← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

فَقَالَ: (مَا اسْمُكَ) ؟ قَالَ: حَزْنٌ، قَالَ: (أَنْتَ سَهْلٌ) ، قَالَ: لا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِى. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتِ الْحُزُونَةُ فِينَا بَعْدُه. قال المؤلف: هذا الحديث يدل أن أمره عليه السام بتغيير الأسماء المكروهة ليس على وجه الوجوب، وأن ذلك على معنى الكراهية؛ لأنه لو كان على معنى الوجوب لم يجز لجد سعيد الثبات على حزن، ولاسوغ النبي ذلك، وسيأتى بعد هذا. وروى أبو دود: حدثنا مسدد، حدثنا هشيم، عن داود بن عمرو، عن عبد الله بن أبى زكريا، عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم) . ٥ - باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه / ١٨٨ - فيه: سَهْل، أُتِىَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِى أُسَيْدٍ إِلَى النَّبِي ﷺ حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَأَبُو أُسَيْدٍ جَالِسٌ، فَلَهَا النَّبِي ﵇ بِشَىْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَمَرَ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ، فَاحْتُمِلَ مِنْ فَخِذِ النَّبِي ﷺ ، فَاسْتَفَاقَ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: (أَيْنَ الصَّبِىُّ) ؟ فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: قَلَبْنَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (مَا اسْمُهُ) ؟ قَالَ: فُلانٌ، قَالَ: (لَكِنْ أَسْمِهِ الْمُنْذِرَ) ، فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ. / ١٨٩ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَقِيلَ: تُزَكِّى نَفْسَهَا، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇ زَيْنَبَ. / ١٩٠ - وفيه: ابْن الْمُسَيَّب، أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: (مَا اسْمُكَ) ؟ قَالَ: اسْمِى حَزْنٌ، قَالَ: (بَلْ، أَنْتَ سَهْلٌ) ، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِى. قال المؤلف: قد قدمنا قبل هذا أن النبي ﵇ كان

стр. 4727

يعجبه تغيير الاسم القبيح بالاسم الحسن على وجه التفاؤل والتيمن؛ لأنه كان يعجبه الفأل الحسن، وقد غير رسول الله عدة أسامى، غير برة بزينب وحول اسم عبد الله بن عمرو بن العاص إلى عبد الله كراهة لاسم العصيان الذى هو مناف لصفة المؤمن، وإنما شعار المؤمن الطاعة وسمته العبودية. قال الطبرى: فلا ينبغى لأحد أن يتسمى باسم قبيح المعنى، ولا باسم معناه التزكية والمدجح، ولا باسم معناه الذم والسب، بل الذى ينبغى أن يسمى به ما كان حقًا وصدقًا، كما أمر الذى سمى بنه القاسم أن يسميه عبد الرحمن، إذ كان الصدق الذى لا شك فيه أنه عبد الرحمن فسماه بحقيقة معناه، وإن كانت الأسماء العوارى لم توضع على المسميات لصفاتها بل للدلالة على أشخاصها خشية أن يسمع سامع باسم العاصى فيظن أن ذلك له صفة، وأنه إنما سمى بذلك لمعصية ربه، فحول ذلك ﵇ إلى ما لإذا دعى به كان صدقًا. وأما تحويله بره إلى زينب؛ فلأن ذلك كان تزكية ومدحًا فحوله إلى ما لا تزكيه فيه ولا ذم، وعلى هذا النحو سائر الأسماء التى غيرها رسول الله، فأولى الأسماء أن يتسمى بها أقربها إلى الصدق وأحرها أن لا يشكل على سامعها؛ لأن الأسماء إنما هى للدلالة والتعريف، وبهذا وردت الآثار عن النبى ﵇. روى أبو داود فى مصنفه حدثنا عن أبى وهب الخشنى - وكانت له صحبة، عن النبى ﵇ أنه قال: (أحب الأسماء إلى الله:

стр. 4728

عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبها حرب ومرة) وروى عطاء عن أبى سعيد الخدرى قال: قال النبى ﷺ : (لا تسموا أبناءكم حكما ولا أبا الحكم، فإن الله هو الجكيم العليم) . قال الطبرى: وليس تغيير رسول الله ماغير من الأسماء على وجه المنع للتسمى بها؛ بل ذلك على وجه الاختيار؛ لأن الأسماء لم يسم لها لوجود معانيها فى المسمى بها، وإنما هى للتمييز، ولذلك أباح المسلمون أن يتسمى الرجل القبيح بحسن، والرجل الفاسد بصالح، يدل على ذلك قول جد ابن المسيب للنبى ﵇ حين قال له أنت سهل: ماكنت أغير اسما سمانيه أبى، فلم يلزمه الانتقال عنه على كل حال، ولا جعله بثباته عليه آثما بربه، ولو كان آثما بذلك لجبره على النقلة عنه، إذ غير جائز فى صفته ﵇ أن يرى منكرًا وله إلى تغييره سبيل. ٦ - باب: من تسمى بأسماء الأنبياء ﵈ / ١٩١ - فيه: إِسْمَاعِيلُ، قُلْتُ لابْنِ أَبِى أَوْفَى: رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِى ﷺ ؟ قَالَ: مَاتَ صَغِيرًا، وَلَوْ قُضِىَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﵇ نَبِىٌّ عَاشَ ابْنُهُ، وَلَكِنْ لا نَبِىَّ بَعْدَهُ. / ١٩٢ - وفيه: الْبَرَاءَ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِى الْجَنَّةِ) . / ١٩٣ - وفيه: جَابِر، قَالَ النَّبيّ ﷺ : (سَمُّوا بِاسْمِى، وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى. . .) الحديث.

стр. 4729

/ ١٩٤ - وفيه: أَبُو هُرَيرَةَ، عن النَّبِىّ مثله. / ١٩٥ - وفيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ: وُلِدَ لِى غُلامٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِى ﷺ ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ. . . الحديث. / ١٩٦ - وفيه: الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، قَالَ: كسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ. ورَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِى ﵇. قال المؤلف: هذه الأحاديث تدل على جواز التسمية بأسماء الأنبياء ﵈، وقد قال سعيد بن المسيب: أحب الأسماء إلى الله أسماء الأنبياء، وقد يرد قول من كره التسمية بأسماء الأنبياء، وهى رواية جاءت عن عمر بن الخطاب، عن طريق قتادة، عن سالم بن أبى الجعد قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة ألا يتسمى أحد باسم نبى، وقد مر فى باب قوله: (تسموا باسمى، ولاتكنوا بكنيتى) . وذكر الطبرى أن حجة هذا القول حديث الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس قال النبى: (تسمون أولادكم محمدًا ثم تلعنوهم) والحكم بن عطية ضعيف، ذكره البخارى فى كتاب الضعفائ، وقال: كان أبو الوليد يضعفه، وليس قوله ﵇: (تسمون أولادكم محمدًا ثم تلعنوهم) لو صح عن النبى ﵇ بمانع أن يتسمى أحد باسم محمد، فقد أطلق ذلك وأباحه بقوله: (تسموا باسمى) وسمى ابنه إبراهيم باسم الخليل - عليل السلام وإنما فيه النهى عن أن يسمى أحد ابنه محمدًا ثم يلعنه.

