Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
وروى يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمه، عن أبى هريرة أن رسول الله قال: (السلام من أسماء الله، فأفشوه بينكم) فإذا صح هذا الحدديث، فالاختيار فى التسليم والأدب فيه تقديم اسم الله تعالى على اسم المخلوق. فإن فعل فاعل غير ذلك وقدم اسم المسم عليه على اسم الله تعالى فلم يأت محرمًا، ولا حرج عليه لثبوت ذلك عن النبى ﵇. وأما قوله ﵇: (عليك السلام تحية الموتى) فقد ثبت عن النبى أنه قال فى سلامه على القبور: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وحياهم بتحية الأحياء) ، وقال ابن أبى زيد: يقول السلام عليكم، فيقول الراد: وعليكم السلام، أو يقول: سلام عليكم كما قيل له، وهو معنى قوله تعالى: (أو ردوها (وأكثر ما ينتهى السلام إلى البركة، وهو معنى قوله تعالى: (فحيوا بأحسن منها (ولا تقل فى ردك: سلام عليك.
- باب: إذا قال فلان يقرئك السلام
/ ٢٢ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِى ﷺ قَالَ لَهَا: (إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِئُكِ السَّلامَ) ، قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. هذا حجة فى أن من بلغ إليه سلام غائب عنه أن يرد ﵇ كما يرد على الحاضر، وروى أيوب، عن أبى قلابة: (أن رجلاً أتى سلمات الفارسى فقال له: إن أبا الدرداء يقول: عليك السلام.
стр. 4412
قال: متى؟ قال: منذ ثلاث، قال: أما أنك لو لم تؤدها كانت أمانة عندك) .
- باب: التسليم فى مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين
/ ٢٣ - فيه: أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِى ﷺ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ، وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، حَتَّى مَرَّ فِى مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِيهِمْ عَبْدُاللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ بْنُ سَلُولَ، وَفِى الْمَجْلِسِ عَبْدُاللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ أُبَى أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِى ﷺ ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. . . الحديث. قال الطبرى: فى هذا الحديث الابانة أنه لاحرج على المرء فى جلوسه مع قوم فيهم منافق أو كافر، وفى تسليمه عليهم إذا انتهى اليهم بالجلوس، وذلك أن النبى سلم على القوم الذين فيهم عبد الله بن أبى، ولم يمتنع من ذلك لمكان عبد الله مع نفاقه وعدواته للإسلام وأهله، إذ كان فيهم من أهل الإيمان جماعة. وقد روى عن الحسن البصرى أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم. وذلك خلاف ما يقول بعض الناس أن التسليم غير جائز على من كان عن سبيل الحق منحرفًا، إما لبدعه أو ضلاله من الأهواء الرديئة، أو لملة من ملل الكفار دان بها، وتكليمه
стр. 4413
غير سائغ وذلك أنه لا ضلالة أشنع ولابدعة أخبث ولا كفر ارجس من النفاق، ولم يكن فى نفاق عبد الله بن أبى يوم هذه القصة شك. وإن قيل: إن رسول الله إنما سلم عليه يومئذ ونزل إليه ليدعوه إلى الله وذلك فرض عليه. قيل: لم يكن نزوله ﵇ ليدعوه، لأنه قد كان تقدم الدعاء منه لعبد الله بن الله بن أبى ولجماعة المنافقين فى أول الإسلام، فكيف يدعى إلى ما يظهره؟ وإنما نزل ﵇ هناك استئلافا لهم ورفقا بهم، رجاء فى رجوعهم إلى الحق. قال المهلب: وقد كان ﵇ يستألف بالمال، فضلا عن التحية والكلمة الطيبة، ومن استئلافة أنه كناه عند سعد بن عبادة، فقال له سعد: اعف عنه واصفح. أيلا تناصبه العداوة، كل هذا رجاء أن يراجع الإسلام، وقد أجاز ما لك تكنية اليهودى والنصرانى. قال الطبرى: وقد روى عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب، روى جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنت ردفًا لابن مسعود فصحبنا دهقان من القنطرة إلى زرارة، فانشقت له طريق فأخذ فيه، فقال عبد الله: أين الرجل؟ فقلت: أخذ فى طريقه، فأتبعه بصره، وقال: السلام عليكم. فقلت ياأبا عبد الرحمن: أليس يكره أن يبدءوا بالسلام؟ قال: نعم، ولكن حق الصحبة. وقال إبراهيم: إذا كانت لك إلى يهودى حاجة فابدأه بالسلام. وكان أبو أمامه إذا أنصرف إلى بيته لايمر بمسلم ولا نصرانى
стр. 4414
ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه، فقيل له فى ذلك، فقال: أمرنا أن نفشى السلام. وقال كريب: كتب ابن عباس إلى يهودى جربا فسلم عليه، فقال له كريب: سلمت عليه فقال: ان الله هو السلام. وكان ابن محيريز يمر على السامرة فيسلم عليهم. وقال قتادة: إذا دخلت بيوت أهل الكتاب فقل: السلام على من أتبه الهدى. وسئل الأوزاعى عن مسلم مربكافر فسلم عليه، فقال إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون. فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما رواه شعبة وسفيان عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (لاتبدءوا النصارى واليهود بالسلام، وإذا لقيتموهم فى الطريق فضطروهم إلى أضيقة) ؟ قيل: كل الخبرين صحيح، وليس فى أحدهما خلاف للآخر وإنما فى حديث أسامة معنى خبر أبى هريرة، وذلك أن خبر أبى هريرة مخرجة العموم، وخبر أسامة مبين أن معناه الخصوص، وذلك أن فيه أن النبى ﵇ لما رأى عبد الله بن أبى جالسًا وحوله رجال من قومه تذمم أن يجاوزه، فنزل فسلم فجلس، فكان نزوله إليه قضاء ذمام. وهو نظير ما ذكر علقمة عن عبد الله فى تسليمه على الدهقان الذى صحبه فى طريق الكوفة فقال: أنه صحبنا وللصحبة حق، وكما قال النخعى: إذا كانت لك إلى يهودى حاجة أو نصرانى فابدأه
стр. 4415
بالسلام. فبان بخبر أسامة أن قوله ﵇ فى خبر أبى هريرة: (لاتبدءوهم بالسلام) إنما هو لا تبدءهم لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدءهم: من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة فى جواز أو سفر. قال المهلب: وفيه عيادة المريض على بعد والركوب إليه. وفيه: ركوب الحمر لأشراف الناس والارتداف. وقوله: خمر عبد الله أنفه يعنى غطاه، وكل مغطى عند العرب فهو مخمر، ومنه قوله ﵇ للرجل فى إناء: (ألا خمرته ولو بعود تعرضه عليه) . والبحرة: القرية، وكل قرية لها نهر ماء جار أو نافع، فإن العرب تسميها بحرًا. وقد قيل فى قوله تعالى: (ظهر الفساد فى البر والبحر (أنه عنى بالبحر الأمصار التى فيها أنهار ماء، والعرب تقول: هذه بحرتنا، أى: بلدتنا، وقال ابن ميادة: كان بقاياه ببحر ملك نقيه سحق من رداء مخبر وقوله: يعصبوه أى: يسودوه، والسيد المطاع يقال له: المعصب، لأنه يعصب الأمر براسه. والتاج عندهم للملك، والعصابة للسيد المطاع. وقوله: شرق بذلك، أى غص به، يقال: غص الرجل بالطعام وشرق بالماء وسجى بالعظم.
стр. 4416
- باب: من لم يسلم على من اقترف ذنبًا ولم يرد سلامة حتى تتبين) توبته وإلى متى تتبين) توبة العاصى وَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لا تُسَلِّمُوا عَلَى شَرَبَةِ الْخَمْرِ.
