Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
الفضل يستحق اسم الذم، فواصل رحمة بماله مستحق اسم واصل، وواصلها بمعونته ونصرته مستحق اسم واصل، وقد بين ذلك قوله ﵇ فى حديث أنس: (صلوا أرحامكم ولو بالسلام) فأعلم ﵇ أمته أن المتعاهد لرحمة بالسلام خارج عن معنى القاطع وداخل فى معنى الواصل، فواصلها بما هو أعلى وأكثر أحق أن يكون خارجا من معنى القاطع. وقول غيره: يقال: هذا شجر متشجن إذا التف بعضه ببعض. قال أبو عبيد: وفيه لغتان: شجنة وشجنة بكسر الشين وضمها. قال الطبرى: الشجنة الفعلة من قولهم شجن فلان على فلان إذا حزن عليه فشجن عليه شجنًا، والمعنى أن الرحم حزينة مستعيذة بالله من القطيعة.
- باب: تبل الرحمن ببلالها
/ ١٧ - فيه: عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، سَمِعْتُ النَّبِى ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ، يَقُولُ: (إِنَّ آلَ أَبِى لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِى، إِنَّمَا وَلِيِّىَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ، أَبُلُّهَا بِبَلاهَا) . قال المهلب: إن آل أبى ليسوا بأوليائى، إنما وليى الله وصالح المؤمنين، فأوجب ﵇ الولاية بالدين ونفاها عن أهل رحمه، إذ يكونوا من أهل دينه، فدل ذلك أن النسب محتاج إلى
стр. 4587
الولاية التى بها تقع الوراثة بين المتناسبين والقارب، فإن لم يكن لهم دين يجمعهم لم تكن ولاية ولا موارثة، ودل عذا أن الرحمن التى تضمن الله أن يصل من وصلها ويقطع من قعها، إنما ذلك كان فى الله وفيهما شرع، وأما من قطعها فى الله وفيما شرع فقد وصل الله والشريعة واستحق صلة الله بقطعه من قطع الله. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا عدوى وعدوكم (وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان (وقال: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا (فكيف بمن لم يؤمن؟ . وقوله: (ولكن لهم رحم إبلها ببلالها) يعنى: أصلها بمعروفها والبل هو الترطيب والتنديه بالمعروف، وشبه ﵇ صلة الرحم بالمعروف بالشىء اليابس يندى فيرطب، وذلك أن العرب تصف الرجل إذا وصفته باللؤم بجمود الكف فتقول: ماتندى كفه بخير وأنه لحجر صلد، يعنى لا يرجى نائله، ولايطمع فى معروفه، كما لايرجى من الحجر الصلد مايشرب، فإذا وصل الرجل رحمه بمعروفه قالوا: بل رحمه بلا وبلالا قال الأعشى: ووصال رحم قد نضحت باللها وإنما ذلك تشبيه من النبى ﵇ صلة الرجل رحمه بالنار يصب عليها بالماء فتطفأ.
стр. 4588
قال المهلب: فقوله ﵇: (ولكن لهم رحم ابلها ببلالها) هو الذى أمره الله تعالى به فى كتابه فقال: (وصاحبهما فى الدنيا معروفا (فلما عصوه وعاندوه دعا عليهم فقلا: (اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف) فلما مسهم الجوع أرسلوا اليه قالوا: يامحمد، إنك بعثت بصلة الرحم، وإن أهلك قد جاعوا فادع الله لهم، وذلك مما لايقدح فى دين الله، ألا ترى صنعه ﵇ فيهم إذ غلب عليهم يوم الفتح من الرق الذى كان توجه إليهم فسموا بذلك الطلقاء، ولم ينتهك حريمهم، ولا استباح أموالهم ومن عليهم، وهذا كله من البلال.
- باب: ليس الواصل بالمكافىء
/ ١٨ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ النَّبِى ﷺ (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِى إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا) . قال المؤلف: قوله ﵇: (ليس الواصل بالمكافىء) يعنى: ليس الواصل رحمه من وصلهم مكافأة لهم على صلة تقدمت منهم إليه فكافأهم عليها بصلة مثلها. وقد روى هذا المعنى عن عمر بن الخطاب، روى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع عكرمة يحدث عن ابن عباس قال: قال عمر ابن الخطاب: (ليس الواصل أن تصل من وصلك، ذلك القصاص، ولكن الواصل أن تصل من قطعك) .
стр. 4589
قال المؤلف: هذا حقيقة الواصل الذى وعد الله عباده عليه جزيل الأجر، قال تعالى: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم. .) الآيات.
- باب من وصل رحمه فى الشرك ثم اسلم
/ ١٩ - فيه: حَكِيمَ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِى فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ ﵇: (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ) . فى هذا الحديث تفضل الله على من أسلم من أهل الكتاب وأنه بعطى ثواب ماعمله فى الجاهلية من أعمال البر، وهو مثل قوله ﵇: (إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله كل حسنة كان زلفها) فهذا - والله أعلم - بركة الإسلام وفضله. وقد تقدم هذا فى كتاب الزكاة فى باب من تصدق فى الشرك ثم أسلم.
- باب: من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها
/ ٢٠ - فيه: أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ، قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِى، وَعَلَى قَمِيصٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سَنَهْ، سَنَهْ) - قَالَ عَبْدُاللَّهِ وَهِى بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ - قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِى أَبِى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعْهَا) ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَبْلِى وَأَخْلِقِى، ثُمَّ أَبْلِى وَأَخْلِقِى، ثُمَّ أَبْلِى وَأَخْلِقِى) ، ثلاث مرات، قَالَ عَبْدُاللَّهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ.
стр. 4590
قال المؤلف: فى هذا الحديث من الفقه أنه يجوز مباشرة الرجل الصبية الصغيرة التى لايشتهى مثلها وممازحتها وإن لم تكن منه بذات محرم؛ لأن لعب أم خالد وهى صبية بمكان خاتم النبوة من جسد النبى ﵇ ماشرة منها لرسول الله، ومباشرتها له كمباشرته لها وتقبيله إياها، ولو كان ذلك حرامًا لنهاها كما نهى الحسن بن على وهو صغير عن اكل التمرة الساقة التى خشى أن تكون من الصدقة المحرمة على النبى ﵇ وعلى آله. وقد اختلف أصحاب مالك من هذا الصل فى الصبية الصغيرة تموت هل يغسلها الرجل غير ذى الرحم منها؟ فقال اشهب: لاباس أن يغسلها إذا لم تكن ممن تشتهى لصغرها، وهو قول عيسى بن دينار، وقال ابن القاسم: لايغسلها لحال. وقول عيسى واشهب له هذا الحديث، وذكر ابن مزين قول ابن القاسم وعيسى وذكر ابن حارث قول اشهب.
- باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته
وَقَالَ ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: أَخَذَ النَّبِى ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ. / ٢١ - فيه: ابْن عُمَر، أن رجلاً سَأَلَهُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُنِى عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِى ﷺ ، وَسَمِعْتُ النَّبِى ﷺ يَقُولُ: (هُمَا رَيْحَانَتَاىَ مِنَ الدُّنْيَا) . / ٢٢ - وفيه: عَائِشَةَ، جَاءَتْنِى امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ، تَسْأَلُنِى فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِى غَيْرَ
стр. 4591
تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِى ﷺ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: (مَنْ يَلِى مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ) . / ٢٣ - وفيه: أَبُو قَتَادَةَ، خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ، ﵇، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِى الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَصَلَّى فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا. / ٢٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَبَّلَ النَّبِىّ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ، وَعِنْدَهُ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِىُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأقْرَعُ: إِنَّ لِى عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: (مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ) . / ٢٥ - وفيه: عَائِشَةَ، جَاءَ أَعْرَابِى إِلَى النَّبِى ﷺ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ، فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ) . / ٢٦ - وفيه: عُمَر، قَدِمَ عَلَى النَّبِى ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْىِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِى، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِى السَّبْىِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِىُّ ﷺ : (أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِى النَّارِ) ؟ قُلْنَا: لا وَهِىَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: (لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) . قال المؤلف: رحمة الولد الصغير ومعانقته وتقبيله والرفق به من الأعمال التى يرضاها الله ويجازى عليها، الا ترى قوله ﵇ للأقرع بن حابس حين ذكر عند النبى أن له عشرة من الولد ماقبل منهم أحدًا: (من لا يرحم لا يرحم) فدل أن تقبيل
стр. 4592
الولد الصغير وحمله والتحفى به ممايستحق به رحمة الله، ألا ترى حمل النبى ﵇ أمامه ابنه أبى العاص على هنقه فى الصلاة، والصلاة أفضل الأعمال عند الله، وقد أمر ﵇ بلزوم الخشوع فيها ولإقبال عليها، ولم يكن حمله لها مما يضاد الخشوع المأمور به فيها، وكره أن يشق عليها لو تركها ولم يحملها فى الصلاة وفى فعله ﵇ ذلك أعظم السوة لنا فينبغى الاقتداء به فى رحمته صغار الولد وكبارهم والرفق بهم، ويجوز تقبيل الولد الصغير فى سائر جسده. وروى جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: (أن النبى ﵇ أتى بالحسن بن على ففرج بين فخديه وقبل زبيبته) . وأما تقبيل كبار الولد وسائر الأهل فقد رخص فى ذلك العلماء. قال اشهب: سئل مالم عن الذى يقدم من سفره فتلقاه ابنته تقبله أو اخته أو أخل بيته؟ قال: لابأس بذلك. وهذا على وجه الرقة وليس على وجه اللذة، وقد كان ﵇ يقبل ولده وبخاصة فاطمة، وكان أبو بكر يقبل عائشة، وقد فعل ذلك أكثر أصحاب النبى ﵇ وذلك على وجه الرحمة. وفى حديث ابن عمر من الفقه أنه يجب على المرء أن يقدم تعليم ما هو أوكد عليه من أمر دينه، وأن يبدأ بالاستغفار والتوبة من أعظم ذنوبه وإن كانت التوبة من جميعها فرضًا عليه فهى من الأعظم أوكد، ألا ترى ابن عمر أنكر على السائل سؤاله عن حكم دم البعوض وتركه
стр. 4593
الاستغفار والتوبة من دم الحسين، وقرعه به دون سائر ذنوبه لمكانته من النبى ﵇. وقوله فى حديث عائشة: (من بلى من هذه البنات شيئًا كن له سترًا من النار) دليل أن أجر القيام على البنات أعظم من أجر القيام على البنين، إذ لم يذكر ﵇ مثل فى القيام على البنين، وذلك والله أعلم من أجل أن مؤنة البنات والاهتمام بأمورهن أعظم من أمور البنين لأنهن عذرات لا يباشرون أمورهن ولا يتصرفن تصرف البنين.
- باب: جعل الله الرحمة فى مائة جزء
/ ٢٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أنّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ: (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِى مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِى الأرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) . قال المؤلف: قد جاء هذا الحديث فى كتاب الزهد فى باب الرجاء والخوف بغير هذا اللفظ أن النبى ﵇ قال: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل فى خلقه كلهم رحمة واحدة) . قال المهلب: هذه الرحمة هى رحمته التى خلقها لعباده وجعلها فى نفوسهم، والتى أمسك عند نفسه هى مايتراحمون به يوم القيامة ويتغافرون من التباعات التى كانت بينهم فى الدنيا، وقد يجوز أن
стр. 4594
تستعمل تلك الرحمة المخلوقة فيهم بها سوى رحمته التى وسعت كل شىء، التى لايجوز أن تكون مخلوقة، وهى صفة من صفات ذاته تعالى لم يزل موصوفًا بها، فهى التى يرحمهم بها زائدًا على الرحمة التى جعلها لهم، وقد يجوز أن تكون الرحمة التى أمسكها عند نفسه هى التى عند ملائكته المستغفرين لمن فى الأرض؛ لأن استغفارهم لهم دليل على أن فى نفوس الملائكة رحمة على أهل الأرض، والله أعلم.
- باب: قتل الولد خشية أن يأكل معه
/ ٢٨ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ) ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ) ؟ الحديث. إنما جعل النبى قتل الولد خشية أن يأكل مع أبيه أعظم الذنوب بعد الشرك؛ لأن ذلك يجمع القتل وقطع الرحم ونهاية البخل وإنما ذكر البخارى هذا الحديث بإثر باب رحمة الولد وتقبيله؛ ليعلمنا أن قتل الولد خشية أن يأكل مع أبيه من أعظم الذنوب عند الله بعد الشرك به، فإذا كان كذلك فرحمته وصلته والإحساس إليه من أعظم أعمال البر بعد الإيمان.
стр. 4595
- باب: وضع الصبى فى الحجر
/ ٢٩ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِى ﷺ وَضَعَ صَبِيًّا فِى حَجْرِهِ يُحَنِّكُهُ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ. كان المسلمون إذا ولد لهم ولد يأتون به إلى الرسول فيحنكه بريقه ويدعو له ﵇ تبركًا بريقه ودعوتخ، وكان يأخذ الصبى ويضعه فى حجره، ولا يتقزز منه خشية مايكون منه من الحدث، ألا ترى أنا بال فى ثوبه فأتبعه بالماء ولم يضجر من ذلك، فينبغى الاقتداء به فى ذلك، وأن يتوخى المؤمنون بأولادهم أهل الفضل والصلاح منهم فيحملونهم إليهم ليدعوا تاسيًا بفعل النبى فى ذلك.
- باب: وضع الصبى على الفخد
/ ٣٠ - فيه: أُسَامَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِىّ ﷺ يَأْخُذُنِى، فَيُقْعِدُنِى عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّى أَرْحَمُهُمَا) . وضع الصبى على الفخد هو من باب رحمة الولد، وقد تقدم أنه ﵇ كان يحمل ابنه أبى العاصى بن الربيع حفيدته على عنقه فى الصلاة وهو أكثر من إجلاسه للحسن ولأسامة على فخديه فى غير الصلاة. وفيه: مساواة الرجل لبنه ولمن تبناه فى الرفق والرحمة والمنزلة.
