← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الاغتسال ولو كان العبد إذا لم يقم صلبه استتر من جسده عن ربه شىء كان ذلك معنى صحيحًا؛ فأما وهو لو انطبق بعضه على بعض لم يغب شىء من أجزاء جسده عن عين ربه، تعالى ذكره، فلا وجه لترك إقامة الصلب عند الاغتسال فى الخلوة حياءً من الله، تعالى، بل ذلك داعية إلى أن يكون سببًا لتضييع غسل بعض جسده أقرب منه إلى أن يكون حياءً من الله. ٩ - باب الصَّلاةِ فِي الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالْقَبَاءِ / ١٦ - فيه: أبو هريرة: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُول اللَّه ﷺ عَنِ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ) . ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ: فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ. / ١٧ - وفيه: ابن عمر: سَأَلَ رَجُلٌ النبى ﷺ فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلا السَّرَاوِيلَ وَلا الْبُرْنُسَ. . .) الحديث. قال المهلب: اللازم من الثياب فى الصلاة ثوب واحد ساتر للعورة، وقول عمر: (إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه. . .) ، يدل على ذلك، وجمع الثياب فى الصلاة اختيار واستحسان وعليه جماعة الفقهاء، والله أحق من تجمل له. وقول عمر: (فى تبان ورداء) ، يدل أن الرداء يشتمل فى الصلاة؛ لأنه لا يكون الرداء مع التبان والسراويل الكاملة إلا مشتملاً به، وقال الخليل: التبان يشبه سراويل صغير، تذكره العرب. وقد اختلف أصحاب مالك فيمن صلى فى سراويل وهو قادر

стр. 492

على التبان؛ ففى المدونة: لا يعيد فى وقت ولا غيره، وفى المجموعة عن ابن القاسم مثله، وعن أشهب: عليه الإعادة فى الوقت؛ وعن أشهب أيضًا أن صلاته تامة إن كان صفيقًا. وقول عمر: (جمع رجل عليه ثيابه) ، يعنى ليجمع عليه ثيابه وليصلى فيها، فجاء بلفظ الفعل الماضى وهو يريد المستقبل، وذلك كثير فى التنزيل كقوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس) [المائدة: ١١٦] ، والمعنى: إذ يقول الله دل على ذلك قول عيسى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به أن اعبدوا الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتنى) [المائدة: ١١٧] ، فدل قوله: (فلما توفيتنى (أن هذا الكلام إنما يكون بعد وفاة عيسى ومبعثه يوم القيامة. - باب مَا يَسْتُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ / ١٨ - فيه: أبو سعيد وأبو هريرة: أَنَّ الرَسُولُ ﷺ نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ) . / ١٩ - وفيه: أبو هريرة قال: (بَعَثَنِي الرسول ﷺ نُؤَذن يوم النحر بِمِنًى: أَنْ لا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) . قال أبو عبيد: (اشتمال الصماء عند العرب: أن يشتمل الرجل بثوب فيجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانبًا فيخرج منه يده، قال: وربما اضطجع فيه على هذه الحال، كأنه يذهب إلى أنه لا يدرى لعله يصيبه شىء يريد الاحتراس منه والاتقاء بيديه، فلا يقدر، لإدخالهما فى ثيابه، فهذا كلام العرب، وأما تفسير الفقهاء فهو عندهم مثل

стр. 493

الاضطباع، وهو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ويرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيبدو منه فرجه) . إلا أن الاضطباع أن يدخل الثوب تحت يده اليمنى، ويبرز منكبه الأيمن، وقد ذكر البخارى فى كتاب اللباس فى حديث أبى هريرة، وأبى سعيد عن النبى تفسير اشتمال الصماء والاحتباء؛ قال: (الصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب) ، وهو نحو ما حكاه أبو عبيد عن الفقهاء؛ واختلف قول مالك فى اشتمال الصماء إذا كان تحتها ثوب فمرة أجازها ومرة كرهها. والاحتباء: هو أن يحتزم بالثوب على حقويه وركبتيه وفرجه بادٍ، كانت العرب تفعله؛ لأنه أرفق لها فى جلوسها، وفى حديث أبى سعيد، وأبى هريرة فى اللباس قال: الاحتباء أن يحتبى فى ثوب وهو جالس ليس على فرجه منه شىء. وقال الخطابى: الاحتباء أن يجمع ظهره ورجليه بثوب، يقال: العمائم تيجان العرب، والحباء حيطانها، يقال: حبْوَة، وحُبُوَة والكسر أعلى. والاحتباء على ثوب جائز؛ لأن رسول الله إنما نهى عنه إذا كان كاشفًا عن فرجه. وكره الصلاة محتبيًا: ابن سيرين، وأجازها الحسن، والنخعى، وعروة، وسعيد بن المسيب، وعبيد بن عمير، وكان سعيد بن جبير يصلى محتبيًا فإذا أراد أن يركع حلّ حبوته ثم قام وركع، وصلى التطوع محتبيًا عطاء، وعمر بن عبد العزيز.

стр. 494

واختلف العلماء فى حدِّ العورة، فقالت طائفة: لا عورة من الرجال إلا القبل والدبر، هذا قول ابن أبى ذئب وأهل الظاهر، وعند مالك حَدُّ العورة: ما بين السرة إلى الركبة وهو قول أبى حنيفة، والأوزاعى، والشافعى، وأبى ثور، وليست السُّرة والركبة عندهم بعورة غير أبى حنيفة، فإن الركبة عنده عورة، وهو قول عطاء، وأحمد، وعند بعض أصحاب الشافعى: السُّرة عورة. وجه القول الأول: (نهيه عن اشتمال الصماء، وأن يحتبى فى ثوب واحد ليس على فرجه منه شىء) ، وقوله تعالى: (قد أنزلنا عليكم لباسًا يوارى سوءاتكم) [الأعراف: ٢٦] ، وقال: (فبدت لهما سوءاتهما) [الأعراف: ٢٢] ، وقال: (يوارى سوءة أخيه) [المائدة: ٣١] ، فدل أنه لا عورة غير السوءة. وحجة من قال: ما بين السُّرة إلى الركبة عورة، قوله ﷺ لجرهد: (الفخذ عورة) ، ومنعهم من كشف الفخذ كمنعهم من الرعى حول الحمى. وحجة من قال: إن السُّرة ليست بعورة أن النبى قبّل سُرة الحسن بن على، وأن أبا هريرة سأل الحسن كشف سُرته فقبلها، وقال: أقبل منك ما رأيت رسول الله يقبله، ولو كانت عورة ما قَبَّلها أبو هريرة ولا مكنه الحسن منها، وقال الآخرون: ليس هذا بحجة؛ لأن عورات الصبيان ليست بمحرمة؛ لأنه لا يلزمهم الأحكام والحدود. - باب الصَّلاةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ / ٢٠ - فيه: جابر (أنه صلى فى ثوب واحد وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ،

стр. 495

قُلْنَا يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ، تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ، رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي هَكَذَا. كل من صلى بغير رداء إذا كان عليه قميص، فلا يكره له ذلك أحد من العلماء إلا أن مالكًا ذكر عنه ابن عبد الحكم أنه قال: لا يصلى إمام إلا برداء إلا من ضرورة وهذا على الاستحسان فى كمال أحوال الأئمة، ولو كان من جهة الوجوب، لكان الإمام والمأموم فيه سواء. - باب مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْفَخِذُ عَوْرَةٌ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: حَسَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَخِذِهِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ، حَتَّى يُخْرَجَ مِنِ اخْتِلافِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: غَطَّى النَّبِيُّ ﷺ رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ، عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي. / ٢١ - فيه: أنس: أن نبى الله ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حَسَرَ الإزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ : فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) ، وذكر الحديث. قال المؤلف: احتج بحديث أنس، وحديث زيد بن ثابت من قال: إن الفخذ ليست بعورة؛ لأنها لو كانت عورة يجب سترها ما كشفها النبى يوم خيبر، ولا تركها مكشوفة بحضرة أبى بكر وعمر، وقد قال الأوزاعى: (الفخذ عورة وليست بعورة فى الحمام) ، فدل أنها لا تقوى عندهم قوة العورة، وإن كانوا يأمرون بسترها.

