← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٣٠ - باب مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الإعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا، وصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَقَدْ سَلَّمَ نبِيُّ الله فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ، وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ . / ٤٨ - فيه: أنس قال: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة ١٢٥] الآيَةُ) . / ٤٩ - وفيه: ابن عمر: (بيَنْا النَّاسُ بِقُبَاء فِى صَلاَة الصُّبْحِ إِذ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيلةَ قُرآَنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنَّ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهْم إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ) . / ٥٠ - وفيه: ابن مسعود: (أن نَّبِيُّ الله صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) . اختلف العلماء فيمن اجتهد فى القبلة فاستدبرها أو شرق أو غرب، فقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثورى: لا يعيد، وهو قول عطاء، والشعبى، وسعيد بن المسيب، والنخعى، وقال النخعى: إن كان قد صلى بعض صلاته لغير القبلة، ثم عرف ذلك فى الصلاة فاستقبل القبلة ببقية صلاته، فإنه يحتسب بما كان صلى كما فعل أصحاب النبى بقباء، وهو قول الثورى، وقال مالك: من اجتهد فى القبلة فأخطأ، فإنه يعيد فى الوقت استحبابًا، وهو قول الحسن، والزهرى، وقال الشافعى: إن فرغ من صلاته ثم بان له أنه صلى إلى المغرب استأنف الصلاة، وإن لم يَبِنْ له ذلك إلا باجتهاده، فلا إعادة عليه، والذى ذهب إليه البخارى فى هذا الباب قول من قال: لا يعيد. قال ابن القصار: لأن المجتهد فى القبلة إنما أُمر بالطلب ولم يكلف

стр. 527

الإصابة، وإنما أمر الله بإصابة عين القبلة من نظر إليها، وأما من غاب عنها فلا سبيل إلى علم حقيقتها؛ لأنه إنما يعلم القبلة بغلبة الظن من مهب الرياح ومسير النجوم، وإذا كان كذلك فإنما يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد ولا يرتفع حكم الاجتهاد الأول؛ كالحاكم يحكم باجتهاده، ثم تبين له اجتهاد آخر فلا يجوز له فسخ الأول. وليس للشافعى أن يقول: إن مستدبر القبلة قد رجع من اجتهاده إلى يقين؛ لأنه لا يتيقن باستقباله نفس القبلة فى هذه الجهة، وإنما يغلب ذلك على ظنه ويُبين ذلك الإجماع على جواز صلاة أهل الآفاق ومعلوم أن كل واحدٍ منهم غير محاذ للكعبة، وإنما يحصل ذلك للأقل منهم، وقد جازت صلاتهم لوقوع ذلك بالاجتهاد، والدليل على ذلك من حديث أهل قُباء أنهم صلوا إلى غير القبلة بعد الصلاة، ثم لم يؤمروا بالإعادة؛ لأنهم لم يمكنهم الوصول إلى العلم بالجهة التى كانوا مأمورين بالصلاة إليها، وإنما صلوا إلى قبلة مفترضة عليهم كما المجتهد مُصلٍّ عند نفسه إلى القبلة. وقال المهلب: وجه احتجاج البخارى بحديث ابن عمر فى هذا الباب هو انحرافهم إلى القبلة التى افترضت وهم فى انحرافهم مصلون إلى غير القبلة، ولم يؤمروا بالإعادة بل بنوا على ما كانوا صلوا فى حال الانحراف وقبله، وكذلك المجتهد فى القبلة لا يلزمه الإعادة. وقد أشار البخارى فى ترجمته إلى هذا الاستدلال من حديث ابن مسعود فقال: وقد سلم النبى، ﵇، فى ركعتى الظهر وأقبل على الناس بوجهه، وذلك أن انصرافه وإقباله على الناس بوجهه بعد سلامه، كان وهو عند نفسه فى غير صلاة، فلما بنى على صلاته بأنه كان فى وقت استدبار القبلة فى حكم المصلى؛ لأنه لو خرج من

стр. 528

الصلاة لم يجز له أن يبنى على ما مضى منها عند أهل الحجاز، فوجب بهذا أن من أخطأ القبلة أنه لا يعيد. وقال الطحاوى: فى انحراف أهل قباء إلى الكعبة وهم فى إحرام الصلاة التى دخلوا فيها بالتوجه إلى بيت المقدس دليل أنه من لم يعلم بفرض الله ولم تبلغه الدعوة إليه، ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض فى ذلك غير لازم له، وأن الحجة فيه غير قائمة عليه، وإنما يجب عليه الفرض حين يعلمه وتقوم عليه الحجة حين يمكنه استعماله؛ ولهذا دعا رسول الله المشركين قبل أن يقاتلهم إلى الإسلام، وبَيَّنَ لهم ذلك، ثم ترك ذلك فى آخرين سواهم من بنى المصطلق وغيرهم، فقاتلوهم وهم غادون على الماء؛ لأن الدعوة قد كانت بلغتهم. فإن قال قائل: قد كان فرض استقبال الكعبة فى الصلاة وجب على أهل قباء قبل دخولهم فى الصلاة؛ لأن الآية التى أمر بذلك فيها نزلت ليلاً، إنما انحرفوا إلى الكعبة فى الصلاة التى علموا بنزول الآية فيها وقد لحقهم الفرض قبل دخولهم فى الصلاة، وإنما عُذِروا فى صلاتهم إلى غير القبلة بالجهل منهم بها. قيل له: وكيف يكون لله فرض على من لم يعلم بفرضه عليه؟ لو كان كذلك للحقت فرائضه المجانين الذين لا علم معهم، فلما كان المجانين بارتفاع العلم عنهم غير داخلين فى الفرض؛ كذلك كان كل من لم يعلم بالفرض غير واجب عليه الفرض. فإن قال: ما تقولون فى الرجل يسلم فى دار الحرب أو دار

стр. 529

الإسلام، ويمر عليه شهر رمضان لم يصمه، وتمر عليه صلوات ولم يصلها، ولم يعلم أن الله فرض شيئًا من ذلك على المسلمين، ثم علم بعد ذلك بأن هذا قد كان فرضًا من الله على المسلمين؟ . قيل له: للعلماء فى هذا قولان: أحدهما: أنه إن كان فى دار الحرب حيث لا يجد من يستعلم ذلك منه أنه لا يجب عليه قضاء شىء مما مر عليه من الفرائض، وإن كان فى دار الإسلام أو فى دار الحرب بحضرة من يمكنه استعلام ذلك منه من المسلمين أنه يجب عليه قضاء ما مر عليه من فرض الصلاة والصوم؛ لأنه قد كان يلزمه استعلام ذلك ممن بحضرته من المسلمين، وهذا قول أبى حنيفة. والقول الآخر: أنه يقضى ما مر عليه من الصلوات والصيام ويستوى فى ذلك مروره عليه فى دار الحرب أو دار السلام هذا قول أبى يوسف. قال المؤلف: وهو قول مالك والشافعى. قال الطحاوى: القول الأول أولى وليس على أهل قباء من هذا شىء؛ لأنهم كانوا على حقائق فرض قد كان لله عليهم، ولم يكن عليهم السؤال والاستعلام عن زواله عنهم ولا عن حدوث فرض غيره عليهم، لفما لم يكن ذلك عليهم سقط عنهم الفرض الحادث الذى لم يعلموا به، وليس كذلك من سواهم ممن عليه السؤال والاستعلام عن فرائض الله. وفى حديث ابن عمر: أن أفعال الرسول لازمة كأقواله حتى يأتى دليل الخصوص. وفيه: أنه يجوز أن يفتح من ليس فى الصلاة على من فى الصلاة

