← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وحجة الأوزاعى: أن شأن الإمامة الكمال، ومعلوم أن الطهارة بالصعيد طهارة ضرورة كما تقدم، فأشبهت صلاة القاعد المريض يؤم قيامًا، والأمى يؤم من يحسن القراءة. وأما التيمم بالسبخة فهو قول جماعة العلماء على ظاهر قوله ﷺ : تمت جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا -، فدخل فيه السبخة وغيرها. وخالف ذلك إسحاق بن راهويه، فقال: لا يجزئه التيمم بالسبخة. قال المهلب: فى حديث المزادتين من الفقه: أن النبى، ﷺ ، قد ينام كنوم البشر فى بعض الأوقات، إلا أنه لا يجوز عليه الأضغاث، لقوله: تمت رؤيا الأنبياء وحى -. وفيه: أن الأمور يحكم فيها بالأعم، لقوله: تمت كنا لا نوقظ النبى ﷺ ، لأنا لا نعلم ما يحدث له فى نومه -، وقد يحدث له وحى، أو لا يحدث، فحكموا بالأعم كما حكم على النائم غيره بحكم الحدث، وقد يكون الحدث، أو لا يكون. وفيه: التأدب فى إيقاظ السيد كما فعل عمر، لأنه لم يوقظ النبى ﷺ بالنداء بل أيقظه بذكر الله إذ علم عمر أن أمر الله يحثه على القيام. وفيه: أن عمر أجلد المسلمين كلهم، وأصلبهم فى أمر الله. وفيه: أن من حَلَّت به فتنة فى بلد، فليخرج عنه، وليهرب من الفتنة بدينه كما فعل النبى، ﷺ ، بارتحاله عن بطن الوادى الذى تشاءم به لما فتنهم فيه الشيطان.

стр. 457

وفيه: أن من ذكر صلاة أن له أن يأخذ فيما يصلحه لصلاته طهور ووضوء، وانتقاء البقعة التى تطيب عليها نفسه للصلاة، كما فعل الرسول ﷺ بعد أن ذكر الصلاة الفائتة فارتحل بعد الذكر، ثم توضأ وتوضأ الناس، وهذا لا يتم إلا فى مهلة، ثم أذن واجتمع الناس وصلوا. وفيه: رد لقول عيسى بن دينار أن حديث الوادى هذا، وتأخير الرسول ﷺ عن المبادرة بالصلاة فى الوادى قبل أن يرتحل منسوخ بقوله: (أقم الصلاة لذكرى) [طه: ١٤] ، لأنه ﷺ لما خرج عن الوادى وصلى، خطبهم مؤنسًا لهم مما عرض لهم، فقال ﷺ : تمت إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها فى حين الصلاة، ولكن من فاتته صلاة، أو نسيها، فليصلها، إذا ذكرها، فإن الله يقول: (أقم الصلاة لذكرى (-، فاحتج النبى، ﷺ ، بالآية على فعله، وآنس القوم بذلك، وأشار لهم إلى قوله تعالى المعروف عندهم، فكيف يكون ما نزل الله قبل ناسخًا لما كان بعد؟ إنما ينسخ الآخر الأول، وهذه الآية نزلت بمكة، وهذه القصة عرضت بعد الهجرة. وفيه من الفقه: أن من فاتتهم صلاة بمعنى واحد أن لهم أن يجمعوها إذا ذكروها بعد خروج وقتها، وأن تأخير المبادرة إليها لا يمنع الإنسان أن يكون ذاكرًا لها، وأن يعيدها. وفيه: طلب الماء للشرب والوضوء، والبعثة فيه. وفيه: أن الحاجة إلى الماء إذا اشتدت أن يؤخذ حيث وجد ويعوض صاحبه منه، كما عُوضت المرأة.

стр. 458

وفيه: من دلائل النبوة ومعجزات الرسول ﷺ أن توضأ أهل الجيش، وشربوا واغتسل من كان جنبًا مما سقط من العزالى، وبقيت المزادتان مملوءتين بركته وعظيم برهانه. وفيه: مراعاة ذمام الكافر والمحافظة به كما حفظ النبى ﷺ هذه المرأة فى قومها وبلادها، فراعى فى قومها ذمامها، وإن كانت من صميمهم فهى من أدناهم، وكان ترك الغارة على قومها سببًا لإسلامها، وإسلامهم وسعادتهم. وفيه: بيان مقدار الانتفاع بالاستئلاف على الإسلام، لأن قعودهم عن الغارة على قومها كان استئلافًا لهم، فعلم القوم قدر ذلك، وبادروا إلى الإسلام رعاية لذلك الحق. وقوله: تمت ونفرنا خلوف - قال الخطابى: يقال: الحى خلوف إذا غابوا وخلفوا أثقالهم، وخرجوا فى رعى، أو سقى، أو نحوه، ويقال: أخلف الرجل إذا استقى الماء واستخلف مثله، وأنشد الفراء: وَبَهْمَاء يستاف التراب دليلها وليس بها إلا اليمانىُّ مخلف يقول: إنهم إذا عطشوا بقروا بالسيوف بطون الإبل، فشربوا ما فى أكراشها، ويقال للقطا: المخلفات، لأنها تستقى لأولادها الماء وتخلف. وقال أبو عبيد: الحى خلوف: غُيَّب وحضور، ومنه قوله تعالى: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) [التوبة: ٨٧، ٩٣] أى النساء. وأنشد فى العيب:

стр. 459

أصبح البيت بيت آل بيان مقشعرا والحى حى خلوف أى لم يبق منهم أحد. والعزالى جمع عزلاء، والعزلاء فم المزادة الأسفل، عن أبى عبيد. قال صاحب العين: العزلاء مصب الماء من الراوية، وكذلك عزلاء القربة، ولذلك سميت عزلاء السحاب. والصرم: النفر ينزلون بأهليهم على الماء. يقال: هم أهل صرم والجمع أصرام. فأما الصرمه، بالهاء، فالقطعة من الإبل نحو الثلاثين، عن الخطابى. ٧ - بَاب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوِ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِى لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلا: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: ٢٩] فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ، ﷺ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ. / ٩ - فيه: أَبُو مُوسَى أَنّه قَالَ لابْن مَسْعُود: إِذَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ لا تُصَلِّى، قَالَ عَبْدُاللَّهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِى هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ الْبَرْدَ، قَالَ:

стр. 460

هَكَذَا - يَعْنِى تَيَمَّمَ - وَصَلَّى، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟ قَالَ إِنِّى لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ. / ١٠ - وَقَالَ أَبُو مُوسَى مرةٍ لابن مَسْعُود: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ، إِذَا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدْ مَاءً، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ: لا يُصَلِّى، حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : تمت كَانَ يَكْفِيكَ -؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بقولِ عَمَّارٍ، فَقَالَ أبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَول عَمَّار، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُاللَّهِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِى هَذَا، لأوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ، وَيَتَيَمَّمَ، قَالَ الأعمش: فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُاللَّهِ لِهَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قال ابن القصار: كل من خاف التلف من استعمال الماء جاز له تركه وتيمم بلا خلاف بين فقهاء الأمصار فى ذلك، وأما إن خاف الزيادة فى مرضه، ولم يخف التلف، فقال مالك: يجوز له التيمم، وهو قول أبى حنيفة، والثورى. واختلف قول الشافعى، فقال مثل قول مالك، وقال: لا يعدل عن الماء إلا أن يخاف التلف، وقد روى عن مالك مثل هذا. وقال عطاء، والحسن البصرى، فى رواية: لا يستباح التيمم بالمرض أصلاً، وكرهه طاوس، وإنما يجوز للمريض التيمم عند عدم الماء، فأما مع وجوده فلا، وهو قول أبى يوسف، ومحمد. والدليل لجواز التيمم، وإن لم يخف التلف ما احتج به أبو موسى على ابن مسعود من قوله تعالى: (فلم تجدوا ماءً) [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] ، ولم يفرق

