Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
حق أولى بحقه، وأعظم الضرر أن يمنع أحد ملكه بغير عوض، وقد تقدم فى باب الجذام فاطلبه هناك. والرطانة: التكلم بالعجمية وقد تراطنا.
٤١ - باب: ما يذكر فى سم النبى ﵇
رواه عروة عن عائشة عن النبى ﷺ . / ٦٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ إلى النَّبِىّ ﵇ شَاةٌ فِيهَا سَمٌّ، فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (اجْمَعُوا لِى مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنَ الْيَهُودِ) ، فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنِّى سَائِلُكُمْ عَنْ شَىْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِى عَنْهُ) ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِىّ ﷺ : (مَنْ أَبُوكُمْ) ؟ قَالُوا: أَبُونَا فُلانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلانٌ) ؟ فَقَالُوا: صَدَقْتَ، وَبَرِرْتَ، فَقَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِىَّ عَنْ شَىْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِى أَبِينَا، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَهْلُ النَّارِ) ؟ فَقَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا، ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا) ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: (فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِى عَنْ شَىْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ) ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: (هَلْ جَعَلْتُمْ فِى هَذِهِ الشَّاةِ سَمًّا) ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ) ؟ فَقَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ.
стр. 4832
لا أعلم خلافًا فيمن سم طعامًا أو شرابًا لرجل فلم يمت به أنه لاقصاص عليه ولاحد، وفيه العقوبة الشديدة والأدب البالغ قدر ما يراه الإمام فى ذلك، فإن قيل: كيف وجب فيه العقوبة والنبى لم يعاقب من وضع له السم فيها؟ قيل: كان النبى (ص) لاينتقم لنفسه ما لم تنتهك لله حرمة، وكان يصبر على أذى المنافقين واليهود، وقد سحره لبيد بن الأعصم وناله من ضرر السحر مالم ينله من ضرر السم فى الشاة ولم يعاقب الذى سحره؛ لأن الله تعالى كان قد ضمن لنبيه ﵇ أنه لايناله مكروه وأن لايموت حتى يبلغ دينه ويصدع بتأدية شريعته، وكان معصوما من ضرر الأعداء قال الله تعالى: (والله يعصمك من الناس (وغيره من الناس بخلافه فهذا الفرق بينه وبين غيره ﷺ . واختلفوا فيمن سم طعامًا أو شرابًا لرجل فمات منه، فذكر ابن المنذر عن الكوفيين: إذا سقاه سمًا أو جربه به فقتله فلا قصاص عليه وعلى عاقلته الدية، وقال مالك: إذا استكرهه فسقاه سمًا فقتله فعليه القود. قال الكوفيون: ولو أعطاه إياه فشربه هو لم يكن عليه فيه شىء ولا على عاقلته من قبل أنه هو شربه. وقال الشافعى: إذا جعل السم فى طعام رجل أو شربه فأطعمه أو سقاه غير مكروه له ففيها قولان: أحدهما أن عليه القود، وهذا اشبههما والثانى: أن لاقود عليه وهو آثم لأن الآخر شربه وإن خلطه فوضعه فأكله الرجل فلا عقل ولاقود ولاكفارة، وقيل: يضمن.
стр. 4833
وفى حديث أبى هريرة الدليل الواضح على صحة نبوة نبينا ﵇ من وجه منها: إخباره عن الغيب الذى لايعلمه إلا من أعلمه الله بذلك، وذلك معرفته بأبيهم وبالسم الذى وضوعا له فى الشاة ومنها تصديق اليهود له حين أخبرهم بأبيهم، ومنها: قول اليهود له: إن كنت نبيًا لم يضرك، فرأوا أنه لم يقتله السم وتمادوا فى غيهم، ولم يؤمنوا بما رأوا من برهانه ﵇ فى السم وفى إخباره عن الغيب، وهذا الحديث يشهد بمباهة اليهود وعنادهم للحق، كما قال عبد الله بن سلام: اليهود قوم بهت.
٤٢ - باب شرب السم والدواء به ومايخاف منه والخبيث
/ ٦٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِى يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا فِى بَطْنِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) . / ٦٨ - وفيه: سَعْد، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (مَنِ اصْطَبَحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ، لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلا سِحْرٌ) . قال المؤلف: هذا الحديث يشهد لصحة نهى الله تعالى فى كتابه المؤمن عن قتل نفسه فقال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا ومن يفعل ذلك) الآية، فأما من شرب سمًا للتداوى ولم يقصد به قتل نفسه وشرب منه مقدرًا مثله، أو خلطه بغيره مما يكسر
стр. 4834
ضره فليس بداخل فى الوعيد؛ لأنه لم يقتل نفسه غير أنه يكره له ذلك لما روى الترمذى قال: حدثنا بن نصر، حدثنا ابن المبارك، عن يونس بن أبى إسحاق، عن مجاهد، عن أبى هريرة قال: (نهى النبى عن الدواء الخبيث) . قال أبو عيسى: يعنى: السم. وقد تعلق بقوله: (خالدًا مخلدًا) فى حديث أبى هريرة من أنفذ الوعيد على القاتل وهو قول روى عن قوم من الصحابة قد ذكرناهم فى أول كتاب الديات وجمهور التابعين وجماعة الفقهاء على خلافه، ولا يجوز عندهم إنفاذ الوعيد على القاتل وأنه فى مشيئة الله تعالى لحديث عباده بن الصامت على ماتقدم فى كتاب الديات. فإن قيل ظاهر حديث أبى هريرة يدل على أن قاتل نفسه مخلدًا فى النار أبدًا، قيل: هذا قول تقلده الخوارج وهو مرغوب عنه، ومن حجة الجماعة أن لفظ التأبيد فى كلام العرب لا يدل على ما توهتموه، وقد يقع البد على المدة من الزمان التى قضى الله تعالى فيها بتخليد القاتل إن أنفذ عليه الوعيد، وذلك أن العرب تجمع الأبد على آباد كما تجمع على دهور فإذا كان الأبد عندها واحد الآباد لايدل الأبد على ماقالوه، ويدل على صحة هذا إجماع المؤمنين كلهم غير الخوارج على أنه يخرج من النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من إيمان وأنه لايخلد فى النار بالتوحيد مع الكفار، فسقط قولهم. وقوله: (يجأ بها فى بطنه) قال صاحب الأفعال: وجأت البعير طعنت منخره، ووجأة وجئًا: طعنه مثل وجأه، والأصل فى المستقبل يوجأ.
стр. 4835
٤٣ - باب ألبان الأتن
/ ٦٩ - فيه: أَبُو ثَعْلَبَة، نَهَى النَّبِى ﵇ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِى نَابٍ مِنَ السَّبُعِ. وَزَادَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ هَلْ نَتَوَضَّأُ، أَوْ نَشْرَبُ أَلْبَانَ الأتُنِ، أَوْ مَرَارَةَ السَّبُعِ، أَوْ أَبْوَالَ الإبِلِ، قَالَ: قَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَدَاوَوْنَ بِهَا، فَلا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا، فَأَمَّا أَلْبَانُ الأتُنِ، فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِىّ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَلْبَانِهَا أَمْرٌ وَلا نَهْيٌ، وَأَمَّا مَرَارَةُ السَّبُعِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلانِىُّ أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِىَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِىّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِى نَابٍ مِنَ السَّبُعِ. قال المؤلف: أما قول ابن شهاب قد كان المسلمون يتداوون بها فلا يرون بذلك باسًا، فإنه اراد أبوال الإبل فإن النبى ﵇ أباح للعرنيين شربها والتداوى بها. وقوله فى أبان الأتن أن النبى ﵇ نهى عن لحومها ولم يبلغنا عن البانها أمر ولا نهى، فما نهى عن لحمه فلبنه منهى عنه؛ لأن اللبن متولد من اللحم، ألا ترى أنه استدل ابن شهاب على النهى عن مرارة السبع بنهيه ﵇ عن أكل ذى ناب من السباع، فكذلك ألبان الأتن. وقد سئل مالك عن ألبان الأتن فقال: لاخير فيها.