стр. 530

إذا عدم المصلى اليقين؛ لأن الذى أخبرهم وهم فى الصلاة بصلاة النبى إلى الكعبة كان حاضرًا واقتدى بقوله. وفيه: قبول خبر الواحد والعمل به؛ لأن الصحابة قد استعملوه وقضوا به وتركوا قبلتهم بخبر الواحد، ولم ينكر ذلك رسول الله ﷺ . ٣١ - باب حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ / ٥١ - فيه: أنس: (أَنَّ نَّبِيَّ الله رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ، فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي الصَلاة، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، وإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمَهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَزقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا) . قال المهلب: فيه إكرام القبلة وتنزيهها؛ لأن المصلى يناجى ربه فواجب عليه أن يكرم القبلة مما يكرم منه المخلوقين إذا ناجاهم واستقبلهم بوجهه؛ بل قبلة الله تعالى أولى بالإكرام. وقال طاوس، ﵀: أكرموا قبلة الله لا تبزقوا فيها. وأبان ﷺ فى هذا الحديث أن معنى نهيه عن البزاق فى القبلة إنما هو من أجل مناجاته لربه عند استقباله القبلة فى صلاته، ومن أعظم الجفاء وسُوءِ الأدب أن تتوجه إلى رب الأرباب وملك الملوك وتتنخم فى توجهك؛ وقد أعلمنا الله تعالى، بإقباله على من توجه إليه ومراعاته لحركاته.

стр. 531

وفيه: طهارة البزاق؛ لأنه لو كان غير طاهر ما بزق ﵇، فى ثوبه ولا أمر بذلك. وفيه: فضل الميمنة على الميسرة. ٣٢ - باب حَكِّ الْمُخَاطِ بِالْحَصَى مِنَ الْمَسْجِدِ / ٥٢ - فيه: أبو هريرة، وأبو سعيد: (أَنَّ نبى اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ حَصَاةً، فَحَكَّهَا، فَقَالَ: إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى) . والذى يرى البزاق فى المسجد مخير فيه إن شاء حته بحصاة أو بيده أو بما يزيله، وفائدة هذه الأحاديث تنزيه المسجد وإكرام القبلة، وقد ترجم لحديث أبى هريرة: (باب دفن النخامة فى المسجد) ، وزاد فيه: (ولا يبزق عن يمينه، فإن عن يمينه ملكًا) ، فذكر علة نهيه عن يمينه أنه من أجل كون الملك عن يمينه إكرامًا له وتنزيهًا. وقال صاحب العين: حَتَتُّ الشىء عن الثوب، فركته، والحتات: ما تحات منه، أى: تساقط. ٣٣ - باب كَفَّارَةِ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ / ٥٣ - فيه: أنس قال نبى الله: (الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا) . إنما كان البزاق فى المسجد خطيئة لنهيه عنها، ومن فعل ما نهى

стр. 532

عنه فقد أتى بخطيئة، ثم إن النبى ﷺ علم أنه لا يكاد يسلم من ذلك؛ فعرف أمته كفارة تلك الخطيئة، وأمر المصلى أن يبزق فى ثوبه، أو تحت قدمه ليعركه ويغيره، ولا تقع عليه عين أحد، غير أن ارتكاب الخطيئة لا يكون إلا بالقصد والعلم بالنهى عنها، وأما من غلبته النخامة فقد ندب إلى دفنها وحتِّها وإزالتها، ومن فعل ما ندب إليه فمأجور. وروى الطبرى قال: حدثنا عمرو بن على، ثنا ابن أبى عدى، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن محمد بن أبى عتيق، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: سمعت النبى يقول: (إذا تنخم أحدكم فى المسجد فليغيب نخامته لا تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه) . قال الطبرى: وفى هذا من الفقه ترخيص الرسول فى التفل فى المسجد والتنخم فيه إذا دفنه، وأبان عن معنى كراهته لذلك إذا لم تدفن، وذلك أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه، وإذا كان ذلك كذلك فبين أن متنخمًا لو تنخم فى المسجد فى غير قبلته بحيث يأمن أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه، فلا حرج عليه فيه واستحب له أن يدفنه، وإن كان بموضع يأمن أن يصيب به أحدًا لقوله: (البزاق فى المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) ، يعم بذلك المسجد كله، ولم يخصص منه موضعًا دون موضع، فخبرُ سعد مُفسر لما أُجمل فى حديث أنس، وأبى هريرة، وأَمرهُ بدفنها إنما هو فى الحال التى يخشى فيها أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه.

стр. 533

٣٤ - باب عِظَةِ الإمَامِ فِي إِتْمَامِ الصَّلاةِ / ٥٤ - فيه: أبو هريرة: قال نبى الله: (هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا؟ ، فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلا خُشُوعُكُمْ، إِنِّي لأرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) . فيه: أنه ينبغى للإمام إذا رأى أحدًا مقصرًا فى شىء من أمر دينه أو ناقصًا للكمال منه أنه ينهاه عن فعله، ويحضه على ما له فيه جزيل الحظ؛ ألا ترى أن الرسول وبخ من نقص كمال الركوع والسجود ووعظهم فى ذلك بأنه يراهم، وقد أخذ الله على المؤمنين ذلك إذا مكنهم فى الأرض بقوله تعالى: (الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) [الحج: ٤١] . قال المهلب: وقوله: (إنى أراكم من وراء ظهرى) ، يحتمل أن يراهم بما يوحى إليه من أفعالهم وهيئاتهم فى الصلاة؛ لأن الرؤية قد يعبر بها عن العلم والاعتقاد، ويحتمل أن يكون يراهم بما خص به أن زيدَ فى قوة بصره حتى يرى من ورائه، وقال أحمد بن حنبل فى هذا الحديث: إنه كان يرى من وراءه كما يرى بعينه، فالله أعلم بما أراد من ذلك. ٣٥ - باب هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلانٍ / ٥٥ - فيه: ابن عمر: (أَنَّ نبى اللَّهِ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا) . قال المؤلف: المساجد بيوت الله، وأهلها أهل الله، وفى هذا

стр. 534

الحديث جواز إضافتها إلى البانين لها، والمصلى فيها، وفى ذلك جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها ونسبتها إليهم، وليس فى ذلك تزكية لهم، وليست إضافة المسجد إلى بنى زريق إضافة ملك، وإنما هى إضافة تمييز. وروى عن النخعى أنه كان يكره أن يقال: مسجد بنى فلان، ولا يرى بأسًا أن يقال: مصلى بنى فلان، وهذا الحديث يرد قوله، ولا فرق بين قوله: مصلى، ومسجد، والله الموفق. ٣٦ - باب الْقِسْمَةِ وَتَعْلِيقِ الْقِنْوِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: الْقِنْوُ: الْعِذْقُ، وَالاثْنَانِ قِنْوَانِ، وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا قِنْوَانٌ، مِثْلَ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ -: عَنْ عَبْدِالْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ: فَقَالَ: انْثُرُوهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلاةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ، جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي، فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذْ فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ، يُقِلُّهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ، يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: لا، قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: لا، فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ، يُقِلُّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ، يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: لا، قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: لا، فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ، حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا، عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ) .