стр. 461

بين مرض التلف، أو مرض يخاف زيادته، فهو عام فى كل مرض إلا أن يقوم دليل. وأما قصة عمرو بن العاص: تمت فإن الرسول ﷺ ولاه غزوة ذات السلاسل، فاحتلم فى ليلة باردة، فقال: إن اغتسلت هلكت، فتيمم وصلى بالناس، فأتى النبى ﷺ ، فقال له: صليت بالناس وأنت جنب؟ فقال: سمعت الله يقول: (ولا تقلتوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا) [النساء: ٢٩] ، فضحك النبى ﷺ ولم يقل شيئًا -. ففى هذا الخبر فوائد: منها: جواز التيمم للخائف من استعمال الماء. والثانية: جواز التيمم للجنب، بخلاف ما روى عن عمر، وابن

стр. 462

مسعود. والثالثة: جواز التيمم لأهل البرد. والرابعة: أن المتيمم يصلى بالمتطهرين. وأيضًا فإن الرخص كلها تستباح بلحوق المشقة، ولا تقف على خوف التلف، كالفطر، وترك القيام فى الصلاة، فإن المريض يفطر إذا شق عليه الصوم، ولا يقال له: لا تفطر حتى تخاف التلف، وكذلك المضطر إلى أكل الميتة، إذا لحقه الجوع الشديد، وإن لم يخف التلف. وأجمع الفقهاء أن المسافر إذا كان معه ماء وخاف العطش أنه يُبقى ماءه للشرب ويتيمم. وأجمعوا أن الجنب يجوز له التيمم، إلا ما روى عن عمر، وابن مسعود أنهما لا يجيزان التيمم للجنب، لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطهروا) [المائدة: ٦] ، وقوله: (ولا جنبًا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا) [النساء: ٤٣] ، وقد روى مثل هذا عن ابن عمر، واختلف فيه عن علىّ. وخفيت عليهم السنة فى ذلك من رواية عمار، وعمران، وإنما استراب عمر عمارًا فى ذلك، لأنه كان حاضرًا معه، فلم يذكر القصة وأنسيها، فارتاب، ولم يقنع بقوله، وكان عمر وابن مسعود لما كان من رأيهما أن الملامسة فى الآية هى ما دون الجماع، وكان التيمم فى الآية يعقب الملامسة منعا الجنب التيمم، ورأيا أن التيمم إنما جعل بدلاً من الوضوء، ولم يجعل بدلاً من الغسل، فكان من رأى ابن عباس، وأبى موسى: أن الملامسة فى الآية الجماع، فأجازا للجنب التيمم، ألا ترى أن أبا موسى حاجَّ ابن مسعود بالآية التى فى سورة النساء، فإن الملامسة فيها الجماع، فلم يدفعه ابن مسعود عن ذلك، ولا قدر أن يخالفه فى تأويله للآية فلجأ إلى قوله أنه لو رخص لهم فى هذا كان أحدهم إذا برد عليه الماء تيمم، وقد ذكر ابن أبى شيبة قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبى سنان، عن الضحاك قال: رجع عبد الله عن قوله فى تيمم الجنب ولم يتعلق أحد من فقهاء الأمصار، من قال: إن الملامسة الجماع، ومن قال: إنها دون الجماع، بقول عمر وابن مسعود، وصاروا إلى حديث عمار وعمران بن حصين فى ذلك، إلا إنهم اختلفوا، ثم أجازوا للجنب التيمم، فمن قال: الملامسة الجماع أوجب التيمم بالقرآن، وهو قول

стр. 463

الكوفيين، ومن قال: الملامسة ما دون الجماع أوجب التيمم للجنب بحديث عمار وعمران، وهو قول مالك. قال المهلب: وفى قول أبى موسى لابن مسعود: تمت فدعنا من قول عمار، كيف تصنع فى هذه الآية؟ - فيه: الانتقال فى الحجاج مما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق، وذلك أنه يجوز للمناظرين عند تعجيل القطع والإفحام للخصم، ألا ترى أن إبراهيم إذ قال: ربى الذى يحيى ويميت، قال له النمروذ: أنا أحيى وأميت، لم يحتج أن يوقفه على كيفية إحيائه وإماتته، بل انتقل إلى مسكت من الحجاج فقال: إن الله يأتى بالشمس من المشرق فائت بها من المغرب. ٨ - باب التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ / ١١ - فيه: أَبِى مُوسَى وعَبْدِ اللَّهِ إلى قَول النَّبِىِّ ﷺ : تمت إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا -، وضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِا ظَهْرَ كَفِّيهِ شِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِا وَجْهَهُ -. اختلف العلماء فى صفة التيمم، فقالت طائفة: هو ضربتان: ضربة للوجه يمسح بها وجهه، وضربة لليدين يمسحهما إلى المرفقين اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى، روى هذا عن ابن عمر، والشعبى، والحسن، وسالم، وهو قول مالك، والثورى، والليث، وأبى حنيفة وأصحابه، والشافعى، وذكره الطحاوى، عن الأوزاعى، وهؤلاء كلهم لا يجزئه عندهم المسح دون المرفقين، إلا مالك فإن

стр. 464

الفرض عنده إلى الكوعين، وروى عن على بن أبى طالب مثل هذا، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين. وقالت طائفة: التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه إلى مرفقيه، هذا قول ابن أبى ليلى والحسن بن حى. وقالت طائفة: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين إلى الكوعين. روى هذا عن عطاء، ومكحول، ورواية عن الشعبى، وهو قول الأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، واختيار ابن المنذر. وروى ابن القاسم عن مالك: إن مسح وجهه ويديه بضربة واحدة أرجو أن يجزئه، ولا إعادة عليه، والاختيار عنده ضربتان. فأما الذين اختاروا ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، فإنهم قاسوا ذلك على الوضوء، واتبعوا فعل ابن عمر فى ذلك، وقالوا: لما كان غسل الوجه بالماء غير غسل اليدين، فكذلك يجب أن تكون الضربة للوجه فى التيمم غير الضربة لليدين. وأما قول ابن أبى ليلى والحسن بن حى فهو شذوذ لا سلف له، وأصح ما فى حديث عمار أنه ضرب ضربة واحدة لكفيه ووجهه، رواه الثورى، وأبو معاوية، وجماعة عن الأعمش، عن أبى وائل، وسائر أحاديث عمار مختلف فيها. واحتج ابن القصار لهذا القول فقال: إذا ضرب بيديه إلى الأرض، فبدأ بمسح وجهه، فإلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى فى يديه شىء من التراب، فإذا جاز فى بعض الوجه ذلك ولم يحتج أن يعيد

стр. 465

ضرب يديه على الأرض، لم يحتج أن يضرب بيديه ليديه، لأنه ليس كالماء الذى من شرطه أن يماس كل جزء من الأعضاء. قال غيره: وفيه جواز ترك الترتيب فى التيمم، لأنه ﷺ مسح كفيه قبل وجهه فى إحدى الروايات. تم كتاب الطهارة والحمد لله وصل الله على محمد وآله وصحبه، وبه تم الجزء الأول ويليه بإذن الله الجزء الثانى وأوله - كتاب الصلاة -

стр. 466

الجزء الثانى

стр. 467

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَاب الصَّلاةِ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ فِي الإسْرَاءِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ، فَقَالَ: يَأْمُرُنَا - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ - بِالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ. / ١ - فيه: أنس قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فلما جئت إلى السماء الدنيا. .) ، الحديث، وذكر حديث الإسراء. قَالَ ﷺ : (فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ) .

