Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
وقد أخبرت عائشة أنه ﷺ كان لا ينتقم لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله، وكان يعرض عن الجاهلين. وقد وصف الله كرم خلقه ﷺ فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم) [القلم: ٤] . قال المهلب: والتآلف إنما كان فى أول الإسلام؛ إذ كان بالناس حاجة إلى تألفهم لدفع مضرتهم ولمعونتهم، فأما إذا علىَّ الله الإسلام ورفعه على غيره فلا يجب التألف، إلا أن ينزل بالناس ضرورة يحتاج فيه إلى التألف. وقد تقدم. والمروق: الخروج، وقد تقدم. والرمية: الطريدة المرمية. فعيلة بمعنى مفعولة، يقال: شاة رمى: إذا رميت، ويقال: بئس الرمية الأرنب. فيدخل الهاء. والقذذ: ريش السهم، كل واحدة قذة، وقال ثابت: قذتا الجناحين: جانباه. وقال أبو حاتم: القذتان: الأذنان. وأما النضى: فإن أبا عمرو الشيبانى قال: هو نصل السهم. وقال الأصمعى: هو القدح قبل أن ينحت، فإذا نحت فهو مخشوب. والحديث يدل أن القول قول الأصمعى؛ لأنه ذكر النصل قبل النضى فى الحديث. قوله: (يسبق الفرث والدم) يعنى أنه مر مرا سريعًا فى الرمية وخرج، ولم يعلق به من الفرث والدم شىء، فشبه خروجهم من الدين ولم يتعلق منه شىء بخروج ذلك السهم. وقوله: تدردر: يعنى تضطرب، تذهب وتجئ، ومثله تذبذب وتقلقل وتزلزل. الخطبى. ومنه دردور الماء.
стр. 4377
٧ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ
/ ١٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبى ﷺ : (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ) . هذا إخبار عن الغيب وحدوث الفتنة وقتال المسلمين بعضهم لبعض، ويحتمل أن يكون معنى قوله: (دعواهما واحدة) :: دينهما واحد، ويحتمل أن يكون دعواهما واحدة فى الحق عند أنفسهما واجتهادهما، ويقتل بعضهم بعضًا، وقد جاء فى الكتاب والسنة الأمر بقتال الفئة الباغية إذا تبين بغيها، قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى. . .) [الحجرات: ٩] الآية. قال ابن أبى زيد: قال من لقينا من العلماء: معنى ذلك: إذا بغت قبيلة فقاتلتها حمية وعصبية وفسقًا وفخرًا بالأنساب وغيرها من الثائرة؛ رغبة عن حكم الإسلام فعلى الإمام أن يفرق جماعتهم، فإن لم يقدر فليقاتل من تبين له أنه ظالم لصاحبه، وحلت دماؤهم حتى يقهروا، فإن تحققت الهزيمة عليهم وأيس من عودتهم فلا يقتل منهزمهم، ولا يجهز على جريحهم، وإن لم تستحق الهزيمة ولم يؤمن رجوعهم؛ فلا بأس أن يقتل منهزمهم وجريحهم ولا بأس أن يقتل الرجل فى القتال معهم أخاه وقرابته وجده لأبيه وأمه، فأما الأب فلا.
стр. 4378
وقال أصبغ: يقتل أباه وأخاه، ولا تصاب أموالهم ولا حرمهم، فإن قدر الإمام على كف الطائفتين بترك القتال فلكل فريق طلب الفريق الآخر بما جرى بينهم فى ذلك من دم ومال، ولا يهدر شىء من ذلك بخلاف ما كان على تأويل القران. وقال بعضه ابن حبيب.
٨ - باب مَا جَاءَ فِى الْمُتَأَوِّلِينَ
/ ١٧ - فيه: عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: أَنَّه سَمِع هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِى الصَّلاةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، أَوْ بِرِدَائِى، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَقْرَأَنِى هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِى سَمِعْتُكَ تَقْرَؤُهَا، فَانْطَلَقْتُ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، وَأَنْتَ أَقْرَأْتَنِى سُورَةَ الْفُرْقَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِى سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ. / ١٨ - وفيه ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: (يَا بُنَىَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣] . / ١٩ - وفيه: عِتْبَانَ: (غَدَا عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟
стр. 4379
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : أَلا تَقُولُوهُ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، يَبْتَغِى بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّهُ لا يُوَافَى عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهِ إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ) . / ٢٠ - وفيه: أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، أَنهما تَنَازَع فَقَالَ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ لِحِبَّانَ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا الَّذِى جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ، يَعْنِى عَلِيًّا، قَالَ: مَا هُوَ لا أَبَا لَكَ؟ قَالَ: شَيْءٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالزُّبَيْرَ وَأَبَا مَرْثَدٍ وَكُلُّنَا فَارِسٌ، قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ حَاجٍ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: هَكَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ: حَاجٍ، فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِى بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَأْتُونِى بِهَا، فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، وَقَدْ كَانَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقُلْنَا: أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِى مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِى كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا، فَابْتَغَيْنَا فِى رَحْلِهَا، فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا، فَقَالَ صَاحِبَاىَ: مَا نَرَى مَعَهَا كِتَابًا، قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حَلَفَ عَلِىٌّ، وَالَّذِى يُحْلَفُ بِهِ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أَوْ لأجَرِّدَنَّكِ، فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا، وَهِىَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، فَأَخْرَجَتِ الصَّحِيفَةَ، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِى فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِى أَنْ لا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنِّى أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِى عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يُدْفَعُ بِهَا عَنْ أَهْلِى وَمَالِى، وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلا لَهُ هُنَالِكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، قَالَ: صَدَقَ، لا تَقُولُوا، لَهُ: إِلا خَيْرًا، قَالَ: فَعَادَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِى فَلأضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: أَوَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شىءتُمْ، فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمُ الْجَنَّةَ، فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) . قال المهلب وغيره: لا خلاف بين العلماء أن كل متأول معذور بتأوله غير مأثوم فيه إذا كان تأويله ذلك مما يسوغ ويجوز فى لسان
стр. 4380
