Полный текст (5 502 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: ١٤٣] أى عَدْلا، إلى قوله: (شَهِيدًا) [البقرة: ١٤٣] . (معنى هذا الباب) الاعتصام بالجماعة، ألا ترى قوله: (لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) [البقرة: ١٤٣] ، ولا يجوز أن يكونوا شهداء غير مقبولى القول، ولما كان الرسول واجبًا اتباعه وجب اتباع قولهم؛ لأن الله جمع بينه وبينهم فى قبول قولهم وزكاهم وأحسن الثناء عليهم بقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: ١٤٣] يعنى عدلاً. والاعتصام بالجماعة كالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لقيام الدليل على توثيق الله ورسوله صحة الإجماع وتحذيرهما من مفارقته بقوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) [النساء: ١١٥] الآية، وقوله: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: ١١٠] الآية. وهاتان الآيتان قاطعتان على أن الأمة لا تجتمع على ضلال، وقد أخبر الرسول بذلك فهمًا من كتاب الله فقال: (لا تجتمع أمتى على ضلال) ولا يجوز أن يكون أراد جميعها من عصره إلى قيام الساعة؛ لأن ذلك لا يفيد شيئًا؛ إذ الحكم لا يعرف إلا بعد انقراض جميعها، فعلم أنه أراد أهل الحل والعقد من كل عصر.
стр. 5322
- باب إِذَا اجْتَهَدَ الْعَامِلُ أَوِ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ خِلافَ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ، لِقَوله ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ
/ ٧٥ - فيه: أَبُو سَعِيد، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الأنْصَارِيَّ، إِلَى خَيْبَرَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا) ؟ قَالَ: لا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَشْتَرِى الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلا بِمِثْلٍ أَوْ بِيعُوا هَذَا، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ) . قد تقدم هذا الباب فى كتاب الأحكام وفى كتاب الاعتصام ومعناه أن الواجب على من حكم بغير السنة جهلا وغلطًا، ثم تبين له أن سنة الرسول خلاف حكمه فإن الواجب عليه الرجوع إلى حكم السنة وترك ما خالفها امتثالا لأمره تعالى بوجوب طاعته وطاعة رسوله ألا يحكم بخلاف سنته، وهذا هو نفس الاعتصام بالسنة، وقد تقدم فيه، وأن الرسول أمر برد هذا البيع فى البيوع. وقوله: (وكذلك الميزان) معناه: وكذلك ما يوزن أن يباع مثلا بمثل مثل ما يكال.
стр. 5323
- باب أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ
/ ٧٦ - فيه: عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) . قال ابن المنذر: وإنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالمًا بالاجتهاد والسنن، وأما من لم يعلم ذلك فلا يدخل فى معنى الحديث، يدل على ذلك ما رواه الأعمش، عن سعيد ابن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (القضاة ثلاثة: قاضيان فى النار، وقاض فى الجنة، فقاض قضى بغير الحق وهو يعلم، فذلك فى النار، وقاض قضى وهو لا يعلم فأهلك حقوق الناس فذلك فى النار، وقاض قضى بالحق، فذلك فى الجنة) . قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده فى طلب الصواب لا على الخطأ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ) [الأنبياء: ٧٨] الآية. قال الحسن: أثنى على سليمان ولم يذم داود. وذكر أبو التمام المالكى أن مذهب مالك أن الحق فى واحد من أقاويل المجتهدين، وليس ذلك فى جميع أقاويل المتخلفين وبه قال أكثر الفقهاء. قال: وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكًا عن اختلاف الصحابة، فقال: مخطئ ومصيب وليس الحق فى جميع أقاويلهم. قال أبو بكر ابن الطيب: اختلفت الروايات عن أئمة الفتوى فى هذا الباب كمالك وأبى حنيفة والشافعى: فأما مالك، فالمروى عنه منعه المهدى من حمله الناس على العمل والفتيا بما فى الموطأ، وقال له: دع الناس يجتهدون وظاهر هذا إيجابه على كل مجتهد القول بما يؤديه الاجتهاد إليه، ولو رأى أن الحق فى قوله فقط، أو قطع عليه لكان الواجب عليه
стр. 5324
المشورة على السلطان بالعمل به، ويبعد أن يعتقد مالك أن كل مجتهد مأمور بالحكم والفتيا باجتهاده، وإن كان مخطئًا فى ذلك، وذكر عن أبى حنيفة والشافعى القولين جميعًا. واحتج من قال: إن الحق فى واحد من أقاويل المجتهدين بقوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) . قالوا: وهذا نص على أن فى المجتهدين وفى الحاكمين مخطئًا ومصيبًا، قالوا: والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدى إلى كون الشىء حلالا حرامًا وواجبًا ندبًا ويلزم الحاكم اعتقاد كونه حلالا إذا رأى ذلك بعض أهل الاجتهاد، وحرامًا إذا رأى ذلك غيره، وأن تكون الزوجة محللة محرمة، والمال ملك الإنسان وغير ملك له إذا اختلف فى ذلك أهل الاجتهاد. واحتج كل من قال: كل مجتهد مصيب، فقالوا: اتفق الكل من الفقهاء على أن فرض كل عالم الحكم والفتيا بما أداه الاجتهاد إليه، وما هو الحق عنده وفى غالب ظنه، وأنه حرام عليه أن يفتى ويحكم بقول مخالفه، ولو كان فى الأقاويل المختلف فيها ما هو خطأ وخلاف دين الله لم يجز أن تجمع الأمة على أن فرض القائل به؛ لأن إجماعها على ذلك إجماع على خطأ، وقد نهى الله عنه وشرع خلافه. ولو جاز أن يكون أحدهما مخطئًا لأدى ذلك إلى أن الله تعالى أمر أحدهما بإصابة عين الباطل، وفى هذا القولُ بأن الله أمر بالباطل، وإذا فسد هذا مع كونه مأمورًا بالاجتهاد وجب كونه بفتياه ممتثلا أمر ربه وطائعًا له ومصيبًا عند الله، فثبت أن الحق مع كل واحد منهما بدليل قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء) [الأعراف: ٢٨] ، ومع قيام الدليل على أن طاعة البارى إنما كانت طاعة لأمره بها كما أن المعصية كانت معصية لنهيه عنها.
стр. 5325
وقد أجاب الشافعي عن هذا الحديث فى الرسالة بنحو هذا فقال: لو كان فى الاجتهاد خطأ وصواب فى الحقيقة لم يجز أن يثاب على أحدهما أكثر من الآخر؛ لأن الثواب لا يجوز فيما لا يسوغ ولا فى الخطأ الموضوع إثمه عنا. وقال ابن الطيب: هذا الخبر يدل على أن كل مجتهد مصيب أولى وأقرب؛ لأن المخطئ لحكم الله والحاكم بغيره مع الأمر له به لا يجوز أن يكون مأجورًا على الحكم بالخطأ بل أقصى حالاته أن يكون إثمه موضوعًا عنه فأما أن يكون بمخالفة حكم الله مأجورًا فإنه باطل باتفاق، والنبى ﷺ قد جعله مأجورًا، فدل ذلك على أن هذا ليس بخطأ فى شىء من الأحكام وجب عليه ولزمه الحكم به. ويحتمل أن يكون معناه إذا اجتهد فى البحث والطلب للنص فأصابه وحكم بموجبه فله أجران: أحدهما على البحث والطلب، والآخر على الحكم بموجبه، وأراد بقوله: (إن حكم فأخطأ) أى: أخطأ الخبر، بأن لم يبلغه مع الاجتهاد فى طلبه، ثم حكم باجتهاده المخالف لحكم النص كان مخطئًا للنص ومصيبه لا محالة فى الحكم؛ لأن الحكم بالاجتهاد عند ذلك هو فرضه. ولهذا كان يقول عمر عندما كان يبلغه الخبر: لولا هذا لقضينا فيه برأينا، ولم يقل له أحد من الصحابة: لو قضيت فيه برأيك ولم يبلغك الخبر لكنت بذلك عاصيًا، ولم أردت أن تقضى بالرأى وهذا الخبر كان موجودًا، فدل إمساك الكل عن ذلك أن فرض الحاكم والمجتهد الحكم والفتيا برأيه، وإن خالف موجب الخبر، فإذا بلغه تغيرَ عند ذلك فرضُه ولزمه الحكم بموجبه. ولا نقول: إن كل مجتهد مصيب إلا فى الفروع ومسائل الاجتهاد
стр. 5326
التي يجوز للعامى فيها التقليد، وأما القول بوجوب الصلوات الخمس والصيام والحج وكل فرض يثبت العمل به بالتواتر والاتفاق فأصل من أصول الدين الذى يحرم خلافه كالتوحيد والنبوة وما يتصل بها.
