← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

إن تأليف سور القرآن على ما هو عليه فى مصحفنا كان على توقيف من النبى ﷺ لهم على ذلك وأمر به. وأما ما روى من اختلاف مصحف أبىّ وعلىّ وعبد الله إنما كان قبل العرض الأخير، وأن رسول الله ﷺ رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك. روى يونس عن ابن وهب قال: سمعت مالكًا يقول: إنما أُلف القرآن على ما كانوا يسمعونه من قراءة رسول الله، ومن قال هذا القول لا يقول: إن تلاوة القرآن فى الصلاة والدرس يجب أن يكون مرتبًا على حسب الترتيب الموقف عليه فى المصحف؛ بل إنما يجب تأليف سوره فى الرسم والكتابة خاصة. ولا نعلم أن أحدًا منهم قال: إن ترتيب ذلك واجب فى الصلاة، وفى قراءة القرآن ودرسه وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج بعد الكهف، ألا ترى قول عائشة للذى سألها أن تريه مصحفها ليكتب مصحفًا على تأليفه: لا يضرك أيه قرأت قبل؟ وأن ما روى عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسًا، وقالا: ذلك منكوس القلب. فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة ويبتدئ من آخرها إلى أولها؛ لأن ذلك حرام محظور، ومن الناس من يتعاطى هذا فى القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك، ويقتدر على الحفظ وهذا مما حظره الله ومنعه فى قراءة القرآن؛ لأنه إفسادٌ لسوره، ومخالفة لما قصد بها، ومما يدل أنه لا يجب إثبات القرآن فى المصاحف على تاريخ نزوله؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لوجب أن يجعلوا بعض آية سورة فى سورة أخرى وأن ينقصوا ما وقفوا عليه من سياقه ترتيب السور ونظامها؛ لأنه قد صح وثبت أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فيؤمروا بإثباتها في السورة

стр. 5182

المكية، ويقال لهم: ضعوا هذه الآية فى السورة التى يذكر فيها كذا. ألا ترى قول عائشة: وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، يعنى بالمدينة، وقد قدمنا فى المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة، ولو ألفوه على تاريخ النزول لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السور، وقد كان النبى ﷺ يقرأ بالناس فى الصلاة السورة فى الركعة ثم يقرأ فى ركعة أخرى بغير السورة التى تليها، وقول ابن مسعود فى بنى إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: هى من العتاق الأول وهن من تلادى، يعنى هن مما نزل من القرآن أولاً. قال صاحب العين: العتيق القديم من كل شىء، والتلاد: ما كسب من المال قديمًا فيريد أنهن من أول ما حفظه من القرآن. وقوله: (ثاب الناس إلى الإسلام) : رجعوا إليه. قال صاحب العين: ثاب الشىء يثوب ثؤوبا رجع. ومنه قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ) [البقرة: ١٢٥] ، أى يرجعون إليه. ٧ - باب الْقُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ / ١٨ - فيه: عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ذكر ابْن مَسْعُود، فَقَالَ: لا أَزَالُ أُحِبُّهُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذ، وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ) . / ١٩ - وَقَالَ فيه مسروق: خَطَبَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابى أَنِّى مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِى الْحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ. / ٢٠ - وَقَالَ فيه عَلْقَمَةَ: كُنَّا بِحِمْصَ، فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ

стр. 5183

رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَقَالَ: (أَحْسَنْتَ) ، وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، فَقَالَ: أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَتَشْرَبَ الْخَمْرَ؟ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ. / ٢١ - وفيه: مَسْرُوق، قَالَ: قَالَ عَبْدُاللَّهِ: وَاللَّهِ الَّذِى لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا أَنَا أَعْلَمُ، أَيْنَ أُنْزِلَتْ؟ وَلا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ؟ وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّى بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الإبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ. / ٢٢ - وفيه: أَنَس، جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ الرسول ﷺ ؟ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأنْصَارِ: أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. / ٢٣ - وَقَالَ أَنَس مرة: مَاتَ النَّبِىُّ ﷺ وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ. / ٢٤ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ عُمَرُ: أُبَىٌّ أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَىٍّ، وَأُبَىٌّ يَقُولُ: أَخَذْتُهُ مِنْ فِى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا أَتْرُكُهُ لِشَىْءٍ. قَالَ تَعَالَى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة ١٠٦] . قال أبو بكر بن الطيب: لا تدل هذه الآثار على أن القرآن لم يحفظه فى حياة النبى ﷺ غير عبد الله وسالم، ومعاذ وأُبىّ ابن كعب، وأنه لم يجمعه غير أربعة من الأنصار كما قال أنس بن مالك، فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان وعلىّ، وتميم الدارى وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثبت أنه

стр. 5184

سأل النبي في كم يقرأ القرآن؟ فقال: في شهر. فقال: إني أطيق أكثر من ذلك. .) الحديث. فجمعه عمرو بن العاص وغيره. روى أن النبى ﷺ أقرأ خمس عشرة سجدة فى القرآن، منها ثلاث فى المفصل، وفى الحج سجدتان. ذكر الأسانيد بذلك أبو بكر بن الطيب فى كتاب الانتصار. فقول أنس: لم يجمع القرآن غير أربعة. قول يتعذر العلم بحقيقة ظاهره، وله وجوه من التأويل: أحدها: أنه لم يجمعه على جميع الوجوه والأحرف، والقراءات التى نزل بها إلا أولئك النفر فقط وهذا غير بعيد؛ لأنه لا يجب على سائرهم ولا على أولئك النفر أيضًا أن يجمعوا القرآن على جميع حروفه ووجوهه السبعة، والثانى: أنه لم يجمع القرآن ويأخذه تلقينًا من فىّ النبى ﷺ غير تلك الجماعة فإن أكثرهم أخذ بعضه عنه وبعضه عن غيره، والثالث: أن يكون لم يجمع القرآن على عهد النبى من انتصب لتلقينه، وأقرأ الناس له غير تلك الطبقة المذكورة. وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبى ﷺ لأجل سبقهم إلى الإسلام وإعظام الرسول ﷺ لهم، وقد ثبت عن الصديق بقراءته فى المحراب بطوال السور التى لا يتهيأ حفظها إلا لأهل القدرة على الحفظ والإتقان، فروى ابن عيينة، عن الزهرى، عن أنس أن أبا بكر الصديق قرأ فى الصبح بالبقرة فقال عمر: كادت الشمس أن تطلع فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين، وقد علم أن كثيرًا من الحفاظ وأهل الدربة بالقرآن يتهيبون الصلاة بالناس بمثل

стр. 5185

هذه السور الطوال وما هو دونها، وهذا يقتضى أن أبا بكر كان حافظًا للقرآن، وقد صح الخبر أنه بنى مسجدًا بفناء داره بمكة قبل الهجرة، وأنه كان يقوم فيه بالقرآن ويكثر بكاؤه ونشيجه عند قراءته فتقف عليه نساء المشركين وولدانهم يسمعون قراءته، لولا علم النبى ﷺ بذلك من أمره لم يقدمه لإمامة المسلمين مع قوله: يؤم القوم أقرؤهم. وكذلك تظاهرت الروايات عن عمر أنه كان يؤم الناس بالسور الطوال، وقد أمهم بسورة يوسف فى الصبح فبلغ إلى قوله: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) [يوسف: ٨٤] ، فنشج حتى سمع بكاؤه من وراء الصفوف. وقرأ مرة سورة الحج فسجد فيها سجدتين. وروى عبد الملك بن عمير عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود قال: كان عمر أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا فى دين الله، ولولا أن هذه كانت حالته، وأنه من أقرأ الناس لكتاب الله لم يكن أبو بكر الصديق بالذى يضم إليه زيد بن ثابت، ويأمرهما بجمع القرآن واعتراض ما عند الناس، ويجعل زيدًا تبعًا له؛ لأنه لا يجوز أن ينصب لجمع القرآن واعتراضه من ليس بحافظ. وأما عثمان فقد اشتهر أنه كان ممن جمع القرآن على عهد النبى ﷺ وأنه كان من أهل القيام به، وقد قال حين أرادوا قتله فضربوه بالسيف على يده فمدها وقال: والله إنها لأول يد خطت المفصل، وقالت نائلة زوجته: إن نقتلوه فإنه كان يحيى الليل بجميع القرآن فى ركعة. وكذلك على بن أبى طالب، قد عرفت حاله فى فضله وثاقب فهمه، وسعة علمه ومشاورة الصحابة له، وإقرارهم لفضله وتربية النبي له