стр. 496

قال المهلب: وإنما ذلك خوف النظر إلى العورة والذريعة إليها، فيكون معنى قوله: (الفخذ عورة) ، على المقاربة والجوار، وقد أجمعوا أن من صلى منكشف القبل والدبر، أن عليه الإعادة واختلفوا فيمن صلى منكشف الفخذ، فدل أن حكمه مخالف لحكم القبل والدبر لاختلاف المعنى فى ذلك. فإن قال قائل: لم غطى النبى ركبته حين دخل عليه عثمان بن عفان؟ . قيل: قد بَيَّن النبى، معنى ذلك بقوله: (ألا أستحى ممن تستحيى منه ملائكة السماء) ، وإنما كان يخص كل واحد من أصحابه من الفضائل بما يتبين به عن غيره، ويمتاز به عمن سواه، وإن كان قد شركه غيره من أصحابه فى معنى تلك الفضيلة، وله النصيب الوافر منها غير أنه ﵇، إنما كان يصف كل واحد من أصحابه بما هو الغالب عليه من أخلاقه وهو مشهور فيه؛: فلما كان الحياء الغالب على عثمان استحيا منه، وغطى ركبته بحضرته، وذكر أن الملائكة تستحيى منه فكانت المجازاة له من جنس فعله. - باب فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ من الثِّيَابِ ؟ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَوْ وَارَتْ جَسَدَهَا فِي ثَوْبٍ جَازَ. / ٢٢ - فيه: عائشة قالت: (لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ، مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) .

стр. 497

اختلف العلماء فى عدد ما تصلى فيه المرأة من اليثاب، فقالت طائفة: تصلى فى درع وخمار، وروى ذلك عن ميمونة، وعائشة، وأم سلمة أزواج الرسول، ورُوى أيضًا ذلك عن ابن عباس، وهو قول مالك، والليث، والأوزاعى، والثورى، وأبى حنيفة، والشافعى، وقالت طائفة: إنما تصلى فى ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وحَقْو، وهو الإزار فى لغة الأنصار، روى ذلك عن ابن عمر، وعبيدة، وعطاء، وقالت طائفة: تصلى فى أربعة أثواب وهو: الخمار، والدرع، والإزار، والملحفة، وروى ذلك عن مجاهد، وابن سيرين. وقال ابن المنذر: على المرأة أن تستر فى الصلاة جميع بدنها سوى وجهها وكفيها سواء سترته بثوب واحد أو أكثر، ولا أحسب ما روى عن المتقدمين فى ذلك من الأمر بثلاثة أثواب أو أربعة إلا من طريق الاستحباب، والله أعلم. قال غيره: لأن صلاة النساء المتلفعات مع النبى يحتمل أن تكون بثوب واحد والمرأة كلها عورة، حاشا ما يجوز لها كشفه فى الصلاة والحج، وذلك وجهها وكفاها فإن المرأة لا تلبس القفازين محرمة، ولا تنتقب فى الصلاة ولا تتبرقع فى الحج، وأجمعوا أنها لا تصلى منتقبة ولا متبرقعة، وفى هذا أوضح دليل على أن وجهها وكفيها ليس بعورة، ولهذا يجوز النظر إلى وجهها فى الشهادة عليها، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: كل شىء من المرأة عورة حتى ظفرها، وهذا قول لا نعلم أحدًا قاله إلا أحمد بن حنبل، وقال مالك، والشافعى: قدم المرأة عورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة أعادت فى الوقت عند مالك، وكذلك إن صلت وشعرها مكشوف، وعند الشافعى تعيد أبدًا، وقال أبو حنيفة، والثورى: قدم المرأة ليست بعورة، فإن صلت

стр. 498

وقدمها مكشوفة لم تُعد، واختلفوا فى تأويل قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) [النور: ٣١] ، فروى عن ابن عباس، وابن عمر قالا: الوجه والكفان، وعن ابن مسعود: التبان، والقرط، والدملج، والخلخال، والقلادة، وعلى قول ابن عباس، وابن عمر جماعة الفقهاء. والمروط: أكسية من صوف، واحدها مرط. - باب إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلامٌ وَنَظَرَ إِلَيهَا / ٢٣ - فيه: عائشة: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائَتُونِى بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي) ، وقال مرة: (كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلاةِ، فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِى) . قال المؤلف: النظر فى الصلاة إلى الشىء إذا لم يقدح فى الركوع والسجود لا يفسد الصلاة، وإن كان مكروهًا كل ما يشغل المصلى عن صلاته ويلهيه عن الخشوع، فلما شغلته ﵇، عن بعض خشوعه تشاءم بها وردها، وقال سفيان بن عيينة: إنما رد رسول الله الخميصة إلى أبى جهم؛ لأنها كانت سبب غفلته وشغله عن ذكر الله، كما قال: (اخرجوا عن هذا الوادى الذى أصابكم فيه الغفلة، فإنه وادٍ به شيطان) ، قال: ولم يكن رسول الله ﷺ ليبعث إلى غيره بشىء يكرهه لنفسه؛ ألا ترى قوله ﵇، لعائشة فى الضب: (إنا لا نتصدق بما لا نأكل) ، وكان رسول الله ﷺ أقوى

стр. 499

خلق الله على دفع الوسوسة، ولكن كرهها لدفع الوسوسة كما قال لعائشة: (أميطى عنا قرامك، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لى فى صلاتى) . وفى ردّه ﷺ الخميصة تنبيه منه وإعلام أنه يجب على أبى جهم من اجتنابها فى الصلاة مثلما وجب على النبى؛ لأن أبا جهم أحرى أن يعرض له من الشغل بها أكثر مما خشى الرسول، ولم يُرد النبى برد الخميصة عليه منعه من تملكها ولباسها فى غير الصلاة، وإنما معناها كمعنى الحُلة التى أهداها لعمر بن الخطاب، وحرَّم عليه لباسها وأباح له الانتقاع بها وبيعها. وفيه دليل: أن الواهب والمُهدى إذا ردت عليه هديته من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها؛ إذ لا عار عليه فى قبولها. وفيه: أن النبى آنس أبا جهم ردها إليه بأن سأله ثوبًا مكانها يعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافًا به، ولا كراهة لكسبه. وفيه: تكنية الإمام والعالم لمن هو دونه. قال أبو عبيد: و (الخميصة) كساء مُرَبَّع أسود له علمان، وقال ثعلب: (أنبجانية) ، بفتح الباء وكسرها، كل ما كثف والتف، قالوا: شاة أنبجانية كثيرة الصوف ملتفة، وقال الأصمعى: يقال: كساء منبجانى منسوب إلى منبج، ولا يقال: أنبجانى، قال أبو حاتم: قلت: لم فتحت الباء وإنما نسبت إلى منبج، قال: خرج مخرج منظرانى ومخيرانى ألا ترى أن الزيادة فيه، والنسب مما يتغير له البناء.

стр. 500

- باب إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ تَصَاوِيرَ هَلْ تَفْسُدُ صَلاتُهُ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ / ٢٤ - فيه: أنس قال: (كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاتِى) . فهذا الباب يشبه الذى قبله؛ لأنه لما نهى عن القرام الذى فيه التصاوير، علم أن النهى عن لباسه أشد وأوكد، وهذا كله على الكراهية، ومن صلى بذلك أو نظر إليه، فصلاته مجزئة عند العلماء؛ لأنه ﷺ لم يُعد الصلاة. قال المهلب: وإنما أمر باجتناب مثل هذا لإحضار الخشوع فى الصلاة وقطع دواعى الشغل، والقرام: ثوب صوف ملوّن، عن الخليل. - باب مَنْ صَلَّى فِي فَرُّوجِ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ / ٢٥ - فيه: عقبة بن عامر قال: (أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، وَقَالَ: لا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ) . قال أبو عبيد: الفروج: القَبَاء الذى فيه شق من خلفه، وهو من لباس الأعاجم. اختلف العلماء فيمن صلى فى ثوب حرير، فقال الشافعى، وأبو ثور: يجزئه ويكره، وقال ابن القاسم، عن مالك: من صلى بثوب حرير يعيد فى الوقت إن وجد ثوبًا غيره، وعليه جُلُّ أصحابه، وقال أشهب فى كتاب ابن المواز: لا إعادة عليه فى وقت ولا غيره.