стр. 4730

٧ - باب: تسمية الوليد / ١٩٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا رَفَعَ النَّبِى ﵇ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، قَالَ: (اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ. . .) الحديث. قال المؤلف: هذا الحديث يرد ماروى معمر الزهرى قال: (أراد رجل أن يسمى ابنًا له الوليد، فنهاه النبى وقال: إنه سيكون رجل اسمه الوليد يعمل فى أمتى كما عمل فرعون فى قومه) وحديث أبى هريرة أثبت فى الحجة من بلاغ الزهرى، فهو أولى منه. ٨ - باب: من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفا وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: قَالَ لىِّ النَّبِىَ ﷺ : (يَا أَبَا هر) . / ١٩٨ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (يَا عَائِشَ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلامَ) ، قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لا أَرَى. / ١٩٩ - وفيه: أَنَس، قَالَ النَّبِىّ ﷺ لأَنْجَشَةُ: (يَا أَنْجَشُ، رُوَيْدَكَ، سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ) . أما قوله ﵇: (ياعائش) (يا أنجش) فهو من باب النداء المرخم، والترخيم: نقصان أواخر الأسماء، تفعل ذلك العرب على وجه التخفيف، ولاترخم ماليس منادى إلا فى ضرورة الشعر ولاترخم من الأسماء إلا ماكان من ثلاثة أحرف؛ لأن الثلاثة أقل الأصول إلا ماكان فى آخره هاء التأنيث فإنه يرخم

стр. 4731

قلت حروفه أو كثرت، فتقول فى ترخيم عائشة وأنجشة: ياعائش، وياأنجش، وفى ترخيم مالك: يامال أقبل، ويا حار للحارث، وفى ترخيم جعفر: ياجعف أقبل فنخذف الراء وندع ماقبلها على حركته، ومن العرب من إذا رخم الاسم حذف منه آخره وجعل مابقى اسمًا على حيالة بمنزلة اسم لم يكن فيه ماحذف منه فبناه على الضم فقال: يامال، وياحار، وياجعف، فيجوز على هذا ياعائش وياأنجش. وأما قوله: (ياأبا هر) فليس من باب الترخيم، وإنما هو نقل اللفظ من التصغير والتأنيث إلى التكبير والتذكير؛ لأن أبا هريرة كناه النبى ﵇ بتصغير هرة كانت له فخطابه باسمها مذكرًا فهو وإن كا نقصانًا من اللفظ ففيه زيادة فى المعنى. ٩ - باب: الكنية للصبى وقبل أن يولد للرجل / ٢٠٠ - فيه: أَنَس، كَانَ النَّبِى ﵇ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِى أَخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ - قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمًا - وَكَانَ إِذَا جَاءَ، قَالَ: (يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ) ؟ نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلاةَ، وَهُوَ فِى بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِى تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ، وَيُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّى بِنَا. الكنية إنما هى على معنى الكرامة والتفاؤل أن يكون أبا ويكون له ابن، وإذا جاز أن يكنى الصبى فى صغره، فالرجل قبل أن يولد له أولى بذلك.

стр. 4732

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: عجلوا بكنى أولادكم لا تسرع إليهم ألقاب السوء. وهذا كله من حسن الأدب ومما يثبت الود، وفى هذا الحديث جواز المزاح مع الصبى الصغير. وفيه: جواز لعب الصبيان الصغار بالطير، واتخاذها لهم وتسليتهم بها. وفيه: استعمال النضح فيما يشك فى طهارته ولم تتيقن نجاسته. ٠ - باب: التكنى بأبى تراب وإن كانت له كنية أخرى / ٢٠١ - فيه: سَهْل، إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِىّ إِلَيْهِ لأبُو تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ ندعوه بِهَا، وَمَا سَمَّاهُ أَبُو تُرَابٍ إِلا النَّبِى ﷺ ، غَاضَبَ يَوْمًا فَاطِمَةَ، فَخَرَجَ فَاضْطَجَعَ إِلَى الْجِدَارِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَهُ النَّبِى ﵇ يَتْبَعُهُ، فَقَالَ: هُوَ ذَا مُضْطَجِعٌ فِى الْجِدَارِ، فَجَاءَهُ النَّبِى ﷺ ، وَامْتَلأ ظَهْرُهُ تُرَابًا، فَجَعَلَ النَّبِى ﵇ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ، وَيَقُولُ: (اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ) . قال المؤلف: الكنية موضوعة لإكرام المدعو بها وإتيان مسرته؛ لأنه لا يتكنى المرء إلا بأحب الكنى إليه، وهو مباح له أن يتكنى بكنيتين إن اختار ذلك ولاسيما إن كناه بإحداهما رجل صالح أو عالم، فله أن يتبرك بكنيته لأن عليا كان أحب الكنى اليه: أبا تراب. وفى هذا الحديث أن أهل الفضل قد يقع بينهم وبين أزواجه ماجبل الله عليه البشر من الغضب والحرج حتى يدعوهم ذلك إلى الخروج عن بيوتهم، وليس ذلك بعائب لهم.

стр. 4733

وفيه ما جبل الله عليه رسوله من كرم الأخلاق وحسن المعاشرة وشدة التواضع، وذلك أنه طلب عليا وأتبعه حتى عرف مكانه ولقيه بالدعابة، وقال له: (اجلس أبا تراب) ومسح التراب عن ظهره ليبسطه ويذهب غيظه وتسكن نفسه بذلك، ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته. وفيه من الفقه الرفق بالأصهار وترك معاتبتهم وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الاستئذان فى باب القائلة فى المسجد، وتقدم الحديث أيضًا فى باب نوم الرجل فى المسجد فى كتاب الصلاة. - باب: أبغض الأسماء إلى الله / ٢٠٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (أَخْنَى الأسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ) . / ٢٠٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ رِوَايَةً، قَالَ: (أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ - وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَخْنَعُ الأسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ - رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأمْلاكِ) ، قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ تَفْسِيرُهُ: شَاهَانْ شَاهْ. قال المؤلف: شاهان شاه بالفارسية هو ملك الملوك. وقد روى سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: أكره الأسماء إلى الله ملك الأملاك وإنما كان ملك الأملاك أبغض إلى الله وأكره إليه أن يسمى به مخلوق؛ لأنه صفة الله، ولا تليق بمخلوق صفاته ولا أسماؤه، ولا ينبغى أن يتسمى أحد

стр. 4734

بشيء من ذلك لأن العباد لا يصفون إلا بالذل والخضوع والعبودية وقد تقدم حديث عطاء عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى ﵇ أنه قال: (لا تسموا أبناءكم حكما ولا أبا الحكم؛ فإن الله هو الحكيم العليم) . وقوله: (أخنع الأسماء عند الله) معناه: أذل الأسماء عند الله قال صاحب الأفعال: يقال: خنع الرجل إذا ذل وأعطى الحق من نفسه. فعاتب الله من طلب الرفعة فى الدنيا بما لا يحل له من صفات ربه بالذل يوم القيامة، كما جاء فى الحديث: (إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة فى صور الذر يطوؤهم الناس بأقدامهم) . ٢ - باب كنية المشرك وَقَالَ الْمِسْوَرٌ: سَمِعْتُ النَّبِى ﵇ يَقُولُ: (إِلا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِى طَالِبٍ) . / ٢٠٤ - فيه: أُسَامَةَ، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأُسَامَةُ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ. . . الحديث، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَى سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ) - يُرِيدُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ -؟ فَعَفَا عَنْهُ النَّبِىّ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِىّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأذَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا (وَكَانَ النَّبِىّ ﵇ يَتَأَوَّلُ فِى الْعَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ. . . الحديث. / ٢٠٥ - وفيه: عباس بن عبد المطلب، قلت: يا رسول الله، هل نفعت أبا