- باب الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ظَاهِرَةً، وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِىِّ ﷺ وَأُمُورِ الإسْلامِ
/ ٧٧ - فيه: أَبُو مُوسَى أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ، فَوَجَدَهُ مَشْغُولا، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِاللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ، فَدُعِىَ لَهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، قَالَ: فَأْتِنِى عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ لأفْعَلَنَّ بِكَ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالُوا: لا يَشْهَدُ إِلا أَصَاغِرُنَا، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ، فَقَالَ: قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: خَفِىَ عَلَىَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِىِّ ﷺ أَلْهَانِى الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ. / ٧٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عن النَّبِىّ ﷺ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، إِنِّى كُنْتُ امْرًَا مِسْكِينًا أَلْزَمُ النَّبِىّ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِى، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ، وَكَانَتِ الأنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَالَ: (مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِىَ مَقَالَتِى، ثُمَّ يَقْبِضْهُ، فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّى) ، فَبَسَطْتُ بُرْدَةً، كَانَتْ عَلَىَّ، فَوَالَّذِى بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ. هذا الباب يرد به على الرافضة وقوم من الخوارج زعموا بأن أحكام
стр. 5327
النبي وسننه منقولة عنه نقل تواتر، وأنه لا سبيل إلى العمل بما لم ينقل نقل تواتر، وقولهم فى غاية الجهل بالسنن وطرقها، فقد صحت الآثار أن أصحاب النبى ﷺ أخذ بعضهم السنن من بعض ورجع بعضهم إلى ما رواه غيره عن النبى ﷺ وانعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد، وبطل قول من خرج عن ذلك من أهل البدع، هذا أبو بكر الصديق على مكانه لم يعلم النص فى الجدة حتى أخبره محمد بن مسلمة والمغيرة بالنص فيها، فرجع إليه، وأخذ عمر بن الخطاب بما رواه عبد الرحمن بن عوف فى حديث الوباء، فرجع إليه، وكذلك أخذ أيضًا عمر بما رواه أبو موسى فى دية الأصابع، فرجع إليه وأخذ أيضًا عمر بما رواه المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فى دية الجنين، ورجع عمر إلى أبى موسى وأبى سعيد فى الاستئذان، وابن عمر يحكى عن رافع بن خديج النهى عن المخابرة فرجع إليه، والصحابة ترجع إلى قول عائشة: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) وأيضًا ترجع إليها فى أن النبى ﷺ كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم. وأبو موسى يرجع إلى حديث ابن مسعود فى ابنة وابنة ابن وأخت وهذا الباب أكثر من أن يحصى.
- باب مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ حُجَّةً لا مِنْ غَيْرِه
/ ٧٩ - فيه: ابْن الْمُنْكَدِرِ، رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللَّهِ، يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ الدَّجَّالُ، قُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ .
стр. 5328
قال المؤلف: ترك النكير من النبى ﷺ حجة وسنة يلزم أمته العمل بها لا خلاف بين العلماء فى ذلك؛ لأن النبى ﷺ لا يجوز أن يرى أحدًا من أمته يقول قولا أو يفعل فعلا محظورًا فيقره عليه لأن الله تعالى فرض عليه النهى عن المنكر، فإذا كان كذلك علم أنه لا يرى أحدًا عمل شيئًا فيقره عليه إلا وهو مباح له، وثبت أن إقرار النبى ﷺ عمر على حلفه أن ابن صياد الدجال إثبات أنه الدجال، وكذلك فهم جابر بن عبد الله من يمين عمر. فإن اعترض بما روى من قول عمر للنبي: دعنى أضرب عنقه. فقال: (إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك فى قتله) فهذا يدل على شكه ﷺ فيه، وترك القطع عليه أنه الدجال. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما أنه يمكن أن يكون هذا الشك منه ﷺ كان متقدمًا ليمين عمر أنه الدجال، ثم أعلمه الله أنه الدجال فلذلك ترك إنكار يمينه عليه لتيقنه بصحة ما حلف عليه. الوجه الآخر: أن الكلام وإن خرج مخرج الشك فقد يجوز أن يراد به التيقن والقطع كقوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥] ، وقد علم تعالى أنه لا يقع منه الشرك، وإنما خرج منه هذا ﷺ على المتعارف عند العرب فى تخاطبها. قال الشاعر: أيا ظبية الوعساء بين جلاجل بين النقا آأنت أم أم سالم
стр. 5329
فأخرج كلامه مخرج الشك مع كونه غير شاك فى أنها ليست بأم سالم، وكذلك خرج كلامه ﷺ مخرج الشك لطفًا منه بعمر فى صرفه عن عزمه على قتله، وقد ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر قال: لقيت ابن صياد يومًا ومعه رجل من اليهود، فإذا عينه قد طفت وهى خارجة مثل عين الجمل، فلما رأيتها قلت: أنشدك الله يا ابن صياد، متى طفت عينك؟ قال: لا أدرى والرحم. فقلت: كذبت، لا تدرى وهى فى رأسك؟ قال: فمسحها ونخر ثلاثًا فزعم اليهودي أني ضربت بيدي على صدره وقلت له: أخسأ فلن تعدو قدرك، فذكرت ذلك لحفصة فقالت: اجتنب هذا الرجل، فإنا نتحدث أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها. فإن قيل: هذا كله يدل على الشك فى أمره. قيل: إن وقع الشك فى أنه الدجال الذى يقتله عيسى ابن مريم ﷺ ، فلم يقع الشك فى أنه أحد الدجالين الذين أنذر بهم النبي ﷺ من قوله: (إن بين يدى الساعة دجالين كذابين أزيد من ثلاثين) فلذلك لم ينكر على عمر يمينه والله أعلم؛ لأن الصحابة قد اختلفوا فى مسائل: فمنهم من أنكر على مخالفة قوله، ومنهم من سكت عن إنكار ما خالف اجتهاده ومذهبه، فلم يكن سكوت من سكت رضا بقول مخالفه، إذ قد يجوز أن يكون الساكت لم يبين له وجه الصواب فى المسألة وأخرها إلى وقت آخر ينظر فيها، وقد يجوز أن يكون سكوته ليبين خلافها فى وقت آخر إذا كان ذلك أصلح فى المسألة. فإن اعترض أن سكوت البكر حجة عليها.
стр. 5330
قيل: ليس هذا بمفسد لما تقدم؛ لأن من شرط كون سكوتها حجة عليها تقديم الإعلام لها بذلك؛ فسكوتها بعد الإعلام أنه لازم لها رضا منها وإقرار.