стр. 4596
- باب: حسن العهد من الإيمان
/ ٣١ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِى بِثَلاثِ سِنِينَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِى الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ، ثُمَّ يُهْدِى فِى خُلَّتِهَا مِنْهَا. قال المؤلف: حسن العهد فى هذا الحديث هو إهداء النبى ﵇ اللحم لأجوار خديجة ومعارفها رعيًا منه لذمامها وحفظًا لعهدها كذلك قال أبو عبيد: العهد فى هذا الحديث الحفاظ ورعاية الحرمة والحق، فجعل ذلك البخارى من الإيمان؛ لأنه فعل بر وجميع أفعال البر من الإيمان. وقولها: (ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت فى الجنة من قصب) فالقصب قصب اللؤلؤ، وهو مااستطال منه فى تجويف، وكل مجوف قصب. وقولها: (ببيت) أى بقصر يقال: هذا بيت فلان أى قصره. قاله أبو سليمان الخطابى. وقد روى أن خديجة قالت لرسول الله حين بشرها بذلك: (ما بيت من قصب؟ بيت من لؤلؤ مجبأة) وفسره ابن وهب قال يريد: مجوفة. قال أبو سليمان: وهذا لا يستقيم على ما قاله ابن وهب إلا أن
стр. 4597
يكون من المقلوب فتكون مجوبة من الجوب وهو القطع قدم الباء على الواو كقوله تعالى: هار والصل هائر، وكقول الشاعر: لاث به الشياء والعبرى وإنما هو لائث وقوله: لاوصب فيه ولا نصب أى لا أذى فيه ولا عناء
- باب: فضل من يعول يتيما
/ ٣٢ - فيه: سَهْل، قَالَ النَّبِىِّ ﷺ (أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِى الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى) . قال المؤلف: حق على كل مؤمن يسمع هذا الحديث أن يرغب فى العمل به ليكون فى الجنة رفيقًا للنبى ﵇ ولجماعة النبيين والمرسلين - صلوات الله عليهم أجمعين - ولا منزلة عند الله فى الآخرة أفضل من مرافقة الأنبياء. وقد روى أبان القطان وحماد بن سلمة، عن أبى عمران الجونى (أن رجلاً شكا إلى النبى ﵇ فسوة قلبه فقال: امسح بيدك على راس اليتيم، واطعمه من طعامك يلن قلبك وتقدر على حاجتك) . والسباحة: هى الأصبع التى تلى الابهام، وسميت بذلك لأنها يسبح بها فى الصلاة، وتسمى أيضًا السبابة لأنها يسب بها الشيطان فى التشهد.
стр. 4598
- باب: الساعى على الأرملة والمسكين
/ ٣٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (السَّاعِى عَلَى الأرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ كَالَّذِى يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ) . قال المؤلف: من عجز عن الجهاد فى سبيل الله وعن قيام الليل وصيام النهار، فليعمل بهذا الحديث وليسع على الرامل والمساكين ليحشر يوم القيامة فى جملة المجاهدين فى سبيل الله دون أن يخطو فى ذلك خطوة، أو ينفق درهمًا، أو يلقى عدوًا يرتاع بلقائه، أو ليحشر فى زمرة الصائمين والقائمين وينال درجتهم وهو طاعم نهاره نائم ليلة أيام حياتو، فينبغى لكل مؤمن أن يحرص على هذه التجارة التى لاتبور، ويسعى على ارملة أو مسكين لوجه الله تعالى فيربح فى تجارته درجات المجاهدين والصائمين والقائمين من غير تعب ولانصب، ذلك فضل الله يوتيه من يشاء.
- باب: رحمة الناس والبهائم
/ ٣٤ - فيه: مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَتَيْنَا النَّبِى ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا إِلى أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِى أَهْلِنَا، وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا، فَقَالَ: (ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ. . .) إلى آخر الحديث. / ٣٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ
стр. 4599
مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِى كَانَ بَلَغَ بِى، فَنَزَلَ الْبِئْر، َفَمَلأ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، فَسَقَى الْكَلْب، َ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ) ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِى الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، فِى كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ) . / ٣٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَامَ النَّبِىّ ﷺ لِصَلاةٍ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِى - وَهُوَ فِى الصَّلاةِ -: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا، وَلا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِى ﷺ ، قَالَ لِلأعْرَابِىِّ: (لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا، يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ) . / ٣٧ - وفيه: النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِى تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) . / ٣٨ - وفيه: أَنَس، قَالَ: قَالَ النَّبِى ﷺ : (مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا، فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ، إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ) . / ٣٩ - وفيه: جَرِير، قَالَ: قَالَ ﵇: (مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ) . قال المؤلف: فى هذه الأحاديث الحض على استعمال الرحمة للخلق كلهم كافرهم ومؤمنهم ولجميع البهائم والرفق بها. وأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب ويكفر به الخطايا، فينبغى لكل مؤمن عاقل أن يرغب فى الأخذ بحظه من الرحمة، ويستعملها فى أبناء جنسه وفى كل حيوان، فلم يخلقه الله عبثًا، وكل أحد مسئول عما استرعيه وملكه من إنسان أو يهيمة لاتقدر على النطق وتبيين مابها من الضر، وكذلك ينبغى أن يرحم كل بهيمة وإن كانت فى غير ملكه، ألا ترى أن الذى سقى الكلب الذى وجده بالفلاة لم يكن له ملكًا فغفر الله له
стр. 4600
بتكلفة النزول فيالبئر وإخراجه الماء فى خفه وسقيه إياه، وكذلك كل مافى معنى السقى من الإطعام، الا ترى قوله ﵇: (ما من مسلم غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة) . مما يدخل فى معنى سقى البهائم وإطعامها التخفيف عنها فى أحمالها وتكليفها ماتطيق حمله، فذلك من رحمتها والإحسان اليها، ومن ذلك ترك التعدى فى ضربها وأذاها وتسخيرها فى الليل وفى غير أوقات السخرة، وقد نهينا فى العبيد أن نكلفهم الخدمة فى الليل فإن لهم الليل ولواليهم النهار، والواب وجميع البهائم داخلون فى هذا المعنى. وفى قوله ﵇: (مامن مسلم غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة) دليل على أن ماذهب من مال المسلم بغير علمه أنه يؤجر عليه. وأما إنكار على الأعرابى الذى قال: اللهم ارحمنى ومحمدًا ولاترحم معنا أحدًا، بقوله: (لقد حجرت واسعًا) ولم يعجبه دعاؤه لنفسه وحده، فلأنه بخل برحمة الله على خلقه، وقد أثنى الله على من فعل خلاف ذلك بقوله: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل فر قلوبنا غلا للذين آمنوا) وأخبر تعالى أن الملائكة يستغفرون لمن فى الأرض، فينبغى للمؤمن الاقتداء بالملائكة والصالحين من المؤمنين ليكون من جملة من أثنى الله عليه ورضى فعله، فلم يخص نفسه بالدعاء دون إخوانه المؤمنين حرصًا على شمول الخير لجميعهم.
