيد فى قوله ﷺ : (الثيب الزانى) فكذلك لم يدخل فى عموم قوله تعالى: (النفس بالنفس) [المائدة: ٤٥] . وأما قوله: (المفارق لدينه التارك للجماعة) فهو عام فى جميع الناس لإجماع الأمة أن بالردة يجب القتل على كل مسلم فارق دينه عبدًا كان أو حرا، فخص هذا بالإجماع. وقال أبو الحسن بن القابسى قوله: (المفارق لدينه) يريد الخارج

стр. 4290

منه، فيحتمل أن يكون خروجه بترك الجماعة أو ببغى عليها؛ فيقاتل على ذلك، حتى يفئ إلى دينه وإلى الجماعة، وليس بكافر بخروجه، ويمكن أن يكون خروجه كفرًا وارتدادًا، والمروق: الخروج، وسيأتى بيانه عند قوله ﷺ : (يمرقون من الدين) فى آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى. ٦ - باب مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ / ١٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ (أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلا مِنْ بَنِى لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا يُودَى، وَإِمَّا أَنَّ يُقَادُ، أَهْلِ القَتِيل. . . الحديث. / ١٧ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتْ فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ قِصَاصٌ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى (إِلَى) شَىْءٌ) [البقرة: ١٧٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِى الْعَمْدِ، قَالَ: (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ١٧٨] : أَنْ يَطْلُبَ بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّىَ بِإِحْسَانٍ. اختلف العلماء فى أخذ الدية من قاتل العمد، فقالت طائفة: ولى المقتول بالخيار؛ إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، وإن لم يرض القاتل. روى هذا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال الليث والأوزاعى، والشافعى وأحمد، وإسحاق وأبو ثور.

стр. 4291

وقال آخرون: ليس لولى المقتول عمدًا إلا القصاص، ولا يأخذ الدية إلا أن يرضى القاتل، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو المشهور عنه، وبه قال الثورى والكوفيون. وحجة القول الأول: قوله تعالى: (فمن عفى له من أخيه شىء) [البقرة: ١٧٨] أى ترك له دمه، ورضى منه بالدية) فاتباع بالمعروف) [البقرة: ١٧٨] ، أى فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف فى المطالبة بالدية، وعلى القاتل أداء بإحسان) ذلك تخفيف من ربكم) [البقرة: ١٧٨] ومعناه: أن من كان قبلنا لم يفرض عليهم غير النفس بالنفس كما قال تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) [المائدة: ٤٥] فتفضل الله على هذه الأمة بالتخفيف والدية إذا رضى بها ولى الدم. واحتجوا أيضًا بقوله ﷺ : (ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودى وإما أن يقاد) وهذا نص قاطع فى أنه جعل أخذ الدية أو القود إلى أولياء الدم. وأيضًا من طريق النظر فإنما لزمته الدية بغير رضاه، لأن عليه فرضًا إحياء نفسه، وقد قال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا) [النساء: ٢٩] . قال الطحاوى: وحجة أهل المقالة الثانية: حديث أنس بن مالك فى قصة الرُّبيِّع حين كسرت ثنية المرأة؛ فأمر النبى ﷺ بكسر ثنيتها، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع؟ فقال رسول الله ﷺ : (يا أنس، كتاب الله القصاص) فلما حكم رسول الله ﷺ بالقصاص ولم

стр. 4292

يخيرها بين القصاص وأخذ الدية؛ ثبت بذلك أن الذى يجب بكتاب الله وسنة رسوله فى العمد هو القصاص؛ إذ لو كان يجب للمجنى عليه الخيار بين القصاص والعفو لأعلمها النبى ﷺ بما لها أن تختار من ذلك ألا ترى أن حاكمًا لو تقدم رجل إليه فى شىء يجب له فيه أحد شيئين، فثبت عنده حقه أنه لا يحكم بأحد الشيئين دون الآخر، وإنما يحكم له بأن يختار ما أحب منهما فإن تعدى ذلك فقد قصر عن فهم الحكم، ورسوله ﷺ أحكم الحكماء، فلما حكم بالقصاص وأخبر أنه كتاب الله ثبت ما قلناه، ووجب أن يعطف عليه حديث أبى هريرة، ويجعل قول رسول الله ﷺ فيهما فهو بالخيار بين أن يعفو، أو يقتص، أو يأخذ الدية على الرضا من الجانى بغرم الدية حتى تتفق معانى الآثار. وأما قولهم: إن عليه فرضًا إحياء نفسه، فإنا رأيناهم قد أجمعوا أن الولى لو قال للقاتل: قد رضيت أن آخذ دارك هذه على ألا أقتلك؛ أن الواجب على القاتل فيما بينه وبين الله تسليم ذلك وحقن دم نفسه، فإن أبى لم يجبره عليها، ولم يؤخذ منه كرهًا، ويدفع إلى الولى، فكذلك الدية لا يجبر عليها، ولا تؤخذ منه كرهًا. قال المهلب: قوله ﷺ : (فهو بخير النظرين) حضُّ وندبٌ لأولياء القتيل أن ينظروا خير نظر، فإن كان القصاص خيرًا من أخذ الدية اقتصوا ولم يقبلوا الدية، وإن كان أخذ الدية أقرب إلى الألفة وقطع الضغائن بين المسلمين؛ فعلت من غير جبر القاتل على أخذها منه، ولا يقتضى قوله (بخير النظرين) إكراه أحد

