Полный текст (5 502 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
لأن السبب والداعى فعل من أفعاله، والقول أنه فاعل بسبب يقضى إلى تعجيزه لحاجته إلى ما لا يصح وقوعه من فعله إلا بوقوع غيره تعالى الله عن ذلك، فإذا فسد ذلك وجب حمل قوله ﷺ : (إن أعظم المسلمين جُرمًا من سأل عن شىء لم يحرم فحرم من أجله) . على غير ظاهره وصرفه إلى أن الله تعالى فاعل بسؤال السائل الذى نهاه عنه، ومقدر أن يحرم الشىء المسئول عنه إذا وقع السؤال فيه، كل ذلك قد سبق به القضاء والقدر لا أن السؤال موجه للتحريم وعلة له. وكذلك قوله ﷺ : (ما زال بكم الذى رأيت من صنيعكم) يعنى: من كثرة مطالبتكم بالخروج إلى الصلاة حتى خشيت أن تكتب عليكم عقابًا لكم على كثرة ملازمتكم لى فى مداومة الصلاة بكم، لا أن ملازمتهم له موجبة لكتاب الله عليهم الصلاة؛ لما ذكرناه من أن الملازمة والكتب فعلان لله تعالى غير جائز وقوع أحدهما شرطًا فى وقوع الآخر، ولو وقعت الملازمة ووقع كتاب الصلاة عليهم لكان ذلك مما قد سبق به القضاء والقدر فى علم الله. وإنما نهاهم، ﵇، عن مثل هذا وشبهه تنبيهًا لهم على ترك الغلو فى العبادة وركوب القصد فيها؛ خشية الانقطاع والعجز عن الإتيان بما طلبوه من الشدة فى ذلك، ألا ترى قوله تعالى فيمن فعل مثل ذلك: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ) [المائدة: ١٠٢] ، ففرضت عليهم، فعجزوا عنها فأصبحوا بها كافرين وكان ﷺ رءوفًا بالمؤمنين
стр. 5287
رفيقًا بهم، وقد تقدم مثل حديث زيد من رواية عائشة فى أبواب قيام الليل فى كتاب الصلاة، وذكرنا فى توجيهه ما لم يذكر فى هذا الباب فتأمله هناك. فإن قيل: فإذا حمل قوله ﷺ : (إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شىء لم يحرم فحرم من أجله) على غير ظاهره ما وجه ذلك وإثم الجرم به؟ . قيل: هو على ما تقرر علمه من نسبة اللوم والمكروه إلى من تعلق بسبب من فعل ما يلام عليه، وإن قل تحذيرًا من موافقته له فعظم جرم فاعل ذلك لكثرة الكارهين لفعله. وعرض الحائط: وسطه، وكذلك عرض البحر وعرض النهر وسطهما، واعترضت عرضه نحوت نحوه عن صاحب العين.
٥ - باب الاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِ النَّبِىِّ ﷺ
/ ٢٦ - فيه: ابْن عُمَر، اتَّخَذَ النَّبِىُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (إِنِّى اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ) ، وَقَالَ: (إِنِّى لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا) ، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ. قال أبو تمام المالكى، وأبو بكر بن الطيب: ما كان من أفعال الرسول بيانًا لمجمل كالصلاة، والصيام، والحج، وما دعا إلى فعله كقوله: (خذوا عنى مناسككم، وصلوا كما رأيتمونى أصلى) . فلا خلاف بين العلماء أنها على الوجوب، واختلفوا فيما كان منها واقعًا موقع القرب لا على وجه البيان والامتثال لتمثيل أمر لزمه، فقال مالك وأكثر أهل العراق: إنها على الوجوب،
стр. 5288
إلا أن يمنع من ذلك دليل، وهو قول ابن سريج وابن خيران من أصحاب الشافعى، وقال بعض أصحاب الشافعى: إنها على الندب وإن المتأسى به فيها مندوب إليه أن يقوم دليل على وجوبها، وقال كثير من أهل الحجاز والعراق وأصحاب الشافعى: إنها على الوقف إلا أن يقوم دليل على كونها ندبًا أو إباحة أو محظورة. قال أبو بكر بن الطيب: وبهذا نقول. واحتج لذلك بأنه لما كانت القربة الواقعة محتملة لكونها فرضًا ونفلاً لم يجز أن يكون الفعل منه دليلاً على أننا متعبدون مثله، ولا على كونه واجبًا علينا دون كونه نفلاً؛ لأن فعله مقصور عليه دون متعدٍ إلى غيره، وأمره لنا ونهيه متعديان إلى الغير والغرض فيهما امتثالهما فافترقا. وحجة من قال: إنها على الوجوب. أن النبى ﷺ خلع خاتمه، فخلعوا خواتيمهم وأنه خلع نعليه فى الصلاة، فخلعوا نعالهم، وأنه أمرهم عام الحديبية بالتحلل فوقفوا، فشكا ذلك إلى أم سلمة فقالت له: اخرج إليهم واذبح واحلق. ففعل ذلك، فذبحوا وحلقوا اتباعًا لفعله، فعلم أن الفعل أكد عندهم من القول، وقال لأم سلمة حين سألتها المرأة عن القبلة للصائم: (ألا أخبرتيها أنى أقبّل وأنا صائم) . وقال للرجل مثل ذلك، فقال: إنك لست مثلنا. فقال: (إنى لأرجو أن أكون أتقاكم لله) . فدل هذا على أن الأسوة واقعة إلا ما منع منه الدليل، ويدل على ذلك أنه لما نهاهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل. قال: (إنى لست مثلكم، إنى أطعم وأسقى) . فلولا أن لهم الاقتداء به لقال لهم: وما فى مواصلتى ما يبيح لكم فعل ذلك،
стр. 5289
وأفعالي مخصوصة بي، فلم يقل لهم ذلك، ولكن بين لهم المعنى فى اختصاصه بالمواصلة، وهو أن الله يطعمه ويسقيه، وأنهم بخلافه فى ذلك، وكذلك خص الله الموهوبة أنها خالصة له من دون أمته، ولولا ذلك لكانت مباحًا لهم.