стр. 501

وهو قول أصبغ، ورواه عبد الملك بن الحسن، عن ابن وهب فى العتبية، واستحب ابن الماجشون لباس الحرير فى الحرب والصلاة به للترهيب على العدو والمباهاة؛ ذكره ابن حبيب، وقال آخرون: إن صلى بثوب حرير، وهو يعلم أن ذلك لا يجوز أعاد الصلاة، ومن أجاز الصلاة فيه احتج بأنه لم يُرو عن الرسول أنه أعاد الصلاة التى صلى فيه، ومن لم يجز الصلاة فيه أخذ بعموم تحريمه ﵇، لباس الحرير للرجال. - باب الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الأحْمَرِ / ٢٦ - فيه: أبو جحيفة: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلالا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلالا أَخَذَ عَنَزَةً، فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ، يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْعَنَزَةِ) . قال المهلب: فيه إباحة لباس الحمرة فى الثياب، والرد على من كره ذلك وأنه يجوز لباس الثياب الملونة للسيد الكبير والزاهد فى الدنيا، والحمرة أشهر الملونات وأجل الزينة فى الدنيا، وقد قيل فى قوله تعالى: (فخرج على قومه فى زينته) [القصص: ٧٩] ، أنه خرج فى ثياب حُمر، ويؤيد هذا قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله) [الأعراف: ٣٢] ، فدخل فيه كل

стр. 502

زينة مباحة، وسيأتى قول من كره لباس الثياب الحمر، ومن أجازها فى كتاب اللباس إن شاء الله. - باب الصَّلاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْجُمْدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا، إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ. وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلاةِ الإمَامِ وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الثَّلْجِ. / ٢٧ - فيه: أبو حازم: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي، هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلانٌ مَوْلَى فُلانَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ عُمِلَ، وَوُضِعَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كَبَّرَ، وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الأرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ بِالأرْضِ، فَهَذَا شَأْنُهُ. قال على بن المدينى: سألنى أحمد بن حنبل، عن هذا الحديث قال: فإنما أردت أن النبى كان أعلى من الناس فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس لهذا الحديث، قال: فقلت: إن سفيان بن عيينة كان يسأل عن هذا كثيرًا، فلم تسمعه منه؟ قال: لا. / ٢٨ - وفيه أنس: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَقَطَ عَنْ فَرَسِ، فَجُحِشَتْ سَاقُهُ أَوْ كَتِفُهُ، وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا، وَهُمْ قِيَامٌ) ، وذكر الحديث. اختلف العلماء فى الإمام يصلى أرفع من المأمومين، فأجاز ذلك

стр. 503

الليث، والشافعى، واحتجا بهذا الحديث وزاد الشافعى: إذا أراد الإمام تعليمهم ليقتدى به من وراءه ويسجد على الأرض. وفيه: فلما فرغ النبى أقبل على الناس، فقال: (أيها الناس إنما صنعتُ هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتى) . ذكره البخارى فى صلاة الجمعة وكره ذلك أبو حنيفة، وقال: صلاتهم تامة. وقال الأوزاعى: لا يجزئ ذلك حتى يستوى معهم بالأرض، وقال أبو يوسف: إن كان موضع الإمام أرفع بقدر قامة فهو المكروه، وإن كان أقل فليس بمكروه. وقد قيل: إن المنبر الذى صلى عليه الرسول كان بثلاث درجات، روى عن سهل بن سعد، وقال مالك: لا يعجبنى إن صلى إمام على ظهر المسجد والناس أسفل منه أو يصلى على شىء أرفع مما عليه أصحابه، فإن فعل فعليهم الإعادة أبدًا؛ لأنهم يعبثون إلا أن يكون ارتفاعًا يسيرًا فصلاتهم مجزئة. وقال ابن أبى زيد: قال بعض أصحابنا: إن الشبر وعظم الذراع خفيف فى ذلك، وقال فضل بن سلمة: وقوله: يعبثون يدل أنما ذلك إذا كان الإمام يصلى بموضع واسع ويصلى بصلاته ناس أسفل منه، وهو يقدرون على أن يصلوا معه فى مكانه، فأما إذا كان الموضع قد ضاق بأهله فلا بأس أن يصلى بصلاة الإمام ناس أسفل منه، وروى أشهب عن مالك، فيمن أتى مسجدًا مغلقًا قد امتلأ، فله أن يصلى أسفل فى الفضاء بصلاة الإمام، وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا صلى إمام القوم فى السفينة وبعضهم فوقه وتحته ولم يجدوا بُدًا منه فلا بأس.

стр. 504

قال ابن اللباد: إنما كره مالك هذا؛ لأن بنى أمية فعلوه على وجه الكبر والجبرية فرآه من العبث ومما يفسد الصلاة، وقال غيره: لا معنى لقول من قال: (لا يجوز مثل هذا إلا إذا أراد أن يعلم الناس كما روى فى الحديث) ؛ لأن ذلك لو كان مُفسدًا للصلاة لم يجز أن يُفعل مرة فما دونها ولا لتعليم ولا غيره، وإنما الاختيار أن لا يُفعل، فإن فعل لم تفسد صلاته بدليل فعله صلى الله عليه مرةً، وأما تحديد القامة وغيرها فمحتاج إلى توقيف، ولا بأس أن يصلى المأموم على سطح والإمام أسفل المسجد عند الكوفيين، وهو قول مالك فى غير الجمعة. وقال الليث: لا بأس أن يصلى الجمعة ركعتين على ظهر المسجد وفى الدور وعلى الدكاكين، وفى الطرق إذا اتصلت الصفوف، ورأى الناس بعضهم بعضًا حتى يصلون بصلاة الإمام، وعن الشافعى مثله، وصلى أبو هريرة الجمعة فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام. وإنما ذكر حديث المشربة فى هذا الباب وهى الغرفة؛ لأنه ﵇ صلى بهم على ألواحها وخشبها، وترجم (باب الصلاة على الخشب) ، واختلف فى ذلك؛ فذكر ابن أبى شيبة قال: كان حذيفة مريضًا، فكان يصلى قاعدًا فجعل له وسادة وجعل له لوح عليها يسجد عليه، وكره قوم السجود على العود، روى ذلك عن ابن عمر، وابن مسعود. قال علقمة: دخل عبد الله على أخيه عتبة يعوده فوجده يصلى على عود فطرحه، وقال: إن هذا شىء عرض به الشيطان، ضع وجهك على الأرض، وإن لم تستطع فأومئ إيماءً، وكرهه الحسن وابن سيرين، وأئمة الفتوى على جواز الصلاة عليه وحجتهم صلاته ﵇، على المشربة وعلى المنبر.

стр. 505

- باب إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ الْمُصَلِّي امْرَأَتَهُ إِذَا سَجَدَ / ٢٩ - فيه: ميمونة قالت: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ، قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ) . وقد تقدم فى كتاب الوضوء جواز مباشرة الحائض للمصلى وغيره وأنها محمولة على الطهارة فى جسمها وثيابها حتى يبدو خلاف ذلك. وترجم له باب: الصلاة على الخمرة، قال الطبرى: الخُمرة: مصلى صغير ينسج من سعف النخل ويزمل بالخيوط ويسجد عليه، فإن كان كبيرًا قدر طول الرجل أو أكبر، فإنه يقال له حينئذ: حصير، ولا يقال له: خمرة، وقال ابن دريد: هى السجادة وجمعها خمر. ولا خلاف بين فقهاء الأمصار فى جواز الصلاة على الخمرة إلا شىء روى عن عمر ابن عبد العزيز أنه كان لا يصلى على الخمرة، ويؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فى موضع سجوده ويسجد عليه، وقال شعبة، عن حماد: رأيت فى بيت إبراهيم النخعى حصيرًا، فقلت: أتسجد عليه؟ فقال: الأرض أحب إلىّ، وهذا منهما على جهة المبالغة فى الخشوع لا أنهما لم يريا السجود على الخمرة؛ لأن النبى ﷺ قد صلى عليها، وقال سعيد بن المسيب: الصلاة على الخمرة سنة، فلا يجوز لهما مخالفة سنته ﵇، وإنما فعلا ذلك على الاختيار، إذ قد ثبت عنه ﵇، أنه كان يباشر الأرض بوجهه فى سجوده، وقد انصرف من الصلاة وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين؛ فذلك كله مباح بسنته ﵇.