- باب الأحْكَامِ الَّتِى تُعْرَفُ بِالدَّلائِلِ وَكَيْفَ مَعْنَى الدِّلالَةِ وَتَفْسِيرُهَا ؟
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَمْرَ الْخَيْلِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ سُئِلَ عَنِ الْحُمُرِ، فَدَلَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة: ٧] ، وَسُئِلَ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: (لا آكُلُهُ، وَلا أُحَرِّمُهُ) ، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِىِّ ﷺ الضَّبُّ، فَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ. / ٨٠ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (الْخَيْلُ لِثَلاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. . .) ، الحديث وَسُئِلَ النَّبِىّ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ، فَقَالَ: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىَّ فِيهَا إِلا هَذِهِ الآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ () . / ٨١ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ عَنِ الْحَيْضِ، كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْهُ؟ قَالَ: (تَأْخُذِينَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِينَ بِهَا) ، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (تَوَضَّئِى) ، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا؟ قَالَ: (تَوَضَّئِينَ بِهَا) ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَرَفْتُ الَّذِى يُرِيدُ النَّبِىّ ﷺ فَجَذَبْتُهَا إِلَىَّ فَعَلَّمْتُهَا. / ٨٢ - وفيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ أَهْدَتْ إِلَى النَّبِىِّ ﵇ سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا،
стр. 5331
فَدَعَا بِهِنَّ النَّبيُِّ ﵇ فَأُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ، فَتَرَكَهُنَّ النَّبِىُّ ﷺ كَالْمُتَقَذِّرِ لَهُ، وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا مَا أُكِل عَلَى مَائِدَتِهِ، وَلا أَمَرَ بِأَكْلِه) . / ٨٣ - وفيه: جَابِر، قَالَ النَّبِيُّ ﵇: (مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِى بَيْتِهِ) ، وَإِنَّهُ أُتِىَ بِبَدْرٍ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِى طَبَقًا، فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: (قَرِّبُوهَا) ، فَقَرَّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: (كُلْ، فَإِنِّى أُنَاجِى مَنْ لا تُنَاجِى) . وعَنِ ابْنِ وَهْبٍ: بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ. / ٨٤ - وفيه: جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيّ ﵇ وَكَلَّمَتْهُ بِشَىْءٍ فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ، فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ أَجِدْكَ؟ قَالَ: (إِنْ لَمْ تَجِدِينِى فَأْتِى أَبَا بَكْرٍ) . زَادَ الْحُمَيْدِىُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، كَأَنَّهَا تَعْنِى الْمَوْتَ. قال المهلب وغيره: هذا كله بيِّن فى جواز القياس والاستدلال وموضع الاستدلال على أن فى الحمر أجرًا قوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة: ٧] ، فحمل ﷺ الآية على عمومها استدلالا بها. وأما استدلال ابن عباس أن الضب حلال على مائدته ﷺ بحضرته، ولم ينكره ولا منع منه بقوله: (ولا أحرمه) . فيحتمل أن يكون استدلالا لا نصًا لاحتمال قوله ﷺ : (ولا أحرمه) الندب إلى ترك أكله، فلما أكل بحضرته استدل ابن عباس بذلك على أنه لم يحرمه ولا ندب إلى تركه، ويحتمل أن يكون نصًا؛ لأن قوله: (ولا أحرمه) فلا يتضمن الندب إلى ترك أكله فيكون نصًا في تحليله.
стр. 5332
وأما حديث الحائض فهو استدلال صحيح؛ لأن السائلة لم تفهم غرض النبي ﷺ حين أعرض عن ذكر موضع الأذى والدم حياء منه ﷺ ولم تدر أن التتبع لأثر الدم بالحرقة سمى توضؤًا ففهمت ذلك عائشة من إعراضه فهو استدلال صحيح. وأما حديث جابر فى الثوم والبصل فهو نص منه ﷺ على جواز أكله بقوله: (كل، فإنى أناجى من لا تناجى) . وأما حديث المرأة فهو استدلال صحيح استدل النبى بظاهر قولها: فإن لم أجدك. أنها أرادت الموت، فأمرها بإتيان أبى بكر. قيل له: قد يمكن أنه اقترن بسؤالها إن لم أجدك؟ حالة من الأحوال، وإن لم يكن نقلها دلته ﷺ على مرادها، فوكلها إلى أبى بكر، وفى هذا دليل على استخلاف أبى بكر، وقد أمر الله عباده بالاستدلال والاستنباط من نصوص الكتاب والسنة وفرض ذلك على العلماء القائمين به.
- باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : (لا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَىْءٍ
/ ٨٥ - فيه: عَبْدِالرَّحْمَنِ، سَمِعَ مُعَاوِيَةَ، يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ كَعْبَ الأحْبَارِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلاءِ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ. / ٨٦ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأهْلِ الإسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا تُصَدِّقُوا
стр. 5333
أَهْلَ الْكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ،) وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ) [العنكبوت: ٤٦] الآيَةَ) . / ٨٧ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَىْءٍ وَكِتَابُكُمِ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَى رسوله ﷺ أَحْدَثُ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ، وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ، وَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا، أَلا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ لا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلا يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ. قال المهلب: قوله ﷺ : (لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ) إنما هو فى الشرائع لا تسألوهم عن شرعهم فيما لا نعرفه من شرعنا لنعمل به؛ لأن شرعنا مكتف وما لا نص فيه عندنا ففى النظر والاستدلال ما يقوم الشرع منه. وأما سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا، وما جاء به نبينا ﷺ من الأخبار عن الأمم السالفة فلم ننه عنه. فإن قيل: فقد أمر الله رسوله بسؤال أهل الكتاب فقال تعالى: (فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ) [يونس: ٩٤] . قيل: ليس هذا بمفسد لما تقدم من النهى عن سؤالهم؛ لأنه ﷺ لم يكن شاكًا ولا مرتابًا، وقال أهل التأويل: الخطاب للنبى ﷺ والمراد به غيره من الشكاك كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء) [الطلاق: ١] ، وتقديره: إن كنت أيها السامع فى شك مما أنزلنا على نبينا. كقولهم: إن كنت ابنى فبرنى. وهو يعلم أنه ابنه.
стр. 5334
فإن قيل: فإذا كان المراد بالخطاب غير النبى ﷺ فكيف يجوز سؤال الذين يقرءون الكتاب مع جحدهم النبوة؟ ففيه قولان: أحدهما: سل من آمن من أهل الكتاب كابن سلام، وكعب الأخبار. عن ابن عباس والضحاك، ومجاهد وابن زيد. الثانى: سلهم عن صفة النبى ﷺ المبشر به فى كتبهم، ثم انظر ما يوافق تلك الصفة.
- بَاب النَهْىِ عَلَى التَّحْرِيمِ إِلا مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ نَحْوَ قَوْلِهِ: حِينَ أَحَلُّوا: أَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ
وَقَالَ جَابِرٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. / ٨٨ - فيه: جَابِر، أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ النَّبِىّ ﷺ فِى الْحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ، فَقَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ أَنْ نَحِلَّ، وَقَالَ: (أَحِلُّوا وَأَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ) ، قَالَ جَابِرٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّا نَقُولُ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلا خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِى عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَذْىَ، قَالَ: وَيَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ هَكَذَا وَحَرَّكَهَا، فَقَامَ النَّبِىّ ﷺ فَقَالَ: (قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّى أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلا هَدْيِى لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا فَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ) ، فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. / ٨٩ - وفيه: عَبْدُاللَّهِ الْمُزَنِىُّ، قَالَ النَّبِىِّ ﷺ : (صَلُّوا قَبْلَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ) قَالَ فِى الثَّالِثَةِ: (لِمَنْ شَاءَ) ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.