٦ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ وَالْغُلُوِّ فِى الدِّينِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ (الآية [النساء: ١٧١]
/ ٢٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (لا تُوَاصِلُوا، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: إِنِّى لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِى. . .) الحديث، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلالَ، فَقَالَ: (لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلالُ لَزِدْتُكُمْ، كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ) . / ٢٨ - وفيه: عَلِىّ، أنه خطب وَعَلَيْهِ سَيْفٌ وفِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلا كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. . . وذكر الحديث. / ٢٩ - وفيه: عَائِشَة، صَنَعَ النَّبِىُّ ﷺ شَيْئًا تَرَخَّصَ فِيهِ، وَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّىْءِ، أَصْنَعُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّى أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً) . / ٣٠ - وفيه: ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَفْدُ بَنِى تَمِيمٍ أَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِىِّ الْحَنْظَلِىِّ أَخِى بَنِى مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ
стр. 5290
بِغَيْرِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: إِنَّمَا أَرَدْتَ خِلافِى، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلافَكَ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ (الآية [الحجرات: ٢] ، فَكَانَ عُمَرُ إِذَا حَدَّثَ النَّبِىَّ ﷺ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِى السِّرَارِ لاَ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. / ٣١ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ فِى مَرَضِهِ: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فليُصَلّ بِالنَّاسِ) ، إلى قوله: (إِنَّكُنَّ لأنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ. . .) الحديث. / ٣٢ - وفيه: حديث مالك بن أوس، أن العباس وعليًا جاءا إلى عمر يطلبان ميراثهما من النَّبِىّ، ﵇، وتنازعهما فِى ذلك مَعَ عُمر. . . الحديث بطوله. قال المهلب فى قوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ) [النساء: ١٧١] : الغلو مجاوزة الحد. فهذا يدل أن البحث عن أسباب الربوبية من نزغات الشيطان، ومما يؤدى إلى الخروج عن الحق؛ لأن هؤلاء غلوا فى الفكرة حتى آل بهم الأمر أن جعلوا الآلهة ثلاثة، وأما الذين غلوا فى صيام فهو اتباعهم للوصال بعد أن نهاهم النبى ﷺ فعاقبهم بأن زادهم مما تعمقوا به. وقول على: (ما عندنا إلا كتاب الله، وما فى هذه الصحيفة) فإنه أراد به تبكيت من تنطع وجاء بغير ما فى كتاب الله وغير ما فى سنة رسول الله فهو مذموم. وحديث القبلة للصائم الذى تنزه قوم عنها ورخص فيها النبى ﷺ فذمهم بتعمقهم ومخالفته ﵇.
стр. 5291
وقصة بني تميم لما آل التنازع بين أبي بكر وعمر إلى المخاشنة فى التفاضل بين الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، ورمى بعضهم بعضًا بالمناواة والقصد إلى المخالفة والفرقة، كذلك ينبغى أن تذم كل حالة تخرج صاجبها إلى افتراق الكلمة واستشعار العداوة. وقوله: (مروا أبا بكر يصلى بالناس) . ذم عائشة لتعمقها فى المعانى التى خشيتها من مقام أبيها فى مقام رسول الله مما روى عنها أنها قصدته بذلك، وذكرتها فى كتاب الصلاة، وذم حفصة أيضًا؛ لأنها أدخلتها فى المعارضة للنبى ﷺ ، وكذلك كراهية رسول الله مسائل اللعان وعيبه لها وهو نص فى هذا الباب؛ لأنه خشى أن ينزل من القرآن ما يكون تضييقًا، فنزل فيه اللعان وهو وعيد عظيم وسبب إلى عذاب الآخرة لمن أراد الله إنفاذه عليه. وحديث العباس وعلى خشى أن يئول ما ذم من تنازعهما إلى انقطاع الرحم التى بينهما بالمخاصمة فى هذا المال الموقوف لا سيما بعدما نص عليه حديث رسول الله، فلم ينتهيا عن طلب هذا الوقف ليلياه كما كان يليه الخليفة من توزيعه حيث يحب، وانفرادهما بالحكم وقد تقدم الكلام فى معناه فى كتاب فرض الخمس من كتاب الجهاد والحمد لله كثيرًا.
