Полный текст (5 502 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
ذكره البخاري في كتاب الأنبياء وداود ﷺ ممن أنزل الله فيه: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: ٩٠] ، وإنما ذكر النبى ﷺ هذا الفعل من داود ﷺ على وجه الفضيلة له والإعجاب بفعله، ولو ذكره على غير ذلك لنسخه ولأمر بمخالفته، فدل على إباحة فعله والله أعلم، وسأذكر من كان يقرأ القرآن فى ركعة بعد هذا فى باب: فى كم يقرأ القرآن، إن شاء الله.
- باب مَدِّ الْقِرَاءَةِ
/ ٥٨ - فيه: أَنَس أنَّهُ سُئل عن قِرَاءَةُ النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يمد مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ. وذكر أبو عبيد عن الليث عن ابن أبى مليكة، عن يعلى بن مالك عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله قراءة مفسرة حرفًا حرفًا. وقالت أم سلمة أيضًا: كان النبى ﷺ يقطع قراءته، وإنما كان يفعل ذلك والله أعلم لأمر الله له بالترتيل، وأن يقرأه على مكث، وألا يحرك به لسانه ليعجل به، فامتثل أمر ربه تعالى فكان يقرؤه على مهل ليبين لأمته كيف يقرءون، وكيف يمكنهم تدبر القرآن وفهمه. وذكر أبو عبيد عن إبراهيم قال: قرأ علقمة على عبد الله فكأنه عجل؛ فقال عبد الله: فداك أبى وأمى، رتل قراءته، زين القرآن. وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن.
стр. 5217
- باب التَّرْجِيعِ
/ ٥٩ - فيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ أَوْ جَمَلِهِ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ قِرَاءَةً لَيِّنَةً يَقْرَأُ، وَيُرَجِّعُ. فذكر البخارى هذا الحديث فى آخر كتاب الاعتصام، وزاد فيه: ثم قرأ معاوية قراءة لينة ورجع، ثم قال: لولا أنى أخشى أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل، يعنى عن النبى ﷺ ، فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه قال: آاثلاث مرات. وفى هذا الحديث من الفقه إجازة قراءة القرآن بالترجيع والإلحان؛ لقوله فى وصف قراءته ﷺ : آاثلاثًا، وهذا غاية الترجيع، وقد تقدم فى باب: من لم يتغن بالقرآن.
٣٠ - باب حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ
/ ٦٠ - فيه: أَبُو مُوسَى، أن النَّبِىِّ ﷺ قَالَ لَهُ: (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) . وروى ابن شهاب عن أبى سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى. فيقرأ عنده. وقال أبو عثمان النهدى: كان أبو موسى يصلى بنا فلو قلت: إنى لم أسمع صوت صنج قط ولا صوت بربط ولا شيئًا قط أحسن من صوته. قال أبو عبيد: ومحمل الأحاديث التى جاءت فى حسن الصوت إنما هو على طريق الحزن والتخويف والتشويق.
стр. 5218
يبين ذلك حديث أبى موسى أن أزواج النبى سمعوا قراءته فأخبر بذلك فقال: لو علمت لشوقت تشويقًا وحبرت تحبيرًا، فهذا وجهه، لا الألحان المطربة الملهية. روى سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سئل رسول الله، أى الناس أحسن صوتًا بالقرآن؟ قال: الذى إذا سمعته رأيته يخشى الله. وعن ابن أبى مليكة عن عبد الرحمن بن السائب قال: قدم علينا سعد بعد ما كف بصره فأتيته مسلمًا فانتسبنى فانتسبت له، فقال: مرحبًا بابن أخى، بلغنى أنك حسن الصوت بالقرآن، وسمعت النبى ﷺ يقول: إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا. وذكر أبو عبيد بإسناده قال: كنا على سطح، ومعنا رجل من أصحاب النبى ﷺ ، قال المحدث: ولا أعلمه إلا عيسى الغفارى، فرأى الناس يخرجون فى الطاعون يفرون فقال: يا طاعون، خذنى إليك، فقيل: أتتمنى الموت وقد نهى النبى ﷺ عن ذلك؟ قال: إنى أبادر خصالاً، سمعت النبى ﷺ يتخوفهن على أمته: بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء، وقال أبو سليمان الخطابى: قوله: آل داود، فإنه أراد داود نفسه لأنا لا نعلم أحدًا من آله أعطى من حسن الصوت ما أعطى داود قال غيره: والآل عند العرب: الشخص. قال أبو سليمان: وسئل أبو عبيدة معمر بن المثنى عن رجل أوصى لآل فلان، ألفلان نفسه المسمى من هذا شىء؟ قال: نعم. قال
стр. 5219
تعالى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٦] ، ففرعون أولهم وأنشد: ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه علىّ وعباس وآل أبى بكر يريد أبا بكر نفسه، وقال ابن عون: كان الحسن إذا صلى على النبى قال: اللهم اجعل صلواتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. يريد بآل محمد نفسه؛ لأن الأمر من الله بالصلاة إنما يتوجه إليه بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ) [الأحزاب: ٥٦] الآية. وقد يكون آل الرجل أهل بيته الأدنين، وقال زيد بن أرقم: آل محمد آل عباس وآل عقيل، وآل جعفر وآل على. وقال أبو عبيد فى قوله تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [البقرة: ٤٩] ، قال: هم أهل دينه قال: ولا يجوز ذلك إلا فى الرئيس الذى الباقون له تبع، وكذلك آل محمد إنما هم أمته وأهل دينه قال: فإذا جاوزت هذا فآل الرجل: أهل بيته خاصة. وقال بعض الناس: قول أبى عبيدة خطأ عند الفقهاء لم يقل به أحد منهم.
٣١ - باب مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ
/ ٦١ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قال لِى النَّبِيُّ ﷺ : (اقْرَأْ عَلَىَّ الْقُرْآنَ) ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (إِنِّى أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِى) . معنى استماعه القرآن من غيره والله أعلم ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون كى يتدبره ويفهمه، وذلك أن المستمع أقوى
стр. 5220
على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط من نفس القارئ؛ لأنه فى شغل بالقراءة وأحكامها. فإن قيل: فقد يجوز أن يكون سماعه ﷺ للقرآن من غيره كما قلت، فما وجه قراءته ﷺ القرآن على أبى، وقد ذكره البخارى فى فضائل الصحابة فى فضائل أبىّ. قيل: يحتمل أن يكون وجه ذلك ليتلقنه أبى من فيه ﷺ ، فلا يتخالجه شك فى اختلاف القراءات بعده، وذلك أنه خاف عليه الفتنة فى هذا الباب؛ لأنه لا يجوز أن يكون أحد أقرأ للقرآن من النبى ﷺ ، ولا أوعى له وأعلم به؛ لأنه نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين، قاله الخطابى، وقال أبو بكر بن الطيب نحوه، قال: قرأ النبى على أبىّ وهو أعلم بالقرآن منه وأحفظ؛ ليأخذ أبىّ نمط قراءته وسنته ويحتذى حذوه. وقد روى هذا التأويل عن أبىّ وابنه.
٣٢ - باب قَوْلِ الْمُقْرِئِ لِلْقَارِئِ حَسْبُكَ
/ ٦٢ - فيه: عَبْدِ اللَّه، قال لِى النَّبِىُّ ﷺ : (اقْرَأْ عَلَىَّ) ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (نَعَمْ) ، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١] قَالَ: (حَسْبُكَ الآنَ) ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. قال المؤلف: فى جواز قطع القراءة على القارئ إذا حدث على المقرئ عذر أو شغل بال؛ لأن القراءة على نشاط المقرئ أولى ليتدبر معانى القرآن ويتفهم عجائبه، ويحتمل أن يكون أمره ﷺ بقطع القراءة تنبيهًا له على الموعظة والاعتبار فى قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) [النساء: ٤١] الآية. ألا ترى أنه ﷺ بكى عندها، وبكاؤه
стр. 5221
إشارة منه إلى معنى الوعظ؛ لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه، والإيمان به وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن.