стр. 5335
/ ٩٠ - وفيه: جُنْدَب، قَالَ النَّبِيّ ﷺ : (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ، فَقُومُوا عَنْهُ) . / ٩١ - وفيه: ابْن عَبَّاس، لَمَّا حُضِرَ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ وَفِى الْبَيْتِ رِجَالٌ منهِمْ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: (هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالاخْتِلافَ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: (قُومُوا عَنِّى) . قَالَ عُبَيْدُاللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ. اختلف العلماء فى هذا الباب فذكر ابن الباقلانى، عن الشافعى أن النهى عنده على التحريم والإيجاب وقاله كثير من الناس، قال الجمهور من أصحاب مالك وأبى حنيفة والشافعى وجميع أهل الظاهر: النهى عن الشىء يدل على فساد المنهى عنه. قال المؤلف: وهذا يدل على أنه عندهم على التحريم والإيجاب، وكذلك الأمر عند الدهماء من الفقهاء وغيرهم موضوع لإيجاب المأمور وحتمه إلا أن يقوم الدليل على أنه ندب، وحكى أبو تمام عن مالك أن الأمر عنده على الوجوب، وإلى هذا ذهب البخارى فى هذا الباب إلى أن النهى والأمر على الوجوب إلا ما قام الدليل على خلاف ذلك فيه، وذهبت الأشعرية إلى أن النهى لا يقتضى التحريم؛ بل يتوقف فيه إلى أن يرد الدليل. قال ابن الطيب: وقال هذا فريق من الفقهاء. قال: وقال
стр. 5336
كثير من أصحاب الشافعي: إن الأمر موضوع للندب إلى الفعل فإن اقترن به ما يدل على كراهية تركه من ذم أو عقاب كان واجبًا، وقال به كثير من الفقهاء، واستشهد عليه الشافعى بقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) [البقرة: ٢٨٢] ، وأمثاله مما ورد الأمر به على سبيل الندب. قال ابن الطيب: وقد دل بعض كلامه على أن مذهبه الوقف. وقال أبو الحسن الأشعرى وكثير من الفقهاء والمتكلمين: إنه محتمل للأمرين. قال ابن الطيب: وهذا الذى نقول به. قال غيره: والحجة للجماعة أن النهى على التحريم أنه موجب اللغة ومقتضاها، فإن من فعل ما نهى عنه استحق اسم العصيان؛ لأنه لا ينهى إلا عن قبيح قبل النهى، وعما هو له كاره، وقد فهمت الأمة تحريم الزنا، ونكاح المحرمات، والجمع بين الأختين، وتحريم بيع الغرر، وبيع ما لم يقبض بمجرد نهى الله تعالى ونهى رسوله عن ذلك لا شىء سواه. قال أبو التمام: وأما الحجة لوجوب الأمر فإن الله تعالى أطلق أوامره فى كتابه ولم يقرنها بقرينة، وكذلك فعل النبى ﷺ فعلم أن إطلاق الأمر يقتضى وجوبه، ولو افتقر إلى قرينة لقرنت به. والعرب لا تعرف القرائن، وإنما هو شىء أحدثه متأخرو المتكلمين فلا يجوز أن يقال: إن لفظ الأمر لا تأثير له فى اللغة وأنه يحتاج إلى قرينة، وقد قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣] ، فوجب بهذا الوعيد حمل الأمر على الوجوب. وحجة الذين قالوا بالوقف وطلب الدليل على المراد بالأمر أن الأمر قد يرد على معان، فالواجب أن ينظر فإن وجد ما يدل على غير الواجب حمل عليه، وإلا فظاهره الوجوب؛ لأن قول القائل: افعل
стр. 5337
لا يفهم منه لاتفعل ولا افعل إن شئت، إلا أن يصله بما يعقل به التخيير، فإذا عدم ذلك وجب تنفيذ الأمر، واحتجوا على وجوب طلب الدليل والقرينة على المراد بالأمر، فقالوا: اتفق الجميع على جنس الاستفهام عن معنى الأمر غذا ورد هل هو على الوجوب أو الندب؟ ولو لم يصلح استعماله فيه لقبح الاستفهام عنه؛ لأنه لا يحسن أن يستفهم هل أريد باللفظ ما لا يصلح إجراؤه عليه إذا لا يصلح إذا قال القائل: رأيت إنسانًا. أن يقال له: هل رأيت إنسانًا أو حمارًا. وحسن أن يقال له: أذكرًا رأيت أم أنثى لصلاح وقوعه عليهما. وقد ثبت قبح الاستفهام مع القرائن الدالة بالمحتمل من اللفظ، وإنما يسوغ الاستفهام مع التباس الحال وعدم القرائن الكاشفة عن المراد. قال المؤلف: وما ذكر البخارى فى هذا الباب من الآثار يبطل هذا القول؛ لأنه ﷺ حين أمرهم بالحل وإصابة النساء بين لهم أن أمره إياهم بإصابة النساء ليس على العزم، ولولا بيانه ذلك لكانت إصابتهم للنساء واجبة عليهم وكذلك بين لهم ﷺ بنهيه النساء عن اتباع الجنائز أنه لم يكن نهى عزم ولا تحريم، ولولا بيانه ذلك لفهم من النهى بمجرده التحريم، وكذلك بين لهم بالقيام عن القراءة عند الاختلاف ليس على الوجوب؛ لأنه أمرهم بالائتلاف على ما دل عليه القرآن وحذرهم الفرقة. فإذا حدثت شبهة توجب المنازعة فيه أمرهم بالقيام عن الاختلاف ولم يأمرهم بترك قراءة القرآن إذا اختلفوا فى تأويله لإجماع الأمة على قراءة القرآن لمن فهمه ولمن لم يفهمه، فدل أن قوله: (قوموا
стр. 5338
عنه) على وجه الندب لا على وجه التحريم للقراءة عند الاختلاف. وكذلك رآى عمر فى ترك كتاب رسول الله لهم حين غلبه الوجع من أجل تقدم العلم عنده وعند جماعة المؤمنين أن الدين قد أكمله الله، وأن الأمة قد اكتفت بذلك، فلا يجوز أن يتوهم أن هناك شيئًا بقى على النبى تبليغه فلم يبلغه لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧] ، وبقوله: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ) [الذاريات: ٥٤] ، وقد أنبأنا الله أنه أكمل به الدين فقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: ٣] . وإذا ثبت هذا بأن قوله ﷺ : (هلموا اكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده) محمول على ما أشار به عمر بأنه قول من قد غلبه الوجع وشغل بنفسه، واكتفى بما أخبر الله تعالى به من إكمال الدين، وبأن بهذا مقدار علم عمر وتبريزه على ابن عباس فكل أمر لله تعالى وللرسول لم يكن واجبًا على العباد قد جاء معه من بيان النبى ﷺ بتصريح أو بدليل ما فهم به أنه على غير اللزوم. وقد فهم الصحابة ذلك من فحوى خطابه ﷺ وكل أمر عرى عن دليل يخرجه عن الوجوب، وجب حمله على الوجوب؛ إذ لو كان مراد الله به غير الوجوب لبينه النبى ﷺ لأمته، فوجب أن يكون ما عرى من بيانه ﷺ أنه على غير الوجوب غير مفتقر إلى طلب دليل أو قرينة أن المراد به الوجوب؛ لقيام لفظ الأمر بنفسه، وكذلك ما عرى من نهيه ﷺ من دليل
стр. 5339
يخرجه عن التحريم وجب حمله على التحريم كحكم الأمر سواء، على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء. ووقع فى بعض الأمهات فى هذا الباب النهى عن التحريم وهو غلط من الناسخ والصواب فيه باب النهى على التحريم يعنى أن النهى محمول على التحريم إلا ما علمت إباحته على حديث أم عطية.