стр. 506

- باب الصَّلاةِ عَلَى الْحَصِيرِ وَصَلَّى جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: (تُصَلِّى قَائِمًا، مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ، تَدُورُ مَعَهَا، وَإِلا فَقَاعِدًا) . / ٣٠ - فيه: أنس: (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا، فَلأصَلِّ لَكُمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَصَفَفْتُ، وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ) . لا خلاف بين الفقهاء فى جواز الصلاة على الحصير على ما ذكرناه فى الباب قبل هذا. قال المهلب: وفيه أنه ما يوطأ ويبسط فإنه ملبوس، فمن حلف أن لا يلبس ثوبًا وجلس عليه، فهو حانث إذا لم يخص وجهًا من اللباس. ونضح أنس للحصير إنما كان لِيَلينَ، لا لنجاسة كانت فيه، هذا قول إسماعيل بن إسحاق، وقال غيره: النضح طهارة لما شك فيه فنضحه لتطيب النفس عليه، وهذا كقول عمر: اغسل ما رأيت وانضح ما لم تر. قال المهلب: وفيه الإمامة فى النافلة، وفيه إجابة الطعام إلى غير الوليمة، وفيه أن المرأة المتجالة الصالحة إذا دعت إلى طعام أجيبت، وسيأتى بقية الكلام فى هذا الحديث فى موضعه بعد هذا، إن شاء الله.

стр. 507

وأما الصلاة فى السفينة، فأجاز قوم من السلف أن يصلوا فيها جلوسًا وهو قول الثورة وأبى حنيفة، وقال مالك، والشافعى: لا يجوز أن يصلى قاعدًا من يقدر على القيام فى سفينة ولا غيرها. - باب الصَّلاةِ عَلَى الْفِرَاشِ وَصَلَّى أَنَسٌ عَلَى فِرَاشِهِ. وَقَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَسْجُدُ أَحَدُنَا عَلَى ثَوْبِهِ. / ٣١ - فيه: عائشة أنها قالت: (كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ) . / ٣٢ - وقالت مرة: (أَنَّ النَّبِّى كَانَ يُصَلِّي - وَهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الْجَنَازَةِ) . / ٣٣ - وقال عروة: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي، وَعَائِشَةُ - مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - عَلَى الْفِرَاشِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ) . قال المؤلف: الصلاة جائزة على كل شىء طاهر فراشًا كان أو غيره. وقد اختلف العلماء فى اختيارهم بعض ما يصلى عليه دون غيره، فروى عن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أنه صلى على عبقرى وهى الطنفسة، وعن على بن أبى طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس أنهم صلوا على المسوح، وصلى ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء، والنخعى، والحسن على طنفسة.

стр. 508

وصلى قيس بن عبادة على لِبْدِ دابة، وقال الثورى: يصلى على البساط والطنفسة واللِّبْد، وهو قول أبى حنيفة، والشافعى، وروى عن ابن مسعود أنه لا يسجد إلا على الأرض، وعن عروة مثله، وكرهت طائفة الصلاة إلا على الأرض أو نباتها، روى ذلك عن جابر بن زيد وقال: أكره الصلاة على كل شىء من الحيوان، وأستحب الصلاة على كل شىء من نبات الأرض، وهو قول مجاهد، وقال قتادة: قال سعيد بن المسيب: الصلاة على الطنفسة محدث، وقاله ابن سيرين أيضًا، وقال مالك فى بساط الصوف والشعر: إذا وضع المصلى جبهته ويديه على الأرض فلا أرى بالقيام عليها بأسًا، وعن عطاء مثله. وقال مغيرة: قلت لإبراهيم حين ذكر كراهية الصلاة على الطنفسة: إن أبا وائل يصلى عليها، قال: أما إنه خير منى. وفيه من الفقه: أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها ولا من مرت بين يديه، وهو قول جمهور الفقهاء ومعلوم أن اعتراضها بين يديه أشدّ من مرورها. وقولها: (ورجلاى فى قبلته فإذا سجد غمزنى) ، فيه دليل على أن الملامسة باليد لا تنقض الطهارة؛ لأن الأصل فى الرِّجْل أن تكون بلا حائل، وكذلك اليد حتى يثبت الحائل، وزعم الشافعى أن غمز رسول الله لها كان على ثوب وهو بعيد؛ لأنه يقول: إن الملامسة تنقض الوضوء وإن لم تكن معها لذة إذا أفضى بيده إلى جسم امرأته، وقد تقدم اختلافهم فى الملامسة فأغنى عن إعادته. وقول عائشة: (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) ، يدل أنه إذْ حدثت بهذا الحديث كانت المصابيح فى بيوتهم؛ لأن الله فتح عليهم الدنيا بعده ﷺ فوسعوا على أنفسهم حين وسع الله عليهم.

стр. 509

- باب السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ، وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ. / ٣٤ - فيه: أنس: (كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ) . واختلف العلماء فى السجود على الثوب من شدة الحر والبرد، فرخص فى ذلك عمر ابن الخطاب، وعطاء، وطاوس، والنخعى، والشعبى، والحسن، وهو قول مالك، والأوزاعى، والكوفيين، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بهذا الحديث، وقال الشافعى: لا يجزئه السجود على الجبهة ودونها ثوب إلا أن يكون جريحًا، ورخص فى وضع اليدين على الثوب من شدة الحرِّ والبرد. واختلفوا فى السجود على كور العمامة، فرخص فيه: ابنُ أبى أوفى، والحسن، ومكحول، وسعيد بن المسيب، والزهرى، وهو قول أبى حنيفة، والأوزاعى، وقال مالك: أكرهه ويجوز، وقال ابن حبيب: هذا فيما خف من طاقاتها، فأما ما كثر فهو كمن لم يسجد، وكره على، وابن عمر، وعبادةُ السجود عليها، وعن النخعى، وابن سيرين، وعبيدة مثله. وقال الشافعى: لا يجزئ السجود عليها، وقال أحمد: لا يعجبنى إلا فى الحر والبرد، واحتج أصحاب الشافعى: بأنه لما لم يقم المسح على العمامة مقام مسح الرأس وجب أن يكون السجود كذلك. قال ابن القصار: والجواب أن الفرض فى السجود: التذلل

стр. 510

والخشوع، فيكون العضو على الأرض وهو يحصل بحائل وبغير حائل، على أن اعتبارهم يفسده الرجلين؛ لأنه يسجد عليهما فى اللفافة والمسح عليهما لا يجوز، وقد أجمعوا أنه يجوز السجود على الركبتين والقدمان مستورة بالثياب، وهى بعض الأعضاء التى أمر المصلى بالسجود عليها، فكذلك سائر أعضاء السجود إلا ما أجمعوا عليه من كشف الوجه. فإن قالوا: لو جوزنا السجود على كور العمامة على حصير لجوزنا الجمع بين بدلين أحدهما الحصير الذى هو بدل الأرض والآخر العمامة التى هى بدل الجبهة ولا يصح الجمع بين بدلين فى موضع، ألا ترى أن التيمم بدل الماء ومسح الخفين بدل الرجلين، ولا يجوز الجمع بينهما، قيل: هذا ساقط لأننا لا نقول: إن الحصير بدل من الأرض، وإن العمامة بدل من الجبهة، بل هو مخير إن شاء باشر بجبهته الأرض، وإن شاء بحائل على جبهته وعلى الأرض، والمسح على الخفين هو مخير فيه أيضًا إن شاء مسح، وإن شاء غسل كالسجود، وليس التيمم كذلك وليس بدلاً، وكل حائل جاز السجود عليه منفصلاً جاز متصلاً، دليله: الركبتان والقدمان. وأجمع الفقهاء أنه يجوز السجود على اليدين فى الثياب، وإنما كره ذلك ابن عمر، وسالم، وبعض التابعين، وسيأتى بعض هذا المعنى فى باب: لا يكف شعرًا ولا ثوبًا فى الصلاة بعد هذا، إن شاء الله.