٣٣ - باب فِى كَمْ يُقْرَأُ الْقُرْآنُ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) [المزمل: ٢٠]
. / ٦٣ - فيه: سُفْيَانُ، قَالَ لِى ابْنُ شُبْرُمَةَ: نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِى الرَّجُلَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلاثِ آيَاتٍ، فَقُلْتُ: لا يَنْبَغِى لأحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَقَلَّ مِنْ ثَلاثِ آيَاتٍ. / ٦٤ - وفيه: ابْن مَسْعُود، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِى لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) . / ٦٥ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: أَنْكَحَنِى أَبِى امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ، فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: (الْقَنِى بِهِ) ، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ: (كَيْفَ تَصُومُ) ؟ قَالَ: كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: (وَكَيْفَ تَخْتِمُ) ؟ قَالَ: كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: (صُمْ من كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةً، وَاقْرَأِ الْقُرْآنَ فِى كُلِّ شَهْرٍ) ، قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ، قَالَ: (اقْرَأْ فِى كُلِّ سَبْعِة لَيَالٍ مَرَّةً) ، فَلَيْتَنِى قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . . الحديث. قال البخارى: قال بعضهم: فى ثلاث أو فى خمس أو فى سبع وأكثرهم على سبع، وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو: اقرأه فى سبع ولا تزد على ذلك.
стр. 5222
قال المؤلف: ذكر أهل التفسير فى تأويل قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) [المزمل: ٢٠] ، قالوا: ثلاث آيات فصاعدا. ويقال: أقصر سورة فى القرآن كما قال ابن شبرمة. قوله ﷺ : من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه. نص فى أن قارئ الآيتين داخل فى معنى قوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) [المزمل: ٢٠] ، وفى حديث عبد الله بن عمرو أن النبى ﷺ أمره أن يقرأ فى سبع ليال، وكان جماعة من السلف يأخذون بهذا الحديث. روى ذلك عن عثمان بن عفان وابن مسعود وتميم الدارى، وعن إبراهيم النخعى مثله. وذكر أبو عبيد عن زيد بن ثابت أنه سئل عن قراءة القرآن فى سبع فقال: حسن، ولأن أقرأه فى عشرين أو فى النصف أحب إلىّ من أن أقرأه فى سبع، وسلنى لم ذلك؟ أردده واقف عليه، وكان أبى بن كعب يختمه فى ثمان، وكان الأسود يختم القرآن فى ست، وكان علقمة يختمه فى خمس، وروى الطيب بن سليمان، عن عمرة، عن عائشة أن رسول الله كان لا يختم القرآن فى أقل من ثلاث. وعن قتادة عن يزيد بن عبد الله الشخير عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: (لا يفقه من قرأه فى أقل من ثلاث) . وروى عن معاذ بن جبل: وكانت طائفة تقرأ القرآن كله فى ليلة أو ركعة. روى ذلك عن عثمان بن عفان وتميم الدارى، وعن علقمة وسعيد بن جبير أنهما قرأا القرآن فى ليلة بمكة، وكان ثابت البنانى يختم القرآن فى كل يوم وليلة من شهر رمضان، وكان سليمان يختم القرآن فى ليلة ثلاث مرات، ذكر ذلك كله أبو عبيد وقال: الذى أختار من ذلك ألا يقرأ القرآن فى أقل من ثلاث، لما روى عن النبى وأصحابه من الكراهة لذلك.
стр. 5223
٣٤ - باب الْبُكَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
/ ٦٦ - فيه: ابْن مسعود، أن النَّبِىّ ﷺ قال: (اقْرَأْ عَلَىَّ) ، قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١] قَالَ لِى: (كُفَّ، أَوْ أَمْسِكْ) فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ. قال المؤلف: البكاء عند قراءة القرآن حسن، قد فعله النبي ﷺ وكبار الصحابة، وإنما بكى ﷺ عند هذا لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه والإيمان به، وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن. ذكر أبو عبيد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله وهو يصلى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. وعن الأعمش عن أبى صالح قال: لما قدم أهل اليمن فى زمن أبى بكر سمعوا القرآن فجعلوا يبكون قال أبو بكر: هكذا كنا ثم قست القلوب. وقال الحسن: قرأ عمر بن الخطاب: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ) [الطور: ٧، ٨] فربا ربوة عيد منها عشرين يومًا. وقال عبيد بن عمير: صلى بنا عمر صلاة الفجر فقرأ سورة يوسف حتى إذا بلغ: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) [يوسف: ٨٤] بكى حتى انقطع فركع.
стр. 5224
وفي حديث آخر لما قرأ: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّى وَحُزْنِى إِلَى اللهِ) [يوسف: ٨٦] ، بكى حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف. وعن ابن المبارك، عن مسعر، عن عبد الأعلى التيمى قال: من أوتى من العلم ما لا يبكيه، فليس بخليق أن يكون أوتى علمًا ينفعه؛ لأن الله تعالى نعت العلماء فقال: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا) [الإسراء: ١٠٧] الآيتين. وقرأ عبد الرحمن بن أبى ليلى سورة مريم؛ فلما انتهى إلى قوله: (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) [مريم: ٥٨] ، فسجد بها، فلما رفع رأسه قال: هذه السجدة فأين البكاء؟ وكره السلف الصعق والغشى عند قراءة القرآن. ذكر أبو عبيد بإسناده عن أبى حازم قال: مر ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس حوله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن أو سمع الله يذكر خر من خشية الله، فقال ابن عمر: والله إنا لنخشى الله وما نسقط. وعن عكرمة قال: سئلت أسماء: هل كان أحد من السلف يغشى عليه من القراءة؟ فقالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون. وقال هشام بن حسان: سئلت عائشة عمن يصعق عند قراءة القرآن فقالت: القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال، ولكنه كما قال الله: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: ٢٣] .
стр. 5225
وسُئل ابن سيرين عن ذلك فقال: ميعاد بيننا وبينه أن يجلس على حائط ثم يقرأ عليه القرآن كله، فإن وقع فهو كما قال.
٣٥ - باب مَنْ رَاءَى بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ تَأَكَّلَ بِهِ، أَوْ فَخَرَ بِهِ
/ ٦٧ - فيه: عَلِىّ، قَالَ النَّبِىَّ ﷺ : (يَأْتِى فِى آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . / ٦٨ - وفيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَعَ صَلاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِى النَّصْلِ فَلا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِى الْقِدْحِ فَلا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِى الرِّيشِ فَلا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِى الْفُوقِ) . / ٦٩ - وفيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. . .) ، الحديث إلى قوله: (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ) . قال المؤلف: قوله: يقرءون القرآن، لا يجاوز حناجرهم. يعنى: لا يرتفع إلى الله، ولا يؤجرون عليه لعدم خلوص النية بقراءته لله تعالى ولذلك شبه قراءة المنافق لما كانت رياء وسمعة بطعم الريحانة المر الذى لا يلتذ به آكله، كما لا يلتذ المنافق والمرائى بأجر قراءته وثوابها.
