Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
وأما حديث عقبة بن عامر فتأويله عند جمهور العلماء أنه كان فى أول الإسلام حين كانت المواساة واجبة، فأما إذا أتى الله بالخير والسعة فالضيافة مندوب إليها.
٨٣ - باب: صنع الطعام والتكلف للضيف
/ ١٤٤ - فيه: أَبُو جُحَيْفَةَ، قَالَ: آخَى النَّبِى ﵇ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِى الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِى الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَال: َ كُلْ فَإِنِّى صَائِمٌ قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ، ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ ليَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، قَالَ: فَصَلَّيَا. . . . الحديث. قال المؤلف: التكلف للضيف لمن قدر على ذلك من سنن المرسلين وآداب النبيين، ألا ترى أن إبراهيم الخليل ذبح لضيفه عجلا سمينًا. قال أهل التأويل: كانوا ثلاثة أنفس: جبريل وميكائيل وإسرافيل فتكلف لهم ذبح عجل وقربه إليهم. وقول نبينا ﷺ : (جائزته يوم وليلة) يقتضى معنى التكلف له يومًا وليلة لمن وجد، ومن لم يكن من أهل الوجود واليسار فليقدم لضيفه ماتيسر عنده ولايتكلف له مالايقدر عليه، وقد ورد بذلك الخبر عن النبى ﵇.
стр. 4692
ذكر الطبرى قال: حدثنا محمد بن خالد، عن خراش، حدثنا سلم بن قتيبة، عن قيس بن الربيع، عن عثمان بن شابور عن شقيق بن سلمه قال: (دخلت على سلمان فقرب إلى خبز شعير وملحًا، وقال: لولا أن رسول الله ﵇ نهى أن تكلف أحدنا ماليس عنه تكلفت لك) . فدل بهذا الحديث أن المرء إذا أضافه ضيف أن الحق عليه أن يأتيه من الطعام بما حضره، وأن لا يتكلف له بما ليس عنده، وإن كان ما حضره من ذلك دون مايراه للضيف أهلا؛ لأن فى تكلفة ماليس عنه معان مكروهة. منها: حبس الضيف عن القرى ولعله أن يكون جائعًا فيضر به. ومنها: أن يكون مستعهجلاً فى سفره فيقطعه عنه بحبسه إياه عن إحضاره ماحضره من الطعام إلى إصلاح ما لم يحضر. ومنها: احتقاره ما عظم الله قدره من الطعام. ومنها: خلافه أمر رسول الله وإتيانه ماقد نهى عنه من التكلف. وروى عبد الله بن الوليد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: (دخل على جابر بن عبد الله نفر من أصحاب النبى ﵇ فقرب إليهم خبزًا ثم قال: كلوا فإنى سمعت رسول الله يقول: نعم الإدام الخل، هلاك بالرجل أن يدخل إليه الرجل من إخوانه فيحقر ما فى بيته أن يقدمه إليه، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما قدم إليه) . وقال سفيان الثورى: قال ابن سيرين: لا تكرم أخاك بما يشق
стр. 4693
عليه وفسره الثوري فقال: أئته بحاضر ماعندك ولاتحبسه فعسى أن يشق ذلك عليه. وفى حديث أبى جحيفة زيارة الرجل الصالح صديقه الملاطف ودخوله داره فى غيبته وجلوسه مع أهله. وفيه: شكوى المرأة زوجها إلى صديقه الملاطف ليأخذ على يده ويرده عما يضر بأهله. وفيه: أنه لا بأس أن يأكل الضيف حتى يأكل رب الدار معه. وفيه: أنه لا بأس أن يفطر رب الدار لضيفه فى صيام التطوع. وفيه: كراهية التشدد فى العبادة والغلو فيها خشية مايخاف من عاقبة ذلك، وأن الأفضل فى العبادة القصد والتوسط فهو أحرى بالدوام، ألا ترى قول النبى ﷺ : (صدق سلمان) . وفيه: أن الصلاة آخر الليل أفضل؛ لأنه وقت تنزل الله إلى سماء الدنيا فيستجيب الدعاء.
٨٤ - باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف
/ ١٤٥ - فيه: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، أَنَّ أَبَاه تَضَيَّفَ رَهْطًا، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ، فَإِنِّى مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِى ﷺ ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ، قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُالرَّحْمَنِ، فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا، فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا قَالَ اطْعَمُوا، قَالُوا: مَا نَحْنُ
стр. 4694
بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ، فَأَبَوْا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَىَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ، فَسَكَتُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ، فَسَكَتُّ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِى لَمَّا جِئْتَ، فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ، فَقَالُوا: صَدَقَ، أَتَانَا بِهِ، قَالَ: فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِى، وَاللَّهِ لا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ الآخَرُونَ: وَاللَّهِ لا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، قَالَ: لَمْ أَرَ فِى الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ، وَيْلَكُمْ، مَا أَنْتُمْ؟ لِمَ لا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ، هَاتِ طَعَامَكَ، فَجَاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ، فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، الأولَى لِلشَّيْطَانِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. قال المؤلف: فقه هذا الحديث أنه ينبغى استعمال أحسن الأخلاق للضيف وترك الضجر لكى تنبسط نفسه، ولا تنقبض وتسقط المؤنة والرقبة خشية أن يظن أن الضجر والغضب من أجله، فلذلك من أدب الإسلام ومايثبت المودة، الا ترى أن الصديق لما رأى إبائة أضيافه من الأكل حتى يأكل معهمآثر الأكل معهم وحنت نفسه، وإنما حمله على الحلف - والله أعلم - أنه استنقص ابنه وأهله فى القيام ببر أضيافه، واشتد عليه تأخير عشائهم إلى ذلك الوقت من الليل، فلحقه ما يلحق البشر من الغضب، ثم لم يسعه مخالفة أضيافه لما أبوا من الأكل دونه، فرأى أن من تمام برهم إسعاف رغبتهم وترك التمادى فى الغضب، وأخذ فى ذلك بقوله ﵇: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه، وليأت الذى هو خير) ، وكان مذهبه اختيار الكفارة بعد الحنث. وقوله: (بسم الله الأولى للشيطان) : يعنى اللقمة الأولى إخزاء
стр. 4695
للشيطان؛ لأنه هو الذى حمله على الحلف وسول له أن لا يأكل مع أضيافه، وباللقمة الأولى وقع الحنث وبها وجبت الكفارة. وقد تقدم تفسيره قوله: (يا عنثر) فى كتاب الصلاة فى الجزء الثانى فى باب السمر مع الضيف، وسيأتى بعد.
٨٥ - باب قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأكل
فيه: أبو جحيفة عن النبى ﷺ / ١٤٣ - وفيه: عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، مثل حديث الباب قبل هذا، وزاد فيه: فَجَعَلُوا لا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَنِى فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِى إِنَّهَا الآنَ لأكْثَرُ قَبْلَ أَنْ يَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِى ﷺ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. قال المؤلف: صاحب المنزل فى منزله كالأمير لا ينبغى لحد التقدم عليه فى أمر، يدل على ذلك الحديث الذى جاء عن النبى ﷺ : (لا يؤمن أحد فى سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه) فكان هذا الحديث أصلاً لهذا المعنى، ودل هذا أنه ينبغى للضيف المصير إلى مايحمله عليه ضيفه، ويشهد لهذا المعنى حديث أنس (أن غلامًا خاياطًا دعا النبى ﵇ للطعام فقدمه بين يديه، فاكل النبى وأقبل الخياط على عمله) وقد ترجم البخارى فى كتاب الأطعمة باب من أضاف رجلا إلى طعامه وأقبل هو على عمله فدل هذا الحديث أن أكل صاحب الطعام مع الضيف ليس من الواجبات، إلا أنه جاء فى حديث ضيف أبى بكر معنى يختص
стр. 4696
بخلاف هذا الصل المتقدم، وذلك أن اضيافه اقسموا أن لا يفطروا حتى ينصرف من عند النبى ﵇ فاحتبس عنده إلى هوى من الليل فبقوا دون أكل. وقد كان ينبغى على ظاهر الأصل المتقدم من أن صاحب المنزل لا ينبغى لأحد التسور عليه فى منزله فى أمرهم أن يفطروا حين عرض عليهم الأكل ولا يأبوه، فلما امتنعوا من ذلك وبقوا غير مفطرين إلى إقبال أبى بكر حنث نفسه أبو بكر فى يمينه التى بدرت منه إيثارًا لموافقتهم؛ بان بذلك أن يجوز للضيف أن يخالف صاحب المنزل فى تأخير الطعام، وشبهه إذا رأى لذلك وجهًا من وجوه المصلحة وأنه لا حرج عليه فى ذلك، ألا ترى أن الصديق وإن كان غضب لتأخر قراهم إلى وقت قدومه لم ينكر عليهم يمينهم، ولا قال لهم: أتيتم مايجوز لكم فعله. ولا شك أن أبا بكر أعلم بذلك النبى ﵇ حين حمل إليه بقية الطعام، ولم يعنف القوم ولا خطأهم فى يمينهم - والله أعلم - هذا الذى يغل على الوهم؛ لأن أصاحبه كانوا لا يخفون عنه كل مايعرض لهم ليسن لهم فيه. وقد تقدم فى باب السمر مع الضيف والأهل فى كتاب الصلاة شىء من الكلام فى هذا الحديث.