стр. 4293

الفريقين كما لا يقتضى قوله: (فاتباع بمعروف) [البقرة: ١٧٨] أخذ الدية من القاتل كرهًا. وفى حديث أبى هريرة حجة للثورى والكوفيين، والشافعى وأحمد وإسحاق فى قولهم أنه يجوز العفو فى قتل الغيلة، وهو أن يغتال الإنسان، فيخدع بالشىء حتى يصير إلى موضع فيخفى فيه، فإذا صار إليه قتله. وقال مالك: الغيلة بمنزلة المحاربة، وليس لولاة الدم العفو فيها، وذلك إلى السلطان يقتل به القاتل. قال ابن المنذر: وقوله ﷺ : (ومن قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا العقل، وإن أحبوا القود) وظاهر الكتاب يدل على أن ذلك للأولياء دون السلطان. قال المهلب: وقوله: (إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين) ليدخلوا فى دين الله أفواجًا، فكان ذلك ساعة من نهار، فلما دخلوا عادت حرمتها المعظمة على سائر الأرض من تضعيف إثم منتهك الذنوب فيها، وزالت حرمتها الغير مشروعة من الله ولا من رسوله، من ترك من لجأ إليها ودخلها مستأمنًا، فارًا بدم أو بحربه لقول النبى ﷺ : (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين) قاله فى قتيل خزاعة المقتول فى الحرم، فلما جعل الله القصاص فى قتيل الحرم، وعلمنا أنه يجوز الاقتصاص فى الحرم، ولو لم يجز ذلك لبينه النبى ﷺ وبين أن الحرمة الباقية لمكة على ما كانت فى الجاهلية وهو تعظيم الذنب فيها عند الله على سائر الأرض.

стр. 4294

قوله ﷺ : (أبغض الناس عند الله ملحد فى الحرم) فهذا نص من النبى ﷺ على المعنى الباقى للحرم، ويؤيد هذا قوله تعالى لما ذكر تحريم الأربعة الأشهر: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) [التوبة: ٣٦] تعظيمًا للظلم فيهن؛ إذ الظلم فى غيرهن محرم أيضًا فدل تخصيصهن بالنهى عن الظلم؛ على أنها مزية على غيرها فى إثم الظلم والقتل وغيره. والساعة التى أحلت له لم يكن القتل فيها محرمًا لإدخاله إياهم فى شرائع الله، فكذلك كل قتيل يكون على شرائع الله لا يعظم فيه، ويقتص فيها من صاحبه، وقد تقدم اختلاف العلماء فى هذه المسألة فى كتاب الحج. ٧ - باب مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ / ١٨ - ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِىَّ ﷺ : (أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِى الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِى الإسْلامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ) . قال المهلب: قوله: (أبغض الناس إلى الله: ملحد. . .) لا يجوز أن يكون هؤلاء أبغض إلى الله من أهل الكفر، وإنما معناه أبغض أهل الذنوب ممن هو من جملة المسلمين، وقد عظم الله الإلحاد فى الحرم فى كتابه فقال تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) [الحج: ٢٥] فاشترط أليم العذاب لمن ألحد فى الحرم زائدًا على عذابه لو ألحد فى غير الحرم، وقيل: كل ظالم فيه ملحد.

