Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
قال المؤلف: من السنة المعروفة أن صاحب المنزل يتقدم للصلاة على من حضره من الناس إلا أن يقدم غيره، وصلاة النبى بمن عاده فى مرضه هو الواجب من وجهين: أحدهما: ماذكرناه من أن صاحب المنزل أولى من غيره بالإمامة، والوجه الثانى: أن النبى لا يجوز أن يتقدمه أحد فى كل مكان، ولا يجوز اليوم لمن كان مريضًا أن يؤم أحد فى بيته جالسًا؛ لأن إمامه الجالس منسوخة عند أكثر العلماء، وقد تقدم اختلافهم فى ذلك فى كتاب الصلاة.
- باب: وضع اليد على المريض
/ ١٨ - فيه: عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، أَنَّ أَبَاهَا قَالَ: تَشَكَّيْتُ بِمَكَّةَ شَكْوًا شَدِيدًا، فَجَاءَنِي النَّبِي ﵇ يَعُودُنِى، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّى أَتْرُكُ مَالا. . . . الحديث ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهِى وَبَطْنِى، ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ) . / ١٩ - وفيه: عَبْدُ اللَّهِ، دَخَلْتُ عَلَى النَّبِىّ ﵇ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ. . . الحديث. قال المؤلف: فى وضع اليد على المريض تأنيس له وتعرف لشدة مرضه ليدعو له العائد على حسب مايبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه فانتفع العليل به إذا كان العائد صالحًا تبرك بيده ودعائه كما فعل النبى، وذلك من حسن الأدب واللطف بالعليل وينبغى امتثال أفعال النبى ﵇ كلها والاقتداء به فيها.
стр. 4762
- باب ما يقال للمريض وما يجيب
/ ٢٠ - فيه: عَبْدُ اللَّهِ: أتيتُ النَّبِىّ ﵇ فِى مرضِهِ فَمَسِسْتُهُ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، وَذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: (أَجَلْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلا حَاتَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ) . / ٢١ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ، فَقَالَ: (لا بَأْسَ طَهُورٌ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ) ، فَقَالَ: كَلا، بَلْ هِىَ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ كَيْمَا تُزِيرَهُ الْقُبُورَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (فَنَعَمْ إِذًا) . قال المهلب: فيه أن السنة أن يخاطب العليل بما يسليه من ألمه وبغطة بأسقامه بتذكيره بالكفارة لذنوبه وتطهيرة من آثامه ويطمعه بالإقالة لقوله: لا بأس عليك مما تجده بل يكفر الله به ذنوبك ثم يفرج عنك فيجمع لك الأجر والعافية لئلا يسخط أقدار الله، واختياره له وتفقده إياه بأسباب الرحمة ولايتركه إلى نزعات الشيطان والسخط فربما جازاه الله بالتسخط وبسوء الظن عقابًا فيوافق قدرًا يكون سببًا إلى أن يحل به مالفظ به من الموت الذى حكم على نفسه. وقوله ﵇ لابن مسعود: (أجل) أنه ينبغى للمريض أن يحسن جواب زائره ويتقبل مايعده من ثواب مرضه ومن إقالته ولا يرد عليه بمثل مارد الأعرابى على النبى ﵇ وسيأتى فى باب يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر فى كتاب الاعتصام.
стр. 4763
- باب: عيادة المريض راكبًا وماشيًا
/ ٢٢ - فيه: أُسَامَةَ، أَنَّ النَّبِى ﵇ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ. . . وذكر الحديث. / ٢٣ - وفيه: جَابِر، جَاءَنِى النَّبِى ﵇ يَعُودُنِى لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلا بِرْذَوْنٍ. فيه أن عيادة المريض راكبًا وماشيًا كل ذلك سنة مرجو بركة العمل بها وثواب الأعمال على صحة النية وإخلاصها لله تعالى وإن قلت المشقة فيها.
- باب: قول المريض إنى وجع، أو وارأساه أو أشتد بى الوجع وقول أيوب: (مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين (
/ ٢٤ - فيه: كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، مَرَّ بِىَ النَّبِى ﵇ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ الْقِدْرِ، فَقَالَ: (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَا الْحَلاقَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ أَمَرَنِى بِالْفِدَاءِ. / ٢٥ - وفيه: عَائِشَةُ، قَالَت: وَا رَأْسَاهْ، فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَىٌّ، فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ، وَأَدْعُوَ لَكِ) ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَا ثُكْلِيَاهْ، وَاللَّهِ إِنِّى لأظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِى، فَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ، لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِى بَكْرٍ وَابْنِهِ، وَأَعْهَدَ. . .) الحديث. / ٢٦ - وفيه: عبد اللَّهِ بْن مَسْعُود، دَخَلْتُ عَلَى النَّبِي ﵇ وَهُوَ يُوعَكُ،
стр. 4764
فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ قَالَ: (أَجَلْ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ) ، قَالَ: لَكَ أَجْرَانِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ إِلا حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا) . / ٢٧ - وفيه: سَعْد، جَاءَنِى النَّبِىّ ﵇ يَعُودُنِى مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِى زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. . . . الحديث. قال الطبرى: اختلف العلماء فى هذا الباب فقالت طائفة: لا أحد من ينى آدم إلا وهو يألم من الوجع ويشتكى المرض لأن نفوس بنى آدم بنيت على الجزع من ذلك والألم، فغير قادر أحد على تغييرها عما خلقها الله بارئها، ولا كلف أحد أن يكون بخلاف الجبلة التى جبل عليها، وإنما كلف العبد فى حالة المصيبة أن يفعل ماله إلى ترك فعله سبيل وذلك ترك البكاء على الرزية والتأوه من المرض والبلية. فمن تأو من مرضه أو بكى من مصيبة تحدث عليه أو فعل نظيرًا لذلك فقد خرج من معانى أهل الصبر ودخل فى معانى أهل الجزع وممن روى ذلك عنه مجاهد وطاوس، قال مجاهد: يكتب على المريض ماتكلم به حتى الأنين. وقال ليث: قلت لطلحة بن مصرف: إن طاوسًا كره الأنين فى المرض، فما سمع لطلحة أنين حتى مات. واعتلوا لقولهم بإجماع على كراهة شكوى العبد ربه على ضر ينزل به أو أشتد تحدث به، وشكواه ذلك إنما هو ذكره للناس ما امتحنه به ربه على وجه الضجر به، قالوا: فالمتوجع المتأوه فى معنى ذكراه للناس متضجرًا به أو أكثر منه به.
стр. 4765
وقال آخرون: ليس الذى قال هؤلاء بشىء وقالوا: إنما الشاكى ربه تعالى من أخبر عما أصابه من الضر والبلاء متسخطًا قضاء الله فيه، فأما من أخبر به إخوانه ليدعو له بالشفاء والعافية وأن استراحة إلى الأنين والتأوه فليس ذلك بشاك ربه، وقد شكا الألم والوجع المؤذى للنبى ﵇ وأصاحبه وأن جماعة من القدوة ممن ذكرهم البخارى فى هذا الباب وغيرهم، روى عن الحسن البصرى أنه دخل عليه أصحابه وهو يشتكى ضرسه فقال: رب مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين، وهذا القول أولى بالصواب لما يشهد له من فعل النبى وأصحابه، وأيضًا فإن الأنين من الم العلة والتأوه قد يغلبان الإنسان ولايطيق كفهما عنه، ولا يجوز إضافة موأخذة العبد به إلى الله تعالي؛ لأنه قد أخبر أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وليس فى وسع ابن آدم ترك الاستراحة إلى الأنين عند الوجع يشتد به والألم ينزل به فيؤمر به أو ينهى عن خلافه.
- باب: قول المريض قوموا عنى
/ ٢٨ - فيه: ابْن عَبَّاس، لَمَّا حُضِرَ النَّبِىّ ﵇ وَفِى الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ) ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِى ﵇ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاخْتِلافَ عِنْدَ النَّبِى ﷺ ، قَالَ: (قُومُوا. . . .) الحديث.