٤٤ - باب: إذا وقع الذباب فى إناء
/ ٧٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: (إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِى إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً) .
стр. 4836
قال المؤلف: هذا الحديث يتأول على وجهين أحدهما: حمله على ظاهرة وهو أن يكون فى أحد جناحيه داء وفى الآخر دواء كما قال ﵇، فيذهب الداء بغمسه ويحدث مع الغمس دواء الداء الذى فى الجناح الواقع أولا، وقد جاء فى بعض طرق هذا الحديث وأنه يقدم الداء. والوجه الآخر: أن يكون الداء مايحدث فى نفس الآكل من التفرز والتقدر للطعام إذا وقع فيه الذباب، والدواء الذى فى الجناح الآخر رفع التفرز والتكبر بغمسه كله فى الطعام وقله المبالاة بوقعه فيه؛ لأن الذباب لانفس لها سائله وليس فيه يخشى منه إفساد الطعام فلا معنى لتقذره، والله أعلم بما أراد النبي ﵇ من ذلك.
стр. 4837
٧٠ - كتاب الأطعمة
وقول الله تعالى: (كلوا من طيبات مارزقناكم (وقوله (أنفقوا من طيبات ما كسبتم (وقوله: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا (/ ١ - فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ ﵇: (أَطْعِمُوا الْجَائِعَ. . .) الحديث. / ٢ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: (مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ طَعَامٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ) . / ٣ - وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَصَابَنِى جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَدَخَلَ دَارَهُ، وَفَتَحَهَا عَلَى فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَخَرَرْتُ لِوَجْهِى مِنَ الْجَهْدِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِى، قَالَ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، فَأَخَذَ بِيَدِى فَأَقَامَنِى وَعَرَفَ الَّذِى بِى، فَانْطَلَقَ بِى إِلَى رَحْلِهِ، فَأَمَرَ لِى بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: (عُدْ يَا أَبَا هُرَيَرْةَ) ، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ: (عُدْ) ، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِى، فَصَارَ كَالْقِدْحِ، قَالَ: فَلَقِيتُ عُمَرَ، وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِى كَانَ مِنْ أَمْرِى، وَقُلْتُ لَهُ: فَوَلَّى اللَّهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ، وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَقْرَأْتُكَ الآيَةَ، وَلأنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ، قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لأنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ.
стр. 4838
قال المؤلف: وقع فى النسخ كلها قوله تعالى: (كلوا من طيبات ماكسبتم) ، وهو وهم من الكاتب وصواب الآيه ماذكره الله تعالى فى سورة البقرة: (ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) واختلف أهل التأويل فى معى الآية على قولين، فقالت طائفة: المراد بالطيبات الحلال. وقالت طائفة: المراد بها جيد الطعام وطيبه، وقال البراء بن عازب: كانوا يتصدقون بأردأ ثمرهم وطعامهم فنزلت الاية. وقوله: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا (تأويلها كتأويل الآية المتقدمة ولم يختلف أهل التأويل فى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لاتحرموا طيبات ماأحل الله لكم (أنها نزلت فيمن خرم على نفسه لذيذ الطعام واللذات المباحة، قال عكرمة: إنها نزلت فى عثمان بن مظعون وأصحابه حين هموا بترك النساء واللحم والخصاء وأرادوا التخلى من الدنيا والترهب، منهم على بن أبى طالب وعثمان ابن مظعون، وقد تقدم فى كتاب النكاح فى باب مايكره من التبتل والخصاء، وفى حديث أبى موسى الأمر بالمواساة وإطعام الجائع وذلك من فروض الكفاية قال الداودى: إلا أن يحتاج الرجل ولايجد مايقيمه يأخذ ذلك منه كرهًا وأن يختفى به إن لم يقدر عليه إلا بذلك، ومنه إعطاء السائل إن صادف شيئًا موضوعًا كان حقًا على المسئول أن يقبله منه، وإن لم يجد شيئًا حاضرًا وعلم المسئول أن ليس له شىء يقيمه وجب عليه أن يغنيه وإن لم يعلم حاله فليقل له قولا سديدًا، وقد تقدم فى باب فكاك الأسير في الجهاد.
стр. 4839
وفي حديث أبي هريرة إباحة الشبع عند الجوع لقوله: (فشربت حتى استوى بطنى فصار كالقدح) يعنى كالسهم يعنى فى استوائه؛ لأنه لما روى من اللبن استقام بطنه وصار كأنه سهم لأنه كان بالجوع ملتصقًا منثنيًا. وفيه: ماكان السلف عليه من الصبر من التقلل وشظف العيش والرضا ياليسير من الدنيا، ألا ترى أن أبا هريرة لم يكن له هم إلا سد عمر جوعته فقط فلما سقاه النبى حتى روى أقنعه ذلك ولم يطلب سواه، ودل ذلك على إيثارهم للبلغة من الدنيا وطلبهم للكفاية، ألا ترى قول أبى هريرة: (ما شبع آل محمد من طعام ثلاثًا حتى قبض) وسيأتى معنى هذا الحديث والآحاديث المعارضة له فى باب ماكان النبى ﵇ وأصحابه يأكلون، إن شاء الله. وفيه: سد الرجل خله أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن يسأله ذلك. وفيه أنه كان من عادتهم إذا استقر أحدهم صاحبه القرآن أن يحمله إلى بيته ويطعمه ماتيسر عنده، والله أعلم لم لم يحمل عمر أبا هريرة حين استقرأه أبو هريرة ألشغل كان به أو لأنه لم يتيسر له حيئذ مايطعمه. وقد روى عن أبى هريرة أنه قال: والله مااستقرأت عمر الآية، وأنا أقأ بها منه إلا طعمًا فى أن يذهب بى ويطعمنى. وفيه: الحرص على أفعال البر لتأسف عمر على مافاته من حمل أبى هريرة إلى بيته وإطعامة؛ إذ كان محتاجًا إلى الأكل، وأن ذلك كان أحب اليه من حمر النعم.
стр. 4840
- باب التسمية على الطعام
/ ٤ - فيه: عُمَرَ بْنَ أَبِى سَلَمَةَ، يَقُولُ: كُنْتُ غُلامًا فِى حَجْرِ النَّبِىّ ﷺ ، وَكَانَتْ يَدِى تَطِيشُ فِى الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا غُلامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِى بَعْدُ. وترجم له باب: الأكل ممايليه، قال أنس: قال النبى ﷺ : (وليأكل كل رجل مما يليه) وقال عمر بن أبى سلمه: (كنت آكل يومًا مع النبى ﵇ من نواحى الصحفة) . التسمية على الطعام سنة مؤكدة؛ لقوله ﵇: (يا غلام، سم الله، فإن نسى أن يسمى الله فى أول طعامه فليسم الله فى آخره - أو متى ذكر - وليقل: بسم الله أولا وآخر) ، وروى ذلك فى الحديث. وفيه أن الأكل ممايليه من أدب الطعام إلا أن يكون الطعام ألوانًا مختلفة فلا بأس من أيها شاء؛ لقول النبى ﵇ لعكراش لما أتو بطبق من تمر أو رطب: (كل من حيث شئت؛ فإنه غير لون واحد) ذكره ابن المنذر فى كتاب الأطعمة وذكره الترمذيفى مصنفه وقال: لايعرف لعكراش عن النبى ﵇ غير هذا الحديث. وفيه أن السنة الأكل ياليمين، وقد نهى ﵇ أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، وقال: (إن الشيطان يفعل ذلك) ، ورواه مالك، وعبيد الله، وابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ ولم يخرجه البخارى؛ لأنه قد رواه معمر وعقيل عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر ورواية مالك أصح، قال الترمذي.