стр. 468

/ ٢ - وفيه: عائشة قالت: (فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلاةِ الْحَضَرِ) . أجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان فى الإسراء، واختلفوا فى تاريخ الإسراء، فقال الذهبى فى تاريخه: أسرى برسول الله بعد مبعثه بثمانية عشر شهرًا. وقال أبو إسحاق الحربى: أُسرى بالنبى ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، وفرضت الصلاة عليه. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: إن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة، وروى يونس ابن بكير، عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصى، عن ابن شهاب: أن الصلاة فرضت بمكة بعد ما أوحى إليه بخمس سنين. فعلى قول موسى بن عقبة إذا كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، فهو بعد مبثعه بتسع سنين، أو باثنتى عشرة سنة على اختلافهم فى مقامه بمكة بعد مبعثه، وقول الزهرى أولى من قول الذهبى؛

стр. 469

لأن ابن إسحاق قال: أسرى برسول الله وقد فشا الإسلام بمكة، وفى القبائل كلها، ورواية الوقاصى أولى من رواية موسى بن عقبة؛ لأنهم لا يختلفون أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة عليه، وتوفيت قبل الهجرة بأعوام. قال ابن إسحاق: ثم إن جبريل أتى الرسول حين فرضت الصلاة عليه فى الإسراء، فهمز له بعقبه فى ناحية من الوادى فانفجرت عين ماء مزن، فتوضأ جبريل ومحمد ينظر، فرجع رسول الله، وقد أقرّ الله عينه، فأخذ بيد خديجة، ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل، ثم صلى هو وخديجة ركعتين كما صلى جبريل، فهذا يدل أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام؛ لأن خديجة قيل: إنها توفيت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بثلاث. وأما قول ابن إسحاق أن جبريل نزل عليه بالوضوء، فإنما أخذه، والله أعلم، من حديث زيد بن حارثة، رواه عقيل عن ابن شهاب، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه: (أن النبى فى أول ما أوحى إليه أتاه جبريل فَعَلَّمَهُ الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح فرجه) . وقال نافع بن جبير: (أصبح النبى ليلة الإسراء، فنزل عليه جبريل حين زاغت الشمس، فصلى به، ولذلك سميت: الأولى، وقال جماعة من العلماء: لم يكن على الرسول صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أُمِرَ به من قيام الليل من غير تحديد ركعات معلومات،

стр. 470

ولا وقت محصور، فكان يقوم أدنى من ثلثيه ونصفه وثلثه، وقامه المسلمون معه نحوًا من حولٍ حتى شق عليهم، فأنزل الله التخفيف عنهم ونسخه. وقال ابن عباس: لما نزلت: (يا أيها المزمل) [المزمل: ١] ، كانوا يقومون نحوًا من قيامهم فى رمضان، حتى نزل آخرها، وكان بَيْن أولها وآخرها حول. وفى حديث الإسراء إعلام فرض الصلاة كيف كان، وتقدم. وإجماع الأمة على عدد فرض الصلاة وأنها خمس صلوات وعددها وركوعها وسجودها غير أبى حنيفة، فإنه شَذَّ وزاد أن الوتر فرض وليس ذلك فى حديث الإسراء، فأدخل البخارى حديث عائشة فى هذا الباب ليبينَ أن فرض الصلاة كان ركعتين ركعتين، وإن كان السلف قد اختلفوا فى ذلك، فروى عن ابن عباس، ونافع بن جبير ابن مطعم، والحسن البصرى، وابن جريج: أن الصلاة فرضت فى الحضر أربعًا وفى السفر ركعتين، وأن جبريل نزل صبيحة ليلة الإسراء، فأقام لرسول الله ﷺ الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والعشاء أربعًا. وقال ميمون بن مهران، والشعبى، وابن إسحاق، وجمهور العلماء: بظاهر حديث عائشة أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فى الحضر والسفر، على أن عائشة قد أفتت بخلاف هذا الحديث، فكانت تُتِمُّ فى السفر، وقد قال بعض من أنكر حديث عائشة: أنه

стр. 471

معارض لكتاب الله، ، وهو قوله تعالى: (وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) [النساء: ١٠١] ، وهذا يدل أن صلاة السفر كانت كاملة؛ لأنه لا يجوز أن يؤمروا بالقصر إلا من شىءٍ تامٍّ قبل القصر، قال: ويدل على هذا ما رواه قتادة، عن سليمان اليشكرى أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة فى الخوف أى يوم أنزل، وأين هو؟ قال: انطلقنا نتلقَّى عير قريش من الشام حتى إذا كنا بنخل، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، تخافنى؟ قال: (لا) ؟ ، قال: فمن يمنعك منى، قال: (الله) قال: فسل السيف فتهدده القوم وأوعدوه، فنادى رسول الله ﷺ بالرحيل، وأخذ السلاح، ونودى بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ بطائفة من القوم ركعتين، وطائفة من القوم يحرسونهم، ثم جاء الآخرون، فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم، فكان للنبى ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان ركعتان، فيومئذ أنزل الله صلاة الخوف) . فالجواب: أنه لا تعارض بين حديث عائشة وبين كتاب الله، تعالى، وذلك أنه يجوز أن يكون فرض الصلاة كان ركعتين ركعتين فى الحضر والسفر كما قالت عائشة، فلما زيد فى صلاة الحضر، قيل لهم: إذا ضربتم فى الأرض، فصلوا ركعتين مثل الفريضة الأولى، ولا جناح عليكم فى ذلك، وقد جاء هذا المعنى بينًا فى حديث عائشة؛ روى داود بن أبى هند عن الشعبى، عن عائشة، قالت: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم النبى ﷺ المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها غير المغرب؛ فإنها وتر صلاة النهار، وصلاة الصبح؛ لطول

стр. 472

قراءتها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى) ، رواه معمر عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة قالت: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم هاجر النبى ﷺ ، ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى) ، [. . .] هذا المعنى للطحاوى بل هو فى كتاب البخارى الذى شرحته بهذا الكتاب فى باب: التأريخ بعد الهجرة. فإن قيل: فقد يكون قوله تعالى: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) [النساء: ١٠١] ، بعد إتمام الصلاة فى الحضر، قلت: فما معنى ذكر الجناح فى ذلك؟ . قيل: المعنى فى ذلك، والله أعلم، أن الله تعالى، ذكر قصة الصلاة فى حال الخوف وسنَّ النبى ﷺ من الرخصة فى هيئتها صفةً مفارقةً لجميع صلوات حال الأمن، فوضع الله الجناح عن عباده فى قصر عددها وتغيير هيئتها، وجعل القصر فى السفر رفقًا بعباده وتخفيفًا عنهم كما قال عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ليعلى بن أمية حين قال له: ما لنا نقصر وقد أَمنَّا؟ قال: (تلك صدقة تصدق الله عليكم، فاقبلوا صدقته) ، فدل إتمام عائشة فى السفر أن القصر ليس بمعنى الحتم ولا إلزام للمسافر، إذ لو كان كذلك لم يجز أن تتم فى السفر، وإنما أتمت لأنها فهمت المعنى فى ذلك من النبى ﷺ ، ويشهد لصحة تأويلها فى ذلك قول عمر ابن الخطاب، رضى الله عنه، تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته. وقد أجمعت الأمة أنه لا يلزم المتصدق عليه قبول الصدقة فرضًا وسأزيد فى هذا الباب بيانًا فى أبواب قصر الصلاة فى السفر، إن شاء الله تعالى. قال إسماعيل بن إسحاق: وأما حديث قتادة عن سليمان اليشكرى