стр. 4295

وقال عمر بن الخطاب: احتكار الطعام بمكة إلحاد، وقال أهل اللغة: والمعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلمٍ، والباء زائدة. وقال الزجاج: مذهبنا أن الباء ليست بزائدة، والمعنى: ومن أراد فيه بأن يلحد بظلم، ومعنى الإلحاد فى اللغة: العدول عن القصد. وأما المبتغى فى الإسلام سنة الجاهلية، فهو طلبهم بالذحول غير القاتل، وقتلهم كل من وجدوا من قومه ومنها: انتهاك المحارم، واتباع الشهوات؛ لأنها كانت مباحةً فى الجاهلية فنسخها الله فى الإسلام وحرمها على المؤمنين، وقال ﷺ : (قُيِّد الفتك لا يفتك مؤمن) . ومنها: النياحة والطيرة والكهانة وغير ذلك، وقد قال ﷺ : (من رغب عن سنتى فليس منى) وأما إثم الدم الحرام: فقد عظمه الله فى غير موضع من كتابه، وعلى لسان رسوله حتى قال بعض الصحابة: إن القاتل لا توبة له. وقد ذكرنا مذاهب أهل العلم فى ذلك فى أول كتاب الحدود. ٨ - باب الْعَفْوِ فِى الْخَطَإِ بَعْدَ الْمَوْتِ / ١٩ - فيه: عَائِشَةَ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِى النَّاسِ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ، حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِى، أَبِى، فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ. هذا

стр. 4296

أصل مجمع عليه أن عفو الولى لا يكون إلا بعد الموت؛ إذ قد يمكن أن يبرأ فلا يموت، وأما عفو القتيل فإنه قبل الموت. وزعم أهل الظاهر أن العفو لا يكون للقتيل، ولا يكون إلا للولى خاصة، وهذا خطأ؛ لأن الولى إنما جعل إليه القيام بما هو للقتيل من القيام عن نفسه من أجل ولايته له ومحله منه، فالقتيل أولى بذلك. قال المهلب: وإنما فهم العفو فى هذا الحديث من قول حذيفة: غفر الله لكم. وقد كان يتوجه الحكم إلى اليمان إلى أخذ الدية من عاقلة القاتلين، وإن لم يعرف من هم، فقد اختلف العلماء فى قتيل الزحام على ما يأتى بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. ٩ - باب قَوْلِه اللَّهِ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خطأ) [النساء: ٩٢] - باب إِذَا أَقَرَّ بِالْقَتْلِ مَرَّةً قُتِلَ بِهِ / ٢٠ - فيه: أَنَسُ: (أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلانٌ، أَفُلانٌ، حَتَّى سُمِّىَ الْيَهُودِىُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِىءَ بِالْيَهُودِىِّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ ، فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ) . وقَالَ هَمَّامٌ: بِحَجَرَيْنِ. وترجم له: (باب قتل الرجل بالمرأة) . قال ابن المنذر: حكم الله فى المؤمن يقتل الخطأ الدية وأجمع أهل العلم على القول به.

стр. 4297

وقال الزجاج فى هذه الآية: المعنى: ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ البتة، وإلا خطأ استثناء ليس من الأول، ويسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع والمعنى: إلا أن يخطئ المؤمن النية، فكفارة خطئه تحرير رقبة مؤمنة فى ماله ودية مسلمة تؤديه عاقلته إلى أهله إلى أن يصدقوا، يقول: إلا أن يصدق أهل القتيل خطأ على من لزمته دية قتيلهم، فيعفوا عنه، ويتجاوزوا عن ديته، فتسقط عنه. قال الطبرى: وذكر أن هذه الآية نزلت فى عياش بن أبى ربيعة المخزومى، وكان قتل رجلا مسلمًا، ولم يعلم بإسلامه، وكان ذلك الرجل يعذبه بمكة مع أبى جهل، فخرج ذلك الرجل مهاجرًا إلى النبى ﷺ فلقيه عياش بالحرة، فقتله وهو يحسبه كافرًا، ثم جاء إلى النبى ﷺ فأخبره بذلك فأمره بعتق رقبة، ونزلت الآية. عن مجاهد وعكرمة. وقوله تعالى: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن) [النساء: ٩٢] بمعنى: وإن كان هذا القتيل الذى قتله المؤمن خطأ من قوم ناصبوكم الحرب على الإسلام فقتله مؤمن؛ فتحرير رقبة مؤمنة ولا دية تؤدى إلى قومه؛ لئلا يتقووا بها عليكم) وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) [النساء: ٩٢] ، أى عهد وذمة، وليسوا أهل حرب لكم؛) فدية مسلمة إلى أهله) [النساء: ٩٢] ، يعنى على عاقلته،) وتحرير رقبة مؤمنة) [النساء: ٩٢] كفارة لقتله ثم اختلف أهل التأويل فى صفة هذا القتيل الذى هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق، هل هو مؤمن أو كافر؟ فقال قوم: هو كافر إلا أنه لزمت قاتله ديته؛ لأن له ولقومه عهدًا؛ فوجب أداء ديته إلى