стр. 535

قال المهلب: فيه وضع ما الناس مشتركون فيه من صدقة أو غيرها فى المسجد؛ لأن المسجد لا يُحجب أحد من ذوى الحاجة من دخوله والناس فيه سواء، وكذلك أمور جماعة المسلمين يجب أن تعمل فى المسجد، وليس فى هذا الباب تعليق قنو فى المسجد وأغفله البخارى. وتعليق القنو فى المسجد أمر مشهور، ثم ذكر ابن قتيبة فى غريب الحديث أن نبى الله خرج، فرأى أقناء معلقة فى المسجد، وذكر ثابت فى (غريب الحديث) أن نبى الله أمر من كل حائط بقنو، يعنى للمسجد، معنى ذلك أن ناسًا كانوا يقدمون على رسول الله لا شىء لهم، فقالت الأنصار: (يا رسول الله، لو عجلنا قنوًا من كل حائط لهؤلاء، قال: أجل فافعلوا) ، فجرى ذلك إلى اليوم، فهى الأقناء التى تعلق فى المسجد فيعطاها المساكين، وكان عليها على عهد رسول الله، معاذ بن جبل. قال ابن القاسم: قد سئل مالك عن أقناء تكون فى المسجد وشبه ذلك، فقال: لا بأس بها، وسئل عن الماء الذى يسقى فى المسجد أترى أن يشرب منه قال: نعم إنما يجعل للعطشى، ولم يرد به أهل المسكنة؛ فلا أرى أن يترك شربه، ولم يزل هذا من أمر الناس قال: وقد سقى سعد بن عبادة، فقيل له: فى المسجد؟ قال: لا، ولكن فى منزله الذى كان فيه، وليس ما ذكره ثابت أن الأقناء كانت تجعل فى المسجد للمساكين بخلاف لقول مالك؛ لأن مالكًا إِذْ سئل عن الأقناء لم تكن تجعل حينئذ للمساكين خاصة؛ لأن

стр. 536

زمان مالك كان الناس فيه أوسع حالاً منهم فى أول الإسلام، فكان يجعل فى وقت مالك على طريق التوسعة للناس لا يراد بها المساكين، وإنما يراد بها كل من دخل المسجد من غنى أو مسكين، ألا ترى أن مالكًا شبه ذلك بالماء الذى يجعل للعطشان ولا يراد به المساكين. قال المهلب: وفيه من الفقه أن القسمة إلى الإمام على قدر اجتهاده. وفيه: العطاء لأحد الأصناف الذين ذكرهم الله فى كتابه دون غيرهم؛ لأنه أعطى العباس لما شكا إليه من الغرم الذى فدحه، ولم يسوه فى القسمة مع الثمانية الأصناف، ولو قسم ذلك على التساوى لما أعطى العباس بغير مكيال ولا ميزان، وإنما أعطاه بقدر استقلاله عن الأرض، ولم يعط لأحدٍ غيره مثل ذلك. وفيه: أن السلطان إذا علم من الناس حاجة إلى المال أنه لا يحل له أن يدخر منه شيئًا كما فعل رسول الله ﷺ . وفيه: كرم رسول الله وزهده فى الدنيا وأنه لم يمنع شيئًا سُئله إذا كان عنده. وفيه: أن للسلطان أن يرتفع عما يدعى إليه من المهنة والعمل بيده، وله أن يمتنع من تكليف ذلك غيره إذا لم يكن للسلطان فى ذلك حاجة، وإن كان فيه نفع لخاصة من الناس إذا كان فيه ضرر لعامتهم. قال المؤلف: وإنما لم يأمر برفع المال على عنق العباس، والله أعلم، ليزجره ذلك عن الاستكثار فى المال الذى ظهر منه، وألا يأخذ من الدنيا فوق حاجته ويقتصر على ما يبلغ منها المحل، كما كان يفعله ﵇، ولهذا لم يرفعه على عنقه لئلا يعينه على ما لا يرضاه وما نهى عنه.

стр. 537

٣٧ - باب مَنْ دُعي لِطَعَامٍ فِي الْمَسْجِدِ وَمَنْ أَجَابَ فِيهِ / ٥٦ - فيه: أنس: وَجَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ، فَقُمْتُ، قَالَ لى: (آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ ، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: لِطَعَامٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ لِمَنْ حوله: قُومُوا، فَانْطَلَقَوا، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) . فيه: الدعاء إلى الطعام وإن لم يكن طعام وليمة. وفيه: أن الدعاء إلى ذلك من المسجد وغيره سواء؛ لأن ذلك من أعمال البر وليس ثواب الجلوس فى المسجد بأقل ثوابًا من إطعام الناس الطعام، وقد قال رجل: يا رسول الله، أى الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) ، وأيضًا فإن النبى كان محتاجًا إلى الأكل، فقد جاء فى هذا الحديث أنه إنما دعاه إليه؛ لأنه سمع صوتًا ضعيفًا فعرف فيه الجوع. وفيه: دعاء السلطان إلى الطعام القليل. وفيه: أن الرجل الكبير إذا دُعِى إلى طعام وعلم أن صاحبه لا يكره أن يجلب معه غيره، وأن الطعام يكفيهم أنه لا بأس أن يحمل معه من حضره، وإنما حملهم الرسول إلى طعام أبى طلحة، وهو قليل، لعلمه أنه يكفى جميعهم، وأنه لا ينقص منه شىء لبركته وما خصه الله به من كرامة النبوة وفضيلتها، وهذا من علامات نبوته ﵇، وكذلك إذا علم الرئيس المدعو إلى طعام أن صاحبه يُسَرُّ بمن يأكل طعامه، وأن طعامه لا يعجز عنهم لكثرته وجدة صاحبه أنه لا بأس أن يحمل غيره، وسأزيد فى معنى هذا الحديث فى كتاب الأطعمة، إن شاء الله.

стр. 538

٣٨ - باب الْقَضَاءِ وَاللِّعَانِ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ / ٥٧ - فيه: سهل بن سعد: (أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ) . قال المؤلف: القضاء جائز فى المسجد عند عامة العلماء، وقال مالك: جلوس القاضى فى المسجد للقضاء من الأمر القديم المعمول به، وكان شريح، وابن أبى ليلى يقضيان فى المسجد، وروى عن سعيد بن المسيب كراهية ذلك قال: لو كان لى من الأمر شىء ما تركت اثنين يختصمان فى المسجد. وقد ترجم باب: (من قضى ولاعنَ فى المسجد) ، فى كتاب الأحكام وفيه زيادة على ما فى هذا الحديث. وفيه: أن اللعان يكون فى المساجد ويحضره الخلفاء أو من استخلفه الحاكم، وأن أيمان اللعان تكون فى الجوامع؛ لأنها مقاطع الحقوق. ٣٩ - باب إِذَا دَخَلَ بَيْتًا، يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ أَوْ حَيْثُ أُمِرَ، وَلا يَتَجَسَّسُ / ٥٨ - فيه: عتبان بن مالك: أَنَّ نَّبِيَّ الله أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: (أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟) ، قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ وَصَفّنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قال المهلب: قوله: (يصلى حيث شاء أو حيث أُمر ولا يتجسس) ، لا يقتضى لفظ الحديث أن يصلى حيث شاء، وإنما يقتضى أن يصلى

стр. 539

حيث أُمر لقوله: (أين تحب أن أصلى لك؟) ويؤيد هذا قوله: (ولا يتجسس) ، فكأنه قال: باب إذا دخل بيتًا هل يصلى حيث شاء أو حيث أُمر؛ لأنه ﷺ استأذنه فى موضع الصلاة، ولم يصل حيث شاء، فبطل حكم حيث شاء. ٤٠ - باب الْمَسَاجِدِ فِي الْبُيُوتِ وَصَلَّى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فِي مَسْجِدِهِ فِي دَارِهِ جَمَاعَةً. / ٥٩ - وذكر فيه حديث عتبان بن مالك بطوله. قال المهلب: فيه اتخاذ المساجد فى البيوت والصلاة بالأهل وغيرهم عند الضرورات، ألا ترى أن عتبان قال لنبى الله ﷺ : (إنى قد أنكرت بصرى وأنا أصلى لقومى، فإذا سال الوادى الذى بينى وبينهم لم أستطع أن أتى مسجدهم، وودت يا رسول الله أنك تأتينى، فتصلى فى بيتى فأتخذه مصلى) ، ففعل ذلك نبى الله، فبان بهذا أنه لولا العذر لم يتخلف عن مسجد الجماعة. فيه من الفقه: التخلف عن الصلاة فى الجماعة للعذر. وقال عبد الله بن أبى صفرة: ترك السنن للمشقة رخصة، ومن شاء أن يأخذ بالشدة أخذ، كما خرج نبى الله ﷺ يُهادى بين رجلين إلى الصلاة. قال المهلب: وفيه التبرك بمصلى الصالحين ومساجد الفاضلين. وفيه: أنه من دُعى من الصالحين إلى شىء يتبرك به منه، فله أن يجيب إذا أمن الفتنة من العجب.

