← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

٦٤ - باب: الإخاء والحلف وَقَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ: آخَى النَّبِى ﵇ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِى الدَّرْدَاءِ. وَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى النَّبِى ﵇ بَيْنِى وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. / ١٠٠ - فيه: أَنَس، قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْف، فَآخَى النَّبِى ﵇ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. / ١٠١ - وفيه: عَاصِمٌ، قُلْتُ لأنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِى ﵇ قَالَ: (لا حِلْفَ فِى الإسْلامِ) ؟ فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِى ﵇ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأنْصَارِ فِى دَارِى. قال المؤلف: آخى النبى بين المهاجرين والأنصار أول قدومه المدينة وحالف بينهم، وكانوا يتوارثون بذلك الإخاء والحلف دون ذوى الرحم، قال سعيد بن الجبير: وقد عاقد أبو بكر رجلا فورثه. قال الحسن: كان هذا قبل آية المواريث، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك. وقال ابن عباس: فلما نزلت: (ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان (يعنى: ورثه، ونسخت ثم قال: (والذين عقدت أيمانهم فآتوهم نصيبهم (يعنى: من النصر والرفادة والنصيحة. وقد ذهب الميراث. قال الطبرى: لا يجوز الحلف اليوم فى الإسلام لما حدثنا به أبو كريب وغيره قالا: حدثنا محمد بن بشير، حدثنا زكريا بن أبى زائدة، حدثنا سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم، عن النبى ﵇ أنه قال: (لا حلف فى الإسلام وما كان من حلف فى الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة) . وقال ابن عباس:

стр. 4657

نسخ الله حلف الجاهلية وحلف الإسلام بقوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) ورد المواريث إلى القرابات. فإن قيل: فما معنى قوله ﵇: (وما كان من حلف فى الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة) . قيل: الذى أمر به النبى ﵇ بالوفاء به من ذلك هو ما لم ينسخه الإسلام ولم يبطله حكم القرآن، وهو التعاون على الحق والنصرة على الأخذ على يد الظالم الباغى. ٦٥ - باب: التبسم والضحك وقالت فاطمة: أسر إلى النبى ﵇ فضحكت. وَقَالَتْ فَاطِمَةُ: أَسَرَّ إِلَى النَّبِىُّ، ﵇، فَضَحِكْتُ. ذكر فى هذا الباب أحاديث كثيرة فيها أن النبى ﵇ ضحك وفى بعضها أنه تبسم وذكر حديث عائشة قالت: ما رأيت النبى ﷺ مستجمعًا قط ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يبتسم. وفى حديث أبى هريرة فى الذى وقع على أهله فى رمضان: أنه ﵇ ضحك حتى بدت نواجذه. والنواجذ آخر الأسنان، وهى أسنان الحلم عند العرب. فإن قيل: إن هذا الخلاف لما روته عائشة (أنها لم تره ﵇ مستجمعًا ضاحكًا قط حتى تبدو لهواته. ولا تبدو النواجذ على ما قال أبو هريرة إلا عند الاستغراق فى الضحك وظهور اللهوات.

стр. 4658

قيل: ليس هذا بخلاف لأن أبا هريرة شهد مالم تشهد عائشة، وأثبت ماليس فى خبرها، والمثبت أولى وذلك زيادة يجب الأخذ بها، وليس فى قول عائشة قطع منها أنه لم يضحك قط حتى تبدو لهواته فى وقت من الأوقات، وإنما أخبرت بما رأت كما أخبر أبو هريرة بما رأى، وذلك إخبار عن وقتين مختلفين. ووجه تأويل هذه الآار - والله أعلم - أنه كان ﵇ فى أكثر أحواله يبتسم، وكان أيضًا يضحك فى أحوال أخر ضحكا أعلى من التبسم، واقل من الاستغراق الذى تبدو فيه اللهوات، هذا كان شأنه، وكان فى النادر عند إفراط تعجبه ربما ضحك حتى تبدو نواجذه، ويجرى على عادة البشر فى ذلك لأنه قد قال: (إنما أنا بشر) فيبين لأمته بضحكة الذى بدت فيه نواجذه أنه غير محرم على أمته، وبان بحديث عائشة أن التبسم ولاقتصار فى الضحك هو الذى ينبغى لأمته فعله والاقتداء به فيه للزومه ﵇ له فى أكثر أحواله. وفيه وجه آخر: من الناس من يسمى الأنياب الضواحك نواجذ واستشهد بقول لبيد: وإذا الأسنة اشرعت لنحورها أبرزن حد نواجذ الأنياب فتكون النواجذ الأنياب على معنى إضافة الشىء إلى نفسه، وذلك جائز إذا اختلف اللفظان كما يجوز عطف الشىء على نفسه إذا اختلف اللفظان، ومن إضافة الشىء إلى نفسه قوله تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (وحب الحصيد) ، وقولهم: مسجد الجامع، وقال رؤبة: إذا استعبرت من جفون الأغماد

стр. 4659

والجفون على الأغماد وإضافة الشىء إلى نفسه مذهب الكوفيين، وقد وجدنا أن النواجذ يعبر عنها بالأنيبا فى حديث الذى وقع على أهله فى رمضان وقع فى هذا الباب: (أن النبى ﵇ ضحك حتى بدت نواجذه) ووقع فى كتاب الصيام فى هذا الحديث: (أنه ضحك حتى بدت أنيابه) فارتفع اللبس بذلك وزال الاختلاف بين الأحاديث، وهذا الوجه أولى، والله أعلم. وهذا الباب يرد ما روى عن الحسن البصرى أنه كان لا يضحك، وروى جعفر عن أسماء قالت: ما رأيت الحسن فى جماعة ولا فى أهله ولا وحده ضاحك قط إلا مبتسمًا. ولا أحد زهد كزهد النبى ﷺ وقد ثبت عنه أنه ضحك، وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول: الله هو الذى أضحك وأبكى. وكان الصحابة يضحكون، وروى عبد الرواق، عن معمر، عن قتادة قال: سئل ابن عمر هل كان أصحاب النبى ﵇ يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان فى قلوبهم أعظم من الجبال. وفى رسول الله واصحابه المهتدين السوة الحسنة. وأما المكروه من هذا الباب فهو الإكثار من الضحك كما قال لقمان لأبنه: يابنى إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب فلإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه، مذموم منهى عنه، وهو من فعل أهل السفه والبطالة.

стр. 4660

٦٦ - باب: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (وما ينهى عنه من الكذب / ١٠٢ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، عَنِ النَّبِى ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) . / ١٠٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ: قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) . / ١٠٤ - وفيه: سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِى ﷺ : (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِى، قَالا: الَّذِى رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ، تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . قال المؤلف: مصداق حديث عبد الله فى كتاب الله: (إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم) والصدق أرفع خلال المؤمنين إلا ترى قوله: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فجعل الصدق مقارنًا للتقوى، وقيل للقمان الحكيم: مابلغ بك ما نرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركى ما لا يعنينى. وروى مالك عن صفوان بن سليم أنه قيل للنبى ﷺ : (أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: لا) . وظاهر هذا معارض لحديث عبد الله، والتأويل الجامع بينهما أن معنى حديث صفوان لا يكون المؤمن المستكمل لأعلى درجات

стр. 4661

الإيمان كذابًا حتى يغلب عليه الكذب لأن كذابًا وزنه فعال، وهو من أبنية المبالغة لمن يكثر منه الكذب ويكرر حتى يعرف به، ومثاله الكذوب أيضًا، ويبين هذا قوله ﵇: (إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدوقًا) ، يعنى لا يزال يتكرر الصدق منه حتى يستحق اسم المبالغة فى الصدق وكذلك قوله: (إن الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) يعنى لا يزال يتكرر الكذب منه حتى يغلب عليه، وهذه الصفة ليست صفة عليه المؤمنين بل هى من صفات المنافقين وعلاماتهم كما قال ﵇ فى حديث أبى هريرة، وقد تقدم معناه فى كتاب الإيمان فى باب علامة المنافق. وأخبر ﵇ فى حديث سمرة بعقوبة الكاذب الذى كذبه الآفاق أنه يشق شدقه فى النار إلى يوم القيامة، فعوقب فى موضع المعصية وهو فمه الذى كذب به. ٦٧ - باب الهدي الصالح / ١٠٥ - فيه: حُذَيْفَةَ، قَالَ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﵇ لابْنُ أُمِّ عَبْدٍ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لا نَدْرِى مَا يَصْنَعُ فِى أَهْلِهِ إِذَا خَلا. / ١٠٦ - وفيه: عَبْدُ اللَّه بْن عُمَر، قَالَ: إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْىِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ.