стр. 4697
٨٦ - باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال
/ ١٤٧ - فيه: رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، أَوْ حدثا أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِى النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُاللَّهِ بْن سَهْلٍ فَجَاءَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِى ﵇ فَتَكَلَّمُوا فِى أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُالرَّحْمَنِ - وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ - فَقَالَ لَهُ النَّبِى ﷺ : (كَبِّرِ الْكُبْرَ) - قَالَ يَحْيَى: يَعْنِى لِيَلِىَ الْكَلامَ الأكْبَرُ. . . الحديث. / ١٤٨ - وفيه: ابْن عُمَر، أَنّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ: (أَخْبِرُونِى بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا كمَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ، بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلا تَحُتُّ وَرَقَهَا، فَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. . .) الحديث. قال المؤلف: إكرام الكبير وتقديمه فى الكلام وجميع الأمور من أدب الإسلام ومعالى الأخلاق، وذكر عبد الرازق أن فى الحديث من تعظيم جلال الله أن يوقر ذو الشبيه فى الإسلام، ولهذا المعنى قال ﵇: (كبر الكبر) فأمر أن يبدأ الأكبر بالكلام، فكان ذلك سنة إلا أنه دل حديث ابن عمر أن معنى ذلك ليس على العموم، وأنه إنما ينبغى أن يبدأ بالأكبر فيما يستوى فيه علم الكبير والصغير، فأما إذا علم الصغير مايجهل الكبير؛ فإنه ينبغى لمن كان عنده علم أن يذكره وينزع به وإن كان صغيرًا، ولا يعد ذلك منه سوء أدب، ولا تنقصًالحق الكبير فى التقدم عليه؛ لأن النبى ﵇ حين سل أصحابه عن الشجرة التى شببها بالمؤمن وفيهم ابنعمر وغيره ممن كان دونه فى السن لم يوقف الجواب على الكبار منهم خاصة، وإنما سأل دونه فى السن لم يوقف الجواب على الكبار منهم خاصة، وإنما سأل جماعتهم ليجيب كل بما علم، وعلى ذلك دل قول عمر لابنه:
стр. 4698
لو كنت قلتها كان أحب إلى من كذا وكذا. لأن عمر لا يحب ما يخالف أدب افسلام سننه، وقد كان رضى الله عنه يسأل ابن عباس وهو صبى مع المشيخة وكان ذلك معدودًا من فضائله، وقد تقدم هذا المعنى فى باب الحياء فى العلم فى آخر كتاب العلم.
٨٧ - باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخر السورة. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَوْلِهِ: (فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (فِى كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ. / ١٤٩ - فيه: أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِىّ ﵇ قَالَ: (إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً) . / ١٥٠ - وفيه: جُنْدَب، بَيْنَمَا النَّبِى ﵇ يَمْشِى؛ إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ، فَعَثَرَ، فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: (هَلْ أَنْتِ إِلا إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ) . / ١٥١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ، كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شَىْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلُ) . وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِى الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِم. / ١٥٢ - وفيه: سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىّ ﵇ إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الأكْوَعِ: أَلا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ؟ قَالَ: وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلا شَاعِرًا، فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ، يَقُولُ:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اقتقينا
إلى آخرها.
стр. 4699
فَقَالَ النبي ﷺ : (مَنْ هَذَا السَّائِقُ) ؟ قَالُوا: عَامِرُ بْنُ الأكْوَعِ، فَقَالَ: (يَرْحَمُهُ اللَّهُ) ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِى اللَّهِ، لَوْلا أَمْتَعْتَنَا بِهِ، قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ، فَحَاصَرْنَاهُمْ، حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ الْيَوْمَ الَّذِى فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَى شَىْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: عَلَى أَى لَحْمٍ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَهْرِقُوهَا وَاكْسِرُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: أَوْ ذَاكَ، فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ، فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا؛ لِيَضْرِبَه، ُ وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ، فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ، فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا، قَالَ سَلَمَةُ: رَآنِى رَسُولُ اللَّهِ ﵇ شَاحِبًا، فَقَالَ لِى: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ فِدًى لَكَ أَبِى وَأُمِّى، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، قَالَ: مَنْ قَالَهُ؟ قُلْتُ: قَالَهُ فُلانٌ وَفُلانٌ وَفُلانٌ وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ الأنْصَارِىُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأجْرَيْنِ - وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ - إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلَّ عَرَبِىٌّ نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ) . / ١٥٣ - وفيه: أَنَس، أَتَى النَّبِى ﵇ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: (وَيْحَكَ، يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ) . قَالَ أَبُو قِلابَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِى ﵇ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ قَوْلُهُ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ. قال المؤلف: الشعر والرجز والحداء كسائر الكلام، فما كان فيه ذكر تعظيم لله ووحدانيته وقدرته وإيثار طاعته وتصغير الدنيا والاستسلام له تعالى كنحو ماأورده البخارى فى هذا الباب فهو حسن مرغب فيه، وهو الذى قال فيه ﵇: (إن من الشعر حمة) وما كان منه كذبًا وفحشًا فهو الذى ذمه الله ورسوله. وقال الشافعى: الشعر كلام، وحسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه. وسماع الحداء ونشيد الأعراب لا بأس به؛ فإن الرسول قد سمعه وأقره ولم ينكره.