/ ٢٤ - فيه: كَعْبَ، حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ غزوة تَبُوكَ، وَنَهَى النّبِىّ ﷺ عَنْ كَلامِنَا، وَآتِى النّبِىّ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَأَقُولُ فِى نَفْسِى: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ أَمْ لا؟ حَتَّى كَمَلَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةً، وَآذَنَ النَّبِى ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ. قال المهلب: ترك السلام على أهل المعاصى بمعنى التأديب لهم سنة ماضية بحديث كعب بن مالك وأصحابه: الثلاثة الذين خلفوا، وبذلك قال كثير من أهل العلم فى أهل البدع: لا يسلم عليهم، أدبا لهم. وقد روى عن على بن أبى طالب أنه قال: لاتسلموا على مدمن الخمر ولا على الملتهى بأبويه. ذكره الطبرى. وكذلك كان فى قطع الكلام عن كعب بن مالك وصاحبه حين تخلفوا عن رسول الله، وإظهار الموجدة عليهم أبلغ فى الأدب لهم، والإعراب أدب بالغ، ألا ترى قوله تعالى: (واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجرهن فى المضاجع (. وقوله: وإلى متى تتبين توبة العاصى ليس فى ذلك حد محدودة، ولكن معناه أنه لاتتبين توبته من ساعته ولا ساعته ولايومه حتى يمر عليه ما يدل على ذلك.
стр. 4417
روى ابن وهب بإسناد أن يزيد بن أبى حبيب قال: لو مررت على قوم يلعبون بالشطرنج ما سلمت عليهم. وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النرد لم يسلم عليهم. ورخص مالك فى السلام على من لم يدمن اللعب بها، وإنما يلعب به المرة بعد المرة.
- باب: كيف رد السلام على أهل الذمة
/ ٢٥ - فيه: عَائِشَةَ، دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النّبِىّ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ ﵇: (مَهْلا يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِى الأمْرِ كُلِّهِ) ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ النّبِىّ ﷺ : (فَقَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ) . / ٢٦ - وفيه: ابْنِ عُمَر، وَأنس، أَنَّ النّبِىّ ﷺ قَالَ: (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ - قَالَ ابن عُمر: الْيَهُودُ، وقَالَ أنس: أهل الكتاب - فقالوا: وَعَلَيْكَ) . لابن عمر ولأنس: وعليكم. السام: فسره أبو عبيد قال: هو الموت. قال الخطابى: وتأوله قتادة على خلاف ذلك، وروى عبد الوارث، عن سعيد بن أبى عروبة قال: كان قتادة يفسر السام عليكم: تسأمون دينكم، وهو مصدر من سئمته سآمه وسآمه مثل: رضعة رضاعة ورضاعًا ولذذته لذاذة.
стр. 4418
ووجدت هذا الذى فسره قتادة روى عن النبى ﵇ ذكر بقى بن مخلد فى التفسير عن سعيد، عن قتادة، عن أنس (أن النبى ﵇ بينا هو جالس مع أصحابه، إذ أتى يهودى فسلم عليهم فردوا عليه، فقال ﵇: هل تدرون ما قال؟ قالوا: سلم يا رسول الله. قال: سام عليكم، أى تسأمون دينكم) . قال أبو سليمان: ورواية (عليكم) بغير وار أحسن من رواية الواو، لأن معناه بغير واو: رددت ما قلتموه عليكم، وإذا أدخلت الواو صار المعنى على وعليكم، لأن الواو حرف التشريك. واختلف العلماء فى رد السلام على أهل الذمة فقالت طائفة: رد السلام فريضة على المؤمنين والكفار، قالوا: وهذا تأويل قوله السلام فريضة على المؤمنين والكفار، قالوا: وهذا تأويل قوله تعالى: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها (قال ابن عباس وقتادة وغيره: هى عامة فى رد السلام على المؤمنين والكفار. قال وقوله تعالى: (أو ردوها (يقول: وعليكم للكفار. قال ابن عباس: ومن سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، ولو كان مجوسيا. وروى ابن وهب، عن مالك: لاترد على اليهودى والنصرانى، فإن رددت فقل: عليك. وروى ابن عبد الحكم، عن مالك أنه يجوز تكنية اليهودى والنصرانى وعيادته، وهذا أكثر من رد السلام. وروى يحى عن مالك أنه سئل عمن سلم على يهودى أو نصرانى هل يستقليه ذلك؟ قال: لا.
стр. 4419
وقال ابن وهب: سلم على اليهودى والنصرانى، وتلا قوله تعالى: (وقولوا للناس حسنا (. وقالت طائفة: لا يرد السلام على أهل الذمة، وقوله تعالى: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها (فى أهل الإسلام خاصة. عن عطاء. ورد ﵇ على اليهود: (وعليكم) حجة لمن رأى الرد على أهل الذمة، فسقط قول عطاء. قال المهلب: وفى الحديث من الفقه جواز انخداع الرجل الشريف لمكايد أو عاص، ومقارضته من حيث لايشعر إذا رجا رجوعه وتوبته. وفيه: الانتصار للسلطاء، ووجوب ذلك على حاشيته وحشمه.؟
- باب: من نظر فى كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره
/ ٢٧ - فيه: عَلِىّ، بَعَثَنِى النّبِىّ، ﵇، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَأَبَا مَرْثَدٍ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، إلى رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ ابْنِ أَبِى بَلْتَعَةَ، فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهَا، فقُلْنَا لها: أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِى مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِى كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا، فَابْتَغَيْنَا فِى رَحْلِهَا، فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا، فقَالَ صَاحِبَاىَ: مَا نَرَى كِتَابًا، فقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا كَذَبَ النّبِىّ ﷺ ، وَالَّذِى يُحْلَفُ بِهِ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لأجَرِّدَنَّكِ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَتِ االْجِدَّ مِنِّى، أَهْوَتْ بِيَدِهَا إِلَى حُجْزَتِهَا - وَهِىَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ - فَأَخْرَجَتِ الْكِتَابَ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى النّبِىّ ﷺ ، فَقَالَ: (مَا حَمَلَكَ يَا حَاطِبُ عَلَى مَا صَنَعْتَ) ؟ قَالَ: مَا بِى إِلا أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا
стр. 4420
غَيَّرْتُ، وَلا بَدَّلْتُ، أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِى عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِى وَمَالِى، وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ هُنَاكَ إِلا وَلَهُ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، قَالَ: (صَدَقَ، فَلا تَقُولُوا لَهُ إِلا خَيْرًا) . . . الحديث. . . فَقَالَ: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ) ، قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال المهلب: فيه: هتك ستر المذنب وكشف المأة العاصية وأن الحديث الذى روى أنه لا يجوز النظر فى كتاب أحد، وأن ذلك حرام وماجاء من التغليظ فيه، فإن ذلك لمن يظن به كتابه إلا الخير، فإن كان متهمًا على المسلمين فلا حرمه لكتابه ولا له. ألا ترى أن المرأة لا يجوز النظر إليها عريانة لغير ذى محرم منها لأنها عورة، وقد أراد على تجريدها لو لم تخرج الكتاب وأقسم أن لم تخرجه ليجردها، فحرمه المرأة أكثر من حرمة الكتاب، وقد سقطت عند خيانتها فكذلك حرمة الكتاب. وفيه: دليل أنه لابأس بالنظر إلى عورة المرأة عند الأمر ينزل فلا يجد من النظر إليها بدا، ويشهد لصحة ذلك ما رواه مالك، عن سهيل ابن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة: (أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيت ان وجدت مع أمرأتى رجلا أمهله حتى أتى بأربعة شهداء فقال رسول الله: نعم) . قال الطبرى: ولو كان الشهداء الأربعة إذا حضروا لم يجز لهم النظر إلى فروجهما، لم يكن حضورهم وغيبتهم إلا سواء، لأن الشهادة على الزنا لاتصح إلا أن يشهد الشهود أنهم رأوا ذلك منهما كالميل فى المكحلة.