стр. 4662

قال المؤلف: قال أبو عبيد: الهدى والدل أحدهما قرريب المعنى من الآخر وهما من السكينة والوقار فى الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك، قال الأخطل يصف الكذاب: حتى تناهين عنه ساميًا جرحًا وماهدى هدى مهزوم ولا نكلا يقول: لم أسرع إسراع المنهزم ولكن على سكون وحسن هدى. وقال عدى بن زيد يصف امرأة بحسن الدل: لم تطلع من خدرها تبتغى خب با ولا ساء دلها فى العناق والسمت يكون فى معنيين: أحدهما: حسن الهيئة والمنظر فى مذهب الدين، وليس من الجمال والزينة، ولكن يكون له هيئة أهل الخير ومنظرهم. والوجه الآخر: السمت: الطريق يقال: الزم هذا السمت. وكلاهما له معنى جيد بكون: أن يلزم طريقه أهل الإسلام فتكون له هيئة أهل افسلام، وذكر أبو عبيد فى حديث عمر بن الخطاب أن أصحاب عبد الله كانوا يدخلون إليه فينظرون إلى مته وهديه ودله فيشتبهون به. قال المؤلف: فى هذا من الفقه أنه ينبغى للناس الاقتداء بأهل الفضل والصلاح فى جميع أحواليهم فى هيئتهم وتواضعهم ورحمتهم للخلق، وإنصافهم من أنفسهم، ورفقهم فى أخذ الحق إذا وجب لهم إن أحبوا الاقتصاص أو عفوهم عن ذلك إن آثروا العفو، وفى مأكلهم ومشربهم واقتصادهم فى أمرورهم تبركًا به.

стр. 4663

٦٨ - باب: الصبر على الأذى وقول الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ( / ١٠٧ - فيه: أَبُو مُوسَى قَالَ النَّبِىِّ ﷺ : (لَيْسَ أَحَدٌ - أَوْ لَيْسَ شَىْءٌ - أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) . / ١٠٨ - وفيه: عَبْدُ اللَّهِ: قَسَمَ النَّبِى ﷺ قِسْمَةً كَبَعْضِ مَا كَانَ يَقْسِمُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، قُلْتُ: أَمَّا أَنَا لأقُولَنَّ لِلنَّبِى ﷺ فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ فِى أَصْحَابِهِ، فَسَارَرْتُهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِى ﵇ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَغَضِبَ حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّى لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أُوذِى مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ. قال المؤلف: ذكر الله جزاء الأعمال وجعل له نهاية وحدا فقال: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وجعل جزاء الصدقة فى سبيل الله فوق هذا القول: (مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء) وجعل أجر الصابرين بغير حساب ومدح أهله فقال: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) والصبر على الأذى من باب جهاد النفس وقمعها من شهواتها ومنعها عن تطاولها، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين، وإن كان قد جبل الله النفوس على تألمها من الأذى ومشقته، الا ترى أن النبى ﵇ شق عليه تجوير الأنصارى له فى القسمة حتى تغير وجهه وغضب، ثم سكن ذلك منه علمه بما

стр. 4664

وعد الله ذلك من جزيل الأجر، واقتدى بصبر موسى على أكثر من أذى الأنصارى له رجاء ما عند الله. وللصبر أبواب غير الصبر على الأذى روى عن على بن أبى طالب أن النبى ﵇ قال: (الصبر ثلاثة: فصبر على الكصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر على المعصية، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلثمائة درجة مابين الدرجة إلى الدرجة ما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة مابين الدرجة إلى الدرجة مابين تخوم الأرض السابعة إلى منتهى العرش، ومن صبر على المعصية كتب الله له تسعمائة درجة مابين الدرجة إلى الدرجة مابين تخوم الأرض السابعة إلى منتهى العرش مرتين) . وقد روى يزيد الرقاشى عن أنس أن النبى ﵇ قال: (الإيمان نصفان نصف فى الصبر والنصف فى الشكر) . وروى ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله (أن النبى ﵇ سئل عن الإيمان فقال: السماحة والصبر) . وقال الشعبى: قال على بن أبى طالب: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. قال الطبرى: وصدق على، وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالحوارج، فمن لم يصبر على العمل بشرائع لم يستحق اسم الإيمان بالإطلاق، والصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من جسد الإنسان الذى لاتمام له إلا له، وهذا فى معنى حديث أنس وجابر أن الصبر نصف الإيمان، وعامة المواضع التي ذكر الله

стр. 4665

فيها الصبر وحث عليه عباده إنما هى مواضع الشدائد ومواطن المكاره الذى يعظم على النفوس ثقلها، ويشتد عندها جزعها وكل ذلك محن وبلاء، الا ترى قوله ﵇ للأنصار: (لن تعطوا عطاءًا خيرًا وأوسع من الصبر) . والصبر فى لسان العرب: حبس النفس عن المطلوب حتى يدرك، ومنه نهيه ﵇ عن صبر البهائم. يعنى أنه نهى عن حبسها على التمثيل بها. ورميها كما ترمى الأغراض، ومنه قولهم: صبر الحاكم يمين فلان يعنى حبسه على حلفه. فإن قال قائل: فهذه صفات توجب التغير وحوث الحواث لمن وصف بها فما معنى وصف الله تعالى بالصبر؟ . قيل: معنى وصفه بذلك هو بمعنى الحلم، ومعنى وصفه بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها، ووصفه تعالى بالصبر لم يرد فى التنزيل، وإنما ورد فى حديث أبى موسى، وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم، هذا قول ابن فورك. ٦٩ - باب: من لم يواجه الناس بالعتاب / ١٠٩ - فيه: عَائِشَة، صَنَعَ النَّبِى ﵇ شَيْئًا، فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِى ﵇ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّى لأعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً) . / ١١٠ - وفيه: أَبُو سَعِيد الْخُدْرِىِّ، قَالَ: كَانَ النَّبِى ﵇ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِى خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِى وَجْهِهِ.