стр. 5186

وأخذه له بفضائل الأخلاق، وترغيبه ﷺ فى تخريجه وتعليمه، وما كان يرشحه له ويثيبه عليه من أمره نحو قوله: أقضاكم علىّ، ومن البعيد أن يقول هذا فيه وليس من قراء الأمة، وقد كان يقرأ القرآن، وقرأ عليه أبو عبد الرحمن السلمى وغيره، وروى همام، عن ابن أبى نجيح، عن عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن حدثه قال: ما رأيت رجلاً أقرأ للقرآن من علىّ بن أبى طالب، صلى بنا الصبح، فقرأ سورة الأنبياء فأسقط آية، فقرأ ثم رجع إلى الآية التى أسقطها فقرأها، ثم رجع إلى مكانه الذى انتهى إليه لا يتتعتع. فإذا صح ما قلناه مع ما ثبت من تقدمهم وتقدمة الرسول لهم وجب أن يكونوا حفاظًا للقرآن، وأن يكون ذلك أولى من الأخبار التى ذكر فيها أن الحفاظ كانوا على عهد رسول الله ﷺ أربعة ليس منهم أحد من هؤلاء الأئمة القادة الذين هم عمدة الدين وفقهاء المسلمين. ٨ - باب فَضْلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ / ٢٥ - فيه: أَبُو سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، كُنْتُ أُصَلِّى، فَدَعَانِى النَّبِىُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى كُنْتُ أُصَلِّى، قَالَ: (أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ () [الأنفال: ٢٤] ، ثُمَّ قَالَ: (أَلا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِى الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ) ، فَأَخَذَ بِيَدِى، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: لأعَلِّمَنَّكَ

стр. 5187

أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: () الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة: ٢] ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ) . / ٢٦ - وفيه: أَبُو سَعِيد الْخُدْرِىِّ، كُنَّا فِى مَسِيرٍ لَنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَىِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غَيْبٌ، فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ، فَبَرَأَ فَأَمَرَ لَهُ بِثَلاثِينَ شَاةً، وَسَقَانَا لَبَنًا، فَلَمَّا رَجَعَ، قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِى؟ قَالَ: لا، مَا رَقَيْتُ إِلا بِأُمِّ الْكِتَابِ، قُلْنَا: لا تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِىَّ ﷺ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: (وَمَا كَانَ يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِى بِسَهْمٍ) . قال المؤلف: إن قال قائل: قوله ﷺ : (لأعلمنك أعظم سورة من القرآن) يدل على تفاضل القرآن، قيل له: ليس كما توهمت؛ لأنه يحتمل أن يكون معنى قوله ﷺ : أعظم سورة فى القرآن، أى أعظم نفعًا للمتعبدين؛ لأن أم القرآن لا تجزئ الصلاة إلا بها، وليس ذلك لغيرها من السور، ولذلك قيل لها: السبع المثانى؛ لأنها تثنى فى كل صلاة هذا قول على بن أبى طالب، وأبى هريرة وغيرهما، ويشهد لهذا قوله ﷺ : (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) . وفيه: قوله ﷺ : هى السبع المثانى تفسير لقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِى) [الحجر: ٨٧] ، أن المراد بها فاتحة الكتاب، وقد روى عن السلف أقوال أخر فى تفسير السبع المثانى، فروى عن ابن عباس وابن مسعود أنها السبع الطوال؛ لأن الفرائض والقصص تثنى فيها، ويجوز أن يكون المثانى القرآن كله كما قال تعالى: (كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ) [الزمر: ٢٣] ؛ لأن الأخبار تثني فيه.

стр. 5188

ومما يدل أن قوله ﷺ : (لأعلمنك أعظم سورة) لا يوجب تفاضل القرآن بعضه على بعض فى ذاته. قوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: ١٠٦] ، ولم يختلف أهل التأويل فى أن الله تعالى لم يرد بقوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا) [البقرة: ١٠٦] ، تفضيل بعض الآيات على بعض، وإنما المراد بخير منها لعباده المؤمنين التالين لها، إما بتخفيف وعفو، أو بثواب على عمل، ولو قال قائل: أيما أفضل: آية رحمة، أو آية عذاب، أو آية وعد، أو آية وعيد؟ لم يكن لهذا جواب. ومن اختار التفاضل فى القرآن فقد أوجب فيه النقص، وأسماء الله تعالى وصفاته وكلامه لا نقص فى شىء منها فيكون بعضه أفضل من بعض، وكيف يجوز أن يكون شىء من صفاته منقوصًا غير كامل وهو قادر على أن يتم المنقوص حتى يكون فى غاية الكمال، فلا يلحقه فى شىء من صفاته نقص، تعالى الله عن ذلك، وسأزيد فى بيان هذا فى فضل) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١] . ويحتمل قوله: لأعلمنك أعظم سورة وجهًا آخر، وهو أن يكون أعظم بمعنى سورة عظيمة كما قيل الله أكبر، بمعنى: كبير، وكما قيل فى اسم الله الأعظم بمعنى: عظيم، وقد تقدم الكلام فى حديث أبى سعيد الخدرى فى كتاب الإجازة فى باب ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب ومعنى قوله ما يدريك أنها رقية فتأمله هناك.

стр. 5189

وقوله: ما كنا نأبنه، قال صاحب الأفعال: أبنت الرجل بخير أو شر نسبتهما إليه. أبنه أبنًا. ٩ - باب فَضْلِ الْبَقَرَةِ / ٢٧ - فيه: أَبُو مَسْعُود، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِى لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) . / ٢٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَكَّلَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِى آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . . فَقَصَّ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: (إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِىِّ، فَإنَّهُ لن يَزَالَ عليك مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ) ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ) . قال المؤلف: إذا كان من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه، ومن قرأ آية الكرسى كان عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح، فما ظنك بمن قرأها كلها من كفاية الله له وحرزه وحمايته من الشيطان وغيره، وعظيم ما يدخر له من ثوابها. وقد روى هذا المعنى عن النبى ﷺ وروى معمر، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى أمامة قال: قال رسول الله: (تعلموا القرآن؛ فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة، تعلموا البقرة وآل عمران، تعلموا الزهراوين، فإنهما تأتيان يوم

стр. 5190

القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما، وتعلموا البقرة فإن تعلمها بركة وإن فى تركها حسرة ولا تطيقها البطلة) . وقال ابن مسعود: إن الشيطان يخرج من البيت الذى يقرأ سورة البقرة فيه. - باب فَضْلِ الْكَهْفِ / ٢٩ - فيه: الْبَرَاء، كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَ يَدْنُو وَيَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: (تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ) . قال المؤلف: روى الثورى، عن أبى هاشم الواسطى، عن أبى مجلز، عن قيس بن عبادة عن أبى سعيد الخدرى قال: من قرأ سورة الكهف كما أنزلت ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه، ومن قرأ آخر سورة الكهف أضاء نوره من حيث قرأها ما بينه وبين مكة. وقال قتادة: من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال. والحصان: الفحل من الخيل، والشطن: الحبل، عن صاحب العين. واختلف أهل التأويل فى تفسير السكينة، فروى عن علىّ بن أبى طالب أنه قال: هى ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان.