стр. 4700
وهذا الباب رد على من نهى عن قليل الشعر وكثيره، واتعتلوا بحديث جبير بن معظم عن النبى ﷺ : (أنه كان إذا فتتح الصلاة يستعيذ من الشيطان وهمزه ونفثه ونفخه) وفسره عمرو بن مرة وهو راوى الحديث فقال: نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزة الموتة التى تأخذ صاحب المس، وبحديث أبى أمامة الباهلى أن النبى ﵇ قال: لما أنزل إبليس إلى الأرض قال: يارب، وبما روى ابن لهيعة عن أبى قبيل قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: (من قلا ثلاثة أبيات من الشعر من تلقاء نفسه لم يدخل الفردوس) . قال الأعمش: تمثل مسروق بأول بيت شعر ثم سكت، فقيل له: لم سكت؟ قال: أخاف أن أجد فى صحيفتى شعرًا. وقال ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان. وكان الحسن لا ينشد الشعر. قال الطبرى: وهذه أخبار واهية والصحيح فى ذلك أنه ﵇ كان يتمثل أحيانًا بالبيت فقال: هل أنت إلا إصبع دميت وفى سبيل الله مالقيت وقال ﵇: (أصدق كلمة قالها الشاعر لبيت لبيد) ثم تمثل بأول البيت وترك آخرون وقالت عائشة: (كان النبى يتمثل يحدو بالشعر بحضرة النبى وقال: من هذا السائق؟ فقالوا: عامر بن الأكوع فقال: يرحمه الله) وأمر حسان بن ثابت وغيره بهجاء
стр. 4701
المشركين وأعلمهم أن لهم على ذلك جزيل الأجر وقال: (هو أشد عليهم من نضح النبل) . وذكر الطبرى عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وجله الصحابة أنهم أنشدوا الأشعار، وتمثل معاوية بالشعر، وكان ابن أبى مليكة وعكرمة ينشدان الشعر وكان ابن أبى ليلى ينشد والمؤذن يقيم، وعن ابن سيرين أنه كان ينشد الشعر الريق وقال معمر: سمعت الزهرى وقتادة ينشدان الشعر. قال قتادة: وكان ابن مسعود ربما تمثل بالبيت من وقائع العرب. قال شعبة: وكان قتادة ينشد الشعر فأقول له: أنشدك بيتًا وتحدثنى بحديث. وقال أهل التأويل فى قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) عم شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس ومردة الشياطين وعصاة الجن، ويروون شعرهم؛ لأن الغاوى لا يتبع إلا غاويا مثله. عن ابن عباس وغيره. وقوله: (ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون (أى: يمرحون ويمرقون ببما ليس فى الممدوح والمذموم فهم كالهائم على وجهه، والهائم: المخالف القصد. عن أبى عبيدة.) وأنهم يقولون مالا يفعلون (أى يكذبون والمراد بقوله: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات (ابن رواحة وحسان وكعب بن مالك. عن ابن عباس. وقوله: (وذكروا الله كثيرا (قال ابن عباس: فى خلال
стр. 4702
كلامهم الناس. وقال ابن زيد: فى شعرهم. وقيل: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله. (وانتصروا من بعد ما ظلموا) يعنى: ردوا على الكفار الذين يهجون النبى ﵇. قال الطبرى: ولا خلاف أن حكم المستثنى مخالف لحكم المستثنى منه، فوضح أن المذموم من الشعراء غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم محمودون غير مذمومين. وقول عامر بن الأكوع: (فاغفر فداء لك ما اقتفينا) فقد زعم بعض أهل الغفلة أن قوله: (فداء لك) تصحيف لا يجوز أن يقال ذلك لله تعالى وليس ذلك كما ظن والشعر صحيح والمعنى فاغفر مااقتفينا أى ماارتكبنا من الذنوب، تقول العرب: قفوت الشىء قفوا: اتبعت أثره، ومنه قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) . وقوله: (فداء لك) دعاء منه ربه أن يفديه من عقابه على مااقترف من ذنوبه فكأنه قال: اللهم اغفر لى وافدنى لك أى فدء من عندك فلا تعاقبنى، وقوله: (لك) تبين الفاعل للفداء المعنى بالدعاء كما تقول فى الدعاء سقيا لك، فلك هاهنا مذكور لتبيين المعنى بالدعاء له، والمعنى: سقاك الله، فكذلك قوله: (فداء لك) معناه افدنا من عقابك، وقد جاء هذا الشعر فى كتاب المغازى بلفظ آخر (فاغفر فداء لك ما ابقينا من الذنوب) أى: مارتكناه مكتوبًا علينا ونحو ذلك، فداء لك بالرفع والخفض أيضًا، فوجه الرفع: أن يكون خبر مبتدأ مضمر ونحن فداء لك، كأنك قلت: نحن لتفدنا أو أفدنا كما
стр. 4703
تقول: نحن ارحمنا وزيد ارحمه، ومن خفض (فداء) شبهه بأمس فبناه على الكسر كبناء الأصوات عليه نحو قولهم: قال الغراب: غاق والجبل طاق، وأنشد سيبويه: مهلا فداء لك الأقوام كلهم وتقديره: اغفر افندنا. وأما قول الرجل: (وجبت يا رسول الله) فإنه يعنى الجنة، فهم من دعاء النبى لعامر بالرحمة أنه يستشهد فى تلك الغزاة ويكون من أهل الجنة كما فهم ابن عباس من وقوله: (ورأيت الناس يدخلون فى دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفر إنه كان توابا (حضور أجل النبى ﵇ فلذلك قال الرجل: وجبت يا رسول الله هلا أمتعتنا به. وأما قوله ﵇: (وإن له لأجرين إنه لجاهد مجاهد) فيحتمل معنيين - والله أعلم -: أحدهما: أن يكون لما اصاب نفسه وقتلها فى سبيل الله تفضل الله عليه بأن ضاعف أجره مرتين. ويحتمل أن يكون أحد الأجرين لموته فى سبيل الله والأجر الثانى لما كان يحدو به القوم من شعره ويدعو الله فى ثيابهم عند لقاء عدوهم ولك تحضيض للمسلمين وتقوية لنفوسهم، وقد روى نحو هذا المعنى عن النبى. روى معمر، عن الزهرى، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبى ﷺ : (إن الله قد أنزل في الشعر
стр. 4704
ما أنزل، قال: إن المؤمن ليجاهد بنفسه ولسانه، والذى نفسى بيده لكأنما ترمون به فيهم نصح النبل) . وقوله: (ألا أسمعتنا من هنيهاتك) فإن العرب تقول لكل شىء صغير: هنه، والهنوات من الكلام: ماصغر منها ولم يكن له كبير معنى كما قال الشاعر: على هنوات كلها متتابع يريد على صغار من الكلم المستحق بها القطيعة، والنهة كل شىء صغير برز من معظم شىء أو بان منه كزمعه ظلف الشاة وحلمه الثدى والضرع، ويجوز أن يقال: هنية وهنية، وفى كتاب الدعاء: (ألا أسمعتنا من هنياتك) ويقال ذلك للبرهة من الدهر أيضًا. وقوله ﵇: (يا أنجشية، رويداك سوقك بالقوارير) فإن القوارير هنا كناية عن النساء الذى على الأبل، أمره بالرفق فى الحداء والإنشاد؛ لأن الحداء يحث الإبل حتى تسرع السير، فلإذا مشت الإبل رويدا أمن على النساء السقوط، وتشبيهه النساء بالقوارير من الاستعارة البديعة؛ لأن القوارير أسرع الأشياء، فأفادت الاستعارة هاهنا من الحض على الرفق بالنساء فى السير ما لم تفده الحقيقة؛ لأنه لو قال له ﵇: ارفق فى مشيتك بهن أو ترسل لهم يفهم من ذلك أن التحفظ بالنساء كالتحفظ بالقوارير كما فهم ذلك من الاستعارة لتضمنها من المبالغة فى الرفق ما لم تضمنه الحقيقة. وأنجشة: اسم غلام أسود للنبي ﵇.
стр. 4705
٨٨ - باب: هجاء المشركين
/ ١٥٤ - فيه: عَائِشَةَ، اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ النَّبِىّ ﵇ فِى هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (فَكَيْفَ بِنَسَبِى) ؟ فَقَالَ حَسَّانُ: لأسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ الْعَجِينِ. / ١٥٥ - وفيه: عُرْوَة، ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لا تَسُبُّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . / ١٥٦ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ فِى قَصَصِهِ يَذْكُرُ النَّبِى ﷺ ، يَقُولُ: (إِنَّ أَخًا لَكُمْ لا يَقُولُ: الرَّفَثَ - يَعْنِى بِذَاكَ ابْنَ رَوَاحَةَ - قَالَ: إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا يَبِيتُ يُجَافِى جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ / ١٥٧ - وفيه: أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيَقُولُ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِىّ ﵇ يَقُولُ: (يَا حَسَّانُ أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ: اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ.