стр. 540

وفيه: الوفاء بالعهد. وفيه: صلاة النافلة فى جماعة بالنهار. وفيه: إكرام العالم إذا دعى إلى شىء بالطعام وشبهه. وفيه: التنبيه على أهل الفسق والنفاق عند السلطان. وفيه: أن السلطان يجب أن يستثبت فى أمر من يذكر عنده بفسق ويوجه له أجمل الوجوه. وفيه: أن الجماعة إذا اجتمعت للصلاة وغاب أحدهم أن يسألوا عنه، فإن كان له عذر وإلا ظن به الشَّر، وهو مفسر فى قوله: (لقد هممت أن آمر بحطب) . وقوله: (ثاب رجال) ، قال صاحب العين: ثاب الحوض، امتلأ، والمثابة: مجتمع الناس بعد تفرقهم، ومنه قوله: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) [البقرة: ١٢٥] . ٤١ - باب التَّيَمُّنُ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى. / ٦٠ - فيه: عائشة قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَتَنَعُّلِهِ) . وقد تقدم هذا فى كتاب الطهارة، ونذكر هنا ما لم ينص هناك. قال عطاء: قال عبد الله بن عمرو: خير المسجد المقام، ثم ميامين المسجد.

стр. 541

وكان ابن المسيب يصلى فى الشق الأيمن من المسجد. وكان إبراهيم يعجبه أن يقوم عن يمين الإمام. وكان أنس بن مالك يصلى فى الشق الأيسر من المسجد، وعن الحسن، وابن سيرين مثله. ٤٢ - باب هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاةِ فِي الْقُبُورِ. وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: (الْقَبْرَ، الْقَبْرَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإعَادَةِ) . / ٦١ - فيه: عائشة: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا، فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . / ٦٢ - وفيه: أنس قَالَ: (قَدِمَ نَّبِيُّ الله الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ الرسول فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِين السُّيُوفِ، فكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى نَّبِيِّ الله عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلأ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ، حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَإنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلأ بَنِي النَّجَّارِ، فَقَالَ: يَا بَنِي

стр. 542

النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: لا، وَاللَّهِ لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكان فِيهِ خَرِبٌ، ونَخْلٌ، فَأَمَرَ الرسول بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، والرسول مَعَهُمْ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلأنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَه قال المؤلف: أما نبش قبور المشركين ليتخذ مكانها مساجد، فلم أجد فيه نصًا لأحدٍ من العلماء، غير أنى وجدت اختلافهم فى نبش قبورهم طلبًا للمال، فأجاز ذلك الكوفيون والشافعى، وقال الأوزاعى: لا يفعل؛ لأن الرسول لما مر بالحجر قال: (لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم) ، فنهى أن ندخل عليهم بيوتهم فكيف قبورهم. قال الطحاوى: وقد أباح دخولها على وجه البكاء، واحتج من أجاز ذلك بحديث أنس أن نبى الله أمر بقبور المشركين، فنبشت عند بناء المسجد. قال الطحاوى: واحتج من أجاز ذلك أن نبى الله ﷺ لما خرج إلى الطائف قال: (هذا قبر أبى رغال) ، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة بهذا المكان، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، فابتدره الناس ونبشوه،

стр. 543

واستخرجوا منه الغصن، وإذا جاز نبشها لطلب المال، فنبشها للانتفاع بمواضعها لبناء مسجد أو غيره أولى. فإن قيل: فهل يجوز أن يبنى المسجد على قبور المسلمين؟ وهل يدخل ذلك فى معنى لعنة اليهود لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد؟ . قيل: لا يدخل فى ذلك لافتراق المعنى؛ وذلك أنه ﵇، أخبر أن اليهود يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ويقصدونها بعبادتهم، وقد نسخ الله جميع المعبودات بالإسلام والتوحيد، وأمر بعبادته وحده لا شريك له. قال غيره: والقبور التى أمر النبى بنبشها لبناء المسجد كانت قبورًا لا حرمة لأهلها؛ لأن العرب هنالك لم يكونوا أهل كتاب، فلم يكن لعظامهم حرمة، ولو كانوا أهل كتاب لم تنبش؛ لأنهم ماتوا قبل الإسلام فهم على أديان أنبيائهم لهم حرمة الإيمان بأنبيائهم، وهم والمسلمون سواء، وكذلك أهل الذمة اليوم من اليهود والنصارى، لا يجوز نبش قبورهم لاتخاذ مسجد ولا غيره، فإن لم يكونوا أهل ذمة، وكانوا أهل حرب واحتيج إلى موضع قبورهم، فلا بأس بنبشها إن كانت قبرت بعد الإسلام، وإن كانت قديمة قبل الإسلام، فلا يجوز ذلك لما قلنا إن لهم حرمة الإسلام بأنبيائهم، إلا أن يعلم أنهم لم يكونوا أهل كتاب. وأجاز أكثر الفقهاء نبش قبور المشركين طلبًا للمال، وهذا قول أشهب وقال: ليس حرمتهم موتى بأعظم منها أحياء، وهو مأجور فى فعل ذلك بالأحياء منهم. وقال مالك فى المدونة: أكرهه وليس بحرام. وقال ابن القاسم: لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عَفَتْ، فبنى قوم

стр. 544

عليها مسجدًا لم أر بذلك بأسًا، وكذلك ما كان لله لا بأس أن يستعان ببعضه على بعض، وينقل بعضه إلى بعض، فمعناه أن المقابر هى وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم لا يجوز لأحد تملكها، فإذا عفت ودثرت واستغنى عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد؛ لأن المسجد أيضًا وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تملكه لأحد كما لا يجوز تملك المقبرة فنقلها إذا دثرت إلى المسجد معناهما واحد فى الحكم. وقوله: (فأولئك شرار الخلق عند الله) ، فيه نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير. قال المهلب: وإنما نهى عن ذلك، والله أعلم، قطعًا للذريعة ولقرب عبادتهم الأصنام واتخاذ القبور والصورة آلهة، ولذلك نهى عُمر أنسًا عن الصلاة إلى القبر، وكان له مندوحة عن استقباله وكان يمكنه الانحراف عنه يمنة أو يسرة، ولما لم يأمره بإعادة الصلاة علم أن صلاته جائزة. ٤٣ - باب الصَّلاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ / ٦٣ - فيه: أنس قال: (كَانَ نَّبِيُّ الله يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ: كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ) . قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة الصلاة فى مرابض الغنم إلا الشافعى، فإنه قال: لا أكره الصلاة فى مرابض الغنم إذا كان سليمًا من أبوالها وأبعارها. وممن روينا عنه إجازة الصلاة فى مرابض الغنم: عبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، ودخل أبو ذر زرب غنم، فصلى فيه، وعن الزبير