стр. 4841
وذكره الطبري من حديث ابن عمر عن أبيه عن النبى ﵇ فالله أعلم لم لم يخرجه البخارى. قال الطبرى: فى هذا الحديث لايجوز الأكل والشرب باليد اليسرى إلا لمن كانت بيمين عله مانعة من استعمالها ومثله الأخذ والإعطاء بها والرفع والوضع والبطش. فإن قال قائل: (شهدت عليًا شوررا له كبد أضحية فأخذ رغيفًا بيده والكبد بالأخرى فأكل) قلنا: هذا غير دافع حقيقة ما قلناه، وذلك أن هذا الخبر إنما يدل أنه استعمل اليسرى فى وقت شغل اليمنى بالطعام، وإذا كانت كذلك فصاحبها معذور فى إعماله الأخرى فيما هو محظور عليه إعمالها فيه فى غير حال العذر كما لو كانت مقطوعة لكان له استعمال اليسرى فى مطعمه ومشربه، وماكان محظورًا عليه استعمالها فيه، وبنحو ماقلناه جاء الخبر عن عمر حدثنا سوار بن عبد الله، أخربنا يحى بن سعيد، عنعمارة بن مطرف، حدثنى يزيد بن أبى مريم، عن أبيه قال: (رأى عمر رجلا قد صوب يده اليسرى ليأكل بها، فقال: لا إلا أن تكون يدك معتلة) فرأى عمر أن لمن كانت يده معتلة أن يأكل بيسراه مثل ما لو كانت يمناه بائنة. فإن قيل: فهل روى عن أحد من السلف كراهية الأخذ والإعطاء باليسرى؟ قيل: روى ذلك نافع مولى ابن عمر، وعن عطاء قالا لاتأكل بشمالك ولاتصدق بها. قال المؤلف: روى ابن وهب، عن عمر بن محمد بن زيد قال: كان نافع يزيد فيها: (ولا تأخذن بها ولاتعطين - يعني: الشمال) .
стр. 4842
روى ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن هشام بن أبى عبد الله عن يحى بن أبى كثير، عن عبد الله بن أبى قتادة، عن أبيه (أن رسول الله نهى أن يعطى الرجل بشماله شيئًا أو يأخذ شيئًا) .
باب: من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية
فيه: أنس: أن خياطاً دعا النبي ﵇ لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله [فرأيته] يتبع الدباء من حوَالَي القصعة فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. هذا الحديث يفسر قوله ﵇ في حديث عمر بن أبي سلمة: كل مما يليك ويدل عل أن المراد بذلك إذا كان يأكل مع غير عياله ومن يتقذر جولان يده في الطعام، فأما إذا أكل مع أهله ومن لا مؤنة عليه منهم من خالص إخوانه فلا بأس أن تجول يده في الطعام استدلالا بهذا الحديث، وإنما جالت يده ﵇ في الطعام؛ لأنه علم أن أحداً لا يتكره ذلك ولا يتقززه منه؛ بل كل مؤمن ينبغي له أن يتبرك بريقه وما مسَّه بيده، ألا ترى أنهم كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلكون بها، فكذلك من لم تتقزز مؤاكلته [له] أن تجول يده في الصفحة، والله أعلم.
وقول أنس: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ فيه الحرص على التشبه بالصالحين والاقتداء بأهل الخير في مطاعمهم، واقتفاء آثارهم في جميع أحوالهم تبركاً بذلك.
стр. 4843
باب: التيمن في الأكل وغيره
فيه: عائشة: كان النبي ﵇ يحب التيمن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله وكان قال بواسط قبل هذا: في شأنه كله. معنى قول باب التيمن في الأكل وغيره يعني [باليد] اليمنى في جميع أفعاله، وكذلك في مناولة الأكل والشرب ومناولة سائر الأشياء من على اليمين وهو قول الفقهاء وقد تقدّم في كتاب الأشربة.
٥ - باب من أكل حتى شبع
/ ٧ - فيه: أَنَس، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَىْءٍ؟ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِى، وَرَدَّتْنِى بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ فِى الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ، لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: بِطَعَامٍ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتِ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﵇ حَتَّى دَخَلا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلُمِّى يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا عِنْدَكِ؟ فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا، فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ،
стр. 4844
فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلا. / ٨ - وفيه: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، ثَلاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ) ؟ قَلنا: مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ - أَوْ نَحْوُهُ - فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةٌ) ؟ - أَوْ قَالَ: هِبَةٌ - قَالَ: لا، بَلْ بَيْعٌ، قَالَ: فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ فَأَمَرَ النَّبِىّ ﵇ بِسَوَادِ الْبَطْنِ يُشْوَى، وَايْمُ اللَّهِ مَا فِى الثَّلاثِينَ وَمِائَةٍ، إِلا قَدْ حَزَّ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَهَا لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنَا وَفَضَلَ فِى الْقَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ - أَوْ كَمَا قَالَ -. / ٩ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالت: تُوُفِّي النَّبِي ﵇ حِينَ شَبِعْنَا مِنَ الأسْوَدَيْنِ الْمَاءِ وَالتَّمْرِ.
قوله: (لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفًا أعرف فيه الجوع فيه أن الأنبياء تزوى عنهم الدنيا حتى يدركهم الم الجوع ابتلاءًا واختبارًا) وقد خير رسول الله بين أن يكون نبيًا عبدًا أو نبيًا ملكًا، فأختيار أن يكون نبيًا عبدًا، وعرضت عليه الدنيا فردها واختار ماعند الله لتتأسى به أمته فى ذلك ويمتثلون زهيده فى الدنيا. وفيه سد الرجل خله إذا علم منه حاجة، نزلت به من حيث لا يسأله ذلك، وهذا من مكارم الأخلاق، وعليم النبى من أبى طلحة
стр. 4845
أنه يسره ميسرة مع أصحابه، ولذلك تلقاه أبو طلحة مسرورًا به وبأصحابه وليس العمل على هذا؛ من أجل أنه لايحتملة كل الناس ولذلك قال مالك: أنه من دعى إلى طعام وليمة أو غيرها فلا ينبغى أن يحمل معه غيره إذ لايدرى هل يسر بذلك صاحب الوليمة أم لا، إلا أن يقال له: ادع من لقيت، فمباح له ذلك حينئذ. وفيه الخروج إلى الطريق للضيف والزائر إكرامًا له وبرًا به، وفى قوله: (لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفًا أعرف فيه الجوع) دليل على جواز الشهادة على الصوت. وفيه أنه لا حرج على الصديق أن يأمر فى دار صديقه بما شاء مما يعلم أنه يسره به، ألا ترى أن اشترط عليهم أن يفتوا الخبز، وقال لأم سليم: هات ماعندك. وفيه بركة الثريد. وفيه جواز الأكل حتى يشبع الإنسان وأن الشبع مباح، وكذلك حديث عبد الرحمن بن أبى بكر وحديث عائشة جواز الشبع أيضًا وإن كان ترك الشبع فى بعض الأحايين افضل وقد وردت فى ذلك آثار عن سلمان وأبى جحيفة أن النبى ﵇ قال: (إن أكثر الناس شبعًا فى الدنيا أطولهم جوعًا فى الآخرة) . قال الطبرى: غير أن الشبع وإن كان مباحًا فإن له حدًا ينتهى إليه ومازاد على ذلك فهو سرف، فالمطلق منه ماأعان الآكل على طاعة ربه ولم يشغله ثقله عن أداء واجب عليه، وذلك دونما أثقل المعدة وثبط آكله عن خدمة ربه والأخذ بحظه من نوافل الخير، فالحق لله على عبده المؤمن أن لايتعدى فى مطعمه ومشربه ماسد الجوع وكسر الظمأ.