العرب، أوكان له وجه فى العلم؛ ألا ترى أن النبى ﷺ لم يعنف عمر فى تلبيبه لهشام مع علمه بثقته وعذره فى ذلك لصحة مراد عمر واجتهاده. وأما حديث ابن مسعود فإن الرسول عذر أصحابه فى تأويلهم الظلم فى الآية بغير الشرك لجواز ذلك فى التأويل. وأما حديث ابن الدخشن فإنهم استدلوا على نفاقه بصحبته للمنافقين ونصيحته، لهم فعذرهم النبى ﷺ باستدلالهم، وكذلك حديث حاطب عذره النبى ﷺ فى تأويله، وشهد بصدقه. وقد تقدم فى الجهاد فى باب الجاسوس، فأغنى عن ذكره وسيأتى فى كتاب الاستئذان فى باب من نظر فى كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره إن شاء الله تعالى. وقول أبى عبد الرحمن: (لقد علمت ما الذى جرأ صاحبكم على الدماء) يعنى عليا، فإنه أراد قول النبى ﷺ لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فكأنه أنس بهذا القول، فاجترأ بذلك على الدماء، ولا يجوز أن يظن بعلى أنه اجترأ على هذا دون أن يعطيه ذلك صحيح التأويل والاجتهاد. وإن كان قوله ﷺ : (لعل الله اطلع على أهل بدر) دليل ليس بحتم، ولكنه على أغلب الأحوال، وينبغى أن نحسن بالله الظن فى أهل بدر وغيرهم من أهل الطاعات. وقد اعترض بعض أهل البدع بهذا الحديث على قصة مسطح حين
стр. 4381
جلد فى قذف عائشة وكان بدريا مغفورًا له، قالوا: وكان ينبغى ألا يحد لذلك كما لم يعاقب حاطب؛ لأنه كان بدريا مغفورًا له. فأجاب فى ذلك أبو بكر بن الطيب الباقلانى، وقال: المراد بقوله ﷺ : (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) أنه غفر لهم عقاب الآخرة ولم يرد بذلك أنه غفر لهم عقاب الدنيا. وقد أجمعت الأمة أن كل من ركب من أهل بدر ذنبًا بينه وبين الله فيه حد، أو بينه وبين الخلق من القذف أو الجرح أو القتل فإنه عليه فيه الحد والقصاص. وليس يدل عقاب العاصى فى الدنيا وإقامة الحدود عليه على أنه معاقب فى الآخرة لقوله ﷺ فى ماعز والغامدية: (لقد تابوا توبة لو قسمت على أهل الأرض لوسعتهم) لأن موضع الحدود أنها للردع، والزجر، وحقن الدماء، وحفظ الحريم وصيانة الأموال، وليس فى عقاب النار شىء من ذلك. فبطل قول من قال: إنه كان ينبغى أن يسقط الحد عن مسطح لكونه بدريا مغفورًا له؛ لأن الخبر عن غفران ذنوبهم إنما هو عن غفران عقاب الآخرة دون الدنيا، ولو أسقط الله عقاب الدارين لكان جائزًا، فغفر لحاطب عقوبته فى الدنيا؛ إذ رأى ذلك مصلحة لما غفر له عقاب الآخرة، وقد يجعل الله لنبيه إسقاط بعض الحدود إذا رأى ذلك مصلحة. قال الطبرى: وفى قوله ﷺ : (وما يدريك لعل الله اطلع
стр. 4382
على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) الدلالة البينة على خطأ ما قالته الخوارج والمعتزلة أنه لا يجوز فى عدل الله وحكمته الصفح لأهل الكبائر والمعتزلة من المسلمين عن كبائرهم؛ لأنه لم يكن مستنكرًا عند النبى ﷺ فى عدل الله أن يصفح عن بعض من سبقت له من الطاعة سابقة، وسلفت له من الأعمال الصالحة سالفة عن جميع أعماله السيئة التى تحدث منه بعدها صغائر وكبائر، فيتفضل بالعفو عنها إكرامًا له لما كان سلف منه قبل ذلك من الطاعة. وخاخ: موضع قريب من مكة. وقوله: أهوت إلى حجزتها وهى محتجزة بكساء) . يعنى: ضربت بيدها إلى معقد نطاقها من جسدها، وهو موضع حجزة السراويل من الرجل، وقد مر بعض ما فيه من الغريب فى كتاب الجهاد. وأما قوله ﷺ فى قصة مالك بن الدخشن: (ألا تقولوه يقول: لا إله إلا الله) ، هكذا جاءت والصواب: (ألا تقولونه يقول: لا إله إلا الله) بإثبات النون، والمعنى ألا تظنونه يقول: لا إله إلا الله، وقد جاء القول بمعنى الظن كثيرًا فى لغة العرب بشرط كونه فى المخاطب، وكونه مستقبلا، أنشد سيبويه لعمر بن أبى ربيعة المخزومى: أما الرحيل فدون بعد غد فمتى نقول الدار تجمعنا يعنى: فمتى نظن الدار تجمعنا، ويحتمل أن يكون قوله: (ألا تقولوه) خطابا
стр. 4383
للواحد والجماعة، فإن كان خطابًا للجماعة، فلا يجوز حذف النون؛ إذ لا موجب لحذفها، وإن كان خطابًا للواحد، وهو أظهر فى نسق الحديث، فهو على لغة من يشبع الضمة كما قال الشاعر: من حيث ما سلكوا أذنوا فانظور وإنما أراد انظر فأشبع ضمة الظاء فحدثت عنها واو. قوله فى حديث عمر: (فكدت أساوره) تقول العرب: ساورته من قولهم: سار الرجل يسور سورًا إذا ارتفع. ذكره ابن الأنبارى عن ثعلب، وقد يكون أساوره من البطش؛ لأن السورة البطش. عن صاحب العين. تم بحمد الله الجزء الثامن، ويليه بإذن الله الجزء التاسع وأوله: (كتاب الاستئذان)
стр. 4384
الجزء التاسع
стр. 4385
٦٥ - كتاب الاستئذان
باب بدء السلام
/ ١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِى ﷺ قَالَ: (خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ: اذْهَبْ، فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ - يعنى الْجَنَّةَ - عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ) . قال المهلب: هذا الحديث يدل أن الملائكة فى الملأ الأعلى يتكلمون بلسان العرب، ويحيون بتحية الله، وأن التحية بالسلام هى التى أراد الله أن يتحيا بها. وفيه: الأمر بتعليم العلم من أهله والقصد إليهم فيه، وأنه من أخذ العلم ممن أمره الله بالأخذ عنه فقد بلغ العذر فى العبادة وليس عليه ملامة، لأن آدم أمره الله أن يأخذ عن الملائكة ما يحيونه، وجعلها له تحية باقية، وهو تعالى أعلم من الملائكة، ولم يعلمه إلا لتكون سنه. وقوله: (فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) فهوا فى معنى قولى تعالى: (لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين (ووجه الحكمة فى ذلك أن الله خلق العالم بما فيه دالا
стр. 4386
على خالق حكيم، وجعل فى حركات ما خلق دليلا على فناء هذا العالم وبطلانه خلافًا للدهرية التى تعبد الدهر وتزعم أنه لا يفنى، فأبقى الله هذا النقص دلاله على بطلان قولهم، لأنه إذا جاز النقص فى البعض جاز الفناء فى الكل. وأما قوله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته) فإن العلماء اختلفوا فى رجوع الهاء من (صورته) إلى من ترجع الكناية بها. قال ابن فورك: فذهب طائفة إلى أن الهاء من (صورته) راجعة إلى آدم - عيله السلام - وأفادنا بذلك ﵇ إبطال قول الدهرية أنه لم يكن قط إنسان إلا من نطفة، ولا نطفة إلا من إنسان فيما مضى ويأتى، وليس لذلك أول ولا آخر، فعرفنا ﵇ تكذيبهم، وأن أول البشر هو آدم خلق على صورته التى كان عليها من غير أن كان نطفه قبله أو عن تناسل، ولم يكن قط فى صلب ولا رحم، ولا خلق علقه ولا مضغة، ولا طفلاً، ولا مراهقًا، بل خلق ابتداء بشرًا سويًا كما شوهد. وقد قال آخرون: المعنى فى رجوع الهاء إلى آدم تكذيب القدرية، لما زعمت أن من صور آدم وصفاته ما لم يخلقه الله، وذلك أن القدرية تقول: إن صفات آدم على نوعين منها ما خلقها الله، ومنها ما خلقها صورته وصفاته وأعراضه. وقال آخرون: يحتمل أن يكون رجوع الهاء إلى آدم وجهًا آخر على أصول أهل السنة أن الله خلق السعيد سعيدًا والشقى شقيا،
стр. 4387
فخلق آدم وقد علم يعصيه ويخالف أمره، وسبق العلم بذلك وأنه يعصى ثم يتوب، فيتوب الله عليه تنبيهًا على وجوب جريان قضاء الله على خلقه، وأنه إنما تحدث الأمور وتتغير الأحوال على حسب ما يخلق عليه المرء وييسر له. وذهب طائفة إلى أن الحديث إنما خرج على سبب، وذلك: (أن النبى ﵇ مر برجل يضرب ابنه أو عبده فى وجهه لطخًا ويقول: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك فقال ﵇: إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) فزجره النبى عن ذلك، لأنه قد سب الأنبياء ﵈ والمؤمنين وخص آدم بالذكر، لأنه هو الذى ابتدئت خلقه وجهه على الحد الذى تخلق عليها سائر ولده، فالهاء على هذا الوجه كناية عن المضروب فى وجهه. وذهب طائفة إلى الهاء كناية عن الله تعالى وهذا أضعف الوجوه، لأن حكم الهاء أن ترجع إلى أقرب المذكور، إلا أن تدل دلالة على خلاف ذلك، وعلى هذا التأويل يكون معنى الصورة معنى الصفة كما يقال: عرفنى صورة هذا الأمر أى صفته ولا صورة للأمر على الحقيقة إلا على معنى الصفة، ويكون تقدير التأويل أن الله خلق آدم على صفته أى خلقه حيًا عالمًا سمعيًا بصيرًا متكلمًا مختارًا مريدًا، فعرفنا بذلك إسباغ نعمه عليه وتشريفه بهذه الخصال.