стр. 4421
وقد تقدم بعض معانى هذه الحديث فى باب الجاسوس فى كتاب الجهاد وفى باب المتأولين فى آخر الديات، فأغنى عن إعادته.
- باب: كيف يكتب إلى أهل الكتاب
/ ٢٨ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ - وَكَانُوا تِجَارًا. . . الحديث، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُرِئَ، فَإِذَا فِيهِ: (بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، السَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ) . يكتب إلى أهل الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، ويقدم الكاتب اسمه فى كتابه كما يفعل إذا كتب إلى مسلم، وفى هذا الحديث حجة لمن أجاز أن يبدأ أهل الكتاب بالسلام عند الحاجة تكون اليهم لأن النبى إنما كتب إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام.
- باب: فيمن يبدأ فى الكتاب
/ ٢٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىّ ﷺ (أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، أَخَذَ نَقَرَ خَشَبَةً، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: مِنْ فُلانٍ إِلَى فُلانٍ) . قال المهلب: السنة أن يبدأ صاحب الكتاب بذكر نفسه فكذلك هى فى جميع الأشياء، ألا ترى أنه قد جاء فى الحديث: صاحب الدابة أولى لمقدمها) .
стр. 4422
وروى معمر، عن أيوب قال: (قرأت كتابًا: من العلاء بن الحضرمى إلى محمد رسول الله) . وقال الشعبى: (كتب أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل: من أبى عبيدة ومعاذ لعبد الله عمر أمير المؤمنين) وقال نافع: كان عمال عمر إذا كتبوا إليه بدءوا بأنفسهم. وقال معمر، عن أيوب، عن نافع: كان ابن عمر أمر غلمانه إذا كتبوا إليه أن يبدءوا بأنفسهم، وإلا لم يرد اليهم جوابًا. وأجاز قوم أن يبدأ باسم غيره قبله، قال معمر: وكان أيوب ربما بدأ باسم الرجل قبله إذا كتب إليه. وروى أشهب: سئل مالك عن الذى يبدأ فى الكتاب بأصغر منه ولعله ليس بأفضل منه، قال: لابأس بذلك، أرأيت لو أوسع له فى المجلس إذا جاء إعظامًا له؟ وقال: إن أهل العراق يقولون: لاتبدأ بأحد قبلك، وإن كان أباك أو أكبر منك. يعيب ذلك من قولهم.
- باب: قول النبى ﵇ قوموا إلى سيدكم
/ ٣٠ - فيه: أَبُو سَعِيد، أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأَرْسَلَ النَّبِى ﷺ إِلَيْهِ فَجَاءَ، فَقَالَ: (قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ - أَوْ قَالَ: خَيْرِكُمْ) - فَقَعَدَ عِنْدَ النَّبِى ﷺ ، فَقَالَ النَّبِىِّ: (هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ) ، قَالَ: فَإِنِّى أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، فَقَالَ: (لَقَدْ حَكَمْتَ بِمَا حَكَمَ بِهِ الْمَلِكُ) .
стр. 4423
قال المهلب: فيه أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المسلمين، وجواز إكرام أهل الفضل فى مجلس السلطان الأكبر، والقيام فيه لغيره من أصحابه، وإلزام الناس كافة للقيام إلى سيدهم. قال الطبرى: فإن قال قائل: قد عارض حديث أبى سعيد ما روى مسعر، عن أبيالعديس، عن أبى مرزوق، عن أبى غالب، عن أبى أمامه قال: (خرج علينا علينا النبى متوكئًا على عصاه فقمنا له، فقال: لاتقوموا كما يقوم الاعاجم بعضهم لبعض) . قال الطبرى: وحديث أبى أمامة لا يجوز الاحتجاج به فى الدين وذلك أن أبا العديس وأبا مرزوق غير معروفين، مع اضطراب من ناقليه فى سنده، فمن قائل فيه عن أبى العديس، عن أبى أمامة. فإن ظن ظان أن حديث عبد الله بن بريده أن أباه دخل على معاوية فأخبرة أن النبى ﵇ قال: (من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا وجبت له النار) حجة لمن أنكر القيام للسادة، فقد ظن غير الصواب، وذلك أن هذا الخبر إنما ينبىء عن نهى رسول الله للذى يقام له السرور بما يفعل له من ذلك لا عن نهيه القائم عن القيام، وقد روى حماد بن زيد، عن ابن عون قال: كان المهلب بن أبى صفرة يمر بنا ونحن غلمان فى الكتاب فنقوم يوقوم الناس سماطين. وقال ابن قتيبه: معنى حديث معاوية وبريدة من أراد أن يقوم الرجال على رأسه كما يقام بين يدى الملوك والأمراء، وليس قيام الرجل لأخيه إذا سلم عليه من هذا فى شىء، لقوله: (من سره أن يقوم له الرجال صفوفنًا والصافن: هو الذى أطال القيام
стр. 4424
فاحتاج لطول قيامه أن يرفع احدى رجليه ليستريح، وكذلك الصافن من الدواب. وروى النسائى: حديثنا زكريا بن يحى، حدثنى اسحاق، عن النضر بن شميل، حديثنا إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال قال: حدثتنى عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله إذا رأى فاطمة ابنته قد أقبلت رحب بها، ثم قام إليها فقبلها، ثم أخذ بيدها حتى يجلسها فى مكانه) .
- باب: المصافحة
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَّمَنِى النَّبِىُّ ﷺ التَّشَهُّدَ وَكَفِّى بَيْنَ كَفَّيْهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ إِلَى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِى وَهَنَّأَنِى. / ٣١ - فيه: قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لأنَسٍ بن مالك: أَكَانَتِ الْمُصَافَحَةُ فِى أَصْحَابِ النَّبِى ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. / ٣٢ - وفيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ هِشَامٍ، كُنَّا مَعَ النَّبِى ﷺ ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحبها مالك بعد كراهة، وهى مما تنبت الود وتؤد المحبة، ألا ترى قول كعب بن مالك فى حديثه الطويل حين قام إليه طلحة وصافحه: (فوالله لا أنساها لطلحة أبدًا) فأخبر بعظيم موقع قيام طلحة إليه من نفسه ومصافحته له وسروره بذلك، وكان عنده أفضل الصله والمشاركة له، وقد قال أنس: إن المصافحة كانت فى أصحاب رسول الله، وهم الحجة والقدوة الذين يلزم اتباعهم، وقد ورد فى المصافحة أثار حسان.
стр. 4425
روى ابن أبى شيبه: حديثنا أبو خالد وابن نمير، عن الأجلح، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: قال رسول الله: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) . وروى حماد عن حميد، عن أنس، عن النبى ﵇ أنه قال: (أهل اليمن أول من جاء بالمصافحة) . وروى ابن المبارك من حديث أنس بن مالك قال: (كان رسول الله إذا استقبله الرجل فصافحة لاينزع يده حتى يكون هو الذى نزع ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذى يصرفه) .
- باب الأخذ باليدين
وَصَافَحَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ بْنَ الْمُبَارَكِ بِيَدَيْهِ. / ٣٣ - فيه: ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَّمَنِى النَّبِىُّ ﷺ وَكَفِّى بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِى السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ. . . وذكر الحديث. الأخذ باليدين هو مبالغةالمصافحة، وذلك مستحب عند العلماء، وإنما اختلفوا فى تقبيل اليد، فأنكره مالك وأنكر ما روى فيه، وأجازه آخرون، واحتجوا بما روى عن ابن عمر فى قصة السريه حيث فروا فرجعوا إلى النبى ﵇ فقالوا: (نحن الفرارون يا رسول الله؟ فقال: بل أنتم العكارون أنا فئه المؤمنين. قال: فقبلنا يده) . وقبل أبو لبابة وكعب بن مالك وصاحباه يد رسول الله حين تاب الله عليهم ذكره الأبهري.