стр. 5226
وقال حذيفة: أقرأ الناس بالقرآن منافق يقرؤه، لا يترك منه ألفًا ولا واوًا، لا يجاوز ترقوته، وقال ابن مسعود: أعربوا القرآن، فإنه يأتى عربى فسيأتى قوم يتقفونه ليسوا بخياركم. وروى أبو عبيد من حديث أبى سعيد الخدرى عن النبى ﷺ قال: تعلموا القرآن واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهى به، ورجل يستأكل به الناس، ورجل يقرأ لله. وذكر أيضًا عن زادان قال: من قرأ القرآن ليستأكل به الناس، جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم. وقال ابن مسعود: سيجئ على الناس زمان يسئل فيه بالقرآن، فإذا سألوكم فلا تعطوهم. وقوله: (ينظر فى النصل) فالنصل: حديدة السهم. والقدح: عوده والفرق منه: موضع الوتر. وجمعه أفواق وفوق وقفًا.
٣٦ - باب اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ
/ ٧٠ - وفيه: جُنْدَب، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ) . / ٧١ - وفيه: عَبْدِاللَّه، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلا يَقْرَأُ آيَةً سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقْرَأُ خِلافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: (كِلاكُمَا مُحْسِنٌ، فَاقْرَآ أَكْبَرُ عِلْمِى) ، قَالَ: (فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَأهلِكهم اللَّه) . قال المؤلف: قوله: اقرءوا ما ائتلفت قلوبكم. فيه الحض
стр. 5227
على الألفة والتحذير من الفرقة فى الدين، فكأنه قال: اقرءوا القرآن والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا اختلفتم فقوموا عنه، أى فإذا عرض عارض شبهة توجب المنازعة الداعية إلى الفرقة فقوموا عنه: أى فاتركوا تلك الشبهة الداعية إلى الفرقة، وارجعوا إلى المحكم الموجب للألفة، وقوموا للاختلاف وعما أدى إليه، وقاد إليه لا أنه أمر بترك قراءة القرآن باختلاف القراءات التى أباحها لهم لأنه قال لابن مسعود والرجل الذى أنكر عليه مخالفته له فى القراء: كلاكما محسن، فدل أنه لم ينهه عما جعله فيه محسنًا، وإنما نهاه عن الاختلاف المؤدى إلى الهلاك بالفرقة فى الدين.
стр. 5228
كِتَاب التَّمَنِّى
- بَاب مَنْ يتمنى الشَّهَادَةَ
/ ١ - فيه أبو هريرة: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَوْلا أَنَّ رِجَالا يَكْرَهُونَ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِى، وَلا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ مَا تَخَلَّفْتُ، لَوَدِدْتُ أَنِّى أُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) . فيه من الفقه: جواز تمنى الخير وأفعال البر والرغبة فيها، وإن علم أنه لا ينالها حرصًا على الوصول إلى أعلى درجات الطاعة. وفيه: فضل الشهادة على سائر أعمال البر لأنه ﷺ تمناها دون غيرها، وذلك لرفيع درجتها، وكرامة أهلها لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وذلك والله أعلم لسماحة أنفسهم ببذل مهجتهم فى مرضاة الله وإعزاز دينه، ومحاربة من حاده وعاداه، فجازاهم بأن عوضهم من فقد حياة الدنيا الفانية الحياة الدائمة فى الدار الباقية، فكانت المجازاة من حسن الطاعة.
- باب تَمَنِّى الْخَيْرِ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇: (لَوْ كَانَ لِى أُحُدٌ ذَهَبًا
/ ٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (لَوْ كَانَ لِى أُحُدٌ ذَهَبًا
стр. 5229
، لأحْبَبْتُ أَنْ لا يَأْتِىَ عَلَىَّ ثَلاثٌ وَعِنْدِى مِنْهُ دِينَارٌ، لَيْسَ شَىْءٌ أَرْصُدُهُ فِى دَيْنٍ عَلَىَّ أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ) . فى هذا الحديث من الفقه جواز تمنى الخير وأفعال البر لأنه ﷺ تمنى لو كان له مثل أحد ذهبًا لأحب أن ينفقه فى طاعة الله قبل أن يأتى عليه ثلاث ليال. وقد تمنى الصالحون ما يمكن كونه وما لا يمكن حرصًا منهم على الخير، فتمنى بنو الزبير منازل من الدنيا لتنفذ أموالهم فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. روى أن عبد الله وعروة وصعبًا بنى الزبير بن العوام اجتمعوا عند الكعبة، فقال عبد الله: أحب أن لا أموت حتى أكون خليفة. وقال مصعب: أحب أن ألى العراقين: الكوفة والبصرة، وأتزوج سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة. وقال عروة: لكننى أسأل الله الجنة، فصار عبد الله ومصعب إلى تمنيا، وترون أن عروة صار إلى الجنة إن شاء الله، وما تمنوه مما لا سبيل إلى كونه تصغيرًا لأنفسهم وتحقيرًا لأعمالهم، فتمنوا أنهم لم يخلقوا وأنهم أقل الموجودات. روى عن أبى بكر الصديق أنه قال: وددت أنى خضرة تأكلنى الدواب. وتناول عمر بن الخطاب تبنة من الأرض فقال: ليتنى كنت هذه، ليتنى لم أك شيئًا، ليت أمى لم تلدنى، ليتنى كنت نسيًا منسيًا. وقرأ عمر: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الإنسان: ١] ، فقال: يا ليتها تمت. وقال عمران بن حصين: وددت أنى رماد على أكمة تسفينى الرياح فى يوم عاصف.
стр. 5230
وقال أبو ذر: وددت أن الله خلقنى شجرة تقضم. ومرت عائشة بشجرة فقالت: يا ليتنى كنت ورقة من هذه الشجرة. وقال أبو عبيدة: وددت أنى كبش فيذبحنى أهلى فيأكلون لحمى ويحسون مرقى. وإنما حملهم على ذلك شدة الخوف من مسائلة الله والعرض عليه، وعلى قدر العلم بالله يكون الخشية منه، ولذلك قال الفضيل: من مقت نفسه فى الله أمنه الله من مقته.
٣ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْىَ، وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا
وذكره من حديث جابر أيضًا. قوله: (لو استقبلت من أمرى ما استدبرت) أى لو علمت أن أصحابى يأتون من العمرة فى أشهر الحج ما أحرمت بالحج مفردًا، ولأحرمت بالعمرة فلو أحرمت بالعمرة لم يكرهها أحد منهم، وللانت نفوسهم لفعلى لها واختيارى فى نفسى، فكرهوها حين أمرهم بها؛ لكونهم على خلاف فعل نبيهم؛ مع أنهم كانوا فى الجاهلية يكرهون العمرة فى أشهر الحج فتمنى ﷺ موافقة أصحابه وكره ما ظهر منهم من الإشفاق لمخالفتهم له، ففى هذا من الفقه أن الإمام والعالم ينبغى له أن يسلك سبيل الجمهور وألا يخالف الناس فى سيرته وطريقته.
стр. 5231
٤ - باب قَول النَّبِيّ ﷺ : (لَيْتَ كَذَا وَكَذَا
/ ٣ - فيه: عَائِشَة، قَالَتْ: أَرِقَ النَّبِىُّ ﵇ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: (لَيْتَ رَجُلا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِى يَحْرُسُنِى اللَّيْلَةَ) ؛ فأتى سَعْد: فحرسه. وَقَالَ بِلالٌ: أَلا لَيْتَ شِعْرِى هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِى إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ فَأَخْبَرْت عَائِشَة النَّبِىَّ ﷺ . قال المؤلف: فيه أباحة تمنى ما ينتفع به فى الدنيا، ويمكن أن يكون هذا الحديث قبل أن ينزل عليه: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: ٦٧] ، فلما علم ذلك لم يحتج إلى حارس بعد، ويمكن أن يفعله ﷺ بعد نزول الآية عليه ليستن به الأمراء، ولا يضيعوا حرس أنفسهم فى أوقات الغرة والغفلة، والله أعلم.