стр. 4388
ونظرنا فى الإضافات إلى الله فوجدناها على وجوه، منها إضافة الفعل، كما يقال: خلق الله، وأرض الله، وسماء الله، وإضافة الملك فيقال: رزق الله، ووعيد الله، وإضافة اختصاص وتنويه بذكر المضاف إليه، كقولهم: الكعبة بيت الله، وكقوله: (ونفخت فيه من روحي (ووجه آخر من الإضافة نحو قولهم: كلام الله، وعلم الله، وقدرة الله، وهى إضافة اختصاص من طريق القيام به، وليس من وجهة الملك والتشريف بل ذلك على معنى إرادته غير متعرية منها قيامًا بها ووجودًا. ثم نظرنا إلى إضافة الصورة إلى الله فلم يصح أن يكون وجه إضافتها إليه على نحو إضافة الصفة إلى الموصوف بها من حيث تقوم به، لاستحالة أن يقوم بذاته تعالى حادث فبقى من وجوه الإضافة الملك والفعل والتشريف، فأما الملك والفعل فوجهه عام وتبطل فائدة التخصيص فبقى إنها إضافة تشريف، وطريق ذلك أن الله هو الذى ابتدأ تصوير آدم إضافة تشريف، وطريق ذلك أن الله هو الذى ابتدأ تصوير آدم على مثال سبق بل اخترعه، ثم اخترع من بعده على مثاله، فتشرفت صورته بالإضافة إليه لا أنه أريد به إثبات صورة لله تعالى على التحقيق هو بها مصور، لأن الصورة هى التألف والهيئة، وذلك لا يصح إلا على الأجسام المؤلفة، والله تعالى عن ذلك.
стр. 4389
- باب قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم (الآية
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِى الْحَسَنِ لِلْحَسَنِ: إِنَّ نِسَاءَ الْعَجَمِ يَكْشِفْنَ صُدُورَهُنَّ وَرُءُوسَهُنّ، َ قَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ [عَنْهُنَّ] . وقَوله اللَّهِ: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) [النور ٣٠] . وَقَالَ قَتَادَة، عَمَّا لا يَحِلُّ لَهُمْ: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) [النور: ٣١] ،) خَائِنَةَ الأعْيُنِ) [غافر ١٤] مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا نُهِىَ عَنْهُ. وَقَالَ الزُّهْرِىُّ، فِى النَّظَرِ إِلَى الَّتِى لَمْ تَحِضْ مِنَ النِّسَاءِ: لا يَصْلُحُ النَّظَرُ إِلَى شَىْءٍ مِنْهُنَّ مِمَّنْ يُشْتَهَى النَّظَرُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً. وَكَرِهَ عَطَاءٌ النَّظَرَ إِلَى الْجَوَارِى الَّتِى يُبَعْنَ بِمَكَّةَ إِلا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ. / ٢ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَرْدَفَ النَّبِىّ ﵇ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ، وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلا وَضِيئًا، فَوَقَفَ الرسول ﵇ لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالْتَفَتَ النَّبِى ﵇ وَالْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ، فَأَخَذَ بِذَقَنِ الْفَضْلِ، فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا. . . الحديث. / ٣ - فيه: أَبُو سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِى ﷺ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ) ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ: (إِذْ أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ) ، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟
стр. 4390
قَالَ: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْى عَنِ الْمُنْكَرِ) . قال المؤلف: قال قتادة وإبراهيم ومجاهد فى قوله تعالى: (وحتى تستأنسوا (قالوا: حتى تستأذنوا وتسلموا. وقال سعيد بن جبير: الاستئناس: الاستئذان، وهو فيما أحسب من خطأ الكاتب، وروى أيوب عنه عن ابن عباس: إنما هو حتى تستأذنوا، سقط من الكاتب. قال إسماعيل بن إسحاق: قوله: (من خطأ الكاتب) هو قول سعيد بن جبير أشبه منه بقوله ابن عباس، لأن هذا مما لا يجوز أن يقوله أحد، إذ كان القرآن محفوظًا قد حفظه الله من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وقد روى عن مجاهد أن الاستئناس: التنجح والتنخم إذا أراد أن يدخل. وروى ابن وهب عن مالك قال: الاستئناس: الجلوس قال تعالى: (ولا مستأنسين لحديث (وقال عمر حين ودخل على النبى فى حديثه المشربة: (أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم فجلس عمر) . قال إسماعيل بن إسحاق: وأحسب معنى الاستئناس، والله أعلم، إنما هو أن يستأنس بأن الذى يدخل عليه لا يكره دخوله، يدل على ذلك قوله عمر للنبى: (أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم فجلست) قال إسماعيل: فدل قوله: (أستأنس) على أنه
стр. 4391
أحب أن يعلم أن النبي لا يكره جلوسه، وهذا مما يضعف ما روى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال المهلب: ومعنى الاستئذان هو خوف أن يفجأ الرجل أهل البيت على عورة فينظر ما لا يحل له، يدل على ذلك قوله ﵇: (إنما جعل الاستئذان للبصر) وغض البصر مأمور به، لقوله تعالى: (قل للمؤمنين من أبصارهم () وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن (ألا ترى صرف النبى وجه الفضل عن المرأة ونهيه ﵇ عن الجلوس على الطرقات إلا أن يغض البصر، وإنما أمر الله بغض الأبصار عما لا يحل لئلا يكون البصر ذريعة إلى الفتنة، فإذا أمنت الفتنة فالنظر مباح، ألا ترى أن النبى حول وجه الفضل حين علم بإدامته النظر إليها أنه أعجبه حسنها فخشى عليه فتنة الشيطان. وفيه: مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن. وفيه: أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا فى كل حال كلزومه لأزواج النبى، ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبى الخثعمية بالاستتار، ولما صرف وجه الفضل عن وجهها، بل كان يأمره بصرف بصره، ويعلمه أن ذلك فرضه، فصرف وجهه ﵇ وقت خوف الفتنة وتركه قبل ذلك الوقت. وهذا الحديث يدل أن ستر المؤمنات وجوههن عن غير ذوى محارمهن سنه، لإجماعهم أن المرأة أن تبدى وجهها فى الصلاة، ويراه منها الغرباء، وأن قوله: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم (على الفرض فى غير الوجه، وأن غض البصر عن
стр. 4392
جميع المحرمات وكل ما يخشى منه الفتنة واجب، وقد قال النبى ﵇: (لا تتبع النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الثانية، وهذا معنى دخول من فى قوله: (من أبصارهم (لأن النظرة الأولى لا تملك فوجب التبعيض لذلك، ولم يقل ذلك فى الفروج، لأنها تملك. وقوله: (فأخلف يده فأخذ بذقن الفضل) قال صاحب الأفعال: يقال: أخلف الرجل بيده إلى سيفه: مدها إليه ليأخذه عند حاجته إليه، وأخلف إلى مؤخر راحلته أو فرسه كذلك.