стр. 545

أنه صلى فى مراح الغنم وهو يجد مكانًا غيره، وصلى ابن عمر فى رتق، فى أخرى: فى دِمَن الغنم، وروى ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وصلى النخعى فى دمنة الغنم، وهذا الحديث مع ما ذكرنا من أقوال السلف حجة على الشافعى، ومن قال بقوله؛ لأن قول أنس كان نبى الله ﷺ يصلى فى مرابض الغنم، ولم يخص مكانًا من مكان، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من أبعارها وأبوالها يدل أن الصلاة مباحة على ذلك، ويدل أن أبوالها وأبعارها طاهرة. قال ابن المنذر: والصلاة أيضًا جائزة فى مراح البقر استدلالاً بقوله ﷺ : (أينما أدركتك الصلاة فصلّ) ، وهو قول عطاء، ومالك، وجماعة. ٤٤ - باب الصَّلاةِ فِي مَوَاضِعِ الإبِلِ / ٦٤ - فيه: ابن عمر: (أنه كان يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ الرسول ﷺ يَفْعَلُهُ) . اختلف العلماء فى هذا الباب، فكره مالك، والشافعى الصلاة فى أعطان الإبل، وقال ابن القاسم: لا بأس بالصلاة فيها إن سلمت من مذاهب الناس، وقال أصبغ: من صلى فيها أعاد فى الوقت. وقال الطحاوى: ذهب قوم إلى أن الصلاة فى أعطان الإبل مكروهة حتى غلا بعضهم فى ذلك فأفسد الصلاة، واحتجوا بما رواه يونس عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل أن نبى الله قال: (صلوا

стр. 546

فى مرابض الغنم، ولا تصلوا فى أعطان الإبل) ، وبما روى أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، مولى بنى هاشم، وكان ثقة، وكان الحكم يأخذ عنه، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن البراء بن عازب، عن النبى، ﵇، أنه قال: (لا تصلوا فى مبارك الإبل وصلوا فى مرابض الغنم) ، وخالفهم آخرون فأجازوا الصلاة فى أعطان الإبل، واحتجوا بأن الآثار التى جاءت بالنهى عن الصلاة فى أعطان الإبل قد تكلم الناس فى معناها، والسبب الذى من أجله كان النهى، فقال قوم: إنما ذلك؛ لأن من عادة أصحاب الإبل التغوط بقربها فتنجس أعطانها، ومن عادة أصحاب الغنم ترك التغوط بينها، وروى عن شريك بن عبد الله أنه كان يفسر الحديث بهذا. وقال يحيى بن آدم: ليس العلة عندى هذه، وإنما هى لما يخاف من وثوبها، وعطب من تلاقى حينئذٍ، ألا تراه يقول: (فإنها جن خلقت من جنّ) ، وقال فى حديث رافع بن خديج: (إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش) ، وهذا غير مخوف من الغنم، فأمر باجتناب الصلاة فى معاطن الإبل خوف ذلك لا لنجاسة، وقد ثبت حديث ابن عمر أن نبى الله ﷺ : (كان يصلى إلى بعيره) ، فعلم بذلك أنه لم ينه عن الصلاة فى أعطان الإبل؛ لأنه لا تجوز الصلاة بحذائها، واحتمل أن تكون الكراهية لعلة ما يكون فى معاطنها من أرواثها وأبوالها، فنظرنا فى ذلك، فرأينا مرابض الغنم كل قد أجمع على جواز الصلاة فيها، وكان حكم أبوال الإبل وأرواثها كحكم أبوال الغنم وأرواثها لا فرق بين ذلك فى نجاسة وطهارة؛ لأن من جعل

стр. 547

أبوال الإبل طاهرة جعل أبوال الغنم كذلك، ومن جعل أبوال الإبل نجسة جعل أبوال الغنم كذلك، فلما أبيحت الصلاة فى مرابض الغنم فى الحديث الذى نهى فيه عن الصلاة فى أعطان الإبل ثبت أن النهى عن ذلك ليس العلة نجاسة ما يكون منها، فإن كان لما قاله شريك، فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول عطنًا كان أو غيره، وإن كان لما قاله يحيى، فإن الصلاة مكروهة بحيث يخاف على النفوس، عطنًا كان أو غيره، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما من طريق النظر، فإنا رأيناهم لا يختلفون فى مرابض الغنم أن الصلاة فيها جائزة، وإنما اختلفوا فى الإبل، فرأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم فى طهارتها، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها فى طهارتها أو نجاستها، فكان يجىء فى حكم النظر أن يكون حكم الصلاة فى مواضع الإبل كهو فى مواضع الغنم قياسًا ونظرًا، وهذا قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد. ٤٥ - باب مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ أَوْ نَارٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَدُ، فَأَرَادَ بِهِ وجه اللَّهَ وَقَالَ أَنَسُ قَالَ الرَّسُولُ ﷺ : عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا أُصَلِّي. / ٦٥ - فيه: ابن عباس: (انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى نبى اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: أُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ) . الصلاة جائزة إلى كل شىء إذا لم يقصد الصلاة إليه وقصد بها الله، تعالى، والسجود لوجهه خالصًا، ولا يضره استقبال شىء من المعبودات وغيرها كما لم يضر الرسول ما رآه فى قبلته من النار.

стр. 548

وقال أشهب فى المجموعة: وإن صلى إلى قبلة فيها تماثيل لم يُعِدْ، وهو مكروه. ٤٦ - باب كَرَاهِيَةِ الصَّلاةِ فِي الْمَقَابِرِ / ٦٦ - فيه: ابن عمر: قال نَّبِيِّ الله ﷺ : (اجْعَلُوا مِنْ صَلاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) . اختلف العلماء فى الصلاة فى المقبرة، فروى عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو أنهم كرهوا الصلاة فى المقبرة، وروى عن عطاء، والنخعى، وبه قال أبو حنيفة، والثورى، والأوزاعى، والشافعى، واختلف فيه قول مالك فروى عنه أبو المصعب أنه قال: لا أحب ذلك، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا بأس بالصلاة فيها. وكل من كره الصلاة من هؤلاء لا يرى على من صلى فيها إعادة، وقال أهل الظاهر: لا تجوز الصلاة فى المقبرة، قال ابن المنذر: وحجة الذين كرهوا ذلك قول الرسول: (اجعلوا من صلاتكم فى بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا) ، وفى قوله هذا دليل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة، وسيأتى ما قيل فى هذا المعنى فى آخر كتاب الصلاة فى باب: التطوع فى البيت، إن شاء الله. وحجة من أجاز الصلاة فيها قوله ﵇: (جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا؛ فأينما أدركتنى الصلاة صليت) ، فلم يخص موضعًا من موضع، فهو عام فى المقبرة وغيرها.

стр. 549

قال مالك: وقد بلغنى أن بعض أصحاب رسول الله كان يصلى فى المقابر، وحكى ابن المنذر أن واثلة بن الأسقع كان يصلى فى المقبرة غير أنه كان لا يستتر بقبر، وصلى الحسن البصرى فى المقابر. ٤٧ - باب الصَّلاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَرِهَ الصَّلاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ. / ٦٧ - فيه: ابن عمر: أَنَّ نبى اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ) . قال المهلب: إنما هذا من جهة التشاؤم بالبقعة التى نزل بها سخط الله يدل على ذلك قوله: (وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال) [إبراهيم: ٤٥] ، فوبخهم تعالى على ذلك، وكذلك تشاءم ﵇، بالبقعة التى نام فيها عن الصلاة ورحل عنها ثم صلى، فكراهية الصلاة فى موضع الخسف أولى، إلا أن إباحة الدخول فيه على وجه البكاء والاعتبار يدل أن من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأن الصلاة موضع بكاء وتضرع وخشوع واعتبار، فإن صلى هناك غير باكٍ لم تبطل صلاته، وذكر بعض أهل الظاهر أن من صلى فى الحجر، بلاد ثمود، وهو غير باك، فعليه سجود السهو إن كان ساهيًا، وإن تعمد ذلك بطلت صلاته، وكذلك من صلى فى موضع مسجد الضرار، وهذا خُلْف