стр. 4846
فإن تعدى فى ذلك إلى مافوقه مما يمنعه القيام بالواجب عليه لله كان قد أسرف فى مطعمه ومشربه، وبنحو هذا ورد الخبر عن النبي ﵇ روى ابن وهب، عن ماضى بن محمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (إذا سددت كلب الجوع برغيف وكوز من الماء القراح فعلى الدنيا الدمار) وروى أبو داود عن حريثبن السائب قال: حدثنا الحسن، حدثنا حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﵇ (كل شىء فضل عن ظل بيت وجلف الخبز - يعنى: كسر الخبز - وثوب يستره فضل ليس لابن آدم منه حق) فأخبر ﵇ أن لابن آدم من الطعام ماسد به كلب جوعه، ومن الماء ما قطع ظمأه، ومن اللباس ماستر عورته، ومن المساكن ماأظله وكنه من حر وقر، وأن لاحق له فيما عدا ذلك فالمتجاوز من ذلك ما حده رسول الله خاطب على نفسه، متحمل ثقل وباله، ولو لم يكتسب المقل من الأكل إلا التخفيف من بدنه من كظ المعدة ونتن التخمة لكان حريًا به تحرى ذلك لها طلب الترويح عنها، فكيف والإكثار منه الداء العضال، وبه كان يتعاير أهل الجاهلية والإسلام، وفى حديث أنس وعبد الرحمن ابن أبى بكر علامات النبوة؛ لأنه أكل من الطعام اليسير العدد الكثير حتى شبعوا ببركة النبي ﵇.
стр. 4847
باب: (ليس على الأمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج (الآية
والنهد والاجتماع فى الطعام / ١٠ - فيه: سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ إِلَى خَيْبَرَ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ - قَالَ يَحْيَى وَهِى مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ - دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇ بِطَعَامٍ، فَمَا أُتِى إِلا بِسَوِيقٍ فَلُكْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا فَصَلَّى، بِنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْدًا وَبَدْءًا. وترجم له باب السويق. إن قال قائل: مامعنى ذكره حديث سويد بن النعمان فى هذه الترجمة قال المهلب: فالمعنى الجامع بينهما هو فأباح لهم الأكل مجتمعين ومفترقين من بيت ملكوا مفاتحة بائتمان أو قرابة أو صداقة وذلك أكل بغير مساواة. وذكر الكبى فى قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا) قال: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا عزل الأعمى على حدة والأعرج على حدة والمريض على حدة لتقصير أصحاب هذه الآفات عن أكل الاصحاء، وكانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم فنزلت هذه الآية رخصت لهم فى الأكل جميعًا. وقال عطاء بن يزيد: كان الأعمى يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعله يده فى غير موضعها، وكان الأعرج يتحرج ذلك لاتساعه فى موضع الأكل والمريض لرائحته فأباح الله تعالى لهم الأكل مع غيرهم، ومعنى الآية كمعنى حديث سويد بن النعمان سواء، ألا ترى أن النبي ﷺ )
стр. 4848
حين أملقوا فى السفر جعل أيديهم جميعًا فيما بقى من الأزواد سواء، ولايمكن أن يكون أكلهم بالسواد أصلا لاختلاف أحوالهم فى الأكل، وقد سوغهم النبي ذلك من الزيادة والنقصان فصار ذلك سنة فى الجماعات التى تدعى إلى الطعام فى النهد والولائم والإملاق فى السفر وماملكت مفاتحة بأمة أو قرابه أو صداقة، فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ووحدك، وقد تقدم تفسير النهد فى أول كتاب الشركة.
٧ - باب: الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة
/ ١١ - فيه: قَتَادَةَ، كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ، فَقَالَ: مَا أَكَلَ النَّبِىُّ ﵇ خُبْزًا مُرَقَّقًا وَلا شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ تَعَالَى. / ١٢ - وَقَالَ أَنَس مرة: مَا عَلِمْتُ النَّبِى ﵇ أَكَلَ عَلَى سُكْرُجَةٍ قَطُّ، وَلا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ، وَلا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ، قِيلَ لِقَتَادَة: فَعَلامَ كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ. / ١٣ - وفيه: أَنَس، قَامَ النَّبِى ﵇ يَبْنِى بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، أَمَرَ بِالأنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِى عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالأقِطُ وَالسَّمْنُ. / ١٤ - وَقَالَ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ: كَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ يُعَيِّرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، يَقُولُونَ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ: يَا بُنَىَّ، إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ، هَلْ تَدْرِى مَا كَانَ النِّطَاقَانِ؟ إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِى شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ، فَأَوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَحَدِهِمَا، وَجَعَلْتُ فِى سُفْرَتِهِ آخَرَ، قَالَ: فَكَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ، يَقُولُ: إِيهًا وَالإلَهِ (تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا) .
стр. 4849
/ ١٥ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ - خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَهْدَتْ إِلَى النَّبِى ﵇ سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا، فَدَعَا بِهِنَّ، فَأُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ، وَتَرَكَهُنَّ النَّبِى ﵇ كَالْمُسْتَقْذِرِ لَهُنَّ، وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا مَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِى ﷺ وَلا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ. قال المؤلف: أكل المرقق مباح ولم يجتنب النبى ﵇ أكله إلا زهدًا فى الدنيا وتركًا للتنعيم وإيثارًا عند الله كما ترك كثيرًا مما كان مباحًا له وكذلك الأكل على الخوان مباح أيضًا، وليس نفى أنس أن النبى ﵇ لم يأكل على خوان ولا أكل شاة مسموطة يرد قول من روى عن النبى ﵇ أنه أكل على خوان وأنه أكل شواء، وإنما أخبر كل بما علم. وهذا ابن عباس يقول فى الأضب أنهن أكلن على مائدة النبى، فأثبت له مائدة، وقد أنزل الله على قوم عيسى ابن مريم المائدة حين سألوه إياها، وأكل المرقق والشاة المسموطة داخل فى قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق) فجميع الطيبات حلال أكلها إلا أن يتركها تارك زهدًا وتوضعًا وشحًا على طيباته فى الآخرة أن ينتقصها فى الدنيا كما فعل النبى ﵇ وذلك مباح له. وقول ابن الزبير: (فتلك شكاة ظاهر عنك عارها) فهو قول أبى ذؤيب الهذلى: وعيرها الواشون أني أحبها
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
.
стр. 4850
وقال ابن قتيبة: لست أدرى أخذ ابن الزبير هذا من أبى ذؤيب أم ابتدأه هو، وهى كلمة مقولة. والشكأة: العيب والذم. وقوله: (ظاهر عنك عارها) لاتعلق بك ولكنه ينبو عنك وهو من قولك: ظهر فلان على السطح أى: علا عليه، وقال ثعلب أى لايلزمك عارها.
٨ - باب ما كان النبى ﷺ يأكل شيئًا حتى يسمى له فيعلم ما هو
/ ١٦ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ - سَيْفُ اللَّهِ - دَخَلَ مَعَ النَّبِىّ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ - وَهِىَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ - فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، قَدِمَتْ بِهِ إليه أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ، وَيُسَمَّى لَهُ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ) مَا قَدَّمْتُم إِلَيه. . . . وذكر الحديث. قال المؤلف: كانت العرب لاتعاف شيئًا من المآكل لقلتها عندها فلذلك كان النبى يسأل عن الطعام قبل الأكل. وفيه من الفقه أنه يجوز للإنسان تجنب مايعافه، ولم تجر بأكله عادته وإن كان حلالا ولاحرج عليه فى ذلك ولاإثم، وقد تقدمت أقوال العلماء فى أكل الضب فى كتاب الذبائح.
стр. 4851
٩ - باب: طعام الواحد يكفى الاثنين
/ ١٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِى الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاثَةِ كَافِى الأرْبَعَةِ) . يريد أنه ما شبع اثنان يكفى ثلاثة رجال ومايشبع منه ثلاثة يكفى أربعة والكفاية ليست بالشبع والاستنباط كما أنها ليست بالغنى والإكثار،، ألا ترى قول أبى حازم: ابن آدم إذا كان مايكفيك لايغنيك فليس شىء يغنيك. وقد روى لفظ الترجمة عن النبى ﵇ من حديث ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبى الزبير، عن جابر قال: سمعت النبى ﵇ يقول: (طعام الواحد يكفى الأثنين، وطعام الأثنين يكفى الأربعة، وطعام الأربعة يكفى الثمانية) . قال المهلب: والمراد بهذه الأحاديث الحض على المكارمة فى الأكل والموساة والإيثار على النفس الذى مدح الله به أصحاب نبيه، فقال: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (ولا يراد بها معنى التساوى فى الأكل والتشاح؛ لأن قوله ﵇: (كافى الثلاثة) دليل على الأثرة التى كانوا يمتدحون بها والتقنع بالكفاية، وقد هم عمر بن الخطاب فى سنة مجاعة أن يجعل مع كل أهل بيت مثلهم وقال: لن يهلك أحد عن نصف قوته. قال ابن المنذر: وحديث أبى هريرة يدل على أنه يستحب الاجتماع على الطعام وألا يأكل المرء وحده؛ فإن البركة فى ذلك على ما جاء
стр. 4852
في حديث وحشي عن النبي، وسيأتي فى باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة - إن شاء الله.