стр. 4601
- باب: الوصاة بالجار وقوله : (ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا. . (الآية
/ ٤٠ - فيه: عَائِشَةَ، وَابْن عُمَر، قَالَ النَّبِى ﷺ : (مَا زَالَ يُوصِينِى جِبْرِيلُ بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) . قال المؤلف: فى هذه الآية والحديث الأمر بحفظ الجار والإحسان إليه والوصاة برعى ذمته والقيام بحقوقه، ألا ترى تأكيد الله لذكره بعد الوالدين والأقربين، فقال تعالى: (والجار ذى القربى والجار الجنب) وقال أهل التفسير: (الجار ذى القربى) هو الذى بينك وبينه قرابة فله حق القرابة وحق الجوار. وعن ابن عباس وغيره: (الجار ذى القربى) أى الجار المجاور، وقيل: هو الجار المسلم، والجار الجنب: الغريب عن ابن عباس. وقيل: هو الذى لاقرابة بينك وبينه. والجنابة: البعد. (والصاحب بالجنب) الرفيق فى السفر عن ابن عباس، وعن على وابن مسعود: الزوجة. (وابن السبيل) المسافر الذى يجتاز بك مارًا عن مجاهد وغيره.
- باب: إثم من لايأمن جاره بوائقه
يوبقهن: يهلكهن، موبقا: مهلكا / ٤١ - فيه: أَبُو شُرَيْح، قَالَ: قَالَ النَّبِى ﷺ : (وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الَّذِى لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) .
стр. 4602
قال المؤلف: وهذا الحديث شديد فى الحض على ترك أذى الجار، الا ترى أنه ﵇ أكد ذلك بقسمه ثلاث مرات أنه لاؤمن من لايؤمن جاره بوائقه، ومعناه أنه لايؤمن الإيمان الكامل، ولا يبلغ أعلى درجاته من كان بهذه الصفة، فينبغى لكل مؤمن أن يحذر أذى جاره ويرغب أن يكون فى أعلى درجات الإيمان، وينتهى عما نهاه الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضا العباد عليه. وقال أبو حازم المنزى: كان اهل الجاهلية أبر بالجار منكم هذا قائلهم يقول: نارى ونار الجار واحدة وإليه قبلى القدر ماضر جارًا لى أجاوره أن لايكون لبابه ستر أعمى إذا ماجورتى برزت حتى يواري جارتى الخدر.
- باب: لا تحقرن جارة لجارتها
/ ٤٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِى ﷺ : (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) . فى هذا الحديث الحض على مهاداة الجار وصلته، وإنما اشار النبى ﵇ بفرسن الشاة إلى القليل من الهدية، لا إلى إعطاء الفرسن لأنه لافائدة فيه، وقد قال ﵇ لأبى تميمة الهجيمى: (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تضع من دلوك فى إناء المستقى) . وقد تقدم تفسير الفرسن فى كتاب الهبة.
стр. 4603
- باب: حق الجوار فى قرب الأبواب
/ ٤٣ - فيه: عَائِشَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِى؟ قَالَ: (إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا) . قد تقدم فى آخر كتاب الشفعة وفى كتاب الهبة.
٣٠ - باب كل معروف صدقة
/ ٤٤ - فيه: جَابِرِ، عَنِ النَّبِى ﵇ قَالَ: (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) . / ٤٥ - وفيه: أَبُو مُوسَى الأشْعَرِىِّ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ - أَوْ لَمْ يَفْعَلْ -؟ قَالَ: فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ - أَوْ قَالَ: بِالْمَعْرُوفِ - قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ) . قال المؤلف: المعروف مندوب إليه، ودل هذا الحديث أن يفعله صدقة عند الله يثبت المؤمن عليه ويجازيه به وإن قل لعموم قوله: (كل معروف صدقة) . وقوله فى حديث أبى موسى: (على كل مسلم صدقة) معناه: أن ذلك فى كرم الأخلاق وآداب الإسلام، وليس لك بفرض عليه للإجماع على أن كل فرض فى الشريعة مقدر محدود.
стр. 4604
وفي هذا الحديث تنبيه للمؤمن المعسر على أن يعمل بيده وينفق على نفسه ويتصدق من ذلك ولايكون عيالا على غيره، وقال مالك بن دينار: قرأت فى التوراة: (طوبى للذى يعمل بيده ويأكل، طوبى لمحياه، وطوبى لمماته) . وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: يامعشر القراء خذوا طريق من كان قبلكم وارفعوا رءوسكم، ولاتكونوا عيالا على الناس. وفيه: أن المؤمن إذا لم يقدر على باب من أبواب الخير ولا فتح له فعله أن ينتقل إلى باب آخر يقدر عليه، فإن أبواب الخير كثيرة والطريق إلى مرضاه الله تعالى غير معدومة، الا ترى تفضل الله على عبده حين جعل له فى حال عجزه عن الفعل عروضًا من القول وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ثم جعل عوضًا من ذلك لمن لم يقدر الإمساك عن الشر صدقة. قال المهلب: وهذا يشبه الحديث الآخر: (من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة) . وفيه: حجة لمن جعل الترك عملاً وكسبًا للعبد بخلاف من قال من المتكلمين: إن الترك ليس بعمل، وقد بين النبى ذلك بقوله: (فليمسك عن الشر فإنه له صدقة) .
٣١ - باب: طيب الكلام
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِى ﷺ : (الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) . / ٤٦ - فيه: عَدِىِّ، ذَكَرَ النَّبِى ﵇ النَّارَ، فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، وَأَشَاحَ
стр. 4605
بِوَجْهِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ، فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) . الكلام الطيب مندوب إليه وهو من جليل أفعال البر؛ لأن النبى ﵇ جعله كالصدقة بالمال، ووجه تشبيهه على السلام الكلمة الطيبة بالصدقة بالمال هو أن الصدقة بالمال تحيا بها نفس المتصدق عليه ويفرح بها، والكلمة الطيبة يفرح بها المؤمن ويحسن موقعها من قلبه فاشتبها من هذه الجهة، الا ترى أنها تذهب الشحناء وتجلى السخيمة كما قال تعالى: (ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم) والدفع بالتى هى أحسن قد يكون بالقول كما يكون بالفعل. قال صاحب العين: أشاح بوجهه عن الشىء إذا نحاه، ورجل مشيح، وشائح، أى: حازم حذر.
٣٢ - باب: الرفق فى الأمر كله
/ ٤٧ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ: عَائِشَةُ فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَهْلا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِى الأمْرِ كُلِّهِ) ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ) . / ٤٨ - فيه: أَنَس، أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِى الْمَسْجِدِ، فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا تُزْرِمُوهُ) ، ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
стр. 4606
في هذين الحديثين أدب عظيم من أدب افسلام، وحض الرفق بالجاهل والصفح والإغضاء عنه؛ لأن الرسول ﵇ ترك مقابلة اليهود بمثل قولهم، ونهى عائشة من الإغلاط فى ردها، وقال: مهلا ياعائشة، إن الله يحب الرفق فى جميع الأمور؛ لعموم قوله: (إن الله يحب الرفق فى الأمر كله) وإن كان الانتصار بمثل ماقوبل به المرء جائز لقوله تعالى: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ماعليهم من سبيل) فالصبر أعظم أجرًا وأعلى درجة لقوله تعالى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) والصبر أخلاق النبيين والصالحين، فيجب امتثال طريقتهم والتآسى بهم وقرع النفس عن المغالبة رجاء ثواب الله على ذلك وكذلك رفق النبى بالأعرابى الجاهل حين بال فى المسجد المعظم الذى الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وأمر أن لايهاج حتى يفرغ من بوله تأنيسًا له ورفقًا به، فدل ذلك على استعمال الرفق بالجاهل - فإنه بخلاف العالم - وترك اللوم له والنثريب عليه. وقال أبو عبيد: قال الأصمعى: الإزرام: القطع، يقال للرجل إذا قطع بوله: قد أزرمت بولك، وأزرمه غيره: قطعه، وزرم البول نفسه. قال الشاعر: أو كماء المثود بعد جمام زرم الدمع لايئوب نزورا والمثمود: الذى قد ثمده الناس أى: ذهبوا به فلم يبق منه إلا قليل، والجمام: الكثير.