стр. 550

من القول لا خفاء بسقوطه، إن كان لا يجوز عنده فيه صلاة من تعمد ترك البكاء، فكيف أجاز صلاة الساهى بعد سجود السهو، وإسقاط الواجبات لا تجبر بسجود السهو عند العلماء، وهو تخليط منه، فقد بين الرسول ﷺ فى الحديث معنى نهيه عن دخول مواضع الخسف لغير الباكى وهو قوله: (لا يصيبكم مثل ما أصابهم) ، وليس فى هذا ما يدل على فساد صلاة من لم يبك، وإنما فيه خوف نزول العذاب به، وتسويته بين الصلاة فى موضع مسجد الضرار بالصلاة فى موضع الخسف ليس فى هذا الحديث، وهو قياس فاسد منه، وهو لا يقول بالقياس، فقد تناقض. ٤٨ - باب الصَّلاةِ فِي الْبِيعَةِ وَقَالَ عُمَرُ: إِنَّا لا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي الْبِيعَةِ، إِلا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ. / ٦٨ - فيه: عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ - أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ - بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ) . / ٦٩ - وفيه: عائشة، وابْنَ عَبَّاسٍ: أن نبى اللَّهِ ﷺ قال عند موته: (لَعْنَ اللَّه الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا) . / ٧٠ - وفيه: أبو هريرة بمثل معناه.

стр. 551

اختلف العلماء فى الصلاة فى البيع والكنائس فكره عمر، وابن عباس الصلاة فيها من أجل الصور، وروى عن عمر بن الخطاب قال: انضحوها بماء وسدر وصلوا، وهو قول مالك. ذكر إسماعيل بن إسحاق، عن مالك قال: أكره الصلاة فى الكنائس لما يصيب فيها أهلها من لحم الخنازير والخمور، وقلة احتياطهم من النجس، إلا أن يضطر إلى ذلك من شدة طين أو مطر، إلا أن يتيقن أنه لم يصبها نجس، وكره الصلاة فيها الحسن، وأجاز الصلاة فيها النخعى، والشعبى، وعطاء، وابن سيرين؛ ورواية عن الحسن وهو قول الأوزاعى، وصلى أبو موسى الأشعرى فى كنيسة يوحنا بالشام. وقال المهلب: هذا الباب غير معارض للباب الذى قبله باب: (من صلى وقُدَّامَهُ نار أو تنور) ، وقول عمر، وابن عباس: (إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور) ، فإنما ذلك على الاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعوه إليه، والاختيار أن لا يبتدئ فيها الصلاة ولا إلى شىء من معبودات الكفار؛ ألا ترى أن الرسول عينت له النار فى صلاة الخسوف ولم يبتدئ الصلاة إليها وتمت صلاته. ٤٩ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا / ٧١ - فيه: جابر قال نبى الله ﷺ : (جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي، أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، فَلْيُصَلِّ) . الحديث يدل أن هذه الأبواب المتقدمة المكروه الصلاة فيها ليس ذلك على التحريم والمنع؛ لأن الأرض كلها مباحة الصلاة فيها بكونها له

стр. 552

مسجدًا، فدخل فى عمومها الكنائس والمقابر ومرابض الإبل وغيرها إذا كانت طاهرة، وهذا مما خص به نبينا، ﵇، أن أباح الله له جملة الأرض للصلاة، والاختيار ألا يبدأ بهذه المواضع المكروهة إلا عن ضرورة، فهو أخلص للصلاة وأنزه لها من الخواطر. ٥٠ - باب نَوْمِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَسْجِدِ / ٧٢ - فيه: عائشة: أن وليدة كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ، أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ حُدَيَّاةٌ، وَهُوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا، فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ، فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ - زَعَمْتُمْ - وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا إِلا قَالَتْ: وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا أَلا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي قال المهلب: فيه أنه من لم يكن له مسكن ولا مكان مبيت أنه يباح له المبيت فى المسجد واصطناع الخيمة وشبهها للمسكن، امرأةً كانت أو رجلاً. وفيه: أن السنة الخروج من بلدة جرت فيها فتنة على الإنسان تشاؤمًا

стр. 553

بمكان المحن، ودليل هذا قوله تعالى: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) [النساء: ٩٧] ، فالواجب على كل من أدركته ذلة أو جرت عليه محنة أن يخرج إلى ما وسع الله عليه من الأرض، فإن له فى ذلك خيرهُ، وربما كان الذى جرى عليه من المحنة سببًا أراد الله به إخراجه من تلك البلدة لخير قدره له فى غيرها كما قدر لهذه السوداء، ألا ترى تمثلها بهذا المعنى فى بيت الشعر الذى أنشدته، فجعلت المحنة والذلة فى يوم الوشاح هما الذى أنجياها من الكفر؛ إذ كانا سببًا لذلك. والوشاح عند العرب خيطان من لؤلؤ مخالف بينهما تتوشح به المرأة، والرجل يتوشح بثوبه تشبيهًا بالوشاح، وشاة موشحة إذا كانت ذات خطتين، والسير: الشراك، والجمع: سيور، من العين. والحِفْشُ: البيت الصغير، من العين أيضًا. ٥١ - باب نَوْمِ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَالَ أَنَسِ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَانُوا فِي الصُّفَّةِ. وَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ الْفُقَرَاءَ. / ٧٣ - فيه: ابن عمر: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ، وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ، لا أَهْلَ لَهُ، فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ، ﵇. / ٧٤ - وفيه: سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: (أن عليًا غاضب فَاطِمَةَ، فَخَرَجَ، وَلَمْ يَقِلْ عِنْدِها، فَجَاءَ الْمَسْجِدِ فرَقِد فيه، فطلبه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فجاءه وَهُوَ

стр. 554

مُضْطَجِعٌ، وقَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: قُمْ أَبَا تُرَابٍ) . قال المهلب: فى هذا الباب من الفقه: جواز سكنى الفقراء فى المسجد وجواز النوم فيه لغير الفقراء. وقد اختلف العلماء فى ذلك، فممن رخص النوم فى المسجد ابنُ عمر، وقال: كنا نبيت فيه ونقيل على عهد رسول الله ﷺ ، وعن سعيد بن المسيب، والحسن البصرى، وعطاء، وابن سيرين مثله، وهو قول الشافعى، واختلف عن ابن عباس، فروى عنه أنه قال: لا تتخذوا المسجد مرقدًا، وروى عنه أنه قال: إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس. وقال مالك: لا أحب لمن له منزل أن يبيت فى المسجد، وسَهَّل فيه للضعيف ولمن لا منزل له، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال مالك: وقد كان أضياف الرسول يبيتون فى المسجد، وكره النوم فى المسجد: ابن مسعودُ، وطاوسُ، ومجاهدُ، وهو قول الأوزاعى. وقول من أجاز النوم فيه للغرباء وغيرهم أولى لأحاديث هذا الباب، وقد سئل سعيد ابن المسيب، وسليمان بن يسار عن النوم فى المسجد، فقالا: كيف تسألون عنها، وقد كان أهل الصفة ينامون فيه وهم قوم كان مسكنهم المسجد. وذكر الطبرى عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان نائمًا فى المسجد ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين، قال: وقد نام فى المسجد جماعة من السلف، قال الطبرى: فغير محذور الانتفاع بالمساجد فى ما يحل: كالأكل والشرب والجلوس وشبه النوم من الأعمال.