стр. 4766
قال المؤلف: فيه من الفقه أن المريض إذا اشتد به المرض أنه يجوز أن يقول لزوره قوموا عنى ويأمرهم بالخروج لينفرد بألطافه ويمرضه من يخف عليه مباشرته له من أهله وذوى رحمة، ولا يعد ذلك جفاء على الزائرين بل الجفاء منهم طول الجلوس عند المريض إذا اشتد مرضه، والصواب لهم تخفيف القعود عنده وترك إحراجه وأذاه، وقد تقدم فى كتاب العلم فى باب كتابه العلم وسيأتى فى كتاب الاعتصام فى باب النهى على التحريم إلا بما يعرف إباحتع إن شاء الله تعالى
- باب: من ذهب بالصبى المريض ليدعى له
/ ٢٩ - فيه: السَّائِبَ، ذَهَبَتْ بِى خَالَتِى إِلَى النَّبِىّ ﷺ ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِى وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِى وَدَعَا لِى بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ. . . . الحديث. لا بأس بالذهاب بالصبيان إلى الصالحين وأهل الفضل رغبة فى بركة دعائم والانتفاع بهم، ألا ترى أن هذا الصبى مسح النبى ﵇ رأسه ودعا له وسقاه من وضوئه فبرىء حتى قام خلف ظهره ﵇ ورأى بين كتفيه خاتم النبوة. وفيه أن شرب صاحب الوجع من وضوء الرجل الفاضل مما يذهب وجعه.
- باب تمنى المريض الموت
/ ٣٠ - فيه: أَنَس، قَالَ النَّبِي ﷺ : (لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُ الْمَوْتَ مِنْ
стр. 4767
مرض أصابه، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ فَاعِلا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) . / ٣١ - وفيه: قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ - وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ - فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا، وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلا التُّرَابَ، وَلَوْلا أَنَّ النَّبِى ﵇ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَهُوَ يَبْنِى حَائِطًا لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ فِى كُلِّ شَىْءٍ يُنْفِقُهُ إِلا فِى شَىْءٍ يَجْعَلُهُ فِى هَذَا التُّرَابِ. / ٣٢ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ) ، قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) . / ٣٣ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَىَّ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى، وَارْحَمْنِى، وَأَلْحِقْنِى بِالرَّفِيقِ) . قال المؤلف: نهى النبى أمته عن تمنى الموت عند نزول البلاء بهم وأمرهم أن يدعوا بالموت ما كان الموت خيرًا لهم فى حديث أبى هريرة: (لا يتمنى أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب) . قال الطبرى: فإن قيل: هذا الحديث جاء بلفظ (لعلى) وهى موضوعة لغير التحقيق. قيل: قد جاء هذا الحديث بلفظ (إن) التى هى موضوعة للتحقيق من رواية معمر، عن همام بن منبه، عن أبى هريرة قال: قال النبى: (لا يتمنى أحدكم الموت ولايدعو به قبل أن يأتيه،
стр. 4768
فإنه إذا مات أحدكم انقطع أمله وعمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا) فإن قال قائل: إن قول النبى ﵇ عند موته: (اللهم ألحقنى بالرفيق) تمن للموت، وذلك معارض للأحاديث المتقدمة وقد تمنى الموت عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب. فأما حديث عمر فرواه معمر عن على بن زيد، عن الحسن، عن سعيد بن أبى العاص قال: (رصدت عمر ليلة فخرج إلى البقيع وذلك فى السحر فاتبعته فصلى فرفع يديه ثم قال: اللهم كبرت سنى وضعفت قوتى وخشيت الانتشار من رعيتى فاقبضنى إليك غير عاجز ولا ملوم) قال الزهرى، عن ابن المسيب: فما انسلخ الشهر حتى مات. وأما حديث على فرواه معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: سمعت عليًا يخطب فقال: (اللهم إنى قد سئمتهم وسئمونى فارحمنى منهم وارحمهم منى، مايمنع أشقاكم أن يخضبها بدم - وأشار إلى لحيته) . قيل: لا تعارض بين شىء مما ذكرت ولكل خبر منها وجه صحيح، فأما قول النبى ﷺ : (اللهم ألحقنى بالرفيق) فإنما قال ذلك بعد أن علم أنه ميت فى يومه برؤية الملائكة المبشرة له عن ربه بالسرور الكامل الا تسمعه يقول لابنته فاطمة حين ندبته: (لا كرب على أبيك بعد اليوم) فكانت نفسه مفزعة فى اللحاق بكرامة الله تعالى والمصير إلى ماوعده به من سعادة الأبد، وكذلك قالت عائشة: سمعت النبى ﵇ يقول: (لا يقبض نبى حتى يخير، فلما سمعته يقول: الرفيق الأعلى علمت أنه ذاهب وأنه لا يختارها) وهذا خير له من كونه فى الدنيا وبهذا أمر أمته فقال:
стр. 4769
(كان لابد فاعلا فليقل اللهم توفنى ما كانت الوفاة خيرًا لى) . وأما حديث عمر وعلى ففيها بيان معنى نهيه ﵇ عن تمنى الموت وأن المراد بذلك إذا نزل بالمؤمن ضر أو ضيق فى دنياه فلا يتمنى الموت عند ذلك، فأما إذا خشى أن يصاب فى دينه فمباح له أن يدعو بالموت قبل مصابه بدينه، ويشهد لصحة هذا قوله ﵇: (وإذا أردت بالناس قتنة، فأقبضنى إليك غير مفتون) فاستعمل عمر هذا المعنى حين خشى عند كبر سنه وضعف قوته أن يعجز عن القيام بما فرض الله عليه من أمر الأمة أو أن يفعل مايلام عليه فى الدنيا والآخرة، فلذلك قال: فاقبضنى إليك غير عاجز ولاملوم، فأجاب الله دعاءه وأماته قبل انسلاخ الشهر. وكذلك خشى على بن أبى طالب من سآمته لرعيته وسآمتهم له أن يحملهم ذلك على مايئول إلى سخط الله وإلى مالا يرقع فتقه، فكان ذلك من قبلهم فقتلوه وتقلدوا دمه وباءه وبإثمه وهو إمام عدل بر تقى لم يأت مايستحق عليه التأنيب فضلا عن غيره؛ فلذلك سأل الله أن يريحه منهم فليس فى شىء من ذلك تعارض ولا اختلاف، بل كل ذلك يفسر بعضه بعضًا. وقول خباب: (إن المسلم ليؤجر فى كل شىء ينفقه إلا فى شىء يجعله فى هذا التراب) يعنى البنيان، ومعنى الحديث أن من بنى مايكنه ولا غنى به عنه فلا يدخل فى معنى الحديث بل هو مما يؤجر فيه، وإنما أراد خباب من بنى مايفضل عنه ولا يضطر إليه فذلك الذى لا يؤجر عليه لأنه من التكاثر الملهى لأهله.
стр. 4770
وقد تقدم فى باب البناء فى آخر الاستئذان وسيأتى معنى قوله ﷺ : (لا يدخل أحدًا عمله الجنة) وتأويل قوله تعالى: (وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون (فى باب القصد والداومة على العمل فى كتاب الرقاق، إن شاء الله تعالى.