стр. 4735

طالب بشيء؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: (نعم، هو فى ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار) . فيه: جواز كنية المشركين على وجه التألف لهم بذلك رجاء رجوعهم وإسلامهم أو لمنفعة عندهم فأما إذا لم يرج ذلك منهم فلا ينبغى تكنتيتهم، بل يلقون بالإغلاظ والشدة فى ذات الله ألا ترى قوله فى الحديث (إن النبى ﵇ كان يتأول فى العفو عنهم ماأمره الله به حتى أذن له فيهم) يعنى أذن له فى قتالهم والشدة عليهم، وآيات الشدة والقتال ناسخة لآيات الصفح والعفو. فإن قال قائل: قولك إنه لا يجوز تكنية المشرك إلا على وجه التألف له ورجاء المنفعة بذلك قول حسن، فما معنى تكنية أبى لهب فى القرآن المتلو إلى يوم القيامة، وماوجه التألف ورجاء المنفعة فى ذلك؟ قيل له: ليست تكنية أبى لهب من هذا الباب، ولا من طريق التعظيم للمكنى فى شىء، وقد تأول أهل العلم فى ذلك وجوهًا، أحدها ذكره ثعلب قال: إنما كنى الله أبا لهب؛ لأن اسمه عبد العزى، والله تعالى ولايجعله عبدًا لغيره. والثانى: أخبرت به عن الفقيه ابن أبى زمنين أنه قال: اسم أبى لهب عبد العزى، وكنيته أبو عتبة، وأبو لهب لقبه، وأنما لقب به فيما ذكر ابن عباس - لأنه وجهه كان يتلهب جمالا، فليس بكنية. والثالث: يحتمل أن تكون تكنيته من طريق التجنيس فى البلاغة ومقابلة اللفظ بما شابهه، فكنى فى أول السورة بأبى لهب؛ لقوله في آخرها:

стр. 4736

(سيصلى نارًا ذات لهب) فجعل الله ماكان يفخر به فى الدنيا ويوينه فى جماله سببًا إلى المبالغة فى خزيه وعذابه، وليس ذلك من طريق الترفيع والتعظيم. وقال الطبرى فى حديث العباس: فيه الدليل على أن الله تعالى قد يعطى الكافر عوضًا من أعماله التى مثلها تكون قربة لأهل الإيمان بالله؛ لأنه ﵇ أخبر أن عمه أبا طالب قد نفعته نصرته إياه وحياطته له أن يخفف عنه من العذاب فى الآخرة الذى لو لم ينصره فى الدنيا لم يخفف عنه، فعلم بذلك أن ذلك عوض من الله له مع كفره به لنصرته لرسوله، لا على قرابته منه، فقد كان لأبى لهب من القرابة مثل ماكان لأبى طالب، فلم ينفعه ذلك إذ كان له مؤذيا؛ بل قال تعالى: (تبت يدا أبى لهب) . والضحضاح من النار: الرقيق الخفيف، وكذلك الضحضاح من الماء، ومن كل شىء: هو القليل الرقيق منه. والدرك الأسفل من النار: الطبقة السفلى من أطباق جهنم. وقد تأول بعض السلف أن الدرك الأسفل توابيت من نار تطبق عليهم. ٣ - باب: المعارض مندوحة عن الكذب وَقَالَ أَنَس: مَاتَ ابْنٌ لأبِى طَلْحَةَ، فَقَالَ: كَيْفَ الْغُلامُ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَدَأَ نَفَسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ وَظَنَّ أَنَّهَا صَادِقَةٌ. / ٢٠٦ - فيه: أَنَس، كَانَ النَّبِى ﵇ فِى سَفَرٍ لهُ، فحْدا الحادي

стр. 4737

فَقَالَ رسُول اللَّه ﷺ : (أرفق يَا أَنْجَشَةُ - ويحك - بِالْقَوَارِيرِ) . قَالَ أَبُو قِلابَةَ: يَعْنِى النِّسَاءَ. / ٢٠٧ - فيه: وَقَالَ أَنَس مرة: (لا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ) . قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِى ضَعَفَةَ النِّسَاءِ. / ٢٠٨ - وفيه: أَنَس، كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَرَكِبَ النَّبِىّ ﵇ فَرَسًا لأبِى طَلْحَةَ، فَقَالَ: (مَا رَأَيْنَا مِنْ شَىْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا) . ذكر الطبرى فى إسناده عن عمر بن الخطاب: إن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب. وعن ابن عباس قال: ماأحب أن لى بمعاريض الكلام كذا وكذا. ومعنى مندوحة متسع. يقال منه: انتدح فلان بكذا ينتدح به انتداحًا إذا اتسع به، وقال ابن الأنبارى: يقال: ندحت الشىء إذا وسعته. وقال الطبرى: ويقال: انتدحت الغنم فى مرابضها إذا تبددت واتسعت من البطنة. وانتدح بطن فلان واندحى - يعنى: استخرى واتسع. قال المهلب: (وظن أنها صادقة) يعنى: بما وردت به من استراحة الحياة وهدوء النفس من تعب العلة، وهى صادقة فى الذى قصدته ولم تكن صادقة فيما اعتقده أبو طلحة وفهمه من ظاهر كلامها، ومثل هذا لا يسمى كذبًا على الحقيقة. وقوله فى النساء (القوارير) شبههن بها؛ لأنهن عند حركة الإبل بالحداء وزيادة مشيها به يخاف عليهن السقوط، فيحدث لهن ما يحدث بالقوارير من التكسر، وكذلك قوله: (إنه لبحر) شبه جريه بالبحر الذى لا ينقطع، فهذا كله أصل فى جواز المعاريض واستعمالها فيما يجوز ويحل، ونحو هذا ماروى عن ابن سيرين أنه قال: (كان رجل من باهلة عيونًا فرأى بغله شريح فأعجبته، فقال له

стр. 4738

شريح: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام - يعنى أن الله هو الذى يقيمها بقدرته - فقال الرجل: أف أف - يعنى أنه استصغرها والأف يقال للنتن) . وذكر الطبرى عن الثورى فى الرجل يزوره إخوانه وهو صائم فيكره أن يعلموه بصومه، وهو يحب أن يطعموه عنده، فأى ذلك أفضل؛ ترك ذلك أو إطعامهم؟ قال: إطعامهم أحب إلى، وإن شاء قام عليهم وقال: قد أصبت من الطعام. ويقول: قد تغديت - يعنى: أمس أو قبل ذلك. وقال بعض العلماء: المعاريض شىء يتخلص بها الرجل من الحرام إلى الحلال فيتحيل بها، وإنما يكره أن يحتال فى حق فيبطله أو فى باطل حتى يموهه ويشبه أمره. وقد قال إبراهيم النخعى: اليمين على نية الحالف إذا كان مظلومًا، وإن كان ظالمًا فعلى نية المحلوف له. وقد رخص رسول الله فى الكذب للإصلاح بين الناس، والرجل يكذب لامرأته، والكذب فى الحرب فيما يجوز فيه المعاريض، ماروى عن عقبة بن العيزار أنه قال: كنا نأتى فيما يجوز فيه المعاريض، ماروى عن عقبة بن العيزار أنه قال: كنا نأتى إبراهيم النخعى وكان مختفيًا من الحجاج، فكنا إذا خرجنا من عنده يقول لنا: إن سئلتم عنى وحلفتم، فاحلفوا بالله ماتدرون أين أنا ولا لنا به علم، ولا فى أى موضع هو، واعنوا أنكم لا تدرونى فى أى موضع أنا فيه قاعد أو قائم فتكونون قد صدقتم. قال عقبة: وأتاه رجل فقال: إنى آت الديوان وإنى اعترضت على دابة وقد نفقت، وهم يريدون أن يحلفونى بالله أنها هذه التى اعترضت

стр. 4739

عليها، فكيف أحلف؟ قال إبراهيم: اركب دابة واعترض عليها - يعنى: بظنك راكبًا - ثم احلف بالله أنها الدابة التى اعترضت - يعنى بظنك. وعاتبت إبراهيم النخعى امرأته فى جاريه له وبيده مروحة، فقال أشهدكم أنها لها - وأشار بالمروحة - فلما خرجنا من عنده قال: على أى شىء أشهدكم؟ قالوا: على الجارية. قال: ألم ترونى أشير بالمروحة. وسئل النخعى عن رجل مر بعشار فادعى حقا، فقال: أحلف بالمشى إلى بيت الله ما له عندك شىء، واعن مسجد حيك. وقال رجل لإبراهيم: إن الشيطان أمرنى أن آتى مكان كذا وكذا، وأنا لا أقدر على ذلك المكان فكيف الحيلة؟ قال: قل: والله ماأبصر إلا ماسددنى غيرى تعنى: إلا مابصرنى ربى. ٤ - باب: قول الرجل للشىء ليس بشىء وهو ينوى أنه ليس بحق قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ النَّبِى ﵇ للْقَبْرَيْنِ: (يُعَذَّبَانِ بِلا كَبِيرٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ) . / ٢٠٩ - فيه: عَائِشَة: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِىّ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَيْسُوا بِشَىْءٍ) ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ، يَخْطَفُهَا الْجِنِّىُّ، فَيَقُرُّهَا فِى أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا، أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ) .