стр. 555

وقال الحربى: الصفة فى مسجد الرسول موضع مظلل يأوى إليه المساكين. وفى حديث سهل من الفقه: الممازحة للغاضب بالتكنية بغير كنيته إذا كان ذلك لا يغضبه ولا يكرهه؛ بل يؤنسه من حرجه. وفيه: مداراة الصهر وتسلية أمره من عتابه. وفيه: جواز التكنية بغير الولد. وفيه: أن الملابس كلها يحاول بها ستر العورة وأنه لا ملبس لمن بدت عورته. ٥٢ - باب إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ / ٧٥ - فيه: أبو قتادة، أن نبى الله ﷺ قال: (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يَجْلِس) . اتفق جماعة أهل الفتوى على أن تأويل هذا الحديث محمول على الندب والإرشاد مع استحبابهم الركوع لكل من دخل المسجد، وهو طاهر، فى وقت تجوز فيه النافلة. قال مالك: ذلك حسن وليس بواجب. وأوجب ذلك أهل الظاهر فرضًا على كل داخل فى وقت تجوز فيه الصلاة، وقال بعضهم: ذلك واجب فى كل وقت؛ لأن فعل الخير لا يُمنع منه إلا بدليل لا معارض له. قال الطحاوى: وحجة الجماعة أن رسول الله ﷺ أمر سُلَيْكًا حين

стр. 556

جاء يوم الجمعة وهو يخطب أن يركع ركعتين، وأمر مرةً أخرى رجلاً رآه يتخطى رقاب الناس بالجلوس ولم يأمره بالركوع، حدثنا بًحْر بن نصر، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبى الزاهرية، عن عبد الله بن بسر قال: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس فى يوم الجمعة فقال له رسول الله: (اجلس فقد آذيت وآنيت) ، فهذا يخالف حديث سليك، واستعمال الأحاديث هو على ما تأولها عليه جماعة الفقهاء. قال الطحاوى: وأما قول من قال من أهل الظاهر أن عليه أن يركع فى كل وقت دخل المسجد فهو خطأ؛ لنهيه ﵇ عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وغير ذلك من الأوقات المنهى عنها، فمن دخل المسجد فى هذه الأوقات، فليس بداخل فى أمره بالركوع عند دخوله فى المسجد، وإنما يدخل فى أمره بذلك كل من لو كان فى المسجد قبل ذلك فأراد الصلاة، كان له ذلك، فأما من لو كان فى المسجد قبل ذلك لم يكن له أن يصلى، فليس بداخل فى ذلك. وقد روى عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمرون فى المسجد ولا يركعون، فروى ابن أبى شيبة عن عبد العزيز الدراوردى، عن زيد بن أسلم قال: كان كبار أصحاب رسول الله ﷺ يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون. قال زيد: وقد رأيت ابن عمر يفعله، وذكر ذلك مالك عن زيد بن ثابت، وسالم بن عبد الله، وكان القاسم بن محمد يدخل المسجد، فيجلس فيه ولا يصلى وفعله الشعبى، وقال جابر بن زيد: إذا دخلت مسجدًا فصلّ فيه، فإن لم تصل فيه فاذكر الله فكأنك قد صليت.

стр. 557

٥٣ - باب الْحَدَثِ فِي الْمَسْجِدِ / ٧٦ - فيه: أبو هريرة أن نبى الله ﷺ قال: (الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) . قال المهلب: معنى هذا الباب أن الحدث فى المسجد خطيئة يُحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاؤهم المرجو بركته، ويدل على ذلك قول الرسول: (النخامة فى المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) ، فلما كان للنخامة كفارة قيل للمتنخم: تمادى فى المسجد فى صلاتك وابق فيه مدعوًا لك، ولما لم يكن للحدث فى المسجد كفارة ترفع أذاه كما رفع الدفن أذى النخامة لم يتمادى الاستغفار له ولا الدعاء، وجب زوال الملائكة عنه لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة، والله أعلم. قال المؤلف: فمن كان كثير الذنوب وأراد أن يحطها الله عنه بغير تعب فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجو إجابته لقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) [الأنبياء: ٢٨] ، وقد أخبر ﵇ أنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، وتأمين الملائكة إنما هو مرة واحدة عند تأمين الإمام ودعاؤهم لمن قعد فى مصلاه دائمًا أبدًا ما دام قاعدًا فيه، فهو أحرى بالإجابة، وقد شبه ﷺ انتظاهر الصلاة بعد الصلاة بالرباط وأكد ذلك بتكراره مرتين بقوله: (فذلكم الرباط) ، فعلى كل مؤمن عاقل سمع هذه الفضائل الشريفة أن يحرص على الأخذ بأوفر الحظ منها ولا تمر عنه صفحًا.

стр. 558

وقد اختلف السلف فى جلوس المُحدث فى المسجد فروى عن أبى الدرداء أنه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع أصحابه ولم يمس ماءً، وعن على بن أبى طالب مثله، وروى ذلك عن عطاء، والنخعى، وسعيد بن جبير. وكره أن يتعمد الجلوس فى المسجد على غير وضوءٍ سعيدُ بن المسيب، والحسن البصرى وقالا: يمر مارًا ولا يجلس فيه. ٥٤ - باب بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخدرى: كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ. وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ. وَقَالَ أَنَس: ٌ يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لا يَعْمُرُونَهَا إِلا قَلِيلا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا، كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. / ٧٧ - فيه: ابن عمر: (أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ، وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ) . قال المؤلف: جاءت الآثار عن الرسول، وعن السلف الصالح بكراهية تشييد المساجد وتزيينها، وروى حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: (لما بنى المسجد قالوا: يا رسول الله، كيف نبنيه؟ قال: (ليس

стр. 559

رغبة عن أخى موسى، عريش كعريش موسى) ، وروى سفيان عن أبى فزارة، عن يزيد بن الأصم أن رسول الله ﷺ قال: (ما أمرت بتشييد المساجد) . وقال أبى: إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم. وقال ابن عباس: أمرنا أن نبنى المساجد حما والمدائن شرفًا. وقال مجاهد: نهينا أن نصلى فى مسجد مشرف. وهذه الآثار مع ما ذكر البخارى فى هذا الباب تدل أن السنة فى بنيان المساجد: القصد، وترك الغلو فى تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها؛ ألا ترى أن عمر قال للذى أمره ببناء المسجد: (أَكِنَّ الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس) ، ويمكن أن يفهم هذا عمر من رد الرسول الخميصة إلى أبى جهم حين نظر إلى أعلامها فى الصلاة، وقال: (أخاف أن تفتننى) . وكان عمر قد فتح الله الدنيا فى أيامه ومكنه من المال، فلم يغير المسجد عن بنيانه الذى كان عليه فى عهد النبى، ثم جاء الأمر إلى عثمان، والمال فى زمانه أكثر، فلم يزد أن جعل فى مكان اللبن حجارة وقصَّة، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يُقصر هو وعمر عن البلوغ فى تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما عن الرسول بكراهة

стр. 560

ذلك، وليقتدى بهما فى الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية، والزهد فى معالى أمورها وإيثار البلغة منها. روى برد أبو العلاء، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: (جمعت الأنصار مالاً، فقالوا: يا رسول الله، ابن بهذا المسجد فقال: (إذًا يعجب ذلك المنافقين) ، فدل هذا الحديث أن المؤمنين لا ينبغى أن يعجبهم ذلك. ٥٥ - باب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وقول الله: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ) [التوبة: ١٧] ، الآية . / ٧٨ - فيه: عِكْرِمَةَ: (أن ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ له وَلابْنِهِ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا، فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَاحْتَبَى به، ثُمَّ أَنْشَأَ فحَدِّثُنَا، حَتَّى أَتَى على ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ نَّبِيُّ الله ﷺ ، فَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: وَيْحَ عَمَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ) . التعاون فى بنيان المسجد من أفضل الأعمال؛ لأن ذلك مما يجرى للإنسان أجره بعد مماته، ومثل ذلك حفر الآبار وتحبيس الأموال التى يعم العامة نفعها. قال المهلب: وفى هذا الحديث بيان ما اختلف فيه من قصة عمار وقوله: (يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) ، إنما يصح ذلك فى الخوارج الذين بعث إليهم على عمارًا ليدعوهم إلى الجماعة، وليس