стр. 4298

قومه للعهد الذى بينهم وبين المؤمنين، وأنها مال من أموالهم، فلا تحل للمؤمنين أموالهم بغير طيب أنفسهم. عن ابن عباس والشعبى والنخعى والزهرى. قالوا: دية الذمى كدية المسلم. وقال آخرون: بل هو مؤمن. روى ذلك عن النخعى، وجابر بن زيد، والحسن البصرى. قالوا فى قوله تعالى: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) [النساء: ٩٢] قالوا: وهو مؤمن. قال الطبرى: وأولى القولين: قول من قال: عنى بذلك المقتول من أهل العهد؛ لأن الله تعالى أبهم ذلك فقال: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) [النساء: ٩٢] ولم يقل: وهو مؤمن، كما قال فى القتيل من المؤمنين وأهل الحرب) وهو مؤمن () فمن لم يجد فصيام شهرين) [النساء: ٩٢] ، يعنى فمن لم يجد رقبة مؤمنة فصيام شهرين متتابعين، يعنى عن الرقبة خاصة. عن مجاهد. وقال مسروق: صوم الشهرين عن الرقبة والدية. قال الطبرى: وأولى القولين: الصوم عن الرقبة دون الدية؛ لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل، والكفارة على القاتل بإجماع، فلا يقضى صوم صائم عما لزم آخر فى ماله.) توبة من الله) [النساء: ٩٢] ، يعنى رحمة من الله لكم إلى التيسير عليكم بتخفيفه عنكم بتحرير الرقبة المؤمنة إذا أيسرتم بها) وكان الله عليما حكيمًا) [النساء: ٩٢] يقول: ولم يزل الله عليمًا بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه، حكيمًا بما يقضى فيهم ويأمر.

стр. 4299

وقوله: إذا أقر بالقتل مرة قتل به، فهو حجة على الكوفيين فى قولهم أنه لابد من إقراره مرتين فى القتل، كما لابد فى الزنا من إقراره أربع مرات. وقولهم خلاف لهذا الحديث؛ لأنه لم يذكر فى الحديث أن اليهودى أقر أكثر من مرة واحدة، ولو كان فى إقراره حدا معلومًا لبين ذلك، وبهذا قال مالك والشافعى وقد تقدم فى باب سؤال الإمام المقر بالزنا، هل أحصنت، حكمُ بالزنا وبالقتل، ومذاهب العلماء فى ذلك فأغنى عن إعادته. وفيه من الفقه: أن الرجل يقتل بالمرأة وعلى هذا فقهاء الأمصار، وكذلك تقتل المرأة بالرجل وشذ الحسن البصرى، ورواية عن عطاء فقالا: إن قتل أولياء المرأة الرجل بها أدوا نصف الدية، وإن قتل أولياء الرجل المرأة أخذوا من أوليائها نصف دية الرجل. وروى مثله عن الشعبى عن على، وبه قال عثمان البتى. وحجة الجماعة: أن النبى ﷺ قتل اليهودى بالمرأة، فدل على ثبات القصاص بين الرجال والنساء. - باب الْقِصَاصِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِى الْجِرَاحَاتِ وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَيُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ تُقَادُ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ فِى كُلِّ عَمْدٍ يَبْلُغُ نَفْسَهُ فَمَا دُونَهَا مِنَ الْجِرَاحِ. وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، وَجَرَحَتْ أُخْتُ الرُّبَيِّعِ إِنْسَانًا، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : الْقِصَاصُ.