٥ - باب تَمَنِّى الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ
/ ٤ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لا تَحَاسُدَ إِلا فِى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِىَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا يُنْفِقُهُ فِى حَقِّهِ، فَيَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِىَ لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) . هذا من الحسد الحلال، والحاسد فيه مشكور؛ لأنه إنما حسده على العمل بالقرآن والعلم، وحسد صاحب المال على نفقته له فى حقه فلم يقع الحسد على شيء من أمور الدنيا، وإنما وقع على ما يرضى الله ويقرب منه، فلذلك كان تمنيه حسنًا، وكذلك تمنى سائر أبواب
стр. 5232
الخير إنما يجوز منه ما كان فى معنى هذا الحديث إذا خلصت النية فى ذلك لله، وخلص ذلك من البغى والحسد.
٦ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَنِّى قول اللَّه تَعَالَى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: ٣٢]
/ ٥ - فيه: أَنَس: لَوْلا أَنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (لا تَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَتَمَنَّيْتُ) . / ٦ - فيه: خباب مثله. / ٧ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ) . قال المهلب: بين الله تعالى فى هذه الآية ما لا يجوز تمنيه، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهه. قال الطبرى: وقيل: إن هذه الآية نزلت فى نساء تمنين منازل الرجال، وأن يكون لهن ما لهم فنهى الله تعالى عن الأمانى الباطلة؛ إذ كانت الأمانى الباطلة تورث أهلها الحسد والبغى بغير الحق. وقال ابن عباس فى هذه الآية: لا يتمنى الرجل يقول: ليت لى مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك وأمر عباده أن يسألوه من فضله. وسئل الحسن البصرى فقيل له: الرجل يرى الدار فتعجبه والدابة فتعجبه فيقول: ليت لي مثل هذه الدار، ليت لى مثل هذه الدابة. قال الحسن: لا يصلح هذا. قيل له: فيقول: ليت لى مثل هذه الدار. فقال: ولا هذا. قيل له: إنا كنا لا نرى بأسًا بقوله: ليت لي مثل
стр. 5233
هذا. فقال الحسن: ألا ترى قوله : (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) [العنكبوت: ٦٢] أتدرى ما يقدر له؟ ينظر إن كان خيرًا أن يبسطه له بسطه، وإن كان خيرًا أن يمسكه عنه أمسكه، فينطلق إلى شىء نظر الله فيه أنه خير لك فأمسكه عنك فتسأله إياه، فلعلك لو أعطيت ذلك كان فيه هلكة فى دينك ودنياك، ولكن إذا سألت فقل: اللهم إنى أسألك من فضلك، فإن أعطاك أعطاك خيارًا، وإن أمسك عنك أمسك خيارًا. ومعنى نهيه ﷺ عن تمنى الموت، فإن الله قد قدر الآجال فمتمنى الموت غير راضٍ بقدر الله ولا مسلم لقضائه، وقد بين النبى ﷺ ما للمحسن والمسئ فى أن لا يتمنى الموت، وذلك ازدياد المحسن من الخير ورجوع المسئ عن الشر، وذلك نظر من الله للعبد وإحسان منه إليه خير له من تمنيه الموت، وقد تقدم فى كتاب المرضى حيث يجوز تمنى الموت، وحيث لا يجوز، والأحاديث المعارضة فى ذلك وبيان معانيها فى باب تمنى الموت.
٧ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ: لَوْلا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
/ ٨ - فيه: الْبَرَاء، قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ يَوْمَ الأحْزَابِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، يَقُولُ: (لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، نَحْنُ وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا) . لولا عند العرب يمتنع بها الشىء لوجود غيره يقول: لولا زيد ما صرت إليك: أى كان مصيرى إليك من أجل زيد، وكذلك قوله: (لولا الله ما اهتدينا) . أى كان هدانا من أجل هداية الله لنا
стр. 5234
فوجود الهدى منع وقوع الضلال، وذلك كله من فعل الله بعباده فلا يفعل العبد الطاعة ولا يجتنب المعصية إلا بقدر الله وقضائه على العبد.
٨ - باب كَرَاهَةِ التَمَنِّى لِقَاءِ الْعَدُوِّ
/ ٩ - فيه: عَبْدُاللَّهِ بْنُ أَبِى أَوْفَى، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ) . قد تقدم هذا الباب فى كتاب الجهاد، وجملة معناه: النهى عن تمنى المكروهات والتصدى للمحذورات، ولذلك سأل السلف العافية من الفتن والمحن؛ لأن الناس مختلفون فى الصبر على البلاء.
٩ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوْ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً) [هود: ٨٠]
/ ١٠ - فيه: ابْن عَبَّاس، ذكر الْمُتَلاعِنَيْنِ، فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: أَهِىَ الَّتِى قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ؟) قَالَ: لا، تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ. / ١١ - وفيه: ابْن عَبَّاس، أَعْتَمَ النَّبِىُّ ﷺ بِالْعِشَاءِ، فَخَرَجَ عُمَرُ، فَقَالَ الصَّلاةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، يَقُولُ: (لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأمَرْتُهُمْ بِالصَّلاةِ هَذِهِ السَّاعَةَ) .