стр. 4706
/ ١٥٨ - وفيه: الْبَرَاء، قَالَ النَّبِى ﷺ لِحَسَّانَ: (اهْجُهُمْ - أَوْ هَاجِهِمْ - وَجِبْرِيلُ مَعَكَ) . قال المؤلف: هجاء المشركين أهل الحرب وسبهم جائز بهذه الأحاديث وأنه لا حرمة لهم إذا سبوا المسلمين، والانتصار منهم بذمهم وذكر كفرهم وقبيح افعالهم من أفضل الأمال عند الله تعالى ألا ترى قوله ﵇ لحسان: (أهجهم وجبريل معك) وقوله: (اللهم أيده بروح القدس) وكفى بهذا فضلاً وشرفًا للعمل والعامل به، فأما إذا لم يسب أهل الحرب المسلمين فلا وجه لسبهم؛ لأن الله قد أنزل على نبيه فى قنوته على أهل الكفر: إن الله لم يبعثك لعانًا ولا سبابًا، وإنما بعثك عذابًا، فترك سبهم. فإن قيل: فما دليلك أن النبى ﵇ إنما أمر حسانًا بهجاء المشركين لينتصر منهم لهجوهم المسلمين؟ . قيل: قول عائشة: (إنه كان ينافح عن رسول الله) يقتضى ذلك تقول العرب: نافحت عن فلان ونفحت عنه إذا خاصمت عنه، والمخاصمة والمنافحة لا تكون إلا من اثنين؛ لأنها مفاعلة وكل مفاعلة تكون كذلك، ويبين هذا قوله لأبى هريرة: نشدتك الله هل سمعت النبى يقول: ياحسان أجب عن رسول الله؟ قال: نعم. فبان أن هجاء المشركين إنما كان مجازاة لهم على قبيح قولهم. روى ابن وهب عن جرير بن حازم قال: سمعت ابن سيرين يقول: (هجاء رسول الله والمسلمين ثلاثة رهط من المشركين عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبعرى، وابو سفيان، فقال المهاجرون: يارسول الله، ألا تأمر عليًا أن يهجو عنا هؤلاء القوم؟
стр. 4707
فقال رسول الله ﷺ ليس على نالك. ثم قال رسول الله: إذا القوم نصروا النبى بأيديهم وأسلحتهم فبألسنتهم أحق أن ينصروه. فقالت الأنصار: أرادنا. فأتو حسان بن ثابت، فذكروا له ذلك، فأقبل حتى وقف على النبى ﵇ فقال: يارسول الله، والذى بعثك بالحق ماأحب أن لى بمقولى مابين صنعاء وبصرى. فقال رسول الله: أنت لها ياحسان. قال. يارسول الله، لا علم لى بقريش. فقال رسول الله لأبى بكر: أخبره عنهم ونقب له فى مثالبهم. فهجاهم حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك) . ورواه معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين وقال: العصاص بن وائل مكان عمرو بن العاص. قال المهلب: وأما قوله: (كيف بنسبى؟) فإنه أراد كيف تهجوهم ونسبى المهذب الشريف فيهم فربما مسنى من الهجو ونصيب فقال حسان: (لأسلنك منهم) أى: لأخلصنك من بينهم بالسلامة من الهجاء، أى أهجوهم بما لا يقدح فى نسبهم الماس له ﵇، ولكن أهجوهم بسىء أفعالهم وبما يخصهم عارة فى أنفسهم، وتبقى فيهم وصمة من الأخلاق والأفعال المذمومة التى طهر الله نبيه منها ونزهه من عيبها. وقوله فى عبد الله بن رواحة: (إنه لا يقول الرفث فى شعره) فهو حجة أن ماكان من الشعر فيه ذكر الله والأعمال الصالحة، فهو حسن وهو الذى قال فيه ﵇: (إن من الشعر حكمة) وليس من المذموم الذى قال فيه ﵇: (لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلىء شعرًا) .
стр. 4708
٨٩ - باب: ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن
/ ١٥٩ - فيه: ابْن عُمَر، قَالَ النَّبِى ﷺ : (لأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) . / ١٦٠ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا حتَّى يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) . قال أبو عبيد: فسر العشبى هذا الحديث قال ومعنى قوله: (خير له من أن يمتلىء شعرًا) يعنى: الشعر الذى هجى به النبى ﵇. قال أبو عبيد: ولاذى عندى فى هذا الحديث غير هذا القول؛ لأن الذى هجى به النبى ﵇ لو كان شطر بيت لكان كفرًا، فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه أنه قد رخص فى القليل منه عن القرآن وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه، فأما إذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوفه ممتلئًا من الشعر. وقوله: (حتى يريه) قال الأصمعى: هو من الورى على مثال الرمى، يقال منه: (رجل مورّ) غير مهموز مشدد وهو أن يروى جوفه. وقال أبو عبيد: الورى هو أن يأكل القيح جوفه. وأنشد الصمعى: قالت له وريًا إذا تنحنحا. أى تدعو عليه بالوري.
стр. 4709
٩٠ - باب: قول النبي ﷺ (تربت يمينك) و (وعقرى حلقى
/ ١٦١ - فيه: عَائِشَةَ، إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِى الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَىَّ بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ النَّبِىّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ) الحديث. / ١٦٢ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنّ النَّبِى ﵇ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ، فَرَأَى صَفِيَّةَ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً؛ لأنَّهَا كانت حَاضَتْ، فَقَالَ: (عَقْرَى حَلْقَى - لُغَةٌ لِقُرَيْشٍ. . .) الحديث. قال المؤلف: قال ابن السكيت: يقال: تربت يداه إذا افتقر ولم يدع عليه بذهاب ماله، وإنما أراد المثل ليرى المأمور بذلك الجد وأنه إن خالفه فقد اساء، وقال الأصمعى: فى قوله ﷺ : (تربت يمينك) ، و (وتربت يداك) معناه الاستثاث كما تقول: انج تكلتك أمك، وأنت لا تريد أن يثكل، وقال أبو عمرو: أصابه التراب ولم يدع بالفقر عليها. وقال أبو زيد: ترب إذا افتقر وإنما أراد بهذا أن فى يديه التراب. قال النحاس: أى ليس يحصل فى يديه إلا التراب. وقال ابن كيسان: المثل جرى على أنه إن فاتك ما أغريتك به افتقرت الذى عرف معناه، وقال غيره: هى كلمة لا يراد بها الدعاء، وإنما تستعمل فى المدح كما قالوا للشاعر إذا أجاد: قاتله الله لقد أجاد، وكما قالوا: ويل أمة مسعر حرب، وهو يتعجب منه ويمدحه ولكنه دعاء
стр. 4710
على أمه يالويل، وهولايريد الدعاء عليها من غضب، وهذا كلامهم وهو مثل تربت يمينك. واختلف أهل اللغة أيضًا فى تأويل قوله: عقرى حلقى فقال صاحب العين: يقال للمرأة: عقرى حلقى أى مشئومة، ويقال: هو دعاء عليها على يراد عقرها الله وحلقها. وقال أبو على القالى: عقرى من العقر دعاء على الإنسان وعقرًا أيضًا، وحلقى من حلق الرأس دعاء على الإنسان أيضًا، وحلقًا أيضًا. وقال ابن قتيبة: عقرى حلق أى عقرها الله وأصابها بوجع فى حلقها. وقال أبو عبيد فى كتاب الأمثال: ومن الدعاء قولهم عقرًا حلقًا وأهل الحديث يقولون: عقرى حلقى، وقال فى غريب الحديث: عقرى حلقى وعقرًا حلقًا.
٩١ - باب: ما جاء فى زعموا
/ ١٦٣ - فيه: أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِى طَالِبٍ، قَالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّى أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلا قَدْ أَجَرْتُهُ، فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ) . قال صاحب الأفعال: يقال: زعم زعمًا وزعمًا وزعمًا ذكر خبرًا لا يدرى أحق هو أم باطل، وزعمت غير مزعم أى قلت غير مقول وادعيت مالا يمكن، وقد روى عن الرسول ﵇ أنه قال: (زعموا بئس مطية الجرل) رواه وكيع عن الأوزاعى، عن يحيى، عن أبى قلابة، عن أبى مسعود أو عن أبى عبد الله، عن النبى، ومعناه أن من أكثر من الحديث بما لا يصح عنده ولايعلم صدقه لم يؤمن عليه الكذب.
стр. 4711
وفائدة حديث أم هانى أنها تكلمت بهذه الكلمة بحضرة النبى ﵇ ولم ينكرها ولا جعلها كاذبة بذكرها.