стр. 4300

/ ٢١ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: (لَدَدْنَا النَّبِىَّ ﷺ فِى مَرَضِهِ، فَقَالَ: لا تُلِدُّونِى، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: لا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلا لُدَّ غَيْرَ الْعَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) . اتفق أئمة الأمصار على أن الرجل يقتل بالمرأة. والمرأة بالرجل إذا كان القتل عمدًا، حاشا الحسن البصرى وعطاء وما روى عن على. وذهب مالك والثورى والشافعى وأكثر الفقهاء إلى أن القصاص بين الرجال والنساء فى الجراحات كما هو فى النفس. وقال أبو حنيفة: لا قصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس من الجراحات. واحتج أصحابه بأن المساواة عندهم معتبرة فى النفس وغير معتبرة فى الأطراف، ألا ترى أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، والنفس الصحيحة تؤخذ بالمريضة وهذه نكتتهم وعليها يبنون الكلام، وكذلك لا يقطعون يد المرأة بيد الرجل ولا يد الحر بالعبد، وإن جرى القصاص بينهما فى النفس. وقال ابن المنذر: ولما أجمعوا أن نفسه بنفسها، وهى أكبر الأشياء، واختلفوا فيما دون ذلك كان ما اختلفوا فيه مردودًا إلى ما أجمعوا عليه؛ لأن الشىء إذا ما أبيح منه الكثير؛ كان القليل أولى. قال المهلب: حديث الربيع يبين أن القصاص بين الرجل والمرأة. قال ابن القصار: وإنما لم تؤخذ الصحيحة بالشلاء؛ لأن الشلاء ميتة والنفس الحية لا تؤخذ بالنفس الميتة، فسقط اعتراضهم.

стр. 4301

قال المهلب: وأما حديث اللدود فدليل على أنه يؤخذ الناس بالقصاص فى أقل من الجراحات، لأنه ﷺ أمر بأن يقتص له ممن لده فى مرضه وآلمه، وهذا دون جراحه ولا قصد لأذى، وفيه قصاص الرجل من المرأة؛ لأن أكثر أهل البيت كانوا نساء، وفيه دليل على أخذ الجماعة بالواحد. - باب مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ أَوِ اقْتَصَّ دُونَ السُّلْطَانِ / ٢٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النبى ﷺ ، لَوِ اطَّلَعَ فِى بَيْتِكَ أَحَدٌ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ) . / ٢٣ - وفيه: أَنَسُ أَنَّ رَجُلا اطَّلَعَ فِى بَيْتِ النَّبِىِّ ﷺ فَسَدَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا. اتفق أئمة الفتوى أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان، أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان لقبض أيدى الناس، وقد تأول الناس هذا الحديث أنه خرج على التغليظ والوعيد والزجر عن الاطلاع على عورات الناس، وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده أو أمته كما تقدم، ويجوز عند العلماء أن يأخذ حقه دون السلطان فى المال خاصة إذا جحده إياه، ولم يقم له بينة على حقه على ما جاء فى حديث هند مع أبى سفيان، وسيأتى بعد هذا.

стр. 4302

- باب إِذَا مَاتَ فِى الزِّحَامِ أَوْ قُتِلَ / ٢٤ - فيه: عَائِشَةَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَىْ عِبَادَ اللَّهِ، أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ هِىَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَىْ عِبَادَ اللَّهِ، أَبِى، أَبِى، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ، قَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا زَالَتْ فِى حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ. اختلف العلماء فيمن مات فى الزحام ولا يدرى من قتله، فقالت طائفة: ديته فى بيت المال. روى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وبه قال إسحاق، وقالت طائفة: دينه على من حضر. هذا قول الحسن البصرى والزهرى، وفيها قول آخر وهو أن يقال لوليه: ادع على من شئت، فإذا حلف على أحد بعينه أو جماعة يمكن أن يكونوا قاتليه فى الجمع حلف، واستحق على عواقلهم الدية فى ثلاث سنين. هذا قول الشافعى. وقال مالك: دمه هدر، ووجه قول من قال أنه فى بيت المال، أنا قد أيقنا أن من مات من فعل قوم مسلمين ولم يتعين من قتله؛ فحسن أن يودى من بيت المال؛ لأن بيت مالهم كالعاقلة، ووجه قول من قال: إن ديته على من حضر، أنا قد أيقنا أن من فعلهم مات فوجب أن لا يتعدى ذلك إلى غيرهم، وحديث هذا الباب أشبه بهذا القول من غيره؛ لأن حذيفة قال: (غفر الله لكم) فدل أنه لم يغفر لهم إلا ما له مطالبتهم به ألا ترى قوله: (فلم يزل فى حذيفة منها بقية خير) يريد أنها ظهرت عليه بركة ذلك العفو عنهم. ووجه قول الشافعى أن الدماء والأموال لا تجب إلا بالطلب، فإذا ادعى أولياء المقتول على قوم وأتوا بما يوجب القسامة حلفوا واستحقوا.

