Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
وقال ابن وهب صاحب مالك صاحب مالك بنوتها واختاره أبو إسحاق الزجاج وهو إمام سنة، وهو قول أبى بكر بن اللباد فقيه المغرب، وقول أبى محمد بن أبى زيد، وأبى الحسن بن القابس، وعلى هذا القول يكون أول الحديث على العموم فى مريم وآسية وآخره على الخصوص فى عائشة، ويكون المعنى فضل مريم ولآسية على جميع نساء كل عالم، وفضل عائشة على نساء عالمها خاصة. وأبى هذا طائفة أخرى، وقالوا: بفضل عائشة على جميع النساء ولم يقولوا بنبوة مريم ولا أحد من النساء، وحملوا آخر الحديث على العموم وأوله على الخصوص وقالوا: قوله تعالى: (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك) و (اصطفاك على نساء العالمين) يعنى عالم زمانها وهو الحسن وابن جريح، ويكون قوله: (فضل عائشة) على نساء الدنيا كلها، ومن حجتهم على ذلك قوله : (كنتم خير أمة أخرجن للناس) فعلم بهذا الخطاب أن المسلمين أفضل جميع الأمم، ألا ترى قوله : (وكذلك جعلناهم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس) والوسط: العدل عند أهل التأويل فدل هذا كله أن من شهد له النبى بالفضل من أمته وعينه فهو أفضل ممن شهد له بالفضل من الأمم الخالية، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: (يا نساء النبى لستن كأحد من النساء) فدل عموم هذا اللفظ على فضل أزواجه على كل من قبلهن وبعدهن، وأجمعت الأمة أن نبينا محمدًا أفضل من جميع الأنبياء، فكذلك نساؤه لهن من الفضل على سائر الدنيا ماللنبى على سائر الأنبياء، وقد صح أن نساءه معه فى الجنة، ومريم مع ابنها، وابنها فى الجنة، ودرجة
стр. 4867
محمد في الجنة فوق درجة هؤلاء كلهم. والله أعلم بحقيقة الفضل فى ذلك.
- باب: الشاة المسموطة والكتف والجنب
/ ٤٢ - فيه: قَتَادَةَ، كُنَّا نَأْتِى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، ثُمّ قَالَ: كُلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِى ﵇ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ. / ٤٣ - وفيه: جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَدُعِىَ إِلَى الصَّلاةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. إن قال قائل: كيف يتفق قول أنس بن مالك: (ما أعلم أن الرسول رأى سميطًا بعينه قط) مع قول عمرو بن أمية: (أنه رأى النبى ﵇ يحتز من كتف شاة) مع ما روى الترمذى قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانى حدثنا حجاج بن محمد حدثنا ابن جريج أخبرنى محمد بن يوسف أن عطاء بن يسار أخبره أن أم سلمة أخبرته: (أنها قربت إلى رسول الله ﵇ جنبًا مشويًا، فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ) قال الترمذى: وهذا حديث صحيح غريب، وفى الباب عن عبد الله بن الحارث والمغيرة وأبى رافع. قال المؤلف: فالجواب أن قول أنس يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون النبى ﵇ لم يتفق له قط أن تسمط له شاة بكمالها، لأنه قد احتز من الكتف مرة ومن الجنب أخرى، وذلك لحم مسموط لا محالة. والثانى: أن أنسًا قال: لا أعلم ولم يقطع
стр. 4868
على أن النبي ﷺ لم يأكل لحمًا مشويًا، فأخبربما علم وأخبر عمرو ابن أمية أم سلمه وغيرها أنه رأى النبى يحتز من الكتف والجنب المشوى، وكل واحد أخبر بما علم، وليس قول أنس برافع قول من علم لأن من علم حجه على من لم يعلم؛ لأنه زاد عليه فوجب قبول الزيادة. والمسموطة: المشوية بجلها، قال صاحب العين: سمطت الجمل أسمطة سمطأط: تنقيته من الصوف بعد إدخاله فى الماء الحار. وقال صاحب الأفعال: سمطت الجدى، وغيره: علقه من السموط، وهى معاليق من سيور تعلق من السرج.
- باب ما كان السلف يدخرون فى بيوتهم وأسفارهم من الطعام واللحم وغيره
وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ: صَنَعْنَا لِلنَّبِى ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ سُفْرَةً. / ٤٤ - فيه: عَائِشَةَ، سئلت أَنَهَى النَّبِى ﷺ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الأضَاحِى فَوْقَ ثَلاثٍ، قَالَتْ: مَا فَعَلَهُ إِلا فِى عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِى الْفَقِيرَ، وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الْكُرَاعَ، فَنَأْكُلُهُ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ، قِيلَ مَا اضْطَرَّكُمْ إِلَيْهِ؟ فَضَحِكَتْ، قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﵇ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ. / ٤٥ - وفيه: جَابِر، كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْهَدْىِ عَلَى عَهْدِ رسُول اللَّه ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ. هذا الباب رد على الصوفية فى قولهم إنه لايجوز ادخالر طعام الغد، وأن المؤمن الكامل الإيمان لا يستحق اسم الولاية لله حتى
стр. 4869
يتصدق بما فضل عن شبعه ولا يترك طعامًا لغد ولايصبح عنده شىء من عين ولا عرض ويمسى كذلك ومن خالف ذلك فقد اساء الظن بالله ولم يتوكل عليه حق توكله، وهذه الآثار ثابتة بإدخار الصحابة وتزود النبى وأصحابه فى أسفارهم وهى المقنع والحجة الكافية فى رد قولهم، والله الموفق. وقد تقدم فى كتاب الخمس فى حديث مالك بن أوس بن الحدثان قول عمر لعلى والعباس حين جاءا يطلبان ماأفاء الله على رسوله من بنى النضير إلى قول عمر: (فكان النبى ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال) وقد صح بهذا إدخاره ﵇ لأهله قوت سنتهم وفيه الأسوة الحسنة، وفى باب نفقة نساء النبى ﵇ وبعد وفاته. فى كتاب الخمس أيضًا استقصاء الحجة فى هذه المسألة والأحاديث المعارضة.
- باب الحيس
/ ٤٦ - فيه: أَنَس: (أَنَّ النَّبِىّ ﷺ بنى بصفية بنت حى بالصهباء حين أقبلنا من خيبر صنع حيسا فِى نطع ثُمَّ أرسلنى فدعوت رجالاً فأكلوا. . الحديث) . والحيس عند العرب خلط الأقط بالسمن والتمر تقول حته حيسًا وحيسة، عن صاحب العين، وقد تقدم فى النكاح.
стр. 4870
- باب الأكل فى إناء مفضض
/ ٤٧ - فيه: ابْن أَبِى لَيْلَى، أَنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى فَسَقَاهُ مَجُوسِىٌّ فَلَمَّا وَضَعَ الْقَدَحَ فِى يَدِهِ رَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ: لَوْلا أَنِّى نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَيْنِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أَفْعَلْ هَذَا، وَلَكِنِّى سَمِعْتُ النَّبِى ﵇ يَقُولُ: (لا تَشْرَبُوا فِى آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِى صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَلَك فِى الآخِرَةِ) . قد تقدم هذا فى كتاب الأشربة روى ابن القاسم عن مالك أنه كره مداهن الفضة، والاستجمار فى آنية الفضة، والمرأة فيها حلقة فضة لنهيه ﵇ عن استمال آنية الذهب والفضة، وقال: هى لهم فى الدنيا يعنى الكفار ولكم فى الآخرة.