стр. 4426
وقد قبل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب حين قدم من سفر، وقبل زيد بن ثابت يد ابن عباس حين حبس ابن عباس بركابه، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، وقال زيد: هكذا أمرنا أن نفعل بآل رسول الله. قال الأبهرى: وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعظيم لمن فعل ذلك به، وأما إذا قبل إنسان يد إنسان أو وجهه أو شيئًا من بدنه مالم يكن عورة على وجه القربه إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفه، فإن ذلك جائز، وتقبيل يد النبى ﵇ تقرب إلى الله. وما كان من ذلك تعظيمًا لدينا أو سلطان أو شبه ذلك من وجه التكبر فلا يجوز وهو مكروه. وذكر الترمذى من حديث شعبه، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله ابن سلمه، عن صفوان بن عسال (أن يهوديين أتيا إلى النبى ﵇ فسألاه عن تسع آيات بينات فقال: لاتشركوا بالله شيئًا، ولاتسرقوا، ولاتزنزا، ولاتقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق، ولا تأكلوا الربا، ولاتقذفوا محصنة، ولاتولوا الفرار يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعتدوا فى السبت. فقبلوا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبى الله) قال الترمذى: وهذا حديث حسن صحيح، وفى الباب عن يزيد بن أسود وابن عمر وكعب بن مالك.
стр. 4427
- باب: المعانقة وقول الرجل كيف أصبحت
/ ٣٤ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ عَلِىّ بْن أَبِى طَالِب خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِى ﷺ فِى وَجَعِهِ الَّذِى تُوُفِّى فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: أَلا تَرَاهُ؟ أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ الثَّلاثِ عَبْدُ الْعَصَا، وَاللَّهِ إِنِّى لأرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيُتَوَفَّى فِى وَجَعِهِ، وَإِنِّى لأعْرِفُ فِى وُجُوهِ بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمَوْتَ، فَاذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَسْأَلَهُ، فِيمَنْ يَكُونُ الأمْرُ؟ فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِى غَيْرِنَا، أَمَرْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا، قَالَ عَلِىٌّ: وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَيَمْنَعُنَا، لا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَإِنِّى لا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبَدًا. قال المهلب: ترجم هذا الباب بباب المعانقة، ولم يذكرها فى الباب، وإنما أن يدخل فيه معانقة النبى للحسن حديث ابن لكع الذى ذكره فى كتاب البيوع فى باب ماذكر فى الأسواق، وقال أبو هريرة: (خرج رسول الله فى طائفة من النهار لا يكلمنى حتى أتى بسوق بنى قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة من النهار لايكلمنى حتى أتى بسوق بنى يشتد حتى عانقه وقبله. . . .) الحديث، ولم يجد له سندًا غير السند الذى أدخله به فى غير هذا الباب، فمات قبل ذلك، وبقى الباب فارغًا من ذكر المعانقة، وتحته باب آخر قول الرجل كيف أصبحت، وأدخل حديث على، فلما وجد ناسخ الكتاب الترجمتين متواليتين ظنهما واحدة إذ لم يجد بينهما حديثًا، وفى كتاب الجهاد من تتابع الأبواب الفارغة مواضع لم يدرك أن يتمها بالأحاديث.
стр. 4428
وقد اختلف الناس فى المعانقة فكرهها مالك وأجازها ابن عبيبه، حدثنا عبد الوهاب بن زياد بن يونس إجازة، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا سعيد بن إسحاق، قال: حدثنا على بن يونس الليثى المدنى قال: كنت جالسا عند مالك بن أنس إذ جاء سفيان بن عبيينه يستأذن الباب، فقال مالك: رجل صاحب سنة أدخلوه. فدخل فقال: السلام عليك ياأبا عبد الله ورحمة الله وبركاتة. فقال مالك: وعليك السلام ياأبا محمد ورحمة الله وبركاتة. فصافحة ثم قال: ياأبا محمد، لولا أنها بدعة لعنقناك. قال سفيان: عانق خير منك، النبى ﵇ قال مالك: جعفر؟ قال: نعم. قال: ذلك حديث خاص ياأبا محمد. قال سفيان: مايعم جعفر يعمنا، ومايخص جعفر يخصنا، إذ كنا صالحين أفتأذن لى أن حدثنى عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه قال: (لما قدم جعفر من أرض الحبشة أعتنقه النبى ﵇ وقبل بين عينيه، فقال: جعفر أشبه الناس بى خلقًا وخلقًا) . وروى عبد الرازق، عن سليمان بن داود قال: رأيت الثورى ومعمر حين التقيا احتضنا وقبل كل واحد منهما صاحبه. وقد وردت فى المعانقة آثار ذكر الترمذى عن ابن إسحاق، عن عروه، عن عائشة قالت: (قدم زيد بن حارثه المدينة ورسول الله فى بيتى، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول الله عريانا يجر ثوبه والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله) . وروى سليمان بن داود، عن عبد الحكم بن منصور، عن عبد الملك
стр. 4429
ابن عمير، عن أبى سلمه بن عبد الرحمن، عن أبى الهيثم بن التيهان: (أن النبى ﵇ لقيه فاعتنقه وقبله) من حديث قاسم بن أصبغ، عن محمد بن غالب، عن سليمان بن داود. قال المهلب: وفى أخذ العباس بيد على جواز المصافحة. وفيه: جواز قول الرجل يسأل عن حال العليل: كيف أصبح؟ وإذا جاز أن يقال: كيف اصبح جاز أن يقال: كيف أصبحت؟ ولكن لا يكون هذا إلا بعد التحية المأمور بها من السلام. وقول العباس: (ألا تراه؟ والله بعد ثلاث عبد العصا) يعنى بقوله: ألا تراه ميتًا أى فيه علامة الموت، ثم قال له: (أنت بعد ثلاث عبد العصا) . فيه: جواز اليمين على ماقام عليه الدليل. . وفيه: أن الخلافة لم تكن مذكورة بعد النبى ﵇ لعلى أصلاً، لأنه قد حلف العباس أنه مأمور لا آمر، لما كان يعرف من توجيه النبى ﵇ بها إلى غيره، وفى سكوت على على ماقال العباس وحلف عليه دليل على علم بما يقال العباس أنه مأمور من غيره وماخشية على من أن يصرح النبى ﵇ بصرف الخلافة إلى غير عبد المطلب فلا يمكنهم أحد بعده منها ليس كما ظن والله أعلم، لأن النبى ﵇ قد قال: (مروا أبا بكر يصلى بالناس، فقيل له: لو أمرت عمر) فلم ير ذلك ومنع عمر من التقدم فلم يكن ذلك محرمها على عمر بعد.