стр. 4303

ووجه قول مالك أنه لما لم يعلم قاتله بعينه علم يقين إستحال أن يؤخذ أحد فيه بالظن، فيوجب أن يهدر دمه. - بَاب إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خطأ فَلا دِيَةَ لَهُ / ٢٥ - فيه: سَلَمَةَ بن الأكواع، قَالَ: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيْهَاتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : مَنِ السَّائِقُ؟ قَالُوا: عَامِرٌ، فَقَالَ: ﵀، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلا أَمْتَعْتَنَا بِهِ، فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ، وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، فَدَاكَ أَبِى وَأُمِّى، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لأجْرَيْنِ اثْنَيْن، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَىُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ) . لم يذكر فى هذا صفة قتل عامر لنفسه خطأ كما ترجم، وجاء ذلك بينًا فى كتاب الأدب فى باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء، قال: (فأتينا خيبر فحاصرناهم وكان سيف عامر قصيرًا فتناول به يهوديًا ليضربه، فرجع ذبابته فأصاب ركبته فمات منه. .) فذكر الحديث، وقال فى آخره: (قل عربى نشأ بها مثله) فى مكان قوله: (وأى قتل يزيده عليه) . وفى رواية النسفى فى حديث هذا الباب: (وأى قتيل يزيد عليه) وهو الصواب. واختلف العلماء فى من قتل نفسه، فقالت طائفة: لا تعقل العاقلة

стр. 4304

أحدًا أصاب نفسه بشىء عمدًا أو خطأ. هذا قول ربيعة ومالك والثورى وأبى حنيفة والشافعى. وقال الأوزاعى وأحمد وإسحاق: ديته على عاقلته، فإن عاش فهى له وإن مات فهى لورثته، واحتجوا بما روى (أن رجلاً كان يسوق حمارًا، فضربه بعصًا كانت معه، فأصاب عينه ففقأتها، فقضى عمر بديته على عاقلته، وقال: أصابته يد من أيدى المسلمين) . وحديث سلمة بن الكوع حجة للقول الأول؛ لأن النبى ﷺ لم يوجب له دية على عاقلته ولا غيرها، ولو وجبت على العاقلة لبين ذلك؛ لأن هذا موضع يحتاج إلى بيان بل يشهد له ﷺ أن له أجرين، وأيضًا فإن الدية إنما وجبت على العاقلة تخفيفًا على الجانى فإذا لم يجب على الجانى لأحدٍ شىء لم يحتج إلى التخفيف عنه. وجعلت الدية أيضًا على العاقلة معونة للجانى فتؤدى إلى غيره، فمحال أن يؤدى عنه إليه، والنظر ممتنع أنه يجب للمرء على نفسه دين، ألا ترى أنه لو قطع يد نفسه عمدًا لم تجب فيها الدية فكذلك إذا قتل نفسه. واحتج مالك فى ذلك بقوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ) [النساء: ٩٢] ولم يقل من قتل نفسه خطأ، وإنما جعل العقل فيما أصاب به إنسانًا إنسانًا، ولم يذكر ما أصاب به نفسه.

стр. 4305

- بَاب إِذَا عَضَّ رَجُلا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ / ٢٦ - فيه: عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ، لا دِيَةَ لَكَ) . / ٢٧ - وفيه: يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْتُ فِى غَزْوَةٍ فَعَضَّ رَجُلٌ، فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَبْطَلَهَا النَّبِىُّ ﷺ . اختلف العلماء فى هذا الباب، فقالت طائفة: من عض يد رجل فانتزع المعضوض يده من فىِّ العاض فقلع سنًا من أسنان العاض فلا ضمان عليه فى السن، روى ذلك عن أبى بكر الصديق وشريح، وهو قول الكوفيين والشافعى، قالوا: ولو جرحه المعضوض فى موضع آخر فعليه ضمانه. وقال ابن أبى ليلى ومالك: هو ضامن لدية السن، وقال عثمان البتى: إن كان انتزعها من ألم ووجع أصابه فلا شىء عليه، وإن انتزعها من غير ألم فعليه الدية. واحتج الكوفيون والشافعى بهذا الحديث، وقالوا: ألا ترى قوله ﷺ : (أيدع يده فى فيه فيعضه كما يعض الفحل؟ لا دية له) وهذا لا يجوز خلافه لصحة مجيئه، وأنه لا شىء يخالفه مما روى عن النبى ﷺ . قالوا: ولا يختلفون أن من شهر سلاحًا، وأومأ إلى قتله وهو صحيح العقل، فقتله المشهور عليه دافعًا له عن نفسه؛ أنه لا ضمان عليه، فإذا لم يضمن نفسه بدفعه إياه عن نفسه كذلك لا يضمن سنه بدفعه إياه عن عضه.