- باب: دعاء العائد للمريض
وَقَالَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهَا: قَالَ النَّبِى ﵇: (اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا) . / ٣٤ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىّ ﵇ كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا، أَوْ أُتِىَ بِهِ، قَالَ: (أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِى، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادرُ سقمًا) . قال الطبرى: فى هذه الآثار من الفقه أن الرغبة إلى الله فى عافية فى الجسم أفضل للعبد وأصلح له من الرغبة اليه فى البلاء، وذلك أنه ﵇ كان يدعو للمرضى بالشفاء من عللهم. فإن قال قائل: ماوجه دعائه ﵇ لسعد بالشفاء، وقد تظاهرت الأخبار عنه ﵇ أنه قال يومًا لأصحابه: من أحب أن يصح ولايسقم؟ فقالوا: نحن يارسول الله. فقال: أتحبون أن تكونوا مثل الحمر الصيالة؟ وتغير وجه النبى ﵇ ثم قال: ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال: فوالذى نفس أبى القاسم بيده إن الله تعالى ليبتلى المؤمن، وما يبتليه إلا لكرامته عليه، وإلا أن له عنده
стр. 4771
منزلة لا يبلغها شيء من عمله دون أن يبلغ من البلاء ما يبلغه تلك المنزلة. من حديث أبى عقيل مسلم بن عقيل، عن عبد الله بن إياس بن أبى فاطمة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ . وروى زيد بن أبى أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة قال: (جاء رجل مصح إلى النبى ﵇ فقال له رسول الله: أصابتك أم ملدم قط؟ قال له: لا يارسول الله. فلما ولى الرجل قال لهم رسول الله: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا) . وروى الليث عن يزيد أبى حبيب، عن سعد بن يسار عن أنس بن مالك، عن النبى ﵇ أنه قال: (إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضى فله الرضا، ومن سخط فله السخط) مع كثرة من كان يؤثر العلل والأسقام من السلف. قيل: ليس شىء من هذه الآثار يعارض أحاديث هذا الباب ولكل حديث منها وجه مفهوم وذلك أن العلل والأمراض كفارات لأهل الإيمان وعقويات يمحص الله بها عمن شاء منهم فى الدنيا ليلقوه مطهرين من دنس الذنوب، كما روى أيوب، عن أبى قلابة، عن أنس قال: (كان أبو بكر الصديق يأكل مع النبى فنزلت هذه الآية: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال
стр. 4772
ذرة شرًا يره) فرفع أبو بكر يده فقال: يارسول الله، إنى أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر؟ فقال: ياأبا بكر، مارأيت فى الدنيا مما تكره فبمثقال ذر الشر ويدخر لك مثاقيل الخير حتى توفاه يومه القيامة) . فإذا كانت العلل والأوجاع إنما هى عقوبات على التبعات ثبت أنه النبى ﵇ إنما دعا بالشفاء من الأمراض لمن لا كبائر له، ومن سلم من الذنوب الموجبة للعقوبات وبرىء من مظالم العباد وكره اختيار الصحة على البلاء فى هذه الأحاديث الأخر لأهل الإجرام ولمن اقترف على نفسه الآثام، فكره له أن يختار لنفسه لقاء ربه بآثمه وموافاته بإجرامه غير متحمص ولا متطهر من الأدناس، فليس شىء من الاخبار خلاف لصاحبه، والله الموفق.
- باب: وضوء العائد المريض
/ ٣٥ - فيه: جَابِر، دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِى ﵇ وَأَنَا مَرِيضٌ، فَتَوَضَّأَ فَصَبَّ عَلَىَّ فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: لا يَرِثُنِى إِلا كَلالَةٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ. وضوء العائد للمريض إذا كان إماما فى الخير ورئيسًا فى الفضل يتبرك به وصبه عليه مما يرجى نفعه، وقد يمكن أن يكون مرض جابر الذى صب عليه النبى (ص) الماء من الحمى الذى أمر النبى بإبرادها بالماء لأنها من فيح جهنم، فتكون صفه من الإبراد هكذا أن يتوضأ الرجل الفاضل ويصب ذلك الماء طار من وضوئه على المريض.
стр. 4773
- باب: من دعا برفع الوباء والحمى
/ ٣٦ - فيه: وذكر حديث عَائِشةَ حين وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلالٌ بتمامه إلى قوله: (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ) . وقد تقدم فى باب عيادة الرجال النساء. قال المؤلف: فيه من الفقه جواز الدعاء إلى الله تعالى فى رفع الوباء والحمى والرغبة إليه فى الصحة والعافية، وهذا رد على الصوفية فى قولهم: إن الولى لا تتم له بالولاية إلا إذا رضى بجميع مانزل به من البلاء ولا يدع الله فى كشفه، وقد تقدم فى آخر كتاب الحج فى أبواب فضائل المدينة.
стр. 4774
٦٩ - كتاب الطب
- باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاءً
/ ١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً) . قال الترمذى فى هذا الحديث: عن ابن مسعود، وأبى هريرة، وأبى خزامة، عن أبيه وابن عباس، وعن أسامة بن شريك. وفيه إباحة التداوى وجواز الطب، وهو رد على الصوفية الذى يزعمون أن الولاية لا تتم إلا إذا رضى بجميع مانزل من البلاء، ولا يجوز له له مداوته. وقد أباح ﵇ التداوى وقال للرجلين: (أيكما أطب؟ فقالا: أو فى الطب خير يارسول الله؟ فقال: أنزل الدواء الذى أنزل الأدواء) فلا معنى لقول من أنكر ذلك.
- باب هل يداوى الرجل المرأة والمرأة الرجل
/ ٢ - فيه: رُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذِ، قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِىّ ﵇ نَسْقِى الْقَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى الْمَدِينَةِ. قال المؤلف: هذا إنما يجوز للنساء المتجالات اللاتي لا تخشى من
стр. 4775
قبلهن الفتنة وأما الجواري فلا يباشرون الرجال غير ذوي المحارم منهن.
٣ - باب: الدواء بالعسل وقوله تعالى: (فيه شفاء للناس
/ ٣ - فيه: عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىُّ ﵇ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ. / ٤ - وفيه: جَابِر، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنْ كَانَ فِى شَىْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِى شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ، تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِىَ) . / ٥ - وفيه: أَبُو سَعِيد، أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِى ﵇ فَقَالَ: أَخِى يَشْتَكِى بَطْنَهُ، فَقَالَ: (اسْقِهِ عَسَلا) ، ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: (اسْقِهِ عَسَلا) ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: (اسْقِهِ عَسَلا) ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَ: (صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلا، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ) . اختلف أهل التأويل فيما عادت عليه الهاء التى فى قوله: (فيه شفاء للناس) فقال بعضهم: عادت على القرآن وهو قول مجاهد. وقال آخرون: يراد بها العسل روى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس، وهو قول الحسن وقتادة، وهذا القول أولى بدليل حديث جابر وأبى سعيد، وقال قتادة فى حديث سعيد: (صدق القرآن وكذب بطن أخيك) وقال بعض العلماء فى قوله: (شفاء للناس) المعنى فيه شفاء لبعض الناس. وتأولوا الآية. وحديث جابر وأبى سعيد على الخصوص.
стр. 4776
وقالوا: الحجامة وشرب العسل والكى إنما هو شفاء لبعض الأمراض دون بعض، ألا ترى قوله ﵇: (أو لذعة بنار توافق الداء) فشرط موافقتها للداء فدل هذا أنها إذا لم توافق الداء فلا دواء فيها، وقد جاء فى القرآن مالفظه العموم والمراد به الخصوص كقوله تعالى: (وماخلقت الجن واإنس إلا ليعبدون) يريد المؤمنين منهم لقوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس) أى: خلقنا، وقال تعالى فى بلقيس: (وأوتيت من كل شىء) ولم تؤت ملك سليمان، ومثله كثير.
٤ - باب: الدواء بأوبوال الإبل وألبانها
/ ٦ - فيه: أَنَس، أَنَّ نَاسًا اجْتَوَوْا فِى الْمَدِينَةِ فَأَمَرَهُمُ النَّبِىُّ، ﵇، أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ - يَعْنِى الإبِلَ - فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَفَعلوا حَتَّى صَلَحَتْ أَبْدَانُهُمْ، فَقَتَلُوا الرَّاعِىَ. . . . الحديث. قال مالك: لا بأس بشرب أبواب الإبل فى الداء، كذلك أبواب الإنعام والبقر والغنم، قيل له: فأبوال الخيل؟ قال: لا خير فيه. قيل له: تحلب فتبول فى اللبن. قال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس. وأبوالها عنده طاهرة كلحومها. وقال مالك مرة: تشرب أبوال الأنعام الثمانية التى ذكر الله سبحانه، وقد تقدم فى كتاب الوضوء فى باب أبواب الإبل والدواب والغنم ومرابضها وقوله: (يكدم الأرض بلسانه) فالكدم عض بأدنى الفم.