стр. 5235
/ ١٢ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ) . / ١٣ - وفيه: أَنَس، وَاصَلَ النَّبِىُّ ﷺ آخِرَ الشَّهْرِ، وَوَاصَلَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَبَلَغَ النَّبِىَّ ﷺ ، فَقَالَ: (لَوْ مُدَّ بِىَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ) . وَقَالَ مرة: (لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ، كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ) . / ١٤ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِى الْبَيْتِ، وَأَنْ أَلْصِقْ بَابَهُ فِى الأرْضِ) . / ١٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (لَوْلا الْهِجْرَةُ؛ لَكُنْتُ امْرًَا مِنَ الأنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِىَ الأنْصَارِ أَوْ شِعْبَ الأنْصَارِ) . / ١٦ - وعن عبد الله بن زيد، مثله. (لو) : تدل عند العرب على امتناع الشىء لامتناع غيره كقوله: لو جاءنى زيد لأكرمتك. معناه: أنى امتنعت من كرامتك لامتناع زيد من المجئ. وقوله: (لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً) [هود: ٨٠] جواب لو محذوف كأنه قال: لحلت بينكم وبين ما جئتم له من الفساد، وحذفه أبلغ؛ لأنه يحصر النفى بضروب المنع. فإن قيل: لم قال: (أو آوى إلى ركن شديد) مع أنه يأوى إلى الله؟ فالجواب: أنه إنما أراد العدة من
стр. 5236
الرجال، وإلا فله ركن وثيق مع معونة الله ونصره، وتضمنت الآية البيان عما يوجبه حال المحق إذا رأى منكرًا لا يمكنه إزالته مع التحسر على قوة أو معين على دفعه لحرصه على طاعة ربه، وجزعه من معصيته، فامتنع من الانتقام من قومه لامتناع من يعينه على ذلك. وقوله: (لو كنت راجعًا بغير بينة) : امتنع من رجم المرأة لامتناع وجود البينة، وكذلك امتنع من معاقبتهم بالوصال لامتناع امتداد الشهر، ومثله: لو سلك الناس واديًا لسلكت وادى الأنصار. قال المهلب: وإنما قال ذلك للأنصار تأنيسًا لهم ليغبطهم بحالهم، وأنها مرضية عنده وعند ربهم، لكنه أعلمهم بأنه امتنع من أن يساويهم فى حالهم لوجود الهجرة التى لا يمكنه تركها، وسائر ما فى الباب من الأحاديث؛ فإنها بلفظ لولا التى تدل على امتناع الشىء لوجود غيره كقوله: (لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة) ، و (لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة) فامتنع من أمرهم بذلك لوجود المشقة بهم عند امتثالهم أمره. وقوله: (لولا أن قومك حديث عهدهم بالكفر فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر فى البيت) . فامتنع ﷺ من هدم البيت وبنيانه على قواعد إبراهيم من أجل الإنكار الحاصل لذلك. قال الطبرى: فإن قال قائل: فقد روى ابن عيينة عن ابن عجلان عن الأعرج عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شىء فلا تقل: لو أنى فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو مفتاح
стр. 5237
الشيطان) . فنهى عن لو فى هذا الحديث، وهذا معارض لما جاء من إباحة لو فى كتاب الله، وفى الأحاديث المروية فى ذلك. قيل له: لا تعارض بين شىء من ذلك، ولكل وجه ومعنى غير معنى صاحبه؛ فأما نهيه عن اللو فى حديث ابن عجلان فمعناه: لا تقل أنى لو فعلت كذا لكان كذا على القضاء والحتم، فإنه كائن لا محالة، فأنت غير مضمر فى نفسك شرط مشيئة الله، هذا الذى نهى عنه؛ لأنه قد سبق فى علم الله كل ما يناله المرء. قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) [الحديد: ٢٢] . فأما إذا كان قائله ممن يوقن بأن الشرط إذا وجد لم يكن المشروط إلا بمشيئة الله وإرادته، فذلك هو الصحيح من القول، وقد قال أبو بكر الصديق للنبى ﷺ وهو فى الغار: لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا. فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، ولم ينكر ذلك عليه صلى الله عليه؛ إذا كان عالما بمخرج كلامه، وأنه إنما قال ذلك على ما جرت به العادة، واستعمله الناس علة ما الأغلب كونه عند وقوع السبب الذى ذكره، وإن كان قد كان جائزًا أن يرفع جميع المشركين الذين كانوا فوق الغار أقدامهم ثم ينظروا فيحجب الله أبصارهم عن رسوله، وعن صاحبه فلا يراهما منهم أحد، وكان جائز أن يحدث الله عمىً فى أبصارهم، فلا يبصرونهما، مع أسباب غير ذلك كثيرة، وأن أبا بكر لم يقل ذلك إلا على إيمان منه بأنهم لو رفعوا أقدامهم لم يبصروا رسول الله إلا أن يشاء الله ذلك، فهذا مفسرًا لحديث ابن عجلان وناف للتعارض فى ذلك، والله الموفق.
стр. 5238
كِتَاب الْقَدَرِ
- باب فِى الْقَدَرِ
/ ١ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ، بِرِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ، أَوِ الرَّجُلَ، يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا، (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ، أَوْ ذِرَاعَيْنِ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا) . / ٢ - وفيه: أَنَس، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : (وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، نُطْفَةٌ، أَىْ رَبِّ، عَلَقَةٌ، أَىْ رَبِّ، مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِىَ خَلْقَهَا، قَالَ: أَىْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِىٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِى بَطْنِ أُمِّهِ) . قال المهلب: فى هذا الحديث رد لقول القدرية واعتقادهم أن العبد يخلق أفعاله كلها من الطاعات والمعاصى، وقالوا: إن الله منزه
стр. 5239
عن أن يخلق المعاصي والزنا والكفر وشبهه، فبان فى هذا الحديث تكذيب قولهم، بما أخبر ﷺ أنه يكتب فى بطن أمه شقى أو سعيد مع تعريف الله العبد أن سبيل الشقاء هو العمل بالمعاصى والكفر، فكيف يجوز أن يعمل بما أعلمه الله أنه يعذبه عليه، ويشقيه به، مع قدرة العبد على اختياره لنفسه، وخلقه لأعماله دون الله، تعالى الله أن يكون معه خالق غيره. ثم قطع القدرية بقوله: فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، فلو كان الأمر إلى اختياره أتراه كان يختار خسارة عمله طول عمره بالخير، ثم يخلق لنفسه عملاً من الشر والكفر، فيدخل به النار؟ وهل السابق له إلا فعل ربه وخلقه له، وخلق عمله للشئ كسبًا له فاكتسبه العبد لشهوة نفسه الأمارة بالسوء مستلذًا بذلك العمل الذى أقدره الله عليه بقدرة خلقها له بحضرة الشيطان المغوى لنفسه الأمارة له مع الشيطان بالسوء فاستحق العقاب على ذلك. فانقطعت حجة العبد بالنذارة، وانقطعت حجة القدرية بسابق كتاب الله على العبد العارف بما آل أمره، باكتسابه للعمل القبيح، لخلق الله له قدرة على عمله بحضرة عدويه: نفسه وشيطانه، ولذلك نسب الشر إلى الشيطان لتزيينه له، ونسب الخير إلى الله لخلقه لعبده، وإقداره للعبد عليه بحضرة الملك المسدد له، الدافع لشيطانه عنه بعزة الله وعصمته. هذا هو أصل الكلام على القدرية ثم يلزم القدرية أن يكون العبد شريكًا لله فى خلقه بأن يكون العبد يخلق أفعاله والله قد أبى من ذلك بقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ) [الزمر: ٦٢] ، وقوله: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) [فاطر: ٣] ، فخالفوا النص
стр. 5240
وأوجبوا للعبد من القدرة على خلق أعماله ما أوجبه الله لنفسه تعالى من الانفراد بالخلق، ولذلك سميت القدرية: مجوس هذه الأمة لقولها بخالقين مثل ما قالته المجوس من اعتبارها لأرباب من الشمس والقمر والنور، والنار والظلمة، كل على اختياره، وقد نص الله على إبطال قول القدرية لعلمه بضلالتهم ليهدى بذلك أهل سنته فقال: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات: ٩٦] . وقوله: يجمع فى بطن أمه: قد فسره ابن مسعود، سئل الأعمش عن قوله: يجمع فى بطن أمه قال: حدثنى خيثمة قال: قال عبد الله: إن النطفة إذا رفعت فى الرحم، فأراد الله أن يخلق منها بشرًا طارت فى بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة ثم تصير دمًا فى الرحم فذلك جمعها.
- بَاب جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ قوله تَعَالَى: (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) [الجاثية: ٢٣]
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِىَ النَّبِىُّ ﷺ : (جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاقٍ) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون: ٦١] سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ. / ٣ - فيه: عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: (نَعَمْ) ، قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: (كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَوْ لِمَا يُسِّرَ لَهُ) . قال المهلب: غرض البخارى فى هذا الباب غرضه المتقدم من
стр. 5241
إدحاض حجة القدرية بهذه النصوص من كلام رسوله، فأخبر أنه قد فرغ من الحكم على كل نفس، وكتب القلم ما يصير إليه العبد من خير أو شر فى أم الكتاب، وجف مداده على المقدور من علم الله. فأضله الله على علم به، ومعرفة بما كان يصير إليه أمره لو أهمله ألا يسمعه قد بين ذلك فى كتابه حيث يقول: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم: ٣٢] . فعرفنا أنه كان بنا عالمًا حين خلق آدم من طينة الأرض المختلفة وأحاط علمًا بما يقع من تلك الطينة لكل شخص من أشخاص ولده إلى يوم القيامة، المتناسلين من صلب إلى صلب فى أعداد لا يحيط بها إلا محيصها، وعلم ما قسمه من تلك الطينة من طيب أو خبيث، وعلم ما يعمل كل واحد من الطاعة والمعصية ليشاهد أعماله بنفسه، وكفى بنفسه شهيدًا عليه، وتشهد له عليه ملائكته وما عاينه من خلقه، فتنقطع حجته، وتحقق عقوبته ولذلك قال لأبى هريرة حين أراد أن يختصى خشية الزنا على نفسه: (قد جف القلم بما أنت لاق) . فاختص على ذلك أبو ذر، فعرفه أنه لا يعدو ما جرى به القلم عليه من خير أو شر، فإنه لابد عامله ومكتسبه، فنهاه عن الاختصاء بهذا القول الذى ظاهره التخيير، ومعنى النهى والتبكيت لمن أراد الهروب عن القدر والتعريف له أن إن فعل، فإنه أيضًا من القدر المقدور عليه فيما جف به القلم عليه.