- باب: المؤمن يأكل فى معاء واحد
/ ١٨ - فيه: ابْنُ عُمَرَ كَانَ لا يَأْكُلُ حَتَّى يأْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، قَالَ نَافِعٌ: فَأَدْخَلْتُ رَجُلاً يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ: يَا نَافِعُ، لا تُدْخِلْ هَذَا عَلَىَّ، سَمِعْتُ النَّبِى ﷺ يَقُولُ: (الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِى مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) . / ١٩ - وَقَالَ عَمْرو: كَانَ أَبُو نَهِيكٍ رَجُلا أَكُولا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ النَّبِىّ ﵇ قَالَ: (إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) ، فَقَالَ: فَأَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. / ٢٠ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلاً كَثِيرًا، فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلا قَلِيلاً فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِى ﷺ ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِى مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) . قال المؤلف: ذكر ابن إسحاق قال بلغنى عن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة أن الذى قال فيه النبى هذا الحديث ثمامة بن أثال الحنفى، وذكر غيره أنه جهجاه الغفارى، والله أعلم. فإن قال قائل: مامعنى هذا الحديث وقد نجد مؤمنًا كثير الأكل كأبى نهيك وغيره، ونجد أيضًا كافرًا قليل الأكل؟ فالجواب وبالله التوفيق أن النبى ﵇ وإنما أراد بقوله: (المؤمن يأكل فى معاء واحد) المؤمن التام الإيمان؛ لأنه من حسن إسلامه وكمل إيمانه
стр. 4853
تفكر فى خلق الله له وفيما يصير إليه من الموت ومابعده، فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته، وقد روى هذا المعنى عن النبى ﵇ من حديث أبى أمامة قال أبو أمامة: سمعت النبى ﵇ يقول: (عليكم بقله الأكل تعرفون فى الآخرة، فمن كثر تفكره قل طعمه وكل لسانه ومن قل تفكره كثر طعمه وعظم ذنبه وقسا قلبه، والقلب القاسى بعيد من الله) . فأخبر ﵇ أن من تفكر فيما ينبغى له التفكر فيه من قرب أجله ومايصير إليه فى معاده قلّ طمعه وكل لسانه وحق ذلك. قوله ﵇: (المؤمن يأكل فى معاء واحد) الحض على التقلل من الدنيا والزهد فيها والقناعةبالبلغة، ألا ترى قوله ﵇: (إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذخ بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذخ بإشراف نفس كان كالذى يأكل ولا يشبع) . فدل هذا المعنى أن المؤمن الذى وصفه النبى ﵇ أنه يأكل معاء واحد هو التام الإيمان المقتصد فى مطعمه وملبسه الذى قبل وصية نبيه فأخذ المال بسخاوة نفس فبورك له فيه واستراح من داء الحرص. فإن قال قائل: فإن كان معنى الحديث ماذكرت، فما أنت قائل فيما روى عن عمر بن الخطاب أنه كان يأكل صاع تمر حتى تتبع حشفه، ولا أتم من إيمانه. قيل له: من علم بسيرة عمر وتقلله فى مطعمه وملبسه لم يعترض بهذا ولم يتوهم أن قوت عمر كل يوم كان صاع تمر؛ لأنه كان من التقلل فى مطعمه وملبسه فى ابعد الغايات، وكان أشد الناس اقتداء برسول الله فى سيرته، وإنما كان يأكل عمر
стр. 4854
الصاع فى بعض الأوقات إذا غالبه الجوع وآلمه فكثيرًا كان يجوع نفسه ولايبلغ من الكل نهمته، وقد كانت العرب فى الجاهلية تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته، قال الشاعر: يكفيه حزة فلذ ان ألم بها من الشواة ويروى شربه الغمر وقالت أم زرع فى ابن أبى زرع: وتشبعه ذراع الجفرة وقال حاتم الطائى يذم كثرة الأكل: فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا. وقد شبه الله تعالى أكل الكفار بأكل البهائم فقال تعالى: (والذين كفروا ويتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام (أى: أنهم يأكلون بالشرة والنهم كالأنعام؛ لأنهم جهال، وذلك لأن الأكل على ضربين: أكل نهمة وأكل حكمة، فأكل النهمة للشهوة فقط، وأكل الحكمة للشهوة والمصلحة.
- باب: الأكل متكأ
/ ٢١ - فيه: أَبُو جُحَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ : (لا آكُلُ مُتَّكِئًا) . إنما فعل ذلك والله أعلم توضعًا لله وتذللا له، وقد بين هذا أبو أيوب فى حديثه عن الزهرى: (أن النبى ﵇ أتاه ملك لم يأتيه قبل تلك المرة ولابعدها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًا أو ملكًا نبيًا، قال فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أن يتواضع، فقال: بل عبدًا نبيًا، فما أكل متكئاً) .
стр. 4855
وقال مجاهد: (لم يأكل النبي ﷺ متكأ قط إلا مرة، ففزع فجلس فقال: اللهم أنا عبدك ورسولك) . قال المؤلف: من أكل متكئًا فلم يأت حرامًا، وإنما يكره ذلك؛ لأنه خلاف التواضع الذى اختاره الله لأنبيائه وصفوته من خلقه، وقد أجاز ابن سيرين والزهرى الأكل متكئا.
- باب الشواء وقوله تعالى: (فجاء بعجل حنيذ (مشوي
/ ٢٢ - فيه: ابْن عَبَّاس، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِضَبٍّ مَشْوِىٍّ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ لِيَأْكُله، فَقِيلَ: إِنَّهُ ضَبٌّ. . . الحديث. قَالَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ. قال صاحب العين: حنذت اللحم أحنذه إذا شويته بالحجارة المسخنة، واللحم حنيذ حنذ، والشمس تحنذ أيضًا. وفيه: صاحب جواز أكل الشواء؛ لأنه ﵇ أهوى ليأكل منه، ولو كان مما لا يقتذر أكله غير الضب.
- باب الخزيرة
قَالَ النَّضْرُ: الْخَزِيرَةُ مِنَ النُّخَالَةِ وَالْحَرِيرَةُ مِنَ اللَّبَنِ. / ٢٣ - فيه: عِتْبَان، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَنْكَرْتُ بَصَرِى - الحديث - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْنَاهُ. . . . الحديث. وذكر الطبري أن الخزيرة شيء يتخذ كهيئة العصيدة غير أنه أرق منها.
стр. 4856
- باب الأقط
/ ٢٤ - فيه: أَنَس: بَنَى النَّبِى ﵇ بِصَفِيَّةَ، فَأَلْقَى التَّمْرَ وَالأقِطَ وَالسَّمْنَ. / ٢٥ - وفيه: ابْن عَبَّاس، أَهْدَتْ خَالَتِى إِلَى النَّبِى ﵇ ضِبَابًا وَأَقِطًا وَلَبَنًا. . . الحديث. الأقط: هو شىء يصنع من اللبن، وذلك أن يؤخذ ماء اللبن فيطبخ فكلما طفا عليه من بياض اللبن شىء جمع فى إناء فذلك الأقط، وهو أطعمة العرب.