стр. 561

يصح فى أحد من الصحابة؛ لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل؛ لأنهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين أثنى الله عليهم وشهد لهم بالفضل، فقال تعالى: (كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس) [آل عمران: ١١٠] . قال المفسرون: هم أصحاب رسول الله، وقد صح أن عمارًا بعثه على إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التى فيها العصمة بشهادة الرسول (لا تجتمع أمتى على ضلال) . وفيه: أن عمارًا فهم عن الرسول أن هذه الفتنة فى الدين يستعاذ بالله منها، وفى الاستعاذة منها دليل أنه لا يدرى أحد فى الفتنة أمأجور هو أم مأزور إلا بغلبة الظن، ولو كان مأجورًا ما استعاذ بالله من الأجر، وهذا يرد الحديث الذى روى: (لا تستعيذوا بالله من الفتنة، فإنها حصاد المنافقين) . وقول عكرمة، عن أبى سعيد: (فأخذ رداءه فاحتبى به، ثم أنشأ فحدثنا) ، فيه أن العالم له أن يتهيأ للحديث ويجلس له جلسته. وفيه: أن الرجل العالم يبعث ابنه إلى عالم آخر ليتعلم منه؛ لأن العلم لا يحوى جميعه أحد ولا يحيط به مخلوق. وفيه: أن أفعال البر للإنسان أن يأخذ منها ما يشق عليه إن شاء كما أخذ عمار لبنتين، فاستحق بذلك كرامةً من الرسول فى نفضه عنه الغبار، وذكر فضيلته التى تأتى فى الزمن الذى بعده. وفيه: علامة النبوة؛ لأنه ﵇، أخبر بما يكون فكان كما قال.

стр. 562

٥٦ - باب الاسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ / ٧٩ - فيه: سهل بن سعد قال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ قال: (مُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ) . / ٨٠ - وقال جابر: (قَالَتْ امْرَأَةً: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا، تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: (إِنْ شِئْتِ) ، فَعَمِلَتِ الْمِنْبَرَ) . فيه: الاستعانة بأهل الصناعات والمقدرة فى كل شىء يشمل المسلمين نفعه، وأن المبادر إلى ذلك مشكور له فعله. فإن قيل: فإن حديث سهل يخالف معنى حديث جابر، وذلك أن فى حديث سهل أن الرسول سأل المرأة أن تأمر عبدها بعمل المنبر، وفى حديث جابر أن المرأة سألت النبى ﷺ ذلك. قيل: يحتمل أن تكون المرأة بدأت النبى بالمسألة وتبرعت له بعمل المنبر، فلما أباح لها ذلك وقبل رغبتها، أمكن أن يبطئ الغلام بعمله، فتعلقت نفس الرسول به فاستنجزها إتمامه وإكمال عدتها، إذ علم ﵇ طيب نفس المرأة بما بذلته من صنعة غلامها، وقد يمكن أن يكون إرساله ﵇، إلى المرأة ليعرفها بصفة ما يصنع الغلام فى الأعواد وأن يكون ذلك منبرًا. وفيه: أنه من وعد غيره بِعَدةٍ أنه يجوز استنجازه فيها، وتحريكه فى إتمامها.

стр. 563

٥٧ - باب مَنْ بَنَى مَسْجِدًا / ٨١ - فيه: عُثْمَانَ أنه قال - عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ -: إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ - بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ) . المساجد بيوت الله وقد أضافها الله إلى نفسه بقوله: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) [التوبة: ١٨] ، حسبك بهذا شرفًا لها، وقال: (فى بيوت أذن الله أن ترفع) [النور: ٣٦] ، الآية فهى أفضل بيوت الدنيا وخير بقاع الأرض، وقد تفضل الله على بانيها بأن بنى له قصرًا فى الجنة، وأجر المسجد جارٍ لمن بناه فى حياته وبعد مماته ما دام يُذكر الله فيه ويُصلَّى فيه، وهذا مما جازت المجازاة فيه من جنس الفعل. ٥٨ - بَاب يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ / ٨٢ - فيه: جابر قال: مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: (أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا) . / ٨٣ - وفيه: أبو بردة: قال نبى الله ﷺ : (مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ، فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا)

стр. 564

هذا من تأكيد حرمة المسلم لئلا يروع بها أو يؤذى؛ لأن المساجد مورودة بالخلق، ولا سيما فى أوقات الصلوات، فخشى ﵇ أن يؤذى بها أحد، وهذا من كريم خلقه، ورأفته بالمؤمنين. والمراد بهذا الحديث: التعظيم لقليل الدم وكثيره. وفيه: أن المسجد يجوز فيه إدخال السلاح، وأما حيث جابر، فإنه لا يظهر فيه الإسناد؛ لأن سفيان قال لعمرو: أسمعت جابرًا يقول: مر رجل فى المسجد ومعه سهام، فقال له رسول الله: (أمسك بنصالها) ، ولم يُنقل أن عمرًا، قال له: نعم، وقد ذكره البخارى فى غير كتاب الصلاة، عن على بن عبد الله، عن سفيان قال: قلت لعمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: مر رجل بسهام فى المسجد، فقال له رسول الله: (أمسك بنصالها) ، فقال: نعم، فبان بقوله: نعم، إسناد الحديث. ٥٩ - باب إنشاد الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ / ٨٤ - فيه: أبو سلمة: أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ سَمِعْتَ رسول الله ﷺ يَقُولُ: (يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. قال المؤلف: ليس فى حديث هذا الباب بيان أن حسان أنشد شعرًا فى المسجد بحضرة النبى، وقد ذكر البخارى هذا الحديث فى كتاب بدء الخلق، وبه يتم معنى هذا الباب، قال سعيد بن المسيب:

стр. 565

(مر عمر فى المسجد وحسان ينشد، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبى هريرة فقال: أنشدك بالله أسمعت النبى يقول: أجب عنى اللهم أيده بروح القدس؟ قال: نعم) ، يدل هذا أن قول الرسول لحسان: (أجب عن رسول الله) ، كان فى المسجد، وأنه أنشد فيه ما جاوب به المشركين. واختلف العلماء فى إنشاد الشعر فى المسجد، فأجازته طائفة إذا كان الشعر مما لا بأس بروايته، قال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون، ومحمد بن سلام ينشدان فيه الشعر ويذكران أيام العرب وقد كان اليربوع، والضحاك بن عثمان ينشدان مالكًا ويحدثانه بأخبار العرب، فيصغى إليهما، وخالفهم فى ذلك آخرون، فكرهوا إنشاد الشعر فى المسجد، واحتجوا بما رواه الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: (أن الرسول كره أن ينشد الشعر فى المسجد، وأن تباع فيه السلع، وأن يتحلق فيه قبل الصلاة) . قال الطحاوى: وحجة أهل المقالة الأولى ما ذكره البخارى فى بدء الخلق، أن عمر مر فى المسجد وحسان ينشد فيه، فزجره، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، وكان ذلك بحضرة أصحاب الرسول ﷺ ، فلم ينكره أحد منهم ولا أنكره عمر أيضًا، فكأن الشعر الذى نهى عن إنشاده فى المسجد: الشعر الذى فيه الخنا والزور، ويجوز أن يكون الشعر الذى يغلب على المسجد حتى يكون كل من فى المسجد متشاغلاً به، كما تأول أبو عبيد فى قوله ﵇: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يَرِيَهُ، خير له من أن يمتلئ شعرًا) ، أنه الذى يغلب على صاحبه.
следующие страницы →