стр. 4740

قال المؤلف: هذا الباب أصل لما تقوله العرب من نفيهم العمل كله إذا نفت التجويد فيه والإتقان، فتقول للصائع إذا لم يحكم صنعته: ماصنعت شيئًا، وتقول للسامر والمتكلم إذا لم يحسن القول: ماقلت شيئا. على سبيل المبالغة فى النفى، ولا يكون ذلك كذبًا كما قال ﵇ فى الكهان: (ليسوا بشىء) لما يأتون به من الكذب، يعنى الذى ليس بشىء وهو خلق موجود، وهذا الحديث نص الترجمة. وقوله ﵇: (يعذبان بلا كبير) عندكم ليسارة التحرز من البول والتحفظ منه، فنفى عنه أنه كبير لانتفاء المشقة عنا فى غسله على سبيل المبالغة فى التحرز مما يوجب العذاب، وإن صغر فى نفسه، ثم قال: (وإنه لكبير) يعنى عند الله، لو ورد الشرع بالأمر بغسل البول وأن من خالفه فقد استحق الوعيد إن لم يعف الله عنه. ٥ - باب رفع البصر إلى السماء وقوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت ( وَقَالت عَائِشَة: رَفَعَ النَّبِي ﷺ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. / ٢١٠ - فيه: جَابِر، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (ثُمَّ فَتَرَ عَنِّى الْوَحْىُ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى، سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِى إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنِى بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِىٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) . / ٢١١ - وفيه: ابن عباس: بت عند ميمونة والنَّبِىّ عندها، فَلما كَانَ ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء.

стр. 4741

قال المؤلف: هذا الباب رد على بعض أهل الزهد فى قولهم أنه لا ينبغى النظر إلى السماء تخشعًا وتذللاً لله تعالى. وروى عن عطاء السلمى أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء فحانت منه نظرة فخر مغشيًا عليه، فأصابه فتق فى بطنه. وذكر الطبرى عن إبراهيم التيمى أنه كان يكره أن يرفع الرجل بصره الس السماء فى الدعاء، قال الطبرى: ولا أؤثم فاعل ذلك؛ لأنه لم يأت بالنهى عن ذلك خبر، وإنما عن ذلك المصلى فى دعاء كان أو غيره. قال المؤلف: والحجة فى كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ثابتة بخلاف هذا القول فلا معنى له، وروى ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة، عن عمر بن عبد العزيز، عن يوسف بن عبد الله ابن سلام، عن أبيه قال: (كان رسول الله إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء) ذكره أبو داود. ٦ - باب من نكت العود فى الماء والطين / ٢١٢ - فيه: أَبُو مُوسَى، أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، وَفِى يَدِ النَّبِى ﷺ عُودٌ يَضْرِبُ بِهِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَفْتِحُ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (افْتَحْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ. . .) الحديث. قال المؤلف: من عادة العرب أخذ المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام وفى المحافل والخطب، وأنكرت الشعوبية على

стр. 4742

خطباء العرب أخذ المخصرة والإشارة بها إلى المعانى، والشعوبية طائفة تبغض العرب وتذكر مثالبها وتفضل العجم، وفى استعمال النبى ﵇ للمحضرة الحجة البالغة على من أنكرها وسأزيد فى بيان المحاضرة والعصى فى الباب بعد هذا إن شاء الله. ٧ - باب: الرجل ينكت الشىء بيده فى الأرض / ٢١٣ - وفيه: عَلِىّ، كُنَّا مَعَ النَّبِى ﷺ فِى جَنَازَةٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ فِى الأرْضَ بِعُودٍ، وَقَالَ: (لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ فُرِغَ مِنْ مَقْعَدِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) ، فَقَالُوا: أَفَلا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: (اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ،) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (الآيَةَ) [الليل: ٥] . / ٢١٤ - وفيه: أُمَّ سَلَمَةَ، اسْتَيْقَظَ النَّبِى ﵇ فَقَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجَرِ - يُرِيدُ بِهِ أَزْوَاجَهُ - حَتَّى يُصَلِّينَ. . . .) ؟ الحديث. وقد تقدم فى الباب قبل هذا أن الشعوبية تطعن على خطباء الهرب فى أخذ المخصرة عند مناقلة الكلام ومساجله الخصوم، وعابوا الإشارة بالعصا والإتكاء على أطراف القسى، وخد وجه الأرض بها والاعتماد عليها. وحديثه ﵇ أنه نكت الأرض بحضرة، وقال: (ليس منكم من أحد إلا وقد فرغ من مقعده من الجنة والنار) حجة على من أنكرها، والعصا مأخوذة من أصل كريم ومعدن

стр. 4743

شريف ولا ينكرها إلا جاهل، وقد جمع الله لموسى فى عصاه من البراهيم العظام والآيات الجسام ما آمن به السحرة المعاندون. واتخذها سليمان بن داود لخبتهه وموعظته وطول صلاته، وكان ابن مسعود صاحب عصا النبى ﵇ وعنترته، وكان النبى ﵇ يخطب بالقضيب وكفى بذلك دلايلا على شرف حال العصا، وعلى ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء، وروى عن النبى ﵇ أنه طاف بالبيت يستلم الركن بمحجنه، والمحجن: العصا المعوجه، وكانت العصا لا تفارق يد سليمان بن داود فى مصافاته وصلواته وموته، وقال مالك: كان عطاء بن يسار المخصرة يستعين بها. قال مالك: والرجل إذا كبر لم يكن مثل الشاب يتقوى بها عند قيامه وقد كان الناس إذا جاءهم المطر خرجوا بالعصى يتكئون عليها، حتى لقد كان الشباب يحبسون عصيهم، وربما أخذ ربيعة العصا من بعض من يجلس إليه حتى يقوم. وسألت المهلب عن حديث أم سلمة فقلت له: ليس فيه معنى الترجمة، قال: إنما هو مقو لمعنى الحديث الذى قبله الموافق للترجمة بالقدر السابق على كل نفس وفى كتاب مقعدها من الجنة والنار فى أم الكتاب بقوله: (ماذا أنزل الليلة من الفتن) يحذر أسباب القدر بالتعرض للفتن التى بالغ فى التحذير منها

стр. 4744

بقوله ﵇: (القاتل والمقتول فى النار) فلما ذكر أن لكل نفس مقعدها من الجنة والنار، أكد التحذير من النار بأن ذكر الناس بأقوى أسباب النار وهى الفتن والعبية فيها والتقاتل على الولاية، وما يفتح على الناس من الخزائن التى تطغى وتبطر، وليس عليه تقصير فى أن أدخل مايوافق الترجمة ثم أتبعه بما يوافق معناها. ٨ - باب التكبير والتسبيح عند التعجب وَقَالَ عُمَرَ: قُلْتُ لِلنَّبِى ﷺ : أطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: (لا) ، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ . / ٢١٥ - فيه: صَفِيَّةَ، أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِىّ ﷺ تَزُورُهُ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِى الْمَسْجِدِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِى عِنْدَ مَسْكَنِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ بِهِمَا رَجُلانِ مِنَ الأنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى النَّبِىّ ﷺ ، ثُمَّ نَفَذَا، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِىّ ﷺ : (عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِى صَفِيَّةُ) ، قَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. قال المؤلف: التكبير والتسبيح معناهما تعظيم الله وتنزيه من السوء، واستعمال عند التعجب واستعظام الأمور حسن، وفيه تمرين اللسان على ذكر الله، وذلك من أفضل الأعمال. ٩ - باب: النهى عن الحذف / ٢١٦ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِىِّ، نَهَى النَّبِى ﵇ عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: (إِنَّهُ لا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ، وَيَكْسِرُ السِّنَّ) . الحذف عند العرب: الرمى بالسبابة والابهام، وأكثر ذلك فى الرمى بالحجر، ومنه حصى الحذف فى الحج، وهذا من باب النهى عن أذى المؤمنين، وهو مثل قوله ﵇ للذى مر فى المسجد