стр. 4666

قال المؤلف: إنما كان ﵇ لا يواجه الناس بالعتاب يعنى على مايكون فى خاصة نفسه كالصبر على جهل الجاهل وجفاء الأعرابى ألا ترى أن ترك الذى حبذ البردة من عنقه حتى أثرت حبذته فيه؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، وهذا معنى حديث أبى سعيد، فأما أن تنتهك من الدين حرمة فإنه كان لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها ويقتص منه، سواء كان حقًا لله، أو من حقوق العباد. فإن قيل: فإن كان معنى حديث أبى سعيد ماذكرت من أنه ﵇ كان لا يعاتب فيما يكون فى خاصة نفسه فقد وجه بالعتاب فى حديث عائشة، وخطب بذلك ذكره فى باب من لم يواجه الناس بالعتاب؟ . فالجواب: أن هذا العتاب وإن كان خطب به فلم يعين من أراد به، ولايقرعه من بين الناس، وكل ما جرى هذا المجرى من عتاب يعم الكل ولايقصد به أحد بعينه فهو رفق بمن عنى به وستر له كما أراد عمر بن الخطاب - حين أمر الناس كلهم بالوضوء يوم الجمعة، وهو يخطب - ومن أجل الرجل الذى أحدث بين يديه للستر له والرفق به، وليس ذلك بمنزلة أمره له بالوضوء من بينهم وحده فى الستر له لو فعل ذلك، وإنما فعل ذلك ﵇ والله أعلم - لأن كل رخصة فى دين الله فالعباد مخيرون بين الأخذ بها والترك لها، وكان ﵇ رفيقًا بأمته حريصًا على التخفيف عنهم، فلذلك خفف عنهم العتاب لأنهم فعلوا مايجوز لهم من الأخذ بالشدة، وقد ترك عتابهم مرة أخرى على ترك الرخصة، وأخذهم بالشدة حين

стр. 4667

صاموا فى السفر وهو مفطر، وإن كان قد جاء فى الحديث (إن دين الله يسر) . قال الشعبى: إن الله يحب أن يعمل برخصة كما يحب أن يعمل بعزائمه. فليس ذلك دليلاً على تحريم الأخذ بالعزائم؛ لأن ذلك لو كان حرامًا لأمر الذين خالفوا رخصته بالرجوع من فعلهم إلى فعله. وفى حديث أبى سعيد الحكم بالدليل؛ لأنهم كانوا يعرفون كراهية النبى الشىء بتغير وجهه، كما كانوا يعرفون قراءءته فيما أسر فيه فى الصلاة باضطراب لحيتة. ٧٠ - باب: من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال / ١١١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْن عُمَر، أَنَّ النَّبِىّ ﵇ قَالَ: (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا) . / ١١٢ - وفيه: ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ، عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ) . قال المؤلف: قوله ﵇: (من قال لأخيه ياكافر فقد باء به أحدهما) يعنى: باء بأثم رميه لأخيه بالكفر ورجع وزر ذلك عليه إن كان كاذبًا. وقد روى هذا المعنى من حديث أبى ذر أن النبى قال: (لا يرمى رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه

стр. 4668

كذلك) ذكره البخارى فى باب ماينهى عنه من السباب واللعن فى أول كتاب الأدب. قال المهلب: وهذا معنى تبويبه من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، أن المكفر له الذى يرجع عليه إثم التكفير؛ لأن الذى رمى به عند الرامى صحيح الإيمان إذا لم يتأول عليه شيئا يخرجه من الإيمان فكما هو صحيح الإيمان كصحة إيمان الرامى فقد صح أنه أراد برميه له بالكفر كل من هو على دينه فقد كفر نفسه؛ لأنه على دينه ومساو له فى إيمانه، فإن استحق ذلك الكفر المرمى به استحق مثله الرامى وغيره. وقد يجيب الفقهاء من هذا بأن يقولوا: فقد كفر بحق أخيه المسلم، وليس ذلك مما يسمى به الجاحد بحق أخيه المسلم كافرا لأنه لا يستحق من جحد حق أخيه فى بر أو مال. وقد روى اشهب عن مالك أنه سئل عن قوله ﵇: (من قال لأخيه ياكافر فقد باء بها أحدهما) قال مالك: أراهم الحرورية. قيل له: أفتراهم بذلك كفارًا؟ قال: لا أدرى ما هذا. والحجة لقول مالك قوله ﵇: (سباب المسلم فسوق) والفسوق غير الكفر. وقوله: (فقد باء بها أحدهما) هو على مذهب العرب فى استعمالها الكناية فى كلامها وترك التصريح بالشر، وهذا كقول الرجل لمن أراد أن يكذبه: والله إن أحدنا لكاذب، وهذا كقوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين) . وقوله: (من حلف بمله غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال) قد

стр. 4669

تقدم معناه فى كتاب الجنائز فى باب قاتل النفس، وفى كتاب الإيمان والنذور فى باب من حلف بمله سوى الإسلام بما فيه فكاية لكنى كرهت أن أخلى هذا الباب من الكلام فيه لأنى كثيرًا ماكنت أسأل المهلب عن هذا الحديث لصعوبته فيجيبنى هنه بألفاظ وطرق مختلفة والمعنى واحد. فقال لى: قوله: (فهو كما قال) يعنى: فهو كاذب لا كافر إلا أنه تعمد بالكذب الذى حلف عليه التزام المللة التى حلف بها قال ﵇: (فهو كما قال) من التزام اليهودية والنصرانية وعيدًا منه ﵇ لمن صح قصده بكذبه إلى التزام تلك المللة فى حين كذبه فى وقت ثان، إذ كان ذلك على سبيل المكر والخديعة للمحلوف له. يبين ذلك قوله ﵇: (لا يزنى حين يزنى وهو مؤمن) فلم ينف عنه الإيمان إلا وقت الزنا خاصة، وكذلك هذا الحالف بملة غير الإسلام؛ لقيام الدليل على أنه لم يرد نبذ الإسلام بتعليقه يمينه بشرط المحلوف عليه، ولو أراد الارتداد لم يعلق قوله أنا يهودى لمحلوف عليه من معانى الدنيا. ولذلك قال ﵇: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله) خشية منه عليه استدامة حاله على ماقال وقتئذ فينفذ عليه الوعيد فيحبط عمله، ويطبع على قلبه لما قال من كلمة الكفر بعد الإيمان، فتكون كلمة وافقت قدرًا فيزين له سوء عمله فيراه حسنًا فيستديم ما قال ويصر عليه. وأما من حلف بملة غير الإسلام وهو فيما حلف عليه صادق فهو تصحيح براءته من تلك الملة مثل أن يقول: أنا يهودي إن طعمت اليوم

стр. 4670

أو شربت، وهو صادق لم يشرب ولم يأكل، فلما عقد يمينه بشرط هو فى الحقيقة معدوم ماربطه به وهو الأكل والشرب اللذان لم يقعا منه لم يتعين عليه وعيد يخشى إنفاذه عليه، ولم يتوجه إليه إثم الملة التى حلف عليها لعقده نبيته على نفيها كنفى شرطها لكن لا يبرأ من الملامة لمخالفته لقوله ﵇: (من كان حالفًا فليحلف بالله) . قال الطبرى: وقوله ﵇: (لعن المؤمن كقتله) يريد فى بعض معناه لا فى الإثم والعقوبة، ألا ترى أن من قتل مؤمنا أن عليه القود ومن لعنه لا قود عليه؟ . واللعن فى اللغة الإبعاد من الرحمة، وكذلك القتل إبعاد المقتول من الحياة التى يجب بها نصره المؤمنين وعون بعضهم لبعض وقد قال ﵇: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وكذلك قوله: (من رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله) لما أجمع المسلمون أنه لا قتل عليه فى رميه له بالكفر، علم أن التشبيه إنما وقع بينهما فى معنى يجمعهما وهو ماقلناه أن اللعن الإبعاد من الرحمة كما أن القتل إبعاد من الحياة وإعدام منها، وقد بعض العلماء: إن معنى قوله: (لعن المؤمن كقتله) يريد فى تحريم ذلك عليه وقد ذكرته فى كتاب الإيمان والنذور. ٧١ - باب: من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا وَقَالَ عُمَرُ لِحَاطِبِ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (وَمَا يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) .