стр. 5191

وروي عنه أنها ريح حجوج ولها رأسان. وقال مجاهد: السكينة لها رأس الهر وجناحان وذنب كذنب الهر. وعن ابن عباس والربيع: هى دابة مثل الهر، لعينها شعاع فإذا التقى الجمعان أخرجت يدها فنظرت إليهم فيهزم إليهم ذلك الجيش من الرعب. وعن ابن عباس والسدى: هى طست من ذهب من الجنة يغسل فيها قلوب الأنبياء. وعن أبى مالك: طست من ذهب ألقى موسى فيه التوراة والألواح والعصا , وعن وهب: السكينة: روح من الله تتكلم إذا اختلفوا فى شىء بين لهم ما يريدون. وعن الضحاك: السكينة: الرحمة. وعن عطاء: السكينة: ما تعرفون من الآيات فتستكينون إليها. وهذ اختيار الطبرى. وتنزل السكينة لسماع القرآن يدل على خلاف قول السدى أنها طست من ذهب، ويشهد لصحة قول من قال: أنها روح أو شيء فيه روح، والله أعلم. - باب فَضْلِ سُورَةِ الْفَتْحِ / ٣٠ - فيه: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أنَّهُ كَانَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِى بعض أسفاره ليلاَ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثلاثًا، فَقَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لا يُجِيبُكَ، قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِى حَتَّى كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِىَّ قُرْآنٌ، فَمَا فَجِئْتُ النَّبِىّ ﷺ ، فَقَالَ: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَىَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِىَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) ، ثُمَّ قَرَأَ) إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) [الفتح: ١] .

стр. 5192

قال الطبري: فإن قال قائل: ما معنى قوله ﷺ : لهى أحب إلىّ مما طلعت عليه الشمس؟ أكان النبى يحب الدنيا الحب الذى يقارب حبه، ما أخبره الله به أنه أعطاه من الكرامة، وشرفه به من الفضيلة بقوله: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) [الفتح: ١] الآية، وقد علمت أن المخبر إنما أراد المبالغة فى الخبر عن رفعة قدر النبى عنده على غيره أنه يجمع بين رفيعين من الأشياء عنده، وعن المخبرين به فيخبرهم عن فضل مكان أحدهما على الآخر عنده، وقد علمت أن النبى ﷺ لم يكن للدنيا عنده من القدر ما يعدك أدنى كرامة أكرمه الله تعالى بها فما وجه قوله: هى أحب إلىّ من الدنيا مع خساسة قدر الدنيا عنده وضعة منزلتها. قيل: لذلك وجهان أحدهما: أن يكون معنى قوله: هى أحب إلىّ مما طلعت عليه الشمس، هى أحب إلىّ من كل شىء؛ لأنه لا شىء إلا الدنيا والآخرة، فأخرج الخبر عن ذكر الشىء بذكر الدنيا؛ إذ كان لا شىء سواها إلا الآخرة. والوجه الثانى: أن يكون خاطب أصحابه بذلك، على ما قد جرى من استعمال الناس بينهم فى مخاطبتهم، من قولهم إذا أراد أحدهم الخبر عن نهاية محبته للشئ: هو أحب إلىّ من الدنيا، وما أعدل به من الدنيا شيئًا، كما قال تعالى: (كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) [العلق: ١٥] ، ومعنى ذلك: لنهيننه ولنذلنه؛ لأن الذين خوطبوا هذا الخطاب كان فى إذلالهم من أرادوا إذلاله

стр. 5193

السفع بالناصية، فخاطبهم بالذى كانوا يتعارفون بينهم، ومثله قوله ﷺ : (أحب إلىّ مما طلعت الشمس) . - باب فَضْلِ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١] / ٣١ - فيه: أَبُو سَعِيد، أَنَّ رَجُلا سَمِعَ رَجُلا يَقْرَأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١] يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِىّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) . / ٣٢ - وَقَالَ أَبُو سَعِيد فِى حديثه مرة: إن النَّبِىُّ ﷺ لأصْحَابِهِ: (أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِى لَيْلَةٍ) ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ) . اختلف العلماء فى معنى قوله: إنها تعدل ثلث القرآن، فقال أبو الحسن بن القابسى: لعل الرجل الذى بات يردد) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١] كانت منتهى حفظه، فجاء يقلل عمله، فقال له النبى ﷺ : إنها لتعدل ثلث القرآن ترغيبًا له فى عمل الخير وإن قل، ولله تعالى أن يجازى عبدًا على يسير بأفضل مما يجازى آخر على كثير، وقال غيره: معنى قوله: إنها تعدل ثلث القرآن أن الله جعل القرآن ثلاثة أجزاء: أحدها: القصص والعبر والأمثال، والثانى: الأمر والنهى والثواب والعقاب، والثالث: التوحيد والإخلاص، وتضمنت هذه السورة صفة توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة والوالد والولد، فجعل لقارئها من الثواب كثواب من قرأ ثلث القرآن.

стр. 5194

واحتجوا بحديث أبى الدرداء أن النبى ﷺ قال لأصحابه: أيعجز أحدكم أن يقرأ كل ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: نحن أعجز. قال: إن الله جزء القرآن فجعل) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١] جزءًا من أجزاء القرآن. قال المهلب: وحكاه عن الأصيلى، وهو مذهب الأشعرى وأبى بكر بن الطيب، وابن أبى زيد والداودى، وابن القابسى وجماعة علماء السنة: أن القرآن لا يفضل بعضه على بعض؛ إذ كله كلام الله وصفته، وهو غير مخلوق، ولا يجوز التفاضل إلا فى المخلوقات؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الفاضل وصفات الله تعالى لا نقص فيها؛ ولذلك لم يجز فيها التفاضل وقد قال إسحاق بن منصور: سألت إسحاق بن راهويه عن هذا الحديث فقال لى: معناه: أن الله جعل لكلامه فضلاً على سائر الكلام، ثم فضل بعض كلامه على بعض بأن جعل لبعضه ثوابًا أضعاف ما جعل لبعض تحريضًا منه ﷺ على تعليمه وكثرة قراءته، وليس معناه: أنه لو قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (ثلاث مرات، كان كأنه قرأ القرآن كله، ولو قرأها أكثر من مائتى مرة. - باب الْمُعَوِّذَاتِ / ٣٣ - فيه: عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىّ ﷺ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا. / ٣٤ - وَقَالَتْ أَيْضًا: كَانَ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (وَالمعوذات، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ،

стр. 5195

يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ. وقد تقدم حديث عائشة فى كتاب الطب فى باب الرقى بالمعوذات. ودل فعل النبى ﷺ فى رقية نفسه عند شكواه وعند نومه متعوذًا بهما على عظيم البركة فى الرقى بهما، والتعوذ بالله من كل ما يخشى فى النوم، وقد روى عبد الرزاق، عن الثورى، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن عقبة بن عامر قال: قال النبى ﷺ : أنزل علىّ آيات لم أسمع بمثلهن: المعوذتين. وقال عقبة فى حديثه مرة أخرى: قال لى النبى ﷺ : (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١] و) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) [الفلق: ١] ، و) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) [الناس: ١] تعوذ بهن، فإنه لم يتعوذ بمثلهن قط. وقد تقدم فى كتاب المرضى فى باب النفث فى الرقية من كره النفث من العلماء فى الرقية ومن أجازه. - باب نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالْمَلائِكَةِ عِنْدَ القِرَاءَةِ / ٣٥ - وفيه: مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أن أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، بَيْنَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ؛ إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ، ثُمَّ قَرَأَ، فَجَالَتِ الْفَرَسُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا، فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِىَّ ﷺ ، فَقَالَ: (اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ) ، قَالَ: فَأَشْفَقْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِى، فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِى إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لا أَرَاهَا، قَالَ: (وَتَدْرِى مَا ذَاكَ) ؟ قَالَ: لا، قَالَ: (تِلْكَ الْمَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لا تَتَوَارَى مِنْهُمْ) .