стр. 5292
٧ - باب إِثْمِ مَنْ آوَى مُحْدِثًا رَوَاهُ عَلِىٌّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
. / ٣٣ - فيه: أَنَس، حَرَّم النَّبِىّ ﷺ الْمَدِينَةَ؟ فقَالَ: لا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، عن أبيه: أَوْ آوَى مُحْدِثًا. فى هذا الحديث فضل عظيم للمدينة، وذلك تغليظ الوعيد بلعنة الله والملائكة والناس أجمعين لمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا، وفى حديث على: (لا يقبل منه صرف ولا عدل) . ذكره فى آخر كتاب الحج، ودل الحديث على أنه من آوى أهل المعاصى والبدع أنه شريك فى الأثم، وليس يدل الحديث على أن من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فى غير المدينة أنه غير متوعد ولا ملوم على ذلك؛ لتقدم العلم بأن من رضى فعل قوم وعملهم أنه منهم، وإن كان بعيدًا عنهم. فهذا الحديث نص فى تحذير فعل شىء من المنكر فى المدينة وهو دليل فى التحذير من إحداث مثل ذلك فى غيرها، وإنما خصت المدينة بالذكر فى هذا الحديث؛ لأن اللعنة على من أحدث فيها حدثًا أشد والوعيد له آكد؛ لانتهاكه ما حذر عنه، وإقدامه على مخالفة رسول الله ﷺ فيما كان يلزمه من تعظيم شأن المدينة التى شرفها الله بأنها منزل وحيه وموطن نبيه ﷺ ، ومنها انتشر الدين فى أقطار الأرض فكان لها بذلك فضل مزيّة على سائر البلاد، وقد تقدم اختلاف العلماء فيما يجوز قطعه من شجر المدينة، وما يجوز من الصيد فى حرمها فى آخر كتاب الحج.
стр. 5293
٨ - باب مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأْىِ وَتَكَلُّفِ الْقِيَاسِ وقوله تَعَالَى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء: ٣٦]
/ ٣٤ - فيه: عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ النَّبِىَّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لا يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ، يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ) . / ٣٥ - وفيه: أَبُو وَائِل، شهدت صفين، فسمعت سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُنِى يَوْمَ أَبِى جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرَ هَذَا الأمْرِ، قَالَ: وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: شَهِدْتُ صِفِّينَ، وَبِئْسَتْ صِفُّونَ. قال الطبرى: روى مبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: يا أيها الناس اتهموا الرأى على الدين. كقول سهل سواء. قال المهلب: وغيره: إذا كان الرأى والقياس على أصل من كتاب الله وسنة رسول الله أو إجماع الأمة فهو محمود، وهو الاجتهاد والاستنباط الذى أباحه الله للعلماء، وأما الرأى المذموم والقياس المتكلف المنهى عنه، فهو ما لم يكن على هذه الأصول؛ لأن ذلك ظن ونزع من الشيطان، والدليل على صحة هذا قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء: ٣٦] . قال ابن عباس: لا تقل ما ليس لك به علم. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم
стр. 5294
تسمع، وعلمت ولم تعلم. وأصل القفو العضه والبهت، فنهى الله عباده عن قول ما لا علم لهم به، فإنه سائل السمع والبصر والفؤاد عما قال صاحبها فتشهد عليه جوارحه بالحق، ومثل هذا قوله ﷺ : (إن الله يقبض العلم بقبض العلماء فيبقى ناس جهال فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون) . ألا ترى أنه وصفهم بالجهل، فلذلك جعلهم ضالين هو خلاف الذين قال فيهم: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣] ، وأمر بالرجوع إلى قولهم. قال الطبرى: فإن قيل: فإن قول سهل بن حنيف، وعمر بن الخطاب: اتهموا الرأى. ويرد قول من استعمل الرأى فى الدين، وأنه لا يجوز شىء من الرأى والقياس لأنهم أخطئوا يوم أبى جندل فى مخالفتهم رسول الله ﷺ فى صلحه المشركين، ورده لأبى جندل لأبيه وهو يستغيث، وكان قد عذب فى الله، وهم يظنون أنهم محسنون فى مخالفة رسول الله. قيل: وجه قولهما: اتهموا الرأى الذى هو خلاف لرأى رسول الله وأمره على الدين، الذى هو نظير آرائنا التى كنا خالفنا بها رسول الله يوم أبى جندل، فإن ذلك خطأ، فأما الاجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة فذلك هو الحق الواجب والفرض اللازم لأهل العلم، وبنحو هذا جاءت الأخبار عن النبي ﷺ ، وعن جماعة الصحابة والتابعين، روى ابن عمر أن النبي ﷺ لما انصرف من الأحزاب قال: (لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة فأبطأ ناس فتخوفوا فوت الصلاة، فصلوا، وقال آخرون: لا نصلى إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ ، وإن فاتنا العصر، فما عنف