стр. 4607
قال صاحب العين: زرم البول والدمع: انقطع. وزرم السنور والكلب زرمًا إذا بقى جعره فى دبرة فهو أزرم.
٣٣ - باب: تعاون المؤمنين بعضهم بعضا
/ ٤٩ - فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِى ﷺ : (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. . . .) الحديث. قال المؤلف: تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا فى أمور الدنيا والآخرة مندوب إليه بهذا الحديث، وذلك من مكارم الأخلاق، وقد جاء فى حديث آخر عن النبى ﷺ : (الله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه) فينبغى للمؤمنين استعمال آدب نبيهم والاقتداء بما وصف المؤمنين بعضهم لبعض من الشفقة والنصيحة، وتشبيكه بيه اصابعه تاكيدًا لقوله وتمثيلا لهم كيف يكونون فيما خولهم من ذلك. وفيه: أن العالم إذا أراد المبالغة فى البيان أنه يمثل لهم معنى أقواله بحركاته وسيأتى شىء من الكلام فى معنى هذا الحديث فى باب الحب فى الله بعد هذا - إن شاء الله تعالى.
٣٤ - باب: قول الله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها
/ ٥٠ - فيه: أَبُو مُوسَى، أن النَّبِى ﵇ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ، أَوْ
стр. 4608
صَاحِبُ الْحَاجَةِ، قَالَ: (اشْفَعُوا، فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ) . قال المؤلف: فى هذا الحديث الخص على الشفاعة للمؤمنين فى حوائجهم، وأن الشافع مأجور وإن لم يشفع فى حاجته، وقال أهل التأويل فى قوله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة) يعنى فى الدنيا (يكن له نصيب منها) فى الآخرة. وقال مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية فى شفاعة الناس بعضهم لبعض. وقد قيل فى الاية أقوال أخر، قيل: الشفاعة الحسنة: الدعاء للمؤمنين، والسيئة: الدعاء عليهم، وكانت اليهود تدعو عليهم. وقيل: هو فى قول اليهود: السام عليكم. وقيل: معناه من يكن شفيعًا لصاحبه فى الجهاد يكن له نصيبه من الأجر. ومن يكن شفيعًا لآخر فى باطل يكن له نصيبه من الوزر. والكفل: الوزر والإثم عن الحسن وقتادة. والقول الأول اشبه بالحديث وأولاها بتأويل الآية.
٣٥ - باب لم يكن النبى ﵇ فاحشا ولا متفحشا
/ ٥١ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَّهُ ذَكَر النَّبِىّ ﷺ ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا. / ٥٢ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِى ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: (مَهْلا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ) ، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ
стр. 4609
مَا قَالُوا؟ قَالَ: (أَوَلَمْ تَسْمَعِى مَا قُلْتُ، رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِى فِيهِمْ، وَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِىَّ) . / ٥٣ - وفيه: أَنَس، قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِى ﵇ سَبَّابًا، وَلا فَحَّاشًا، وَلا لَعَّانًا كَانَ يَقُولُ لأحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ: (مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ) . / ٥٤ - وفيه: عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِى ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: (بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ) ، فَلَمَّا جَلَسَ، تَطَلَّقَ النَّبِى ﵇ فِى وَجْهِهِ، وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ، قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ، قُلْتَ: لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِى وَجْهِهِ، وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَتَى عَهِدْتِنِى فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) . قال الطبرى: الفاحش: البذىء اللسان، وأصل الفحش عند العرب فى كل شىء خروج عن مقداره وحده حتى يستقبح، ولذلك يقال للرجل المفرط الطول الخارج عن طول الناس المستحسن: فاحش الطول، يراد به قبيح الطول غير أن أكثر ما استعمل ذلك فى الانسان إذا وصف بشىء فالأغلب أن معناه فاحش منطقه، بذىء لسانه، ولذلك قيل للزنا فاحشة لقبحة وخروجه عما أباحه الله لخلقه. وقد قيل فى قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة) معناه والذين إذا زنوا.
стр. 4610
قال المؤلف: والفحش والذاء مذموم كله، وليس من أخلاق المؤمنين. وقد روى مالك عن يحى بن سعيد أن عيسى ابن مريم لقى خنزيرًا فى طريق فقال له: أنفذ بسلام فقيل له: تقول هذا لخنزيرًا فقال عيسى ابن مريم: إنى أخاف أن أعود لسانى المنطق السوء. فيبغى لمن الهمه الله رشه أن يجنبه ويعود لسانه طيب القول ويقتدى فى ذلك بالآنبياء ﵈ فهم الأسوة الحسنة. وفى حديث عائشة أنه لاغيبة فى الفاسق المعلن وإن ذكر بقبيح أفعاله. وفيه: جواز مصانعه الفاسق وإلانه القول لمنفعة ترجى منه، وهذا ابن العشيرة هو عيينه بن بدر الفزارى وكان سيد قومه، وكان يقال له: الأحمق المطاع، رجا النبى ﵇ بإقباله عليه أن يسلم قومه، كما رجا حين أقبل على المشرك وترك حديثه مع ابن مكتوم الأعمى، فأنزل الله تعالى: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) وإنما أقبل عليه يحدثه رجاء أن تسلم قبيلته بإسلامه. وسأذكر فى باب المدارة مع الناس فى الجزء الثانى من الأدب زيادة فى هذا.