- باب ذكر الطعام
/ ٤٨ - فيه: أَبُو مُوسَى، قال النَّبِىّ ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلِ التَّمْرَةِ، لا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ. . .) الحديث. / ٤٩ - وفيه: أَنَس، قَالَ النَّبِى ﷺ : (فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) . / ٥٠ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ. . .) . قال المؤلف: معنى هذه الترجمة - والله أعلم - إباحة أكل الطعام
стр. 4871
الطيب وكراهة أكل المر، وأن الزهد ليس فى خلاف ذلك ألا ترى أن النبى ﵇ شبه المؤمن الذى يقرأ القرآن بالأترجة التى طعمها طيب وريحها طيب، وشبه المؤمن الذى لايقرأ بالتمرة طعمها طيب ولاريح لها، ففى هذا الترغيب فى أكل الطعام الطيب وأكل الحلو، ولو كان الزهد فيه أفضل لماشبه النبى ﵇ ذلك مرة بقرأة القرآن ومرة بالإيمان، فكما يفضل المؤمن بقرأة القرآن وبالإيمان فكذلك فضل الطعام الطيب سائر الطعام، ويشهد لهذا أنه فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وهذا تنبيه منه على أكل الثريد واستعماله لفضله، وتشبيهه المنافق بالحنظلة والريحانة اللتين طعمهما مر؛ فذلك غاية الذم للطعام المر، إلا أن السلف كرهوا الأكثار من أكل الطيبات وإدمانها خشية أن يصير ذلك لهم عادة، فلا تصبر نفوسهم على فقدها رياضة لهم وتذليلا وتواضعًا. فإن قيل: فما معنى حديث أبى هريرة وليس فيه ذكر أفضل الطعام ولا أدناه؟ قيل: يحتمل أن يريد به أن ابن آدم لابد له فى الدنيا من طعام يقيم به جسده ويقوى به على طاعة ربه، وأن الله تعالى جبل النفوس على الأكل والشرب والنوم وذلك قوام الحياة، والناس فى ذلك بين مقل ومكثر، فالمؤمن يأخذ من ذلك قدر إيثاره للآخر والدنيا.
- باب الأدم
/ ٥١ - فيه: عَائِشَةُ، أَن النَّبِىّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَها وَعَلَى النَّارِ بُرْمَةٌ تَفُورُ، فَدَعَا بِالْغَدَاءِ، فَأُتِىَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: (أَلَمْ أَرَ
стр. 4872
لَحْمًا) ؟ قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَأَهْدَتْهُ لَنَا، فَقَالَ: (هُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا، وَهَدِيَّةٌ لَنَا) . قال الطبرى: فى هذا الحديث البيان البين أن النبى ﵇ كان يؤثر فى طعامه اللحم على غيره إذا وجد إليه سبيلا، وذلك أنه لما رأى اللحم فى منزله قال: (ألم أر لحمًا؟ فقالوا: إنه تصدق به على بريرة) فدل هذا على إيثاره ﵇ للحم إذا وجد إليه السبيل، لأنه قال ذلك بعد أن قرب إليه أدم من أدم البيت، فالحق على كل ذى لب أن يؤثر اللحم على طعامه لإيثار النبى له ولما حدثنا سعيد بن عنبسه الرازى حدثنا أبو عبيدة الحداد حدثنا أبو هلال، عن ابن بريدة عن أبيه أن النبى ﵇ قال: (سيد الإدام فى الدنيا والآخرة اللحم) . فإن قيل: فقد قال عمر بن الخطاب لرجل رآه يكثر الاختلاف إلى القصابين: اتقوا هذه المجازر على أموالكم، فإن لها ضرواة كضراوة الخمر، وعلاه بالدرة. وقال أبو أمامة: إنى لأبغض أهل اليت أن يكونوا لحميين. قيل: وما اللحميون؟ قال: يكون لهم قوت شهر فيأكلونه فى اللحم فى أيام. وقد قال يزيد بن أبى حبيب: القنية طعام الأنبياء. وقال ابن عون: ما رأيت على خوان لحمًا يشتريه إلا أن
стр. 4873
يهدى له، وكان يأكل السمن والكامخ، فيقول: سأصبر على هذا حتى يأذن الله بالفرج. قال الطبرى: وهذه أخبار صحاح ليس فيها خلاف لشىء مماتقدم، فأما كراهة عمر فإنما كان خوفًا منه عليه الاحجاف بماله لكثرة شرائه اللحم إذ كان اللحم قليلاً عندهم، وأراد أن يأخذ بحظه من ترك شهوات الدنيا وقمع نفسه، يدل على ذلك قوله لابنه: كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما اشتهى، وأما أبو أمامة فقد أخبر بالعلة التى لها كره أن يكون أهل البيت لحميين وهو تبذيرهم وتدميرهم. وأما ابن سيرين فإنما ترك شراء اللحم؛ إذ لزمه الدين وفلس من أجله، فلم يكن عنده لها فضاء، والحق عليه مافعل من التقصير فى عيشه وترك التوسع فى مطعمه حتى يؤدى ماعليه لغرمائه، وكان إذا وجده من غير الشراء لم يؤثر عليه غيره. وأما قول يزيد بن أبى حبيب أن القطنية طعام الأنبياء، فمعنى ذلك والله أعلم نحو معنى فعل عمر فى تركه ذلك إشفاقًا ممن يكون بأكله مم يكون فى جملة من أذهب طيباته فى حيانه الدنيا مع أن التأسى بنبينا ﵇ لايؤثر على اللحم شيئًا ما وجد إليه السبيل. حدثنى محمد بن عمار الرازى حدثنا سهل بن بكار حدثنا أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزى، عن جابر بن عبد الله قال: (ذبحت للنبى ﵇ عناقًا واصحلتها، فلما وضعتها بين يديه، نظر إلى وقال: كأنك قد علمت حبنا اللحم) . وبمثل الذى قلنا كان السلف يعملون، روى الأعمش عن أبى عباد عن أبى عمرو الشيبانى قال: (رأى عبد الله مع رجل دراهم فقال: ما
стр. 4874
تصنع بها؟ قال: أشترى بها سمنًا. قال: أعطها أمراتك تضعها تحت فراشها، ثم اشتر كل يوم بدرهم لحمًا. وكان للحسن كل يوم لحم بنصف درهم، وقال ابن عون: إذا فاتنى اللحم فما أدرى ما أئتدم) .
٣٠ - باب: الحلواء والعسل
/ ٥٢ - فيه: عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىّ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ. / ٥٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، كُنْتُ أَلْزَمُ رسُول ﵇ لِشِبَعِ بَطْنِى حِينَ لا آكُلُ الْخَمِيرَ، وَلا أَلْبَسُ الْحَرِيرَ، وَلا يَخْدُمُنِى فُلانٌ وَلا فُلانَةُ، وَأُلْصِقُ بَطْنِى بِالْحَصْبَاءِ، وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ - وَهِى مَعِى - كَى يَنْقَلِبَ بِى فَيُطْعِمَنِى، وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِى طَالِبٍ، يَنْقَلِبُ بِنَا، فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِى بَيْتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ لَيْسَ فِيهَا شَىْءٌ، فَنَشْتَقُّهَا، فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا. الحلواء والعسل من جملة الطيبات المباحة فى قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لاتحرموا طيبات ماأحل الله لكم) وقوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق) على قول من ذهب إلى أن الطيبات من الرزق فى الآية المستلذ من الطعام، ودل حديث عائشة على صحة هذا التأويل لمحبة رسول الله الحلواء والعسل، وأن ذلك من طعام الصالحين والأبرار اقتداء بحب النبى ﵇ لهما، ودخل فى معنى هذا الحديث كل ماشاكل الحلواء والعسل من أنواع المآكل اللذيذة الحلوة المطعم، كالتمر والتين والزبيب والعنب، والرمان ذلك من الفواكه.