стр. 5196

في هذا الحديث أن أسيد بن حضير رأى مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فقال النبى ﷺ : (تلك الملائكة تنزلت للقرآن) ، وقال ﷺ فى حديث البراء فى سورة الكهف: (تلك السكينة نزلت للقرآن) . فمرة أخبر ﷺ عن نزول السكينة، ومرة أخرى عن نزول الملائكة، فدل على أن السكينة كانت فى تلك الظلة وأنها تنزل أبدًا مع الملائكة، والله أعلم، ولذلك ترجم البخارى باب نزول السكينة والملائكة عند القراءة. وفى هذا الحديث أن الملائكة تحب أن تسمع القرآن من بنى آدم لا سيما قراءة المحسنين منهم، وكان أسيد بن حضير حسن الصوت بالقرآن ودل قوله ﷺ لأسيد: لو قرأت لأصبحت تنظر الناس إليها لا تتوارى منهم على حرص الملائكة على سماع كتاب الله من بنى آدم. وقد جاء فى الحديث أن البيت الذى يقرأ فيه القرآن يضئ لأهل السماء كما يضئ النجم لأهل الأرض وتحضره الملائكة، وهذا كله ترغيب فى حفظ القرآن، وقيام الليل به، وتحسين قراءته. وفيه جواز رؤية بنى آدم للملائكة إذا تصورت فى صورة يمكن للآدميين رؤيتها، كما كان جبريل ﷺ يظهر للنبى ﷺ فى صورة رجل فيكلمه، وكثيرًا ما كان يأتيه فى صورة دحية الكلبى وقد تقدم فى باب الكهف تفسير السكينة بما أغنى عن إعادته. وقوله: (لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم) حجة لمن قال: إن السكينة روح أو شىء فيه روح؛ لأنه لا يصح حب استماع القرآن إلا لمن يعقل.

стр. 5197

١٥ - باب مَنْ قَالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ إِلا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ / ٣٦ - فيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّهُ سُئل: هل تَرَكَ النَّبىُّ ﷺ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. ومُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ مثله . - باب الْوَصاةِ بِكِتَابِ اللَّهِ / ٣٧ - فيه: طَلْحَةُ، أَنَّهُ سَأَل عَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى: آوْصَى النَّبِىُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لا، قُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ؟ أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ، قَالَ: (أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ) . هذان البابان يردان قول من زعم أن النبى ﷺ أوصى إلى أحد، وأن على بن أبى طالب الوصى، وكذلك قال على بن أبى طالب حين سئل عن ذلك فقال: ما عندنا إلا كتاب الله وما فى هذه الصحيفة، الصحيفة مقرونة بسيفه، فيها العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مؤمن بكافر، وقد تقدم ذلك فى غير موضع. - باب فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ / ٣٨ - فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (مَثَلُ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالأتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِى لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلا رِيحَ لَهَا،

стр. 5198

وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلا رِيحَ لَهَا) . / ٣٩ - وفيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِيما خَلا مِنَ الأمَمِ كمثل مَا بَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ، عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلا، وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِى أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ) . قال المؤلف: وجه ذكر البخارى لهذين الحديثين فى هذا الباب هو أنه لما كان ما جمع طيب الريح وطيب المطعم أفضل المأكولات، وشبه النبى المؤمن الذى يقرأ القرآن بالأترجة التى جمعت طيب الريح وطيب المطعم؛ دل ذلك أن القرآن أفضل الكلام، ودل هذا الحديث على مثل القرآن وحامله والعامل به والتارك له، وكذلك حديث ابن عمر، لما كان المسلمون أكثر أجرًا من أهل التوراة وأهل الإنجيل دل ذلك على فضل القرآن على التوراة والإنجيل؛ لأن المسلمين إنما استحقوا هذه الفضيلة بالقرآن الذى فضلهم الله به، وجعل فيه للحسنة عشر أمثالها وللسيئة واحدة، وتفضل عليهم بأن أعطاهم على تلاوته لكل حرف عشر حسنات كما قال ابن مسعود، وقد أسنده عن النبى أيضًا، وقد وردت آثار كثيرة فى فضائل القرآن والترغيب فى قراءته. روى سفيان عن عاصم، عن زر عن عبد الله بن عمرو، عن النبى ﷺ قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) .

стр. 5199

وقالت عائشة: جعلت درج الجنة على عدد آى القرآن، فمن قرأ ثلث القرآن كان على الثلث من درج الجنة، ومن قرأ نصفه كان على النصف من درج الجنة، ومن قرأ القرآن كله كان فى عاليه لم يكن فوقه أحد إلا نبى أو صديق أو شهيد. وروى أبو قبيل: عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (إن القرآن والصيام يشفعان يوم القيامة لصاحبهما، فيقول الصيام: يا رب، إنى منعته الطعام والشراب فشفعنى فيه، ويقول القرآن: يا رب، إنى منعته النوم بالليل فشفعنى فيه فيشفعان فيه) . وروى أبو نعيم، عن بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبى ﷺ فسمعته يقول: إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاب فيقول: هل تعرفنى؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذى أظمأتك فى الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بما كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد فى درج الجنة وغرفها، فهو فى صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلاً. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر.

стр. 5200

- باب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) [العنكبوت: ٥١] . / ٤٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لِشَىْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِىِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) . وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ: يَجْهَرُ بِهِ. / ٤١ - وَقَالَ مرة: مَا أَذِنَ لنَّبِىّ مَا أَذِنَ اللَّه لِلنَّبِىِّ ﷺ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ. قَالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِى بِهِ. وذكر فى كتاب الاعتصام حديث أبى هريرة، عن النبى ﷺ قال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) . وزاد غيره: (يجهر به) . وذكره فى باب قوله تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ) [الملك: ١٣] . واختلف الناس فى معنى التغنى بالقرآن؛ ففسره ابن عيينة على أن المراد بالاستغناء، الذى هو ضد الافتقار، ورواه عن سعد ابن أبى وقاص، ذكر الحميدى، عن سفيان، حدثنا ابن جريج، عن ابن أبى مليكة، عن عبد الله بن أبى نهيك قال: لقينى سعد بن أبى وقاص فى السوق فقال: أتجار كبسة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) . وهكذا فسره وكيع، ومن تأول هذا التأويل كره قراءة القرآن بالألحان والترجيع. روى ذلك عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير والنخعى، وقال النخعى: كانوا يكرهون القراءة بتطريب، وكانوا إذا قرأوا القرآن قرأوه حدرًا ترتيلاً بحزن، وهو قول مالك: روى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الإلحان فى الصلاة فقال: لا يعجبنى، وأعظم القول فيه، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم.