стр. 4611
٣٦ - باب: حسن الخلق والسخاء ومايكره من البخل
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِى ﵇ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ. وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِى ﷺ لأخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِى، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأخْلاقِ. / ٥٥ - فيه: أَنَس، كَانَ النَّبِى ﵇ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. . . الحديث. / ٥٦ - وفيه: جَابِر، مَا سُئِلَ النَّبِى ﵇ عَنْ شَىْءٍ قَطُّ، فَقَالَ: لا. / ٥٧ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو لَمْ يَكُنْ النَّبِىّ ﵇ فَاحِشًا، وَلا مُتَفَحِّشًا، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا) . / ٥٨ - وفيه: سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇، بِبُرْدَةٍ - وهِىَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ - فَقَالَ رَجُل: مَا أَحْسَنَ هَذِهِ، فَاكْسُنِيهَا؟ فَقَالَ: (نَعَمْ) ، فَلَمَّا قَامَ النَّبِى ﷺ لامَهُ أَصْحَابُهُ، قَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ أَخَذَهَا النَّبِى ﵇ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ. . . الحديث. / ٥٩ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قال النَّبِىّ ﷺ : (َتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، وَهو الْقَتْلُ) . / ٦٠ - وفيه: أَنَس، خَدَمْتُ النَّبِى ﵇ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِى: أُفٍّ، وَلا لِمَ صَنَعْتَ، وَلا أَلا صَنَعْتَ. قال المؤلف: حسن الخلق من صفات النبيين والمرسلين وخيار
стр. 4612
المؤمنين، وكذلك السخاء من أشرف الصفات؛ لأن الله تعالى سمى نفسه بالكريم الوهاب. وأما البخل فليس من صفات الأنبياء ولا الجلة الفضلاء، ألا ترى قول الرسول يوم حنين: (لو كان عندى عدد سمر تهامة نعمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدونى بخيلاً) . وقال ابن مسعود: لاداء أدوى من البخل، وكان أبو حنيفة لايجيز شهادة البخيل، فقيل له فى ذلك: أنه يتقصى ويحمله التقصى على أن يأخذ فوق حقه. وقال الطبرى: إن قال قائل: وجه قوله ﷺ : (خياركم أحسانكم أخلاقًا) وهل الأخلاق مكتسبة فيتخر العبد منها أحسنها ويترك اقبحها؟ فإن كان ذلك كذلك فما وجه قوله ﷺ : (اللهم كما حسن خلقى فحسن خلقى) ومسألته ﵇ ما سأل ربه من ذلك بتحسين خلقه،، وأنت عالم أنه لا يحسن خلق العبد غير ربه، فإذا كان الخلق فعلاً له لم يكن له أيضًا محسن غيره، وفى ذلك بطلان حمد العبد عليه إن حسنًا وترك ذمه إن كان سيئًا، فإن قلت ذلك كذلك قيل لك ما وجه قوله ﵇: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وإن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم) وقد علمناه أن العبد إنما يثاب على مااكتسب لا على ماخلق له من أعضاء جسده؟ . قيل: قد اختلف فى ذلك: فقال بعضهم: الخلق حسنة وقبيحه جبله فى العبد كلونه وبعض أجزاء جسمه. ذكر من قال ذلك:
стр. 4613
روي عن ابن مسعود أنه ذكر عنده رجل فذكروا من خلقه فقال: أرأيتم لو قطعوا راسه أكنتم تستطيعون أن تجعلوا له رأسًا؟ قالوا: لا. قال: فلو قطعتم يده أكنتم تجعلون له يدًا؟ قالوا: لا، قال: فإنكم لن تستطيعوا أن تغيروا خلقه حتى تغيروا خلقه. وقال ابن مسعود: فرغ من اربعة: الخلق والخلق والرزق والأجل. وقال الحسن: من أعطى حسن صورة وخلقًا وزوجة صالحة فقد اعطى خير الدنيا والآخرة. واعتلوا بما رواه الهمدانى: كان ابن مسعود يحدث عن النبى ﵇ قال: (إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم) قالوا: فهذا الحديث يبين أن الأخلاق من إعطاء الله عباده، ألا ترى تفاوتهم فيه كتفاوتهم بالجبن والشجاعة والبخل والجود، ولو كان الخلق اكتسابًا للعبد لم تختلف أحوال الناس فيه ولكن ذلك غريزة. فإن قيل: فإن كان كذلك فما وجه ثواب الله على حسن الخق إن كان غريزة؟ . قيل له: لم يثبت على خلقه ما خلق، وإنما أثابه على استعماله ما خلق فيه من ذلك فيما أمره باستعماله فيه، نظير الشجاعة التى خلقها فيه وأمره باستعمالها عند لقاء عدوه وأثابه على ذلك، وإن استعملها فى غير لقاء عدوه عاقبه على ذلك، فالثواب والعقاب على الطاعة والمعصية لا هى ما خلق فى العبد. وقال آخرون: أخلاق العبد حسنها وسيئها إنما هى من كسبه واختياره فيحمد على الجميل منها، ويثاب على ماكان منها طاعة،
стр. 4614
ويعاقب على ماكان منها معصية، ولولا أنها للعبد كسب لبطل الأمر به والنهى عنه، وفى قول النبى ﵇ لمعاذ: (اتق الله حيثما كنت، وخالق الناس بخلق حسن) البيان عن صحة ما قلناه؛ لأن ذلك لو كان طبعًا فى العبد هيأه الله عليه لاستحال الأمر به والنهى عن خلافه، كاستحالة أمر من لابصر له بأن يكون له بصر، فلذلك كان الحكماء يوصون بالحسن منه. وروى ابن عيينه، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال:: قال لى عمر بن الخطاب: يا قبيصة، أراك شابًا فصيح اللسان فسيح الصدر، وقد يكون فى الرجل عشرة أخلاق تسعة صالحة وخلق سيىء فيفسد التسعة الصالحة الخلق السيىء، فاتق عثرات الشباب. وقال الشعبى: قال صعصعة بن صوحان لابن أخية زيد بن صوحان: خالص المؤمن وخالق الفاجر، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن.
٣٧ - باب: كيف يكون الرجل فى أهله
/ ٦١ - فيه: عَائِشَةَ سُئلت مَا كَانَ النَّبِى ﵇ يَصْنَعُ فِى أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِى مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ. قال المؤلف: أخلاق النبيين والمرسلين ﵈ التواضع والتذلل فى افعالهم، والبعد عن الترفه والتنعم، فكانوا يمتهنون أنفسهم فيما يعن لهم ليسنوا بذلك، فيسلك سبيلهم وتقتفى آثارهم.
стр. 4615
وقول عائشة: (كان فى مهنة أهله) يدل على دوام ذلك من فعله متى عرض له ما يحتاج إلى إصلاحه؛ لئلا يخلد إلى الدعة والرفاهية التى ذمها الله وأخبر أنها من صفات غير المؤمنين فقال تعالى: (فذورنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا (. روى سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: (أنه سالها: ماكان عمل رسول الله فى بيه؟ قالت: يخصف النعل ويرقع الثوب) . وقال فى حديث آخر: (أما أنا فأتتزر بالكساء وأجلس بالأرض وأحلب شاة أهلى) . وقال ابن مسعود: إن الأنبياء من قبلكم كانوا يلبسون الصوف ويركبون الحمر ويحلبون الغنم. وهذه كانت سيرة سلف هذه الأمة. وسيأتى فى آخر كتاب الرقائق فى باب التواضع كثير من سيرتهم فى ذلك، إن شاء الله تعالى.
٣٨ - باب الْمِقَةِ من الله
/ ٦٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِى ﵇ قَالَ: (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِى جِبْرِيلُ فِى أَهْلِ السَّمَاءِ؛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِى أَهْلِ الأرْضِ) .
стр. 4616
قوله: (ثم يوضع له القبول فى الأرض) يريد المحبة فى الناس، وقال بعض أهل التفسير فى قوله تعالى: (وألقيت عليك محبة مني) أى حببتك إلى عبادى، وقال ابن عباس فى قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًا) قال: يحبهم ويحببهم إلى الناس. روى مالك حديث أبى هريرة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبى هريرة وقال فيه مالك: لا أحسبه إلا قال فى البغض مثل ذلك. فدلت زيادة مالك فى هذا الحديث على خلاف ماتقوله القدرية أن الشر من فعل العبد وليس بخلق الله، وبان أن كل شىء من خير وشر ونفع وضر من خلق الله لا خالق غيره، تعالى عما يشركون.