стр. 4671

/ ١١٣ - فيه: جَابِر، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّى مَعَ النَّبِى ﷺ ، ثُمَّ يَأْتِى قَوْمَهُ، فَيُصَلِّى بِهِمُ الصَّلاةَ، فَقَرَأَ بِهِمُ الْبَقَرَةَ، قَالَ: فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ، فَصَلَّى صَلاةً خَفِيفَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذً فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَأَتَى النَّبِى ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، وَنَسْقِى بِنَوَاضِحِنَا، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ، فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، فَتَجَوَّزْتُ، فَزَعَمَ أَنِّى مُنَافِقٌ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ، ثَلاثًا؟ اقْرَأْ: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) [الشمس: ١] ) وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) [الأعلى: ١] وَنَحْوَهَا) . / ١١٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِى حَلِفِهِ: بِاللاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبهِ: تَعَالَ، أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ) . / ١١٥ - وفيه: ابْن عُمَر، أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِى رَكْبٍ، وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، وَإِلا فَلْيَصْمُتْ) . قال المهلب: معنى هذا الباب أن المتأول معذور غير مأثوم، ألا ترى أن عمر بن الخطاب قال لحاطب لما كاتب المشركين بخبر النبى إنه منافق، فعذر النبى ﵇ عمر لما نسبه إلى النفاق، وهوأسوأ الكفر، ولم يكفر عمر بذلك من أجل ما جناه حاطب، وكذلك عذرا ﵇ معاذ حين قال للذى خفف الصلاة وقعطها خلفه إنه منافق؛ لأنه كان متأولا فلم يكفر معاذ بذلك. ومثل ذلك قوله ﵇ حين سمع عمر يحلف بأبيه: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآباكم) فلم ير النبى إكفار عمر حين حلف بأبيه وترك الحلف بربه الذى خلقه ورزقه وهداه، وقصده اليمين بغير الله تشريك لله فى حقه لاسيما على طراوة عباده غير الله، فلما لم يعرفه

стр. 4672

عليه السلام بأن يمينه بأبيه ليس بكفر من أجل تأويله أن له أن يحلف بأبيه للحق الذى له بالأبوة، عذر عمر فى ذلك لجهالته أن الله لا يريد أن يشرك معه غيره فى الإيمان؛ إذ لا يحلف الحالف إلا بأعظم ماعنده من الحقوق، ولا أعظم من حق الله على عباده هذا وجه حديث عمر فى هذا الباب. قال المؤلف: وكذلك عذر ﵇ من حلف من أصحابه باللات والعزى لقرب عهدهم يجرى ذلك على ألسنتهم فى الجاهلية، وروى عن سعد بن أبى وقاص (أنه حلف بذلك فأتى النبى ﵇ فقال: يارسول الله، إن العهد كان قريبًا فحلفت باللات والعزى، فقال النبى ﵇ قل: لا إله إلا الله) وقد تقدم بيان هذا فى باب لا يحلف باللات والعزى فى كتاب الأيمان والنذور، فتأمله هناك. وليس فى قوله ﷺ : (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله) إطلاق منه لهم على الحلف بذلك وكفارته بقول: لا إله إلا الله، فإنه علمهم ﵇ أنه من نسى أو جهل فحلف بذلك أن كفارته أن يشهد بشهادة التوحيد؛ لأنه قد تقدم إليهم ﵇ بالنهى عن أن يحلف أحد بغير الله، فعذر الناسى والجاهل، ولذلك سوى البخارى فى ترجمته الجاهل مع المتأول فى سقوط الحرج عنه؛ لأن حديث أبى هريرة فى الجاهل والناسى، والله أعلم.

стр. 4673

٧٢ - باب: ما يجوز من الغضب والشدة فى أمر الله وقال تعالى: (جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم (/ ١١٦ - فيه: عَائِشَةَ، دَخَلَ عَلَى النَّبِى ﵇ وَفِى الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ، وَقَالَتْ: قَالَ رسول اللَّه ﷺ : (إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ) . / ١١٧ - وفيه: أَبُو مَسْعُودٍ، أَتَى رَجُلٌ النَّبِى ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّى لأتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِى مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ) . / ١١٨ - وفيه: ابْن عُمَر، بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى رَأَى فِى قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً، فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، فَتَغَيَّظَ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِى الصَّلاةِ فَإِنَّ اللَّهَ حِيَالَ وَجْهِهِ فَلا يَتَنَخَّمَنَّ حِيَالَ وَجْهِهِ فِى الصَّلاةِ) . / ١١٩ - وفيه: زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِىّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: (عَرِّفْهَا سَنَةً. . . .) ، إلى قوله: فَضَالَّةُ الإبِلِ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ. / ١٢٠ - وفيه: زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ حُجَيْرَةً مُخَصَّفَةً، أَوْ حَصِيرًا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ يُصَلِّى فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً، فَحَضَرُوا وَأَبْطَأَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا الْبَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُغْضَبًا. . . . الحديث. قال المؤلف: الغضب والشدة فى أمر الله وذلك من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأجمعت الأمة على أن ذلك فرض

стр. 4674

على الأئمة والأمراء أن يقوموا به ويأخذوا على أيدى الظالمين وينصفوا المظلومين ويحفظوا أمور الشريعة حتى لا تغير ولاتبديل، ألا ترى أن النبى ﵇ غضب وتلون وجهه لما رأى التصاوير فى القرام وهتكه، وقال: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون) وكذلك غضب من أجل تطويل الرجل فى صلاته بالناس ونهى عن ذلك، وتغيظ حين رأى النخامة فى القبلة فحكمها بيده ونهى عنها، وكذلك غضب حتى احمر وجهه حين سئل عن ضالة الإبل وقال: (ما لم ولها. . .) الحديث، وغضب ﵇ على الذين صلوا فى مسجده بصلاته بغير إذنه ولم يخرج إليهم، ففيه من الفقه جواز الغضب للإمام والعالم فى التعليم والموعظة إذا رأى منكرًا يجب تغييره. وقال مالك: الأمر بالمعروف واجب على جماعة المؤمنين من الأئمة والسلاطين وعامة المؤمنين لا يسعهم التخلف عنه، غير أن بعض الناس يحمله عن بعض بمنزلة الجهاد. واحتج فى ذلك بعض العلماء فقال: كل شىء وجب على الانسان فعله من الفرائض والسنن للازمة، وكل شىء وجب عليه تركه من المحارم التى نهى الله عنها ورسوله فإنه واجب عليه فى القياس أن يأمر بذلك من ضيع شيئًا منه، وينهى كل من أتى شيئًا من المحرمات التى وجب عليه تركها. وقال بعض العلماء: الأمر بالمعروف منه فرض ومنه نافلة، فكل شىء وجب عليه العمل به وجب عليه الأمر به كالمحافظة على الوضوء وتمام الركوع والسجود وإخراج الزكاة وماأشبه ذلك، وماكان نافلة لك فإن أمرك به نافلة وأنت غير آثم فى ترك الأمر به إلا عند السؤال عنه لواجب النصيحة التى هى فرض على جميع المؤمنين، وهذا كله عند جمهور العلماء ما لم تخف على نفسك الأذى، فإن خفت

стр. 4675

وجب عليك تغيير المنكر وإنكاره بقلبك وهو أضعف الإيمان؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وقوله: (حجيرة مخصفة) يعنى ثوبًا أو حصيرًا قطع به مكانًا فى المسجد واستتر وراءه، والعرب تقول: خصفت النعل خصفًا: أطبقتها فى الخرز بالمخصف، وهو الإشفاء، وخصفت على نفس ثوابا أو حصيرًا قطع به مكانًا فى المسجد واستتر وراءه، والعرب تقول: خصفت النعل خصفًا: أطبقتها فى الخرز بالمخصف، وهو الإشفاء، وخصفت على نفسى ثوابًا: جمعت بين طرفيه بعود أو خيط، وفى التنزيل: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) عن صاحب الفعال. ٧٣ - باب: الحذر من الغضب لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى: ٣٧] وَقَوْلِهِ: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) [آل عمران: ١٣٤] . / ١٢١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) . / ١٢٢ - وفيه: سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِى ﷺ ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (إِنِّى لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ، فَقَالُوا لِلرَّجُلِ، أَلا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِى ﷺ ؟ قَالَ: إِنِّى لَسْتُ بِمَجْنُونٍ.