٣ - باب: السلام اسم من أسماء الله تعالى وقوله تعالى: (وإذا حييتم فحيوا بأحسن منها أو ردوها (
/ ٤ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِى ﷺ قُلْنَا: السَّلامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلامُ عَلَى فُلانٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِى ﷺ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلامُ. . . .) الحديث. قال المؤلف: مصداق هذا الحديث فى قوله الله تعالى: (القدوس السلام المؤمن (والأسماء إنما تؤخذ توقيفًا من الكتاب والسنة، ولا يجوز أن يسمى الله بغير ما سمى به نفسه، ولما كان السلام من أسماء الله لم يجز أن يقال: السلام على الله، وجاز أن يقال: السلام عليكم، لأن معناه الله عليكم.
стр. 4393
والعلماء مجمعون أن بأبتداء بالسلام سنه مرغب فيها، ورده فريضة لقوله تعالى: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها (ومن الدليل أن الابتداء به سنة قوله ﵇ فى المتهاجرين: (وخيرهم الذى يبدأ بالسلام) وذهب مالك والشافعى إلى أنه سلم رجل على جماعة فرد عليه واحد منهم أجزأ عنهم، ودخل فى معنى قوله: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها (لأنه قد رد عليه مثل قوله، وشبهوه بتشميت العاطس، وقالوا: هو من فروض الكفاية كالجهاد، وطلب العلم ودفن الموتى، وصلاة الجماعة، يقوم بها البعض، ولا يحل الاجماع على تضييعها. وروى مالك، عن زيد بن أسلم (أن النبى ﵇ قال إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم) . وروى أبو داود، عن على بن أبى طالب مثله، وقال: يجزىء من الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس إذا رد أحدهم. وذهب الكوفيون إلى أن رد السلام من الفروض المتعينة على كل إنسان بعينه، ولا ينوب فيها فيها غير. قالوا: والإسلام خلاف رد السلام. لأن الابتداء به تطوع، ورده إنسان بعينه، ولا ينوب فيها غيره. قالوا: والسلام خلاف رد السلام. لأن الابتداء به تطوع، ورده فريضة، ولو رد غير المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الرد، فدل أن السلام يلزم كل إنسان بعينه. وأنكر أبو يوسف مرسل مالك، ورد عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا: قد يكون من السنن مايسد مسد الفرائض، كغسل الجمعة.
стр. 4394
يجزىء عن غسل الجنابة - عند جماعة من العلماء - وكغسيل اليدين قبل الوضوء يجزء عن غسيلها مع الذراعين فى الوضوء - فى قول عطاء. وقولهم: لو رد غير المسلم عليم لم يجزىء، فكذلك نقول وإنما يجزى عن غسلها مع الذراعين فى الوضوء - فى قول عطاء. وقولهم: لو رد غير المسلم عليهم لم يجزىء، فكذلك نقول وإنما يجزىء أن يرد واحد ممن سلم عليهم عليهم لقوله تعالى: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها (فإنما أمر الله تعالى بالرد المسلم عليهم لا غيرهم، ألا ترى لو أن العدو حل ببلده، فلم يقاتل أهلها المسلمون، وقاتل عنهم قوم من أهل الكتاب ما سقط الفرض عنهم، فكذلك إذا رد المسلم من لم يسلم عليه، لم يجزىء عن الرادين فحكم السلام حكم الرد، لأن الرد سلام عند العرب. وقد قال ﵇: (يسلم القليل على الكثير) ولما أجمعوا أن الواحد يسلم على الجماعة، ولا يحتاج إلى تكريره على عدد الجماعة، كذلك يرد الواحد من الجماعة على الواحد، وينوب عن الباقين، وانكارهم لمرسل مالك لا وجه له، لأنهم لامسند عندهم فى قولهم ولا مرسل، فالمصير إلى المرسل أولى من المصير إلى رأى يعاض بمثله.
٤ - باب: يسلم القليل على الكثير
/ ٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ) . وترجم له باب تسليم الراكب على الماشى، وقال فيه عن
стр. 4395
الرسول: (يسلم الراكب على الماشى، والماشى على القاعدة، والقليل على الكثير) . قال المهلب: هذه آداب من النبى ﵇ وأما وجه تسليم الصغيرعلى الكبير فمن أجل حق الكبير على الصغير بالتواضع له والتوقير، وتسليم المار على القاعدة هو من باب الداخل على القوم فعليه أن يبدأهم بالسلام، وكذلك فعل آدم بالملائكة حين قيل له: اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس. وتسليم القليل على الكثير من باب التواضع أيضًا، لأن حق الكثير أعظم من حق القليل، وكذلك فعل أيضًا آدم كان وحده والملأ من الملائكة كثير حين أمر بالسلام عليهم. وسلام الراكب على الماشى لئلا يتكبر بركوبه على الماشى فأمر بالتواضع.
٥ - باب: إفشاء السلام
/ ٦ - فيه: الْبَرَاءِ، أَمَرَنَا النَّبِىّ ﷺ بِسَبْعٍ: (بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلامِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ. . .) الحديث. قال الطبرى: إن قال قائل: هذه الخلا التى أمر النبى ﵇ بها من حق المسلم، هل هى من الحقوق التى إن لم يؤدها كان بتركها حرجًا ولربه عاصيًا أم لا؟ . قيل: منها ما يكون بتركها حرجًا، ومنها مايكون غير حرج، ومنها مايكون بتركها حرجًا فى حال وغير حرج فى أخرى.
стр. 4396
فإن قيل: فبين لنا ذلك. قيل: أما الذى يكون بفعلها محمودًا وبتركها حرجًا فى كل حال فنصر الضعيف وعون المظلوم، وذلك أن النبى ﵇ قال: (أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) وقال: إن المؤمنين جميعًا كالجسد الواحد، وعلى المرء أن يسعى لصلاح كل عضو من أعضاء جسده سعيه لبعضها، فكذلك عليهم فى اخوانهم فى الدين وشركائهم فى المله، وإنصارهم على الأعداء من نصرهم وعونهم مثل ماعليهم من ذلك فى أنفسهم لأنفسهم، إذ كان بعضهم عونًا لبعض وجميعهم يد على العدو. ولذلك خاطبهم تعالى فى كتابه فقال) ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (إذ كان القاتل منهم غيره بمنزله القاتل نفسه، ولم يقل لهم لايقتل بعضكم بعضًا، إذ كان المؤمن لأخيه المؤمن بمنزله نفسه فى التعاون على البر والتقوى، يؤلم كل واحد منهما مايؤلم الآخر، ألا ترى أن الله تعالى نهى المؤمنين أن يلمز بعضهم بعضًا، وأن يتنابزوا بالألقاب، فقال تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم (فجعل الامز أخاه لامزًا نفسه، إذ كان أخوه بمنزله نفسه، ومعلوم أنه لا أحد صحيح العقل يلمز نفسه، فعلم أن معناه لا يلمز أحدكم المؤمن. ومما هو فرض فى كل حال إبرار القسم، قال الله تعالى: (واحفظوا أيمانكم (.