٣٩ - باب الحب فى الله
/ ٦٣ - فيه: أَنَس، قال النَّبِى ﵇: (لا يَجِدُ أَحَدٌ حَلاوَةَ الإيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) . قال المؤلف: صفة التحاب فى الله تعالى أن يكون كل واحد منهما لصاحبه فى تواصلهما وتحابهما بمنزلة نفسه فى كل مانابه، كما روى الشعبى عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبى ﵇ يقول: (مثل المؤمنين مثل الجسد إذا اشتكى منه شىء
стр. 4617
تداعي له سائر الجسد) وكقوله ﵇: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) . وروى شريك بن أبى نمر عن أنس قال النبى ﷺ : (المؤمن مرآة المؤمن) ورواه عبد الله بن أبى رافع عن أبى هريرة، عن النبى ﵇ وزاد فيه: (إذا رأى فيه عيبًا أصلحه) . قال الطبرى: فالأخ فى الله كالذى وصف به رسول الله المؤمن للمؤمن وأن كل واحد منهما لصاحبه بمنزلة الجسد الواحد؛ لأن ماسر أحدهما سر الآخر وماسء أحدهما ساء الآخر، وأن كل واحد منهما عون لصاحبه فى أمر الدنيا والآخرة كالبنيان يشد بعضه بعضًا وكالمرآة له فى توقيفه إياه على عيوبه ونصيحته له فى المشد والمغيب وتعريفه إياه من خطة ومافيه صلاحه ما يخفى عليه، وهذا النوع من الإخوان فى زماننا كالكبريت الأحمر، وقد قيل هذه قبل هذا الزمان؛ كان يونس بن عبيد تقول: ما أنت بواجد شيئًا أقل من أخ فى الله صادق أو درهم طيب. فإن قال قائل: فأخبرنا عن الحب فى الله والبغض فيه أواجب هو أم فضل؟ قيل: بل واجب، هو قول مالك. فإن قيل: وما الدليل على ذلك؟ قيل: مارواه الأعمش عن أبى صالح، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (والذى نفسى بيده لاتدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه
стр. 4618
تحاببتم، افشوا السلام بينكم) وما أمرهم النبي فعليهم العمل به. ألا ترى أن أقسم ﵇ جهد النية أن الناس لن يؤمنوا حتى يتحابوا ولن يدخلوا الجنة حتى يؤمنوا. فحق على كل ذى لب أن يخلص المودة والحب لأهل افيمان؛ فقد روى عن النبى ﷺ : (أن الحب فى الله والبغض فى الله من أوثق عرى الإيمان) ، من حديث ابن مسعود والبراء. وروى عن ابن مسعود قال: (أوحى الله إلى نبى من الأنبياء ان قل لفلان الزاهد: أما زهدك فى الدنيا فتعجلت به راحة نفسك وأما انقطاعك إلى فقد تعززت بى، فماذا عملت فيما لى عليك؟ قال: يارب وما لك على؟ قال: هل واليت فى وليًا أو عاديت فى عدوًا) ؟ .
٤٠ - باب قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم (الآية (١
/ ٦٤ - فيه: عَبْدِاللَّهِ ابْنِ زَمْعَةَ، نَهَى النَّبِى ﵇ أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الأنْفُسِ، وَقَالَ: (بِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ، أَوِ الْعَبْدِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا) .
стр. 4619
/ ٦٥ - فيه: وَقَالَ ابْن عُمَر:، قال النَّبِى ﵇ بِمِنًى: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا) . قال المؤلف: قال أهل التفسير فى قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم) لا يطعن بعضكم على بعض. وقال: لا يستهزى قوم بقوم (عسى أن يكونوا خير منهم) عند الله، ومن هذا المعنى نهيه ﵇ أن يضحك مما يخرج من الأنفس: الأحداث الناقصة للوضوء؛ لأن الله تعالى سوىّ بين خلقه الأنبياء وغيرهم فى ذلك فقال تعالى فى مريم وعيسى ﵉: (كانا يأكلان الطعام) كناية عن الغائط، ومن المحال أن يضحك أحد من غيره أو يعيره بما أتى هو مثله ولاينفك منه. وقد حرم الله تعالى عرض المؤمن كما حرم دمه وماله فلا يحل الهزء والسخرة بأحد، واصل هذا إعجاب المرء بنفسه وازدراء غيره، وكان يقال: من العجب ان ترى لنفسك الفضل على الناس وتمقتهم ولاتمقت نفسك. وقد روى ثابت عن أنس أن النبى ﵇ قال: (لو لم تكونوا تذنبون لخشيت عليكم ماهو أكبر من ذلك: العجب العجب) وقال مطرف: لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إلى من أن أبيت قائمًا واصبح معجبًا. وقال خالد الربعى: فى اإنجيل مكتوب: المستكبر على أخيه بالدين بمنزلة القاتل.
стр. 4620
٤١ - باب: ما ينهى عنه من السباب واللعن
/ ٦٦ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قال: قال النَّبِىّ ﷺ : (سِبَابُ الْمُؤمن فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) . / ٦٧ - وفيه: أَبُو ذَرٍّ، سَمِعَ النَّبِى ﷺ يَقُولُ: (لا يَرْمِى رَجُلٌ رَجُلا بِالْفُسُوقِ، وَلا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ) . / ٦٨ - وفيه: أَنَس، قَالَ: لَمْ يَكُنْ النَّبِىّ ﵇ فَاحِشًا، وَلا لَعَّانًا، وَلا سَبَّابًا، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: (مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ) . / ٩٦ - وفيه: ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ، أَنَّ النَّبِىّ ﵇ قَالَ: (مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ) . / ٧٠ - وفيه: سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ، اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِى ﷺ ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (إِنِّى لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِى يَجِدُ) ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِى ﷺ ، وَقَالَ: (تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرجيم، فَقَالَ: أَتُرَى بِى بَأْسٌ؟ أَمَجْنُونٌ؟ أَنَا اذْهَبْ. / ٧١ - فيه: عُبَادَة، خَرَجَ النَّبِىّ ﷺ لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ ﵇: (خَرَجْتُ لأخْبِرَكُمْ بِهَا، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، وَإِنَّهَا رُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا. . . .) الحديث. / ٧٢ - وفيه: أَبُو ذَرّ، قَالَ: كَانَ بَيْنِى وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً
стр. 4621
فَنِلْتُ مِنْهَا، فَذَكَرَنِى إِلَى النَّبِى ﵇ فَقَالَ لِى: (أَسَابَبْتَ فُلانًا) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) . . . الحديث. قال المؤلف: سباب المسلم فسوق؛ لأن عرضه حرام كتحريم دمه وماله، والفسوق فى لسان العرب: الخروج من الطاعة، فينبغى ببمؤمن أن لايكون سبابًا ولا لعنًا للمؤمنين ويقتدى فى ذلك بالنبى ﵇ لأن السب سب الفرقة والبغضة، وقد من الله على المؤمنين بما جمعهم عليه من الفة افسلام فقال: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فالف بين قلوبكم) الآية، وقال: (إنما المؤمنون إخوة) فكما لا ينبغى سب أخيه فى النسب كذلك لاينبغى سب أخيه فى الإسلام ولا ملاحاتة. إلا ترى أن الله تعالى رفع معرفة ليلة القدر عن عباده وحرمهم علمها عقوبة لتلاحى الرجلين بحضرة النبى ﵇. قال ﵇ لأبى ذر لما سب الرجل الذى أمه أعجمية: (إنك أمرؤ فيك جاهلية) . وهذا غاية فى ذم السب وتقبيحة؛ لأن أمور الجاهلية حرام منسوخة بالإسلام، فوجب على كل مسلم هجرانها واجتنباها، وكذلك الغضب هو من نزعات الشيطان فينبغى للمؤمن مغالبة نفسه عليه والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فإن ذلك دواء للغضب، لقوله ﵇: (إنى لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذى يجد) يعنى التعوذ بالله من الشيطان. وأما قوله: (وقتاله كفر) فمعناه التحذير له عن مقاتلة ومشادته والتغليظ فيه، يراد به: كالكفر فلا يقاتله وهذا كما يقال: الفقر
стр. 4622
الموت، أي كالموت، ونظير هذا قوله ﵇: (كفر بالله من انتفى من نسب وإن دق وادعى نسبًا لا يعرف) ولم يرد أن من انتفى من نسبه أو أدعى غير نسبه كان كافرًا خارجًا عن الإسلام، ومثله فى الكلام كثير، وقد تقدم فى باب خوف المؤمن أن يحبط عمله فى كتاب الإيمان وكذلك تقدم معنى قوله ﷺ : (لعن المؤمن كقتله) فى كتاب الإيمان والنذور. وقوله ﵇: (ترب جبينه) معناه أصابه التراب ولم يرد الدعاء على مافسره أبو عمرو السيبانى فى قوله ﵇: (تربت يمينك) .