٩٢ - باب ما جاء فى قول الرجل ويلك
/ ١٦٤ - فيه: أَنَس، أَنَّ رسُول اللَّه ﵇ رَأَى رَجُلا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: (ارْكَبْهَا) ، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: (ارْكَبْهَا) ، وَيْلَكَ، فِى الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ. / ١٦٥ - وفيه: أَنَس، كَانَ النَّبِىّ ﵇ فِى سَفَرٍ، وَكَانَ مَعَهُ غُلامٌ لَهُ أَسْوَدُ، يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، يَحْدُو، فَقَالَ: (وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ بِالْقَوَارِيرِ) . / ١٦٦ - وفيه: أَبُو بَكْرَة، أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِى ﷺ ، فَقَالَ: (وَيْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ، ثَلاثًا. . .) ، الحديث. / ١٦٧ - وفيه: أَبُو سَعِيد، بَيْنَا النَّبِى ﵇ يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ يقسم قِسْمًا، فَقَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - رَجُلٌ مِنْ بَنِى تَمِيمٍ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، قَالَ: (وَيْلَكَ، مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ. . .) ؟ الحديث. / ١٦٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِىّ ﵇ فَقَالَ: هَلَكْتُ فَقَالَ: (وَيْحَكَ وَمَا أهَلَكْك) ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امرأتِى فِى رَمَضَانَ) . / ١٦٩ - وفيه: أَبُو سَعِيدٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِى عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: (وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ. . .) ، الحديث. / ١٧٠ - وفيه: ابْن عُمَر، قَالَ النَّبِى ﷺ : (وَيْلَكُمْ - أَوْ وَيْحَكُمْ، شَكَّ شُعْبَةُ - لا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) . / ١٧١ - وفيه: أَنَس، أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَى النَّبِى ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ؟ قَالَ: (وَيْلَكَ، وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا) ؟ .
стр. 4712
قال سيبوية: ويلك كلمة تقال لمن وقع فى هلكه، ويحك ترحم بمعنى ويل. وقال بعض أهل اللغة: ولا يراد بها الدعاء بإيقاع الهلكة لمن خوطب بها، وإنما يراد به المدح والتعجب كما تقول العرب: ويل أمه مسعر حرب على عادتها فى نقلها الألفاظ الموضوعة فى بابها إلى غيره، كما يقال: انج، ثكلتك أمك، وتربت يداك. وروى يحى بن معين قال: حدثنا معتمر بن سليمان قال: قال لى أبى: أنت حدثتنى عنى عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: ويح كلمة رحمة.
٩٣ - باب: علامة الحب فى الله لقوله تعالى: (إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله (
/ ١٧٢ - فيه: عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِى ﵇: (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَب) . / ١٧٣ - فيه: وَقَالَ ابْن مَسْعُود، مرة: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىّ ﵇ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ فِى رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) . / ١٧٤ - وفيه: أَنَس، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِى ﵇ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَا أَعْدَدْتَ لَهَا) ؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلاةٍ وَلا صَوْمٍ وَلا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) . قال المؤلف: علامة حب الله حب رسوله واتباع سبيله والاقتداء
стр. 4713
بسنته؛ لقوله تعالى: (إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله (وقوله ﵇: (المرء مع من أحب) فدل هذا أن من أحب عبدًا فى الله فإن الله جامع بينه وبينه فى جنته ومدخله مدخلة وإن قصر عن عمله، وهذا معنى قوله: (ولم يلحق بهم) يعنى فى العمل والمنزلة، وبيان هذا المعنى - والله أعلم - أنه لما كان المحب للصالحين وإنما أحبهم من أجل طاعتهم لله، وكانت المحبة عملا من أعمال القلوب واعتقادًا لها أثاب الله معتقدًا ذلك ثواب الصالحين إذ النية هى الأصل والعمل تابع لها، والله يوتى فضله من يشاء.
٩٤ - باب: قول الرجل للرجل اخسأ
/ ١٧٥ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ لابْنِ صَائِدٍ: (قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا، فَمَا هُوَ) ؟ قَالَ: الدُّخُّ قَالَ: (اخْسَأْ) . / ١٧٦ - وفيه: عُمَر، أَنّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ لابْنِ صَائِدٍ: (اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. . .) ، وذكر الحديث. قال المؤلف: أخسأ زجر للكب وإبعاد له، هذا أصل هذه الكلمة عند العرب ثم استعملت فى كل من قال أو فعل مالاينبغى له مما زجره فبعد، وفى القرآن: (كونوا قردة خاسئين) أى: مبعدين، وقال تعالى: (اخسئوا فيها ولا تكلمون) أى: ابعدوا بعد الكلاب
стр. 4714
(ولا تكلمون) فى رفع العذاب عنكم فكل من عصى الله سقطت حرمته ووجب خطابه بالغلظة والشدة والذم له لينزع عن مذهبه ويرجع عن قبيح فعله. وقالوا: (فرضه النبى) من رواه بالضاد فمعناه دفعه حتى وقع فتكسر يقال: رض الشىء فهو رضيض ومرضوض إذا انكسر، ومن رواه بالصاد فمعناه رصه حتى دخل بعضه فى بعض يقال: رص البنيان والقوم فى الحرب رصًا، إذا قرب بعضها إلى بعض، ومنه قوله تعالى: (كأنهم بنيان مرصوص) . وفيه: أن الله لم يطلع نبيه على الدجال متى يخرج فى أمته وأخفى عنه ذلك لما هو أعلم به، فلا علم لنبى مرسل ولاملك مقرب إلا بما أعلمه الله به ولذلك قالت الملاكة: (لا علم لنا إلا ما علمتنا) .
٩٥ - باب قول الرجل مرحبا
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِى ﵇ لِفَاطِمَةَ: (مَرْحَبًا بِابْنَتِى) وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: جِئْتُ إِلَى النَّبِى ﷺ ، فَقَالَ: (مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ) . / ١٧٧ - فيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ النَّبِىّ ﷺ لوَفْدُ عَبْدِالْقَيْسِ: (مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا وَلا نَدَامَى) ، الحديث. قال الأصمعى: معنى قوله (مرحبًا) لقيت رحبًا وسعة، وقال الفراء: هو منصوب على المصدر وفيه معنى الدعاء والرحب، والترحب: السعة، وتقول العرب: مرحبًا وأهلاً وسهلاً أى لقيت أهلاً كأهلك ولقيت سهلاً أى سهلت عليك أمورك.
стр. 4715
وقوله ﵇: (غير خزايا) يعنى غير مخزنين بل مكرمين مرفعين. ولا ندامى يعنى: غير نادمين بل مغتبطين فرحين بما أنعم الله عليهم من عز الإسلام، وتصديق النبى ونصرته ودعاء قومهم إلى دينه.
٩٦ - باب: هل يدعى الناس بآبائهم
/ ١٧٨ - فيه: ابْن عُمَر، أَنّ النَّبِى ﵇ قَالَ: (إِنَّ الْغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ) . قال المؤلف: مصداق هذا الحديث فى قوله تعالى: (وجعلناكم شعوبًا وقبائل) قال أهل التفسير: الشعوب النسب الأبعد والقبائل النسب الأقرب يقال فلان من بنى فلان، غير أن النسب إلى الآباء وإن كان هو الأصل فقد جاء فى الحديث أن يدعى المرء بأحب أسمائه إليه، وأحبها إليه أن يدعى بكنيته لما فى ذلك من توقيرة والدعاء بالآباء أشد فى التعريف وأبلغ فى التميز، وبذلك نطق القرآن والسنة. وقد كان الأعراب الجفاء يأتون النبى ﵇ وهو جالس مع أصاحبه فيقولون: أيكم محمد بن عبد المطلب، ولايذكرون ما شرفه الله من النوبة المعصومة والرسالة المؤيدة فلا ينكر ذلك عليهم لما خصه الله به من الخلق العظيم، وجبله عليه من الطبع الشريف. وفى قوله ﵇: (هذه غدرة فلان بن فلان) رد لقوله من زعم أنه لا يدعى الناس يوم القيامة إلا بأمتهم؛ لأن فى ذلك سترًا على آبائهم، وهذا الحديث خلاف قولهم. وفيه: جواز الحكم بظواهر الأمور إذا لم يمكن علم بواطنها؛ لأنه
стр. 4716
قد يجوز أن يكون كثير من الناس ممن يدعى إلى أبيه فى الظاهر، وليس كذلك فى الباطن، ودل عموم هذا الحديث على أنه إنما يدعى الناس بالآباء ولايلزم داعيهم البحث عن حقيقة أمورهم والتنقير عنهم.