стр. 4306

واحتج أصحاب مالك فقالوا: يحتمل أن يكون سقوط الثنية من شدة العض لا من نزع صاحب اليد؛ لأنه قال: نزع يده فسقطت ثنية العاض، فلهذا لم يجب له شىء، وإن كان من فعل صاحب اليد فقد كان يمكنه أن يخلص يده من غير قلع ثنيته فلهذا وجب عليه ضمانها، ولم يرو مالك هذا الحديث، ولو رواه ما خالفه وهو من رواية أهل العراق. - بَاب) السِّنَّ بِالسِّنِّ) [المائدة: ٤٥] / ٢٨ - فيه أَنَس: أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً، فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا، فَأَتَوُا النَّبِىَّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ. قال المؤلف: قال الله تعالى: (والسن بالسن) [المائدة: ٤٥] وأجمع العلماء أن هذه الآية فى العمد، فمن أصاب سن أحد عمدًا ففيه القصاص، على حديث أنس. واختلف العلماء فى سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدًا، فقال مالك: عظام الجسد كلها فيها القود إذا كسرت عمدًا: الذراعان والعضدان، والساقان، والقدمان، والكعبان، والأصابع إلا ما كان مجوفًا مثل الفخذ وشبهه، كالمأمومة، والمنقلة، والهاشمة، والصلب، ففى ذلك الدية. وقال الكوفيون: لا قصاص فى عظم يكسر إلا السن لقوله تعالى: (السن بالسن) [المائدة: ٤٥] وهو قول الليث والشافعى. واحتج الشافعى فقال: إن دون العظم حائل من الجلد ولحم

стр. 4307

وعصب، فلو استيقنا أنا نكسر عظمة كما كسر عظمة لا يزيد عليه ولا ينقص فعلناه ولكنا لا نصل إلى العظم حتى ننال منه ما دونه مما ذكرناه أنا لا نعرف قدره مما هو أقل أو أكثر مما نال غيره، وأيضًا فإنا لا نقدر أن يكون كسر ككسر أبدًا فهو ممنوع. وقال الطحاوى: اتفقوا أنه لا قصاص فى عظم الرأس فكذلك سائر العظام. والحجة لمالك حديث أنس: أن النبى ﷺ قال فى سن الربيع: (كتاب الله القصاص) فلما جاز القصاص فى السن إذا كسرت، وهى عظم فكذلك سائر العظام، إلا عظمًا أجمعوا أنه لا قصاص فيه؛ لخوف ذهاب النفس منه، وأنه لا يقدر على الوصول فيه إلى مثل الجناية بالسواء، فلا يجوز أن يفعل ما يؤدى فى الأغلب إلى التلف إذا كان الجارح الأول لم يؤد فعله إلى التلف. وقال ابن المنذر: ومن قال لا قصاص فى عظم فهو مخالف للحديث، والخروج إلى النظر غير جائز مع وجود الخبر. واتفق جمهور الفقهاء على أن دية الأسنان فى الخطأ فى كل سن خمس من الإبل. - باب دِيَةِ الأصَابِعِ / ٢٩ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: (هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ، يَعْنِى الْخِنْصَرَ وَالإبْهَامَ) .