- باب قَوله تَعَالَى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى: ٣٨] ) وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمْرِ (
وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ، لِقَوْلِهِ: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [آل عمران: ١٥٩] فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَاوَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِى الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ، فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوجَ، فَلَمَّا لَبِسَ لأمَتَهُ وَعَزَمَ، قَالُوا: أَقِمْ، فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْعَزْمِ، وَقَالَ: لا يَنْبَغِى لِنَبِىٍّ يَلْبَسُ لأمَتَهُ، فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ، وَشَاوَرَ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمَى بِهِ أَهْلُ الإفْكِ عَائِشَةَ، فَسَمِعَ مِنْهُمَا حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَجَلَدَ الرَّامِينَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ، وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ. وَكَانَتِ الأئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِىِّ ﷺ يَسْتَشِيرُونَ الأمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى الأمُورِ الْمُبَاحَةِ؛ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا، فَإِذَا وَضَحَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ اقْتِدَاءً بِالنَّبِىِّ ﷺ . وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْدُ عُمَرُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ؛ إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ، وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ
стр. 5340
عُمَرَ كُهُولا كَانُوا، أَوْ شُبَّانًا، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ. / ٩٢ - فيه: عَائِشَةَ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا، وَدَعَا النَّبِىّ ﷺ عَلِيًا، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْىُ يَسْأَلُهُمَا، وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِى فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ بِالَّذِى يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَأَمَّا عَلِىٌّ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. . . الحديث. اختلف أهل التأويل فى المعنى الذى أمر الله نبيه أن يشاور أصحابه، فقالت طائفة: أمر الله أن يشاورهم فى مكائد الحروب وعند لقاء العدو تطييبًا لنفوسهم وتألفًا لهم على دينهم وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله قد أغناه عن رأيهم بوحيه. روى هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق. وقال آخرون: إنما أمر بمشورتهم فيما لم يأته فيه وحى، ليبين لهم صواب الرأى. روى ذلك عن الحسن البصرى والضحاك قالا: ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما فى المشورة من الفضل. قال الحسن: وما شاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه مع غناه عنهم بتدبيره تعالى له وسياسته إياه؛ ليستن به من بعده ويقتدوا به فيما ينزل بهم من النوازل. قال سفيان الثورى: وقد سن رسول الله الاستشارة فى غير موضع، استشار أبا بكر وعمر فى أسارى بدر، واستشار أصحابه فى يوم الحديبية.
стр. 5341
وأما قوله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [آل عمران: ١٥٩] قال قتادة: أمر الله نبيه إذا عزم على أمر أن يمضى فيه ويتوكل على الله. قال المهلب: وامتثل هذا النبى ﷺ فقال: (لا ينبغى لنبى لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله) أى: ليس ينبغى له إذا عزم أن ينصرف؛ لأنه نقض التوكل الذى شرط الله مع العزيمة، فلبسه لأمته دال على العزيمة، وفى أخذ النبى ﷺ بما أمره الله من الرأى بعد المشورة حجة لمن قال من الفقهاء أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد فيما لا وحى عندهم فيه. وقد تقدم بيان ذلك قبل هذا. وفيه من الفقه: أن للمستشير والحاكم أن يعزم من الحكم على غير ما قال به مشاوره إذا كان من أ ﷺ ل الرسوخ فى العلم، وأن يأخذ بما يراه كما فعل النبى ﷺ فى مسألة عائشة فإنه شاور عليًا وأسامة، فأشار عليه أسامة بإمساكها، وأشار عليه على بفراقها، فلم يأخذ بقول أحدهما وتركها عند أهلها حتى نزل القرآن فأخذ به، وكذلك فعل أبو بكر الصديق فإنه شاور أصحابه فى مقاتلة من منع الزكاة، وأخذ بخلاف ما أشاروا به عليه من ترك قتالهم لما كان عنده متضحًا من قول النبى ﷺ : (إلا بحقها) وفهمه هذه النكتة مع ما يعضدها من قوله: (من غير دينه فاقتلوه) . وأما قول البخارى: فكان الأمة بعد النبى ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم، فبذلك تواصى العلماء والحكماء. قال سفيان الثورى: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله، فإذا أشار أحد برأى سأله: من أين قاله؟ فإن اختلفوا أخذ بأشبههم قولا بالكتاب والسنة، ولا يحكم بشىء حتى يتبين له حجة يجب الحكم بها.
стр. 5342
وقول البخاري: فإذا وضح الكتاب والسنة يعنى: إن وجد فيهما نص لم يتعدوه، وإن لم يوجد نص وسعهم الاجتهاد. وقال الشافعى: وإنما يؤمر الحاكم بالمشورة؛ لأن المشير ينبهه لما يغفل عنه ويدله من الأخبار على ما يجهله، فأما أن يقلد مشيرًا فلم يجعل الله هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ . وقال أبو الحسن بن القابسى: قوله: فجلد الرامين لها. لم يأت فيه بإسناد وذكره غير مسندًا وقوله: فسمع منهما. يعنى: فسمع قول على وأسامة على اختلافهما فيه. وقوله: لم يلتفت إلى تنازعهم. يعنى: عليًا وأسامة، وأراد: تنازعهما. وأظن الألف سقطت من الكتّاب.
стр. 5343
كِتَاب التَّوْحِيدِ والرد على الجهمية وغيرهم
- باب مَا جَاءَ فِى دُعَاءِ النَّبِيِّ ﵇ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ
/ ١ - فيه: ابْن عَبَّاس، أن النَّبِىّ، ﵇، بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فقَالَ لَهُ: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِى أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ) . / ٢ - وفيه: مُعَاذ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِى مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ) ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِى مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ) . / ٣ - وفيه: أَبُو سَعِيد، أَنَّ رَجُلا سَمِعَ رَجُلا يَقْرَأُ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد) [الإخلاص: ١] يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) .
стр. 5344
/ ٤ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأصْحَابِهِ فِى صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ: بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا، ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: (سَلُوهُ لأىِّ شَىْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ) ؟ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: (أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ) . قال المؤلف: أمر الله تعالى نبيه بدعاء العباد إلى دينه وتوحيده ففعل ما ألزمه من ذلك، فبلغ ما أمره بتبليغه وأنزل عليه: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ) [الذاريات: ٥٤] ، ووجه ذكر حديث قل هو الله أحد فى هذا الباب؛ لأنها سورة تشتمل على توحيد الله وصفاته الواجبة له وعلى نفى ما يستحيل عليه من أنه لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد وتضمنت ترجمة هذا الباب أن الله واحد وأنه ليس بجسم؛ لأن الجسم ليس بشىء واحد بل هو أشياء كثيرة مؤلفة، ففى نفس الترجمة الرد على الجهمية فى قولها أنه تعالى جسم. والدليل على استحالة كونه جسمًا أن الجسم موضوع فى اللغة للمؤلف المجتمع، وذلك محال عليه تعالى؛ لأنه لو كان كذلك لم ينفك من الأعراض المتعاقبة عليه الدالة بتعاقبها عليه على حدثها لفناء بعضها عند مجئ أضدادها، وما لم ينفك من المحدثات فمحدث مثلها، وقد قام الدليل على قدمه تعالى، فبطل كونه جسمًا.