стр. 473

فهو ضعيف؛ لأن قتادة لم يسمع منه شيئًا، وسمعت على بن المدينى يقول: مات سليمان اليشكرى قبل جابر ابن عبد الله، وإنما كانت صحيفة، فكان قتادة وغيره يحدثون بما وجدوا فيها. وقد روى عن جابر خلاف حديث سليمان اليشكرى، روى شعبة عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: (صلينا مع النبى ﷺ صلاة الخوف فركع بالصف المقدم ركعة وسجد سجدتين، ثم تأخروا وتقدم الآخرون فركع بهم ركعة واحدة) ، فهذا معارض لحديث اليشكرى. قال المهلب: وقوله فى حديث الإسراء: (ففرج صدرى، ثم غسله، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه فى صدرى) . فيه من الفقه: أن أمور الله تعالى، المعظمة لا بأس بتحليتها واستعمال الذهب والفضة فيها بخلاف سائر أمور الدنيا التى نهى عن استعمال الذهب والفضة فيها من أجل السرف، ألا ترى أنه أبيح تحلية المصحف الذى فيه كلام الله كما جاءه جبريل بالحكمة والإيمان من عند الله، ، من طست من ذهب، وذكر أبو عبيد فى كتاب فضائل القرآن، باب: تزيين المصاحف وحليتها بالذهب والفضة، وقال الأعمش: عن أبى وائل: كان ابن مسعود إذا مُرَّ عليه بمصحف وقد زين بالذهب، قال: (إن أحسن ما زُيِّنَ به المصحف تلاوته) .

стр. 474

وعن ابن عباس أنه كان إذا رأى المصحف قد فُضِّضَ أو أذهب قال: (تُغْرُون به السارق، وزينته فى جوفه) ، وأجاز ابن سيرين تزيين المصحف وتحليته، وكذلك أبيح حلية السيف الذى هو من أمر الله تعالى، وسلطانه على من كفر به، والخاتم الذى يطبع به عهود الله، وعهود رسله النافذة إلى أقطار الأرض بالدين، وما سوى ذلك من متاع الدنيا فممنوع من التحلية غير حُلِىِّ النساء والمباح لهن ليتزين به للرجال. وفيه: أن أرواح المؤمنين يُصعد بها إلى السماء؛ ألا ترى أنه وجد آدم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء فى السماء. وقوله فى آدم: (عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى) ، فيه دليل على أن أعمال بنى آدم الصالحة تَسُرُّ أباهم آدم، ﵇، وأن أعمالهم السيئة تسوءه وتحزنه. وفيه: دليل أنه يجب أن يرحبَ بكل أحد من الناس فى حسن لقائه بأكرم المنازل وأقرب القرابة؛ ألا ترى أنه لما كان محمد من ذريته قال: مرحبًا بالابن الصالح، ومن كان من غير ذريته قال له: مرحبًا بالأخ الصالح، فكذلك يحب أن يُلاقى المرءُ بأحسن صفاته وأعمها بجميل الثناء عليه؛ ألا ترى أن كلهم قال له: (الصالح) لشمول الصلاح على سائر الخلال الممدوحة من الصدق، والأمانة، والعفاف، والصلة، والفضل ولم يقل أحد: مرحبًا بالنبى الصادق الأمين وما شاكله؛ لشمول الصلاح وعمومه لسائر خلال الخير.

стр. 475

وفيه: دليل أن أوامر الله تعالى، تكتب بأقلام شتَّى؛ لقوله: (أسمع صريف الأقلام) ، ففى هذا أن العلم ينبغى أن يكتب بأقلام كثيرة، تلك سنة فى سماواته، فكيف فى أرضه. وقوله: (لا يبدل القول لدى) ، يعنى: ما قضاه وأحكمه من آثار معلومة، وآجال مكتوبة، وأرزاق معدودة، وشبه ذلك مما لا يبدل لديه، وأما ما نسخه تعالى رفقًا بعباده، فهو الذى قال فيه تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) [الرعد: ٣٩] . وفيه: جواز النسخ قبل الفعل؛ ألا ترى أنه نسخ الخمسين صلاة قبل أن تُصلى بخمس صلوات تخفيفًا عن عباده، ثم تفضل عليهم بأن جعل ثواب الخمس صلوات كثواب الخمسين، أو جعل الحسنة عشرًا. وفيه: جواز الاستشفاع والمراجعة فى الشفاعة مرة بعد أخرى. وفيه: الاستحياء من التكثير فى الحوائج، خشية الضعف عن القيام بشكرها. وفيه: دليل أن الجنة فى السماء. وفيه: (ودخلت الجنة فإذا فيها جبايل اللؤلؤ) ، هو تصحيف، والله أعلم، والصواب: (جنابذ اللؤلؤ) ، كذلك فسره ثابت عن ابن السكيت، وقال: (الجنبذة) ، ما ارتفع من البناء، وبهذا اتضح معنى اللفظة؛ لأنه ﵇ إنما وصف أرض الجنة وبنيانها، فقال: ترابها مسك، وبنيانها لؤلؤ، وقد ذكر البخارى هذه اللفظة فى كتاب الأنبياء عن عنبسة، عن يونس، عن ابن شهاب، كما فسرها أهل

стр. 476

اللغة: (جنابذ اللؤلؤ) ، وإنما جاء الغلط فيها، والله أعلم، من قبل الليث عن يونس، وقد ذكر الطبرى هذا المعنى مبينًا فى بعض طرق حديث الإسراء من طريق ميمون بن سياه، عن أنس قال فيه: (ثم انطلق به إلى باب الجنة فإذا هو بنهر هو أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، بجنبتيه قباب الدر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذى أعطاك الله، وهذه مساكنك، وأخذ جبريل بيده من تربته فإذا هو مسك أذفر. . . .) وذكر الحديث. وروى الأصيلى بإسناده، عن محمد بن العلاء الأيلى، عن يونس الأيلى، عن الزهرى، وقال فيه: (دخلت الجنة فرأيت فيها جنابذ من اللؤلؤ، وترابها المسك، فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ قال: للمؤذنين والأئمة من أمتك) . وقوله: عن يساره أسودة فهو جمع سواد، والسواد الشخص كما قال الشاعر: يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل - باب وُجُوبِ الصَّلاةِ فِي الثِّيَابِ وَقَوْلهِ تَعَالَى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف ٣١] وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) . فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذًى، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَلاَّ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.