стр. 4308

ثبت فى كتاب الديات الذى كتبه النبى ﷺ لآل عمرو بن حزم أنه قال: (فى اليد: خمسون من الإبل، فى كل أصبع: عشر من الإبل) . وأجمع العلماء على أن فى اليد نصف الدية، وأصابع اليد والرجل سواء، وعلى هذا أئمة الفتوى، ولا فضل لبعض الأصابع عندهم على بعض. قال ابن المنذر: روينا ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت. وجاءت رواية شاذة عن عمر بن الخطاب، وعروة بن الزبير بتفضيل بعض الأصابع على بعض. روى الثورى وحماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: (أن عمر جعل فى الإبهام خمسة عشر وفى البنصر تسعًا، وفى الخنصر ستًا، وفى السبابة والوسطى عشرًا عشرًا، حتى وجد فى كتاب الديات عند آل عمرو بن حزم: أن النبى ﷺ قال: الأصابع كلها سواء، فأخذ به وترك قوله الأول) . ورواه جعفر بن عون، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب قال: (قضى عمر فى الإبهام بثلاث عشرة، وفى التى تليها بثنتى عشرة، وفى الوسطى بعشرة، وفى التى تليها بتسع، وفى الخنصر بست) . وروى معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: (إذا قطعت الإبهام والتى تليها، ففيها نصف دية اليد، وإذا قطعت إحداهما، ففيها عشر من الإبل) . ولم يلتفت أحد من الفقهاء إلى هذين القولين لما ثبت عن النبى

стр. 4309

( ﷺ أنه قال: (هذه وهذه سواء، يعنى الخنصر والإبهام) وحديث عمرو بن حزم: (إن فى كل أصبع عشرًا من الإبل) . وذكر ابن المنذر عن الشعبى قال: كنت جالسًا مع شريح؛ إذا أتاه رجل فقال: أخبرنى عن دية الأصابع، فقال: فى كل أصبع عشرًا من الإبل. قال: سبحان الله، أسواء هى؟ يعنى الإبهام والخنصر، قال: ويحك إن السنة منعت قياسكم، اتبع ولا تبتدع، فإنك لن تضل ما أخذت بالسنن، سواء يداك وأذناك تغطيهما العمامة والقلنسوة، وفيها نصف الدية، وفى اليد نصف الدية. - باب إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ، هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ ؟ وَقَالَ مُطَرِّفٌ، عَنِ الشَّعْبِىِّ فِى رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ عَلِىٌّ، ثُمَّ جَاءَا بِآخَرَ، وَقَالا: أَخْطَأْنَا، فَأَبْطَلَ شَهَادَتَهُمَا، وَأَخذَهُمَا بِدِيَةِ الأوَّلِ، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا. / ٣٠ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، رَضِى اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ غُلامًا قُتِلَ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوِ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ. / ٣١ - وفيه: مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ أَرْبَعَةً قَتَلُوا صَبِيًّا، فَقَالَ عُمَرُ مِثْلَهُ. وَأَقَادَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلِيٌّ وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ مِنْ لَطْمَةٍ، وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ، وَأَقَادَ عَلِيٌّ مِنْ ثَلاثَةِ أَسْوَاطٍ، وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ. / ٣٢ - فيه: عَائِشَةُ: (لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا لا تَلُدُّونِى، قَالَ: فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِى قَالَ: قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا لُدَّ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلا الْعَبَّاسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) .

стр. 4310

ذهب جمهور العلماء إلى أن الجماعة إذا قتلوا واحدًا به كلهم على نحو ما فعل عمر بن الخطاب ورى مثله عن على بن أبى طالب والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والنخعى والشعبى وجماعة أئمة الأمصار. وفيها قول آخر: روى عن عبد الله والزبير ومعاذ بن جبل: أن لولى المقتول أن يقتل واحدًا من الجماعة، ويأخذ بقية الدية من الباقين، مثل أن يقتله عشرة أنفس، فله أن يقتل واحدًا منهم ويأخذ من التسعة تسعة أعشار الدية. وبه قال ابن سيرين والزهرى. وقال أهل الظاهر: لا قود على واحد منهم أصلا وعليهم الدية. وهذا خلاف ما أجمعت عليه الصحابة، وحجة الجماعة قوله تعالى: (ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف) [الإسراء: ٣٣] فلا فرق بين أن يكون القاتل واحدًا أو جماعة، لوقوع اسم القتلة عليهم، ولأن الله تعالى جعل الحجة لولى المقتول عليهم، وعلى مثل هذا يدل حديث عائشة أن النبى ﷺ أمر أن يلد كل من فى البيت لشهودهم للدده الذى نهاهم عنه وما ذاق من الألم واشتراكهم فى ذلك، وهو حجة فى قصاص الواحد من الجماعة، ولو لم تقتل الجماعة بالواحد لأدى ذلك إلى رفع الحياة فى القصاص الذى جعله الله حياة ولم يشأ أحد أن يقتل أحدًا ثم لا يقتل به إلا دعا من يقتله معه لسقط عنه القتل، وأيضًا فإن النفس لا تتبعض
следующие страницы →