стр. 4745

بالسهام: (أمسك بنصالها لا تعقرن بها مسلمًا) وهذا من باب أدب الإسلام. ٠ - باب: الحمد للعاطس / ٢١٧ - فيه: أَنَس، عَطَسَ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِى ﵇ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: (إِن هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَهَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ) . وترجم له باب لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله. اختلف العلماء أنه من عطس وحمد الله فإنه ينبغى لمن سمعه أن يشمته، وإنما اختلفوا فى وجوب ذلك على مايأتى بعد هذا، وأجمعوا أنه إذا لم يحمد الله أنه لا يجب على من سمعه تشميته. والتشميت عند العرب: الدعاء، قال الخليل: يقال: سمث وشمت - بالسين والشين. قال ثعلب: التشميت معناه: أبعد الله عنك الشماتة، وجنبك مايشمت به عليك، وأما التسميت فمعناه جعلك الله على سمت حسن. ١ - باب: تشميت العاطس إذا حمد الله / ٢١٨ - فِيهِ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وفيه: الْبَرَاءِ، أَمَر النَّبِى ﵇ بتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ. . . الحديث. قال المؤلف: إن قال قائل: كيف قال البخارى فى ترجمته باب

стр. 4746

تشميت العاطس إذا حمد الله، ولم يأت بذلك فى حديث البراء، وأنما دل حديث البراء على أن كل عاطس يجب تشميته، وإن لم يحمد الله؛ لقوله فيه: (أمرنا رسول الله بتشميت العاطس) وهذا لفظ عام؟ قيل له: إنما أشار البخارى إلى حديث أبى هريرة الذى لم يأت بنصه فى الباب، وذكره فى الباب بعد هذا وفى الباب الآخر الذى بعده، وفيه أن النبى ﵇ ذكر فيه التشميت للعاطس إذا حمد الله على ماتقدم فى حديث أنس قبل هذا فدل حديث أبى هريرة وأنس أن قول البراء أمرنا رسول الله بتشميت العاطس، وإن كان ظاهرة العموم فمعناه الخصوص وأن المراد به بعض العاطسين، وهم الحامدون لله تعالى كان ينبغى للبخارى أن يذكر حديث أبى هريرة بنصه فى هذا الباب ويجعله بعد حديث البراء، وهذا من الأبواب التى عجلته المنية عن تهذيبها، لكن قد فهم المعنى الذى ترجم به. ٢ - باب: ما يستحب من العاطس ويكره من التثاؤب / ٢١٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) . اختلف العلماء فى وجوب التشميت، فذهبت طائفة إلى أنه واجاب متعين على كل من سمع حمد العاطس، هذا قول أهل الظاهر، واحتجوا بهذا الحديث وقالوا: ألا ترى قوله ﵇: (فحق

стр. 4747

على كل مسلم أن يشمته) فوجب على كل سامع، وذهبت طائفة إلى أنه واجب على الكفاية، كرد السلام، هذا قول مالك وجماعة، وقال آخرون: هو إرشاد وندب وليس بواجب، وتأولوا قوله ﵇: (فحق على كل مسلم أن يشمته) أن ذلك فى حسن الأدب وكرم الأخلاق كما قال ﵇: (من حق الإبل أن تحلب على الماء) أى أن ذلك حق فر كرم المواساة لا أن ذلك فرض؛ لاتفاق أئمة الفتوى أنه لا حق فى المال سوى الزكاة. ٣ - باب: إذا عطس كيف يشمت / ٢٢٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىِّ ﷺ : (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) . اختلف السلف فيما يقول العاطس، فاختارت طائفة أن يقول: الحمد لله، على ماجاء فى الحديث، وروى ذلك عن ابن مسعود وأنس، واختارت طائفة الحمد لله رب العالمين، وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود أيضًا وهو قول النخغى، واختارت طائفة أن يقول: الحمد لله على كل حال، روى ذلك عن أبى هريرة وابن عمر، وقال ابن عمر: هكذا علمنا رسول الله. قال الطبرى: والصواب فى ذلك أن العاطس مخير فى أى هذه المحامد شاء، وقد حدثنا محمد بن عمارة، حدثنا عمرو بن حماد بن أبى طلحة، عن عمرو بن قيس، عن عطاء بن أبى رباح،

стр. 4748

عن مولى لأم سلمة، عن أم سلمة زوج النبى قالت: (عطس رجل فى جانب بيت النبى فقال: الحمد لله، فقال له النبى: يرحمك الله. ثم عطس آخر فقال: الحمد لله ربا العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فقال النبى ﷺ : (ارتفع هذا على تسع عشرة درجة) . وقد روى عن النبى كل ذلك فعله، وفعله السلف الصالحون فلم ينكر بعضهم من ذلك شيئًا على بعض، وقد اختلف أيضًا فى قول المشمت للعاطس، فقالت طائفة: يقول له يرحمك الله، يخصه بالدعاء وحده على ماجاء فى هذا الحديث، روى ذلك عن أنس ورواية عن ابن مسعود، واحتجوا أيضًا بما روى عمرو بن دينار عن عبيد ابن عمير قال: (لما فرغ الله من خلق آدم عطس آدم، فألقى عليه الحمد، فقال له ربه تعالى: يرحمك ربك) . وقالت طائفة: يعم بالتشميت العاطس وغيره روى عن إبراهيم قال: كانوا يعمون بالتشميت والسلام. وكان الحسن يقول: الحمد لله يرحكمكم الله. وقالت طائفة: يقول يرحمنا الله وإياكم، روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وسالم وابراهيم. واختلف السلف أيضًا فى الرد على المشمت فقالت طائفة: يقول يهديكم الله ويصلح بالكم على حديث أبى هريرة، روى ذلك عن أبى هريرة وكان الشعبى يقول: يهديكم الله. وأنكرت طائفة أن يقول يهديكم الله ويصلح بالكم، واختارت أن يقول: يغفر الله لنا ولكم، روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأبى وائل والنخعى وهو قول الكوفيين، واحتجوا بحديث أبى بردة بن أبى موسى عن أبيه: (أن اليهود كانوا

стр. 4749

يتعاطسون عند النبي ﵇ جاء أن يقول يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم) . وقال مالك والشافعى: إن شاء أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، أو: يغفر الله لكم لا بأس بذلك كله. وقال الطبرى: لا وجه لقول من أنكر (يهديكم الله ويصلح بالكم) لأن الأخبار بذلك عن النبى ﵇ أثبت من غيرها. واحتج الطحاوى لقول مالك بقول الله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) فإذا قال جواب قوله يرحمكم الله: يغفر لكم، فقد رد مثل ماحياه به، وإذا قال: يهديكم الله ويصلح بالكم. فقد حياة بأحسن مما حساه؛ لأن المغفرة إنما هى ستر الذنوب، والرحمة ترك العقاب عليها، ومن حصلت له الهداية وكان مهديًا، وكان بعيدًا من الذنوب، ومن أصلح باله فحاله فوق حال المغفور له، فكان ذلك أولى. ٤ - باب: إذا تثاءب فليضع يده على فيه / ٢٢١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِى ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ. . .) إلى قوله: (وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) . قال المؤلف: قد جاء فى آخر هذا الحديث معنى كراهية التثاءب وهو من أجل ضحك الشيطان منه فواجب إخزاؤه ودحره برد التثاؤب كما أمر النبى ﵇ بأن يضع يده على فيه.