стр. 4875
وفي حديث أبي هريرة من الفقه الاقتصاد فى المعيشة والأخذ منها بالبلغة الباعثه على الزهد فى الدنيا. وفيه فضل جعفر بن أبى طالب ووصفه بالكرم والتواضع لتعاهده للمساكين وإطعامه لهم فى بيته وإكرامهم بذلك، وفى قول أبى هريرة: (إن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شىء فنشتقها ونلعق ما فيها) جواز الصدقة باشىء التافه؛ لأن ذلك لايخلو أن يكون فيه مثاقيل ذر كثيرة.
٣١ - باب الرجل يتكلف لإخوانه الطعام
/ ٥٤ - فيه: أَبُو مَسْعُود، كَانَ مِنَ الأنْصَارِ رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ: اصْنَعْ لِى طَعَامًا أَدْعُو النَّبِىّ ﵇ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَدَعَا النَّبِىّ ﵇ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (إِنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَهَذَا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ) ، قَالَ: بَلْ أَذِنْتُ لَهُ. قال المؤلف: فيه الترجمة وأنه فى باب ماقيل فى اللحام والجزار وقد تقدم هنالك الكلام فى هذا الحديث وذكرت فيه وجه قوله ﷺ : (هذا رجل قد تبعنا فإن شئت أذنت له) ولم يقل ذلك لأبى طلحة حين حمل جماعة أصحابه مع نفسه إلى طعامه. فتأمله هناك، وقد تقدم أيضًا فى كتاب باب صنع الطعام والتكلف للضيف فى حديث سلمان وأبي الدرداء.
стр. 4876
٣٢ - باب من أضاف رجلا إلى طعامه وأقبل هو على عمله
/ ٥٥ - فيه: أَنَس، كُنْتُ غُلامًا أَمْشِى مَعَ النَّبِىّ ﵇ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى غُلامٍ لَهُ خَيَّاطٍ، فَأَتَاهُ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، وَعَلَيْهِ دُبَّاءٌ، فَجَعَلَ النَّبِىّ ﵇ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أَجْمَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَأَقْبَلَ الْغُلامُ عَلَى عَمَلِهِ، قَالَ أَنَسٌ: مَا أَزَالُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ مَا رَأَيْتُ النَّبِىّ ﵇ صَنَعَ مَا صَنَعَ. فى هذا الحديث حجة أن للمضيف أن يقدم الطعام إلى ضيفه ولا يأكل منه، ولايكون ذلك من سوء الأدب بضيفه ولا إخلالا بإكرامه، لأن ذلك صنع بحضرة النبى ﵇ فلم ينه عنه، ولو كان من دنىء الأخلاق لنهى عنه لأنه بعث معلمًا، ولا أعلم فى الأكل مع الضيف وجهًا غير أنه أبسط لنفسه وأذهب لاحتشامه، فمن قدر على ذلك فهو أبلغ فى بر الضيف، ومن ترك ذلك فواسع إن شاء الله. وقد تقدم فى كتاب ذكر حديث أبى بكر الصديق لامرأته أن تطعم أضيافه.
стр. 4877
٣٣ - باب المرق
/ ٥٦ - فيه: أَنَس، أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِى ﵇ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِى ﵇ فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ. . . . الحديث. فيه أن السلف كانوا يأكلون الطعام الممرق، وفى بعض الآحاديث: (المرق أحد اللحمين) روى أبو عيسى الترمذى حدثنا الحسين بن على بن الأسود، حدثنا عمرو بن محمد العنقرى، حدثنا إسرائيل، عن صالح بن رستم أبى عامر الخزاز، عن أبى عمران الجونى، عن عبد الله بن الصامت، عن أبى ذر قال النبى ﵇: (لا يحقرن أحدكم شيئًا لحمًا أو طبخت قدرًا فأكثر مرقته وأغرف لجارك منه) قال أبو عيسى: وهذا حديث صحيح، وقد رواه شعبة عن أبى عمران الجونى. وترجم لحديث أنس باب: القديد. / ٥٧ - وفيه: عَائِشَةَ، مَا فَعَلَهُ إِلا فِى عَامٍ جَاعَ النَّاسُ، أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِىُّ الْفَقِيرَ، وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الْكُرَاعَ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ. . . . الحديث. فيه: أن القديد كان من طعام النبى ﵇ وسلف الأمة، وأما قول عائشة: (ما فعله إلا فى عام جاع الناس) تريد نهيه أن يأكلوا من لحوم نسكهم فوق ثلاث من أجل الدافة التى كان بها الجهد فأطلق لهم ﵇ بعد زوال الجهد الأكل من الضحايا ما شاءوا، ولذلك قالت: (إن كنا لنرفع الكراع بعد خمس عشرة)
стр. 4878
٣٤ - باب: من ناول أو قدم إلى أصحابه على المائدة شيئًا
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لا بَأْسَ أَنْ يُنَاوِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلا يُنَاوِلُ مِنْ هَذِهِ الْمَائِدَةِ إِلَى أُخْرَى. / ٥٨ - فيه: أَنَس، إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِىّ ﵇ لِطَعَامٍ، فَرَأَيْتُ النَّبِىّ ﵇ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الصَّحْفَةِ، فَجَعَلْتُ أَجْمَعُ الدُّبَّاءَ بَيْنَ رسُول اللَّه ﷺ . إنما جاز أن يناول بعضهم بعضًا من على مائدة واحدة لأن ذلك الطعام إنما قدم لهم بأعيانهم ليأكلوا فقد صار من حقوقهم، وهم فيه شركاء، فمن ناول صاحبه مما بين يديه فكأنه آثره بنصيبه ومايجوز له أكله فمباح له ذلك، وقد قال النبى ﵇ لابن أم سلمة: (كل ما يليك) فجعل ما يليه من المائدة حلالاً له، وأما من كان على مائدة أخرى فلا حق له فى ذلك الطعام ولا شركة، فلذلك كره العلماء أن يناول رجل من كان على مائدة أخرى.
باب: الرطب بالقثاء
/ ٥٩ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِى طَالِبٍ، رَأَيْتُ النَّبِى ﵇ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ. / ٦٠ - وفيه: أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعًا، فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلاثًا، يُصَلِّى هَذَا ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَسَمَ النَّبِىّ ﵇ بَيْنَ أَصْحَابهِ تَمْرًا، فَأَصَابَنِى سَبْعُ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ.
стр. 4879
قال ابن المنذر: ومن لذيذ المطعم جمع الآكل بين الشىء الحار والبارد فى الأكل ليعتلا كان النبى ﵇ يأطل الرطب بالقثاء، وقد قال: (كلوا البلح بالتمر، فإن الشيطان يغضب ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد والخلق) .
٣٦ - باب الرطب التمر وقوله تعالى: (وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا (
/ ٦١ - فيه: عَائِشَةَ، تُوُفِّى النَّبِىّ ﵇ وَقَدْ شَبِعْنَا مِنَ الأسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ. / ٦٢ - وفيه: حديث جابر حين طاف النبى فى نخله وبرك فيها وأكل من رطبها، وقضى اليهودى كل ما عليه وبقى له مثل ما قضاه. . . وذكر الحديث. الرطب والتمر من طيب ماخلق الله وأباحه لعباده فهو جل طعام أهل الحجاز وعمدة أقواتهم، وقد دعا إبراهيم ﵇ لتمر مكة بالبركة، ودعا النبى ﵇ لتمر المدينة بمثل ما دعا به إبراهيم لمكة ومثله معه، فلا تزال البركة فى تمرهم وثمارهم إلى قيام الساعة.
стр. 4880
٣٧ - باب: أكل الجمار
/ ٦٣ - فيه: ابْن عُمَر، بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِى ﵇ إِذَا أُتِىَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِى النَّخْلَةَ. . . .) الحديث.
٣٨ - باب: العجوة
/ ٦٤ - فيه: سَعْد، قال النَّبِىّ ﷺ : (مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرُّهُ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلا سِحْرٌ) . قد تقدم فى كتاب الطب.