стр. 4777
٥ - باب: الحبة السوداء
/ ٧ - فيه: خَالِدِ بْنِ سَعْد، خَرَجْنَا وَمَعَنَا غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ، فَمَرِضَ فِى الطَّرِيقِ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَعَادَهُ ابْنُ أَبِى عَتِيقٍ، فَقَالَ لَنَا: عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحُبَيْبَةِ السَّوْدَاءِ، فَخُذُوا مِنْهَا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَاسْحَقُوهَا، ثُمَّ اقْطُرُوهَا فِى أَنْفِهِ بِقَطَرَاتِ زَيْتٍ فِى هَذَا الْجَانِبِ، وَفِى هَذَا الْجَانِبِ، فَإِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْنِى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا مِنَ السَّامِ) ، قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: (الْمَوْتُ) . / ٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (فِى الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ) . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَالسَّامُ الْمَوْتُ، وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ. هذا الحديث يدل عمومه على الانتفاع بالحبة السوداء فى كل داء غير داء الموت كما قال ﵇، إلا أن أمر ابن أبى عتيق بتقطير الحبة السوداء بالزيت فى أنف المريض لا يدل أن هكذا سبيل التداوى بها فى كل مرض، فقد يكون من الأمراض مايصلح للمريض شربها أيضًا ويكون منها مايصلح خلطها ببعض الأدوية فيعم الانتفاع بها منفردة ومجموعة مع غيرها، والله أعلم.
٦ - باب: التلبية للمريض
/ ٩ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينِ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمَحْزُونِ عَلَى الْهَالِكِ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىّ ﵇ يَقُولُ: (إِنَّ التَّلْبِينَةَ تُجِمُّ فُؤَادَ الْمَرِيضِ، وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ، وكانت تقول: هو [البغيض] النافع) .
стр. 4778
ويروى (تخم) ومعناه: تنفى والمخمة المكنسة، ومنه قوله ﵇ حين سئل أى المؤمنين أفضل؟ قال: (الصادق اللسان المخموم القلب. قيل: قد عرفنا الصادق اللسان، فما المخموم القلب؟ قال: الذى لا غل فيه ولا حسد) ومن روى تجم بالجيم، فمعناه قريب من هذا وهو من خفة النفس ونشاطها، تقول العرب: جم الفرس يجم ويجم جمامًا وأجم إذا ترك ولم يركب ولم يتعب.
٧ - باب: السعوط
/ ١٠ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنّ النَّبِى ﷺ احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَ. روى الترمذى من حديث عبادة بن منصور عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبى ﷺ : إن خير ماتداويتم به السعوط والحجامة شفاء لبعض الناس دون بعض، وكلك اللدود والمشى.
٨ - باب: السعوط بالقسط الهندي
وَهُوَ الْكُسْتُ مِثْلُ الْكَافُورِ، وَالْقَافُورِ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: قُشِطَتْ، وَكُشِطَتْ. / ١١ - فيه: أُمِّ قَيْس أَنَّ النَّبِى ﵇ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِىِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، يُسْتَعَطُ بِهِ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَيُلَدُّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ. . . .) الحديث.
стр. 4779
وفي كتاب العين: العذرة: وجع فى الحلق، ويلد: يداوى، واللدود ماكان من السقى فى أحد شقى الفم، وسيأتى فى باب اللدود.
٩ - باب: أى ساعة يحتجم
واحتجم أبو موسى ليلا. / ١٢ - فيه: ابْن عَبَّاس، احْتَجَمَ النَّبِىُّ ﵇ وَهُوَ صَائِمٌ. الحجامة فى الليل والنهار وفى كل وقت احتيج اليها مباحة، وقد روى أبو داود عن الربيع بن نافع، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحى، عن سهيل، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين، كان شفاء من كل داء) . وسئل مالك عن الحجامة فى خمس وسبع عشرة وثلاث وعشرين، فكره أن يكون لذلك يوم محدود، وقال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو بكرة بكار بن عبد العزيز قال: أخبرتنى عمتى كبشة بنت أبى بكر: (أن أباها كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويزعم عن رسول الله أن يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ) . وقال مالم: لا أرى بأسا بالحجامة يوم السبت ويوم الأربعاء والأيام كلها، وكذلك السفر والنكاح، وأراه عظيما أن يكون يومًا من لأتقى الحجامة يوم السبت والأربعاء لحديث بلغني.
стр. 4780
- باب: الحجامة من الدواء
/ ١٣ - فيه: أَنَس، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَجْرِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ النَّبِىّ ﵇ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، وَأَعْطَاهُ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفُوا، عَنْهُ، وَقَالَ: إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ، وَالْقُسْطُ الْبَحْرِىُّ، وَقَالَ: (لا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ) . (١) / ١٤ - وفيه: جَابِر، أَنَّهُ عَادَ الْمُقَنَّعَ، ثُمَّ قَالَ: لا أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ، فَإِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىّ ﵇ يَقُولُ: (إِنَّ فِيهِ شِفَاءً) . قال الطبرى: فإن قال قائل: قول النبى (أمثل ما تداويتم به الحجامة) و (إن فيه الشفاء) هل هو على العموم أو الخصوص، فإن قلت: أنها على العموم فما أنت قائل فيما روى ابن علية عن ابن عون، عن ابن سيرين أنه قال: إذا بلغ الرجل أربعين لم يحتجم، قال ابن عون: فتركت الحجامة وكانت نعمة من الله. وإن قلت: هى على الخصوص. فما الدليل على ذلك؟ . قال الطبرى: فالجواب أن أمر النبى بذلك أمته إنما هو ندب لا إيجاب وهو عام فيما ندبهم إليه من معناه، وذلك أنه أمرهم بالحجامة حضًا منه لهم على مافيه نفعهم، ودفع مايخاف من غائلة الدم على أجسامهم إذا كثر وتبيغ فندبهم إلى استعمال ذلك فى الحين الذى إخراجه فيه صلاح لأبدانهم، وقد بين ﵇ فى خبر حميد عن أنس أنه قال ﵇: (إذا هاج بأحدكم الدم فليحتجم،
стр. 4781
فإن الدم إذا تبيغ بصاحبه قتله) وغير بعيد ماروى عن ابن سيرين من نهيه ابن أربعين سنة عن الحجامة، وذلك أنه فى انتفاض من عمره وانحلال من قوى جسمه، وفى ذلك غناء له عن معونته عليه بما يزيد وهنًا على وهن، إلا أن يتبيغ به الدم حتى يكون الأغلب من أمره خوف الضرر بتركه إخراجه فيحق عليه حينئذ إخراجه والأخذ بما ندبه اليه نبيه ﵇ والغمر: العصر باليد.
- باب: الحجامة على الرأس
/ ١٥ - فيه: ابْن بُحَيْنَة، أَنَّ النَّبِىّ ﵇ احْتَجَمَ بِلَحْىِ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فِى وَسَطِ رَأْسِهِ. / ١٦ - وفيه: ابْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِىّ ﷺ احْتَجَمَ فِى رَأْسِهِ. ذكر الطبرى روى شيبان عن جابر، عن محمد بن على عن عبد الله بن جعفر قال: (احتجم رسول الله ﵇ على قرنه بعدما سم) . روى طاوس عن ابن عباس أن النبى ﵇ قال: (الحجامة فى الرأس شفاء من سبع: من الجنون والجذام والبرص والصداع والنعاس وظلمة العينين ووجع الأضراس) .
- باب: الحجامة من الشقيقة والصداع
/ ١٧ - فيه: ابْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِى ﵇ احْتَجَمَ فِى رَأْسِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، وَقَالَ مرة: مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ.