стр. 477

/ ٣ - فيه: أم عطية قالت: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ المُصَّلى، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا) . الواجب من اللباس فى الصلاة ما يستر به العورة، وأما غير ذلك من الثياب فالتجمل بها فى الصلاة حسن، والله أحق من تجمل له، وأجمع أهل التأويل على أن قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) [الأعراف: ٣١] ، نزلت من أجل الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، ولذلك أمر الرسول ألا يطوف بالبيت عريان. وقوله: (يزره ولو بشوكة) ، و (لتلبسها صاحبتها من جلبابها) ، يدل على وجوب ستر العورة فى الصلاة؛ لأنه إذا زره أمن عند ركوعه وسجوده أن تبدو عورته. قال ابن القصار: وقد اختلف الناس فى ستر العورة فى الصلاة، فبعض أصحاب مالك يقول: إن الستر من سنن الصلاة، وإليه ذهب إسماعيل القاضى، وأبو الفرج المالكى بعد أن ذكر أنه يجىء على مذهب مالك أن يكون فرضًا لقوله فى كفارة المساكين: إن كساهم وكانوا نساء، فدرع درع وخمار، وإن كانوا رجالاً فثوب ثوب، وذلك أدنى ما تجزئ به الصلاة، فدل أن الصلاة لا تجزئ إلا بذلك. وكان أبو بكر الأبهرى يقول: إن ستر العورة فرض فى الجملة، على الإنسان أن يسترها عن أعين المخلوقين فى الصلاة وغيرها،

стр. 478

والصلاة أوكد من غيرها، وقال أبو حنيفة، والشافعى: إنها من فرض الصلاة، فاحتج إسماعيل بأنه يجوز له ستر عورته قبل الدخول فى الصلاة بغير نية، وإنما هى آلةُ يؤتى بها قبل الصلاة، فلو كانت فرضًا لما صح الإتيان بها إلا بنية كالطهارة. قال ابن القصار: فالجواب أن التوجه إلى القبلة مما تختص به الصلاة، ويجوز بغير نية، ولا يدل ذلك على سقوط فرضه مع القدرة عليه، واحتج إسماعيل أيضًا بأنه لو كان فرضًا فى الصلاة لكان العريان لا يجوز له أن يصلى؛ لأن كل شىء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه أو ببدله مع عدمه كالعاجز عن القيام يصلى قاعدًا، وكالعاجز عن الركوع والسجود يومئ، أو كالتيمم مع عدم وجود الماء، والذى صلى عريانًا لم يفعل فى اللبس فعلاً يقوم مقام اللبس مع عدمه. وقد أجيب عن ذلك بأننا لا نقول: إن ستر العورة يجب لأجل الصلاة، فلا معنى لاعتباره بأفعال الصلاة، وبما يجب لأجلها كالوضوء الواقع إلى بدل، وكالقبلة وغير ذلك مما تختص به الصلاة، وإنما هو فرض فى الجملة، ويتأكد حكم الصلاة فيه، وليس كل شىء من فروض الصلاة يسقط إلى بدل مع الضرورة؛ لأن القراءة واجبة على المنفرد وتسقط عنه خلف الإمام لا إلى بدل، وكذلك الأُمِّى الذى لا يحسن القراءة ولا التسبيح تصح صلاته من غير بدل. فإن قيل: فعلى أى شىء يُحمل قول مالك: إن الحرة إذا صلتْ بغير خمار أنها تعيد فى الوقت، ولو كان فرضًا؛ لوجب أن تعيد فى الوقت وبعده؟ قيل: يحمل على أنه يعفى عن القليل منها لاختلاف

стр. 479

الناس فى ذلك، فلم يقل مالك: إنها لو صلت مكشوفة السوأة أنها تعيد فى الوقت مع قدرتها على ستر ذلك، ولو قال ذلك، لم يمنع من كون الستر فرضًا؛ ألا ترى أن الصلاة فى الدار المغصوبة وفى الثوب المغصوب والوضوء بالماء المغصوب فرض عليه ألا يصلى بشىء من ذلك، ولو صلى بجميع ذلك كان قد ترك الفرض وعصى وعليه الإعادة فى الوقت ولا يعيد بعد الوقت، وكذلك التسمية على الذبيحة. فبعض الفروض إذا تركها عمدًا أعاد فى الوقت، وبعضها يختلف حكمها فى العمد والنسيان، وبعضها يتفق، وإنما هو على حسب الأدلة فى قوة بعضه وانخفاض بعضه، وحديث سلمة بن الأكوع أصل فى هذه المسألة وهو قوله: (يزره ولو بشوكة) ، ولو كان ستر العورة سنة لم يقل له ذلك، وإنما قال البخارى: وفى إسناده نظر؛ لأن رواية الدراوردى عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة بن الأكوع، قال: قلت: يا رسول الله، إنى أعالج الصيد فأصلى فى القميص الواحد، قال: (نعم، وزره ولو بشوكة) . وموسى بن محمد فى حديثه مناكير، قاله البخارى فى كتاب الضعفاء، ورخص مالك فى الصلاة فى القميص محلول الإزار ليس عليه سراويل ولا رداء، وهو قول الكوفيين والشافعى وأبى ثور، إلا أنه إن رأى من جيبه عورته أعاد الصلاة عندهم. ٣ - باب عَقْدِ الإزَارِ عَلَى الْقَفَا فِي الصَّلاةِ وَقَالَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ. / ٤ - فيه: جابر: أنه صَلَّى فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ

стр. 480

عَلَى الْمِشْجَبِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ لَهُ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ، لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ الرَسُول ﷺ . / ٥ - وقال جابر مرة: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) . عقدُ الإزار على القفا فى الصلاة إذا لم يكن مع الإزار سراويل ولا مئرز، وهو معنى قوله ﷺ : (زره ولو بشوكة) ، وهذا كله تأكيد فى ستر العورة فى الصلاة؛ لأنه إذا عقد إزاره فى قفاه وركع لم تبد عورته، فكذلك كان أصحاب الرسول يعقدون أزرهم فى الصلاة إذا لم يكن تحتها ثوب آخر. وفى حديث جابر من الفقه أن العالم قد يأخذ بأيسر الشىء وهو يقدر على أكثر منه توسعة على العامة وليقتدى به؛ ألا ترى أنه صلى فى ثوب واحد وثيابه على المشجب. ففى ذلك جواز الصلاة فى الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه، وهو قول جماعة من الفقهاء إلا أنه قد روى عن ابن عمر خلاف ذلك، وروى عن ابن مسعود مثل قول ابن عمر، وسأذكره فى الباب بعد هذا، إن شاء الله تعالى، وروى ابن جريج، عن نافع أن ابن عمر كساه فدخل المسجد، فوجده يصلى متوشحًا، فقال له: أليس لك ثوبان؟ قال: بلى، قال: أرأيت لو استعنت بك وراء الدار كنت لابسهما؟ قال: نعم، قال: فالله أحق أن تتزين له، فأخبره عن النبى، أو عن عمر، قال: لا يشتمل أحدكم فى الصلاة اشتمال اليهود، ومن كان له ثوبان فليتزر

стр. 481

وليرتد، ومن لم يكن له ثوبان فليتزر ثم يصلى، وقد رواه موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن الرسول من غير شك. قال الطحاوى: وقد روى هذا الحديث عن ابن عمر غير نافع، فذكره سالم لا عن الرسول ورواه الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن عمر، عن أبيه. . . فذكره، وسالم أثبت من نافع وأحفظ، ولم يذكر فيه الرسول ورواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر: (أنه كسا نافعًا ثوبين، فقام يصلى فى ثوب واحد فعاب ذلك عليه، وقال: احذر ذلك؛ فإن الله أحق من تجمل له) ، لم يذكر فيه رسول الله ولا عمر. وقد روى عن النبى: (الصلاة فى ثوب واحد) جماعة منهم: جابر، وأبو هريرة، وعمر ابن أبى سلمة، وسلمة بن الأكوع، وهذه أحاديث تضاد ما روى عن ابن عمر فى منع الصلاة فى الثوب الواحد، وبها أخذ الفقهاء ولم يتابع ابن عمر على قوله فى ذلك. و (المشجب) عود ينصب فى البيوت تعلق فيه الثياب. وفى قول جابر للذى أنكر عليه الصلاة فى ثوب واحد: (إنما فعلت ذلك ليرانى أحمق مثلك) ، أنه لا بأس للعالم أن يصف بالحمق من جهل دينه، وأنكر على العلماء ما غاب عنه علمه من السُّنة، وقد قال فى حديث آخر: (أحببت أن يرانى الجهال مثلكم) ، فجعل الحمق كناية عن الجهل، ذكره فى باب الصلاة بغير رداء.