стр. 4430
- باب: من أجاب بلبيك وسعديك
/ ٣٥ - فيه: مُعَاذٍ، قَالَ: أَنَا رَدِيفُ رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ) ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ - ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلاثًا - (هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ) ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: (حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ) ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: (هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ) . / ٣٦ - وفيه: أَبُو ذَرّ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِى مَعَ رسول الله ﷺ فِى حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً، فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ) ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: (الأكْثَرُونَ هُمُ الأقَلُّونَ. . .) ، الحديث، إلى قوله: (أَتَانِى فَأَخْبَرَنِى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِى لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) . قَالَ الأعْمَشُ: وَحَدَّثَنِى أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ نَحْوَهُ. قال ابن الأنبارى: معنى قوله: (لبيك) أنا مقيم على طاعتك من قولهم: لب فلان بالمكان وألب به إذا أقام به، ومعنى سعديك من الاسعاد والمتابعة. وقال غيره: معنى (لبيك) أى: اجابة بعد إجابة، ومعنى سعديك: إسعادًا لك بعد إسعاد. قال المهلب: والإجابة بنعم وكل مايفهم منه الإجابة كاف، ولكن إجابة السيد والتشريف بالتلبية والارحاب والإسعاد أفضل. فإن اعترض بقوله ﵇: (هل تدرى ما حق العباد على الله) من زعم من المرجئهة أن الله يجب عليه ثواب المطيعين.
стр. 4431
فجواب أهل السنة لهم القائلين أن الله لايحب عليه شىء لعباده أن هذا اللفظ خرج على التزاوج والتقابل لما تقدم فى أول الكلام من ذكر حق الله على العباد كما قال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها (فسمى الجزاء على السيئة باسم السيئة فكذلك هاهنا سمى ثوابه الطائعين من عباده باسم مااستحقه تعالى عليهم من طاعتهم له، وإنما معنى حق العباد على الله انجاز ماوعد به تعالى من أن يدخلهم الجنة، وسيأتى فى كتاب الاعتصام.
- باب: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس (الآية
(١) / ٣٧ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، عَنِ الرسول ﷺ : أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسَ مَكَانَهُ. قال المؤلف: قوله: (تفسحوا) من قولهم: مكان فسيح إذا كان واسعًا، واختلف أهل العلم فى المجلس الذى أمر الله بالتفسح فيه، فقال بعضهم: هو مجلس النبى ﵇ خاصة. عن مجاهد وقتادة: كانوا يتنافسون فى مجلس النبى ﵇ إذا رأوه مقبلاً ضيقوا مجلسهم، فأمر الله تعالى أن يوسع بعضهم لبعض. وقال آخرون: عنى بذلك مجلس القتال، عن الحسن البصرى ويزيد بن أبى حبيب، وقال ابن الأدفوى: حمل الآية على العموم
стр. 4432
أولى فيكون لمجلس النبى ﵇ ومجلس الحرب، ومجلس الذكر، والمجلس اسم للجنس يراد به مجالس. وقوله: (فأفسحوا يفسح الله لكم) أى: فوسعوا يوسع الله عليكم منازلكم فى الجنة، وقوموا إلى قتال العدو أو صلاة أو عمل خير أو تفرقوا عن رسول الله فقوموا، عن قتادة ومجاهد. وقال ابن زيد: انشزوا عن رسول الله فى بيته، فأنه به حوائج. قال صاحب العين: نشز القوم من مجلسهم: قاموا منه. واختلف فى تأويل نهيه ﵇ عن أن يقام الرجل عن مجلسه ويجلس فيه آخر، فتأوله قوم على الندب وقالوا: هو من باب الأدب، لأنه قد يحب للعالم أن يليه أهل الفهم والنهى، ويوسع لهم فى الحلقة حتى يجلسوا بين يديه. وتأوله قوم على الوجوب وقالوا: لا ينبغى لمن سبق إلى مجلس مباح للحلوس أن يقام منه. واحتجوا بما رواه معمر، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبى ﵇ أنه قال: (إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) قالوا: فلما كان أحق به بعد رجوعه كان أولى أن يكون أحق به مادام فيه، قالوا: وقد كان ابن عمر يقوم له الرجل من تلقاء فما يجلس فى مجلسه، قالوا: وابن عمر راوى الحديث عن النبى فهو أعلم بتأويله.
стр. 4433
وحجة الذين حملوه على الندب أن قالوا: لما كان موضوع جلوسه فى المسجد أو حلقة العالم غير متملك له، ولم يستحقه أحد قبل الجلوس فيه، لم يستحقه أحد بالجلوس فيه، وكان حكم الجلوس كحكم المكان فى أنهما غير متملكين، قالوا: وأما حديث أبى هريرة فقد تأوله العلماء على وجين: على الوجوب، والندب كما تأولوا حديث ابن عمر. فقال محمد بن مسلمه: معنى قوله: (فهو أحق به) يريد إذا جلس فى مجلس العالم فهو أولى به إذا قام لحاجة، فأما إن قاما تاركا له فليس هو أولى به من غيره. والوجه الثانى: روى أشهب، عن مالك أنه سئل عن الذى يقوم من المجلس، فقيل له: إن بعض الناس يقول: إذا رجع فهو أحق به. قال: ماسمعت به، وإنه لحسن إذا كانت أوبته قريبه، وإن بعد ذلك حتى يذهب فيتغدى ونحو ذلك فلا أرى ذلك له، وإن هذا من محاسن الأخلاق.
- باب: من قام من مجلسه أو بيته ولم يستأذن أصحابه أو تهيأ للقيام ليقوم الناس
/ ٣٨ - فيه: أَنَس، لَمَّا تَزَوَّجَ النّبِىّ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، دَعَا النَّاسَ طَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، قَالَ: فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ، قَامَ مَنْ قَامَ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ، وَبَقِىَ ثَلاثَةٌ، وَإِنَّ النَّبِى ﷺ جَاءَ لِيَدْخُلَ، فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا،
стр. 4434
فَانْطَلَقُوا، فَجِئْتُ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِى ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا، فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ، فَأَرْخَى الْحِجَابَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِى إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (إِلَى قَوْلِهِ: (عَظِيمًا (. قال المؤلف: جاء فى بعض طرق الحديث أن النبى ﵇ استحيا أن يقول للذين أطالوا الحديث فى بيته: قوموا، ويخرجهم من بيته لأنه كان ﵇ على خلق عظيم، وكان أشد الناس حياء فيما لم يؤمر فيه ولم ينه، فإذا أمره الله لم يستحى من إنفاذ أمر الله والصدع به، وكان جلوسهم عنده بعد ماطمعوا للحديث أذى له ولأهله، قال الله تعالى: (إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لايستحى من الحق (فقد حرم الله أذى رسوله ﵇ فأنزل الله من أجل ذلك الآية. وفيه: أنه لا ينبغى لأحد أن يدخل بيت غيره إلا بإذنه، وأن الداخل المأذون له لا ينبغى له أن يطول الجلوس فيه بعد تمام حاجته التى دخل لها لئلا يؤذى الداخل الذى أدخله، ويمنع أهله من التصرف فى مصالحهم. وفيه: أن من أطال الجلوس فى دار غيره حتى كره ذلك من فعله، فإن لصاحب الدار أن يقوم بغير إذنه ويظهر التثاقل عليه فى ذلك حتى يفطن له، وأنه إذا قام فإن للداخل القيام معه، وأنه لا يجوز له الجلوس فيه بعده إلا أن يأذن له فى ذلك صاحب المنزل.
стр. 4435
٣٠ - باب: الاحتباء باليد وهى القرفصاء
/ ٣٩ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ النّبِىّ ﷺ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ مُحْتَبِيًا، بِيَدِهِ هَكَذَا. إنما يجوز الاحتباء لمن جلس فى حبوته، فأما إن تحرك وصنع بيديه شيئًا أو صلى فلا يجوز له ذلك، لأن عورته تبدو إلا أن يكون احتباؤه على ثوب يستر عورته فذلك جائز، وقد تقدم تفسير الاحتباء فى أبواب اللباس فى الصلاة.