стр. 4750

فإن قيل: ليس فى الحديث وضع اليد على الفم وإنما فيه (فليرده) ، وقد يمكن رده بإلاق الفم. قيل قد روى لك سفيان عن ابن عجلان، عن المقبرى، عن أبى هريرة أن النبى ﵇ قال: (العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، فإذا قال: آه آه، ضحك الشيطان من جوفه) ذكره الترمذى فى مصنفه، وقال ابن القاسم: رأيت مالكًا إذا تثاءب يضع يده على فيه، وينفث فى غير الصلاة، ولا أدرى ماكان يفعل فى الصلاة، وروى عنه فى المتسخرجة أنه كان لا ينفث فى الصلاة. ومعنى إضافة التثاؤب إلى الشيطان إضافة رضى وإرادة أى أن الشيطان يحب أن يرى تثاؤب الانسان؛ لأنها حال المثله وتغيير لصورته فيضحك من جوفه، لا أن الشيطان يفعل التثاؤب فى الانسان لأنه لا خالق للخير والشر غير الله، وكذلك كل ما جاء من الأفعال المنسوبة إلى الشيطان فإنها على معنيين إما إضافة رضى وإرادة أو إضافة بمعنى الوسوسة فى الصدر والتزيين، وقد روى أبو داود من حديث أبى سعيد الخدرى أن النبى ﵇ قال: (إذا تثاءب أحدكم فليمسك يده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل) .

стр. 4751

٦٨ - كتاب المرضى - ما جاء فى كفارة المرضى وقوله تعالى: (من يعمل سوءًا يجز به ( / ١ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا) . / ٢ - وفيه: أَبُو سَعِيد، وأَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﵇: (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ، وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) . / ٣ - وفيه: كَعْب، قَالَ النَّبِى ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالأرْزَةِ، لا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً) . / ٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: النَّبِىّ ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ كَفَأَتْهَا، فَإِذَا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ بِالْبَلاءِ، وَالْفَاجِرُ كَالأرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ) . / ٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) قال كثير من أهل التأويل فى قوله تعالى: (من يعمل سوءًا يجز

стр. 4752

به) معناه أن المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفارة، روى هذا أبى بن كعب وعائشة ومجاهد، وروى عن الحسن وابن زيد أنه فى الكفار خاصة، وحديث عائشة وأبى سعيد وأبى هريرة يشهد بصحة القول الأول، وروى عن ابن مسعود أنه قال: الوجع لا يكتب به الأجر ولكن تكفر به الخطيئة. فإن قيل: إن ظاهرة هذه الآثار يدل على أن المريض إنما يحط عنه بمرضه السيئات فقط دون زيادة. وقد ذكر البخارى فى كتاب الجهاد فى باب يكتب للمسافر ماكان يعمل فى الإقامة فى حديث أبى موسى عن النبى ﵇ أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا) وظاهرة مخالف لآثار هذا الباب لأن فى حديث أبى موسى أنه يزاد على التكفير. قيل له: ليس ذلك بخلاف وإنما هو زيادة بيان على آثار هذا الباب التى جاءت بتكفير الخطايا بالوجع لكل مؤمن لقوله ﵇: (مايصيب المؤمن من وصب ولا نصب فعم جميع المؤمنين) . وفى حديث أبى موسى معنى آخر وهو أنه من كانت له عادة من عمل صالح ومنعه الله منه بالمرض أو السفر وكانت نبيته لو كان صحيحًا أو مقيمًا أن يدوم عليه ولايقطعه، فإن الله تعالى يتفضل عليه بأن يكتب له ثوابه، فأما من لم له تنفل ولاعمل صالح فلا يدخل فى معنى الحديث لأنه لم يكن يعمل فى صحته أو لإقامته مايكتب له فى مرضه وسفره، فحديث أبى موسى المراد به الخصوص، وأحاديث هذا الباب المراد بها العموم. وكل واحد منهما يفيد معنى غير معنى صاحبه، فلا خلاف فى شىء منها، وقد بينًا معنى حديث أبى موسى فى كتاب الجهاد.

стр. 4753

قال المهلب: وأما قوله ﵇: (مثل المؤمن الخامة من الزرع يفىء ورقه من حيث أتته الريح) يعنى من حيث جاء أمر الله انطاع له ولان ورضيه، وإن جاءه مكروه رجا فيه الخير والأجر، فإذا سكن البلاء عنه اعتدل قائما بالشكر له على البلاء والاختبار وعلى المعافاة من الأمر والاجتياز ومنتظرًا لاختيار الله له ماشاء مما حكم له بخيره فى دنياه وكريم مجازاته فى أخراه، والكافر كالأرزة صماء معتدلة لا يتفقده الله باختبار بل يعافيه فى دنياه وييسر عليه فى أموره ليعسر عليه فى معاده، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه قصم الأرزة الصماء فيكون موته أشد عذابًا عليه وأكثر ألما فى خروج نفسه من ألم النفس الملينة بالبلاء المأجور عليه. والأرز من أصلب الخشب. وقال صاحب العين: الخامة: الزرع أول ماينبت على ساق واحد. - باب شدة المرض / ٦ - فيه: عَائِشَةَ، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا الْوَجَعُ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . / ٧ - وفيه: عَبْدِ اللَّهِ، رأَيْتُ النَّبِى ﵇ فِى مَرَضِهِ، وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قُلْتُ: إِنَّ ذَاكَ بِأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: (أَجَلْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلا حَاتَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ) .

стр. 4754

وترجم لحديث عبد الله باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. وقال فيه بعد قوله: (إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال: أجل إنى أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذاك أن لم لأجرين. قال أجل ذلك كذلك. .) الحديث. قال المؤلف: خص الله أنبياءه الأوجاع والأصواب لما خصهم به من قوة اليقين وشدة الصبر والاحتساب ليكمل لهم الثواب ويتم لهم الأجر وذكر عبد الرزاق من حديث أبى سعيد الخدرى: (أن رجلا وضع يده على النبى فقال: والله ماأطيق أن أضع يدى عليك من شدة حماك. فقال النبى ﷺ : إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر، إن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله، وإن كان النبي من من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباءة فيجوبها، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء) . وقوله: باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فقد روى هذا اللفظ عن النبى ﵇ رواه الترمدذى قال: حدثنا قتيبة، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن مصعب ابن سعد، عن أبيه قال: (يارسول الله، أى الناس أشد بلاء. قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا أشتد بالؤه، وإن كان فى دينه رقه ابتلى على حسبه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشى على الأرض وما عليه خطيئة) . قال الترمذى: هذا الحديث حسن صحيح، وفى الباب عن أبى هريرة وأخت حذيفة اليمان.

стр. 4755

٣ - باب: وجوب عيادة المريض / ٨ - فيه: أَبُو مُوسَى، أَنَّ النَّبِىّ ﵇ قَالَ: (أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِىَ) . / ٩ - وفيه: الْبَرَاء، أَمَرَنَا النَّبِىّ ﵇ أَنَّ نَعُودَ الْمَرِيضَ. يحتمل أن تكون عيادة المريض من فروض الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير، وهو ظاهر الكلام، ويحتمل أن يكون معناه الندب والحض على المؤاخاة والألفة كما قال ﵇: (مثل المؤمنين فى تواصلهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا تداعى منه عضو تداعى سائره) . وقد جاء فى فضل عيادة المريض آثار منها قوله قوله ﵇: (عائد المريض على مخارف الجنة) وروى مالك أنه بلغه عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله ﵇ قال: (إذا عاد الرجل المريض خاض الرحمة حتى إذا قعد عنده قرت فيه) أسنده ابن معين وابن أبى شيبة، عن هشيم، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن جابر. ٤ - باب عيادة المغمى عليه / ١٠ - فيه: جَابِر، مَرِضْتُ مَرَضًا، فَأَتَانِى النَّبِى ﵇ يَعُودُنِى وَأَبُو بَكْرٍ - وَهُمَا مَاشِيَانِ - فَوَجَدَانِى أُغْمِىَ عَلَىَّ، فَأَفَقْتُ. . . . الحديث. الإغماء كسائر الأمراض تنبغى العيادة فيه تأسيًا بالنبي عليه