٤٢ - باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير
وَقَالَ النَّبِىُّ، ﵇: (مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ) ؟ ، وَمَا لا يُرَادُ بِهِ شَيْنُ الرَّجُلِ. / ٧٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رسُول اللَّه ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. . . الحديث. . . وَكَانَ فِى الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِى ﵇ يَدْعُوهُ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: صَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ. . . الحديث. قال المؤلف: اختلف أهل التأويل فى قوله تعالى: (ولا تنابزوا بالألقاب) فروى الأعمش عن أبى جبيرة بن الضحاك قال: (كان أهل الجاهلية لهم الألقاب، للرجل منهم الاسمان والثلاثة، فدعا
стр. 4623
النبي ﵇ رجلا منهم بلقبه فقالوا: يارسول الله، إنه يكره ذلك) ، فنزلت الآية. وروى عن ابن مسعود والحسن وقتادة وعكرمة، أن اليهودى والنصرانى كان يسلم قيلقب به، فيقال: يا يهودى، يا نصارانى، فنهوا عن ذلك، ونزلت الآية. وعو ابن عيينه: لاتقل: كان يهوديًا ولا مشركًا. قال الطبرى: وقد رأى قوم من السلف أن وصف الرجل غيره بما فيه من الصفة غيبة له، قال شعبة: سمعت معاوية بن قرة يقول: لو مر بك أقطع فقلت: ذاك الأقطع، كانت منك غيبة. وعن الحسن: ألا تخافون أن يكون قولنا: حميد الطويل غيبة؟ وكان قتادة يكره أن يقال: كعب الأحبار، وسلمان الفارسي؛ ولكن كعب المسلم وسلمان المسلم، وروى سليمان الشيبانى، عن حسان ابن المخارق (أن امرأة دخلت على عائشة فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبى ﵇ أنها قصيرة، فقال النبى ﷺ : اغتبتها) . وروى موسى بن وردان عن أبىهريرة (أن رجلاً قام عند النبى فرأو فى قيامه عجزًا، فقالوا: يا رسول الله، ما أعجز فلانًا قال رسول الله: أكلتم أخاكم واغتبتموه) . قال الطبرى: وإنما يكون ذلك غيبة من قائله إذا قاله على وجه الذم والعيب للمقول فيه وهو له كاره، وعن مثل هذا ورد النهى، وأما إذا قاله على وجه التعريف والتميز له من سائر الناس كقولهم: يزيد
стр. 4624
الرشك، وحميد الأرقط، والأحنف بن قيس، والنسبية إلى الأمهات: كإسماعيل ابن علية وابن عائشة، فإن ذلك بعيد من معنى الغيبة ومن مكروه ماورد به الخبر. قال المؤلف: ويشد لصحة هذا قصة ذى اليدين، ويبين أن معنى النهى عن التنابز بالألقاب فى الآية أن يراد به عيب الرجل وتنقصه. قوله ﵇: (أصدق ذو اليدين) فعرفه بطول يديه ولم يذكر اسمه، ولو لم يجز ذلك ما ذكره النبى ﵇ ولهذا استجاز العلماء ذكر العاهات لرواة الحديث، وروى أبو حاتم الرازى، حدثنا عبده قال: سل ابن المبارك عن الرجل يقول: حميد الطويل، وسليمان الأعمش، وحميد الأعرج، ومروان الأصفر. فقال عبد الله: إذا أراد صفته ولم يرد غيبته فلا باس به. وسئل عبد الرحمن بن مهدى عن ذلك. فقال: لا أراه غيبة، ربما سمعت شعبة يقول ليحى بن سعيد: ياأحول، ما تقول؟ يا أحول، ما ترى؟ ذكره ابن الفوطى فى كتاب الألقاب.
٤٣ - باب: الغيبة وقوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضا (
/ ٧٤ - فيه: ابْن عَبَّاس، مَرَّ النَّبِىّ ﵇ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ) . قال المؤلف: الغيبة قد فسرها النبى ﵇ فى مرسل مالك عن الوليد بن عبد الله بن صياد (أن المطلب بن عبد الله بن حنطب أخبره
стр. 4625
أن رجلاً سأل النبى ﵇ ما الغيبة؟ قال: أن تذكر من المرء ما يكره أن تسمع وإن كان حقًا، فإن قلت باطلا فذلك البهتان) . وترجم البخارى باب الغيبة وذكر فيه حديث النميمة إذ هى فى معنى الغيبة لكراهية المرء أن يذكر عنه بظهر الغيب، فأشتبها من هذه الجهة والغيبة المحرمة عند أهل العلم فى اغتياب أهل الستر من المؤمنين ومن لايعلن بالمعاصى، فأما من جاهز بالكبائر فلا غيبة فيه، وروى عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن اسلم قال: إنما الغيبة فيمن لم يعلن بالمعاصى. وسأذكر غيبة أهل المعاصى فى باب مايجوز من اغتياب أهل الفساد، والغيبة من الذنوب العظام التى تحبط الأعمال. روى عن الرسول أنه قال: (الغيبة تاكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) . وقد قيل: أنها تفطر الصائم بإحباط أجره، وقد تأول بعض أهل العلم فى قوله ﵇: (أفطر الحاجم والمحجوم) أنهما كانا يغتابان على ما تقدم فى باب الصيام، ولذلك قال النخعى: ماأبالى اغتبت رجلا أم شربت ماء بارًا فى رمضان. وعنه ﵇ أنه قال: (ما صام من ظل يأكل لحوم الناس) . ولعظيم وزر الغيبة وكثرة ماتحبط من الأجر كف جماعة من العلماء عن اغتياب جميع الناس حتى لقد روى عن ابن المبارك أنه قال: لو كنت مغتابًا أحدًا لاغتبت والدي؛ لأنهما أحق الناس بحسناتى. وقال رجل لبعض السلف: إنك قلت فيّ. قال: أنت
следующие страницы →