стр. 4397
وأما التى هى فرض فى بعض الأحوال دون بعض وفضل فى بعضها فشهود جنازة الأخ المؤمن، فالحال التى هو فيها فرض إذا لم يكن للجنازة قيم غيره، أو يكون ولا يستغنى عن حضوره أياها، فلا يسعه حينئذ ترك حضورها، وذلك أن الذى يلزم من أمر موتى المسلمين للأحياء غسلهم وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم، وذلك فرض على الكفاية، فمن قام بذلك منهم سقط فرضه عن سائرهم. ومن أيضًا تشميت العاطس إذا حمد الله، فإنه فرض على جميع من سمع عطاسه وحمده لله تشميته، حتى إذا شمته بعضهم سقط فرض ذلك عن سائرهم. وأما الذى هو بفعلها محمود وبتركها غير مذموم فالسلام عليه إذا لقيه، فإن المبتدىء أخاه بالسلام له الفضل كما قال ﵇ فى المتهاجرين (وخيرهما الذى يبدأ بالسلام) . ومن ذلك عيادته لأخيه إذا مرض، وإجابته إلى طعام إذا دعاه إليه، فإن تارك ذلك فضل لاتارك فرض، لإجماع الجميع على ذلك، وقد تقدم جملة من معنى هذا الحديث فى كتاب الجنائز، وكتاب المظالم فى باب نصر المظلوم، وفى كتاب النكاح فى باب إجابة دعوة الوليمة، وسيأتى بقيته فى كتاب اللباس.
٦ - باب: السلام للمعرفة وغير المعرفة
/ ٧ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِى ﷺ أَى الإسْلامِ
стр. 4398
خَيْرٌ؟ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ) . / ٨ - وفيه: أَبُو أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِى ﷺ قَالَ: (لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِى يَبْدَأُ بِالسَّلامِ) . هذا أيضا من باب الأدب ولتواضع، وفى السلام لغير المعرفة استفتاح للخلطة، وباب الأنس ليكون المؤمنون كلهم إخوة، ولا يستوحش أحد من أحد، وترك السلام لغير المعرفة يشبه صدود المتصارمين المنهى عنه فينبغى للمؤمن أن يجتنب مثل ذلك. وقد روى ابن مسعود عن النبى ﵇ أنه قال: (من أشراط الساعة السلام للمعرفة) وروى عبد الرزاق عن ابن عمر: (أنه كان يدخل السوق فيما يلقى صغيرًا ولا كبيرًا إلا سلم عليه، ولقد مر بعبد أعمى فجعل يسلم عليه والآخر لايرد عليه، فقيل له: إنه أعمى) وكان السلف من المحافظة على رد السلام كما ذكر معمر قال: (كان الرجلان من أصحاب النبى ﵇ مجتمعين فتفرق بينهما شجرة، ثم يجتمعان فيسلم أحدهما على الآخر) . ومما يدل على تأكيد السلام على أكل أحد أن الله تعالى - قد أمر الداخل بيتًا غير مسكون بالسلام عند دخوله. وروى عن ابن عباس والنخعى وعطاء وعكرمة وقتادة فى قول الله - تعالى: (فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على
стр. 4399
أنفسكم﴾ قالو: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإن الملائكة ترد عليك، وهذا يدل أن الداخل بيتًا مسكونًا أولى بالسلام. وروى ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﵇ قال: (إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها واذكروا اسم الله، فأن أحدكم إذا سلم حين يدخل بيته وذكر اسم الله على طعامه، يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هاهنا ولاعشاء وإذا لم يسلم إذا دخل ولم يذكر اسم الله على طعامه، قال الشيطان لأصحابه: أدركتم المبيت والعشا) .
٧ - باب: آية الحجاب
/ ٩ - فيه: أَنَس، أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ النّبِىّ، ﵇، الْمَدِينَةَ، فَخَدَمْتُ رسول الله ﷺ عَشْرًا حَيَاتَهُ، وَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الْحِجَابِ، فكَانَ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِى عَنْهُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ فِى مُبْتَنَى النّبِىّ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، أَصْبَحَ رسول الله بِهَا عَرُوسًا، فَدَعَا الْقَوْمَ، فَأَصَابُوا مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ خَرَجُوا، وَبَقِى مِنْهُمْ رَهْطٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَطَالُوا الْمُكْثَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فَخَرَجَ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ كَىْ يَخْرُجُوا، فَمَشَى رَسُولُ اللَّهِ ﵇ وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَتَفَرَّقُوا، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَظَنَّ
стр. 4400
أَنهمْ قَدْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَأُنْزِلَ االْحِجَابِ، فَضَرَبَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ سِتْرًا. / ١٠ - وفيه: عَائِشَةَ، كَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنّبِىّ، ﵇: احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكن نساء النَّبِى ﷺ يَخْرُجْنَ لَيْلا إِلَى لَيْلٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَرَآهَا عُمَرُ، وَهُوَ فِى الْمَجْلِسِ، فَقَالَ: عَرَفْتُكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْحِجَابِ. قال الطبرى: فى حديث عائشة فرض الحجاب على أزواج النبى ﵇ لقول عمر للنبى (أحجب نساءك) وقال فى حديث آخر: (يا رسول الله، لو حجبت أمهات المؤمنين فإنه يدخل عليهن البر والفاجر. فنزلت آيه الحجاب) . قال غيره: ويدل على صحة ذلك قول الفقهاء أن إحرام المرأة فى وجهها كفيها، وإجماعاعهم أن لها أن تبرز وجهها للأشهاد عليها، ولايجوز ذلك فى أمهات المؤمنين. وقد اختلف السلف فى تأويل قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر منها (فذهب طائفة إلى أن قوله: (إلا ماظهر منها (: الكحل والخاتم وقيل: الخضاب والسوار والقرط والثياب. وقال أكثر أهل العلم: (إلا ماظهر منها (الوجه والكفان،
стр. 4401
روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأنس، وهو قول مكحول وعطاء والحسن. قال إسماعيل بن إسحاق: قد جاء التفسير ماذكر، والظاهر والله أعلم - يدل على أنه الوجه والكفان، لأن المرأة يجب عليها أن تستر فى الصلاة كل موضع منها إلا وجهها وكفيها، وفى ذلك دليل أن الوجه والكفين يجوز للغرباء أن يروه من المرأة، والله أعلم بما أراد من ذلك. وسيأتى بقية الكلام فى حديث أنس فى باب من قام من مجلسه أو بيته ولم يستأذن اصحابه وتهيأ للقيام ليقوم الناس فى هذا الجزء إن شاء الله. وقوله: (وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب) : أنه يجوز للعالم أن يصف ماعنده من العلم لسائله عنه على وجه التعريف بما عنده منه لا على سبيل الفخر والإعجاب.