٩٧ - باب لا يقل خبثت نفسى ولكن ليقل لقست نفسى
/ ١٧٩ - فيه: عَائِشَةَ، وَسَهْل بْن سعد، قَالَ النَّبِى ﷺ : (لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِى، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِى) . قال المؤلف: كان النبى يعجبه الاسم الحسن ويتفائل به ويكره الاسم القبيح ويغيره، وكره ﵇ لفظ الخبيث إذ الخبث حرام على المؤمنين، وقال أبو عبيد: لقسمت وخبثت واحد لكنه استقبح لفظ خبثت. قال المؤلف: وليس قوله ﵇ (لا يقولن أحدكم خبثت نفسى) على معنى الأيحاء والحتم، وإنما هو من باب الأدب، فقد قال فى الذى يعقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد وينام عن صلاة: (أصبح خبيث النفس كسلان) وقد نطق القرآن بهذه اللفظة فقال تعالى: (ومثل كلمة خبيئة كشجرة خبيثة) .
стр. 4717
٩٨ - باب لا تسبوا الدهر
/ ١٨٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبيىّ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ جَلّ ثناؤه: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْر، َ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) . / ١٨١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِي ﷺ : (لا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، وَلا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ) . قال الخطابى: كان أهل الجاهلية يضيفون المصائب والنوائب إلى الدهر الذى هو مر الليل والنهار، وهم فى ذلك فريقان، فرقة لا تؤمن بالله ولا تعرف إلا الدهر الليل والنهار اللذين هما محل للحوادث وظرف لمساقط الأقدار، فنسبت المكارة إليه على أنها من فعله، ولا ترى أن لها مدبرًا غيره وهذه الفرقة هى الدهرية التى حكى الله عنهم: (وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر (. وفرقة ثانية: تعرف الخالق فتنزهه أن تنسب إليه المكارة فتضيفها إلى الدهر والزمان، وعلى هذين الوجهين كانوا يذمون الدهر ويسبونه، فيقول القائل منهم: ياخيبة الدهر، ويا بؤس الدهر، فقال لهم النبى ﵇ مبطلا ذلك من مذهبهم: (لا تسبوا الدهر على أنه الدهر، فإن الله هو الدهر) يريد والله أعلم: لا تسبوا الدهر على أنه الفاعل لهذا الصنع بكم، فإن الله هو الفاعل له، فإذا سببتم الذى أنزل بكم المكارة رجع السب إلى الله وانصرف إليه. ومعنى قوله: (أنا الدهر) : أنا ملك الدهر ومصرفه فحذف اختصارًا للفظ واتساعًا فى المعنى، وبيان هذا فى حديث أبى هريرة
стр. 4718
حدثنا ابن الأعرابى، حدثنا محمد سعيد بن غالب، حدثنا ابن نمير حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبى صالح، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (يقول الله: أنا الدهر، بيدى الليل والنهار أجده وأبليه، وأذهب بالملوك وآتى بهم) . روى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهرى، عن ابن المسيب، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (يقول الله تعالى: يؤذينى ابن آدم، يقول: ياخيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم ياخيبة الدهر، وإنى أنا الدهر أقلب ليله ونهاره، وإذا شئت قبضتها) . وقال ابن النحاس: يجوز فيه نصب الراء من قوله: (إن الله هو الدهر) والمعنى: فإن الله معمر الدهر أى: مقيم أبدأ الدهر.
٩٩ - باب: قول النبى ﵇ وإنما الكرم قلب المؤمن
وَقَدْ قَالَ: إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِى يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، كَقَوْلِهِ: لا مُلْكَ إِلا لِلَّهِ، فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا) [النمل ٣٤] . / ١٨٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ) . قال المهلب: قوله: (إنما الكرم قلب المؤمن) وإنما المفلس والصرعة وإنما هو على المبالغة، أى ليس المفلس كل والإفلاس إلا من لم تكن له حسنات يوم القيامة من أجل أنه قد يكون فى الدنيا مفلس من المال، وهو غنى يوم القيامة بحسناته، والغنى فى الدنيا قد
стр. 4719
يكون مفلسًا يوم القيامة، وهذا على المبالغة، وكذلك الصرعة، ليس الذى يغلب الناس ويصرعهم بقوته، وإنما الصرعة الذى يملك نفسه. وغرضه فى هذا الباب - والله أعلم - أن يعرف بمواقع الألفاظ المشتركة، وأن يقتصر فى الوصف على ترك المبالغة والإغراق فى الصفات إذا لم تستحق الموصوف ذلك ولا يبلغ النهايات فى ذلك إلا فى مواضعها، وحيث يليق الوصف بالنهاية وقال ابن الأنبارى: سمى الكرم كرمًا؛ لأن الخمر المشروبة من عنبه تحث على السخاء وتأمر بمكارم الأخلاق كما سموها راحًا قال الشاعر: والخمر مشتقه المعنى من الكرم ولذلك قال ﵇: (لا تسموا العنب الكرم) كره أن يسمى أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم، وجعل المؤمن الذى يتقى شربها ويرى الكرم فى تركها أحق بهذا الاسم الحسن. وقال أبو حاتم: قال رجل من أهل الطائف: شققت من الصبا واشتق منى كما اشتقت من الكرم الكروم
٠ - باب قول النبى ﷺ : (فداك أبى وأمى
فيه الزبير / ١٨٣ - وفيه: عَلِىّ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِىّ ﵇ يُفَدِّى أَحَدًا غَيْرَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (ارْمِ فَدَاكَ أَبِى وَأُمِّى) ، أَظُنُّهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
стр. 4720
قد تقدم معنى تفدية الرجل لأخيه فى كتاب الجهاد ونذكر هنا مالم يمض هناك. قال الطبرى: إن قال قائل: قول على: (ماسمعت النبى - على السلام - يفدى رجلا غير سعد) هل يعارض حديث الزبير؛ فقد روى هشام بن عروة، عن أبيه (أن عبد الله بن الزبير قال يوم الخندق للزبير: ياأبه، لقد رأيتك تحمل على فرسك الأشقر. قال: هل رأيتنى أى بنى؟ قلت: نعم. قال: كان رسول الله يجمع لأبيك أبويه، يقول: احمل فداك أبى وأمى) . قال الطبرى: وقول الزبير غير دافع صحة ماقال عليّ؛ لأن عليًا إنما أخبر عن نفسه أنه لم يسمع النبى جمع أبويه لأحد غير سعد، فجائز أن يكون جمع للزبير أبويه ولم يسمعه على وسمعه الزبير، فأخبر كل واحد منهما بما سمع، وليس فى قول من قال: لم أسمع فلانًا يقول كذا نفى منه أن يكون سمع ذلك منه غيره، ولا فى قول من قال: سمعت فلانًا يقول يقول كذا إيجاب منه أن يكون لا أحد إلا وقد سمع ذلك الخبر منه.
١ - باب قول الرجل: جعلنى الله فداك
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِى ﵇: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. / ١٨٤ - فيه: أَنَس، أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِى ﵇ وَمَعَه صَفِيَّةُ مُرْدِفُهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ، فَصُرِعَ النَّبِى ﵇ وَالْمَرْأَةُ، وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: أَحْسِبُ اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ، فَأَتَى
стр. 4721
النَّبِيّ ﵇ فَقَالَ: يَا نَبِى اللَّهِ، جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاكَ، هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالَ: (لا، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ) ، فَأَلْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَصَدَ قَصْدَهَا، فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا، فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ، فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا. . . . الحديث. قال المؤلف: وفى هذا الباب رد قول من لم يجز تفديه الرجل للرجل بنفسه أو بأبويه، زعموا أنه فدى النبى سعدًا بأبويه، لأنهما كانا مشتركين، فأما المسلم فلا يجوز له ذلك. قالوا: وروى عن عمر بن الخطاب أن رجلا قال له: جعلنى الله فداك. قال: إذًا يهينك الله. . وقد ثبت فى هذا الباب عن الصديق، وعن أبى طلحة أنهما فديا النبى فلم ينكر ذلك عليهما، ولأنهاهما عنه، وقد تقدم فى كتاب الجهاد متصلا بباب الترسة.