стр. 4676

/ ١٢٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِي ﷺ : أَوْصِنِى، قَالَ: (لا تَغْضَبْ) ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: (لا تَغْضَبْ) . قال المؤلف: مدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم، وأخبر أن ماعنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم فى ذلك، وقد روى معاذ بن جبل عن النبى ﵇ أنه قال: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دهاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخبره فى أى الحور شاء) . وقال ﵇: (ليس الشديد بالصرعة) والصرعة: الذى يصرع الناس ويكثر منه ذلك، كما يقال للكثير النوم نومه، وللكثير الحفظ حفظه، فأراد ﵇ أن الذى يقوى على ملك نفسه عند الغضب ويردها عنه هو القوى الشديد والنهاية فى الشدة لغلبته هواه المردى الذى زينه له الشيطان المغوى، فدل هذا أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو؛ لأن النبى ﵇ جعل للذى يمكل نفسه عند الغضب من القوة والشدة ماليس للذى يغلب الناس ويصرعهم. ومن هذا الحديث قال الحسن البصرى حين سئل أى الجهاد أفضل؟ فقال: جهادك نفسك وهواك. وفى حديث سليمان بن صرد أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تذهب الغضب، وذلك أن الشيطان هو الذى يزين للإنسان الغضب

стр. 4677

وكل ما لا تحمده عاقبته ليرديه ويغويه ويبعده من رضا الله تعالى فالاستاذة بالله تعالى منه من أقوى السلاح على دفع كيده، وذكر أيضًا أبو داود فى حديث أبى ذر عن النبى ﵇ أنه قال: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب ولا فليضطجع) . وذكر أيضًا من حديث عطية عن النبى ﵇ أنه قال: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) . وقال أبو الدرداء: أقرب مايكون العبد من غضب الله تعالى إذا غضب، وفى بعض الكتب قال الله تعالى: ابن آدم اذكرنى إذا غضبت أذكرك إذا غضبت. وقال بكر بن عبد الله: أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم. ٧٤ - باب: الحياء / ١٢٤ - فيه: عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (الْحَيَاءُ لا يَأْتِى إِلا بِخَيْرٍ) . فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِى الْحِكْمَةِ: إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً، فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِى عَنْ صَحِيفَتِكَ. / ١٢٥ - وفيه: ابْن عُمَر، مَرَّ النَّبِى ﵇ عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِى الْحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِى حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ) .

стр. 4678

/ ١٢٦ - وفيه: أَبُو سَعِيدٍ، كَانَ النَّبِى ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِى خِدْرِهَا. وقوله ﵇: (الحياء لا يأتى إلا بخير) معناه أن من استحيا من الناس أن يروه يأتى الفجور ويرتكب المحارم، فذلك داعية له إلى أن يكون أشد حياء من ربه وخالقه، ومن استحيا من ربه فإن حياءه زاجر له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه؛ لأن كل ذى فطرة صحيحة يعلم أن الله تعالى النافع له والضار والرزاق والمحى والمميت، فإذا علم ذلك فينبغى له أن يستحى منه ، وهو قوله ﵇: (دعه فإن الحياء من الإيمان) معناه أن الحياء من أسباب الإيمان وأخلاق أهله. وذلك أنه لما كان الحياء يمنع من الفواحش، ويحمل على الصبر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من الفجور، ويقيده عن المعاصى ويحمله على الطاعة صار كالإيمان لمساواته له فى ذلك، وإن كان الحياء غريزة والإيمان فعل المؤمن فاشتبها من هذه الجهة، وقد تقدم فى كتاب الإيمان. وإنما غضب عمران بن حصين؛ لأن بشير كعب حدثه عن صحيفته فيما كان حدثه به عمران عن النبى ﵇ فهذا أصل أن الحجة إنما هى فى سنة رسول الله لا فيما يروى عن كتب الحكمة؛ لأنه لا يدرى مافى حقيقتها، وقد روى فى هذا الحديث عمران أن بشير بن كعب قال له: إن من الحياء ضعفًا، وعى هذه اللفظة يكون غضب عمران أوكد لمخالفة لقوله ﵇:

стр. 4679

(الحياء لا يأتى إلا بخير) ولقوله للذى كان يقول صاحبه إنك تستحى حتى أضر بك الحياء: (دعه فإن الحياء من الإيمان) فدلت هذه الآثار أن الحياء ليس بضار فى حالة من الأحوال ولا بمذموم. ٧٥ - باب: إذا لم تستحى فاصنع ما شئت / ١٢٧ - فيه: أَبُو مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِى ﷺ : (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْىِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) . قال الخطابى: قوله: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة) يريد أن الحياء لم يزل مستحسنًا فى شرائع الأنبياء الأولين، وأنه لم ينسخ فى جملة مانسخ من شرائعهم. قال المؤلف: قوله: (فاصنع ما شئت) فيه وجهان: أحدهما: أن يكون خرج بلفظ الأمر على معنى الوعيد والتهدد لمن ترك الحياء كما قال تعالى: (اعملوا ما شئتم) ولم يطلقهم تعالى على الكفر وفعل المعاصى، بل توعدهم بهذا اللفظ؛ لأنه تعالى قد بين لهم مايأتون ومايتركون، وكقوله: (من باع الخمر فليشقص الخنازير) فلم يكن فى هذا إباحة تشقيص الخنازير، إذا الخمر محرم شربها محظور بيعها. والوجه الثانى: أن يكون معناه: اصنع ماشئت من أمر لا تستحى منه تفعله، والتأويل الأول أولى وهو الشائع فى لسان العرب، ولم يقل أحد فى تأويل الآية المذكورة غيره.

стр. 4680

٧٦ - باب ما لا يستحيا منه من الحق للتفقه فى الدين / ١٢٨ - فيه: أُمِّ سَلَمَةَ، أَنّ أُمُّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحِى مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ) . / ١٢٩ - وفيه: ابْنَ عُمَرَ، أنّ النَّبِى ﵇ قَالَ: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَلا يَتَحَاتُّ) ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِىَ النَّخْلَةُ، وَأَنَا غُلامٌ شَابٌّ، فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ: (هِىَ النَّخْلَةُ) ، فَقَالَ عُمَر: لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. / ١٣٠ - وفيه: أَنَس، جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِى ﵇ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِىَّ؟ فَقَالَتِ ابْنَتُهُ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا، فَقَالَ: هِىَ خَيْرٌ مِنْكِ، عَرَضَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇ نَفْسَهَا. قولها: (إن الله لا يستحى من الحق) يدل على أنه لا يجوز الحياء عن السؤال فى أمر الدين، وجميع الحقائق التى تعبد الله عباده بها، وأن الحياء فى ذلك مذموم. وفى حديث ابن عمر أن الحياء مكروه لمن علم علمًا فلم يخبر به بحضرة من هو فوقه إذا سئل عنه، ألا ترى حرص عمر على أن يقول ابنه أنها النخلة، وقد تقدم فى كتاب العلم. وقول النبى ﵇: فى المرأة التى عرضت نفسها عليه لابنته (هى خير منك) حجة فى أن لا يستحيا فيما يحتاج إليه. وقوله: (لا يتحات) أى لا يسقط من احتكاك بعضهم ببعض، تقول العرب: حت الورق والطين اليابس من الثوب حتاّ: فركه ونقضه.