٣١ - باب من أتكأ بين يدى أصحابه
وَقَالَ خَبَّابٌ: أَتَيْتُ النَّبِى ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، قُلْتُ: أَلا تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ. / ٤٠ - فيه: أَبُو بَكْرَة، قَالَ النّبِىّ ﷺ : (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) . وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: (أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ) . قال المهلب: فيه جواز العالم بين يدى الناس، وفى مجلس الفتوى، وكذلك السلطان والأمير فى بعض مايحتاج إليه من ذلك لراحة يتعاقب بها فى جلسته أو لألم يجده فى بعض أعضائه أو لما هو أرفق به، ولا يكون ذلك عامة جلوسه، لأنه قال ﵇ آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد. ولم يكن يأكل متكئًا.
٣٢ - باب: من اسرع فى مشيته لحاجة أو قصد
/ ٤١ - فيه: عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ، قَالَ: صَلَّى النَّبِى ﷺ الْعَصْرَ، فَأَسْرَعَ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ.
стр. 4436
قال المؤلف: فيه جواز إسراع السلطان والعالم فى حوائجهم والمبادرة إليها. وقد جاء أن إسراعه ﵇ فى دخوله البيت إنما كان لأنه ذكر أن عنده صدقه، فأحب أن يفرقها فى وقته ذلك. وفيه: فضل تعجيل افعال البر وترك تأخيرها. وذكر ابن المبارك بإسناده: (أن رسول الله ﵇ كان يمشى مشية السوقى: لا العاجز ولا الكسلان) وكان ابن عمر يسرع المشى ويقول: هو أبعد من الزهو، وأسرع فى الحاجة.
٣٣ - باب: السرير
/ ٤٢ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى وَسْطَ السَّرِيرِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، تَكُونُ لِىَ الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَقُومَ، فَأَسْتَقْبِلَهُ، فَأَنْسَلُّ انْسِلالا. فيه: اتخاذ الصالحين الأسرة ونومهم عليها، وجواز الصلاة فيها. وفيه: جواز الاضطجاع للمرأة بحضرة زوجها.
٣٤ - باب: من ألقى له وسادة
/ ٤٣ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِى ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِى، فَدَخَلَ، عَلَى فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأرْضِ، فَصَارَتِ الْوِسَادَةُ بَيْنِى وَبَيْنَهُ. . . . الحديث.
стр. 4437
/ ٤٤ - وفيه: عَلْقَمَة، أنه قدم الشَّامِ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِى جَلِيسًا صالحًا، فَجَلس إِلَى أَبِى الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قلت: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِى كَانَ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ حُذَيْفَةَ؟ أَلَيْسَ فِيكُمْ - أَوْ كَانَ فِيكُمِ - الَّذِى أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِى عَمَّارًا - أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالْوِسَادِ - يَعْنِى ابْنَ مَسْعُودٍ -؟ . . . . الحديث. قال المهلب: فيه إكرام السلطان والعالم وإلقاء الوسادة له. وفيه: أن السلطان والعالم يزور أصحابه، ويقصدهم فى منازلهم، ويعلمهم مايحتاجون إليه من دينهم. وفيه: جواز رد الكرامة على أهلها إذا لم يردها الذى خص بها، لأن النبى ﵇ لم يجلس على الوسادة حين ألقيت له، وجلس على الأرض. وفيه: إيثار التواضع على الترفع، وحمل النفس على التذلل. وفيه: أن خدمة السلطان يجب أن يعرف كل واحد منهم بخطته.
٣٥ - باب: القائلة بعد الجمعة
/ ٤٥ - فيه: سَهْلِ، قَالَ: كُنَّا نَقِيلُ وَنَتَغَدَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ. قد تقدم الكلام فى هذا فى كتاب الجمعة فأغنى عن إعادته وفيه: أن القائلة بعد الجمعة من الأمر بالمعروف، وذلك - والله أعلم - ليستعان بها على قيام الليل لقصر ليل الصيف.
стр. 4438
٣٦ - باب: القائلة فى المسجد
/ ٤٦ - فيه: سَهْل، قَالَ: مَا كَانَ لِعَلِىٍّ، رضى اللَّه عنه، اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِى تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ بِهِ إِذَا دُعِىَ بِهَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِى الْبَيْتِ، فَقَالَ: (أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ) ؟ فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ شَىْءٌ، فَغَاضَبَنِى، فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لإنْسَانٍ: (انْظُرْ أَيْنَ هُوَ) ؟ فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ فِى الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، ويَقُولُ: (قُمْ أَبَا تُرَابٍ. . .) ، الحديث. قال المهلب: فيه جواز بالنهار والليل فى المسجد من غير ضرورة إلى ذلك، وقد تقدم من أجاز ذلك ومن كرهه، فى كتاب الصلاة، فى باب نوم الرجل فى المسجد. وفيه: ممازحه الصهر وتكنيته بغير كنته، وبشىء عرض له، كما كنى أبا هريرة بهره، كذلك كنى ﵇ عليا بالتراب الذى احتبس إليه. وفيه: جواز الممازحة لأهل الفضل، وكان النبى ﵇ يمزح ولا يقول إلا حقا. وفيه: الرفق بالاصهار وإلطافهم، وترك معاتبتهم على مايكون منهم لأهلهم، لأن النبى ﵇ لم يعاتب عليا على مغاضبته لأهله، بل قال له: قم. وعرض له بالانصراف إلى أهله.
٣٧ - باب: من زار قوما فقال عندهم
/ ٤٧ - فيه: ثُمَامَةَ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كَانَتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِىِّ ﷺ نِطَعًا، فَيَقِيلُ عِنْدَهَا عَلَى ذَلِكَ النِّطَعِ، قَالَ: فَإِذَا نَامَ النَّبِى ﷺ أَخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعَرِهِ،
стр. 4439
فَجَمَعَتْهُ فِى قَارُورَةٍ، ثُمَّ جَمَعَتْهُ فِى سُكٍّ، قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَى أَنْ يُجْعَلَ فِى حَنُوطِهِ مِنْ ذَلِكَ السُّكِّ، قَالَ: فَجُعِلَ فِى حَنُوطِهِ. / ٤٨ - وفيه: أَنَس، كَانَ النّبِىّ ﷺ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ، فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ. . . فذكر الحديث. فيه: جواز القائلة للأمام والرئيس والعالم عند معارفه وثقات إخوانه، وأن ذلك يسقط المؤنة، ويثبت الود، ويؤكد المحبة. وفيه: طهارة شعر ابن آدم وعرقه.
٣٨ - باب: الجلوس كيفما تيسر
/ ٤٩ - فيه: أَبُو سَعِيد الْخُدْرِىِّ، قَالَ: نَهَى النَّبِى ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ، اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَالاحْتِبَاءِ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِ الإنْسَانِ مِنْهُ شَىْءٌ، وَالْمُلامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. قال المهلب: هذه الترجمة قائمة من دليل هذا الحديث، وذلك أنه ﵇ نهى عن حالتين وهما: اشتمال الصماء، والاحتباء، فمفهوم منه إباحة غيرهما مما تسر من الهيئات والملابس إذا ستر ذلك العورة. ورأيت لطاوس أنه كان يكره التربع ويقول: هو جلسة مملكة، وإنما نهى عن هاتين اللبستين فى الصلاة، لأنهما، لا يستران العورة عند
стр. 4440
الحفض والرفع وإخراج اليدين، فأما الجالس لا يصنع شيئا ولا يتصرف بيديه وتكون عورته مستورة فلا حرج عليه فيهما، لأنه قد ثبت عن النبى ﵇ أنه احتبى بفناء الكعبة، ذكره فى باب الاحتباء باليد وهى القرفصاء - قبل هذا.