٨ - باب: الاستئذان من أجل البصر
/ ١١ - فيه: سَهْلِ، اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِى حُجَرِ النَّبِى ﷺ وَمَعَ النَّبِى ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: (لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ؛ لَطَعَنْتُ بِهِ فِى عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ) . / ١٢ - فيه: أَنَس: أَنَّ رَجُلا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِى ﷺ ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِى ﷺ بِمِشْقَصٍ، أَوْ بِمَشَاقِصَ، فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعُنَهُ.
стр. 4402
قال المؤلف: فى هذا الحديث تبين معنى الاستئذان وأنه إنما جعل خوف النظر إلى عورة المؤمن وما لا يحل منه، وفى الموطأ عن عطاء ابن يسار: (أن رجلاً قال: يا رسول الله، أستأذن على أمى؟ قال نعم. قال: أنى معها فى البيت. قال أستأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا. قال: فأستأذن عليها) . وروى عن على بن أبى طالب أنه قال: لا يدخل الغلام إذا اتحتم على أمه، ولا على اخته إلا بإذن وأصل هذا الكلام فى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم (الآية. قال أبو عبيد: فأما ذكور المماليك فعليهم الاستئذان فى الأحوال كلها. وهذا الحديث مما يرد قول أهل الظاهر، ويكشف غلطهم فى إنكارهم العلل والمعانى، وقولهم أن الحكم للأسماء خاصة، لأنه ﵇ علل الاستئذان أنه إنما جعل من قبل البصر، فدل ذلك على أن النبى ﵇ أوجب اشياء وحظر أشياء من أجل معان علق التحريم بها، ومن أبى هذا رد نص السنن. وقد نطق القرآن بمثل هذا كثيرًا من ذلك قوله تعالى: (وجعلنا فى الأرض رواسى أن تميد بهم (وقال: (وما أفأ الله على رسوله من أهل القرى (إلى قوله: (كى لا يكون دوله بين الأغنياء منكم (وقال: (لئلا يكون للناس على الله حجة
стр. 4403
بعد الرسل (وقال تعالى: (ذلك جزيناهم ببغيهم (فى مواضع كثيرة يكثر عددها، فلا يلتفت إلى من خالف ذلك.
٩ - باب: زنا الجوارح دون الفرج
/ ١٣ - فيه: ابْن عَبَّاس، لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِى ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) . قال المؤلف: وزنا العين: فيما زاد على النظرة الأولى التى لا تملك مما يديم النظر إليه على سبيل الشره والشهوة، وكذلك زنا المنطق: فيما يلتذ به من محادثه من ال يحل له ذلك منه، وزنا النفس: تمنى ذلك وتشتهيه، فذلك كله سمى زنا، لأنه من دواعى زنا الفرج، ودل قوله: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، وأدرك ذلك لا محالة) أن ابن آدم لا يخلص من ذلك. قال المهلب: وكل ما كتبه الله على ابن آدم فهم سابق فى علم الله لابد أن يدركه المكتوب عليه، وإن الإنسان لايملك دفع عن نفسه غير أن الله تعالى تفضل على عباده وجعل ذلك لممًا وصغائر لايطالب بها عباده إذا لم يكن للفرج تصديق لها، فإذا صدقها الفرج كان ذلك من الكبائر، رفقا من الله بعباده، ورحمة لهم، لما جبلهم عليه من ضعف الخلقة، ولو آخذ عباده باللمم أو ما
стр. 4404
دونه من حديث النفس لكان ذلك عدلا منه فى عباده وحكمة، لا يسأل عما يفعل وله الحجة البالغة، لكن قبل منهم اليسير وعفا لهم عن الكثير تفضلاً منه وإحسانًا. وقوله: (لا محالة) يعنى: لا حيلة له فى التخلص من إدراك ما كتب عليه.
باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا
/ ١٤ - فيه: أَنَس، كَانَ النّبِىّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثًا. / ١٥ - وفيه: أبو سعيد الخدرى قال: كنت فى مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: أستأذنت على عمر ثلاثا، فلم يؤذن لى فرجعت، قال: مامنعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا، فلم يؤذن فرجعت، وقال رسول الله: (إذا استأذن أحدكم ثلاثا، فلم يؤذن له فليرجع) ، فقال: والله لتقيمن عليه بينه، أمنكم أحد سمعه من النبى ﵇؟ قال أُبى بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد: فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن رسول الله ﷺ قال ذلك. قال المهلب: أما تسليمه صلى الله عليه ثلاثا وكلامه ثلاثا فهو ليبالغ فى الافهام والاسماع، وقد أورد الله ذلك فى القرآن فكرر القصص والاخبار والأوامر ليفهم عباده، وليتدبر السامع فى المرة الثانية والثالثة مالم يتدبر فى الأولى، وليرسخ ذلك فى قلوبهم. والحفظ إنما هو تكرر الدراسة للشىء المرة الواحدة، وقول أنس: أنه كان إذا تكلم
стр. 4405
بكلمة أعادها ثلاثًا. يريد فى أكثر أمره، وأخرج الحديث مخرج العموم، والمراد به الخصوص. قال غيره: واختلف العلماء فى تأويل قوله: (الاستئذان ثلاثًا) فقالت طائفة: معنى قوله: فإن أذن له وإلا فليرجع ان شاء، فإن شاء زاد على الثلاث لا أنه واجب عليه أن يرجع. قال ابن نافع: لا بأس أن عرفت أحدًا أن تدعوه أن يخرج اليك وتنادى به مابدا لك. وروى ابن وهب عن مالك قال: الاستئذان ثلاثا، لاحب لأحد أن يزيد عليها إلا من علم أنه لم يسمع، فلا بأس أن يزيد. وظاهر حديث أبى موسى يرد هذا القول، لأن أبا موسى حمل الحديث على أنه لايزاد على ثلاث مرات، ودل أنه على ذلك تلقى معناه من النبى ﵇ ولو كان عند أبى موسى أنه يجوز الزيادة على الثلاث فى الاستئذان لم يكن مخالفًا لمذهب عمر ابن الخطاب، ولم يحتج أبو موسى أن ينزع بقوله عليه الساسلام: (الاستئذان ثلاثًا) حين أنكر عليه عمر ترك الزيادة الزيادة على الثلاث. وقد زعم قوم من أهل البدع أن مذهب عمر رد قبول خبر الواحد العدل، وهذا خطأ فى التأويل وجهل بمذهب عمر وغيره من السلف. وقد جاء فى بعض طرق هذا الحديث أن عمر قال لأبى موسى: (أما انى لم أتهمك، ولكنى أردت ألا يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله) .
стр. 4406
ففيه من الفقه التثبيت فى خبر لما يجوز عليه من السهو وغيره، وحكم عمر بخبر الواحد أشهر من أن يخفى، وقد قبل خبر الضحاك ابن سفيان وحده فى ميراث المرأة من ديه زوجها، وقبل خبر حمل بن مالك الهذلى الاعرابى فى أن ديه الجنين غره عبد أو أمه، وقبل خبر عبد الرحمن بن عوف فى الجزية وفى الطاعون، ولا يشك ذو لب أن أبا موسى أشهر فى العدالة من الاعرابى الهذلى. وقد قال فى حديث السقيفة: إنى قائل مقالة فمن حفظها ووعاها فليتحدث بها، فكيف يأمر من سمع قوله أن يحدث به، وينهى عن الحديث عن رسول الله ولا يقبل خبر الواحد؟ هذا لايقوله إلا معاندًا وجاهل. وفيه: أن العالم المستبحر قد يخفى عليه من العلم مايعلمه من هو دونه، وإلاحاطة لله وحده.