стр. 5345
- باب قَوله تَعَالَى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الإسراء: ١١٠]
/ ٥ - فيه: جَرِير، قَالَ ﷺ : (لا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ) . / ٦ - وفيه: أُسَامَة، جَاءَ النَّبِىِّ، النَّبِىّ ﷺ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ يَدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِى الْمَوْتِ، فَقَالَ: (ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) ، فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ أَنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَدُفِعَ الصَّبِىُّ إِلَيْهِ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، كَأَنَّهَا فِى شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: (هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِى قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) . غرضه فى هذا الباب إثبات الرحمة وهى صفة من صفات ذاته لا من صفات أفعاله، والرحمن وصف به نفسه تعالى وهو متضمن لمعنى الرحمة كتضمن وصفه لنفسه بأنه عالم وقادر وحى وسميع وبصير ومتكلم ومريد للعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة، التى جميعها صفات ذاته لا صفات أفعاله، لقيام الدليل على أنه تعالى لم يزل ولا يزال حيًا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا متكلمًا مريدًا، ومن صفات ذاته الغضب والسخط، والمراد برحمته تعالى إرادته لنفع من سبق فى علمه أنه ينفعه ويثنيه على أعماله، فسماها رحمة، والمراد بغضبه وسخطه إرادته لإضرار من سبق فى علمه إضراره وعقابه على ذنوبه فسماها غضبًا وسخطًا،
стр. 5346
ووصف نفسه بأنه راحم ورحيم ورحمن وغاضب وساخط بمعنى أنه مريد لما تقدم ذكره. وإنما لم يعرف بعض العرب الرحمن من أسماء الله تعالى لأن أسماءه كلها واجب استعمالها ودعاؤه بها سواء؛ لكون كل اسم منها راجعًا إلى ذات واحدة، وهو البارى تعالى وإن دل كل واحد منها على صفة من صفاته تعالى يختص الاسم بالدلالة عليها، وأما الرحمة التى جعلها الله فى قلوب عباده يتراحمون بها فهى من صفات أفعاله، ألا تراه ﷺ قد وصفها بأن الله خلقها فى قلوب عباده، وجعله لها فى القلوب خلق منه تعالى لها فيها، وهذه الرحمة رقة على المرحوم، والله تعالى أن يوصف بذلك.
٣ - باب قَول تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: ٥٨]
/ ٧ - فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) . قال المؤلف: تضمن هذا الباب صفتين لله تعالى: صفة فعل، وصفة ذات. فصفة الفعل ما تضمنه اسمه الذى أجراه تعالى عليه وهو قوله تعالى: (الرَّزَّاقُ (والصفة الرزق، والرزق فعل من أفعاله لقيام الدليل على استحالة كونه تعالى فيما لم يزل رازقًا، إذ رازق يقتضى مرزوقًا، والبارى تعالى مذ كان ولا مرزوق، فمحال كونه فاعلا للرزق فيما لم يزل،
стр. 5347
فثبت أن ما لم يكن ثم كان محدث مخلوق، فرزقه إذًا صفة من صفات أفعاله، وأما وصفه بأنه الرزاق فلم يزل البارى واصفًا لنفسه بأنه الرزاق، ومعنى ذلك أنه سيرزق إذا خلق المرزوقين، وأما صفة الذات فالقوة، والقوة والقدرة اسمان مترادفان على معنى واحد، والبارى تعالى لم يزل قادرًا قويًا ذا قدرة وقوة، وإذا كان معنى القوة معنى القدرة، فالقدرة لم تزل موجودة قائمة به موجبة له حكم القادرين. وقوله تعالى: (الْمَتِينُ (: الثابت الصحيح الوجود، ومعنى قوله ﷺ : (ما أحد أصبر على أذىً سمعه من الله ترك المعاجلة بالنقمة والعقوبة، لا أن الصبر منه معناه كمعناه منا، كما أن رحمته تعالى لمن يرحمه ليس معناها معنى الرحمة منا؛ لأن الرحمة منا رقة وميل طبع إلى نفع المرحوم، والله يتعالى عن وصفه بالرقة وميل الطبع؛ لأنه ﷺ ليس بذى طبع وإنما ذلك من صفات المحدثين. وقوله: (على أذى سمعه) معناه: أذى لرسله وأنبيائه والصالحين من عباده لاستحالة تعلق أذى المخلوقين به تعالى؛ لأن الأذى من صفات النقص التى لا تليق بالله إذ الذى يلحقه العجز والتقصير على الانتصار ويصبر جبرًا هو الذى يلحقه الأذى على الحقيقة، والله تعالى لا يصبر خبرًا وإنما يصبر تفضلا، والكناية فى الأذى راجعة إلى الله والمراد بها أنبياؤه ورسله؛ لأنهم جاءوا بالتوحيد لله تعالى ونفى الصاحبة والولد عنه، فتكذيب الكفار لهم فى إضافة الولد له تعالى أذى لهم ورد
стр. 5348
لما جاءوا به، فلذلك جاز أن يضاف الأذى فى ذلك إلى الله تعالى إنكارًا لمقالتهم وتعظيمًا لها؛ إذ فى تكذيبهم للرسل فى ذلك إلحاد فى صفاته تعالى، ونحوه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب: ٥٧] ، تأويله الذين يؤذون أولياء الله وأولياء رسوله، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه فى الإعراب، والمحذوف مراد، نحو قوله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] ، يعنى أهل القرية. وقد تضمن هذا الباب الرد على من أنكر أن لله صفة ذات هى قدرة وقوة لاعتقادهم أنه قادر بنفسه لا بقدرة، والله تعالى قد نص على أن له قدرة بخلاف ما تعتقد القدرية من أنه قوى بنفسه لا بقوة. وفيه: رد على المجسمة القائسين للغائب على الشاهد قالوا: كما لم نجد قويا ولا ذا قوة فيما بيننا إلا جسمًا كذلك الغائب حكمه حكم الشاهد، فيقال لهم: إن كنتم على الشاهد تقولون وعليه تعتمدون فى قياس الغائب عليه، فكذلك لم تجدوا جسمًا إلا ذا أبعاض وأجزاء مؤلفة، فيصح عليه الموت والحياة والعلم والجهل والقدرة والعجز، فاقضوا على أن الغائب حكمه حكم هذا فإن مروا عليه ألحدوا وأبطلوا الحدوث والمحدث، وإن أبوه نقضوا استدلالهم ولا انفكاك لهم من أحد الأمرين. ومن هذه الجهة دخل على المعتزلة الخطأ فى قياسهم صفات الله على صفات المخلوقين، والله تعالى لا يشبه المخلوقين؛ لأنه الخالق ولا خالق له وقد أعلمنا الله تعالى بالحكم فى ذلك فقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) [الشورى: ١١] ، فكيف يشبه الخالق بالمخلوق، ومن ليس كمثله شىء كمن له مثل من الأشياء المخلوقة؟ وهذا ما لا يخفى فساده وإبطاله.
стр. 5349
٤ - باب قَوله تَعَالَى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) [الجن: ٢٦]
وَ) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (و) أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ () وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ () إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ (قَالَ يَحْيَى: الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا، وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا. / ٨ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىِّ ﷺ : (مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إِلا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحَامُ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَا فِى غَدٍ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِى الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلا اللَّهُ، وَلا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا اللَّهُ) . / ٩ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ، فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ) [الأنعام: ١٠٣] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ: (لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ (. غرضه فى هذا الباب إثبات علم الله تعالى صفة لذاته؛ إذ العلم حقيقة فى كون العالم عالمًا، إذ من المحال كون العالم عالمًا ولا علم له، وكذلك سائر أوصافه المقتضية للصفات التى هى حقيقة فى ثبات الأوصاف المجرأة عليه تعالى من كونه حيًا وقادرًا وما شابه ذلك خلافًا لما تقوله القدرية من أنه عالم قادر حى بنفسه لا بقدرة ولا بعلم ولا بحياة، ثم إذا ثبت كون علمه قديمًا وجب تعلقه بكل معلوم على حقيقته، وقد نص البارى تعالى على إثبات
стр. 5350
علمه بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [لقمان: ٣٤] ، وبقوله تعالى: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) [النساء: ١٦٦] ، وبقوله: (وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ) [فاطر: ١١] ، وبقوله: (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ) [فصلت: ٤٧] ، فمن دفع علم البارى تعالى الذى هو حقيقة فى كونه عالمًا، وزعم أنه عالم بنفسه لا بعلم فقد رد نصه تعالى على إثبات العلم الذى هو حقيقة فى كونه عالمًا ولا خلاف بين رد نصه على أنه ذو علم وبين نصه على أنه عالم، فالنافى لعلمه كالنافى لكونه عالمًا، واجتمعت الأمة على أن من نفى كونه عالمًا فهو كافر، فينبغى أن يكون من نفى كونه ذا علم كافرًا؛ إذ من نفى أحد الأمرين كمن نفى الآخر، والقول فى العلم بهذا كاف من القول به فى جميع صفاته، وتضمن هذا الباب الرد على هشام بن الحكم ومن قال بقوله من أن علمه تعالى محدث وأنه لا يعلم الشىء قبل وجوده. وقد نبه الله تعالى على خلاف هذا بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [لقمان: ٣٤] الآية، وجميع الآيات الواردة بذلك، وأخبرنا النبى ﷺ بمثل ذلك فى حديث ابن عمر وعائشة فلا يلتفت إلى من رد نصوص الكتاب والسنة.
٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (السَّلامُ الْمُؤْمِنُ المهيمن (
/ ١٠ - فيه: عَبْدُاللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّى خَلْفَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَنَقُولُ: السَّلامُ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ. . .) الحديث.
стр. 5351
غرضه في هذا الباب إثبات اسمًا من أسماء الله، فالسلام اسم من أسمائه، ومعناه: السالم من النقائص والآفات الدالة على حدث من وجدت به متضمن لمعنى السلامة من ذلك كله، وقوله تعالى: (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ) [يونس: ٢٥] ، مختلف فى تأويله فقيل: معناه: والله يدعو إلى دار السلامة، يعنى: الجنة؛ لأنه لا آفة فيها ولا كدر فالسلام على هذا والسلامة بمعنى، كاللذاذ واللذاذة، والرضاع والرضاعة وقيل: السلام اسم لله تعالى قال قتادة: الله السلام وداره الجنة. فأما المؤمن فهو على وجهين: أحدهما: أن يكون صفة ذات، وهو أن يكون متضمنًا لكلام الله الذى هو تصديقه لنفسه فى أخباره ولرسله فى صحة دعواهم الرسالة عليه، وتصديقه هو قوله، وقوله صفة من صفات ذاته لم يزل موجودًا به حقيقة فى كونه قائلا متكلمًا مؤمنًا مصدقًا. والوجه الثانى: أن يكون متضمنًا صفة فعل هى أمانة رسله وأوليائه المؤمنين به من عقابه وأليم عذابه من قولك: آمنت فلانًا من كذا، وأمنته منه، كأكرمت وكرمت، وأنزلت ونزلت، ومنه قوله تعالى: (وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) [قريش: ٤] . وأما المهيمن: فهو راجع إلى معنى الحفظ والرعاية، وذلك صفة فعل له تعالى، وأما منعه ﷺ من القول السلام على الله. فقد بين ﷺ معنى ذلك بقوله: (إن الله هو السلام) ويستحيل أن يقال السلام على الله؛ لاستحالة القول الله على الله، وعلى قول من جعل السلام بمعنى السلامة يستحيل أيضًا أن يدعو له
стр. 5352
بالسلامة. وقوله: قولوا: التحيات لله. . . إلى آخر الحديث فهو صرف منه ﷺ لهم بما يستحيل الكلام به إلى ما يحسن، ويجمل لما فى ذلك من الإقرار لله بملك كل شىء، وشرع ما شرعه لعباده مما أوجبه عليهم من الصلوات المفروضة، وندبه إليهم من النوافل والتقرب إليه بالدعاء والكلام الطيب الذى وصف تعالى أنه يصعد إليه بقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر: ١٠] . والتحية فى كلام العرب الملك. قال الشاعر: ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية يعنى: الملك. فمعنى قوله: التحيات لله: الملك لله.
٦ - بَاب قَوله تَعَالَى: (مَلِكِ النَّاسِ) [الناس: ٢]
/ ١١ - فيه: ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇. / ١٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : (يَقْبِضُ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِى السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ) ؟ . قوله تعالى: (مَلِكِ النَّاسِ (هو داخل فى معنى ما أمرهم به النبى ﷺ من قولهم: التحيات لله. يريد: الملك لله، وكأنه ﷺ إنما أمرهم بذلك من حيث أمره الله بالاعتراف بذلك بقوله تعالى: (قُلْ (يا محمد: (أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ (ووصفه
стр. 5353
تعالى لنفسه أنه ملك الناس على وجهين: أحدهما: أن يكون راجعًا إلى صفة ذاته وهو القدرة؛ لأن الملك بمعنى القدرة. والثانى: أن يكون راجعًا إلى صفة فعل وذلك بمعنى: القهر والصرف لهم عما يريدونه إلى ما أراده تعالى، فتكون أفعال العباد ملكًا له تعالى لا قدرة لهم عليها. وفيه إثبات اليمين لله صفة من صفات ذاته ليست بجارحة خلافًا لما تعتقده الجسمية فى ذلك لاستحالة جواز وصفه بالجوارح والأبعاض، واستحالة كونه جسمًا، وقد تقدم القول فى حل شبههم فى ذلك.
٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ () سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الصافات: ١٨٠] ) وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ (وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ ﷺ : (تَقُولُ جَهَنَّمُ: قَطْ، قَطْ، وَعِزَّتِكَ) . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : (يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ، لا وَعِزَّتِكَ، لا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) . وَقَالَ أَيُّوبُ: وَعِزَّتِكَ لا غِنَى بِى عَنْ بَرَكَتِكَ. / ١٣ - فيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ ﵇: (أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ الَّذِي لا تَمُوتُ، وَالإنْسُ وَالْجِنُّ يَمُوتُونَ) .
стр. 5354
/ ١٤ - وفيه: أَنَس، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (يُلْقَى فِى النَّار) وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) [ق: ٣٠] حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فتَقُولُ: قَدْ قَدْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ أفَضْلَ الْجَنَّةِ) . قال المؤلف: فالكلام فى هذا الباب على معنى العزيز الحكيم والعزة والحكمة والقدم. أحدهما: أن تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة. والثانى: أن تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم، ولهذا صح إضافته تعالى اسمه إليها فقال: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ) [الصافات: ١٨٠] ، والمربوب مخلوق لا محالة. والحكيم متضمن لمعنى الحكمة، وهو على وجهين أيضًا: صفة ذات تكون بمعنى العلم، والعلم من صفات ذاته. والثانى: أن تكون بمعنى الإحكام للفعل والإتقان له، وذلك من صفات الفعل وإحكام الله لمخلوقاته فعل من أفعاله، وليس إحكامه لها شيئًا يزيد على ذواتها؛ بل إحكامه لها جعلها نفسًا وذاتًا ما ذهب إليه أهل السنة إن خلق الشىء وإحكامه هو نفس الشىء، وإلا أدّى القول بأن الإحكام والخلق غير المحكم المخلوق إلى التسلسل إلى ما لا نهاية له، والخروج إلى ما لا نهاية له إلى الوجود مستحيل، فبان الفرق بين الحالف بعزة الله
стр. 5355
التي هي صفة ذاته، وبين من حلف بعزة الله التي هي صفة فعله أنه حانث فى حلفه بصفة الذات دون صفة الفعل؛ بل هو منهى عن الحلف بصفة الفعل كقول الحالف: وحق السماء وحق زيد؛ لقوله ﷺ : (من كان حالفًا فليحلف بالله) وقد تضمن كتاب الله العزة التى هى بمعنى القوة، وهو قوله: (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) [يس: ١٤] ، أى قوينا والعزة التى هى الغلبة والقهر وهو قوله: (وَعَزَّنِى فِى الْخِطَابِ) [ص: ٢٣] ، أى غلبنى وقهرنى. وأما القدم فلفظ مشترك يصلح استعماله فى الجارحة وفيما ليس بجارحة فيستحيل وصفه تعالى بالقدم الذى هو الجارحة؛ لأن وصفه بذلك يوجب كونه جسمًا والجسم مؤلف حامل للصفات وأضدادها غير متوهم خلوه منها، وقد بان أن المتضادات لا يصح وجودها معًا، وإذا استحال هذا ثبت وجودها على طريق التعاقب، وعدم بعضها عند مجئ بعض وذلك دليل على حدوثها، وما لا يصح خلوه من الحوادث فواجب كونه محدثًا، فثبت أن المراد بالقدم فى هذا الحديث خلق من خلقه تقدم علمه أنه لا تملأ جهنم إلا به. وقال النضر بن شميل: القدم هاهنا: هم الكفار الذين سبق فى علم الله أنهم من أهل النار وأنه تملأ النار بهم حتى ينزوى بعضها إلى بعض من الملئ لتضايق أهلها فتقول: قط قط، أى امتلأت. ومنه قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) [يونس: ٢] ، أى سابقة صدق. وقال ابن الأعرابى: القدم: هو التقدم فى الشرف والفضل. وقد قد، وقط قط، بمعنى:
стр. 5356
حسبي أي: كفاني، ويقال: قدني، وقطني بمعنى ذلك، واختلفت الرواية فى قوله: فيسكنهم أفضل الجنة، وروى فضل الجنة، فمن روى فضل الجنة فهو أحسن يعنى: ما فضل منها وبقى. ومن روى أفضل الجنة فمعناه: فاضل الجنة. وفضل وفاضل الجنة عائدان إلى معنى واحد، وليس بمعنى أفضل من كذا الذى هو بمعنى المفاضلة قال تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: ٢٧] ، على أحد التأويلين. قال الشاعر: لعمرك لا أدرى وإنى لأوجل يريد: لوجل.
٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ (
/ ١٥ - فيه: ابْن عَبَّاس، كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ، وَأَعْلَنْتُ أَنْتَ إِلَهِى لا إِلَهَ لِى غَيْرُكَ) . وَقَالَ سُفْيَان مرة: أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ. قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ) [الأنعام: ٧٣] ، كقوله:
стр. 5357
خالق السموات والأرض بالحق أى: أبدعهما وأنشأهما بالحق. وقوله: (رب السموات والأرض) كقوله: خالق السموات والأرض، وأما قوله: (أنت الحق) . فعلى معنيين: يكون اسمًا راجعًا إلى ذاته فقط لقوله ﷺ : أنت الحق. أى: أنت الموجود الثابت حقًا الذى لا يصح عليك تغيير ولا زوال. والمعنى الثانى: يكون الحق راجعًا إلى صفة ذاته؛ لقوله: خلق السموات والأرض بالحق أى قال لها: كونى فكانت. وقوله صفة من صفات ذاته عند أهل الحق والسنة على ما يأتى بيانه بعد هذا إن شاء الله. وأما قوله: (أنت نور السموات والأرض) وقوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [النور: ٣٥] ، فواجب صرفه عن ظاهره لقيام الدليل على أنه لا يجوز أن يوصف بأنه نور، والمعنى: أنت منور السموات والأرض بأن خلقتهما دلالة لعبادك على وجودك وربوبيتك بما فيهما من دلائل الحدث المفتقرة إلى محدث فكأنه نور السموات والأرض بالدلائل عليه منهما وجعل فى قلوب الخلائق نورًا يهتدون به إليه، وقال ابن عباس: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [النور: ٣٥] ، أى هاديهن، وعنه أيضًا مدبرهما، ومدبر ما فيهما وتقديره: الله نور السموات والأرض. وأما قيم السموات والأرض، فالكلام فيه من وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى العالم بمعلوماته، فتكون صفة ذات.
стр. 5358
والوجه الثاني: أن يكون بمعنى الحفظ لمخلوقاته، والرزق للحى منها، فتكون صفة فعل.
٩ - باب قوله تَعَالَى: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: ٥٨]
وَقَالَتْ عَائِشَةَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا (الآية [المجادلة: ١] . / ١٦ - فيه: أَبُو مُوسَى، كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: (ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا. . .) الحديث. / ١٧ - وفيه: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ : عَلِّمْنِى دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِى صَلاتِى، قَالَ: (قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِى مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) . / ١٨ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ جِبْرِيلَ نَادَانِى، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ) . غرضه فى هذا الباب أن يرد على من يقول: إن معنى سميع بصير. معنى عليم لا غير؛ لأن كونه كذلك يوجب مساواته تعالى للأعمى والأصم الذى يعلم أن السماء خضراء ولا يراها، وأن فى العالم أصواتًا ولا يسمعها ولا شك أن من سمع الصوت وعلمه ورأى خضرة السماء وعلمها أدخل فى صفات الكمال ممن انفرد بإحدى هاتين الصفتين، وإذا استحال كونه أحدنا ممن لا آفة به أكمل
стр. 5359
صفة من خالقه وجب كونه تعالى سميعًا بصيرًا مفيدًا أمرًا زائدًا على ما يفيده كونه عليما. ثم نرجع إلى ما تضمنه كونه سميعًا بصيرًا، فنقول: هما منضمنتان لسمع وبصر بهما كان سميعًا بصيرًا كما تضمن كونه عالمًا علمًا لأجله كان عالمًا وكما أنه لا خلاف بين إثباته عالمًا وبين إثباته ذا علم، فإن من نفى أحد الأمرين كمن نفى الآخر، وهذا مذهب أهل السنة والحق. ومعنى قول عائشة: (الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات) . أدرك سمعه الأصوات، لا أنه اتسع سمعه لها؛ لأن الموصوف بالسعة يصح وصفه بالضيق بدلا منه والوصفان جميعًا من صفات الأجسام، وإذا استحال وصفه بما يؤدى إلى القول بكونه جسمًا، وجب صرف قولها عن ظاهره إلى ما اقتضى صحته الدليل، ومعنى قوله ﷺ : (فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا) . نفى الآفة المانعة من السمع، ونفى الجهل المانع من العلم وفى هذا القول منه ﷺ دليل على أنه لم يزل سميعًا بصيرًا عالمًا، ولا تصح أضداد هذه الصفات عليه. وقوله: قريبًا. إخبار عن كونه عالمًا بجميع المعلومات لا يعزب عنه شىء، ولم يرد بوصفه بالقرب قرب المسافة؛ لأن الله تعالى لا يصح وصفه بالحلول فى الأماكن؛ لأن ذلك من صفات الأجسام والدليل على ذلك قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ) [المجادلة: ٧] الآية معناه: إلا هو عالم بهم وبجميع أحوالهم ما يسرُّونه وما يظهرونه، ومعنى حديث أبى بكر فى هذا الباب هو أن
стр. 5360
دعاءه الله بما علمه النبي ﵇ يقتضى اعتقاد كونه تعالى سميعا لدعائه ومجازيًا له عليه.
- باب قَوله تَعَالَى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ) [الأنعام: ٦٥]
/ ١٩ - فيه: جَابِر، قَالَ: كَانَ النَّبِىّ ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الاسْتِخَارَةَ فِى الأمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ، وَلا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ، وَلا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. . .) . القادر والقدرة من صفات الذات، وقد تقدم فى باب قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: ٥٨] ، أن القوة والقدرة بمعنى واحد، وكذلك القادر والقوى بمعنى واحد، وذكر الأشعرى أن القدرة والقوة والاستطاعة معناها واحد، لكن لم يشتق لله تعالى من الاستطاعة اسم، ولا يجوز أن يوصف بأنه مستطيع لعدم التوقيف بذلك، وإن كان قد جاء القرآن بالاستطاعة فقال: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) [المائدة: ١١٢] ، فإنما هو خبر عنهم ولا يقتضى إثباته صفة له تعالى فدل على ذلك أمران: تأنيبه لهم عقيب هذا، وقراءة من قرأ: (هل تستطيع ربك) بمعنى: هل تسطيع ربك، وقد أخطئوا فى الأمرين جميعًا لاقتراحهم على نبيهم وخالقه ما لم يأذن لهم فيه ربهم تعالى.
следующие страницы →