стр. 511

- باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ / ٣٥ - فيه: حُذَيْفَةَ: (أنه رَأَى رَجُلاً لا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ، قَالَ: لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ) . قال المهلب: قوله: (ما صليت) ، يعنى صلاة كاملة، ونفى عنه العمل؛ لقلة التجويد فيه، كما تقول للصانع إذا لم يجود: ما صنعت شيئًا، يريدون الكمال، ومثله قول الرسول للذى لم يحسن الصلاة: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ، وإنما نقص من صلاته الطمأنينة فى الركوع والسجود وهى من كمال الصلاة. وقوله: (لو متَّ متَّ على غير سنة محمد) ، يدل أن الطمأنينة سنة، وسيأتى تمام هذا المعنى فى أبواب الركوع والسجود. - باب الصَّلاةِ فِي النِّعَالِ / ٣٦ - فيه: أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ) . قال المؤلف: معنى هذا الحديث عند العلماء إذا لم يكن فى النعلين نجاسة فلا بأس بالصلاة فيهما، فإن كان فيهما نجاسة فليمسحهما وليصلى فيهما. وقد روى هذا المعنى عن النبى، روى حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو نعامة السعدى، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى، قال: (بينما رسول الله يصلى إذ خلع نعليه فوضعهما على يساره، فلما رأى الناس ذلك ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلاته، قال: (ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟) ، قالوا: رأيناك ألقيت

стр. 512

نعليك فألقينا، قال: (إن جبريل أخبرنى أن فيهما أذى، أو قذرًا، فألقيتهما فإذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن كان فيهما أذى أو قذرًا فليمسحه وليصل فيهما) . واختلف العلماء فى تطهير النعال والخفين من النجاسات، فقالت طائفة: إذا وطئ القذر الرطب يجزئه أن يمسحه بالتراب ويصلى فيه هذا قول الأوزاعى، وأبى ثور. وقال أحمد فى السيف يصيبه الدم، فيمسحه وهو حار: يصلى فيه إذا لم يبق فيه أثر، وكان عروة، والنخعى يمسحان الروث من نعالهما ويصليان فيها. وقال الأعمش: رأيت يحيى بن وثاب، وعبد الله بن عياش وغيرهما يخوضون الماء قد خالطه السرقين والبول، فإذا انتهوا إلى باب المسجد لم يزيدوا على أن ينفضوا أقدامهم ثم يدخلون فى الصلاة. وقالت طائفة: لا يجزئه أن يطهر القذر الرطب إلا بالماء، وإن كان يابسًا أجزأه حَكُّهُ، هذا قول مالك وأبى حنيفة، وقال محمد: لا يجزئه فى اليابس أيضًا حتى يغسل موضعه من الخف والنعل وغيره إلا المنى خاصة، وقال الشافعى: لا يطهر النجاسات كلها إلا الماء فى النعل والخف وغيره. واحتج أهل المقالة الأولى أيضًا بحديث سعيد المقبرى، عن القعقاع بن حكيم، عن عائشة قالت: (سألت رسول الله عن الرجل يطأ بنعليه

стр. 513

الأذى قال: (التراب له طهور) ، وحديث سعيد بن أبى سعيد: أن امرأة سألت عائشة عن المرأة تجرُّ ذيلها فى المكان القذر، قالت: (يطهره ما بعده) . وقال ابن أبى زيد: قال أبو بكر بن اللباد: قال بعض أصحابنا: معنى قوله: (يطهره ما بعده) ، أنها تسحب ذيلها على أرض ندية نجسة، وقد رخص لها أن ترخيه بعد ذلك على أرض طاهرة فذلك له طهور، قال مالك: معناه عندنا فى القشب اليابس الذى لا يتعلق منه شىء، وقد سمح فى الرطب من أرواث الدواب وأبوالها لما يلحق الناس من المضرة فى غسله فى كل وقت، إذ لا تخلو الطرق من أرواث الدواب وأبوالها. وقال الداودى: قال بعض أصحاب مالك بظاهر الحديث، ورأى ذلك فى الرطب واليابس، وذكر غير الداودى أنه قول ابن وهب قال: وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه؛ لأنه يقول: إن النجاسات يجوز إزالتها بكل ما أذهب عينها، والماء وغيره فى ذلك سواء، واحتج من قال: إنه فى القذر الرطب: بأن قوله ﷺ : (يطهره ما بعده) ، يدل أنها جرته على رطب، وإلا فنحن عالمون أنها إذا جرته على يابس لم يعلق به شىء من النجس، فكيف يخبر أنه قد طهر ما لم يحل فيه نجاسة. - باب الصَّلاةِ فِي الْخِفَافِ / ٣٧ - فيه: جَرِيرَ: (أنه بَالَ، وتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى، فَسُئِلَ، فَقَالَ:

стр. 514

رَأَيْتُ الرسولَ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا، وكَانَ يُعْجِبُهُمْ؛ لأنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ) . / ٣٨ - وفيه: حديث الْمُغِيرَةِ: (أن نَبِيَّ الله مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثم صَلَّى) . وهذا الباب كالذى قبله إذا كانت الخفاف طاهرة من الأقذار والأذى، فحينئذ يجوز المسح عليها والصلاة فيها، وإن كان فيها قذر فحكمها حكم النعلين المذكورة فى الباب قبل هذا، هذا مذهب العلماء فى ذلك. وأما إعجابهم بأن جريرًا كان من آخر من أسلم؛ فلأن بعض الناس يزعم أن المسح على الخفين منسوخ بالغسل فى آية الوضوء التى فى المائدة، وقد روى فى حديث جرير أنه كان يعجبهم؛ لأنه أسلم بعد نزول المائدة، فاستعمال جرير للمسح على الخفين بعد نزول المائدة يدل على أن المسح غير منسوخ بل هو سنة، وقد ذكرت هذا المعنى فى كتاب الوضوء فى باب: المسح على الخفين. - فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ / ٣٩ - فيه: أنس: قال نبى الله: (مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ) . / ٤٠ - وقال: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) .

стр. 515

هذا يدل على تعظيم شأن القبلة وهى من فرائض الصلاة، والصلاة أعظم قربات الدين، ومن ترك القبلة متعمدًا فلا صلاة له، ومن لا صلاة له فلا دين له. قال الطبرى: فإن قال قائل: ما وجه هذا الحديث وقد علمت أن أجناسًا من أهل الكفر أمرنا بقتالهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله. قيل: قد جاء فى بعض طرق هذا الحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) ، وحديث هذا الباب إنما قاله ﵇، فى حال قتاله لأهل الأوثان الذين كانوا لا يقرون بتوحيد الله، وكانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون، فدعاهم النبى ﷺ إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من الأوثان، فمن أقر بذلك منهم كان فى الظاهر داخلاً فى صبغة الإسلام، وقاتل آخرين من أهل الكفر كانوا يوحدون الله غير أنهم كانوا ينكرون نبوة محمد فقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) ، وذلك أن كفرهم كان جحدًا بالنبوة فمن أقر بما عليه قوتل، فقد حرم دمه وماله إلا بظهور نقض شرائط ما أقرَّ به بعد الإقرار بجملته، وذلك هو الحق الذى قال ﷺ : (إلا بحقها) ، ولو أن أهل الأوثان وَحَّدَ بعضهم وشهد أن لا إله إلا الله، وحكم له بحكم الإسلام فى منع نفسه وماله، ثم عرضت عليه شرائع الإسلام بعد ذلك، فامتنع من الإقرار برسول الله كان لا شك بالله

стр. 516

كافرًا، وعاد حربيًا، وكذلك الذى أقر بنبوة محمد لو أنكر شيئًا من الفرائض حلّ دمه وعاد حربيًا كافرًا. - باب قِبْلَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّأْمِ وَالْمَشْرِقِ لَيْسَ فِي الْمَشْرِقِ وَلا فِي الْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ ، لِقَوْلِ الرَّسُول: (لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) . / ٤١ - فيه: أبو أيوب الأنصارى أن نبى الله قَالَ: (إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) . قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. قال المؤلف: قوله: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق، يعنى: وقبلة مشرق الأرض كلها إلا ما قابل مشرق مكة من البلاد التى تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب، فحكم مشرق الأرض كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام فى الأمر بالانحراف عند الغائط؛ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها، وهؤلاء أمروا بالتشريق والتغريب واستعمال هذا الحديث. وأما ما قابل مشرق مكة من البلاد التى تكون تحت الخط المارِّ عليها من مشرقها إلى مغربها، فلا يجوز لهم استعمال هذا الحديث، ولا يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا؛ لأنهم إذا شرقوا استدبروا القبلة وإذا غربوا استقبلوا، وكذلك من كان موازيًا لمغرب مكة إن غرب استدبر القبلة وإن شرق استقبلها، وإنما ينحرف إلى الجنوب أو الشمال،