- باب: إذا دعى الرجل فجاء هل يستأذن
وقَالَ سَعِيدٌ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِى ﷺ قَالَ: (هُوَ إِذْنُهُ) . / ١٦ - وفيه: مُجَاهِدٌ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، دَخَلْتُ مَعَ النّبِىّ ﷺ فَوَجَدَ لَبَنًا فِى قَدَحٍ، فَقَالَ: (أَبَا هِرٍّ، الْحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ، فَادْعُهُمْ إِلَىَّ) قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا، فَأُذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا. قال المهلب: إذا دعى وأتى مجيبا للدعوة، ولم تتراخ
стр. 4407
المدة فهذا دعاؤه إذنه فأتى فى غير حين الدعاء فأنه يستأذن وكذلك إذا دعى إلى موضع لم يعلم أن به أحدًا مأذونًا له فى الدخول أنه لايدخل حتى يستأذن، فإن كان فيه أحد مأذونا له مدعوًا قبله فلا بأس أن يدخل بالدعوة، وان تراخت الدعوة وكان بين ذلك زمن يمكن الداعى أن يخلو فى أمره أو يتعدى لبعض شأنه، أو يتصرف أهل داره فلا يفتئت بالدعوة على الدخول حتى يستأذن كحديث مجاهد عن أبى هريرة، هذا وجه تأويل الحديثين، والله أعلم.
- باب: التسليم على الصبيان
/ ١٧ - فيه: أَنَس، أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: كَانَ النَّبِى ﷺ يَفْعَلُهُ. قال المؤلف: سلام النبى ﷺ على الصبيان من خلفه العظيم، وأدبه الشريف وتواضعه ﵇، وفيه تدريب لهم على تعليم السنن، ورياضة لهم على آدابه الشريعة ليبلغوا حد التكليف وهم متأدبون بأدب الإسلام، وقد كان ﵇ يمازح الصبيان ويداعبهم ليقتدى به فى ذلك، فما فعل شيئًا وان صغير إلا ليسن لأمته الاقتداء به، والاقتداء لأثره، وفى ممازحته للصبيان تذليل النفس على التواضع ونفى التكبر عنها.
стр. 4408
- باب: تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال
/ ١٨ - فيه: سَهْلٍ، قَالَ: كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، [قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ] : كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ - قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: نَخْلٍ بِالْمَدِينَةِ - فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ، فَتَطْرَحُهُ فِى قِدْرٍ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا، نُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَدِّمُهُ لْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ، وَمَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلا نَتَغَدَّى إِلا بَعْدَ الْجُمُعَةِ. / ١٩ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَ النّبِىّ ﷺ : (يَا عَائِشَةُ، هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلامَ) ، قَالَتْ: قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، تَرَى مَا لا نَرَى، تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . تَابَعَهُ معمر، وَقَالَ يُونُسُ، وَالنُّعْمَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ: (وَبَرَكَاتُهُ) . قال المهلب: السلام على النساء جائز إلا على الشابات منهم فإنه يخشى أن يكون فى مكالمتهن بذلك خائنة أعين أو نزعه شيطان، وفى ردهن من الفتنة مما خيف من ذلك أن يكون ذريعة يوقف عنه، إذ ليس ابتداؤه فريضة، وإنما الفريضة منه الرد، وأما المتجالات والعجائز فهو حسن، إذ ليس فيه خوف ذريعة، هذا قول قتادة، واليه ذهب مالك وطائفة من العلماء. وقال الكوفيون: لا يسلم الرجال على النساء إذا لم يكن منهن ذوات محارم. وقالوا: لما سقط عن النساء الأذان والاقامة والجهر بالقراءة فى الصلاة سقط عنهن رد السلام، فلا يسلم عليهن. وقال ابن وهب: بلغنى عن ربيعة أنه قال: ليس على النساء التسليم على الرجال، ولا على الرجال التسليم على النساء، وحجة
стр. 4409
مالك ومن وافقه حديث سهل أنهم كانوا يسلمون على العجوز يوم الجمعة مع النبى ﵇ ولم تكن ذات محرم منهم، وأيضًا حديث عائشة أن النبى بلغها سلام جبريل، وفى ذلك أعظم الأسوة والحجة. وقال صاحب الأفعال: الكركرة: تصريف الرياح السحاب إذا جمعته بعد تفرق، وتكركر السحاب إذا تراد فى الهواء.
- باب: إذا قال من ذا فقال أنا
/ ٢٠ - فيه: جَابِرَ، أَتَيْتُ النَّبِى ﷺ فِى دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِى، فَدَفَعْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: (مَنْ ذَا) ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: (أَنَا، أَنَا) ، كَأَنَّهُ كَرِهَهَا. قال المهلب: إنما كره ﵇ قول جابر: لأنه ليس فى ذلك بيان إلا عند من يعرف الصوت، وأما عند من يمكن أن يشتبه عليه فهو من التعنيت، فلذلك كرهه، وقد قال بعض الناس: ينبغى أن يكون لفظ الاستئذان بالسلام، وزعم أن النبى إنما كره قول جابر: لأنه لم يستأذن عليه بلفظ السلام. وفيه: جواز ضرب باب الحاكم واخراجه من داره لبعض مايعزى إليه ويبين هذا قصهة كعب بن مالك، وابن أبى حدرد، وليس كما قال بعض الناس أنه لا يعرض للحكم إلا عند جلوسه.
стр. 4410
- باب: من رد فقال عليك السلام
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَقَالَ النَّبِى ﷺ : (رَدَّ الْمَلائِكَةُ عَلَى آدَمَ: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) . / ٢١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النّبِىّ ﷺ : (وَعَلَيْكَ السَّلامُ، ارْجِعْ فَصَلِّ. . .) الحديث. اختلفت الأثار فى هذا الباب فروى أن النبى ﵇ قال فى رد السلام: عليك السلام، وقال فى رد اللائكة على آدم: السلام عليك، وفى كتاب الله تعالى تقديم السلام على اسم المسلم عليه، وهو قوله تعالى: (سلام على إل ياسين (و) سلام على موسى وهارون (وقال فى قصة إبراهيم: (رحمة الله وبركاتة عليكم أهل البيت (وقد جاء حديث رواه أبو عفان عن أبى تميمة الهجيمى، عن أبى دريد - أو أبى جرى -: (أن رجلا قال للنبى ﷺ : عليك السلام يا رسول الله. فقال له: لاتقل عليك السلام فهى تحية الموتى، قل: السلام عليك) وهذا الحديث لايثبت، وقد صح الوجهان عن النبى ﵇ إلا أنه جرت عادة العرب بتقديم اسم المدعو عليه فى الشر خاصة كقولهم: عليه لعنة الله وغضب الله، قال تعالى: (وأن عليك لعنتى إلى يوم الدين (وقال فى المتلاعنين) والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين (وفى لعان المرأة: (والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (
стр. 4411
وروى يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمه، عن أبى هريرة أن رسول الله قال: (السلام من أسماء الله، فأفشوه بينكم) فإذا صح هذا الحدديث، فالاختيار فى التسليم والأدب فيه تقديم اسم الله تعالى على اسم المخلوق. فإن فعل فاعل غير ذلك وقدم اسم المسم عليه على اسم الله تعالى فلم يأت محرمًا، ولا حرج عليه لثبوت ذلك عن النبى ﵇. وأما قوله ﵇: (عليك السلام تحية الموتى) فقد ثبت عن النبى أنه قال فى سلامه على القبور: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وحياهم بتحية الأحياء) ، وقال ابن أبى زيد: يقول السلام عليكم، فيقول الراد: وعليكم السلام، أو يقول: سلام عليكم كما قيل له، وهو معنى قوله تعالى: (أو ردوها (وأكثر ما ينتهى السلام إلى البركة، وهو معنى قوله تعالى: (فحيوا بأحسن منها (ولا تقل فى ردك: سلام عليك.