стр. 482

٤ - باب الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: الْمُلْتَحِفُ الْمُتَوَشِّحُ، وَهُوَ الْمُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهُوَ الاشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: الْتَحَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَوْبٍ وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. / ٦ - فيه: عمر بن أبى سلمة: أن نبى الله صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. / ٧ - وقال مرة: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ) . / ٨ - وفيه: أم هانئ: (أنها رأت رسول الله ﷺ عام الفتح يصلى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) . / ٩ - وفيه: أبو هريرة (أَنَّ سَائِلا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ) ؟ قال المؤلف: التوشح هو نوع من الاشتمال تجوز الصلاة به؛ لأن فيه مخالفة لطرفى الثوب على عاتقه كما قال ﷺ : (من صلى فى ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه) ، واشتمال الصماء المنهى عنه بخلاف ذلك. وقال ابن السكيت: التوشيح هو أن يأخذ طرف الثوب الذى ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذى ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفهما على صدره، ومعنى مخالفته بين طرفيه لئلا ينظر المصلى من عورة نفسه إذا ركع، وقد تقدم فى الباب قبل هذا أن الفقهاء مجمعون على جواز الصلاة فى ثوب واحد، وقد روى عن ابن مسعود خلاف ذلك، كما روى عن ابن عمر.

стр. 483

ذكر عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن الحسن قال: اختلف أبى بن كعب، وابن مسعود فى الصلاة فى الثوب الواحد، فقال أُبى: لا بأس به، وقد صلى فيه النبى، ﵇، فالصلاة فيه اليوم جائزة، وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذ كان الناس لا يجدون ثيابًا، فأما إذا وجدوها، فالصلاة فى ثوبين، فقام عمر على المنبر، فقال: الصواب ما قال أُبى، ولم يَأْلُ ابن مسعود. قال الطحاوى: وقد تواترت الأخبار عن النبى ﷺ بالصلاة فى الثوب الواحد منتوشحًا به فى حال وجود غيره، وذلك أن السائل سأل النبى ﷺ فى حديث أبى هريرة: أيصلى أحدنا فى ثوب واحد؟ فأجابه جوابًا مطلقًا، فقال: (أو كلكم يجد ثوبين) ، أى: لو كانت الصلاة مكروهة فى الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا، ودل جوابه ذلك أن حكم الصلاة فى الثوب الواحد لمن يجد الثوبين كهو فى الصلاة فى الثوب الواحد لمن لا يجد غيره. قال غيره: وفهم من قوله ﷺ : (أو لكلكم ثوبان) ، أن من صلى فى أكثر من ثوب واحد فقد أحسن؛ ألا ترى قول عمر: (الصواب ما قال أُبى، ولم يأل ابن مسعود) ، أى: لم يقصر فى الاجتهاد، وإن كان قد حكم لأبى بالصواب، فهذا من قول عمر، يوافق ما روى عن الرسول من إجازته الصلاة فى ثوب واحد لمن وجد غيره، وهو أولى أن يؤخذ به مما روى عن ابن عمر وغيره مما يخالف ذلك.

стр. 484

٥ - باب إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ / ١٠ - فيه: أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لاَ يُصَلِّى أَحَدَكُم فِى الثَّوْبِ الوَاحِد لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيهِ شَىء) . / ١١ - وقال مرة: سمعت الرسول يقول: (مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) . إنما أمر الرسول من صلى فى ثوب واحد أن يجعله على عاتقيه إذا لم يكن متزرًا؛ لأنه إذا لم يكن متزرًا لم يأمن أن ينظر من عورة نفسه فى صلاته، فإذا جعله على عاتقيه وخالف بين طرفيه أمن من ذلك، واستترت عورته، على ما تقدم فى الباب قبل هذا، وإنما هذا فى الثوب إذا كان واسعًا، فحينئذ يجعله على عاتقيه، وأما إذا كان ضيقًا، فإنه يتزر به على ما يأتى فى الباب بعد هذا، إن شاء الله، وهذا كله تأكيد فى ستر العورة فى الصلاة. ٦ - باب إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا / ١٢ - فيه: جابر أنه سئل عَنِ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: (خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ، وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ، قَالَ: مَا هَذَا الاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟ قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا، فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ) .

стр. 485

/ ١٣ - وفيه: سهل بن سعد قال: (كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ: لا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا) . قال المؤلف: حديث جابر هذا يفسر حديث أبى هريرة الذى فى الباب قبل هذا أن النبى قال: (لا يصلين أحدكم فى الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شىء) ، أنه أراد الثوب الواسع الذى يمكن أن يشتمله، وأما إذا كان ضيقًا ولم يمكنه أن يشتمله فليتزر به كما قال ﷺ . فإن قيل: قوله: (لا يصلين أحدكم فى الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شىء) ، هو نهى عن الصلاة فى الثوب الواحد متزرًا به. فظاهره: يعارض قوله: (فإن كان ضيقًا فليتزر به) ، ويعارض حديث بريدة الأسلمى أن الرسول نهى أن يصلى الرجل فى سراويل وحده، رواه ابن وهب، عن زيد بن الحباب، عن أبى المنيب، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه. قال الطحاوى: ومحمل النهى فى ذلك عندنا للواجد للغيره، وأما من لم يجد غيره فلا بأس بالصلاة فيه كما لا بأس بالصلاة فى الثوب الضيق متزرًا به فعلى هذا تتفق معانى الآثار ولا تتضاد. قال المؤلف: ويشهد لصحة ما قال الطحاوى، أن الذين كانوا يعقدون أزرهم على أعناقهم لم يكن لهم غيرها، والله أعلم؛ إذ لو كان لهم غيرها للبسوها فى الصلاة، وما احتيج أن ينهى النساء عن رفع رءوسهن حتى يستوى الرجال جلوسًا، وتختلف أحكامهم فى