٢ - باب: قول الرجل لصاحبه يا أبا فلان وأحب الأسماء إلى الله
/ ١٨٥ - فيه: جَابِر، قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلامٌ، فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقُلْنَا: لا نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ، وَلا كَرَامَةَ، فَأَخْبَرَ النَّبِى ﵇ فَقَالَ: (سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَالرَّحْمَنِ) . قال المؤلف: جاء فى هذا الحديث عن عمر بن الخطاب أنه قال: يصفى للمرء ود أخيه المسلم أن يدعوه بأحب الأسماء إليه، ويوسع له فى المجلس ويسلم عليه إذا لقيه، وإذا قال له يا أبا فلان وكناه فقد أكرمه وتلطف له فى القول، وذلك مما يثبت الود.
стр. 4722
وروى ابن لهيعة عن أبى قبيل عن عبد الله بن عمر، عن النبى ﵇ قال: (تكنوا فإنه أكرم للمكنى والمكنى) . وأما أحب الأسماء إلى الله فذكر أبو داود بإسناده عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵇ أنه قال: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) وعن عوف، عن الحسن قال: بلغنى أن رسول الله قال: (من خير أسمائكم عبد الله وعبد الرحمن) .
٣ - باب قول النبى ﷺ : (سموا باسمى ولا تكنوا بكنيتى
(١) / ١٨٦ - فيه: [سقط] قال الطبرى: إن قال قائل: ماوجه هذا الحديث وقد جمع جماعة من أصحاب النبى ﵇ بين اسمه وكنيته منهم على بن أبى طالب كنى ابنه محمد ابن الحنفية: أبا القاسم؟ قيل: قد اختلف السلف فبلنا فى ذلك، فقالت طائفة: غير جازلأحد أن يكنى نفسه أو ولده أبا القاسم، أو إن يسميه قاسما ليكنى الأب أبا القاسم، فأما أن يسمى ابنه محمدًا فذلك له، واعتلوا بحديث جابر وأبى هريرة، قالوا: فأذن النبى بالتسمى باسمه، ونهى عن التكنى بكنيته.
стр. 4723
ذكر من روى ذلك عنه: روى ابن سيرين قال: كان مروان بن الحكم يسمى ابنه القاسم، وكان رجل الأنصار يسمى ابنه القاسم، فلما بلغهما هذا الحديث بالنهى سمى مروان عبد الملك، وغير الأنصارى اسم ابنه. وقال ابن عون: سالت ابن سيرين عن الرجل يكنى بكنية النبى ولم يسم باسمه، أيكره؟ قال: نعن. وقال زبيد الأيامى: كان الرجل منا إذا يكنى بأبى القاسم كنيناه أبا القاسم. وقالت طائفة: غير جائز أن يجمع أحد بين اسم النبى وكنيته، فإن سماه محمدًا لم يكن له أن يكنيه أبا القاسم، فإن كناه أبا القاسم ولم يكن له أن يسميه محمدًا ولا أحمد، واعتلوا بما حدثنا به يوسف بن موسى القطان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائى، حدثنا أبو الزبير عن جابر أن رسول الله قال: (من تسمى باسمى فلا يتكنين بكنيتى، ومن تكنى بكنيتى فلا يستمين باسمى) . وقال آخرون: جائز: أن يجمع بين اسم النبى وكنيته، واعتلوا بما حدثنا محمد بن خلف، حدثنا محمد بن الصلات، حدثنا الربيع بن منذر الثورى، عن أبيه، عن محمد ابن الحنيفة قال: (وقع بين على وبين طلحة كلام، فقال له طلحة: إنك لجرىء جمعت بين اسم رسول الله وكنيته، وقد نهى رسول الله عن ذلك. فقال له على: الجرىء كل الجررىء من قال على رسول الله مالم يقل. ثم استشهد على أناسًا فشهدوا له أن رسول الله رخص له فى ذلك، وقد سمى
стр. 4724
طلحة ابنه محمدًا وكناه أبا القاسم) ولو صح حديثه ماخالف مارواه عن النبى ﵇ وقال: إذن النبى لعلى أن يسمى ابنه محمدًا ويكنيه أباالقاسم إطلاق منه ذلك لجميع أمته؛ إذ لم يخبر أنه خص بذلك عليا دون سائر أمته. وقد سمى ولده باسم النبى وكناه بكنيته جماعة من السلف. وروى عشيم عن كغيرة عن إبراهيم أن محمد بن الأشعث كان يكنى أبا القاسم وكان يدخل على عائشة فتكنيه بذلك روان بن معاوية، عن محمد بن عمران الحجبى عن جدته صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبى ﵇ فقالت: يارسول الله، ولد لى غلم فسميته محمدًا وكنيته بأبى القاسم، فبلغنى أنك تكره ذلك، فقال رسول الله: (ما حرم اسمى وأحل كنيتى وما حرم كنيتى وأحل اسمي) . وقال آخرون: غير جائز لأحد أن يسمى باسم النبى ﵇ ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثنى أبى، عن قتادة، عن سالم بن أبى الجعد قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة الا تسموا أحدًا باسم نبى. واعتلوا بما حدثنى محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا الحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس قال: قال النبى - عله السلام - (تسمون أولادكم محمدًا ثم تلعنوهم) .
стр. 4725
قال الطبري: والصواب عندنا أن يقال كل هذه الأخبار عن النبي صحيح، وليس فى شىء منها مايدفع غيره ولا ينسخه، ولو كان فيها ناسخ أو منسوخ لنقلت الأمة بيان ذلك، وإنما كان نهى النبي عن التكنى بكنيته تكرهًا إعلامًا منه أمته أن الجميع بين اسمه وكنيته أو التكنى بكنيته على الكراهة لا على التحريم، وذلك أنه لو كان على التحريم لم تجهل الأمة ذلك ولم يطلق المهاجرون والأنصار ذلك لمن فعله ولأنكروه، وفى تركهم إنكاره دليل على صحة قولنا. وقال غير الطبرى: وإنما نهى النبي ﵇ أن يجمع بين اسمه وكنيته تعزيزًا له وتوقرًا؛ لئلا يدعى غيره باسمه فيظن ﵇ أنه هو المدعو به فيعنت بذلك، وقد روى غيره أن هذا المعنى كان سبب هذا الحديث، روى أبو عيسى الترمذى: حدثنا الحسن بن على الخلال، حدثنا يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس، عن النبي: (أنه سمع رجلا ينادى فى السوق ياأبا القاسم، فالتفت ﵇، فقال له الرجل: لم أعنك، فقال ﵇: لا تكنوا بكنيتى) وقد أمر الله عباده المؤمنين أن لا يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضًا، وأن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوته، ولايجهروا له بالقول، وهذا كله حض على توقره وإجلاله وتخصيصه بكنيته لا يدعى بها غيره من إجلاله وتوقرة.
٤ - باب: اسم الحزن
/ ١٨٧ - فيه: ابْن الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَاهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ، ﵇،
стр. 4726
فَقَالَ: (مَا اسْمُكَ) ؟ قَالَ: حَزْنٌ، قَالَ: (أَنْتَ سَهْلٌ) ، قَالَ: لا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِى. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتِ الْحُزُونَةُ فِينَا بَعْدُه. قال المؤلف: هذا الحديث يدل أن أمره عليه السام بتغيير الأسماء المكروهة ليس على وجه الوجوب، وأن ذلك على معنى الكراهية؛ لأنه لو كان على معنى الوجوب لم يجز لجد سعيد الثبات على حزن، ولاسوغ النبي ذلك، وسيأتى بعد هذا. وروى أبو دود: حدثنا مسدد، حدثنا هشيم، عن داود بن عمرو، عن عبد الله بن أبى زكريا، عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم) .