стр. 4782
/ ١٨ - وفيه: جَابِر، قَالَ ﵇: (إِنْ كَانَ فِى شَىْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِى شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ. . . .) الحديث. قال الطبري: وقد روى عن النبي أنه كان يحتجم على رأسه وبين كتفيه من حديث أبى كبشة الأنمارى وسلمى خادمة ﵇ ومن حديث جرير، عن قتادة، عن أنس أنه كان يحتجم فى الأخدعين وبين الكتفين، وصحة هذا غير مبطلة صحة الخبر عنه أنه احتجم على رأسه وذلك أن حجم المحتجم من جسده مايرجو نفعه فى بعض أحايينه غير موجب علينا إحالة احتجامة على هامته ونفره قفاه، وغيرها من أماكن جسده لاختلاف العلل، وقد ذكر عن المتقدمين فى العلم بحجامة الأدواء أن حجامة الأخدعين على النقرة لأدواء العينين، والرأس والعنق والظهر، وأن الحجامة على الكاهل نفعها من داء الجسد كله وأن الحجامة فوق القحف نفعها من السدد وقروح الفخد واحتباس الطمث، فإذا كانت منافع الحجامة مختلفة لاختلاف أماكنها فمعلوم أن حجمه ﵇ من جسده ما حجم كان لاختلاف أسباب الحاجة إليه، وروى عنه ﵇ أن حجمه هامته كان لوجع أصابه فى رأسه من أكلة الطعام المسموم بخيير.
- باب: الحلق من الأذى
/ ١٩ - فيه: كَعْبٍ بْن عُجْرَة، أَتَى عَلَى النَّبِي ﵇ زَمَنَ
стр. 4783
الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ بُرْمَةٍ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى رَأْسِى، فَقَالَ: (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (فَاحْلِقْ وَصُمْ. . .) الحديث. فيه: أن ما مايتأذى به المؤمن وإن صغر أذاه فمباح له إزالته وإماطته عنه؛ لأن إنتاثر القمل عليه كان من شعث الإحرام وذلك لا محالة أهون من علة لو كانت بجسده، فكما أمره ﵇ بإماطة أذى القمل عنه كان مداواة أسقام الأجساد أولى بإمطاتها بالدواء بخلاف قول الصوفية الذين لا يرون المداواة.
- باب: من اكتوى أو كى غيره وفضل من لم يكتو
/ ٢٠ - فيه: جَابِر، قَالَ ﵇: (إِنْ كَانَ فِى شَىْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ شِفَاءٌ، فَفِى شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِىَ) . / ٢١ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (عُرِضَتْ عَلَىَّ الأمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِى وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ وَمَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِى لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِى سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِى هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأفُقِ، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأ الأفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِى: انْظُرْ هَاهُنَا وَهَا هُنَا فِى آفَاقِ السَّمَاءِ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأ الأفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَأَفَاضَ الْقَوْمُ، وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ، فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِى الإسْلامِ، وَإِنَّا وُلِدْنَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ النَّبِى ﷺ ، فَخَرَجَ، فَقَالَ: (هُمِ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ،
стр. 4784
وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَلا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، فَقَالَ عُكَاشَةُ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (نَعَمْ) ، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا، قَالَ: (سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ) . قال المؤلف: فى حديث جابر إباحة الكي والحجامة وأن الشفاء فيهما؛ لأنه ﵇ لايدل أمته على مافيه الشفاء لهم إلا ومباح لهم الاستشفاء والتداوى. فإن قال قائل: مامعنى قوله ﵇: (لا أحب أن أكتوى) ؟ قيل: معنى ذلك - والله أعلم - أن الكي إحراق بالنار وتعذيب وقد كان ﵇ يتعوذ كثيرًا من فتنة النار وعذاب النار فلو اكتوى بها لكان قد عجل لنفسه ألم ما قد استعاذ بالله منه. فإن قيل: فهل نجد فى الشريعة مثل هذا مما أباحه النبى ﵇ لأمته ولم يفعله هو فى خاصة نفسه فتسكن النفس إلى ذلك؟ قيل: بلى وذلك أنه ﵇ أباح لأصحابه أكل الضب على مائدته ولم يأكله هو وبين علة امتناعه منه فقال: (لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه) ومثله أنه لم يأكل الثوم والبصل والخضروات المنتنه الريح وأباحها لأمته، وقال: (إنى أناجى من لا تناجى) وقال مرة: (إنه يحضرنى من الله حاضرة) فكذلك أباح الكي وكرهه فى خاصة نفسه ﵇. وقال الطبرى: أما قوله ﵇: (لايتطيرون ولا يسترقون) فمعناه - والله أعلم - الذين لايفعلون شيئًا من ذلك معتقدين أن البرء إن حدث عقيب ذلك كان من عند الله وأنه كان بسبب الكي والرقية،
стр. 4785
وأن الذي يتطير منه لو لم ينصرف من أجله ومضى فى مضيه إن أصابه مكروه من قبل مضيه لا من قبل الله. فأما من انصرف ومضى وهو فى كلا حالية معتقد أنه لا ضار ولا نافع غير الله تعالى وأن الأمور كلها بيده، فإنه غير معنى بقوله: (لا يكتوون ولا يتطيرون) . قال أبو الحسن بن القابسى: معنى لا يسترقون. يريد الاسترقاء الذى كانوا يسترقونه فى الجاهلية عند كهانهم وهو استرقاء لما ليس فى كتاب الله ولا بأسمائه وصفاته، وإنما هو ضرب من السحر، فأما الاسترقاء بكتاب الله والتعوذ بأسمائه وكلماته فقد فعله الرسول وأمر به ولا يخرج ذلك من التوكل على الله، ولايرجى فى التشفى به إلا رضا الله. وأما قوله: (وعلى ربهم يتوكلون) فقال الطبرى: اختلف الناس فى حد التوكل، فقالت طائفة: لايستحق اسم التوكل حتى لايخالط قلبه خوف شىء غير الله من سبع عاد وعدو لله كافر حتى يترك السعى على نفسه فى طلب رزقه؛ لأن الله تعالى قد ضمن أرزاق العباد والشغل بطلب المعاش شاغل عن الخدمة. واحتجوا بما رواه فضيل بن عياض، عن هشام، عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله: (من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤمن ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها) وبما رواه فضيل عن عطيه عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ : (لو فر أحدكم من رزقه لأدركه كما يدركه الموت) .