стр. 4681

٧٧ - باب قول النبي ﷺ : (يسروا ولا تعسروا وكأن يحب التخفيف واليسر على الناس / ١٣١ - فيه: أَنَس، قَالَ النَّبِى ﷺ : (يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا، وَلا تُنَفِّرُوا) . / ١٣٢ - وفيه: أَبُو مُوسى، لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِىّ ﵇ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لَهُمَا: (يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا. . . .) الحديث. / ١٣٣ - وفيه: عَائِشَةَ، مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ لِنَفْسِهِ فِى شَىْءٍ قَطُّ، إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا. / ١٣٤ - وفيه: الأزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ بِالأهْوَازِ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِى عَلَى فَرَسٍ، فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَتِ الْفَرَسُ، فَخَلَّى صَلاتَهُ، وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلاتَهُ، وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، تَرَكَ صَلاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِى أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِى مُتَرَاخٍ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ، لَمْ آتِ أَهْلِى إِلَى اللَّيْلِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى مِنْ تَيْسِيرِهِ. / ١٣٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِى الْمَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ؟ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ - أَوْ سَجْلا مِنْ مَاءٍ - فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ) .

стр. 4682

قد تقدمت هذه الأحاديث بأمر النبي ﵇ بتيسر فى كتاب الحدود، وفى كتاب الأحكام. قال الطبرى: ومعنى قوله: (يسروا ولا تعسروا) فيما كان من نوافل الخير دون ماكان فرضا من الله، وفيما خفف الله عمله من فرائضه فى حال العذر كالصلاة قاعدًا فى حال العجز عن القيام، وكالإفطار فى رمضان فى السفر والمرض وشبه ذلك فيما رخص الله فيه لعباده وأمر بالتيسير فى النوافل والإتيان بما لم يكن شاقًا ولافادحًا خشية الملل لها ورفها، وذلك أن أفضل العمل إلى الله أدومه وإن قل، وقال ﵇ لبعض أصحابه: (لا تكن كفلان كان يقوم الليل فتركه) . قال غير الطبرى: ومن تيسره ﵇ أنه لم يعنف البائل فى المسجد ورفق به، ومن ذلك أبى برزة لصلاته فرسه، وأنه رأى من تيسير النبى ماحمله على ذلك، وجماعة الفقهاء يرون أن من كان فى صلاة فانلتت دابته أنه يقطع صلاته ويتبعها؛ لأن الصلاة تدرك إعادتها وميسر دابته قاطع له. وقد تقدم فى الصلاة. قال الطبرى: وفى أمره ﵇ بالتيسير فى ذلك معان أحدهما: الأمان من الملال. والثانية: الأمان من مخالصة العجب قلب صاحبه حتى يرى كأن له فضلاً على من قصر عن مثل فعله فيهلك، ولهذا قال ﵇: (هلك المتنطعون) وبلغ النبى أن قومًا أرادوا أن يختصوا وحرموا الطيبات واللحم على أنفسهم فقام النبى ﵇ وأوعد في

стр. 4683

ذلك أشد الوعيد، وقال: (لم أبعث بالرهبانية وإن خير الدين عند الله الحنفية السمحة، وإن أهل الكتاب هلكوا بالتشديد شدوا فشدد عليهم) . وفى هذا من الفقه أن أمور الدنيا نظير ذلك فى أن الغلو وتجاوز القصد فيها مذموم، وبذلك نزل القرآن قال تعالى: (والذين أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا) فحمد الله فى نفقاتهم ترك الإسراف والإقتار وقال: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا) الآية، فأمر تعالى بترك التبذير فى سبله التى ترجى بها الزلفة لربه، فالواجب على كل ذى لب أن تكون أموره كلها قصدًا فى عبادة ربه كان أو فى أمر دنياه، فى عداوة كان أو محبة، فى أكل أو شرب أو لباس أو عرى، وبكل هذا ورد الخبر عن السلف أنهم كانوا يفعلون. وأما اجتهاده ﵇ فى عبادة ربه؛ فإن الله كان خصهّ من القوة بما لم يخص به غيره، فكان مافعل من ذلك سهلا عليه على أنه ﵇ لم يكن يحى ليله كله قيامًا ولا شهرًا كله صيامًا غير رمضان. وقد قيل: إنه كان يصوم شعبان كله فيصله برمضان، فأما سائر شهور السنة فإنه كان يصوم بعضه ويفطر بعضه، ويقوم بعض الليل وينام بعضه، وكان إذا عمل عملا داوم عليه، فأحق من اقتدى به رسول الله الذى اصطفاه الله لرسالته وانتخبه لوحيه.

стр. 4684

٧٨ - باب: الانبساط إلى الناس وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: خَالِطِ النَّاسَ وَدِينَكَ لا تَكْلِمَنَّهُ وَالدُّعَابَةِ مَعَ الأهْلِ. / ١٣٦ - فيه: أَنَس، إِنْ كَانَ النَّبِى ﵇ لَيُخَالِطُنَا، حَتَّى يَقُولَ لأخٍ لِى صَغِيرٍ: (يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ) . / ١٣٧ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِىِّ، ﵇، وَكَانَ لِى صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِى - فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَىَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِى. قال المؤلف: كان النبى ﵇ أحسن الأمة أخلاقًا وابسطهم وجهًا، وقد وصف الله ذلك بقوله: (إنك لعلى خلق عظيم) فكان ينبسط إلى النساء والصبيان ويمازحهم ويداعبهم، وروى عنه أنه قال: (إنى لأمزح ولا أقول إلا حقًا) وكان يسرح إلى عائشة صواحباتها ليلعبن معها، فينبغى للمؤمنين الاقتداء بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه ﷺ . وقال أبو عبيد: قوله: (يتقمعن) يعنى دخل البيت وتغيبن، يقال للإنسان قد انقمع وقمع إذا دخل فى الشىء أو دخل فى بعضه بعض. وقال الصمعى: فيه سمى القمع الذى يصب فيه الدهن وغيره؛ لأنه يدخل فى الإناء. والذى يراد من الحديث: الرخصة فى اللعب التى تلعب بها الجوارى وهى البنات فجاءت فيها الرخصة وهى تماثيل، وليس وجه ذلك عندنا إلا من أجل أنها لهو الصبيان ولو كان فى الكبار لكان مكروهًا كما جاء النهى فى التماثيل كلها وفى الملاهي.

стр. 4685

وقال غيره: (كنت العب) : منسوخ بنهى النبى ﵇ عن الصور؛ لأن كل من رخص فى الصور فيما كان رقمًا أو فى تصوير الشجر ومالاروح له، كلهم قد أجمعوا أنه لا يجوز تصوير ماله روح. وذكر ابن أبى زيد أنه كره أن يشترى الرجل لأبنته الصور. ٧٩ - باب: المدارة مع الناس وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ: إِنَّا لَنَكْشِرُ فِى وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ. / ١٣٨ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِى ﵇ رَجُلٌ، فَقَالَ: (ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ) فَلَمَّا دَخَلَ، أَلانَ لَهُ الْكَلامَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِى الْقَوْلِ، فَقَالَ: (أَىْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ - أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ - اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) . / ١٣٩ - وفيه: الْمِسْوَرِ أُهْدِيَتْ إلى النَّبِى ﵇ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ، فَلَمَّا جَاءَ، قَالَ: (قَدْ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ) ، قَالَ أَيُّوبُ: بِثَوْبِهِ، وَأَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ، وَكَانَ فِى خُلُقِهِ شَىْءٌ. قال المؤلف: المدارة من أخلاق المؤمنين وهى خفض الجناح للناس، ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم فى القول وذلك من اقوى أسباب الألفة وسل السخيمة. وقد روى عن النبى ﵇ أنه قال: (مدارة الناس صدقة) .