стр. 517

فهذا هو تغريبه وتشريقه، ولم يذكر البخارى مغرب الأرض كلها؛ إذ العلة فيها مشتركة مع المشرق فاكتفى بذكر المشرق عن المغرب؛ لأن المشرق أكبر الأرض المعمورة وبلاد الإسلام فى جهة مغرب الشمس قليل. وتقدير الترجمة: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق والمغرب، ليس فى المشرق ولا فى المغرب يعنى أنهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا مواجهين القبلة ولا مستدبرين لها. فإن قال قائل: (كيف يكون قوله: ليس فى المشرق والمغرب) ، بمعنى التشريق والتغريب؟ . قيل: هذا صحيح فى لغة العرب ومعروف عندهم. أنشد ثعلب فى المجالس: أبعد مغربهم نجدًا وساحتها أرجو من الدمع تغييضًا وإقلاعًا قال ثعلب: معناه أبعد تغريبهم. وحمل أبو أيوب الحديث على العموم فى الصحارى وغيرها، وخالفه غيره لحديث ابن عمر، وقد تقدم ما للعلماء فى ذلك فى كتاب الطهارة فأغنى عن إعادته. - باب قَوْلِهِ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة ١٢٥] / ٤٢ - فيه: ابن عمر: (أن النَّبِيُّ ﷺ قَدِمَ إلى الْبَيْتِ فطاف به سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ) . / ٤٣ - وفيه: أن بلالاً قال: (صَلَّى النَّبِيُّ رَكْعَتَيْنِ فِي الْكَعْبَةِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ، إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ) .

стр. 518

/ ٤٤ - وفيه: ابْنَ عَبَّاسٍ: (لَمَّا دَخَلَ الرسول الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ، حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ، رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ) . اختلف أهل التأويل فى قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) [البقرة: ١٢٥] ، فقال ابن عباس: الحج كله مقام إبراهيم، وقال مجاهد: الحرم كله مقام إبراهيم، وقال عطاء: مقام إبراهيم: عرفة والمزدلفة، والجدار، والجمار فى أخرى، وقال السُدى: هو الحجر بعينه الذى وقف عليه إبراهيم. واختلفوا فى قوله: (مصلى (، فقال مجاهد: مَدْعَى، كأنه أخذه من صليت بمعنى دعوت، وقال الحسن: قبلة، وقال قتادة والسدى: أمروا أن يصلوا عنده. قال الطحاوى: ولما اختلفوا فى تأويل هذه الآية، واختلفت الآثار فى صلاته ﵇، فروى ابن عمر أنه ﵇، صلى عند المقام ركعتين، وقال بلال: إنه صلى فى الكعبة ثم خرج فصلى فى وجه الكعبة ركعتين، وقال ابن عباس: إنه صلى ركعتين فى قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة، أردنا أن نعلم الصحيح من ذلك، فوجدنا ابن عباس قال: الحج كله مقام إبراهيم، وقال مجاهد: الحرم كله، ووجدنا من صلى إلى الكعبة من الجهات الثلاث التى لا تقابل مقام إبراهيم، فقج أدى فرضه علمنا أن الفرض فى القبلة إنما هو البيت لا مقام إبراهيم، ويشهد لذلك قول ابن عباس أنه صلى حين صلى

стр. 519

خارج البيت قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة، لم يستقبل المقام، وكذلك حين صلى فى البيت على ما رواه بلال لم يستقبل المقام، وإنما يكون المقام قبلة إذا جعله المصلِّى بينه وبين القبلة على ما جاء فى حديث ابن عمر، وأجمع العلماء أن الكعبة كلها قبلة من أى ناحية استقبلت. وأما اختلاف الآثار أنه صلى فى البيت وأنه لم يصل، فالآثار أنه صلى أكثر، ولو تساوت فى الكثرة لكان الأخذ بالمثبت أولى من النافى على ما يقوله العلماء فى الشهادات. فقد روى أنه ﵇ صلى فى البيت غير بلال جماعة منهم: أسامة بن زيد، وعمر ابن الخطاب، وجابر، وشيبة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، من طرقٍ حسان ذكرها الطحاوى كلها فى شرح معانى الآثار. وقال المهلب: ويحتمل أن يكون ﵇ دخل البيت مرتين، فالمرة الواحدة صلى فيه، والمرة الأخرى دعا ولم يصل، فلم تتضاد الأخبار فى ذلك. وقد اختلف العلماء فى الصلاة فى البيت وعلى ظهر الكعبة، فقال أبو حنيفة، والشافعى: يصلى فيه الفريضة والنافلة، وقال مالك: لا يصلى فيه الفريضة ولا ركعتى الطواف الواجب، فإن صلى أعاد فى الوقت، ويجوز أن يصلى فيه النافلة، وقال الطبرى: لا تصلى فيه فريضة ولا نافلة، وحجة مالك قوله تعالى: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) [البقرة: ١٤٤، ١٥٠] ، وهى قبالته، ومن صلى فى جوف الكعبة لم يقابل شطرها؛ لأنه يحصل مستقبلاً للبعض مستدبرًا للبعض ولا تحصل كلها قبالته إلا أن يكون خارجًا منها.

стр. 520

وحجة أبى حنيفة، والشافعى أنه من صلى خارجًا منها، فإنه يستقبل بعضها، وصلاته جائزة بإجماع؛ لأن ما عن يمين ما استقبل من البيت وما عن يساره ليس هو مستقبله، فلم يتعبد باستقبال كل جهاته، فكان النظر على ذلك أن كل من صلى فيه، فقد استقبل إحدى جهاته وترك غيرها، وما ترك من ذلك فهو فى حكم ما كان عن يمينه وشماله إذا كان خارجًا منه، فثبت قول من أجاز الصلاة فيها، هذا قول أبى جعفر الطحاوى. - باب التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ) . / ٤٥ - فيه: البراء: (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) [البقرة ١٤٤] ، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ - وَهُمُ الْيَهُودُ -: (مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) [البقرة ١٤٢] الآية، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأنْصَارِ فِي صَلاةِ الْعَصْرِ يصلون نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ، حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ) . / ٤٦ - وفيه: جَابِرِ قَالَ: (كَانَ نبى اللَّهِ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ به، فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ، نَزَلَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) . / ٤٧ - وفيه: ابن مسعود قال: صلى النبى، ﵇، قال إبراهيم:

стр. 521

لا أَدْرِي أزَادَ أَوْ نَقَصَ - فَلَمَّا سَلَّمَ، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟) قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: (إِنَّهُ، لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُسَلِّمْ، ثُمَّ ليَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) . قال المؤلف: قال ابن جريج: صلى نبى الله أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، فصلت الأنصار إلى نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث حجج، وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله إلى الكعبة البيت الحرام. وروى أبو عوانة عن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: (صلى رسول الله نحو بيت المقدس وهو بمكة والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرًا ثم صرف إلى الكعبة) . وقال ابن إسحاق: (كانت قبلة رسول الله بمكة إلى الشام، وكانت صلاته بين الركن اليمانى والركن الأسود، ويجعل الكعبة بينه وبين الشام) . وقال على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: (أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله بضعة عشر شهرًا، ثم انصرف إلى الكعبة) . ففى خبر على بن أبى طلحة، عن ابن عباس أنه ﵇، لم يصل إلى بيت المقدس إلا بالمدينة خلاف ما فى خبر مجاهد عنه، وخلاف