стр. 486

الصلاة، وذلك مخالف لقول الرسول فى الإمام: (فلا تختلفوا عليه) ، ولقوله: (فإذا رفع فارفعوا) ، ألا ترى أن عمرو بن سلمة حين كان يصلى بقومه، وتنكشف عورته، لم تكن له غير تلك الجبة القصيرة، فلما اشتريت له جبة سابغة تستره فى الصلاة، قال: فما فرحت بشىء فرحى بها. وفى حديث سهل أن الثوب إذا أمكن أن يشتمل به، وإن لم يكن سابغًا أن الاشتمال أولى به من الاتزار؛ لأن الاشتمال أستر للعورة من الاتزار ولذلك لم يؤمر الذين عقدوا أزرهم على عواتقهم بالاتزار بها، والله أعلم. وإنما نهى النساء عن رفع رءوسهن خشية أن يلمحن شيئًا من عورات الرجال عند الرفع من السجود، وهذا كله حماية من النظر إلى عورة المصلى، ولا خلاف بين العلماء أن المصلى إذا تقلص مئزره أو كشفت الريح ثوبه، فظهرت عورته، ثم رجع الثوب فى حينه وفوره أنه لا يضر ذلك المصلى شيئًا، وكذلك المأموم إذا رأى من العورة مثل ذلك لا تنتقض صلاته؛ لأنه إنما يحرم النظر مع العمد ولا يحرم النظر فجأة، وإذا صحت صلاة الإمام فأحرى أن تصح صلاة المأموم، وقال ابن القاسم فى العتبية: إن فرط فى رد إزاره، فصلاته وصلاة من تأمل عورته باطل. قال المهلب: والاشتمال الذى أنكره الرسول هو اشتمال الصماء المنهى عنه، وهو أن يجلل نفسه بثوبه، لا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إلا من أسفله، فيخاف أن تبدو عورته عند ذلك،

стр. 487

فلذلك قال له النبى: (إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به) . وقوله: (ما السُّرَى يا جابر؟) ، إنما سأله عن سُراه إذ علم أنه لا يأتيه أحد ليلاً إلا لحاجة، فسأله عن ذلك، يدل على ذلك قول جابر: فأخبرته بحاجتى، وفيه طلب الحوائج بالليل من السلطان لخلاء موضعه وسره. ٧ - باب الصَّلاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الثِّيَابِ يَنْسُجُهَا الْمَجُوس لَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا. وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ مَا صُبِغَ بِالْبَوْلِ، وَصَلَّى عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ. / ١٤ - فيه: المغيرة بن شعبة قال: (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: يَا مُغِيرَةُ خُذِ الإدَاوَةَ، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، وَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا، فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ، وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى) . فيه من الفقه: إباحة لبس ثياب المشركين؛ لأن الشام كانت ذلك الوقت دار كفر، وكان ذلك فى غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، وكانت ثياب المشركين ضيقة الأكمام. واختلف العلماء فى الصلاة فى ثياب الكفار، فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالصلاة فيما نسجوه، وكره مالك

стр. 488

الصلاة فى ما لبسوه، وقال: إن صلى فيه فيعيد فى الوقت، وأجاز ذلك الكوفيون والثورى والشافعى، وقالوا: لا بأس بلباسها، وإن لم تغسل حتى يتبين فيها النجاسة، إلا أن أبا حنيفة، قال: أما السراويل، والأزر فأكره أن يلبسها المسلم إلا بعد الغسيل. وقال إسحاق: تُطهر جميع ثيابهم، وليس فى حديث الجبة الشامية ما يقطع به، وإن كان النبى غسلها قبل لباسه أم لا، فلا حجة فيه لواحد منهم، وأما صلاة الزهرى فى ثوب صبغ بالبول، فمعلوم أنه لم يصل فيه إلا بعد غسله وإنما على المرء أن يغسل ثوبه حتى يتيقن طهارته. وفيه: خدمة العالم فى السفر، وفيه إخراج اليد من أسفل الثوب إذا احتيج إلى ذلك. وفيه: لباس الثياب الضيقة الأكمام فى السفر، والثياب القصار كالأقبية وغيرها. ٨ - باب كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا / ١٥ - فيه: جابر: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ، فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ، قَالَ: فَحَلَّهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا ﷺ ) . بنيان الكعبة كان والنبى غلام قبل البعثة بمدة، وقيل: كان يومئذ ابن خمسة عشر عامًا، وقد بعثه الله بالرسالة إلى خلقه، وعلَّمه ما لم

стр. 489

يكن يعلم، وأنزل عليه فى القرآن ما حمله أن يأمر: (ألا يطوف بالبيت عريانًا) ، ونسخ بذلك ما كانوا عليه من جاهليتهم من مسامحتهم فى النظر إلى العورات، وكان قد جبله الله على جميل الأخلاق وشريف الطباع، ألا ترى أنه غشى عليه وما رُئى بعد ذلك عريانًا. وفائدة هذا الحديث قوله: (فما رُئى بعد ذلك عريانًا) . ففيه أنه لا ينبغى التعرى للمرء بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها، والمشى عريانًا بحيث لا يأمن أعين الآدميين إلا ما رُخص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عراةً. قال الطبرى: وقد حدثنا ابن حميد، عن هارون بن المغيرة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن العباس بن عبد المطلب، وذكر الحديث وقال فيه: أنه لما سقط النبى ﷺ نظر إلى السماء وأخذ إزاره، وقال: (نُهيت عن أن أمشى عريانًا) ، فقلت: (اكتمها الناس مخافة أن يقولوا مجنون) . فدل هذا الحديث أنه لا يجوز التعرى فى الخلوة ولا لأعين الناس. وقيل: إنما مخرج القول منه لذلك الحال التى كان عليها، فحيث كانت قريش نساؤها ورجالها تنقل معه الحجارة، فقال: (نهيت أن أمشى عريانًا) ، فى مثل هذه الحالة ولو كان ذلك نهيًا من الله له

стр. 490

عن التعرى فى كل مكان لكان قد نهاه عن التعرى للغسل من الجنابة فى الموضع الذى قد أمن أن يراه فيه أحد إلا الله، إذ كان المغتسل لا يجد بدًا من التعرى، ولكنه نُهى عن التعرى بحيث يراه أحد. وفى نهيه ﵇، عن المشى عريانًا بيان أنه لا يجوز القعود عريانًا فى موضع يكون معناه معنى الموضع الذى نهى فيه عن المشى عريانًا، وذلك القعود بحيث يراه من لا يحل له أن يرى عورته؛ فكان القعود عريانًا فى معنى المشى عريانًا، ولذلك نهى النبى عن دخول الحمام بغير إزار. فإن قيل: فما أنت قائل فى حديث القاسم، عن أبى أمامة، عن النبى ﷺ ، أنه قال: (لو استطيع أن أوارى عورتى من شعارى لواريتُها) ، وفى قول على بن أبى طالب، رضى الله عنه: (إذا كشف الرجل عورته أعرض عنه الملك) ، وفى قول أبى مجلز قال: قال أبو موسى الأشعرى: (إنى لأغتسل فى البيت المظلم فما أقيم صُلبى حياءً من ربى) . قال الطبرى: قيل له: حديث أبى أمامة إن صح عن الرسول، فهو منه محمول على وجه الاستحباب، لاستعمال السترة والندب لأمته إلى ذلك؛ وكذلك كان ذلك من على وأبى موسى لا على أنهما رأيا أن ذلك حرام؛ لأن الله لا يغيب عنه شىء من خلقه عراةً كانوا أو عليهم ثياب، فلا وجه لترك إقامة الصلب عند