- باب: السلق والشعير
/ ٢٦ - فيه: سَهْل، إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ، فَتَجْعَلُهُ فِى قِدْرٍ لَهَا، فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، إِذَا صَلَّيْنَا زُرْنَاهَا، فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا، وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلا نَقِيلُ إِلا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَاللَّهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلا وَدَكٌ. فيه ماكان السلف عليه من الاقتصار فى مطعمهم وتقللهم واقتصارهم على الدون من ذلك، ألا ترى حرصهم على السلق والشعير، وهذا يدل أنهم كانوا لايأكلون ذلك فى كل وقت ولم تكن همتهم اتباع شهواتهم، وإنما كانت همتهم من القوت فيما يبلغهم المحل ويدفعون سورة الجوع بما يمكن، فمن كان حريصًا أن يكون فى الآخرة مع صالح سلفه فليسلك سبيلهم وليجر على طريقتهم وليقتد بهديهم، والله أعلم.
стр. 4857
- باب: النهس وانتشال اللحم
/ ٢٧ - فيه: ابن سيرين، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، تَعَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ كَتِفًا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَقَالَ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: انْتَشَلَ النَّبِى ﵇ عَرْقًا مِنْ قِدْرٍ فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. لا يصح لابن سيرين سماع من ابن عباس ولا من ابن عمر، وإنما يسند الحديث برواية عكرمة عن ابن عباس. وقال أهل اللغة: نهس الرجل والسبع اللحم نهسًا: قبض عليه ثم نتره، والنهس والنهش عند الأصمعى واحد، وخالفه أبو زيد وغيره، فقالوا: النهس بمقدم الفم كنهس الحية، وانتشال اللحم نتفه وقطعه، يقال: نشلت اللحم من المرق نشلاً: أخرجته منه، وقال بعضهم نشلت اللحم نشلا: إذا أخذت بيدك عضوًا فانتشلت ماعليه، وتعرق اللحم: إذا أكله على عظمه.
- باب: تعرق العضد
/ ٢٨ - فيه: أَبُو قَتَادَةَ، أَنَّهُ كَانَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فِى طَرِيقِ مَكَّةَ، فَرأى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فعقره. . . . وذكر الحديث، إلى قوله: فَنَاوَلْتُ النَّبِىّ الْعَضُدَ، فَأَكَلَهَا فَتَعَرَّقَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ قال صاحب العين: تعرقت العظم وأعرقته وعرقته أعرقه عرقًا؛ أكلت ماعليه، والعراق العظم بال لحم، فإن كان عليه لحم فهو عرق.
стр. 4858
- باب: قطع اللحم بالسكين
/ ٢٩ - فيه: عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِى ﵇ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِى يَدِهِ، فَدُعِى إِلَى الصَّلاةِ، فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِى يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. هذا الحديث يرد حديث أبى معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله: (لا تقطعوا اللحم بالسكين؛ فإنه من صنيع الأعاجم، وانهشوه فإنه أهنأ وأمرأ) قال أبو داود: وهو حديث ليس بالقوى.
- باب: ما عاب النبى ﵇ طعامًا
/ ٣٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، مَا عَابَ النَّبِىُّ ﵇ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. هذا من حسن الأدب على الله تعالى لأنه إذا عاب المرء ما كرهه من الطعام فقد رد على الله رزقه، وقد يكره بعض الناس من الطعام مالايكرهه غيره، ونعم الله تعالى لا تعاب وإنما يجب الشكر عليها، والحمد لله لأجلها؛ لأنه لا يجب لنا عليه شىء منها، بل هو متفضل فى إعطائه عادل فى منعه.
- باب: النفخ فى الشعير
/ ٣١ - فيه: أَبُو حَازِم، أَنَّهُ سَأَلَ سَهْلا: هَلْ رَأَيْتُمْ فِى زَمَانِ النَّبِى ﵇ النَّقِيَّ؟ قَالَ: لا، فَقُلْتُ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَنْخُلُونَ الشَّعِيرَ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ كُنَّا نَنْفُخُهُ.
стр. 4859
وفي هذا الحديث أيضًا ماكان عليه السلف من التخشن فى مأكلهم وترك الترقيق لها والتباين فيها، وكانوا فى سعة من تنحيله؛ لأن ذلك مباح لهم فآثروا التخشن وتركوا التنعيم ليقتدى بهم من يأتي بعدهم، فخالفناهم فى ذلك وآثرنا الترقيق فى مأكلنا، ولم نرض بما رضوا به من ذلك رضوان الله عليهم فكيف نرجو اللحاق بهم؟ .
- باب: ما كان النبي ﵇ وأصحابه يأكلون
/ ٣٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَسَمَ النَّبِى ﵇ يَوْمًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا، فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَانِى سَبْعَ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أَعْجَبَ إِلَىَّ مِنْهَا، شَدَّتْ فِى مَضَاغِى. / ٣٣ - وفيه: قَيْسٍ، عَنْ سَعْدٍ، رَأَيْتُنِى مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، سابع سبعة، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلا وَرَقُ الْحُبْلَةِ - أَوِ الْحَبَلَةِ - حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِى عَلَى الإسْلامِ خَسِرْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْىِ. / ٣٤ - وفيه: أَبُو حَازِم، سَأَلْتُ سَهْلاً، هَلْ أَكَلَ النَّبِىّ ﵇ النَّقِيَّ؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﵇ النَّقِى مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﵇ مُنْخُلا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَين
стр. 4860
قَبَضَهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِى ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ. / ٣٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ. / ٣٦ - وفيه: أَنَس، مَا أَكَلَ النَّبِى ﵇ عَلَى خِوَانٍ، وَلا فِى سُكْرُجَةٍ، وَلا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ. / ٣٧ - وفيه: عَائِشَةَ، مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ. قال الطبرى: إن قال قائل: ماوجه هذه الأخبار ومعانيها وقد علمت صحة الخبر عن النبى أنه كان يرفع مما أفاء الله عليه من النضير وفدك قوته وقوت عياله لسنة ثم يجعل مافضل من ذلك فى الكراع والسلاح عدة فى سبيل الله، وأنه بين اربعة أنفس زهاء الف بعير من نصيبه مما أفاء الله عليه من أموال هوازن، وأنه ساق فى حجة الوداع مائة بعير فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه كان يأمر للأعرابى يسلم بقطيع من الغنم. هذا مع ما يكثر تعداده من عطاياه التى لايذكر مثلها عمن تقدم قبله من ملوك الأمم السالفة مع كونه بين ارباب الأموال الجسام كابى بكر الصديق وعمر وعثمان وأمثالهم فى كثرة الأموال وبذلهم مهجهم وأولادهم، وخروج أحدهم من جميع ماله تقربا إلى الله تعالى مع إشراك الأنصار فى أموالهم من قدم عليهم من المهاجرين وبذلهم نفائسها فى ذات الله، فكيف بإنفاقها على رسول الله
стр. 4861