стр. 522

ما قال ابن جريج، وخبر مجاهد أولى بالصواب؛ لأن ابن أبى طلحة لم يسمع من ابن عباس. وقال قتادة: كان نبى الله يقلب وجهه إلى السماء، يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة، حتى صرفه الله إليها، فأنزل تعالى: (قد نرى تقلب وجهك فى السماء (إلى) المسجد الحرام) [البقرة: ١٤٤] ، فارتاب اليهود، وقالوا: (ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها) [البقرة: ١٤٢] ، يعنون بيت المقدس، فأنزل الله: (قل لله المشرق والمغرب) [البقرة: ١٤٢] ،) وما جعلنا القبلة التى كنت عليها (يعنى: مكة،) إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) [البقرة: ١٤٣] . وأجمع العلماء أن المراد بقوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) [البقرة: ١٤٩] ، أنه استقبال الكعبة، وأن على المسلمين استقبالها فى صلواتهم إذا كانوا يعاينوها، والتوخى لاستقبالها وطلب الدلائل عليها إذا كانوا غائبين عنها، وسيأتى ما فى انحراف القوم فى الصلاة إلى الكعبة من الفقه بعد هذا، إن شاء الله. وأما قوله ﵇، فى حديث ابن مسعود: (إذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه) ، فإن العلماء اختلفوا فى تأويله، فذهبت طائفة إلى أنه يريد بالتحرى البناء على أكثر ظنه، ومعنى ذلك عندهم أنه إن كان أكثر ظنه أنه صلى أربعًا فى الأغلب يسلم ويسجد، وإن كان لا يدرى أثلاثًا صلى أم أربعًا، ولم يكن أحدهما أغلب فى قلبه من الآخر بنى على الأقل، وأتى بركعة حتى يعلم يقينًا أنه أدى ما عليه، وروى هذا عن ابن مسعود، وابن

стр. 523

عمر، وأبى هريرة، وأنس، وأبى سعيد الخدرى، والنخعى، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، والأوزاعى، إلا أن أبا حنيفة قال: إن كان ذلك أول ما عرض له، فليستأنف صلاته ولا يتحّر، وإن وقع له كثيرًا تحرّى. وذهبت طائفة إلى أن معنى قوله: (فليتحرى الصواب) البناء على اليقين كقوله ﷺ فى حديث أبى سعيد الخدرى: (إذا شك أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا، فليصل ركعة، ثم يسجد سجدتين وهو جالس، فإن كانت تلك الركعة خامسةً شفعها بالسجدتين، وإن كانت رابعةً كانتا ترغيمًا للشيطان) ، رواه سليمان بن بلال، عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد الخدرى، رُوى هذا القول عن على بن أبى طالب، وابن عمر، وعن سالم، والقاسم، والحسن، ومكحول، وهو قول مالك، والشافعى. قال ابن القصار: والحجة لهذا القول أن التحرى عندنا هو القصد إلى الصواب وطلبه حتى يكون البناء على اليقين، ألا تراه ﵇، قال: (لا يتحر أحدكم بصلاته طلوع الشمس ولا غروبها) ، أى: لا يقصد ذلك، والتحرى رجوع إلى اليقين؛ ألا ترى أنه لو شك هل صلى أم لا رجع إلى يقينه وصلى، ولو شك فى صلاة من يوم وليلة لا يدرى أيما صلاة هى لم يجزئه التحرى، ورجع إلى يقينه فصلى خمس صلوات، فكان النظر على هذا أن يكون كذلك فى كل شىء من صلاته وعليه أن يأتى به ليؤدى صلاته بيقين، فكان حديث أبى سعيد تفسيرًا لحديث ابن مسعود. وقال الكوفيون: قوله: (فليتحر الصواب) ، يوجب العمل بالتحرى وإلا انتفى الحديث، والواجب العمل بالأحاديث واستعمالها، ووجه

стр. 524

استعمال التحرى إذا كان له رأيان، أحدهما أغلب فى قلبه من الآخر عمل به ويجزئ ذلك، وإذا لم يكن له رأيان أحدهما أغلب عنده من الآخر، وجب البناء على الأقل على ما فى حديث أبى سعيد، فصار كل واحد من الحديثين له معنى غير معنى صاحبه، وهكذا تستعمل الأحاديث ولا تتضاد. وقال محمد بن جرير: إن حديث ابن مسعود فى التحرى، وحديث البناء على اليقين لا يخالف واحد منهما صاحبه، وذلك أن أمره ﵇ بالبناء على اليقين، والأخذ بالاحتياط ليس فيه إعلام أنه من بنى على الأغلب عنده أنه قد صلى أنها لا تجزئه صلاته، فإن احتاط للشك، فبنى على اليقين فهو أفضل وأسلم لدينه، وإن بنى على أكثر رأيه متحريًا فى ذلك الأغلب عنده لم يكن مخطئًا فى فعله؛ لأن كل مصلٍ إنما كلف أن يعمل بما عنده من علمه، لا على إحاطة العلم بيقينه ذلك، فلو كلف اليقين من العلم دون الظاهر لم يكن لأحد صلاة إذ لا سبيل لأحد إلى يقين العلم بذلك. وذلك أن الله أمر عباده بالصلاة فى الثياب الطاهرة والتطهر بالمياه الطاهرة، ولا خلاف بين سلف الأمة وخلفها أنهم لم يكلفوا فى شىء من ذلك إحاطة العلم بيقينه، فكذلك عدد الصلاة إنما كلف فى ذلك العلم الذى هو عنده، فإن بنى على العلم الظاهر الذى هو عنده أجزأه، وإن أخذ بالاحتياط فبنى على اليقين، فهو أفضل له إذا كان له سبيل إلى الوصول إلى يقين ذلك، وإن لم يكن له سبيل إليه عمل على الأغلب من ظاهر علمه، وكذلك القول فى جميع أحكام الدين، ومن أبى شيئًا من ذلك سُئل عن المصلى فى موضع لا يعلمه طاهرًا ولا نجسًا إلا علمًا ظاهرًا، وعن من توضأ بماء لا يعلمه إلا

стр. 525

كذلك، فإن زعم أن عليه الإعادة خرج من قول جميع الأئمة، وإن قال: صلاته ماضية سئل أيفرق بينه وبين الشاك فى صلاته بإتمامها، البانى على الأغلب من علمه؟ فلن يقول فى شىء من ذلك قولاً إلا ألزم فى الآخر مثله، هذا قول الطبرى. وفى أمر الرسول الشاك فى صلاته بإتمامها دليل أن الزيادة فى الصلاة سهوًا أو لإصلاحها لا تفسدها؛ لأن الشاك إذا أمره بالبناء على يقينه وهو يشك هل صلى واحدة أو اثنتين، وممكن أن يكون صلى اثنتين، وقد حكمت السنة أن ذلك لا يضره فهذا يبطل قول من قال: إن من زاد فى صلاته مثل نصفها ساهيًا أن صلاته فاسدة، وهو قول ابن القاسم، وابن كنانة، وابن نافع. وقد أجمع العلماء أن من شك فى مثل ذلك فى صلاة الصبح هل صلى واحدة أو اثنتين أن حكمه فى ذلك حكم من شك فى مثل ذلك من الظهر أو العصر، وقد صلى رسول الله الظهر خمسًا ساهيًا، فسجد لسهوه، وحُكم الركعة والركعتين فى ذلك سواء فى القياس والمعقول. وقال ابن حبيب عن مطرف: أنه من صلى ستًا أو ثمانيًا سجد لسهوه وهو قول ابن عبد الحكم وأصبغ، وحكى أبو زيد، عن ابن الماجشون مثله. وقد روى ابن القاسم عن مالك أن من صلى المغرب خمسًا ساهيًا أنه يجزئه سجود السهو، قال يحيى بن عمر: هذا يرد قول من قال فيمن زاد فى صلاته مثل نصفها.