стр. 4756

السلام وأبى بكر الصديق، وقوله ﵇ (عودوا المريض) يدخل فى عمومه جميع الأمراض، وفيه رد لما يعتقده عامة الناس أنه لا يجوز عندهم عيادة من مرض من عينيه وزعموا ذلك لأنهم يرون فى بيته مالا يراه هو، وحالة الإغماء أشد من حالة مرض العينين؛ لأن المغمى عليه يزيد عليه بفقد عقله، وقد جلس النبى ﵇ فى بيت جابر فى حالة إغمائه حتى أفاق وهو الحجة فيه. وفيه أن عائد المريض قد يطول فى جلوسه عند العليل إذا رأى لذلك وجهًا. ٥ - باب فضل من يصرع / ١١ - فيه: ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاء: (أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) ؟ فقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِى ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّى أُصْرَعُ، وَإِنِّى أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِى، قَالَ: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ) ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّى أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِى أَنْ لا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ تِلْكَ امْرَأَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ. قال المؤلف: فيه فضل الصع، وفيه أن اختيار البالء والصبر عليه يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه أنه يطيق التمادى على الشدة ولايضعف عن التزامها.

стр. 4757

٦ - باب: فضل من ذهب بصره / ١٢ - فيه: أَنَس، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (قَالَ اللَّهَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِى بِحَبِيبَتَيْهِ، فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ) ، يُرِيدُ عَيْنَيْهِ. هذا الحديث أيضًا حجة فى أن الصبر على البلاء ثوابه الجنة، ونعمة البصر على العبد وإن كانت من أجل الله تعالى فعوض الله عليها الجنة أفضل من نعمتها فى الدنيا لنفاذ مدة الالتذاذ بالبصر فى الدنيا وبقاء مدة الالتذاذ به فى الجنة. فمن ابتلى من المؤمنين بذهاب بصره فى الدنيا فلم يفعل ذلك به لسخط منه عليه، وإنما أراد تعالى الإحسان إليه إما بدفع مكروه عنه يكون سببه نظر عينيه لا صبر له على عقابه فى الآخرة أو ليكفر عنه ذنوبًا سلفت لا يكفرها عنه إلا بأخذ أعظم جوارحه فى الدنيا ليلقى ربه طاهرًا من ذنوبه أو ليبلغ به من الأجر إلى درجة لم يكن يبلغها بعمله وكذلك جميع أنواع البالء، فقد أخبر ﵇ أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه. وجاء عنه ﵇: (إن أهل العافية فى الدنيا يودون لو أن لحومهم قرضت بالمقاريض فى الدنيا لما يرون من ثواب الله لأهل البلاء) فمن ابتلى بذهاب بصره أو بفقد جارحه من جوارحه فليتلق ذلك بالصبر والشكر والاحتساب وليرض باختبار الله له ذلك ليحصل على أفضل العوضين وأعظم النعمتين وهى الجنة التى من صار إليها

стр. 4758

فقد ربحت تجارته وكرمت صفقته ولم يضره مالقى من شدة البلاء فيما قاده إليها. ٧ - باب عيادة النساء الرجال / ١٣ - فيه: عَائِشَةَ، لَمَّا قَدِمَ النَّبِىّ ﵇ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلالٌ، قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا، فقُلْتُ: يَا أَبَتِ، كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلالُ، كَيْفَ تَجِدُكَ؟ . . . . الحديث. حديث عائشة كان فى أول الإسلام عند قدزمهم المدينة فوجدوها وبئة فدعا لها النبى أن يصححها وينقل حماها إلى الجحفة فأجاب الله دعوته. وعيادة أم الدرداء تحمل على أنها عادت الأنصارى وهى متجالة فلا تزورون امرأة رجلا إلا أن تكون ذات محرم أو تكون متجالة يؤمن من مثلها الفتنة بها. وفيه عيادة السادة الجلة لعبيدهم؛ لأن بلالا وعامر بن فهيرة اعتقلهما أبو بكر رضى الله عنه. ٨ - باب: عيادة الأعراب / ١٤ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ النَّبِى ﵇ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِى يَعُودُهُ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِى ﵇ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ: (لا بَأْسَ طَهُورٌ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ) ، قَالَ: قُلْتَ: طَهُورٌ، كَلا بَلْ هِىَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (فَنَعَمْ إِذًا) .

стр. 4759

قال المؤلف: عيادة الأعراب داخله فى عموم قوله: (عودوا المريض) إذ هم من جملة المؤمنين. قال المهلب: وفائدة هذا الحديث أنه لا نقص على السلطان فى عيادة مريض من رعيته أو واحد من باديته ولا على العالم فى عيادة الجاهل؛ لأن الأعراب شأنهم الجهل كما وصفهم الله، ألا ترى رد هذا الأعرابى لقول النبى ﵇ وتهوينه عليه مرضه بتذكيره ثوابه عليه فقال له: بل هى حمى تفوز على شيخ كبير تزيره القبور، وهذا غاية الجهل، وقد روى معمر عن زيد بن مسلم فى هذا الحديث أن النبى حين قال للأعرابى: (فنعم إذا) أنه مات الأعرابى، وسيأتى زيادة فى هذا فى باب مايقال للمريض ومايجيب بعد. ٩ - باب: عيادة الصبيان / ١٥ - فيه: أُسَامَةَ، أَنَّ بنتًا لِلنَّبِى ﵇ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنَّ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَتْ فَاشْهَدْنَا. . . . إلى قوله:. . . . فَقَامَ النَّبِىُّ ﵇ وَقُمْنَا، فَرُفِعَ الصَّبِى فِى حَجْرِ النَّبِى ﵇ وَنَفْسُهُ تقعقع. . . قال المؤلف: فيه من الفقه عيادة الرؤساء وأهل الفضل للصبيان المرضى وفى ذلك صلة لآبائهم ولا يعدم من ذلك بركة دعائهم للمرضى وموعظة الآباء وتصبيرهم واحتسابهم لما ينزل بهم من المصائب عند الله تعالى. وهذا الحديث لم يضبطه الراوى فمرة قال: (إن بنتًا للنبى أرسلت

стр. 4760

إليه أن ابنتى قد احتضرت) ومرة قال فى آخر الحديث: (فرفع الصبى فى حجر النبى ونفسه تقعقع) ، فأخبر مرة عن صبيه ومرة عن صبى والله أعلم. - باب: عيادة المشرك / ١٦ - فيه: أَنَس، أَنَّ غُلامًا لِيَهُودى كَانَ يَخْدُمُ النَّبِى ﵇ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِى ﵇ يَعُودُهُ، فَقَالَ: (أَسْلِمْ) ، فَأَسْلَمَ. وقال سعيد بن المسيب عن أبيه: (لما حضر أبو طالب جاءه النبى ﵇ . إنما يعاد المشرك ليدعى إلى الإسلام إذا رجا إجابته إليه، ألا ترى أن اليهودى أسلم حين عرض عليه النبى الإسلام وكذلك عرض الإسلام على عمه أبى طالب، فلم يقض الله له به، فأما إذا لم يطمع بإسلام الكافر ولا رجيت إنابته فلا تنبغى عيادته. - باب إذا عاد مريضًا فحضرت الصلاة فصلى بهم جماعة / ١٧ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِى ﵇ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ يَعُودُونَهُ فِى مَرَضِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا، فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمُ أَنّ اجْلِسُوا. . . . الحديث. وقال الحميدى: هذا مسنوخ لأن النبى ﵇ آخر ماصلى قاعدًا والناس خلفه قيام.