стр. 4686

وقال بعض العلماء: وقد ظن من لم ينعم النظر أن المدارة هى المداهنة، وذلك غلط، لأن المدارة مندوب اليها والمداهنة محرمة، والفرق بينهما بين، وذلك أن المادهنة اشتق اسمها من الدهان الذى يظهر على ظواهر الشياء ويستر بواطنها، وفسرها العلماء فقالوا: المداهنة هى أن يلقى الفاسق المظر فيؤالفه ويؤاكله، ويشاربه، ويى أفعاله المنكرة ويريه الرضا بها ولاينكرها عليه ولو بقلبه وهو اضعف الإيمان، فهذه المداهنة التى برأ الله منها نبيه ﵇ بقوله: (ودوا لوتدهن فيدهنون) . والمدارة هى الرفق بالجاهل الذى يستتر بالمعاصى ولايجاهر بالكبائر، والمعاطفة فى رد أهل الباطل إلى مراد الله بلين ولطف حتى يرجعوا عما هم عليه. فإن قال قائل: فأين أنت فى قولك هذا من فعل النبى ﵇ حين دخل عليه المنافق فقال عند دخوله: (بئس ابن العشيرة) ثم حدثه وأثنى عليه شرًا عند خروجه؟ . قيل له: إن رسول الله كان مأمورًا بأن لا يحكم على أحد إلا بما ظهر منه للناس لا بما يعلمه دون غيره، وكان المنافقون لا يظهرون له إلا التصديق والطاعة، فكان الواجب عليه أن لا يعاملهم إلا بمثل ما أظهروا له، إذ لو حكم بعلمه فى شىء من الأشياء لكانت سنة كل حاكم أن يحكم بما أطلع عليه فيكون شاهدًا وحاكمًا، والأمة مجمعة أنه لا يجوز ذلك، وقد قال ﵇ فى المنافقين: (أولئك الذى نهانى الله عن قتلهم) .

стр. 4687

والداخل على النبي ﵇ إنما كان يظهر فى ظاهر لفظه الإيمان، فقال فيه النبى قبل وصوله إليه وبعد خروجه ماعلمه منه دون أن يظهر له فى وجهه؛ إذ لو أظهره صار حكمًا، وأفاد كلامه بما علمه منه إعلام عائشة بحاله، ولو أنه كان من أهل الشرك ورجا رسول الله إيمانه واستئلافه هو وقومه وإنابتهم إلى الإسلام لم يكن هذا ماهنة؛ لأنه ليس عليه حكم إلا منة الدعاء أى الإسلام لا من وجهة الإنكار والمقاطعة كما فعل ﵇ مع المشرك رجاء منه وابن أم مكتوم يساله أن يدنيه ويعلمه، فأقبل على المشرك رجاء أن يدخل فى افسلام وتولى عن ابن أم مكتوم، فعاتبه الله فى ذلك، فبان أنه من رسول الله إنصاف أن يظهر لإنسان مايظهر له مما يظهره للناس أجمعين من أحواله مما لا يعلمون منه غيره كما فعل الرسول بابن العشيرة. ٨٠ - باب: لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لا حَكِيمَ إِلا ذُو تَجْرِبَةٍ. / ١٤٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (لا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) . قال أبو عبيد: تأويل هذا الحديث عننا أنه ينبغى للمؤمن إذا نكب من وجه أن لا يعود لمثله. وترجم له فى كتاب الأمثال باب المحاذرة للرجل من الشىء قد ابتلى بمثله مرة. وفيه: أدب شريف، أدب به النبى أمته ونبههم كيف يحذرون ما يخافون سوء عاقبته، وهذا الكلام مما لم يسبق إليه النبي

стр. 4688

- ﵇ وقاله لأبي عزة الشاعر، وكان أسر يوم بدر فسأل النبى ﵇ أن يمن عليه وذكر فقرًا، فمن عليه النبى وأخذ عليه عهدًا أن لا يخصص عليه ولايهجوه، ففعل ثم رجع إلى مكة فاستهواه صفوان بن أمية وضمن له القيام بعياله، فخرج مع قريش وحضض على النبى - عليه السالم - فأسر، فسأل النبى أن يمن عليه فقال: (لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين لا تمسح عارضيك بمكة وتقول: سخرت من محمد مرتين ثم أمر به فقتل) . وقول معاوية: لا حلم إلا لذى تجربة. يريد أن من جرب الأمور وعرف عواقبها ومايئول إليه أمر من ترك الحلم وركب السفه والسباب من سوء الانتصار منه؛ آثر الحلم وصبر على قليل من الأذى ليدفع به ماهو أكثر منه. وقال الخطابى: معنى قوله: (لا حلم إلا لذى تجربة) أن المرء لا يوصف بالحلم ولا يترقى إلى درجته حتى يركب الأمور ويجربها فيعثر مرة بعد أخرى فيعتبر ويتبين مواضع الخطأ ويجتنبها. وقال ضمرة: الحلم أنفع من العقل؛ لأن الله تسمى به. ٨١ - باب: حق الضيف / ١٤١ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. . .) ، الحديث. وقد ذكرته فى كتاب الصوم.

стр. 4689

٨٢ - باب: إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه وقوله تعالى: (ضيف إبراهيم المكرمين ( / ١٤٢ - فيه: أَبُو شُرَيْحٍ الْكَعْبِىِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِىَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ) . / ١٤٣ - وفيه: عُقْبَة، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا، فَنَنْزِلُ بِقَوْم، ٍ لاَ يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا النَّبِىّ ﷺ : (إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِى لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِى يَنْبَغِى لَهُ) . سئل مالك عن جائزته يوم وليلة، فقال: تكرمه وتتحفه يومًا وليلة، وثلاثة أيام ضيافة. قسم رسول الله ﵇ أمره إلى ثلاث اقسام: إذا نزل به الضيف أتحفه فى اليوم الأول، وتكلف له على قدر وجه، فإذا كان اليوم الثانى قدم إليه مابحضرته، فذا جاوز هذه الثلاثة كان مخيرًا بين أن يستمر على وتيرته أو يمسك، وجعله كالصدقة النافلة. وقوله: (لا يثوى عنه) لا يقيم، والثواء: الإقامة بالمكان، يعنى لا يقيم عنده بعد الثلاث حتى يضيق صدره، وأصل الحرج الضيق، وإنما كره له المقام عنده بعد الثلاثة لئلا يضيق صدره بمقامه فتكون الصدقة منه على وجه المنّ والأذى فيبطل أجره قال الله تعالى: (لا تبطلوا صداقتكم بالمن والأذى (.

стр. 4690

وقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) يعنى من كان إيمانه بالله واليوم الآخر إيمانًا كاملا فينبغى أن تكون هذه حالة وصفته فالضيافة من سنن المرسلين. واختلف العلماء فى وجوب الضيافة، فأوجبها الليث بن سعد فرضًا ليلة واحدة، وأجاز للعبد المأذون له أن يضيف مما بيده، واحتج بحديث عقبة بن عامر. وقال جماعة من أهل العلم: الضيافة من مكارم الأخلاق فى بادية وحاضرة وهو قول الشافعى. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. وقال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر. واحتج الليث بقوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) أنها نزلت فيمن منع الضيافة فأبيح للضيف لوم من لم يحسن ضيافته، وذكر قبيح فعله، وروى ذلك عن مجاهد وغيره. فيقال لهم: إن الحقوق لا ينتصف منها بالقول، وإنما ينتصف منها بالأداء والإبراء، فلو كانت الضيافة واجبة لوجب عليهم الخروج إلى القوم مما يلزم من ضيافتهم. وفى قوله ﵇: (جائزته يوم وليلة) دليل أن الضيافة ليست بفريضة، والجائزة فى لسان العرب: النحلة والعطية، وذلك تفضل وليس بواجب.