وبه إليها الحاجة العظمى، وأنكر النكير تضاد الآثار فى ذلك إذ غير جائز اجتماع قشف المعيشة وشظفها والرخاء والسعة فيها فى حال واحدة؟ . قيل: كل هذه الأخبار صحاح ولاشىء منها يدفع غيره ولاينقصه فأما حديث سعد قال: (رأيتنى مع النبى ﵇ مالنا طعام إلا ورق الحبلة) وغيرها من الأحاديث أنه كان ﵇ يظل اليوم يتلوى من الجوع مايجد مايملأ بطنه، فإن ذلك كان يكون فى الحين بعد الحين من أجل أن من كان منهم ذا مال كانت تستغرق نوائب الحقوق وماله وموساة الضيفان، ومن قدم عليهم من وفود العرب حتى يقل كثيره أو يذهب جميعه. وكيف لا يكون كذلك وقد روينا عن عمر أن النبى أمر بالصدقة فجاء أبو بكر الصديق بجميع ماله فقال: هذا صدقة لله، فكيف يستنكر لمن هذا فعله أن يملق صاحبه ثم لا يجد السبيل إلى سد جوعته وإرفاقه بمايغنيه؛ وعلى هذه الخليفة كانت خلائق أصحابه، كالذى ذكر عن عثمان أنه كهز جيشًا من ماله حتى لم يفقدوا حبلا ولاقتبًا، وكالذى روى عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله حث على الصدقة فجاء بأربعة آلاف دينار صدقة، فمعلوم أن من كانت هذه أخلاقه وأفعاله أنه لا يخطئه أن تأتى عليه التارة من الزمان والحين من الايام مملقًا لاشىء له، إلا أن يثوب له مال. فبان خطأ قول القائل: كيف يجوز أن يرهن النبى درعه عند اليهود بوسق شعير، وفى أصحابه من أهل الغنى والسعة من لايجهل موضعه؟ أم كيف يجوز أن يوصف أنه كان يطوى الأيام ذوات العدد خميصًا وأصحابه يمتهنون أموالهم لمن هو دونه من أصحابه، فكيف له
стр. 4862
إذ كان معلومًا وجوده وكرمه ﵇ وإيثاره ضيفانه القادمين عنده من الأقوات والأموال على نفسه. واحتماله المشقة والمجاع فى ذات الله، ومن كان كذلك هو واصحابه فغير مستنكر لهم حال ضيق يحتاجون معها إلى الاستسلاف وإلى طى الأيام على المجاعة والشدة وأكلهم ورق الحبلة. فأما ما روى عنه: (أنه لم يشبع من البر ثلاثة أيام تباعًا حتى قبض) فإن البر كان بالمدينة قليلاً، وكان الغالب عليهم الشعير والتمر فغير نكير أن يؤثر قوت أهل بلده ويكره أن يخص نفسه لما لاسبيل للمسلمين إليه من الغذاء، وهذا هو الأشبه بأخلاقه ﵇. وما روى عنه أنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، فإن ذلك لم يكن منه فى كل أحواله لعوز ولا ضيق وكيف ذلك وقد كان الله أفاء عليه قبل وفاته بلاد العرب كلها ونقل إليه الخراج من بعض بلاد العجم كأيله والبحرين وهجر؛ ولكن كان بعضه لما وصفت من إيثار نوائب حقوق الله، وبعضه كراهية منه الشبع وكثرة الأكل، فإنه كان يكرهه ويؤدب أصحابه به. وروى عن زيد وهب، عن عطية بن عامر الجهنى قال: (أكره سلمان على طعام يأكله فقال: حسبى؛ فإنى سمعت النبى ﵇ يقول: إن أكثر الناس شبعًا فى الدنيا أطولهم جوعًا
стр. 4863
في الآخرة) وروى أسد ابن موسى من حديث عون بن أبى جحيفة عن أبيه قال: (أكلت ثريدة بر بلحم سمين، فأتيت النبى ﵇ وأنا أتجشأ، فقال: اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة، فإن أكثر الناس شبعًا فى الدنيا أطولهم جوعًا فى الآخرة) فما أكل أبو جحيفة ملىء جحيفة ملء بطنه فارق الدنيا كان إذا تغذى لايتعشى وإذا نعتشى لايتغدى. وعلى إيثار الجوع وقله الشبع مع وجود السبيل إليه مرة وعدمه أخرى مضى الخيار من الصحباة والتابعين، وروى وهب بن كيسان، عن جابر قال: (لقينى عمر بن الخطاب ومعى لحم اشتريته بدرهم، فقال: ما هذا؟ فقلت: ياأمير المؤمنين، اشتريته للصبيان والنساء. فقال عمر: لا يشتهى أحدكم شيئًا إلا وقع فيه أو لا يطوى أحدكم بطنه لجاره وابن عمه، أين تذهب عنكم هذه الآية: (أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) ؟ . وقال هشيم عن منصور، عن ابن سيرين: (أن رجلاً قال لابن عمر: اجعل جوارشنا؟ قال: ما هو؟ قال: شىء إذا كظمك الطعام فأصبت منه سهل عليك. قال ابن عمر: ماشبعت منذ أربعة أشهر، وماذاك إلا أكون له واجدًا، ولكنى عهدت قومًا يشبعون مرة ويجوعون مرة) . وقال الزهرى: (إن عبد الله بن مطيع قال لصفية: لو ألطفت هذا الشيخ - يعنى ابن عمر - قالت: إن عبد الله بن مطيع قال لصفية: لو ألطفت هذا الشيخ - يعنى ابن عمر - قالت: قد أعيانى أن لا يأكل إلا ومعه آكل فو كلمته. قال: فكلمته، فقال: الآن تأمرنى بالشبع ولم يبق من عمرى إلا ظمء حمار، فما شبعت منذ ثمانى سنين) . وقال مجاهد: لو أكلت كل ماأشتهى ماسويت حشفة. وقال الفضيل: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الأكل والكلام. وقوله: (ثم أصبحت بنو أسد تعزرنى على الإسلام) يعنى: يقومونى عليه ويعلمونيه، من قولهم: (عزر السلطان فلانًا إذا أدبه وقومه) . وأصل العزير التأديب، ولهذا سمى الضرب دون الحد
стр. 4864
تعزيرًا، وكان هذا القول عن سعد حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر وقالوا: إنه لايحسن الصلاة وعمر بن الخطاب من بنى أسد. وفيه من الفقه أنه لابأس أن يذكر الرجل فضائله وسوابقه فى الإسلام عندما ينتقصه أهل الباطل ويضعون من قدره، ولايكون ذكره لفضائله من باب الفخر المنهى عنه. وقال صاحب العين: الحبلة: بضم الحاء ثمر العضاة، والحبلة: بفت الحاء والباء قضبان الكرم. وقال أبو حنيفة: الزرجون حبلة وجمعها حبل. وقال صاحب العين: والحبلة أيضًا ضرب من الشجر. وقوله: (شاة مصلية) يعنى: مشوية، يقال: صليت اللحم أصلية صليا: شويته، فالصلاء: الشواء، وأصليته: ألقيته فى النار.
باب التلبينة
/ ٣٨ - فيه: عَائِشَةَ، سَمِعْتُ النَّبِى ﷺ يَقُول: (التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ) . وقد تقدم فى كتاب الطب.
- باب الثريد
/ ٣٩ - فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِي ﷺ : (كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) .
стр. 4865
/ ٤٠ - وفيه: أَنَس، قَالَ النَّبِى ﷺ : (فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) . / ٤١ - وفيه: أَنَس، دَخَلْتُ مَعَ النَّبِى ﵇ عَلَى غُلامٍ لَهُ خَيَّاطٍ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَصْعَةً فِيهَا ثَرِيدٌ، قَالَ: وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ. . . . الحديث. قال المؤلف: الثريد أزكى الطعام بركة، وهو طعام العرب وقد شهد له النبى بالفضل على سائر الطعام وكفى بذلك تفضيلا له وشرفًا. فإن قال قائل: فقد شهد النبى ﵇ بالكمال لمريم وآسية، ثم قال: (وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ولايبين فى ظاهر هذا اللفظ تفضيل مريم وآسية على عائشة ولافضل عائشة عليهما. فالجواب فى ذلك أن التفضيل لا يدرك بالرأى، وإنما يؤخذ بالتوقيف، فإذا عدم التوقيف بالقطع فى ذلك رجع إلى الدلائل، وقد اختلفت الدلائل فى ذلك لاحتمال اللفظ للتأويل. فمما استدل به من فضل مريم على عائشة قوله تعالى لمريم: (إن الله اصطفاك) أى: اختارك وطهرك من الكفر، عن مجاهد والحسن. وقيل: وطهرك من الأدناس: الحيض والنفاس، عن الزجاج وغيره. وقوله: (واصطفاك على نساء العالمين) يدل على تفضيلها على جميع نساء الدنيا؛ لأن العالمين جمع عالم، ألا ترى أن الله جعلها وأبنها آية أن ولدت من غير فحل، وهذا شىء لم يخص به غيرها من نساء الدنيا وجاءها جبريل ولم يأت غيرها من النساء قال تعالى: (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا. .) إلى (زكياً) .