٥ - باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه
/ ١٨٨ - فيه: سَهْل، أُتِىَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِى أُسَيْدٍ إِلَى النَّبِي ﷺ حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَأَبُو أُسَيْدٍ جَالِسٌ، فَلَهَا النَّبِي ﵇ بِشَىْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَمَرَ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ، فَاحْتُمِلَ مِنْ فَخِذِ النَّبِي ﷺ ، فَاسْتَفَاقَ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: (أَيْنَ الصَّبِىُّ) ؟ فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: قَلَبْنَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (مَا اسْمُهُ) ؟ قَالَ: فُلانٌ، قَالَ: (لَكِنْ أَسْمِهِ الْمُنْذِرَ) ، فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ. / ١٨٩ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَقِيلَ: تُزَكِّى نَفْسَهَا، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇ زَيْنَبَ. / ١٩٠ - وفيه: ابْن الْمُسَيَّب، أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: (مَا اسْمُكَ) ؟ قَالَ: اسْمِى حَزْنٌ، قَالَ: (بَلْ، أَنْتَ سَهْلٌ) ، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِى. قال المؤلف: قد قدمنا قبل هذا أن النبي ﵇ كان
стр. 4727
يعجبه تغيير الاسم القبيح بالاسم الحسن على وجه التفاؤل والتيمن؛ لأنه كان يعجبه الفأل الحسن، وقد غير رسول الله عدة أسامى، غير برة بزينب وحول اسم عبد الله بن عمرو بن العاص إلى عبد الله كراهة لاسم العصيان الذى هو مناف لصفة المؤمن، وإنما شعار المؤمن الطاعة وسمته العبودية. قال الطبرى: فلا ينبغى لأحد أن يتسمى باسم قبيح المعنى، ولا باسم معناه التزكية والمدجح، ولا باسم معناه الذم والسب، بل الذى ينبغى أن يسمى به ما كان حقًا وصدقًا، كما أمر الذى سمى بنه القاسم أن يسميه عبد الرحمن، إذ كان الصدق الذى لا شك فيه أنه عبد الرحمن فسماه بحقيقة معناه، وإن كانت الأسماء العوارى لم توضع على المسميات لصفاتها بل للدلالة على أشخاصها خشية أن يسمع سامع باسم العاصى فيظن أن ذلك له صفة، وأنه إنما سمى بذلك لمعصية ربه، فحول ذلك ﵇ إلى ما لإذا دعى به كان صدقًا. وأما تحويله بره إلى زينب؛ فلأن ذلك كان تزكية ومدحًا فحوله إلى ما لا تزكيه فيه ولا ذم، وعلى هذا النحو سائر الأسماء التى غيرها رسول الله، فأولى الأسماء أن يتسمى بها أقربها إلى الصدق وأحرها أن لا يشكل على سامعها؛ لأن الأسماء إنما هى للدلالة والتعريف، وبهذا وردت الآثار عن النبى ﵇. روى أبو داود فى مصنفه حدثنا عن أبى وهب الخشنى - وكانت له صحبة، عن النبى ﵇ أنه قال: (أحب الأسماء إلى الله:
стр. 4728
عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبها حرب ومرة) وروى عطاء عن أبى سعيد الخدرى قال: قال النبى ﷺ : (لا تسموا أبناءكم حكما ولا أبا الحكم، فإن الله هو الجكيم العليم) . قال الطبرى: وليس تغيير رسول الله ماغير من الأسماء على وجه المنع للتسمى بها؛ بل ذلك على وجه الاختيار؛ لأن الأسماء لم يسم لها لوجود معانيها فى المسمى بها، وإنما هى للتمييز، ولذلك أباح المسلمون أن يتسمى الرجل القبيح بحسن، والرجل الفاسد بصالح، يدل على ذلك قول جد ابن المسيب للنبى ﵇ حين قال له أنت سهل: ماكنت أغير اسما سمانيه أبى، فلم يلزمه الانتقال عنه على كل حال، ولا جعله بثباته عليه آثما بربه، ولو كان آثما بذلك لجبره على النقلة عنه، إذ غير جائز فى صفته ﵇ أن يرى منكرًا وله إلى تغييره سبيل.
٦ - باب: من تسمى بأسماء الأنبياء ﵈
/ ١٩١ - فيه: إِسْمَاعِيلُ، قُلْتُ لابْنِ أَبِى أَوْفَى: رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِى ﷺ ؟ قَالَ: مَاتَ صَغِيرًا، وَلَوْ قُضِىَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﵇ نَبِىٌّ عَاشَ ابْنُهُ، وَلَكِنْ لا نَبِىَّ بَعْدَهُ. / ١٩٢ - وفيه: الْبَرَاءَ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِى الْجَنَّةِ) . / ١٩٣ - وفيه: جَابِر، قَالَ النَّبيّ ﷺ : (سَمُّوا بِاسْمِى، وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى. . .) الحديث.
стр. 4729
/ ١٩٤ - وفيه: أَبُو هُرَيرَةَ، عن النَّبِىّ مثله. / ١٩٥ - وفيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ: وُلِدَ لِى غُلامٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِى ﷺ ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ. . . الحديث. / ١٩٦ - وفيه: الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، قَالَ: كسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ. ورَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِى ﵇. قال المؤلف: هذه الأحاديث تدل على جواز التسمية بأسماء الأنبياء ﵈، وقد قال سعيد بن المسيب: أحب الأسماء إلى الله أسماء الأنبياء، وقد يرد قول من كره التسمية بأسماء الأنبياء، وهى رواية جاءت عن عمر بن الخطاب، عن طريق قتادة، عن سالم بن أبى الجعد قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة ألا يتسمى أحد باسم نبى، وقد مر فى باب قوله: (تسموا باسمى، ولاتكنوا بكنيتى) . وذكر الطبرى أن حجة هذا القول حديث الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس قال النبى: (تسمون أولادكم محمدًا ثم تلعنوهم) والحكم بن عطية ضعيف، ذكره البخارى فى كتاب الضعفائ، وقال: كان أبو الوليد يضعفه، وليس قوله ﵇: (تسمون أولادكم محمدًا ثم تلعنوهم) لو صح عن النبى ﵇ بمانع أن يتسمى أحد باسم محمد، فقد أطلق ذلك وأباحه بقوله: (تسموا باسمى) وسمى ابنه إبراهيم باسم الخليل - عليل السلام وإنما فيه النهى عن أن يسمى أحد ابنه محمدًا ثم يلعنه.
стр. 4730
٧ - باب: تسمية الوليد
/ ١٩٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا رَفَعَ النَّبِى ﵇ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، قَالَ: (اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ. . .) الحديث. قال المؤلف: هذا الحديث يرد ماروى معمر الزهرى قال: (أراد رجل أن يسمى ابنًا له الوليد، فنهاه النبى وقال: إنه سيكون رجل اسمه الوليد يعمل فى أمتى كما عمل فرعون فى قومه) وحديث أبى هريرة أثبت فى الحجة من بلاغ الزهرى، فهو أولى منه.
٨ - باب: من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفا
وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: قَالَ لىِّ النَّبِىَ ﷺ : (يَا أَبَا هر) . / ١٩٨ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (يَا عَائِشَ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلامَ) ، قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لا أَرَى. / ١٩٩ - وفيه: أَنَس، قَالَ النَّبِىّ ﷺ لأَنْجَشَةُ: (يَا أَنْجَشُ، رُوَيْدَكَ، سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ) . أما قوله ﵇: (ياعائش) (يا أنجش) فهو من باب النداء المرخم، والترخيم: نقصان أواخر الأسماء، تفعل ذلك العرب على وجه التخفيف، ولاترخم ماليس منادى إلا فى ضرورة الشعر ولاترخم من الأسماء إلا ماكان من ثلاثة أحرف؛ لأن الثلاثة أقل الأصول إلا ماكان فى آخره هاء التأنيث فإنه يرخم
следующие страницы →