стр. 4786
وقالت طائفة: حد التوكل على الله: الثقة به ولاستسلام لأمره والإيقان بأن قضاءه عليه ماض واتباع سنته وسنة رسوله ومن اتباع سنته سعى العبد فيما لابد له من مطعم ومشرب وملبس لقوله تعالى: (وما جعلناهم جسدًا لا يأكلون الطعام) ومن سنته أن يحترز من عدوه كما فعل النبى ﵇ يوم أحد من مظاهرته بين درعين وتغفره بمغفر يتقى به سلاح المشركين، وإقعاده الرماة على فم الشعب ليدفعوا من أدراد إتيانه، وكصنيعة الخندق حول المدينة حصنًا للمسلمين وأموالهم مع كونه من التوكل والثقة بربه بمحل لم يبلغه أحد ثم كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم مرة إلى الحبشة ومرة إلى مدينته ﵇ خوفًا على أنفسهم من مشركى مكة وهربًا بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم إياهم. وقد أحسن الحسن البصرى حين قال - للمخبر عن عامر بن عبد الله أنه نزل مع أصحابه فى طريق الشام على ماء فحال الأسد بينهم وبين الماء فجاء عامر إلى الماء فأخذ منه حاجته، فقيل له: قد خاطرت بنفسك قال: لأن تختلف الأسنة فى جوفى خير لى من أن يعلم الله أنى أخاف شيئًا سواه -: قد خاف من كان خيرًا من عامر موسى ﵇ حين قيل له: (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنى لك من الناصحين فخرج منها خائفًا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين) وقال: (فأصبح فى المدينة خائفًا يترقب) وقال حين القى السحرة حبالهم وعصيهم: (فأوجس فى نفسه خيفة موسى قلنا لاتخف إنك أنت الأعلي) قالوا: فالمخبر عن نفسه بخلاف ماطبع الله نفوس بنى آدم كاذب، وقد طبعهم الله على الهرب مما يضرهم،
стр. 4787
وقد أمر الله عباده بالإنفاق من طيبات ماكسبوا وقال تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) فأحل للمضطر ماكان حرم عليه عند عدمه للغذاء الذى أمره باكتسابه والاغتذاء به، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء، ولو ترك السعى فى طلب مايتغذى به حتى هلك كان لنفسه قاتلا، وقد كان رسول الله يتلوى من الجوع مايجد مايأكله، ولم ينزل عليه طعام من السماء وهو أفضل البشر وكان يدخل لنفسه قوت سنه حين فتح الله عليه الفتوح. وقد روى أنس بن مالك (أن رجلا أتى النبى ﵇ ببعير، فقال: يارسول الله أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل؟ قال: اعقله وتوكل) . وأما اعتلالهم بقوله ﵇: (يدخل الجنة من أمتى سبعون الفًا بغير حساب الذين لايسترقون ولايتطيرون ولايكتوون ةعلى ربهم يتوكلون) فذلك إغفال منهم، ومعنى ذلك الذين يايكتوون معتقدين أن الشفاه الله بعلاجه أن الله هو الذى شفاه به فهو المتوكل على ربه التوكل الصحيح ولا أحد يتقدم النبى ﵇ فى دخول الجنة ولايسبقه إليها وقد قال: (أنا أول من يقرع باب الجنة فيقال لى: من أنت؟ فأقول: محمد فيقول الخازن: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك) قالوا: وقد كوى ﵇ جماعة من أصحابه، كوى أبا أمامه أسعد بن زرارة من الذبحة، وكوى سعد بن معاذ من كلمه يوم الخندق،
стр. 4788
وكوى أبى بن كعب على أكحله حين أصابه السهم يوم أحد، وكوى أبو طلحة فى زمن النبى ﵇ وقال جرير بن عبد الله: أقسم على بن عمر بن الخطاب لأكتوين، واكتوى خباب بن الأرت سبعًا على بطنه واكتوى من اللقوة ابن عمر ومعاوية وعبد الله بن عمرو روى ذلك كله الطبرى بأسانيد صحاح. قال الطبرى: فبان أن معنى الحديث ماقلناه وأن الصواب فى حد التوكل الثقة بالله تعالى والاعتماد فى الأمور عليه، وتفويض كل ذلك إليه بعد استفراغ الوسع فى السعى فيما بالعبد الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه على ما أمر به من السعى فيه لا مالقله الزاعمون أن حدة الاستسلام للسباع وترك الاحتراز من الاعداء ورفض السعى للمكاسب والمعاش، والإعراض عن علاج العلل؛ لأن ذلك جهل وخلاف لحكم الله فى بعاده. وخلاف حكم رسوله فى أمته وفعل الأثمه الراشدين. قال غيره: وأما قوله: (سبقك بها عكاشة) فمعناه - والله أعلم - أن ذلك الرجل لم يكن ممن بلغت درجته فى الفضل إلى منزلة الذين لايسترقون ولايتطيرون ولايكتوون وعلى ربهم يتوكلون، فكره ﵇ أن يفزعه بأنه ليس من هذه الطبقة فيحزنه بذلك، وكان ﵇ رحيمًا رفيقًا فجابه بكلام مشترك ألف به به القول وهو قوله: (سبقك بها عكاشة) أى سبقك بهذه الحال الرفيعة من الإيمان حين كان من أهل تلك الصفات المذكورة، فبذلك استحق أن
стр. 4789
يكون منهم وأنت لم يبلغ بك عملك إلى تلك الدرجات فكيف تكون منهم، وهذا من معاريض الكلام والرفق بالجاهل فى الخطاب، وقد قيل: إنما كان منافعقًا فأراد ﵇ الستر له والإبقاء عليه ولعله أن يتوب فرده ردًا جميلاً، وهذا خلقه ﵇.
- باب: الإثمد والكحل من الرمد فيه عن أم عطية
/ ٢٢ - فيه: أُمِّ سَلَمَة، أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّىَ زَوْجُهَا فَاشْتَكَتْ عَيْنَهَا، فَذَكَرُوهَا لِلنَّبِى ﵇ وَذَكَرُوا لَهُ الْكُحْلَ، وَأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى عَيْنِهَا، فَقَالَ: (قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِى بَيْتِهَا فِى شَرِّ أَحْلاسِهَا فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بَعْرَةً. . .) الحديث. روى إسرائيل عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (كان النبى ﵇ يكتحل قبل أن ينام بالأثمد فى كل عين ثلاثًا) . وروى ابن إسحاق عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال رسول الله: (عليكم بالأثمد عند النوم؛ فإنه يجلوا البصر وينبت الشعر) .
- باب: الجذام
/ ٢٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لا عَدْوَى، وَلا طِيَرَةَ، وَلا هَامَةَ، وَلا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ) .
стр. 4790
قال أبو بكر بن الطيب: زعم الجاحظ عن النظام أن قوله ﵇: (فر من المجذوم كما تفر من الأسد) معارض قوله ﵇ (لا عدوى) قال ابن الطيب: وهذا جهل وتعسف من قائله؛ لأن قوله: (لا عدوى) مخصوص ويراد به شىء دون شىء وإن كان الكلام ظاهرة العموم فليس ينكر أن يخص العموم بقول آخر له أو استثناء، فيكون قوله: (لا عدوى) المراد به إلا من الجذام والبرص والجرب، فكأنه قال: (لا عدوى) إلا ماكنت بينته لكم أن فيه عدو وطيره فلا تناقص فى هذا إذا رتب الأحاديث على ماوصفناه. قال الطبرى: اختلف السلف فى صحة هذا الحديث، فأنكر بعضهم أن يكون ﵇ أمر بالبعد من ذى عاهه جذامًا كانت برصًا أو غيره وقالوا قد أكل رسول الله مع مجذوم وأقعده معه وفعل ذلك أصحابه المهديون حدثنا ابن بشار ثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: (أن وفد ثقيف أتوا أبا بكر الصديق فأتى بطعام فدعاهم فتنحى رجل، فقال مالك؟ قال: مجذوم. فدعاه وأكل معه) وعن سلمان وابن عمر أنهما كانا يصنعان الطعام للمجذومين ويأكلان معهم، وعن عكرمة أنه تنحى من مجذوم، فقال له ابن عباس: ياماض، لعله خير منى ومنك. وعن عائشة: (أن امرأة سألتها أكاد رسول الله يقول فى المجذومين فروا منهم فراركم من الأسد؟ فقالت عائشة كلا والله ولكنه قال: لا عدوى فمن أعدى الأول) وكان مولى لى أصابه ذلك الداء فكان يأكل فى صحافى ويشرب فى أقداحى وينام على فراشى. قالوا: وقد أبطل رسول الله العدوى.