стр. 4866
وقال ابن وهب صاحب مالك صاحب مالك بنوتها واختاره أبو إسحاق الزجاج وهو إمام سنة، وهو قول أبى بكر بن اللباد فقيه المغرب، وقول أبى محمد بن أبى زيد، وأبى الحسن بن القابس، وعلى هذا القول يكون أول الحديث على العموم فى مريم وآسية وآخره على الخصوص فى عائشة، ويكون المعنى فضل مريم ولآسية على جميع نساء كل عالم، وفضل عائشة على نساء عالمها خاصة. وأبى هذا طائفة أخرى، وقالوا: بفضل عائشة على جميع النساء ولم يقولوا بنبوة مريم ولا أحد من النساء، وحملوا آخر الحديث على العموم وأوله على الخصوص وقالوا: قوله تعالى: (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك) و (اصطفاك على نساء العالمين) يعنى عالم زمانها وهو الحسن وابن جريح، ويكون قوله: (فضل عائشة) على نساء الدنيا كلها، ومن حجتهم على ذلك قوله : (كنتم خير أمة أخرجن للناس) فعلم بهذا الخطاب أن المسلمين أفضل جميع الأمم، ألا ترى قوله : (وكذلك جعلناهم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس) والوسط: العدل عند أهل التأويل فدل هذا كله أن من شهد له النبى بالفضل من أمته وعينه فهو أفضل ممن شهد له بالفضل من الأمم الخالية، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: (يا نساء النبى لستن كأحد من النساء) فدل عموم هذا اللفظ على فضل أزواجه على كل من قبلهن وبعدهن، وأجمعت الأمة أن نبينا محمدًا أفضل من جميع الأنبياء، فكذلك نساؤه لهن من الفضل على سائر الدنيا ماللنبى على سائر الأنبياء، وقد صح أن نساءه معه فى الجنة، ومريم مع ابنها، وابنها فى الجنة، ودرجة
стр. 4867
محمد في الجنة فوق درجة هؤلاء كلهم. والله أعلم بحقيقة الفضل فى ذلك.
- باب: الشاة المسموطة والكتف والجنب
/ ٤٢ - فيه: قَتَادَةَ، كُنَّا نَأْتِى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، ثُمّ قَالَ: كُلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِى ﵇ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ. / ٤٣ - وفيه: جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَدُعِىَ إِلَى الصَّلاةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. إن قال قائل: كيف يتفق قول أنس بن مالك: (ما أعلم أن الرسول رأى سميطًا بعينه قط) مع قول عمرو بن أمية: (أنه رأى النبى ﵇ يحتز من كتف شاة) مع ما روى الترمذى قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانى حدثنا حجاج بن محمد حدثنا ابن جريج أخبرنى محمد بن يوسف أن عطاء بن يسار أخبره أن أم سلمة أخبرته: (أنها قربت إلى رسول الله ﵇ جنبًا مشويًا، فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ) قال الترمذى: وهذا حديث صحيح غريب، وفى الباب عن عبد الله بن الحارث والمغيرة وأبى رافع. قال المؤلف: فالجواب أن قول أنس يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون النبى ﵇ لم يتفق له قط أن تسمط له شاة بكمالها، لأنه قد احتز من الكتف مرة ومن الجنب أخرى، وذلك لحم مسموط لا محالة. والثانى: أن أنسًا قال: لا أعلم ولم يقطع
стр. 4868
على أن النبي ﷺ لم يأكل لحمًا مشويًا، فأخبربما علم وأخبر عمرو ابن أمية أم سلمه وغيرها أنه رأى النبى يحتز من الكتف والجنب المشوى، وكل واحد أخبر بما علم، وليس قول أنس برافع قول من علم لأن من علم حجه على من لم يعلم؛ لأنه زاد عليه فوجب قبول الزيادة. والمسموطة: المشوية بجلها، قال صاحب العين: سمطت الجمل أسمطة سمطأط: تنقيته من الصوف بعد إدخاله فى الماء الحار. وقال صاحب الأفعال: سمطت الجدى، وغيره: علقه من السموط، وهى معاليق من سيور تعلق من السرج.
- باب ما كان السلف يدخرون فى بيوتهم وأسفارهم من الطعام واللحم وغيره
وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ: صَنَعْنَا لِلنَّبِى ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ سُفْرَةً. / ٤٤ - فيه: عَائِشَةَ، سئلت أَنَهَى النَّبِى ﷺ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الأضَاحِى فَوْقَ ثَلاثٍ، قَالَتْ: مَا فَعَلَهُ إِلا فِى عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِى الْفَقِيرَ، وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الْكُرَاعَ، فَنَأْكُلُهُ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ، قِيلَ مَا اضْطَرَّكُمْ إِلَيْهِ؟ فَضَحِكَتْ، قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﵇ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ. / ٤٥ - وفيه: جَابِر، كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْهَدْىِ عَلَى عَهْدِ رسُول اللَّه ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ. هذا الباب رد على الصوفية فى قولهم إنه لايجوز ادخالر طعام الغد، وأن المؤمن الكامل الإيمان لا يستحق اسم الولاية لله حتى
стр. 4869
يتصدق بما فضل عن شبعه ولا يترك طعامًا لغد ولايصبح عنده شىء من عين ولا عرض ويمسى كذلك ومن خالف ذلك فقد اساء الظن بالله ولم يتوكل عليه حق توكله، وهذه الآثار ثابتة بإدخار الصحابة وتزود النبى وأصحابه فى أسفارهم وهى المقنع والحجة الكافية فى رد قولهم، والله الموفق. وقد تقدم فى كتاب الخمس فى حديث مالك بن أوس بن الحدثان قول عمر لعلى والعباس حين جاءا يطلبان ماأفاء الله على رسوله من بنى النضير إلى قول عمر: (فكان النبى ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال) وقد صح بهذا إدخاره ﵇ لأهله قوت سنتهم وفيه الأسوة الحسنة، وفى باب نفقة نساء النبى ﵇ وبعد وفاته. فى كتاب الخمس أيضًا استقصاء الحجة فى هذه المسألة والأحاديث المعارضة.
- باب الحيس
/ ٤٦ - فيه: أَنَس: (أَنَّ النَّبِىّ ﷺ بنى بصفية بنت حى بالصهباء حين أقبلنا من خيبر صنع حيسا فِى نطع ثُمَّ أرسلنى فدعوت رجالاً فأكلوا. . الحديث) . والحيس عند العرب خلط الأقط بالسمن والتمر تقول حته حيسًا وحيسة، عن صاحب العين، وقد تقدم فى النكاح.
стр. 4870
- باب الأكل فى إناء مفضض
/ ٤٧ - فيه: ابْن أَبِى لَيْلَى، أَنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى فَسَقَاهُ مَجُوسِىٌّ فَلَمَّا وَضَعَ الْقَدَحَ فِى يَدِهِ رَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ: لَوْلا أَنِّى نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَيْنِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أَفْعَلْ هَذَا، وَلَكِنِّى سَمِعْتُ النَّبِى ﵇ يَقُولُ: (لا تَشْرَبُوا فِى آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِى صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَلَك فِى الآخِرَةِ) . قد تقدم هذا فى كتاب الأشربة روى ابن القاسم عن مالك أنه كره مداهن الفضة، والاستجمار فى آنية الفضة، والمرأة فيها حلقة فضة لنهيه ﵇ عن استمال آنية الذهب والفضة، وقال: هى لهم فى الدنيا يعنى الكفار ولكم فى الآخرة.
- باب ذكر الطعام
/ ٤٨ - فيه: أَبُو مُوسَى، قال النَّبِىّ ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلِ التَّمْرَةِ، لا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ. . .) الحديث. / ٤٩ - وفيه: أَنَس، قَالَ النَّبِى ﷺ : (فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) . / ٥٠ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ. . .) . قال المؤلف: معنى هذه الترجمة - والله أعلم - إباحة أكل الطعام
следующие страницы →