стр. 5201

وقد روي عن ابن عيينة وجه آخر، ذكره إسحاق بن راهويه قال: كان ابن عيينة يقول: معنى قوله ﷺ : (ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى أن يتغنى بالقرآن) . يريد يستغنى به عما سواه من الأحاديث. وقالت طائفة: معنى التغنى بالقرآن: تحسين الصوت به والترجيع بقرائته، والتغنى بما شاء من الأصوات واللحون وهو معنى قوله: وقال صاحب له يريد: يجهر به. قال الخطابى: والعرب تقول: سمعت فلانا يغنى بهذا الحديث، أى يجهر به، ويصرح لا يكنى. وقال أبو عاصم: أخذ بيدى ابن جريج ووقفنى على أشعب الطماع وقال: عن ابن أخى، ما بلغ من طمعكم؟ قال: ما زفت امرأة بالمدينة إلا كشحت بيتى رجاء أن تهدى إلىّ. يقول أخبر ابن أخى بذلك مجاهدًا غير مساتر ومنه قول ذى الرمة: أحب المكان القفر من أجل أننى بها أتغنى باسمها غير معجم أى أجهر بالصوت بذكرها، لا أكنى عنها حذار كاشح أو خوف رقيب. قال المؤلف: ذكر عمر بن شيبة قال: ذكرت لأبى عاصم النبيل تأويل ابن عيينة فى قوله ﷺ : يتغنى بالقرآن: يستغنى به. فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئًا، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: كانت لداود نبى الله معزفة يتغنى عليها وتبكى ويبكى. وقال ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا، يلون فيهن، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، فإذا أراد أن يبكى نفسه لم تبق دابة فى بر أو بحر إلا أنصتن يسمعن ويبكين.

стр. 5202

ومن الحجة لهذا القول أيضًا حديث ابن معقل فى وصف قراءة رسول الله وفيه (ثلاث مرات) وهذا غاية الترجيع ذكره البخارى فى كتاب الاعتصام وسئل الشافعى عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم بهذا، لو أراد ﷺ الاستغناء لقال: من لم يستغن بالقرآن. ولكن لما قال ﷺ : يتغن بالقرآن. علمنا أنه أراد به التغنى، وكذلك فسر ابن أبى مليكة التغنى أنه تحسين الصوت به، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل. وممن أجاز الإلحان فى القراءة: ذكر الطبرى عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبى موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن. وقال مرة: من استطاع أن يغني بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل. وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتًا بالقرآن. فقال له عمر: اعرض علىّ سورة كذا، فقرأ عليه فبكى عمر وقال: ما كنت أظن أنها نزلت. وأجازه ابن عباس وابن مسعود، وروى عن عطاء بن أبى رباح، واحتج بحديث عبيد بن عمير، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتتبع الصوت الحسن فى المساجد فى شهر رمضان. وذكر الطحاوى عن أبى حنيفة وأصحابه أنهم كانوا يسمعون القرآن بالألحان، وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أبى والشافعى ويوسف بن عمير يسمعون القرآن بالألحان. واحتج الطبرى لهذا القول، وقال: الدليل على أن معنى الحديث: تحسين الصوت والغناء المعقول الذى هو تحزين القارئ سامع قراءته، كما الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذى يطرب السامع؛ ما روى سفيان عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن النبي ﵇ قال: (ما أذن الله لشىء ما أذن لنبي

стр. 5203

حسن الترنم بالقرآن) ، ومعقول عند ذوى الحجا أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به. وروى فى هذا الحديث: ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به، رواه يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى ﷺ . قال الطبرى: وهذا الحديث أبين البيان أن ذلك كما قلنا، ولو كان كما قال ابن عيينة لم يكن كذلك، وحسن الصوت والجهر به معنى. والمعروف فى كلام العرب أن التغنى إنما هو الغناء الذى هو حسن الصوت بالترجيع، وقال الشاعر: تغن بالشعر أما كنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمار قال: وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فاش فى كلام العرب وأشعارها، فلا نعلم أحدًا من أهل العلم بكلام العرب قاله، وأما احتجاجه ليصح قوله بقول الأعشى: وكنت امرءًا زمنًا بالعراق عفيف المناح طويل التغن وزعم أنه أراد بقوله: طويل التغن: طويل الاستغناء، أى الغنى، فإنه غلط، وإنما عنى الأعشى بالتغنى فى هذا الموضع الإقامة من قول العرب: غنى فلان بمكان كذا إذا أقام به، ومنه قوله تعالى: (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا) [الأعراف: ٩٢] ، وأما استشهاده بقوله: كلانا غنى عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا فإنه إغفال منه، وذلك أن التغانى تفاعل من نفسين، إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه كما يقال: تضارب الرجلان إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه، وتشاتما وتقاتلا، ومن قال هذا القول فى فعل اثنين لم يجز أن يقول مثله فى فعل الواحد، وغير جائز

стр. 5204

أن يقال: تغاني زيد وتضارب عمرو، وكذلك غير جائز أن يقال: تغنى زيد بمعنى استغنى، إلا أن يريد قائله أنه أظهر الاستغناء وهو به غير مستغن كما يقال: تجلد فلان إذا أظهر الجلد من نفسه، وهو غير جليد، وتشجع وهو غير شجاع، وتكرم وهو غير كريم، فإن وجه موجه الغنى بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده عن مفهوم كلام العرب كانت المصيبة فى خطابه فى ذلك أعظم؛ لأنه لا يوجب ذلك من تأويله أن يكون الله تعالى لم يأذن لنبيه أن يستغنى بالقرآن، وإنما أذن له أن يظهر للناس من نفسه خلاف ما هو به من الخلال، وهذا لا يخفى فساده. قال: ومما بين فساد تأويل ابن عيينة أيضًا ألا يستغنى عن الناس بالقرآن. من المحال أن يوصف أحد بأنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن إلا أن يكون الإذن عند ابن عيينة بمعنى الإذن الذى هو إطلاق وإباحة، فإن كان كذلك فهو غلط من وجهين: أحدهما: من اللغة، والثانى: من إحالة المعنى عن وجهه، فأما اللغة فإن الإذن مصدر قوله أذن فلان لكلام فلان، فهو يأذن له إذا استمع له وأنصت، كما قال تعالى: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق: ٢] ، بمعنى سمعت لربها وحق لها ذلك، كما قال عدى بن يزيد: إن همى فى سماع وأذن يمعنى: فى سماع واستماع. فمعنى قوله: ما أذن الله لشىء إنما هو ما استمع الله إلى شىء من كلام الناس إلى نبى يتغنى بالقرآن. وأما الإحالة فى المعنى فلأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون له.