٣٩ - باب: القران فى التمر
/ ٦٥ - فيه: جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ، أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَرَزَقَنَا تَمْرًا، فَكَانَ عَبْدُاللَّهِ يَمُرُّ بِنَا وَنَحْنُ نَأْكُلُ، فَيَقُولُ: لا تُقَارِنُوا، فَإِنَّ النَّبِىَّ ﵇ نَهَى عَنِ الْقِرَانِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِلا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ. قد تقدم فى كتاب الشركة.
стр. 4881
٤٠ - باب - جمع اللونين أو الطعامين بمرة
/ ٦٦ - فيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، رَأَيْتُ النَّبِى ﵇ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ. قال المهلب: لا أعلم من نهى عن خلط الأدم، إلا شيئًا يروى عن عمر، ويمكن أن يكون ذلك من السرف، والله أعلم. لأنه كان يمكن أن يأتدم بأحدهما ويرفع الآخر إلى مرة أخرة، ولم يحرم ذلك عمر لأن النبى ﵇ قد جمع بين إدامين وأكل الرطب بالقثاء وأكل القديد مع الدباء، وقد روى عن النبى ﵇ مايبين هذا. روى عبد الله بن عمر القواريرى حدثنا حمزة بن نجيح الرقاشى حدثنا سلمة ابن أبى حبيب عن أهل بيت رسول الله (أن رسول الله نزل قباء ذات يوم وهو صائم، فانتظر رجل يقال له أوس بن خولى، حتى إذا دنا إفطاره أتاه بقدح فيه لبن وعسل فناوله رسول الله ﵇ فذاقه ثم وضعه فى الأرض ثم قال: ياأوس بن خولى ما شرابك هذا؟ قال: لبن وعسل يارسول الله. قال: إنى لا أحرمه، ولكنى أدعه تواضعًا لله، فإنه من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر قصمه الله، ومن بذر أفقر الله، ومن اقتصد أغناه الله، ومن ذكر الله أحبه الله) .
٤١ - باب: من أدخل الضيفان عشرة عشرة والجلوس على الطعام عشرة عشرة
/ ٦٧ - فيه: أَنَس، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ سُلَيْمٍ، عَمَدَتْ إِلَى مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ جَشَّتْهُ، وَجَعَلَتْ
стр. 4882
مِنْهُ خَطِيفَةً، وَعَصَرَتْ عُكَّةً عِنْدَهَا، ثُمَّ بَعَثَتْنِى إِلَى النَّبِى ﵇ فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ فِى أَصْحَابِهِ، فَدَعَوْتُهُ، قَالَ: (وَمَنْ مَعِى) ، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يَقُولُ، وَمَنْ مَعِى، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ شَىْءٌ صَنَعَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَدَخَلَ فَجِىءَ بِهِ، وَقَالَ: (أَدْخِلْ عَلَىَّ عَشَرَةً) ، فَدَخَلُوا فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ قَالَ: (أَدْخِلْ عَلَىَّ عَشَرَةً) ، فَدَخَلُوا فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ قَالَ: (أَدْخِلْ عَلَى عَشَرَةً) ، حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِى ﷺ ، ثُمَّ قَامَ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَىْءٌ؟ . فيه أن الاجتماع على الطعام من أسباب البركة فيه، وقد روى (أن أصحاب النبى ﵇ قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع. قال: فلعلكم تأكلون وأنتم مفترقون؟ قالوا: نعم. قال: فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم) رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا الوليد بن مسلم حدثنا وحشى ابن حرب، عن أبيه، عن جده أن أصحاب النبى ﵇ قالوا. . . وإنما أدخلهم النبى ﵇ عشرة عشرة - والله أعلم - ولم يجمعهم كلهم على الأكل لأنها كانت قصعة واحدة فيها مد من شعير ولايمكن مثل هذه الجماعو الكثيرة أن يقدروا على التناول من هذا المقدار القليل، فجعلهم ﵇ عشرة عشرة ليتمكنوا من الأكل، ولاؤذى بعضهم بعضًا فى التزاحم على الطعام، وليس فى الحديث دليل أنه لايجوز أن يجلس على مائدة أكثر من عشرة كما ظن من لم ينعم النظر فى ذلك لأن أصحاب النبى ﵇ قد أكلوا فى الولائم مجتمعين. وفيه علامة النبوة لأن الطعام كان مدًا
стр. 4883
من شعير وأكل منه أربعون رجلا ببركة النبوة المعصومة، ثم أكل منه النبى بعد ذلك وبقى الطعام على حاله، وهذا من أعظم البراهين وأكبر المعجزات. وقال ابن السكيت: الخطيفة: الدقيق يذر على اللبن ثم يطبخ فيلعقه الناس.
٤٢ - باب: مايكره من أكل الثوم والبصل
فيه ابن عمر عن النبى ﵇ / ٦٨ - وفيه: أَنَس، قيل لَهُ: مَا سَمِعْتَ من النَّبِى ﵇ يَقُولُ فِى الثُّومِ؟ فَقَالَ: (مَنْ أَكَلَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) . / ٦٩ - وفيه: جَابِرَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا) . وقد تقدمت هذا فى كتاب الصلاة.
٤٣ - باب: الكباث وهو ورق الأراك
/ ٧٠ - فيه: جَابِر، كُنَّا مَعَ النَّبِىّ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نَجْنِى الْكَبَاثَ، فَقَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالأسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَيْطَبُ) ، فقيل: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِىٍّ إِلا رَعَاهَا) ؟ . الكباث ثمر الأراك الغض منه خاصة، والبرير ثمر الأراك
стр. 4884
الرطب منه واليابس، وكان هذا فى أول الإسلام عند عدم الأقوات؛ فإذا قد أغنى الله عباده بالحنطة والحبوب الكثيرة وسعة الرزق فلا حاجة بهم إلى ثمر الأراك. وقوله: (أيطب) بمعنى أطيب وهما لغتان بمعنى واحد، ذكره أهل اللغة كما يقال: جذب وجبذ.
٤٤ - باب: المضمضة بعد الطعام
/ ٧١ - فيه: سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ، خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ دَعَا بِطَعَامٍ، فَمَا أُتِىَ إِلا بِسَوِيقٍ، فَأَكَلْنَا، فَقَامَ إِلَى الصَّلاةِ، فَتَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا. المضمضة بعد الطعام سنة مؤكدة، وكان النبى ﵇ يواظب على فعل ذلك ويحض أمته على تنظيف أفواههم وتطيبها لأنها طرق القرآن، ولذلك قال أبو هريرة: (لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك عند كل صلاة) . فالمضمضة بالماء بعد الطعام من أجل الصلاة ومن أجل مباشرة كلام الناس أيضًا تغنى عن السواك، ولا شىء أنظف من الماء، وبه أمر الله أن يطهر كل شىء. وقد روى عن النبى فى وضوء اليدين قبل الطعام وبعده بركة. رواه أبو داود حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا قيس، عن أبى هاشم، عن زاذان، عن سليمان عن النبى ﷺ . قال ابن المنذر: وليس ذلك بواجب لأن النبى ﵇ قد أكل لما خرج من البراز قبل أن يغسل يديه. رواه أبو داود
стр. 4885
من حيدث ابن أبي مليكة عن ابن عباس، وأنكر مالك غسل اليدين قبل الطعام، وقال إنه من فعل الأعاجم، وبه قال الثورى. وقال البهرى: لا نحفظ ذلك عن النبى ولا عن أصحابه.
٤٥ - باب: لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل
/ ٧٢ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ النَّبِى ﷺ ، قَالَ: (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ، فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا) . قد جاء معنى هذا الحديث فى حديث آخر، روى ابن وهب عن عياض بن عبد الله القرشى وابن لهيعة، عن أبى الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله: (لا يمسح أحدكم يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لايدرى فى أى الطعام يبارك له فيه) . قال ابن المنذر: فى حديث ابن عباس إباحة مسح اليد بالمنديل، وترجم له أبو داود باب المنديل بعد الطعام.