- باب: إذا قال فلان يقرئك السلام
/ ٢٢ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِى ﷺ قَالَ لَهَا: (إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِئُكِ السَّلامَ) ، قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. هذا حجة فى أن من بلغ إليه سلام غائب عنه أن يرد ﵇ كما يرد على الحاضر، وروى أيوب، عن أبى قلابة: (أن رجلاً أتى سلمات الفارسى فقال له: إن أبا الدرداء يقول: عليك السلام.
стр. 4412
قال: متى؟ قال: منذ ثلاث، قال: أما أنك لو لم تؤدها كانت أمانة عندك) .
- باب: التسليم فى مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين
/ ٢٣ - فيه: أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِى ﷺ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ، وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، حَتَّى مَرَّ فِى مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِيهِمْ عَبْدُاللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ بْنُ سَلُولَ، وَفِى الْمَجْلِسِ عَبْدُاللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ أُبَى أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِى ﷺ ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. . . الحديث. قال الطبرى: فى هذا الحديث الابانة أنه لاحرج على المرء فى جلوسه مع قوم فيهم منافق أو كافر، وفى تسليمه عليهم إذا انتهى اليهم بالجلوس، وذلك أن النبى سلم على القوم الذين فيهم عبد الله بن أبى، ولم يمتنع من ذلك لمكان عبد الله مع نفاقه وعدواته للإسلام وأهله، إذ كان فيهم من أهل الإيمان جماعة. وقد روى عن الحسن البصرى أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم. وذلك خلاف ما يقول بعض الناس أن التسليم غير جائز على من كان عن سبيل الحق منحرفًا، إما لبدعه أو ضلاله من الأهواء الرديئة، أو لملة من ملل الكفار دان بها، وتكليمه
стр. 4413
غير سائغ وذلك أنه لا ضلالة أشنع ولابدعة أخبث ولا كفر ارجس من النفاق، ولم يكن فى نفاق عبد الله بن أبى يوم هذه القصة شك. وإن قيل: إن رسول الله إنما سلم عليه يومئذ ونزل إليه ليدعوه إلى الله وذلك فرض عليه. قيل: لم يكن نزوله ﵇ ليدعوه، لأنه قد كان تقدم الدعاء منه لعبد الله بن الله بن أبى ولجماعة المنافقين فى أول الإسلام، فكيف يدعى إلى ما يظهره؟ وإنما نزل ﵇ هناك استئلافا لهم ورفقا بهم، رجاء فى رجوعهم إلى الحق. قال المهلب: وقد كان ﵇ يستألف بالمال، فضلا عن التحية والكلمة الطيبة، ومن استئلافة أنه كناه عند سعد بن عبادة، فقال له سعد: اعف عنه واصفح. أيلا تناصبه العداوة، كل هذا رجاء أن يراجع الإسلام، وقد أجاز ما لك تكنية اليهودى والنصرانى. قال الطبرى: وقد روى عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب، روى جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنت ردفًا لابن مسعود فصحبنا دهقان من القنطرة إلى زرارة، فانشقت له طريق فأخذ فيه، فقال عبد الله: أين الرجل؟ فقلت: أخذ فى طريقه، فأتبعه بصره، وقال: السلام عليكم. فقلت ياأبا عبد الرحمن: أليس يكره أن يبدءوا بالسلام؟ قال: نعم، ولكن حق الصحبة. وقال إبراهيم: إذا كانت لك إلى يهودى حاجة فابدأه بالسلام. وكان أبو أمامه إذا أنصرف إلى بيته لايمر بمسلم ولا نصرانى
стр. 4414
ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه، فقيل له فى ذلك، فقال: أمرنا أن نفشى السلام. وقال كريب: كتب ابن عباس إلى يهودى جربا فسلم عليه، فقال له كريب: سلمت عليه فقال: ان الله هو السلام. وكان ابن محيريز يمر على السامرة فيسلم عليهم. وقال قتادة: إذا دخلت بيوت أهل الكتاب فقل: السلام على من أتبه الهدى. وسئل الأوزاعى عن مسلم مربكافر فسلم عليه، فقال إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون. فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما رواه شعبة وسفيان عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (لاتبدءوا النصارى واليهود بالسلام، وإذا لقيتموهم فى الطريق فضطروهم إلى أضيقة) ؟ قيل: كل الخبرين صحيح، وليس فى أحدهما خلاف للآخر وإنما فى حديث أسامة معنى خبر أبى هريرة، وذلك أن خبر أبى هريرة مخرجة العموم، وخبر أسامة مبين أن معناه الخصوص، وذلك أن فيه أن النبى ﵇ لما رأى عبد الله بن أبى جالسًا وحوله رجال من قومه تذمم أن يجاوزه، فنزل فسلم فجلس، فكان نزوله إليه قضاء ذمام. وهو نظير ما ذكر علقمة عن عبد الله فى تسليمه على الدهقان الذى صحبه فى طريق الكوفة فقال: أنه صحبنا وللصحبة حق، وكما قال النخعى: إذا كانت لك إلى يهودى حاجة أو نصرانى فابدأه
стр. 4415
بالسلام. فبان بخبر أسامة أن قوله ﵇ فى خبر أبى هريرة: (لاتبدءوهم بالسلام) إنما هو لا تبدءهم لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدءهم: من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة فى جواز أو سفر. قال المهلب: وفيه عيادة المريض على بعد والركوب إليه. وفيه: ركوب الحمر لأشراف الناس والارتداف. وقوله: خمر عبد الله أنفه يعنى غطاه، وكل مغطى عند العرب فهو مخمر، ومنه قوله ﵇ للرجل فى إناء: (ألا خمرته ولو بعود تعرضه عليه) . والبحرة: القرية، وكل قرية لها نهر ماء جار أو نافع، فإن العرب تسميها بحرًا. وقد قيل فى قوله تعالى: (ظهر الفساد فى البر والبحر (أنه عنى بالبحر الأمصار التى فيها أنهار ماء، والعرب تقول: هذه بحرتنا، أى: بلدتنا، وقال ابن ميادة: كان بقاياه ببحر ملك نقيه سحق من رداء مخبر وقوله: يعصبوه أى: يسودوه، والسيد المطاع يقال له: المعصب، لأنه يعصب الأمر براسه. والتاج عندهم للملك، والعصابة للسيد المطاع. وقوله: شرق بذلك، أى غص به، يقال: غص الرجل بالطعام وشرق بالماء وسجى بالعظم.
следующие страницы →