стр. 4791
روينا عنه ﵇ أنه أكل مع مجذوم خلافًا لأهل الجاهلية فيما كانوا يفعلونه من ترك مؤاكلته خوفًا أن يعديهم داؤه، حدثنا به العباس ابن محمد، حديثنا يونس بن محمد، عن مفضل بن فضالة، عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: (أن النبى ﵇ أخذ بيد مجذوم فأقعده معه، وقال: كل ثقة بالله وتوكلا عليه) . وقال آخرون بتصحيح هذا الخبر، وقالوا: أمر النبى بالفرار من المجذوم واتقاء مؤاكلته ومشاربته، فغير جائز لمن علم أمره بذلك إلا الفرار من المجذوم، وغير جائز إدامته النظر إليهم لنهيه ﵇ عن ذلك، ذكر من قال لك روى معمر عن الزهرى أن عمر بن الخطاب قال لمعقيب: (اجلس منى قيد رمح. وكان به ذلك الداء وكان بدريًا) وروى أبو الزناد عن خارجة بن زيد قال: (كان عمر إذا أتى بالطعام وعنده معيقيب قال: كل مما يليك، وايم الله لو غيرك به مابك ماجلس منى على أدنى من قيد رمح) وكان أبو قلابة يتقى المجذوم. قال الطبرى: والصواب عندنا ما صح به الخبر عنه (ص) ، أنه قال: (لا عدوى) وأنه لا يصيب نفسًا إلا ما كتب عليها فأما دنو عليل من صحيح فإنه غير موجب للصحيح عله وسقمًا غير أنه لا ينبغى لذى صحة الدنو من الجذام والعاهة التى يكرها الناس لا أن ذلك حرام، ولكن حذار من أن يظن الصحيح إن نزل ذلك الداء يومًا أن ماأصابه لدنوه منه فيوجب له ذلك الدخول فيما نهى عنه ﵇ وأبطله من أمر الجاهلية فى العدوى.
стр. 4792
وليس فى أمره ﵇ بالفرار من المجذوم خلاف معه لأنه يأمر بالأمر على وجه الندب أحيانًا وعلى وجه الإباحة أخرى ثم يترك فعله ليعلم بذلك أن أمره لم يكن على وجه الإلتزام وكان ينهى عن الشىء على وجه التكره والتنزه أحيانًا وعلى وجه التأديب أخرى ثم يفعله ليعلم أن هيه لم يكن على وجه التحريم. قال غيره: وقد قال بعض العلماء: هذا الحديث يدل أنه يفرق بين المجذوم وامرأته إذا حدث به الجذام وهى عنده لموضع الضرر، إلا أن ترضى بالمقام معه. وقال ابن القاسم: يحال بينه وبين وطء رقيقة إذا كان فى ذلك ضرر. قال سحنون: لا يحال بينه وبيه وطء إمائه. ولم يختلفوا فى الزوجة. قال ابن حبيب: وكذلك يمنع المجذوم من المسجد والدخول بين الناس واختلاطة بهم كما روى عن عمر أنه مر بامرأة مجذومة تطوف بالبيت فقال لها: ياأمة الله، اقعدى فى بيتك ولاتؤذي الناس. وقال مطرف وابن الماجشون فى المرضى إذا كانوا يسيرًا: لايخرجون عن قرية ولاحاضرة ولاسوق، وإن كثروا رأينا أن يتخذوا لأنفسهم موضعًا كما صنع مرضى مكة عند التنعيم منزلهم وفيه جماعتهم، ولا أرى أن يمنعوا من الأسواق لتجارتهم والنظر والمسألة إذا لم يكن لهم إمام عادل يرزقهم، ولايمنعوا من الجمعة يمنعون من غيرها. وقال أصبغ: ليس على مرضى الحواضر أن يخرجوا منها إلى نايحة بقضاء يحكم به عليهم، ولكنهم إن كفاهم الإمام مؤنتهم وأجرى عليهم الرزق منعوا من مخالطة الناس. قال ابن حبيب: والحكم بتنحيتهم إذا كثروا أعجب إلى، وهو الذي عليه الناس.
стр. 4793
- باب: المن شفاء للعين
/ ٢٤ - فيه: سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، سَمِعْتُ النَّبِى ﵇ يَقُولُ: (الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ) . ذكر الطبرى عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: (كثرت الكمأة على عهد رسول الله ﵇ فامتنع أقوام من أكلها، وقالوا: هى جدى الأرض، فبلغ ذلك النبى ﵇ فقال: إن الكمأة ليست من جدى الأرض، ألا إن الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) قال الطبرى: إن قيل مامعنى قوله: (الكمأة من المن) والكمأة معروفة كما أن المن معروف، كل واحد منهما غير نوع صاحبه؟ قيل: الكمأة وإن لم تكن من نوع المن فإنه يجمعهما فى المعنى أنهما مما يحدث الله رزقًا لعباده من غير أصل له ومن غير صنع منهم ولاعلاج، إذ كانت جميع أقوات العباد لا سبيل إليها إلا بأصل عندهم وغرس وليس كذلك فى الكمأة والمن.
- باب: اللدود
/ ٢٥ - فيه: ابْن عَبَّاس، وَعَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِىَّ ﵇ وَهُوَ مَيِّتٌ، قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِى مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لا تَلُدُّونِى، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِى؟ قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: لا يَبْقَى فِى الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلا لُدَّ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلا الْعَبَّاسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ.
стр. 4794
وفيه: أم قيس: دخلت بابن لي على النبي ﵇ وقد أعلقت عنه من العذرة، فقال: علام تدغرن أولادكن بهذا العلاق، عليكم بهذا العود الهندي فإنه فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب ويسعط من العذرة ويلد من ذات الجنب. [قلت] لسفيان: فإن [معمراً] يقول: أعلقت عليه. قال: لم يحفظ إنما قال أعلقت عنه، حفظته من الزهري، ووصف سفيان الغلام يحنك بالأصبع وأدخل سفيان في حنكه، وإنما يعني رفع حنكه بأصبعه ولم يقل أعلقوا عنه شيئاً. وفيه: عائشة: لما ثقل النبي ﷺ واشتد وجعه استأذن أزواجه في أن يمرّض في بيتي فأذنّ له، فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض فقال النبي ﵇ بعد ما دخل بيتها واشتد وجعه: هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس. قالت: فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى جعل يشير إلينا أن قد فعلتم، وخرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم. قال المؤلف: اللدود من أدوية الخدر وذات الجنب، تقول العرب: لددت المريض لدا [ألقيت الدواء في شق] فيه: وهو التحنيك بالأصبع كما قال أبو سفيان، واسم الشيء الذي يلد به المريض اللدود بفتح اللام. فإن قال قائل: لمَ أمر النبي أن يلد كل من في الببت؟ قال
стр. 4795
المهلب: وجه ذلك - والله أعلم - أنه لما فعل به من ذلك ما لم يأمرهم به من المداواة بل نهاهم عنه، وألم بذلك ألماً شديداً أمر أن يقتصّ من كل [من] فعل به ذلك، ألا ترى قوله: لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا العباس فإنه لم يشهدكم. فأوجب القصاص على كل من لده من أهل البيت ومن ساعده فى ذلك ورآه لمخالفتهم نهيه ﵇، وقد جاء هذا المعنى فى رواية ابن إسحاق عن الزهرى، عن عبد الله بن كعب بن مالك (أنهم لدوا النبى ﵇ فى مرضه، فلما أفاق قال: لم فعلتم ذلك؟ قالوا خشينا يارسول الله أن تكون بك ذات الجنب. فقال: إن ذلك لداء ماكان الله ليقذفنى به. لا يبقى فى البيت أحد إلا لد إلا عمى) فقد لدت ميمونة وهى صائمة لقسم رسول الله عقوبة لهم لما صنعوا برسول الله وقد أشرت إلى شىء من هذا المعنى فى باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقبون أو يقتص منهم كلهم فى آخر كتاب الديات، وقد قال بعض العلماء: إن من هذا الحديث فهم عمر ابن الخطاب قتل من تمالأ على قتل الغلام بصنعاء. فإن قال قائل: ماوجه ذكر حديث عائشة الذى فى آخر فى هذه الترجمة وليس فيه ذكر اللدود الذى ترجم به؟ قيل: يحتمل ذلك - والله أعلم - أنه أراك أن مافعل بالمريض مما أن يفعل به أنه لايلزم فاعل ذلك به لوم ولاقصاص حين لم يأمر بصب الماء على كل من حضره، وأنه بخلاف ما أولم له مما نهى أن يفعل به؛ لأن ذلك من باب الجناية عليه، وفيه القصاص. وقوله فى حديث أم قيس: (أعلقت عنه) فالإعلاق أن ترفع
стр. 4796
العذرة باليد والعذرة قريبة من اللهاة، وقال ابن قتيبة: العذرة: وجع الحلق وأكثر مايعترى الصبيان فيعلق عنهم، والاعلاق والدغر شىء واحد وهو أن ترفع اللهاة، ونى رسول الله عن ذلك وأمر بالقسط البحرى. قال عبدة بن الطيب: غمز الطيب نغانغ المعذور. يقال: دغرت المرأة الصبى: رفعت لهاته بأصبعها إذا أخذته العذزرة. والصواب أعلق عنه كذلك خكاه أهل اللغة ولم يعدوه إلا بعن.