٣٩ - باب: من ناجى بين يدى الناس ولم يخبر بسر صاحبه فإذا مات أخبر به
/ ٥٠ - فيه: عَائِشَةُ، قَالَتْ: إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِى ﷺ عِنْدَهُ جَمِيعًا لَمْ تُغَادَرْ مِنَّا وَاحِدَةٌ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِى، لا، وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ، قَالَ: مَرْحَبًا بِابْنَتِى، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ - أَوْ عَنْ شِمَالِهِ - ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَإِذَا هِى تَضْحَكُ، فَقُلْتُ لَهَا أَنَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّرِّ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ، قَالَتْ: مَا كُنْتُ لأفْشِى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِى عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ، لَمَّا أَخْبَرْتِنِى، قَالَتْ: أَمَّا الآنَ، فَنَعَمْ، فَأَخْبَرَتْنِى، قَالَتْ: أَمَّا حِينَ سَارَّنِى فِى الأمْرِ الأوَّلِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِى أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِى بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلا أَرَى الأجَلَ إِلا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِى اللَّهَ، وَاصْبِرِى، فَإِنِّى نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِى الَّذِى رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِى، سَارَّنِى الثَّانِيَةَ، قَالَ يَا فَاطِمَةُ، أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِى سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأمَّةِ) .
стр. 4441
قال المؤلف: فيه من الفقه أنه يجوز المسار مع الواحد بحضرة الجماعة، وليس من باب نهيه ﵇ عن مناجاة الأثنين دون الواحد، لأن المعنى الذى يخاف من ترك الواحد لا يخاف من ترك الجماعة، وذلك أن الواحد إذا تساورا دونه وقع بنفسه أنهما يتكلمان فيه بما يسوءه ولا يتفق ذلك فى الجماعة، وهذا من حسن الأدب وكرم المعاشرة. وفيه: أنه لا ينبغى إفشاء السر إذا كانت فيه مضرة على المسر، لأن فاطمة لو أخبرت نساء النبى ذلك الوقت بما أخبرها به النبى من قرب أجله لحزن لذلك حزنًا شديدًا، وكذلك لو أخبرتهن أنها سيدة نساء المؤمنين، لعظم ذلك عليهن، واشتد حزنهن، فلما أمنت ذلك ذلك فاطمة بعد موته أخبرت بذلك.
٤٠ - باب: الاستلقاء
/ ٥١ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بن زيد، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا، وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأخْرَى. قال المهلب: إنما فعل ذلك فى المسجد ليرى الناس أن هذا وشبهه خفيف فعله فى المسجد، وقد تقدم فى كتاب الصلاة فى باب الاستلقاء فى المسجد.
٤١ - باب: لا يتناجى اثنان دون الثالث
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ (الآيتين
стр. 4442
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) [المجادلة ١٢] . / ٥٢ - فيه: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا كَانُوا ثَلاثَةٌ، فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ) . أى: لا يتسار اثنان ويتركا صاحبهما خشية الإيحاش له فيظن أنهما يتكلمان فيه أو يتجنبان جهته ذلك، وقد جاء هذا المعنى بينًا فى رواية معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه) ويشهد لهذا قوله تعالى: (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا (الآية. وقد جاء التغليظ فى منجاة الأثنين دون صاحبهما فى السفر، وأن ذلك لا يحل لهما من حديث ابن لهيعه، عن ابن هبيرة عن أبى سالم الجيشانى، عن عبد الله بن عمرو بن عمرو العاص أن الرسول قال: (لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة أن يتناجى اثنان منهما دون صاحبهما) . وتحريمه ذلك - والله أعلم - فى الفلاة من أجل أن الخوف فيها أغلب على المرء، والوحشة إليه أسرع، ولذلك نهى ﵇ أن يسافر الواحد والأثنان. واختلف أهل التأويل فيمن نزلت: إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا، فقال ابن زيد: نزلت فى المؤمنين، كان الرجل يأتى النبى يسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى رسول الله،
стр. 4443
وكان رسول الله لا يمنع أحدًا من ذلك، وكانت الأرض يومئذ حربا، وكان الشيطان يأتى القوم فيقول لهم: إنما يتناجون فى جموع قد جمعت لكم، فأنزل الله الآيه. قال قتادة: نزلت فى المنافقين، كان بعضهم يناجى بعضًا، وكان ذلك يغيظ المؤمنين يوحزنهم، فنزلت هذه الآيه. وقوله: إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة. قال قتادة: سأل الناس رسول الله حتى أحفوه فى المسألة، فقطعهم الله بهذه الآية، وصمت كثير من الناس عن المسالة. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية لئلا يناجى أهل الباطل رسول الله فيشق ذلك على أهل الحق، فلما ثقل ذلك على المؤمنين خففه الله عنهم ونسخه.
٤٢ - باب: حفظ السر
/ ٥٢ - فيه: أَنَس، أَسَرَّ إِلَى النَّبِىُّ ﷺ سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَهُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِى أُمُّ سُلَيْمٍ، فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ. قال المؤلف: السر أمانة وحفظه واجب، وذلك من أخلاق المؤمنين، وقد روى عن أنس أنه قال: (خدمت النبى عشر سنين، فقال: احفظ سرى تكن مؤمنًا) . وروى ابن أبى شيبة: حدثنا يحى بن آدم، عن ابن أبى ذئب، عن عبد الرحمن بن عطاء، عن عبد الملك، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: (إذا التفت المحدث فهى أمانة) .
стр. 4444
قال المهلب: والذى عليه أهل العلم أن السر لا يباح به إذا كان على المسر فيه مضرة، وأكثرهم يقول: إنه إذا مات المسر فليس ويلزم من كتمانة مايلزم فى حياتة إلا أن يكون عليه فيه غضاضة فى دينه.
٤٣ - باب: إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمنجاة
/ ٥٤ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ النَّبِى ﵇: (إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَنَاجَى رَجُلانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، لأَجْلَ أَنْ يُحْزِنَهُ) . / ٥٥ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ، قَسَمَ النَّبِى ﵇، يَوْمًا قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لآتِيَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِى مَلأ فَسَارَرْتُهُ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ. . . . الحديث. قال المؤلف: روى مالك، عن عبد الله بن دينار قال: (كان ابن عمر إذا أراد أن يسار رجلا وكانوا ثلاثة دعا رابعًا ثم قال للاثنين: استأخرا شيئًا،، فأنى سمعت رسول الله يقول: لا يتناجى اثنان دون واحد. وناجى صاحبه) . فإذا كانوا أكثر من ثلاثة بواحد جازت المنجاة، وكلما كثرت الجماعة كان أحسن وأبعد للتهمة والظنة، ألا ترى ابن مسعود سار النبى وهو فى ملأ من الناس وأخبره بقول الذى قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. وروى أشهب عن مالك أنه قال: لا يتناجى ثلاثة دون واحد، لأنه قد نهى أن يترك واحد. قال: ولا أرى ذلك ولو كانوا عشرة أن يتركوا واحد.
стр. 4445
قال المؤلف: وهذا القول يستنبط من هذا الحديث، لأن المعنى فى ترك الجماعة للواحد كترك الأثنين له، وهو ماجاء فى الحديث: (حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه) وهذا كله من حسن الأدب وكرم الأخلاق، لئلا يتباغض المؤمنون ويتدابروا.
٤٤ - باب: طول النجوى) وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) [الإسراء: ٤٧] مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتُ فَوَصَفَهُمْ بِهَا وَالْمَعْنَى يَتَنَاجَوْنَ .
(١) / ٥٦ - فيه: أَنَس، أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، وَرَجُلٌ يُنَاجِى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا زَالَ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. قال المؤلف: ليس فيه أكثر من جواز طول المناجاة بحضرة الجماعة فى الأمر يهم السلطان ويحتاج إلى تعرفه، وإن كان فى ذلك بعض الضرر على بعض من بالحضرة، وقد جاء ذلك فى بعض طرق الحديث وقد تقدم فى كتاب الصلاة فى باب الإمام وتعرض له الحاجة بعد الإقامة، ومن أجاز الكلام حيئذ ومن كرهه.