стр. 526

٣٠ - باب مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الإعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا، وصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَقَدْ سَلَّمَ نبِيُّ الله فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ، وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ . / ٤٨ - فيه: أنس قال: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة ١٢٥] الآيَةُ) . / ٤٩ - وفيه: ابن عمر: (بيَنْا النَّاسُ بِقُبَاء فِى صَلاَة الصُّبْحِ إِذ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيلةَ قُرآَنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنَّ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهْم إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ) . / ٥٠ - وفيه: ابن مسعود: (أن نَّبِيُّ الله صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) . اختلف العلماء فيمن اجتهد فى القبلة فاستدبرها أو شرق أو غرب، فقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثورى: لا يعيد، وهو قول عطاء، والشعبى، وسعيد بن المسيب، والنخعى، وقال النخعى: إن كان قد صلى بعض صلاته لغير القبلة، ثم عرف ذلك فى الصلاة فاستقبل القبلة ببقية صلاته، فإنه يحتسب بما كان صلى كما فعل أصحاب النبى بقباء، وهو قول الثورى، وقال مالك: من اجتهد فى القبلة فأخطأ، فإنه يعيد فى الوقت استحبابًا، وهو قول الحسن، والزهرى، وقال الشافعى: إن فرغ من صلاته ثم بان له أنه صلى إلى المغرب استأنف الصلاة، وإن لم يَبِنْ له ذلك إلا باجتهاده، فلا إعادة عليه، والذى ذهب إليه البخارى فى هذا الباب قول من قال: لا يعيد. قال ابن القصار: لأن المجتهد فى القبلة إنما أُمر بالطلب ولم يكلف

стр. 527

الإصابة، وإنما أمر الله بإصابة عين القبلة من نظر إليها، وأما من غاب عنها فلا سبيل إلى علم حقيقتها؛ لأنه إنما يعلم القبلة بغلبة الظن من مهب الرياح ومسير النجوم، وإذا كان كذلك فإنما يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد ولا يرتفع حكم الاجتهاد الأول؛ كالحاكم يحكم باجتهاده، ثم تبين له اجتهاد آخر فلا يجوز له فسخ الأول. وليس للشافعى أن يقول: إن مستدبر القبلة قد رجع من اجتهاده إلى يقين؛ لأنه لا يتيقن باستقباله نفس القبلة فى هذه الجهة، وإنما يغلب ذلك على ظنه ويُبين ذلك الإجماع على جواز صلاة أهل الآفاق ومعلوم أن كل واحدٍ منهم غير محاذ للكعبة، وإنما يحصل ذلك للأقل منهم، وقد جازت صلاتهم لوقوع ذلك بالاجتهاد، والدليل على ذلك من حديث أهل قُباء أنهم صلوا إلى غير القبلة بعد الصلاة، ثم لم يؤمروا بالإعادة؛ لأنهم لم يمكنهم الوصول إلى العلم بالجهة التى كانوا مأمورين بالصلاة إليها، وإنما صلوا إلى قبلة مفترضة عليهم كما المجتهد مُصلٍّ عند نفسه إلى القبلة. وقال المهلب: وجه احتجاج البخارى بحديث ابن عمر فى هذا الباب هو انحرافهم إلى القبلة التى افترضت وهم فى انحرافهم مصلون إلى غير القبلة، ولم يؤمروا بالإعادة بل بنوا على ما كانوا صلوا فى حال الانحراف وقبله، وكذلك المجتهد فى القبلة لا يلزمه الإعادة. وقد أشار البخارى فى ترجمته إلى هذا الاستدلال من حديث ابن مسعود فقال: وقد سلم النبى، ﵇، فى ركعتى الظهر وأقبل على الناس بوجهه، وذلك أن انصرافه وإقباله على الناس بوجهه بعد سلامه، كان وهو عند نفسه فى غير صلاة، فلما بنى على صلاته بأنه كان فى وقت استدبار القبلة فى حكم المصلى؛ لأنه لو خرج من

стр. 528

الصلاة لم يجز له أن يبنى على ما مضى منها عند أهل الحجاز، فوجب بهذا أن من أخطأ القبلة أنه لا يعيد. وقال الطحاوى: فى انحراف أهل قباء إلى الكعبة وهم فى إحرام الصلاة التى دخلوا فيها بالتوجه إلى بيت المقدس دليل أنه من لم يعلم بفرض الله ولم تبلغه الدعوة إليه، ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض فى ذلك غير لازم له، وأن الحجة فيه غير قائمة عليه، وإنما يجب عليه الفرض حين يعلمه وتقوم عليه الحجة حين يمكنه استعماله؛ ولهذا دعا رسول الله المشركين قبل أن يقاتلهم إلى الإسلام، وبَيَّنَ لهم ذلك، ثم ترك ذلك فى آخرين سواهم من بنى المصطلق وغيرهم، فقاتلوهم وهم غادون على الماء؛ لأن الدعوة قد كانت بلغتهم. فإن قال قائل: قد كان فرض استقبال الكعبة فى الصلاة وجب على أهل قباء قبل دخولهم فى الصلاة؛ لأن الآية التى أمر بذلك فيها نزلت ليلاً، إنما انحرفوا إلى الكعبة فى الصلاة التى علموا بنزول الآية فيها وقد لحقهم الفرض قبل دخولهم فى الصلاة، وإنما عُذِروا فى صلاتهم إلى غير القبلة بالجهل منهم بها. قيل له: وكيف يكون لله فرض على من لم يعلم بفرضه عليه؟ لو كان كذلك للحقت فرائضه المجانين الذين لا علم معهم، فلما كان المجانين بارتفاع العلم عنهم غير داخلين فى الفرض؛ كذلك كان كل من لم يعلم بالفرض غير واجب عليه الفرض. فإن قال: ما تقولون فى الرجل يسلم فى دار الحرب أو دار

стр. 529

الإسلام، ويمر عليه شهر رمضان لم يصمه، وتمر عليه صلوات ولم يصلها، ولم يعلم أن الله فرض شيئًا من ذلك على المسلمين، ثم علم بعد ذلك بأن هذا قد كان فرضًا من الله على المسلمين؟ . قيل له: للعلماء فى هذا قولان: أحدهما: أنه إن كان فى دار الحرب حيث لا يجد من يستعلم ذلك منه أنه لا يجب عليه قضاء شىء مما مر عليه من الفرائض، وإن كان فى دار الإسلام أو فى دار الحرب بحضرة من يمكنه استعلام ذلك منه من المسلمين أنه يجب عليه قضاء ما مر عليه من فرض الصلاة والصوم؛ لأنه قد كان يلزمه استعلام ذلك ممن بحضرته من المسلمين، وهذا قول أبى حنيفة. والقول الآخر: أنه يقضى ما مر عليه من الصلوات والصيام ويستوى فى ذلك مروره عليه فى دار الحرب أو دار السلام هذا قول أبى يوسف. قال المؤلف: وهو قول مالك والشافعى. قال الطحاوى: القول الأول أولى وليس على أهل قباء من هذا شىء؛ لأنهم كانوا على حقائق فرض قد كان لله عليهم، ولم يكن عليهم السؤال والاستعلام عن زواله عنهم ولا عن حدوث فرض غيره عليهم، لفما لم يكن ذلك عليهم سقط عنهم الفرض الحادث الذى لم يعلموا به، وليس كذلك من سواهم ممن عليه السؤال والاستعلام عن فرائض الله. وفى حديث ابن عمر: أن أفعال الرسول لازمة كأقواله حتى يأتى دليل الخصوص. وفيه: أنه يجوز أن يفتح من ليس فى الصلاة على من فى الصلاة

стр. 530

إذا عدم المصلى اليقين؛ لأن الذى أخبرهم وهم فى الصلاة بصلاة النبى إلى الكعبة كان حاضرًا واقتدى بقوله. وفيه: قبول خبر الواحد والعمل به؛ لأن الصحابة قد استعملوه وقضوا به وتركوا قبلتهم بخبر الواحد، ولم ينكر ذلك رسول الله ﷺ . ٣١ - باب حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ / ٥١ - فيه: أنس: (أَنَّ نَّبِيَّ الله رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ، فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي الصَلاة، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، وإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمَهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَزقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا) . قال المهلب: فيه إكرام القبلة وتنزيهها؛ لأن المصلى يناجى ربه فواجب عليه أن يكرم القبلة مما يكرم منه المخلوقين إذا ناجاهم واستقبلهم بوجهه؛ بل قبلة الله تعالى أولى بالإكرام. وقال طاوس، ﵀: أكرموا قبلة الله لا تبزقوا فيها. وأبان ﷺ فى هذا الحديث أن معنى نهيه عن البزاق فى القبلة إنما هو من أجل مناجاته لربه عند استقباله القبلة فى صلاته، ومن أعظم الجفاء وسُوءِ الأدب أن تتوجه إلى رب الأرباب وملك الملوك وتتنخم فى توجهك؛ وقد أعلمنا الله تعالى، بإقباله على من توجه إليه ومراعاته لحركاته.
следующие страницы →