стр. 5242
وقد سئل الحسن البصرى عن القدر فقال: إن الله خلق الخلق للابتلاء، لم يطيعوه بإكراه منه، ولم يعصوه بغلبة، ولم يهملهم من المملكة؛ بل كان المالك لما ملكهم فيه، والقادر لما قدره عليهم، فإن تأثم العباد بطاعة الله لم يكن الله صادًا عنها، ولا مبطئا؛ بل يزيدهم هدى إلى هداهم، وتقوى إلى تقواهم، وإن تأثم العباد بمعصية الله كان القادر على صرفهم؛ إن شاء فعل وإن شاء خلى بينهم وبين المعصية فيكسبونها، فمن بعد الإعذار والإنذار لله الحجة البالغة، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون، فلو شاء لهداكم أجمعين. وقال المهلب: فى حديث عمران حجة لأهل السنة على المجبرة من أهل القدر وذلك قوله: (اعملوا، فكل ميسر لما خلق له) . ولم يقل: فكل مجبر على ما خلق له، وإنما أراد لما خلق له من عمله للخير أو للشر. وقيل: إنما أراد بقوله: لما خلق له الإنسان من جنة أو نار، فقد أخبر أنه ميسر لأعمالها ومختار لا مجبر؛ لأن الخبر لا يكون باختيار، وإنما هو بإكراه.
٣ - باب اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
/ ٤ - فيه: ابْن عَبَّاس، سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَوْلادِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) . / ٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، مثله. وقَالَ عن النَّبِىّ ﵇: (مَا
стр. 5243
مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ. . .) إلى قوله: (أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) . قال المؤلف: غرضه فى هذا الباب الرد على الجهمية فى قولهم: إن الله لا يعلم أفعال العباد حتى يعملوها. فرد النبى ﷺ ذلك من قولهم، وأخبر فى هذا الحديث أن الله تعالى يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، ومصداق هذا الحديث فى قوله تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) [الأنعام: ٢٨] ، وقال فى آية أخرى: (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَّسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) [الأنفال: ٢٣] ، فإذا ثبت بهاتين الآيتين المصدقتين لحديثه ﷺ أنه يعلم ما لا يكون لو كان كيف كان يكون، فأحرى أن يعلم ما يكون، وما قدره وقضاه فى كونه. وهذا يقوى ما يذهب إليه أهل السنة أن القدر هو علم الله وغيبه الذى استأثر به فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلاً. وروى روح بن عبادة عن حبيب بن الشهيد عن محمد بن سيرين قال: ما ينكر هؤلاء، يعنى القدرية، أن يكون الله علم علمًا فجعله كتابًا. وقد قيل: إن بعض الأنبياء كان يسأل الله عن القضاء والقدر، فمحى من النبوة. وروى ابن عباس عن النبى ﷺ أنه قال: (إذا ذكر القدر فأمسكوا) . وقال بلال بن أبى بردة لمحمد بن واسع: ما تقول فى القضاء والقدر؟ فقال: أيها الأمير، إن الله لا يسأل عباده يوم القيامة عن قضائه وقدره، وإنما يسألهم عن أعمالهم. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصرى: إن الله لا يطالب
стр. 5244
خلقه بما قضى عليهم، ولكن يطالبهم بما نهاهم عنه، وأمرهم به، فطالب نفسك من حيث يطالبك ربك. وسئل أعرابى عن القدر، فقال: الناظر فى قدر الله كالناظر فى عين الشمس يعرف ضوءها، ولا يقف على حدودها. وقوله: (كما تنتجون الناقة) . قال أبو عبيد: يقال: تنتجت الناقة إذا أعنتها على النتاج.
٤ - بَاب) وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) [الأحزاب: ٣٨]
/ ٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (لا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا؛ لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا) . / ٧ - وفيه: أُسَامَةَ، أتى إِلَى النَّبِىّ ﷺ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ، أَنَّ ابْنَهَا يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا: (لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى، فكُلٌّ بِأَجَلٍ، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) . / ٨ - وفيه: أَبُو سَعِيد، بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ إذ جَاءَه رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى فِى الْعَزْلِ؟ فَقَالَ لَيْس بِنَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلا هِىَ كَائِنَةٌ) . / ٩ - وفيه: حُذَيْفَةَ، خَطَبَنَا النَّبِىُّ ﷺ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، إِنْ كُنْتُ لأرَى الشَّىْءَ قَدْ نَسِيتُ فَأَعْرِفُ مَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ. / ١٠ - وفيه: عَلِىّ، كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ فِى الأرْضِ، فَقَالَ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ) ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ
стр. 5245
الْقَوْمِ: أَفلا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لا اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَّا خُلِقَ لَهُ) ، ثُمَّ قَرَأَ) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (الآيَة [الليل: ٥] . وقال المهلب: غرضه فى هذا الباب أن يبين أن جميع مخلوقات الله من المكونات بأمره بكلمة كن من حيوان أو غيره، أو حركات العباد واختلاف إرادتهم وأعمالهم بمعاص أو طاعات؛ كل مقدر بالأزمان والأوقات، لا مزيد فى شىء منها، ولا نقصان عنها، ولا تأخير لشىء منها عن وقته، ولا تقديم قبل وقته، ألا ترى قوله ﷺ : (لا تسأل المرأة طلاق أختها) لتصرف حظها إلى نفسها، ولتنكح، فإنها لا تنال من الرزق إلا ما قدر لها، كانت له زوجة أخرى أو لم تكن. وقوله: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . فيه دليل على إبطال قول أهل الجبر؛ لأن التيسير غير الجبر، واليسرى العمل بالطاعة، والعسرى العمل بالمعصية. قال الطبرى: فى حديث علىّ أن الله لم يزل عالمًا بمن يطيعه فيدخله الجنة، وبمن يعصيه فيدخله النار، ولم يكن استحقاق من يستحق الجنة منهم بعلمه السابق فيهم، ولا استحقاقه النار لعلمه السابق فيهم، ولا اضطر أحدًا منهم علمه السابق إلى طاعة أو معصية، ولكنه تعالى نفذ علمه فيهم قبل أن يخلقهم، وما هم عاملون وإلى ما هم صائرون، إذ كان لا تخفى عليه خافية قبل أن يخلقهم، ولا بعد ما خلقهم، ولذلك وصف أهل الجنة فقال: (ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ) [الواقعة: ١٣، ١٤] ، إلى قوله: (وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ
стр. 5246
اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الواقعة: ٢٢ - ٢٤] ، وقال تعالى: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٧] . وكذلك قال فى أهل النار: (ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [فصلت: ٢٨] ، فأخبر أنه أثاب أهل طاعته جنته بطاعته، وجازى أهل معصيته النار بمعصيتهم إياه، ولم يخبرنا أنه أدخل من أدخل منهم النار والجنة لسابق علمه فيهم، ولكنه سبق فى علمه أن هذا من أهل السعادة والجنة وأنه يعمل بطاعته. وفى هذا أنه من أهل الشقاء وأنه يعمل بعمل أهل النار فيدخلها بمعصيته؛ فلذلك أمر تعالى ونهى؛ ليطيعه المطيع منهم فيستوجب بطاعته الجنة ويستحق العقاب منهم بمعصيته العاصى فيدخل بها النار، ولتتم حجة الله على خلقه. فإن قال قائل: فما معنى قوله ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) إن كان الأمر كما وصف من أن الذى سبق لأهل السعادة والشقاء لم يضطر واحدًا من الفريقين إلى الذى كان يعمل ويمهد لنفسه فى الدنيا ولم يجبره على ذلك؟ قيل: هو أن كل فريق من هذين مسهل له العمل الذى اختاره لنفسه، مزين ذلك له كما قال تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: ٧] الآية. وأما أهل الشقاء، فإنه زين لهم سوء أعمالهم لإيثارهم لها على
стр. 5247
الهدى كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) [النمل: ٤] ، وكما قال تعالى: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) [فاطر: ٨] ، وهذا يصحح ما قلناه من أن علم الله النافذ فى خلقه بما هم به عاملون، وكتابه الذى كتبه قبل خلقه إياهم بأعمالهم لم يضطر أحدًا منهم إلى عمله ذلك؛ بل هو أن المضطر إلى الشىء لا شك أنه مكره عليه، لا محب له؛ بل هو له كاره ومنه هارب، والكافر يقاتل دون كفره أهل الإيمان، والفاسق يناصب دون فسقه الأبرار؛ محاماة من هذا عن كفره الذى اختاره على الإيمان، وإيثارًا من هذا لفسقه على الطاعة، وكذلك المؤمن يبذل مهجته دون إيمانه، ويؤثر العناء والنصب دون ملاذه وشهواته حبًا لما هو له مختار من طاعة ربه على معاصيه، وأنى يكون مضطرًا إلى ما يعمله من كانت هذه صفاته؟ فبان أن معنى قوله: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) هو أن كل فريقى السعادة والشقاوة مسهل له العمل الذى اختاره، مزين ذلك له.
٥ - باب الْعَمَلُ بِالْخَوَاتِيمِ
/ ١١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، شَهِدْنَا مَعَ النَّبِيّ ﵇ خَيْبَرَ، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ يَدَّعِى الإسْلامَ: (هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) ، فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ، قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ
стр. 5248
- ﵇: (أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) ، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا، فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: صدق اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلانٌ، وَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (قُمْ يَا بِلالُ، فَأَذِّنْ: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) . / ١٢ - وروى: سَهْل، عن النَّبِىّ ﷺ : (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الأعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ) . قال المهلب: قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم) هو حكم الله فى عباده فى الخير والشر، فيغفر الكفر وأعماله بكلمة الحق يقولها العبد قبل الموت قبل المعاينة لملائكة العذاب، وكذلك يحبط عمل المؤمن إذا ختم له بالكفر. ثم كذلك هذا الحكم موجود فى الشرع كله كقوله: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) فكذلك فى العصر فجعله مدركًا لفضل الوقت بإدراك الخاتمة، وإن كان لم يدرك منه إلا أقله، وكذلك من أدرك ليلة عرفة الوقوف بها قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، وتم له ما فاته من مقدماته، كما عهد الذى لم يعمل خيرًا قط أن يحرق ويذرى فكانت خاتمة سوء عمله خشية أدركته لربه، تلافاه الله بها فغفر له سوء عمله طول عمره، هذا فعل من لا تضره الذنوب، ولا تنفعه العبادة، وإنما تنفع وتضر المكتسب لها الدائم عليها إلى أن يموت. وفى قوله: (العمل بالخواتيم) حجة قاطعة على أهل القدر في
стр. 5249
قولهم: إن الإنسان يملك أمر نفسه، ويختار لها الخير والشر، فمهما اتهموا اختيار الإنسان لأعماله الشهوانية واللذيذة عنده، فلا يتهمونه باختيار القتل لنفسه الذى هو أوجع الآلام، وأن الذى طيب عنده ذلك غير اختياره، والذى يسره له دون جبر عليه، ولا مغالب له هو قدر الله السابق فى عمله، والحتم من حكمه.
٦ - باب إِلْقَاءِ النَّذْرِ الْعَبْدَ إِلَى الْقَدَرِ
/ ١٣ - فيه: ابْن عُمَرَ، نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: (إِنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ) . / ١٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لا يَأْتِى ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَىْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ، الْقَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، وَلَكِنْ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ) . قال المهلب: هذا أبين شىء فى القدر وأنه شىء قد فرغ الله منه وأحكمه، لا أنه شىء يختاره العبد، فإذا أراد أن يستخرج به من البخيل شيئًا ينفعه به فى آخرته أو دنياه سبب له شيئًا مخيفًا أو مطمعًا فيحمله ذلك الخوف أو الطمع على أن ينذر لله نذرًا من عتق أو صدقة أو صيام، إن صرف الله عنه ذلك الخوف أو أتاه بذلك المطموع فيه، فلا يكون إلا ما قد قضى الله فى أم الكتاب، لا يحيله النذر الذى نذره عما قدره، وقد استخرج به منه ما لم يسمح به
стр. 5250
لولا المخوف الذى هرب منه، أو المطموع الذى حرص عليه حتى طابت نفسه بما لم تكن تطيب قبل ذلك. ونهيه ﷺ عن النذر، وهو من أعمال الخير أبلغ زاجر عن توهم العبد أنه يدفع عن نفسه ضرًا أو يجلب إليها نفعًا، أو يختار لها ما يشاء، ومتى اعتقد ذلك فقد جعل نفسه مشاركًا لله فى خلقه ومجوزًا عليه ما لم يقدره، تعالى الله عما يقولون. ودل هذا أن اعتقاد القلب لما لا يجب اعتقاده أعظم فى الإثم من أن يكفر بالصدقة والصلاة والصوم والحج، وسائر أعمال الجوارح التى ينذرها؛ لأن نهيه ﷺ عن هذا النذر، وإن كان خيرًا ظاهرًا يدل على أنه حابط من الفعل حين توهم به الخروج عما قدره الله تعالى فإن سلم من هذا الظن واعترف أن نذره لا يرد عنه شيئًا قد قدره الله عليه وأن الله تسبب له بما أخافه به استخراج صدقة هو شحيح بمثلها، فإنه مأجور بنذره ولم يكن حيئذ نذره منهيًا عنه، ولذلك والله أعلم عرف الله نبيه بهذا الحديث ليعرف أمته بما يجب أن يعتقدوا فى النذر فلا يحبط عملهم به.
٧ - باب لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ
/ ١٥ - فيه: أَبُو مُوسَى، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لا نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلا نَهْبِطُ وَاديًا، إِلا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا النَّبِىّ ﷺ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا) ، ثُمَّ قَالَ: (يَا عَبْدَاللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِىَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) .