٤٥ - باب: لا تترك النار فى البيت عند النوم
/ ٥٧ - فيه: ابْن عُمَر، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (لا تَتْرُكُوا النَّارَ فِى بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ) . / ٥٨ - وفيه: أَبُو مُوسَى، احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَحُدِّثَ
стр. 4446
بِشَأْنِهِمُ النَّبِى ﷺ ، فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِىَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ، فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ) . / ٥٩ - وفيه: جَابِر، قَالَ النّبِىّ، ﵇: (خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ، فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ) . قال الطبرى: فى هذا الحديث الإنابة عن أن من الحق على من أراد المبيت فى بيت ليس فيه غيره، وفيه نار أو مصباح ألا يبيت حتى يطفئه أو يحرزه بما يأمن به احراقه وضره، وكذلك إن كان فى البيت جماعة، فالحق عليهم إذا أرادوا النوم ألا ينام آخرهم حتى يفعل ماذكرت، لأمر النبى بذلك، فإن فرط فى ذلك مفرط فلحقه ضرر فى نفس أو مال كان لوصية النبى لأمته، مخالفًا ولأدبه تاركًا. وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: جاءت فأرة فجرت الفتيلة فألقتها بين يدى النبى ﷺ على الخمرة التى كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، وإنما سمى الفأرة: فويسقة، لأذاها وفسادها كما يفسد الفاسق، قال ﵇: (خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم. . . .) الحديث، فذكر منهن الفأرة يريد انهن يعملن عمل الفاسق.
٤٦ - باب: إغلاق الأبواب (بالليل
/ ٦٠ - فيه: جَابِر، قَالَ: قَالَ النّبِىّ) : (أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ، إِذَا
стр. 4447
رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا الأبْوَابَ، وَأَوْكُوا الأسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ) . قَالَ هَمَّامٌ: وَلَوْ بِعُودٍ. قال المؤلف: أمره ﵇ بإلاق الأبواب بالليل خشية انتشار الشياطين وتسليطهم على ترويع المؤمنين وأذاهم، وقد جاء فى حديث آخر أنه ﵇ قال: (إذا جنح الليل فاحبسوا أولادكم، فإن الله يبث من خلفه بالليل ما لا يبث بالنهار، وإن للشياطين انتشارًا وخطفه) وقد قال عقيل: يتوقى على المرأة أن تتوضًا عند ذلك. فعلم أمته ﵇ مافيه المصلحة لهم فى نومهم ويقظتهم. وأمر بتخمير الأناء، وقد تقدم فى كتاب الشربة فى باب تغطية الإناء معنى أمره ﵇ بتغطية من حديث القعقاع بن حكيم وروى مالك فى حديث جابر (فإن الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحل وكاء، ولا يكشف إناء) وان كان كان قد أعطى ماهو أكثر منها من اللوج حيث لا يلج الإنسان، والوكاء: الخيط الذى يربط به فم السقاء. وقوله: خمروا الإناء: أى غطوه، أى غطوه، والتخمير: التغطية، وكذلك قبل للخمر: خمر، لأنها تغطى العقل، وأصل ذلك من الخمر وهو كل ما وراك من شجر أو حجر.
٤٧ - باب: الختان بعد الكبر ونتف الأبط
/ ٦١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ) .
стр. 4448
وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ، ﵇، بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ) . مُخَفَّفَةً. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، وَقَالَ: (بِالْقَدُّومِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مُشَدَّدٌ. وروى الحديث الأول بالتخفيف شعيب، عن أبى الزناد. / ٦٢ - وفيه: ابْن عَبَّاس، سُئل مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِى ﵇؟ قَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ، وَكَانُوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ. قال ابن القصار: الختان سنة عند مالك والكوفيين، وقال الشافعى: هى فرضة، والدليل لقول مالك والكوفيين قوله ﵇: (الفطرة خمس) فذكر الختان فى ذلك، والفطرة السنة، لأنه جعلها من جملة السنن فأضافها إليها، ولما أسلم سلمان لم يأمره النبى ﵇ بالإختان، ولو كان فرضًا لم يترك أمره بذلك. واحتج الشافعى بقوله تعالى: (ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفًا (وكان فى ملته الإختان، لأنه ختن نفسه بالقدوم. قيل له: أصل المله الشريعة والتوحيد، وقد ثبت أن فى ملة إبراهيم فرائض وسننًا فأمر أن يتبع ماكان فرضًا ففرضًا، وما كان سنة فسنة، وهذا هو الاتباع، فيجوز أن يكون اختتان إبراهيم من السنن. وقد روى عن النبى ﵇ أنه قال: (الإختتان سنة للرجال، ومكرمة للنساء) والختان علامة لمن دخل فى الإسلام، فهى من شعائر المسلمين. واختلفوا فى وقت الختان، فقال الليث: الختان للغلام مابين السبع سنين إلى العشر.
стр. 4449
وقال مالك: عامة ما رأيت الختان ببلدنا إذا أثغر وقال مكحول: ان إبراهيم خليل الرحمن ختن ابنه إسحاق لسبعة أيام وختن ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة. وروى عن أبى جعفر أن فاطمة كانت تختن ولدها يوم السابع، وكره ذلك الحسن البصرى ومالك بن أنس خلافًا لليهود، وقال مالك: الصواب فى خلافهم، وقال الحسن: هو خطر. قال المهلب: وليس لختتان إبراهيم ﵇ بعد ثمانين سنة مما يوجب علينا مثل فعله، إذ عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين، وإنما اختتن ﵇ وقت أوحى إليه بذلك، وأمر بالإختتان فاختتن. والنظر يدل أنه ما كان ينبغى الإختتان إلا قرب وقت الحاجة لاستعمال ذلك العضو بالجماع، كما اختتن ابن عباس عند مناهزة الاحتلام. وقال: كانوا لا يختتنون الرجل حتى يدرك، لأن الختان تنظيف لما يجتمع من الوضر تحت الغرلة، ولذلك - والله أعلم - أمر بقطعها، واختتان الناس فى الصغر لتسهيل الألم على الصغير، لضعف عضوه وقلة فهمه. ومن روى (القدوم) مخففة الدال، فإنما أراد الحديدة التى اختتن بها إبراهيم، قال الشاعر: يا بنت عجلان ما أصبرنى على خطوب مثل نحت بالقدوم
стр. 4450
ومن شدد الدال فهو اسم الموضع الذى اختتن فيه إبراهيم. وقد يجوز أن يجتمع له الأمران، والله أعلم. والفطرة: فطرة الإسلام، وهى سنته وهى الفعلة من قوله تعالى: (فاطر السموات والأرض (يعنى خالقها. والاستحداد: حلق شعر العانة، والارفاع بالحديد وهو استفعال من الحديد، وحكى أبو نصير عن الأصمعى يقال: استحد الرجل إذا ماتحت ازاره، وتقليم الأظافر: قصها.
٤٨ - باب: كل لهو باطل إذا (شغله) عن طاعة الله وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، وَقَوْلُهُ: (مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ (الآية [لقمان: ٦]
. / ٦٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِى حَلِفِهِ: بِاللاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ) . قال المؤلف: روى عن ابن مسعود، وابن عباس وجماعة من أهل التأويل فى قوله: (ومن الناس من يشترى لهو الحديث) الآية، أنه الغناء، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذى لا إله إلا هو ثلاث مرات، وقال: الغناء ينبت النفاق فى القلب. وقاله مجاهد وزاد: ان لهو الحديث فى الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله
следующие страницы →