стр. 5205

قال المؤلف: وقد رفع الإشكال فى هذه المسألة أيضًا ما رواه ابن أبى شيبة قال: حدثنا يزيد بن الحباب قال: حدثنا موسى بن على بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : (تعلموا القرآن وتغنوا به واكتبوه، فوالذى نفسى بيده لهو أشد تقصيًا من المخاض من العقل) . وذكر أهل التأويل فى قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) [العنكبوت: ٥١] أن هذه الآية نزلت فى قوم أتوا النبى بكتاب فيه خبر من أخبار الأمم. فالمراد بالآية الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم على ما ذكره إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة، وليس المراد بالآية الاستغناء الذى هو ضد الفقر واتباع البخارى الترجمة بهذه الآية يدل أن هذا كان مذهبه فى الحديث، والله أعلم. وسيأتى شىء من هذا المعنى فى آخر كتاب الاعتصام فى باب ذكر النبى ﷺ وروايته عن ربه ، وفى باب قول النبى ﷺ : (الماهر بالقرآن مع الكرام البررة، إن شاء الله، . - باب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ / ٤٢ - فيه: ابْن عُمَرَ، سَمِعْتُ النَّبِىّ ﷺ قَالَ: (لا حَسَدَ إِلا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ، وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالا، فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) . / ٤٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (لا حَسَدَ إِلا فِى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ

стр. 5206

اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ، فَقَالَ: لَيْتَنِى أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِىَ فُلانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا، فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِى الْحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِى أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِىَ فُلانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ) . قال المؤلف: ذكر أبو عبيد بإسناده عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: من جمع القرآن فقد حمل أمرًا عظيمًا، وقد استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغى لصاحب القرآن أن يرفث فيمن يرفث ولا يجهل فيمن يجهل، وفى جوفه كلام الله. وقال سفيان بن عيينة: من أعطى القرآن فمد عينيه إلى شىء ما صغر القرآن فقد خالف القرآن، ألم يسمع قوله : (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِى وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: ٨٧] الآية. قال: يعنى القرآن، وقوله : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا) [السجدة: ١٦] الآية. قال: هو القرآن. قال أبو عبيد: ومن ذلك قول النبى ﷺ : (ما أنفق عبد من نفقة أفضل من نفقة فى قول) . ومنه قول شريح لرجل سمعه يتكلم فقال له: أمسك عليك نفقتك. وفى حديث ابن عمر وأبى هريرة: أن حامل القرآن ينبغى له القيام به آناء الليل والنهار، ومن فعل ذلك فهو الذى يحسد على فعله فيه، وكذلك من آتاه الله مالاً وتصدق به آناء الليل والنهار، فهو المحسود عليه، ومن لم يتصدق به وشح عليه فلا ينبغى حسده عليه لما يجتنى من سوء عاقبته وحسابه عليه.

стр. 5207

- باب خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ / ٤٤ - فيه: عُثْمَان، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) . قَالَ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ وَذَاكَ الَّذِى أَقْعَدَنِى مَقْعَدِى هَذَا. وَقَالَ مرة: (إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) . / ٤٥ - وفيه: سَهْل بْنِ سَعْد، أن امْرَأَةٌ قَالَ: (أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّى قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ . . . الحديث، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. . . إلى قوله: (قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) . قال المؤلف: حديث عثمان يدل أن قراءة القرآن أفضل أعمال البر كلها؛ لأنه لما كان من تعلم القرآن أو علمه أفضل الناس وخيرهم دل ذلك على ما قلناه؛ لأنه إنما وجبت له الخيرية والفضل من أجل القرآن، وكان له فضل التعليم جاريًا ما دام كل من علمه تاليًا. وحديث سهل إنما ذكره فى هذا الباب؛ لأنه زوجه المرآة لحرمة القرآن. ومما روى فى فضل تعلم القرآن وحمله ما ذكره أبو عبيد من حديث عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ونحن فى الصفة، فقال: (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق فيأخذ ناقتين كوماوين زهراوين فى غير إثم ولا قطيعة رحم. قلنا: كلنا يا رسول الله نحب ذلك قال: فلأن بعد يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين ومن ثلاث ومن أعدادهن من الإبل. وذكر عن كعب الأحبار أن فى التوراة أن الفتى إذا تعلم القرآن وهو حديث السن وعمل به وحرص عليه وتابعه؛ خلطه الله بلحمه

стр. 5208

ودمه وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة، وإذا تعلم الرجل القرآن وقد دخل فى السن وحرص عليه، وهو فى ذلك يتابعه وينفلت منه كتب له أجره مرتين. وروى عن الأعمش قال: مر أعرابى بعبد الله بن مسعود وهو يقرئ قومًا القرآن فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: يقتسمون ميراث محمد ﷺ . وقال عبد الله بن عمرو: عليكم بالقرآن، فتعلموه وعلموه أبنائكم، فإنكم عنه تسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظًا لمن عقل. وقال ابن مسعود: لا يسأل أحد عن نفسه غير القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله، وعن أنس عن النبى ﷺ قال: (إن لله أهلين من الناس. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته) . - باب الْقِرَاءَةِ عَلى ظَهْرِ قَلبه / ٤٦ - فيه: سَهْل بْنِ سَعْدٍ، وذكر حديث الموهوبة، وَقَالَ النَّبِىّ ﷺ للرجل (مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) ؟ قَالَ: مَعِى سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّهَا، قَالَ: (أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ) ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) . قال المؤلف: هذا الحديث يدل على خلاف ما تأوله الشافعى فى إنكاح النبى ﷺ الرجل بما معه من القرآن، أنه إنما زوجه إياها بأجرة تعليمها. وقوله فى هذا الحديث: أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم. فزوجه لذلك. فدل أنه ﷺ إنما زوجها منه لحرمه استظهاره

стр. 5209

للقرآن. وقد روى عن النبي ﵇ تعظيم حامل القرآن وإجلاله وتقديمه. ذكر أبو عبيد من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة: الإمام المقسط، وذى الشيبة المسلم، وحامل القرآن) . وكان ﷺ يأمر يوم أحد بدفن الرجلين والثلاثة فى قبر واحد، ويقول: قدموا أكثرهم قرآنًا. وقد روى عن النبى ﷺ أنه أمر بالقراءة فى المصحف نظرًا من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ : (أعطوا أعينكم حظها من العبادة، قالوا: يا رسول الله، وما حظها من العبادة؟ قال: النظر فى المصحف والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه) . وقال يزيد بن أبى حبيب: من قرأ القرآن فى المصحف خفف عن والديه العذاب وإن كانا كافرين. وعن عبد الله بن حسان قال: اجتمع اثنا عشر من أصحاب رسول الله ﷺ على أن من أفضل العبادة قراءة القرآن نظرًا، وقال أسد بن وداعة: ليس من العبادة شىء أشد على الشيطان من قراءة القرآن نظرًا. وقال وكيع: قال الثورى: سمعنا أن تلاوة القرآن فى الصلاة أفضل من تلاوته فى غير الصلاة، وتلاوة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم، والقراءة فى المصحف أفضل من القراءة ظاهرًا؛ لأنها رياء. هذه الآثار من رواية ابن وضاح. - باب اسْتِذْكَارِ الْقُرْآنِ وَتَعَاهُدِهِ / ٤٧ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ) .

стр. 5210

/ ٤٨ - وفيه: ابْن مسعود، عن النَّبِيّ ﷺ : (اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ من عقلها) . أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: (تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ) . قال المؤلف: إنما شبه ﷺ صاحب القرآن بصاحب الإبل المعلقة إن عاهد عليها أمسكها وأنه يتفصى من صدور الرجال؛ لقوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) [المزمل: ٥] ، فوصفه تعالى بالثقل، ولولا ما أعان على حفظه ما حفظوه، فقال: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة: ١٧] ، وقال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) [القمر: ١٧] ، فبتيسير الله وعونه لهم عليه بقى فى صدورهم، فهذان الحديثان يفسران آيات التنزيل؛ فكأنه قال تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة: ١٧] ،) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) [القمر: ١٧] ، إذا تعوهد وقرئ أبدًا وتذكر. وقوله: أشد تفصيًا، أى تفلتًا، قال صاحب العين: فصى اللحم عن العظم إذا انفسخ، والإنسان يتفصى من الشىء إذا تخلص منه، والاسم الفصية. - باب الْقِرَاءَةِ عَلَى الدَّابَّةِ / ٤٩ - فيه: ابْنَ مُغَفَّل، رَأَيْتُ النَّبِيّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَى رَاحِلَتِهِ سُورَةَ الْفَتْحِ. إنما أراد بهذا الباب والله أعلم ليدل أن القراءة على الدابة سنة موجودة، وأصل هذه السنة فى كتاب الله تعالى، وهو قوله:

стр. 5211

) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) [الزخرف: ١٣] . - باب تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ / ٥٠ - فيه: ابْن جُبَيْر، قَالَ: إِنَّ الَّذِى تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ. قيل لَهُ: وَمَا الْمُحْكَمُ؟ قَالَ: الْمُفَصَّلُ. ذكر ابن أبى زيد قال: روى أن تعليم القرآن الصبيان يطفئ غضب الرب، وإنما سمى المفصل لكثرة السور والفصول فيه، عن ابن عباس. وقيل: إنما سمى بالمحكم أيضًا؛ لأن أكثره لا نسخ فيه. واختلف فى سن ابن عباس حين مات النبي ﷺ فروى أبو بشير، عن سعيد بن جبير فى هذا الباب ما تقدم. وقال أبو إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قبض النبى ﷺ وأنا ختين. وروي شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: توفي النبي ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة. وذكر الزبير والواقدى أن ابن عباس ولد فى الشعب، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة حين توفي النبي ﷺ .

стр. 5212

- باب نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَهَلْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟ وَقَوْلِ اللَّهِ : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى) [الأعلى: ٦] / ٥١ - فيه: عَائِشَةَ، سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ رَجُلا يَقْرَأُ فِى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: (يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِى كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا) . / ٥٢ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (مَا لأحَدِهِمْ، يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّىَ) . قال المؤلف: قد نطق القرآن بإضافة النسيان إلى العبد فى قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى) [الأعلى: ٦] وشهد ذلك بصدق حديث عائشة أنه ﷺ قال: (يرحمه الله، لقد أذكرنى كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا) . فأضاف الإسقاط إلى نفسه، والإسقاط هو النسيان بعينه. وحديث عبد الله خلاف هذا، وهو قوله ﷺ : (ما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسى) . فاستحب ﷺ أن يضيف النسيان إلى خالقه الذى هو الله تعالى وقد جاء فى القرآن عن موسى ﷺ أنه أضاف النسيان مرة إلى نفسه ومرة إلى الشيطان فقال: (فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) [الكهف: ٦٣] . وقال النبى ﷺ : (إنى لأنسى أو أنسى) ، يعنى إنى لأنسى أنا أو ينسينى ربى، فنسب النسيان مرة إلى نفسه، ومرة إلى الله تعالى هذا على قول من لم يجعل قوله: إنى لأنسى أو أنسى شكا من المحدث فى أى الكلمتين قال. وهو قول عيسى بن دينار، وليس فى شىء من ذلك اختلاف ولا تضاد فى المعنى، لأن لكل إضافة منها معنى صحيحًا فى كلام العرب، فمن أضاف النسيان إلى الله فلأنه خالقه وخالق الأفعال كلها، ومن نسبه إلى نفسه فلأن النسيان

стр. 5213

فعل منه مضاف إليه من جهة الاكتساب والتصرف، ومن نسبه إلى الشيطان فهو بمعنى الوسوسة فى الصدور وحديث الأنفس بما جعل الله للشيطان من السلطان على هذه الوسوسة، فلكل إضافة منها وجه صحيح، وإنما أراد ﷺ بقوله والله أعلم: (ما لأحدهم يقول نسيت آية كذا وكذا؛ بل هو نسى) أن يجرى على ألسن العباد نسبة الأفعال إلى بارئها وخالقها، وهو الله؛ ففى ذلك إقرار له بالعبودية واستسلام لقدرته، وهو أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها فإن نسبها إلى مكتسبها فجائز بدليل الكتاب والسنة. - باب مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ / ٥٣ - فيه: أَبُو مَسْعُود الأنْصَارِىِّ، قال ﷺ : (الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا كَفَتَاهُ) . / ٥٤ - وفيه: عُمَرَ، أَنَّهُ سَمع هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ. . . الحديث. / ٥٥ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنّ النَّبِىُّ ﷺ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فِى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: (يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِى كَذَا وَكَذَا آيَةً، أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) . فى هذه الأحاديث رد قول من يقول أنه لا يجوز أن يقول سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، وزعم أن الصواب فى ذلك أن يقال: السورة التى يذكر فيها البقرة ويذكر فيها آل عمران، وهو قول يروى عن بعض السلف. وقالوا: إذا قال سورة البقرة وسورة آل عمران فقد أضاف السورة

стр. 5214

إلى البقرة، والبقرة لا سورة لها، وقد تقدم فى كتاب الحج فى باب يكبر مع كل حصاة. - باب التَّرْتِيلِ فِى الْقِرَاءةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا) [المزمل: ٤] ، وَقَوْلِهِ: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ونزلناه تنزيلا) [الإسراء: ١٠٦] ، وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (فَرَقْنَاهُ (فَصَّلْنَاهُ. / ٥٦ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، أن رَجُلاً قَالَ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ، فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ، وَإِنِّى لأحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِى كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِىُّ ﷺ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم. / ٥٧ - وفيه: ابْن عَبَّاس، فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) [القيامة: ١٦] ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْىِ، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ (الحديث. قال المؤلف: ذكر أبو عبيد عن مجاهد فى قوله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا) [المزمل: ٤] ، قال: ترسل ترسلاً. وقال أبو حمزة: قلت لابن عباس: إنى سريع القرآءة، وإنى أقرأ القرآن فى ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة فى ليلة فأتدبرها

стр. 5215

وأرتلها خير من أن أقرأ كما تقول. وقال مرة: خير من أجمع القرآن هذرمة، وأكثر العلماء يستحبون الترتيل فى القراءة ليتدبره القارئ ويتفهم معانيه. روى علقمة عن ابن مسعود قال: لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. وذكر أبو عبيد أن رجلاً سأل مجاهداَ عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة قيامهما واحد وركوعهما واحد وسجودهما واحد، أيهما أفضل؟ قال: الذى قرأ البقرة. وقرأ: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) [الإسراء: ١٠٦] . الآية. وقال الشعبى: إذا قرأتم القرآن فاقرءوه قراءة تسمعه آذانكم، وتفهمه قلوبكم، فإن الأذنين عدل بين اللسان والقلب، فإذا مررتم بذكر الله فاذكروا الله، وإذا مررتم بذكر النار فاستعيذوا بالله منها، وإذا مررتم بذكر الجنة فاسألوها الله. وفيها قول آخر؛ روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك فى الهذ قى القراءة قال: من الناس من إذا هذ أخف عليه وإذا رتل أخطأ، ومن الناس من لا يحسن الهذ، والناس فى هذا على قدر حالاتهم وما يخف عليهم، وكل واسع. وقد روى عن جماعة من السلف أنهم كانوا يختمون القرآن فى ركعة، وهذا لا يتمكن إلا بالهذ، والحجة لهذا القول حديث أبى هريرة عن النبى ﷺ أنه قال: (خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرح فيقرأ القرآن قبل أن تسرح) ، وهذا لا يتم إلا بالهذ وسرعة القراءة، والمراد بالقرآن فى هذا الحديث الزبور.