٤٦ - باب: المنديل
/ ٧٣ - فيه: جَابِر، أَنَّهُ سَئُل عَنِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَقَالَ: لا، قَدْ كُنَّا زَمَانَ النَّبِى ﵇ لا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ إِلا قَلِيلا، فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلا أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّى وَلا نَتَوَضَّأُ. قال ابن وهب: سئل مالك عن الحديث الذى جاء من باب فى يده غمر فلا يلومن إلا نفسه. فقال مالك: لا أعرف هذا الحديث، وقد سمعت أنه كان يقال:
стр. 4886
منديل عمر بطن قدميه، وما كان هذا إلا شيئًا حديثًا، والحديث الذى لم يعرفه مالك رواه أبو داود قال: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (من نام وفى يده غمر لم يغسله فأصابه شىء فلا يلومن إلا نفسه) . ورواه الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة. وقيل لمالك: أيغسل يده بالدقيق؟ قال: غيره أعجب إلى منه، ولو فعل لم أر به بأسًا، قد تمندل عمر بباطن قدمه. وروى ابن وهب فى الجلباب وشبه ذلك: أنه لابأس أن يتوضأ به، ويتلك به فى الحمام، وقد يدهن جسده بالزيت والسمن من الشقاق، وروى أنه سئل عن الوضوء بالدقيق والنخالة والفول قال: لا علم به، ولم يتوضأ به؟ إن أعياه شىء فليتوضأ بالتراب.
٤٧ - باب: ما يقول إذا فرغ من طعامه
/ ٧٤ - فيه: أَبُو أُمَامَة، أَنَّ النَّبِى ﵇ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ، قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِى وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا) . / ٧٥ - قَالَ أَبُو أُمَامَةَ مَرَّةً: كَانَ النَّبِى ﵇ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى كَفَانَا، وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِى وَلا مَكْفُورٍ. وَقَالَ مَرَّةً: (لك الْحَمْدُ رَبِّنَا غَيْرَ مَكْفِىٍّ، وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنًى عَنْهُ) .
стр. 4887
أهل العلم يستحبون حمد الله عند تمام الأكل والأخذ بهذا الحديث وشبهه، فقد روى عن النبى ﵇ فى ذلك أنواع من الحمد والشكر كان يقول إذا فرغ من طعامه، وقد روى عنه ﵇ أنه قال: (من سمى الله على أول طعامه وحمده إذا فرغ منه لم يسئل عن نعيمه) . وقوله: (غير مكفى) يحتمل أن يكون من قولهم: كفأت اإناء فيكون معناه: غير مردود عليه إنعامه وإفضاله إذا فضل الطعام على الشبع، فكأنه قال: ليست تلك الفضيلة مردودة ولامهجروة، ويحتمل أن يكون معناه أن الله غير مكفى رزق عباده، أى ليس أحد يرزقهم غيره، الا ترى أن فى بعض الأسانيد مستغنى عنه ربنا، فيكون هو قد كفى رزقهم، والله أعلم.
٤٨ - باب: الأكل مع الخادم
/ ٧٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِى حَرَّهُ وَعِلاجَهُ) . الأكل مع الخادم من التواضع والتذلل وترك التكبر، وذلك من آداب المؤمنين وأخلاق المرسلين، وقد تقدم فى كتاب العتق.
٤٩ - باب: الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر
والرجل يدعى إلى الطعام فيقول: وهذا معي.
стр. 4888
وَقَالَ أَنَسٌ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مُسْلِمٍ لا يُتَّهَمُ، فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ. / ٧٧ - فيه: أَبُو مَسْعُود، قَالَ: أن أَبَا شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلامٌ، فَأَتَى النَّبِى ﷺ وَهُوَ فِى أَصْحَابِهِ، فَعَرَفَ الْجُوعَ فِى وَجْهِه،، فَقَالَ لغُلامهُ: اصْنَعْ لِنا طَعَامًا يَكْفِى خَمْسَةً لَعَلِّى أَدْعُو فَأَتَاهُم، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (إِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ. . . .) الحديث. قال المؤلف: لم يذكر البخارى حديثا فى الطاعم الشاكر، وذكر ابن المنذر قال فى حديث سنان بن سنة أن النبى ﵇ قال: (الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر) ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن رجل من غفار أنه سمع سعيد المقبرى يحدث عن أبى هريرة عن النبى ﷺ . وهذا من عظيم تفضل الله على عباده، أن جعل للطاعم إذا شكر لله على طعامه وشرباه ثواب الصائم الصابر. ومعنى الحديث - والله أعلم - التنبيه على لزوم الشكر لله تعالى على جميع نعمه، صغيرها وكبيرها، فكما الحق ﵇ الطاعم الشاكر بالصائم الصابر فى الثواب، دل على أنه تعالى كذلك يفعل فى شكر سائر النعم؛ لأنها كلها من عند الله تعالى لاصنع فى شىء منها للمخلوقين فهو المبتدىء بها والمللهم للشكر عليها والمثيب على ذلك، فينبغى للمؤمن لزوم الشكر لربه فى جميع حركاته وسكونه وعند كل نفس وكل طرفة، وليعلم العبد تحت ماهو من نعم مولاه ولايفتر لسانه عن شكرها، فتستديم النعم والعافية، لقوله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم) وروى معمر عن قتادة والحسن، قالا:
стр. 4889
(عرضت على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم على بعض فقال: أى رب، هلا سويت بينهم؛ فقال: إنى أحب أن أشكر) . فإن قال قائل: فهل يسمى الحامد لله على نعمة شاكرًا؟ قيل: نعم؛ روى معمر، عن قتادة، عن ابن عمر أن النبى ﵇ قال: (الحمد رأس الشكر، وماشكر الله عبد لا يحمده) . وقال الحسن: ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها؛ إلا كان حمده أعظم منها كائنة ماكانت. وقال النخعى: شكر الطعام أن تسمى إذا أكلت، وتحمد إذا فرغت. وقد تقدم فى البيوع فى باب مايل فى اللحام والجزار
٥٠ - باب: إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه
وقد تقدم فى كتاب الصلاة.
٥١ - باب: قوله تعالى: (فإذا طعمتم فانتشروا
/ ٧٨ - فيه: أَنَس، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ. . . وذكر الحديث. وجلوس الرجال فى بيته ﵇ بعد ما طعموا، وبعد قيامه ورجوعه ثلاث مرات إلى آخر الحديث. قال المؤلف: بين الله تعالى فى آخر هذه الآية معنى هذا الحديث وذلك قوله تعالى: (إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحيي من الحق) .
стр. 4890
وأذى النبي حرام على جميع أمته وكذلك أذى المؤمنين بعضهم لبعض حرام. وفيه من الفقه أن من أطال الجلوس فى بيت غيره حتى أضر بصاحب المنزل أنه مباح له أن يقوم عنه أو يخبره أن له حاجة إلى قيامه لكى يقوم وليس ذلك من سوء الأدب، وقد تقدم هذا فى كتاب الإستئذان فى باب من قام من مجلسه ولم يستأذن وتهيأ للقيام ليقوم الناس.