стр. 4691

وأما حديث عقبة بن عامر فتأويله عند جمهور العلماء أنه كان فى أول الإسلام حين كانت المواساة واجبة، فأما إذا أتى الله بالخير والسعة فالضيافة مندوب إليها. ٨٣ - باب: صنع الطعام والتكلف للضيف / ١٤٤ - فيه: أَبُو جُحَيْفَةَ، قَالَ: آخَى النَّبِى ﵇ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِى الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِى الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَال: َ كُلْ فَإِنِّى صَائِمٌ قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ، ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ ليَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، قَالَ: فَصَلَّيَا. . . . الحديث. قال المؤلف: التكلف للضيف لمن قدر على ذلك من سنن المرسلين وآداب النبيين، ألا ترى أن إبراهيم الخليل ذبح لضيفه عجلا سمينًا. قال أهل التأويل: كانوا ثلاثة أنفس: جبريل وميكائيل وإسرافيل فتكلف لهم ذبح عجل وقربه إليهم. وقول نبينا ﷺ : (جائزته يوم وليلة) يقتضى معنى التكلف له يومًا وليلة لمن وجد، ومن لم يكن من أهل الوجود واليسار فليقدم لضيفه ماتيسر عنده ولايتكلف له مالايقدر عليه، وقد ورد بذلك الخبر عن النبى ﵇.

стр. 4692

ذكر الطبرى قال: حدثنا محمد بن خالد، عن خراش، حدثنا سلم بن قتيبة، عن قيس بن الربيع، عن عثمان بن شابور عن شقيق بن سلمه قال: (دخلت على سلمان فقرب إلى خبز شعير وملحًا، وقال: لولا أن رسول الله ﵇ نهى أن تكلف أحدنا ماليس عنه تكلفت لك) . فدل بهذا الحديث أن المرء إذا أضافه ضيف أن الحق عليه أن يأتيه من الطعام بما حضره، وأن لا يتكلف له بما ليس عنده، وإن كان ما حضره من ذلك دون مايراه للضيف أهلا؛ لأن فى تكلفة ماليس عنه معان مكروهة. منها: حبس الضيف عن القرى ولعله أن يكون جائعًا فيضر به. ومنها: أن يكون مستعهجلاً فى سفره فيقطعه عنه بحبسه إياه عن إحضاره ماحضره من الطعام إلى إصلاح ما لم يحضر. ومنها: احتقاره ما عظم الله قدره من الطعام. ومنها: خلافه أمر رسول الله وإتيانه ماقد نهى عنه من التكلف. وروى عبد الله بن الوليد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: (دخل على جابر بن عبد الله نفر من أصحاب النبى ﵇ فقرب إليهم خبزًا ثم قال: كلوا فإنى سمعت رسول الله يقول: نعم الإدام الخل، هلاك بالرجل أن يدخل إليه الرجل من إخوانه فيحقر ما فى بيته أن يقدمه إليه، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما قدم إليه) . وقال سفيان الثورى: قال ابن سيرين: لا تكرم أخاك بما يشق

стр. 4693

عليه وفسره الثوري فقال: أئته بحاضر ماعندك ولاتحبسه فعسى أن يشق ذلك عليه. وفى حديث أبى جحيفة زيارة الرجل الصالح صديقه الملاطف ودخوله داره فى غيبته وجلوسه مع أهله. وفيه: شكوى المرأة زوجها إلى صديقه الملاطف ليأخذ على يده ويرده عما يضر بأهله. وفيه: أنه لا بأس أن يأكل الضيف حتى يأكل رب الدار معه. وفيه: أنه لا بأس أن يفطر رب الدار لضيفه فى صيام التطوع. وفيه: كراهية التشدد فى العبادة والغلو فيها خشية مايخاف من عاقبة ذلك، وأن الأفضل فى العبادة القصد والتوسط فهو أحرى بالدوام، ألا ترى قول النبى ﷺ : (صدق سلمان) . وفيه: أن الصلاة آخر الليل أفضل؛ لأنه وقت تنزل الله إلى سماء الدنيا فيستجيب الدعاء. ٨٤ - باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف / ١٤٥ - فيه: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، أَنَّ أَبَاه تَضَيَّفَ رَهْطًا، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ، فَإِنِّى مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِى ﷺ ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ، قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُالرَّحْمَنِ، فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا، فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا قَالَ اطْعَمُوا، قَالُوا: مَا نَحْنُ

стр. 4694

بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ، فَأَبَوْا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَىَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ، فَسَكَتُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ، فَسَكَتُّ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِى لَمَّا جِئْتَ، فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ، فَقَالُوا: صَدَقَ، أَتَانَا بِهِ، قَالَ: فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِى، وَاللَّهِ لا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ الآخَرُونَ: وَاللَّهِ لا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، قَالَ: لَمْ أَرَ فِى الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ، وَيْلَكُمْ، مَا أَنْتُمْ؟ لِمَ لا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ، هَاتِ طَعَامَكَ، فَجَاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ، فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، الأولَى لِلشَّيْطَانِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. قال المؤلف: فقه هذا الحديث أنه ينبغى استعمال أحسن الأخلاق للضيف وترك الضجر لكى تنبسط نفسه، ولا تنقبض وتسقط المؤنة والرقبة خشية أن يظن أن الضجر والغضب من أجله، فلذلك من أدب الإسلام ومايثبت المودة، الا ترى أن الصديق لما رأى إبائة أضيافه من الأكل حتى يأكل معهمآثر الأكل معهم وحنت نفسه، وإنما حمله على الحلف - والله أعلم - أنه استنقص ابنه وأهله فى القيام ببر أضيافه، واشتد عليه تأخير عشائهم إلى ذلك الوقت من الليل، فلحقه ما يلحق البشر من الغضب، ثم لم يسعه مخالفة أضيافه لما أبوا من الأكل دونه، فرأى أن من تمام برهم إسعاف رغبتهم وترك التمادى فى الغضب، وأخذ فى ذلك بقوله ﵇: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه، وليأت الذى هو خير) ، وكان مذهبه اختيار الكفارة بعد الحنث. وقوله: (بسم الله الأولى للشيطان) : يعنى اللقمة الأولى إخزاء

стр. 4695

للشيطان؛ لأنه هو الذى حمله على الحلف وسول له أن لا يأكل مع أضيافه، وباللقمة الأولى وقع الحنث وبها وجبت الكفارة. وقد تقدم تفسيره قوله: (يا عنثر) فى كتاب الصلاة فى الجزء الثانى فى باب السمر مع الضيف، وسيأتى بعد. ٨٥ - باب قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأكل فيه: أبو جحيفة عن النبى ﷺ / ١٤٣ - وفيه: عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، مثل حديث الباب قبل هذا، وزاد فيه: فَجَعَلُوا لا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَنِى فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِى إِنَّهَا الآنَ لأكْثَرُ قَبْلَ أَنْ يَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِى ﷺ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. قال المؤلف: صاحب المنزل فى منزله كالأمير لا ينبغى لحد التقدم عليه فى أمر، يدل على ذلك الحديث الذى جاء عن النبى ﷺ : (لا يؤمن أحد فى سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه) فكان هذا الحديث أصلاً لهذا المعنى، ودل هذا أنه ينبغى للضيف المصير إلى مايحمله عليه ضيفه، ويشهد لهذا المعنى حديث أنس (أن غلامًا خاياطًا دعا النبى ﵇ للطعام فقدمه بين يديه، فاكل النبى وأقبل الخياط على عمله) وقد ترجم البخارى فى كتاب الأطعمة باب من أضاف رجلا إلى طعامه وأقبل هو على عمله فدل هذا الحديث أن أكل صاحب الطعام مع الضيف ليس من الواجبات، إلا أنه جاء فى حديث ضيف أبى بكر معنى يختص
следующие страницы →