стр. 5216

ذكره البخاري في كتاب الأنبياء وداود ﷺ ممن أنزل الله فيه: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: ٩٠] ، وإنما ذكر النبى ﷺ هذا الفعل من داود ﷺ على وجه الفضيلة له والإعجاب بفعله، ولو ذكره على غير ذلك لنسخه ولأمر بمخالفته، فدل على إباحة فعله والله أعلم، وسأذكر من كان يقرأ القرآن فى ركعة بعد هذا فى باب: فى كم يقرأ القرآن، إن شاء الله. - باب مَدِّ الْقِرَاءَةِ / ٥٨ - فيه: أَنَس أنَّهُ سُئل عن قِرَاءَةُ النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يمد مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ. وذكر أبو عبيد عن الليث عن ابن أبى مليكة، عن يعلى بن مالك عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله قراءة مفسرة حرفًا حرفًا. وقالت أم سلمة أيضًا: كان النبى ﷺ يقطع قراءته، وإنما كان يفعل ذلك والله أعلم لأمر الله له بالترتيل، وأن يقرأه على مكث، وألا يحرك به لسانه ليعجل به، فامتثل أمر ربه تعالى فكان يقرؤه على مهل ليبين لأمته كيف يقرءون، وكيف يمكنهم تدبر القرآن وفهمه. وذكر أبو عبيد عن إبراهيم قال: قرأ علقمة على عبد الله فكأنه عجل؛ فقال عبد الله: فداك أبى وأمى، رتل قراءته، زين القرآن. وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن.

стр. 5217

- باب التَّرْجِيعِ / ٥٩ - فيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ أَوْ جَمَلِهِ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ قِرَاءَةً لَيِّنَةً يَقْرَأُ، وَيُرَجِّعُ. فذكر البخارى هذا الحديث فى آخر كتاب الاعتصام، وزاد فيه: ثم قرأ معاوية قراءة لينة ورجع، ثم قال: لولا أنى أخشى أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل، يعنى عن النبى ﷺ ، فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه قال: آاثلاث مرات. وفى هذا الحديث من الفقه إجازة قراءة القرآن بالترجيع والإلحان؛ لقوله فى وصف قراءته ﷺ : آاثلاثًا، وهذا غاية الترجيع، وقد تقدم فى باب: من لم يتغن بالقرآن. ٣٠ - باب حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ / ٦٠ - فيه: أَبُو مُوسَى، أن النَّبِىِّ ﷺ قَالَ لَهُ: (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) . وروى ابن شهاب عن أبى سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى. فيقرأ عنده. وقال أبو عثمان النهدى: كان أبو موسى يصلى بنا فلو قلت: إنى لم أسمع صوت صنج قط ولا صوت بربط ولا شيئًا قط أحسن من صوته. قال أبو عبيد: ومحمل الأحاديث التى جاءت فى حسن الصوت إنما هو على طريق الحزن والتخويف والتشويق.

стр. 5218

يبين ذلك حديث أبى موسى أن أزواج النبى سمعوا قراءته فأخبر بذلك فقال: لو علمت لشوقت تشويقًا وحبرت تحبيرًا، فهذا وجهه، لا الألحان المطربة الملهية. روى سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سئل رسول الله، أى الناس أحسن صوتًا بالقرآن؟ قال: الذى إذا سمعته رأيته يخشى الله. وعن ابن أبى مليكة عن عبد الرحمن بن السائب قال: قدم علينا سعد بعد ما كف بصره فأتيته مسلمًا فانتسبنى فانتسبت له، فقال: مرحبًا بابن أخى، بلغنى أنك حسن الصوت بالقرآن، وسمعت النبى ﷺ يقول: إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا. وذكر أبو عبيد بإسناده قال: كنا على سطح، ومعنا رجل من أصحاب النبى ﷺ ، قال المحدث: ولا أعلمه إلا عيسى الغفارى، فرأى الناس يخرجون فى الطاعون يفرون فقال: يا طاعون، خذنى إليك، فقيل: أتتمنى الموت وقد نهى النبى ﷺ عن ذلك؟ قال: إنى أبادر خصالاً، سمعت النبى ﷺ يتخوفهن على أمته: بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء، وقال أبو سليمان الخطابى: قوله: آل داود، فإنه أراد داود نفسه لأنا لا نعلم أحدًا من آله أعطى من حسن الصوت ما أعطى داود قال غيره: والآل عند العرب: الشخص. قال أبو سليمان: وسئل أبو عبيدة معمر بن المثنى عن رجل أوصى لآل فلان، ألفلان نفسه المسمى من هذا شىء؟ قال: نعم. قال

стр. 5219

تعالى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٦] ، ففرعون أولهم وأنشد: ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه علىّ وعباس وآل أبى بكر يريد أبا بكر نفسه، وقال ابن عون: كان الحسن إذا صلى على النبى قال: اللهم اجعل صلواتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. يريد بآل محمد نفسه؛ لأن الأمر من الله بالصلاة إنما يتوجه إليه بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ) [الأحزاب: ٥٦] الآية. وقد يكون آل الرجل أهل بيته الأدنين، وقال زيد بن أرقم: آل محمد آل عباس وآل عقيل، وآل جعفر وآل على. وقال أبو عبيد فى قوله تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [البقرة: ٤٩] ، قال: هم أهل دينه قال: ولا يجوز ذلك إلا فى الرئيس الذى الباقون له تبع، وكذلك آل محمد إنما هم أمته وأهل دينه قال: فإذا جاوزت هذا فآل الرجل: أهل بيته خاصة. وقال بعض الناس: قول أبى عبيدة خطأ عند الفقهاء لم يقل به أحد منهم. ٣١ - باب مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ / ٦١ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قال لِى النَّبِيُّ ﷺ : (اقْرَأْ عَلَىَّ الْقُرْآنَ) ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (إِنِّى أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِى) . معنى استماعه القرآن من غيره والله أعلم ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون كى يتدبره ويفهمه، وذلك أن المستمع أقوى

стр. 5220

على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط من نفس القارئ؛ لأنه فى شغل بالقراءة وأحكامها. فإن قيل: فقد يجوز أن يكون سماعه ﷺ للقرآن من غيره كما قلت، فما وجه قراءته ﷺ القرآن على أبى، وقد ذكره البخارى فى فضائل الصحابة فى فضائل أبىّ. قيل: يحتمل أن يكون وجه ذلك ليتلقنه أبى من فيه ﷺ ، فلا يتخالجه شك فى اختلاف القراءات بعده، وذلك أنه خاف عليه الفتنة فى هذا الباب؛ لأنه لا يجوز أن يكون أحد أقرأ للقرآن من النبى ﷺ ، ولا أوعى له وأعلم به؛ لأنه نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين، قاله الخطابى، وقال أبو بكر بن الطيب نحوه، قال: قرأ النبى على أبىّ وهو أعلم بالقرآن منه وأحفظ؛ ليأخذ أبىّ نمط قراءته وسنته ويحتذى حذوه. وقد روى هذا التأويل عن أبىّ وابنه. ٣٢ - باب قَوْلِ الْمُقْرِئِ لِلْقَارِئِ حَسْبُكَ / ٦٢ - فيه: عَبْدِ اللَّه، قال لِى النَّبِىُّ ﷺ : (اقْرَأْ عَلَىَّ) ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (نَعَمْ) ، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١] قَالَ: (حَسْبُكَ الآنَ) ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. قال المؤلف: فى جواز قطع القراءة على القارئ إذا حدث على المقرئ عذر أو شغل بال؛ لأن القراءة على نشاط المقرئ أولى ليتدبر معانى القرآن ويتفهم عجائبه، ويحتمل أن يكون أمره ﷺ بقطع القراءة تنبيهًا له على الموعظة والاعتبار فى قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) [النساء: ٤١] الآية. ألا ترى أنه ﷺ بكى عندها، وبكاؤه
следующие страницы →