стр. 4891
٧١ - كتاب التعبير
باب: أول ما بدئ به الرسول ﵇ من الوحى الرؤيا الصالحة
/ ١ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. . . وذكر الحديث بطوله. قال المهلب: الرؤيا الصالحة الصادقة قد يراها الرجل المسلم والكافر والناس كلهم، إلا أن ذلك يقع لهم فى النادر والوقت دون الأوقات، وخص النبى ﵇ بعموم صدق رؤياه كلها، ومنع الشيطان أن يتمثل فى صورته لئلا يتسور بالكذب على لسانه ﵇ فى النوم، والرؤيا جزء من أجزاء الوحى، فإن قيل: فإن الشيطان قد تسور عليه فى اليقظة وألقى فى أمنيته ﵇. قيل: ذلك التسور لم يستتم؛ بل تلاقاه الله فى الوقت بالنسخ وأحكم آياته، وكانت فائدة تسوره إبقاء دليل البشرية عليه لئلا يغلو مغلون فيه، فيعبدونه من دون الله كما فعل بعيسى وعزير. فإن قيل: كيف يمنع الشيطان أن يتصور بصورة النبى فى المنام وأطلق له أن يتمثل ويدعى أنا البارى تعالى والصورة لاتجوز على البارى؟ قيل له: إنما منع أن يتصور فى صورة النبى الذى هو صورة فى الحقيقة دلالة للعلم وعلامة على صحة الرؤيا من
стр. 4892
ضغثها وأطلق له أن يتصور على ماليس بصورة على ماليس بصورة، ولايجوز عليه دلالة للعلم أيضًا وسببًا إليه؛ لأنه قد تقرر فى نفوس البشر أنه لايجوز التجسم على البارى - تعالى فجاز أن يجعل لنا هذا الوهم فى النوم دليل على علم ما لاسبيل إلى معرفته إلا من طريق التمثيل فى البارى - تعالى، مرة، وفى سائر الأرباب والسلاطين مرة. وكذلك قال أبو بكر بن الطيب الباقلانى: إن رؤية البارى فى النوم أوهام وخواطر فى القلب فى أمثال لاتليق به فى الحقيقة وتعالى سبحانه عنها دلالة للرائى على أمر كان أو يكون مسائر المرئيات. وهذا كلام حسن؛ لأنه لما كان خرق العادة دلالاً على صحة العلم فى اليقظة للأنبياء يهد بها الخلق، جعل خرق العادة الجارية على النبى يتصور الشيطان على مثاله بالمنع من ذلك دليلاً على صحة العلم. فإن قيل: كان يجب أن تكون الرؤيا إذا رأى فيها البارى صادقة أبدًا كما كانت الرؤيا التى رأى فيها النبى ﵇ فالجواب أنه لما كان الله تعالى قد يعبر به فى النوم علس سائر السلاطين لأنه سلطان السلاطين ويعبر له على الاباء والسادة والمالكين، ووجدنا سائر السلاطين يجوز عليهم الصدق والكذب فأبقيت رؤياهم على العادة فيهم. ووجدنا النبيين لا يجوز الكذب على أحد منهم، ولا على شىء من حالهم فابقيت حال النبوة فى النوم على ماهى عليه فى اليقظة من الصدق برؤية النبى، وإذا قام الدليل عند العابر على الرؤيا التى يرى فيها البارى لايراد به غيره لم يجز فى تلك الرؤيا التى قام فيها دليل الحق على الله كذبًا أصلاً، لا في
стр. 4893
مقال ولا فى فعال، فتشابهت الرؤيا من حيث اتفقت فى معنى الصدق، واختلفت من حيث جاز غير ذلك، وهذا مالاذهاب عنه. وقوله: (فسكن لذلك جاشة) قال صاحب العين: الجأش: النفس.
باب: رؤيا الصالحين
وقوله تعالى: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق (الآية / ٢ - فيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ: (الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) . قال المهلب: (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح) إنما يريد عامة رؤيا الصالحين، وهى التى يرجى صدقها؛ لأنه قد يجوز على الصالحين الأضغاث فى رؤياهم؛ لكن لما كان الأغلب عليهم الخير والصدق وقلة تحكم الشيطان عليهم فى النوم أيضًا، لما جعل الله فيهم من الصلاح، وبقى سائر الناس غير الصالحين تحت تحكم الشيطان عليهم فى النوم؛ مثل تحكمه عليهم فى اليقظة فى ألب أمورهم، وإن كان قد يجوز منهم الصدق فى اليقظة فكذلك يجوز فى رؤياهم صدق أيضًا.
باب الرؤيا من الله
/ ٣ - فيه: أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ النَّبِي ﷺ : (الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ) .
стр. 4894
/ ٤ - وفيه: أَبُو سَعِيد، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ، ﵇، يَقُولُ: (إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّمَا هِى مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِى مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلا يَذْكُرْهَا لأحَدٍ فَإِنَّهَا لا تَضُرُّهُ) . فإن قال قائل: مامعنى قوله ﷺ : (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) وقد تقرر أنه لا خالق والشر غير الله، وأن كل شىء بقدره وخلقه؟ . قال المهلب: فالجواب أن النبى ﵇ سمى ريا من خلص من الأضغاث وكان صادقا تأويله موافقًا لما فى اللح الحفوظ، فحسنت إضافته إلى الله، وسمى الريا الكاذبة التى هى من حيز الأضغاث حلمًا وأضافها إلى الشيطان؛ إذ كانت مخلوقة على شاكلة الشيطان وطبعه، وليعلم الناس مكائدة فلا يحزنزن لها ولايتعذبون بها، وإنما سميت ضغثًا لأن فيها اشياء متضادة. قال غيره: والدليل على أنه لايضاف إلى الله تعالى إلا الشىء الطيب الطاهر قوله تعالى: (إن عبادى ليس لك عليهم سلطان) فأضافهم إلى نفسه لأنهم أولياؤه ومعلوم أن غير أوليائه عباد الله أيضًا، وقال تعالى: (فإذا نفخت فيه من روحى) ، (وطهر بيتى للطائفين) وقال تعالى: (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت) ، فأضافهم إلى ما هم أهله وإن كان الكل خلقه وعبيده (وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) قال المهلب: وإن كان المحزن من الأحلام مضافًا إلى الشيطان فى الأغلب وقد يكون المحزن فى النادر من الله تعالى لكن لحكمة
стр. 4895
بالغه، وهو أن ينذر بوقوع المحزن من الأحلام بالصبر لوقوع ذلك الشىء لئلا يقع على غرة فيقتل، فإذا وقع على مقدمة وتوطين نفس كان أقوى النفوس وأبعد لها من أذى البغثة، وقال (فإنها لا تضره) يعنى بها ماكان من قبل الشيطان جعل الله الاستعاذةمنها مما يدفع به أذاها، ألا ترى قول أبى قتادة: (إن كنت لأرى الرؤيا هى أثقل على من الجبل فلما سمعت بهذا الحديث كنت لاأعدها شيئًا) . وروى قتادة، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة، عن النبى ﵇ فى هذا الحديث: (فمن رأى منكم مايكره فليقم ويصلى) .
باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة
/ ٥ - فيه: عُبَادَة، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) . ورواه أنس، وأبو هريرة، وأبو سعيد، عن النبى. ذكر الطبرى فى تهذيب الآثار أحاديث كثيرة مخالفة لحديث هذا الباب فى الأجزاء، منها حديث ابن عباس: (أن الرؤيا جزء من أربعين جزءًا من النبوة) وحديث عبد الله بن عمرو: (أنها جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة) وحديث العباس: (جزء من خمسين جزءًا من النبوة) وحديث ابن عمر وابن عباس وأبى هريرة: (جزء من سبعين جزءًا من النبوة) . قال الطبرى: والصواب أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل حديث منها مخرج معقول. فأما قوله: (من
стр. 4896
سبعين جزءًا من النبوة) . فإن ذلك قول عام فى كل رؤيا صالحة صادقة لكل مسلم رآها فى منامه على أى أحواله كان. وهذا قول ابن مسعود وأبى هريرة والنخعى أن الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة. وأما قوله أنها جزء من اربعين أو ستة وأربعين فإنه يريد بذلك ماكان صاحبها بالحال التى ذكر عن الصديق - رضى الله عنه - أنه يكون بها. روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه أن زياد بن نعيم حدثه أن أبا بكر الصديق كان يقول: لأن يرى الرجل المسلم يسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إلى من كذا وكذا. قال الطبرى: فمن كان من أهل إسباغ الوضوء فى السبرات والصبر فى الله على المكروهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة فرؤيا الصالحة إن شاء الله جزء من أربعين جزءًا من النبوة، ومن كانت حالة فى ذاته بين ذلك فروياه الصادقة بين الجزء من الأربعين إلى السبعين لاينتقص عن سبعين ولايزاد على الأربعين. قال المؤلف: أصح ما فى هذا الباب أحاديث الستة وأربعين جزءًا ويتلوها فى الصحة حديث السبعين جزءًا، ولم يذكر مسلم فى كتابه غير هذين الحدثين، فأما حديث السبعين جزءًا فرواه عن أبو بكر ابن أبى شيبة، عن أبى أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبى ﵇ ورواه ابن نمير ويحى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، ورواه الليث أيضًا عن نافع، عن ابن عمر وأما سائرها فهى من أحاديث الشيوخ.