стр. 491

الاغتسال ولو كان العبد إذا لم يقم صلبه استتر من جسده عن ربه شىء كان ذلك معنى صحيحًا؛ فأما وهو لو انطبق بعضه على بعض لم يغب شىء من أجزاء جسده عن عين ربه، تعالى ذكره، فلا وجه لترك إقامة الصلب عند الاغتسال فى الخلوة حياءً من الله، تعالى، بل ذلك داعية إلى أن يكون سببًا لتضييع غسل بعض جسده أقرب منه إلى أن يكون حياءً من الله. ٩ - باب الصَّلاةِ فِي الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالْقَبَاءِ / ١٦ - فيه: أبو هريرة: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُول اللَّه ﷺ عَنِ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ) . ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ: فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ. / ١٧ - وفيه: ابن عمر: سَأَلَ رَجُلٌ النبى ﷺ فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلا السَّرَاوِيلَ وَلا الْبُرْنُسَ. . .) الحديث. قال المهلب: اللازم من الثياب فى الصلاة ثوب واحد ساتر للعورة، وقول عمر: (إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه. . .) ، يدل على ذلك، وجمع الثياب فى الصلاة اختيار واستحسان وعليه جماعة الفقهاء، والله أحق من تجمل له. وقول عمر: (فى تبان ورداء) ، يدل أن الرداء يشتمل فى الصلاة؛ لأنه لا يكون الرداء مع التبان والسراويل الكاملة إلا مشتملاً به، وقال الخليل: التبان يشبه سراويل صغير، تذكره العرب. وقد اختلف أصحاب مالك فيمن صلى فى سراويل وهو قادر

стр. 492

على التبان؛ ففى المدونة: لا يعيد فى وقت ولا غيره، وفى المجموعة عن ابن القاسم مثله، وعن أشهب: عليه الإعادة فى الوقت؛ وعن أشهب أيضًا أن صلاته تامة إن كان صفيقًا. وقول عمر: (جمع رجل عليه ثيابه) ، يعنى ليجمع عليه ثيابه وليصلى فيها، فجاء بلفظ الفعل الماضى وهو يريد المستقبل، وذلك كثير فى التنزيل كقوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس) [المائدة: ١١٦] ، والمعنى: إذ يقول الله دل على ذلك قول عيسى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به أن اعبدوا الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتنى) [المائدة: ١١٧] ، فدل قوله: (فلما توفيتنى (أن هذا الكلام إنما يكون بعد وفاة عيسى ومبعثه يوم القيامة. - باب مَا يَسْتُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ / ١٨ - فيه: أبو سعيد وأبو هريرة: أَنَّ الرَسُولُ ﷺ نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ) . / ١٩ - وفيه: أبو هريرة قال: (بَعَثَنِي الرسول ﷺ نُؤَذن يوم النحر بِمِنًى: أَنْ لا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) . قال أبو عبيد: (اشتمال الصماء عند العرب: أن يشتمل الرجل بثوب فيجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانبًا فيخرج منه يده، قال: وربما اضطجع فيه على هذه الحال، كأنه يذهب إلى أنه لا يدرى لعله يصيبه شىء يريد الاحتراس منه والاتقاء بيديه، فلا يقدر، لإدخالهما فى ثيابه، فهذا كلام العرب، وأما تفسير الفقهاء فهو عندهم مثل

стр. 493

الاضطباع، وهو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ويرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيبدو منه فرجه) . إلا أن الاضطباع أن يدخل الثوب تحت يده اليمنى، ويبرز منكبه الأيمن، وقد ذكر البخارى فى كتاب اللباس فى حديث أبى هريرة، وأبى سعيد عن النبى تفسير اشتمال الصماء والاحتباء؛ قال: (الصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب) ، وهو نحو ما حكاه أبو عبيد عن الفقهاء؛ واختلف قول مالك فى اشتمال الصماء إذا كان تحتها ثوب فمرة أجازها ومرة كرهها. والاحتباء: هو أن يحتزم بالثوب على حقويه وركبتيه وفرجه بادٍ، كانت العرب تفعله؛ لأنه أرفق لها فى جلوسها، وفى حديث أبى سعيد، وأبى هريرة فى اللباس قال: الاحتباء أن يحتبى فى ثوب وهو جالس ليس على فرجه منه شىء. وقال الخطابى: الاحتباء أن يجمع ظهره ورجليه بثوب، يقال: العمائم تيجان العرب، والحباء حيطانها، يقال: حبْوَة، وحُبُوَة والكسر أعلى. والاحتباء على ثوب جائز؛ لأن رسول الله إنما نهى عنه إذا كان كاشفًا عن فرجه. وكره الصلاة محتبيًا: ابن سيرين، وأجازها الحسن، والنخعى، وعروة، وسعيد بن المسيب، وعبيد بن عمير، وكان سعيد بن جبير يصلى محتبيًا فإذا أراد أن يركع حلّ حبوته ثم قام وركع، وصلى التطوع محتبيًا عطاء، وعمر بن عبد العزيز.

стр. 494

واختلف العلماء فى حدِّ العورة، فقالت طائفة: لا عورة من الرجال إلا القبل والدبر، هذا قول ابن أبى ذئب وأهل الظاهر، وعند مالك حَدُّ العورة: ما بين السرة إلى الركبة وهو قول أبى حنيفة، والأوزاعى، والشافعى، وأبى ثور، وليست السُّرة والركبة عندهم بعورة غير أبى حنيفة، فإن الركبة عنده عورة، وهو قول عطاء، وأحمد، وعند بعض أصحاب الشافعى: السُّرة عورة. وجه القول الأول: (نهيه عن اشتمال الصماء، وأن يحتبى فى ثوب واحد ليس على فرجه منه شىء) ، وقوله تعالى: (قد أنزلنا عليكم لباسًا يوارى سوءاتكم) [الأعراف: ٢٦] ، وقال: (فبدت لهما سوءاتهما) [الأعراف: ٢٢] ، وقال: (يوارى سوءة أخيه) [المائدة: ٣١] ، فدل أنه لا عورة غير السوءة. وحجة من قال: ما بين السُّرة إلى الركبة عورة، قوله ﷺ لجرهد: (الفخذ عورة) ، ومنعهم من كشف الفخذ كمنعهم من الرعى حول الحمى. وحجة من قال: إن السُّرة ليست بعورة أن النبى قبّل سُرة الحسن بن على، وأن أبا هريرة سأل الحسن كشف سُرته فقبلها، وقال: أقبل منك ما رأيت رسول الله يقبله، ولو كانت عورة ما قَبَّلها أبو هريرة ولا مكنه الحسن منها، وقال الآخرون: ليس هذا بحجة؛ لأن عورات الصبيان ليست بمحرمة؛ لأنه لا يلزمهم الأحكام والحدود. - باب الصَّلاةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ / ٢٠ - فيه: جابر (أنه صلى فى ثوب واحد وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ،

стр. 495

قُلْنَا يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ، تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ، رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي هَكَذَا. كل من صلى بغير رداء إذا كان عليه قميص، فلا يكره له ذلك أحد من العلماء إلا أن مالكًا ذكر عنه ابن عبد الحكم أنه قال: لا يصلى إمام إلا برداء إلا من ضرورة وهذا على الاستحسان فى كمال أحوال الأئمة، ولو كان من جهة الوجوب، لكان الإمام والمأموم فيه سواء. - باب مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْفَخِذُ عَوْرَةٌ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: حَسَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَخِذِهِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ، حَتَّى يُخْرَجَ مِنِ اخْتِلافِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: غَطَّى النَّبِيُّ ﷺ رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ، عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي. / ٢١ - فيه: أنس: أن نبى الله ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حَسَرَ الإزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ : فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) ، وذكر الحديث. قال المؤلف: احتج بحديث أنس، وحديث زيد بن ثابت من قال: إن الفخذ ليست بعورة؛ لأنها لو كانت عورة يجب سترها ما كشفها النبى يوم خيبر، ولا تركها مكشوفة بحضرة أبى بكر وعمر، وقد قال الأوزاعى: (الفخذ عورة وليست بعورة فى الحمام) ، فدل أنها لا تقوى عندهم قوة العورة، وإن كانوا يأمرون بسترها.
следующие страницы →