- باب دواء المبطون
/ ٢٨ - فيه: أَبُو سَعِيد، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِى ﵇ فَقَالَ: إِنَّ أَخِى اسْتَطْلَقَ، بَطْنُهُ فَقَالَ: (اسْقِهِ عَسَلا) فَسَقَاهُ فَقَالَ: إِنِّى سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلا اسْتِطْلاقًا، فَقَالَ: (صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ) . فيه أن ماجعل الله فيه شفاء من الأدوية قد يتأخر تأثيرة فى العلة حتى يتم أمره وتنقضى مدته المكتوبة فى أم الكتاب. وقوله: (صدق الله وكذب بطن أخيك) يدل أن الكلام لايحمل على ظاهرة ولو حمل على ظاهرة لبرىء المريض عند أول شربة العسل، فلما لم يبرأ إلا بعد تكرر شربه له دل أن الألفاظ مفتقرة إلى معرفة معانيها، وليست على ظواهرها.
стр. 4797
- باب: لاصفر وهو داء يأخذ البطن
/ ٢٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لا عَدْوَى، وَلا صَفَر، وَلا هَامَةَ) ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّه، فَمَا بَالُ إِبِلِى تَكُونُ فِى الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَأْتِى الْبَعِيرُ الأجْرَبُ، فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا، فَقَالَ: (فَمَنْ أَعْدَى الأوَّلَ) . قال الطبرى: ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى قال: سمعت يونس الجرمى سأل رؤبة العجاج عن الصفر فقال: هى حبة تكون فى البطن تصيب الماشية والناس، وهى أعدى من الجرب عن العرب. ويقال إن قوله: (لا صفر) إبطال ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من تأخير المحرم إلى صفر فى التحريم، وقد روى عن مالك مثل هذا القول. قال الطبرى: والصواب عندى ماقال رؤبة، ويدل على صحة قوله قول الأعشى: ولا يعض على سرشوفه الصفر قال ابن وهب: كان أهل الجاهلية يقولون إن الصفار التى فى الجوف تقتل صاحبها، فرد ذلك رسول الله، وقال: لايموت أحد إلا بأجله، وقد فسر جابر بن عبد الله وهو رواى الحديث عن النبى ﵇. قال الطبرى: وقوله: (لا هامة) فإن الهامة طائر كانت العرب تسميه الصدى، وقيل: إنه ذكر البوم. وأشبه عندى بالصواب من قال أنه ذكر البوم، وإنما أراد النبى بقوله: (لا هامة) إبطال ما كان
стр. 4798
أهل الجاهلية يقولونه فى ذلك، وذلك أنهم كانوا يقولون: إذا قتل الرجل فلم يطلب وليه بدمه ولم يثأر به خرج من هامته طائر يسمى الهامة فلا يزال يزفر عند قبره حتى يثأر به. وقد تقدم معنى قوله: (لا عدوى) فى باب الجذام ونذكر هاهنا طرفًا منه، قال ابن قتيبه: والعدوى جنسان: عدوى الجذام، والطاعون، فأما عدوى الجذام فإن المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجلسه معه ومؤاكلته، وربما جذمت امرأته بطول مصاحبتهات له وربما نزع أولاده فى الكبر إليه، وكذلك من كان به سل، والأطباء تأمر أن لا يجالس المسلول ولا المجذوم ولايريدون بذلك معنى العدو وإنما بذلك تغير الرائحة وأنها تسقم من أطال اشتمامها والأطباء أبعد الناس من الإيمان بيمن أو شؤم. وكذلك الجرب الرطب يكون بالبعير الإبل وحاكها وأوى فى مباركها وصل إليها بالماء الذى يسيل منه نحوًا مما به فلهذا المعنى نهى رسول الله أن يورد ذو عاهة على مصح كراهية أن يخالط ذو العاهة الصحيح فيناله من حكة ودائه نحوًا مما به، وقد ذهب قوم إلى أنه أراد بذلك ألا يظن أن الذى نال إبله من ذى العاهة قيأثم، وسيأتى الكلام فى الطاعون فى باب من خرج من أرض لاتلائمه بعد هذا.
- باب: ذات الجنب
/ ٣٠ - فيه: أُمَّ قَيْسٍ، أَنّ النَّبِيّ ﵇ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ
стр. 4799
الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ) - يُرِيدُ الْكُسْتَ - يَعْنِى الْقُسْطَ، قَالَ: وَهِىَ لُغَةٌ. / ٣١ - وفيه: أَنَس، أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ وَأَنَسَ بْنَ النَّضْرِ كَوَيَاهُ، وَكَوَاهُ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِهِ. وَقَالَ أَنَس مرة: أَذِنَ النَّبِىّ ﵇ لأهْلِ بَيْتٍ مِنَ الأنْصَارِ أَنْ يَرْقُوا مِنَ الْحُمَةِ وَالأذُنِ. قَالَ أَنَسٌ: كُوِيتُ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَالنَّبِىّ ﵇ حَىٌّ، وَشَهِدَنِى أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ كَوَانِى. وفيه أن ذات الجنب تداوى بالكست وتداوى بالكى أيضًا، وفى حديث أنس جواز الكى والاسترقاء، وقد تقدم ماللعلماء فى الكى فى باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو قبل هذا والحمة: سم كل شىء يلدغ، عن صاحب العين، والأذن: وجع الأذن.
- باب: حرق الحصير ليسد به الدم
/ ٣٢ - فيه: سَهْل، لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ النَّبِىّ ﵇ الْبَيْضَةُ وَأُدْمِى وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَكَانَ عَلِى يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِى الْمِجَنِّ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ، فَأَحْرَقَتْهَا، وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِ النَّبِىّ ﵇ فَرَقَأَ الدَّمُ. قال المهلب: فيه أن قطع الدم بالرماد من المعلوم القديم المعمول به
стр. 4800
لا سيما إذا كان الحصير من ديس السعدى فهى معلومه بالقبض وطيب الرائحة، فالقبض يسد أفواه الجراح وطيب الرائحة يذهب بزهم الدم وإذا غسل الدم بالماء كما فعل اولا بجرح النبى فليجمد الدم ببرد الماء إذا كان الجرح سهلا غير غائر، وأما إذا كان غائرًا فلا تؤمن فيه آفاة الماء وضررة، وكان أبو الحسن بن القابسى يقول: لوددنا أن نعلم ذلك الحصير ماكان فنجعله دواء لقطع الدم.
المؤلف: وأهل الطب يزعمون أن كل حصير إذا أحرق يقطع رماده الدم، بل الأرمدة كلها تفعل ذلك؛ لأن الرماد من شأنه القبض وقد ترجم أبو عيسى الترمذى لحديث سهل بن سعد بهذا المعنى فقال: باب التداوى بالرماد، ولم يقل باب التداوى برماد الحصير، وقد تقدم تفسير رق الدم فى باب الترسة والمجن فى كتاب الجهاد.
- باب: الحمىّ من فيح جهنم
/ ٣٣ - فيه: ابْن عُمَر، قَالَ النَّبِى ﷺ : (الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ) ، وَكَانَ عَبْدُاللَّهِ يَقُولُ: اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ. / ٣٤ - وفيه: أَسْمَاءَ، كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ قَدْ حُمَّتْ، تَدْعُو لَهَا، أَخَذَتِ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا، قَالَتْ: وَكَانَ النَّبِىّ ﵇ يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا بِالْمَاءِ. / ٣٥ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ) .
следующие страницы →