стр. 4897
السبعين جزءًا وحديث الستة واربعين جزءًا، وهذا تعارض ولايجوز النسخ فى الأخبار؟ فالجواب: أنه يجب أن نعلم مامعنى كون الرؤيا جزءًا من أجزاء النبوة فلو كانت جزءًا من الف جزء منها لكان ذلك كثيرًا. فنقول وبالله التوفيق: إن لفظ النبوة مأخوذ من النبأ والإنباء، وهو الإعلام فى اللغة والمعنى أن الرؤيا إنباء صادق من الله، لاكذب فيه كما أن معنى النبوة الإنباء الصادق من الله الذى لايجوز عليه الكذب فتشاهبهت الؤيا النبوة فى صدق الخبر عن الغيب. فإن قيل: فما معى اختلاف الأجزاء فى ذلك فى القلة والكثرة؟ قيل: وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين لا ثالث لهما، وهو أن يرى الرجل رؤيا جلية ظاهرة التأويل مثل من رأى أنه يعطى شيئًا فى المنام فيعطى مثله بعينه فى اليقظة، وهذا الضرب من الرؤيا لا إغراق فى تأويلها ولا رمز فى تعبيرها، والقسم الثانى مايراه من المنامات المرموزة البعيدة المرام فى التأويل وهذا الضرب يعسر تأويله إلا الحذاق بالتعبير لبعد ضرب المثل فيه، فيمكن أن يكون هذا القسم من السبعين جزءًا كانت الرؤيا أقرب إلى النبأ الصادق، وآمن من وقوع الغلط فى تأويلها، وإذا كثرت الأجزاء بعدت بمقدار ذلك وخفى تأويلها، والله أعلم بما أراد نبيه ﷺ . وقد عرضت هذا القول على جماعة من أصحابى ممن وثقت بدينة وفهمه فحسنوه وزادنى فيه بعضهم مرة، وقال لى: الدليل على صحته أن النبوة على مثل هذه الصفة تلقاها نبينا عليه السلام
стр. 4898
جبريل بالوحى فيكلمه بكلام فيعيه بغير مؤمنة ولا مشة، ومرة يلقى إليه جملا وجوامع يشتد عليه فكها وتبيينها، حتى تأخذه الرحضاء ويتحدر منه العرق مثل الجمان فى اليوم الشديد البرد، ثم يعينه الله على تبيين ماألقى إليه من الوحى، فلما كان تلقيه ﵇ للنبوة المعصومة بهذه الصفة كان تلقى المؤمن من عند الملك الآتى بها من أم الكتاب بهذه الصفة، والله أعلم. وفيه: تأويل ذكره أبو سعيد السفسقى عن بعض أهل العلم قال معنى قوله: (جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) . فإن الله تعالى - أوحى إلى محمد ﵇ فى الرؤيا ستة أشهر، ثم بعد ذلك أوحى إليه بإعلام باقى عمره، وكان عمره فى النبوة ثلاثة وعشرين عامًا فيما رواه عكرمة وعمرو بن دينار، عن ابن عباس، فإذا نسبنا ستة أشهر من ثلاثة وعشرين عامًا وجدنا ذلك من ستة وأربعين. وهذا التأويل يفسد من وجهين: أحدهما: أنه قد اختلف فى مدة النبى ﷺ ، فقيل: إنها كانت عشرين عامًا. رواه أبو سلمة عن ابن عباس وعائشة، والوجه الثانى: أنه يبقى حديث السبعين جزءًا بغير معنى.
باب: المبشرات
/ ٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلا الْمُبَشِّرَاتُ) ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) . قال المؤلف: وذكر ابن أبى شيبة بإسناده عن أبى الدرداء: (أنه سأل النبى ﵇ عن قوله تعالى: (لهم البشرى في الحياة الدنيا (.
стр. 4899
قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وفى الآخرة الجنة) . روى مثله عن ابن عباس وعروة ومجاهد. قال المهلب: وحديث أبى هريرة خرج لفظه على العموم، ومعناه الخصوص؛ وذلك أن المبشرات هى الرؤيا الصادقة من الله التى تسر رأئيها وقد تكون صادقة منذرة من الله تعالى لاتسر رأئيهايريها الله المؤمن رفقًا به ورحمة له؛ ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه فقوله: (لم يبق بعدى إلا المبشرات) خرج على الأغلب من حال الرؤيا، وقد قال محمد بن واسع: الرؤيا بشرى للمؤمن، ولا تغره. قال الطبري: فإن قال قائل: فإن كانت كل رؤيا حسنة وحى من الله وبشرى للمؤمنين، فما باله يرى الرؤيا الحسنة أحيانًا، ولايجد لها حقيقة فى اليقظة؟ فالجواب: أن الرؤيا مختلفة الأسباب فمنها من وسوسة وتخزين للمؤمن، ومنها من حديث النفس فى اليقظة فيراه فى نومه، ومنها ماهو وحى من الله، فما كان من حديث النفس ووسوسة الشيطان فإنه الذى يكذب، وماكان من قبل الله فإنه لا يكذب. وبنحو هذا ورد الخبر عن النبى ﵇ وروى ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أبيه، عن أيوب وهشام، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (الرؤيا ثلاث: رؤيا بشرى من الله، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه، ورؤيا تخزين من الشيطان) .
стр. 4900
باب: رؤيا يوسف ﵇
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا (الآية [يوسف: ٤] ، وَقَوْلِهِ: (يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ مِنْ قَبْلُ (إلى) بِالصَّالِحِينَ) [يوسف: ١٠٠] . قال المؤلف: رؤيا يوسف حق ووحى من الله كرؤيا سائر الأنبياء، ألا ترى قول يوسف لأبيه يعقوب: (يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقًا) . وقول بعقوب ليوسف: (لا تقصص رؤياك على إخواتك فيكيدوا لك كيدًا) قال له ذلك علم من تأويل الرؤيا فخاف أن يحسدوه، وكان تبين له الحسد منهم له، وهذا أصل أن لاتقص الرؤيا على غير شفيق ولاناصح، ولاتقص على من لا يحسن التأويل.
стр. 4901
باب: رؤيا إبراهيم ﵇
وقوله تعالى: (فلما بلغ معه السعى (الآيات وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (أَسْلَمَا (: سَلَّمَا لأُمِرَا اللَّه،) وَتَلَّهُ (وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأرْضِ. قال المهلب: هذا دليل أن رؤيا الأنبياء وحى لايجوز فيها الضغث لأ، إبراهيم ﵇ حكم بصدقها، ولم يشك أنها من عند الله فسهل عليه ذبح ابنه والتقرب به إلى الله، وكذلك فعل إسحاق حين أعلمه أبوه إبراهيم برؤياه، فسلم لحكم الله ورضى وانقاد له وفوض أمره إلى الله فقال: (يا أبت افعل ماتؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين) بهذه الآية استدل ابن عباس على أن رؤيا الأنبياء وحى.