стр. 5251
هذا باب جليل فى الرد على القدرية، وذلك أن معنى لا حول ولا قوة إلا بالله: لا حول للعبد، ولا قوة له إلا بالله أى: بخلق الله له الحول والقوة، التى هى القدرة على فعله للطاعة والمعصية. قال المهلب: فأخبر ﷺ أن البارئ خالق لحول العبد وقدرته على مقدوره، وإذا كان خالقًا للقدرة، فلا شك أنه خالق للشىء المقدور، فيكون المقدور كسبًا للعبد خلقًا لله تعالى بدليل قوله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ) [الأنعام: ١٠٢] ، وقوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: ٤٩] ، وقال محمد بن كعب القرظى: نزلت هذه الآية يعنى الأخيرة تعبيرًا لأهل القدر. والدليل على أن أفعالهم خلق لله أن أيديهم التى هى عندهم خالقة لأعمال الشر من التعدى والظلم وفروجهم التى هى خالقة للزنا قد توجد عاطلة عن الأعمال، عاجزة عنها، ألا ترى أن من الناس من يريد الزنا وهو يشتهيه بعضو لا آفة فيه، فلا يقدر عليه عند إرادته للزنا، ولو كان العبد خالقًا لأعماله لما عجزت أعضاؤه عند إرادته ومستحكم شهوته؛ فثبت أن القدرة ليست لها، وأنها لمقدر يقدرها إذ شاء، ويعطلها إذا شاء، لا إله إلا هو. وإنما أمرهم ﷺ بالربع على أنفسهم على جهة الرفق بهم، وقد بينا هذا المعنى فى باب: ما يكره من رفع الصوت بالتكبير فى كتاب الجهاد، وعرفهم أن ما يعلنون به من التكبير ويجتهدون فيه من الجهاد هو من فضل الله عليهم إذ لا حول لهم ولا قوة في شيء
стр. 5252
منه إلا بالله الذى أقدرهم عليه، وحببه إليهم، وإن كان فيه إتلاف نفوسهم؛ رغبة فى جزيل الأجر وعظيم الثواب. وفيه: أن التكبير يسمى دعاء؛ لقوله ﷺ : (إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا) فجعل قولهم: الله أكبر دعاء لله تعالى من أجل أنهم كانوا يريدون به إسماعه الشهادة له بالحق.
٨ - باب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ عَاصِمٌ: مَانِعٌ .
قَالَ مُجَاهِدٌ: (سَدًّا) [الكهف: ٩٤] عَنِ الْحَقِّ، يَتَرَدَّدُونَ فِى الضَّلالَةِ،) دَسَّاهَا) [الشمس: ١٠] أَغْوَاهَا. / ١٦ - فيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ ﷺ : (مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمه اللَّهُ) . قال المهلب: عرض البخارى فى هذا الباب إثبات الأمور لله، فهو الذى يعصم من نزعات الشيطان، ومن شر كل وسواس خناس من الجنة والناس، وليس من خليفة ولا أمير إلا والناس حوله رجلان: رجل يريد الدنيا والاستكثار منها، فهو يأمره بالشر ويحضه عليه ليجد به السبيل إلى انطلاق اليد على المحظورات ومخالفة الشرع، ويوهمه أنه إن لم يقتل ويغضب ويخف الناس لم يتم له شىء، ولم يرض بسياسة الله لعباده ببسط العدل وبخمد الأيدى، وأن فى ذلك صلاحًا لعباد والبلاد.
стр. 5253
ولا يخلو سلطان أن يكون فى بطانته رجل يحضه على الخير، ويأمره به لتقوم به الحجة عليه من الله فى القيامة، وهم الأقل، والمعصوم من الأمراء من عصمه لا من عصمته نفسه الأمارة بالسوء بشهادة الله عليها الخالق لها، ومن أصدق من الله حديثًا.
٩ - بَاب) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: ٩٥] وقوله: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ) [هود: ٣٦] ،) وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا) [نوح: ٢٧] .
قَالَ ابْن عَبَّاسٍ: (وَحِرْمٌ (بِالْحَبَشِيَّةِ: وَجَبَ. / ١٧ - فيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ، مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَوْ يُكَذِّبُهُ) . قال المهلب: معنى قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: ٩٥] ، أى وجب عليهم أنهم لا يتوبون، وحرام وحرم معناها واحد، والتقدير: وحرام على قرية أردنا إهلاكها التوبة من كفرهم، وهذا كقوله تعالى: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ) [هود: ٣٦] ، أى قد نفذ علم الله فى قوم نوح أنه لا يؤمن منهم إلا من قد آمن، ولذلك قال نوح: (رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح: ٢٦] ،
стр. 5254
إذ قد أعلمتني أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، فأهلكهم لعلمه أنهم لا يرجعون إلى الإيمان، وموافقة الترجمة للحديث هو قوله ﷺ : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا) فأخبر أن الزنا ودواعيه كل ذلك مقدر على العبد غير خارج من سابق قدره. وقوله: (أدرك ذلك لا محالة) إدراكه له من أجل أن الله كتبه عليه، وإنما سمى النظر والمنطق ومنى النفس وشهوتها زنا لما كانت دواعى إلى الزنا، والسبب قد يسمى باسم المسبب مجازًا واتساعًا لما بينهما من التعلق، غير أن زنا العين وزنا اللسان وتمنى النفس غير مؤاخذ به من اجتنب الزنا بفرجه؛ لأنه كذب زنا جوارحه بترك الزنا بفرجه، فاستخف زنا عينه ولسانه وقلبه؛ لأن ذلك من اللمم الذى يغفر باجتناب الكبائر، وزنا الفرج من أكبر الكبائر، فمن فعله فقد صدق زنا عينه ولسانه وقلبه؛ فيؤاخذ بإثم ذلك كله. وفى قوله: (النفس تمنى وتشتهى) دليل على أن فعل العبد ما نهاه الله عنه، مع تقدم تقديره تعالى وسابق علمه بفعله له باختيار منه أو إيثار، وليس بمجبر عليه ولا مضطر إلى فعله، وعلى هذا علق الثواب والعقاب، فسقط قول جهم بالإجبار بنص قوله ﷺ : (والنفس تمنى وتشتهى) لأن المجبر مكره مضطر، وهو بخلاف المتمنى والمشتهى، واللمم صغار الذنوب وهى مغفورة باجتناب الكبائر، وقد تقدم فى كتاب الأدب.
стр. 5255
- باب قوله تَعَالَى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) [الإسراء: ٦٠]
/ ١٨ - فيه: ابْن عَبَّاس، قِى هذه الآية هِىَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا النَّبِىّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ) [الإسراء: ٦٠] ؟ هِىَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. قال المهلب: معنى ذكر هذا الحديث فى كتاب القدر هو ما ختم الله على الناس المكذبين لرؤياه من المشركين حين جعلها فتنة لهم فى تكذيب النبى الصادق فكانت زيادة فى طغيانهم، وكذلك جعل الشجرة الملعونة فى القرآن فتنة فقالوا: كيف يكون فى النار شجرة؟ النار تحرق الشجر اليابس والأخضر، فجعل ذلك فتنة تزيد فى ضلالهم، فلا يؤمنوا على ما سبق فى علمه. قال غيره: وقوله: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) [الإسراء: ٦٠] يقتضى خلق الله للكفر به، ودواعى الكفر هى الفتنة، وذلك عدل منه تعالى. وهذا مثل قوله تعالى: (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ) [إبراهيم: ٢٧] ، فهذا عام فى فعله كفر الكافرين، وإيمان المؤمنين ودواعى الإيمان والكفر خلافًا لمن زعم أن الله غير خالق أعمال العباد. وقوله: (الشجرة الملعونة يعنى: الملعون آكلها، وهم الكفار، كما قال تعالى: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ) [الدخان: ٤٣، ٤٤] ، وقال تعالى: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الْجَحِيمِ) [الصافات: ٦٤] ، فأخبر أنها تنبت فى النار،
следующие страницы →