стр. 4761

قال المؤلف: من السنة المعروفة أن صاحب المنزل يتقدم للصلاة على من حضره من الناس إلا أن يقدم غيره، وصلاة النبى بمن عاده فى مرضه هو الواجب من وجهين: أحدهما: ماذكرناه من أن صاحب المنزل أولى من غيره بالإمامة، والوجه الثانى: أن النبى لا يجوز أن يتقدمه أحد فى كل مكان، ولا يجوز اليوم لمن كان مريضًا أن يؤم أحد فى بيته جالسًا؛ لأن إمامه الجالس منسوخة عند أكثر العلماء، وقد تقدم اختلافهم فى ذلك فى كتاب الصلاة. - باب: وضع اليد على المريض / ١٨ - فيه: عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، أَنَّ أَبَاهَا قَالَ: تَشَكَّيْتُ بِمَكَّةَ شَكْوًا شَدِيدًا، فَجَاءَنِي النَّبِي ﵇ يَعُودُنِى، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّى أَتْرُكُ مَالا. . . . الحديث ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهِى وَبَطْنِى، ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ) . / ١٩ - وفيه: عَبْدُ اللَّهِ، دَخَلْتُ عَلَى النَّبِىّ ﵇ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ. . . الحديث. قال المؤلف: فى وضع اليد على المريض تأنيس له وتعرف لشدة مرضه ليدعو له العائد على حسب مايبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه فانتفع العليل به إذا كان العائد صالحًا تبرك بيده ودعائه كما فعل النبى، وذلك من حسن الأدب واللطف بالعليل وينبغى امتثال أفعال النبى ﵇ كلها والاقتداء به فيها.

стр. 4762

- باب ما يقال للمريض وما يجيب / ٢٠ - فيه: عَبْدُ اللَّهِ: أتيتُ النَّبِىّ ﵇ فِى مرضِهِ فَمَسِسْتُهُ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، وَذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: (أَجَلْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلا حَاتَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ) . / ٢١ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ، فَقَالَ: (لا بَأْسَ طَهُورٌ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ) ، فَقَالَ: كَلا، بَلْ هِىَ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ كَيْمَا تُزِيرَهُ الْقُبُورَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (فَنَعَمْ إِذًا) . قال المهلب: فيه أن السنة أن يخاطب العليل بما يسليه من ألمه وبغطة بأسقامه بتذكيره بالكفارة لذنوبه وتطهيرة من آثامه ويطمعه بالإقالة لقوله: لا بأس عليك مما تجده بل يكفر الله به ذنوبك ثم يفرج عنك فيجمع لك الأجر والعافية لئلا يسخط أقدار الله، واختياره له وتفقده إياه بأسباب الرحمة ولايتركه إلى نزعات الشيطان والسخط فربما جازاه الله بالتسخط وبسوء الظن عقابًا فيوافق قدرًا يكون سببًا إلى أن يحل به مالفظ به من الموت الذى حكم على نفسه. وقوله ﵇ لابن مسعود: (أجل) أنه ينبغى للمريض أن يحسن جواب زائره ويتقبل مايعده من ثواب مرضه ومن إقالته ولا يرد عليه بمثل مارد الأعرابى على النبى ﵇ وسيأتى فى باب يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر فى كتاب الاعتصام.

стр. 4763

- باب: عيادة المريض راكبًا وماشيًا / ٢٢ - فيه: أُسَامَةَ، أَنَّ النَّبِى ﵇ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ. . . وذكر الحديث. / ٢٣ - وفيه: جَابِر، جَاءَنِى النَّبِى ﵇ يَعُودُنِى لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلا بِرْذَوْنٍ. فيه أن عيادة المريض راكبًا وماشيًا كل ذلك سنة مرجو بركة العمل بها وثواب الأعمال على صحة النية وإخلاصها لله تعالى وإن قلت المشقة فيها. - باب: قول المريض إنى وجع، أو وارأساه أو أشتد بى الوجع وقول أيوب: (مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ( / ٢٤ - فيه: كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، مَرَّ بِىَ النَّبِى ﵇ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ الْقِدْرِ، فَقَالَ: (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَا الْحَلاقَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ أَمَرَنِى بِالْفِدَاءِ. / ٢٥ - وفيه: عَائِشَةُ، قَالَت: وَا رَأْسَاهْ، فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَىٌّ، فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ، وَأَدْعُوَ لَكِ) ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَا ثُكْلِيَاهْ، وَاللَّهِ إِنِّى لأظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِى، فَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ، لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِى بَكْرٍ وَابْنِهِ، وَأَعْهَدَ. . .) الحديث. / ٢٦ - وفيه: عبد اللَّهِ بْن مَسْعُود، دَخَلْتُ عَلَى النَّبِي ﵇ وَهُوَ يُوعَكُ،

стр. 4764

فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ قَالَ: (أَجَلْ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ) ، قَالَ: لَكَ أَجْرَانِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ إِلا حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا) . / ٢٧ - وفيه: سَعْد، جَاءَنِى النَّبِىّ ﵇ يَعُودُنِى مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِى زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. . . . الحديث. قال الطبرى: اختلف العلماء فى هذا الباب فقالت طائفة: لا أحد من ينى آدم إلا وهو يألم من الوجع ويشتكى المرض لأن نفوس بنى آدم بنيت على الجزع من ذلك والألم، فغير قادر أحد على تغييرها عما خلقها الله بارئها، ولا كلف أحد أن يكون بخلاف الجبلة التى جبل عليها، وإنما كلف العبد فى حالة المصيبة أن يفعل ماله إلى ترك فعله سبيل وذلك ترك البكاء على الرزية والتأوه من المرض والبلية. فمن تأو من مرضه أو بكى من مصيبة تحدث عليه أو فعل نظيرًا لذلك فقد خرج من معانى أهل الصبر ودخل فى معانى أهل الجزع وممن روى ذلك عنه مجاهد وطاوس، قال مجاهد: يكتب على المريض ماتكلم به حتى الأنين. وقال ليث: قلت لطلحة بن مصرف: إن طاوسًا كره الأنين فى المرض، فما سمع لطلحة أنين حتى مات. واعتلوا لقولهم بإجماع على كراهة شكوى العبد ربه على ضر ينزل به أو أشتد تحدث به، وشكواه ذلك إنما هو ذكره للناس ما امتحنه به ربه على وجه الضجر به، قالوا: فالمتوجع المتأوه فى معنى ذكراه للناس متضجرًا به أو أكثر منه به.

стр. 4765

وقال آخرون: ليس الذى قال هؤلاء بشىء وقالوا: إنما الشاكى ربه تعالى من أخبر عما أصابه من الضر والبلاء متسخطًا قضاء الله فيه، فأما من أخبر به إخوانه ليدعو له بالشفاء والعافية وأن استراحة إلى الأنين والتأوه فليس ذلك بشاك ربه، وقد شكا الألم والوجع المؤذى للنبى ﵇ وأصاحبه وأن جماعة من القدوة ممن ذكرهم البخارى فى هذا الباب وغيرهم، روى عن الحسن البصرى أنه دخل عليه أصحابه وهو يشتكى ضرسه فقال: رب مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين، وهذا القول أولى بالصواب لما يشهد له من فعل النبى وأصحابه، وأيضًا فإن الأنين من الم العلة والتأوه قد يغلبان الإنسان ولايطيق كفهما عنه، ولا يجوز إضافة موأخذة العبد به إلى الله تعالي؛ لأنه قد أخبر أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وليس فى وسع ابن آدم ترك الاستراحة إلى الأنين عند الوجع يشتد به والألم ينزل به فيؤمر به أو ينهى عن خلافه. - باب: قول المريض قوموا عنى / ٢٨ - فيه: ابْن عَبَّاس، لَمَّا حُضِرَ النَّبِىّ ﵇ وَفِى الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ) ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِى ﵇ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاخْتِلافَ عِنْدَ النَّبِى ﷺ ، قَالَ: (قُومُوا. . . .) الحديث.
следующие страницы →