باب: التواطؤ على الرؤيا
/ ٧ - فيه: ابْن عُمَر، أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ، وَأَنَّ أُنَاسًا أُرُوا أَنَّهَا فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (الْتَمِسُوهَا فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ) . قال المهلب: فيه الحكم على صحة الرؤيا بتوطئها وتكريرها، وهذا أصل فى ذلك يجب لنا أن نحكم به إذا ترادفت الريا وتواطأت بالصحة؛ كما حكم النبي ﵇.
стр. 4902
باب: رؤيا أهل السجن وأهل الفساد والشرك لقوله تعالى: (ودخل معه السجن (إلى: (يعصرون (
/ ٨ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لَوْ لَبِثْتُ فِى السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ أَتَانِى الدَّاعِى لأجَبْتُهُ) . قال المهلب: إنما ترجم بهذا لجواز أن يكون فى ريا أهل الشرك رؤيا صادقة كما كانت رؤية الفتيين صادقة إلا أنه لايجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إلى النبوة فى التجزئة لقوله ﷺ : (الرؤيا الحسنة يراها العبد الصالح أو ترى له جزء له ستة وأربعين جزءًا من النبوة) . فدل هذا أنه ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا وله حقيقة يكون جزءًا من ستة واربعين جزءًا من النبوة، قال أبو الحسن بن أبى طالب: وفى صدق رؤيا الفتين حجة على من زعم أن الكافر لايرى رؤيا صادقة. فإن قيل: فإذا رأى الكافر رؤيا صادقة فما مزيه المؤمن عليه فى رؤياه، ومعنى خصوصه ﵇ المؤمن بالرؤيا الصادق فى قوله: (يراها الرجل الصالح أو ترى له) ؟ . فالجواب: أن لمنام المؤمن مزية على منام الكافر فى إنباء والإعلام والفضل والإكرام، وذلك أن المؤمن يجوز أن يبشر على إحسانه وينبأ بقبول أعماله ويحذر من ذنب عمله ويردع من سوء قد أمله، ويجوز أن يبشر بنعيم الدنيا وينبأ ببؤسها، والكافر فإن جاز أن يحذر ويتوعد على كفره فليس عنده ما عند المؤمن من الأعمال الموجبة لثواب الآخرة وكل مابشر به الكافر من حالة وغبط به من أعماله، فذلك
стр. 4903
غرور من عدوه ولطف من مكائده فنقص لذلك حظه من الرؤيا الصادقة عن حظ المؤمن لأن النبى ﵇ حين قال: (رؤيا المؤمن ورؤيا الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) لم يذكر فى ذلك كافرًا ولامبتدعًا فأخرجنا لذلك مايراه الكافر من هذه التقدير والتجزئة لما فى الأخبار من صريح الشرط لرؤيا المؤمن، وأدخلنا ما يراه الكافر من صالح الرؤيا فى خبره المطلق ﵇: (الرؤيا من منامات الكفار فهى من الله) ، ولم نقل كذا وكذا من النبوة لاسيما أن الشعرى وابن الطيب يريان أن جميع مايرى فى المنام من حق أو باطل خلق لله فما كان منه صادقا خلقه بحضور الملك، وما كان باطلاً خلقه بحضور الشيطان، فيضاف بذلك إليه. فإن قال: يجوز أن نسمى مايراه الكافر صالحًا؟ قيل له: نعم وبشارة أيضًا كانت الرؤيا له أو لغيره من المؤمنين لقوله ﵇: (الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له) . فاحتمل هذا الكلام أن يراها الكافر لغيره من المؤمنين وهو صالح للمؤمنين، كما أن يراه الكافر ممايدل على هدايته وإيمانه فهو صالح له فى عاقبته، وذلك حجة الله عليه وزجر له فى منامه، وقد خرج البخارى فى بعض طرق حديث عائشة (أول ما بدئ به رسول الله من الوحى الرؤيا الصالحة) أنها الصادقة؛ لأنها صالح مايرى فى المنام من
стр. 4904
الأضغاث، وأباطيل الأحلام، وكما أنبأ الله الكفار فى اليقظة بالرسل وبالمؤمنين من عباده دون المشركين من أعدائه قامت الحجة على المشركين بذلك إلى يوم الدين فكذلك يجوز إنباؤهم فى المنام بما يكون حجة عليهم أيضًا. قال المهلب: وقوله: (لو لثبت فى السجن ما لبث يوسف ثم أتانى الداعى لأجبته) . هذا من تواضعه ﵇ لئلا يغلى فى مدحه فقال ﵇: (لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح وقولوا عبد الله ورسوله) (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) لكن فى حكم الأدب إذا ذكر الأنبياء والرسل أن يتواضع. وفيه: الترفيع لشأن يوسف لأنه حين دعى للإطلاق من السجن قال: ارجع إلى ربك. ولم يرد الخروج منه إلا بعد أن تقر امرأة العزيز على نفسها أنها راودته عن نفسه فأقرت وصدقته، وقالت: أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين، فخرج حينئذ. قال ابن قتيبة: فوصفه بالأناة والصبر وأنه لم يخرج حين دعى، وقلا: لو كنت مكانه ثم دعيت إلى مادعى إليه من الخروج من السجن لأجبت ولم ألبث، وهذا من حسن تواضعه على السلام؛ لأنه لو كان مكان يوسف فبادر وخرج ولم يكن عليه نقص أو على يوسف ﵇ لو خرج مع الرسول من السجن نقص ولاأثر، وإنما أراد أن يوسف لم يكن يستثقل محنة الله قيبادر ويتعجل؛ ولكنه كان صابرًا محتسبًا. وفى هذا الحديث زيادة ذكرها البخارى فى كتاب الأنبياء قال النبي
стр. 4905
- ﵇: (نحن أحق بالشك من إبراهيم؛ إذ قال: رب أرنى كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن، ورحم الله لوطًا لقد كان ياوى إلى ركن شديد، ولو ثبت فى السجن. . .) الحديث قال ابن قتيبة: وقوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) . فإنه لما نزل عليه: (وإذا قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيى الموتي) الآية. قال قوم سمعوا الآية: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال رسول الله: (أنا أحق بالشك من إبراهيم) . تواضعًا وتقديما لإبراهيم على نفسه يريد: إنا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو؟ . ومثل هذا من تواضعه ﵇ قوله: (لا تفضلونى على يونس ابن متى) . فخص يونس وليس كغيره من أولى العزم من الرسل، فإذا كان لايحب أن يفضل على يونس، فغيره من الأنبياء بأن لايحب أن يفضل عليهم. وتأويل قول إبراهيم: (ولكن ليطمئن قلبى) أى بيقين البصر، واليقين جنسان: أحدهما يقين السمع، والآخر يقين البصر، ويقين البصر أعلاهما؛ ولذلك قال النبى ﷺ : (ليس الخبر كالمعاينة) حين ذكر قوم موسى وعكوفيهم على العجل قال: فأعلمه الله أن قومه عبدوا العجل فلم يلق الألواح؛ فلما عاينهم وعاكفين عليه غضب وألقى الألواح فتكسرت، وكذلك المؤمنون بالقيامة والبعث والجنة والنار متيقنون أن ذلك كله حق وهم فى القيامة عند النظر وعيان أعلى يقينًا، فأراد إبراهيم أن يطمئن قلبه بالنظر الذى هو أعلى اليقين. وقال غير ابن قتيبة: لم يشك إبراهيم ﵇ أن الله يحيى الموتى وإنما قال: أرنى كيف، والجهل بالكيفية لايقدح فى اليقين بالقدرة إذ
следующие страницы →