стр. 5295
رسول الله ﷺ أحد الفريقين) . وهذا الخبر نظير خبر سهيل بن حنيف، ومن حرص يوم أبى جندل على القتال اجتهادًا منهم ورسول الله يرى ترك قتالهم فى أنه لم يؤثمهم كما لم يؤثم أحد الفريقين: لا الذين صلوا قبل وصولهم إلى بنى قريظة؛ لأن معنى ذلك كان عندهم ما لم يخشوا فوت وقتها، وكذلك لم يؤثم أيضًا الذين لم يصلوا حتى فاتهم وقتها إلى أن صاروا إلى بنى قريظة؛ لأن معنى أمره ﷺ بذلك كان عندهم لا يصلوها إلا فى بنى قريظة، وإن فاتكم وقتها، فعذر كل واحد منهم لهذه العلة، وروى سفيان، عن الشيبانى عن الشعبى، عن شريح (أنه كتب إلى عمر بن الخطاب يسأله، فكتب إليه: أن اقض بما فى كتاب الله، فإن لم يكن فى كتاب الله ففى سنة رسول الله، فإن لم يكن فيما قضى الصالحون، فإن لم يكن فإن شئت تقدم وإن شئت تأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك، والسلام) . وروى هشيم، حدثنا سيار، عن الشعبى قال: (لما بعث عمر شريحًا على قضاء الكوفة قال: انظر ما تبين لك فى كتاب الله ولا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك فى كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله وما لم يتبين لك فى السنة فاجتهد رأيك فقد أنبأت هذه الأخبار عن عمر أن معنى قوله: اتهموا الرأى على الدين. أنه الرأى الذى وصفنا؛ لأنه محال أن يقول: اتهموا واستعملوه، لأن النهى عن الشىء والأمر به فى حالة واحدة ينقض بعضه بعضًا، ولا يجوز أن يظن ذلك بعمر ونظرائه، ويزيد ذلك بيانًا روى مجاهد، عن الشعبي، عن
стр. 5296
عمرو بن حريث قال: قال عمر بن الخطاب: (إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأى، فضلوا وأضلوا) . فقد بين هذا القول من عمر أنه أمر باتهام الرأى فيما خالف أحكام رسول الله ﷺ وسنته، وذلك أنه قال: (إنهم أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها) . وأخبر أنه لما أعياهم حفظ سنن رسول الله قالوا بآرائهم وخالفوها، جهلا منهم بأحكام رسول الله وسننه وذلك هو الجرأة على الله بما لم يأذن به فى دينه، والتقدم بين يدى رسول الله، فأما اجتهاد الرأى فى استنباط الحق من كتاب الله وسنة رسوله فذلك الذى أوجب الله على العلماء فرضًا، وعمل به المسلمون بمحضر من رسول الله ﷺ ، فلم يعنفهم ولا نهاهم عنه؛ إذ كان هو الحق عنده والدين، واقتفى أثرهم فيه الخلف من بعدهم، روى ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وروى أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال ابن مسعود: (ومن عرض له منكم قضاء بما فى كتاب الله، فإن جاء أمرًا ليس فى كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ ، فإن جاءه أمر ليس فى سنة نبيه فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاءه ما ليس فى ذلك، فليجتهد رأيه، ولا يقل: إنى أرى وإنى أخاف فإن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك) . وقد تقدم حديث سهل فى أخر كتاب الجهاد ومر فيه من معناه ما لم أذكره هنا خوف التكرار. وقول أبى وائل: (وبئست الصفون) . سمى المكان بالجمع المسلم كما سمى الرجل يزيدين أو عمرين فيجريه فى حال التسمية به مجراه في
стр. 5297
حال الجمع، وما كان من الواحد عن بناء الجمع فإعرابه كإعراب الجمع كقولك دخلت فلسطين وهذه فلسطون وأتيت قنسرين وهذه قنسرون، وأنشد المبرد: وشاهدنا الحل والياسمون والمستعاب بقضائها ومن هذا قول الله تعالى: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ) [المطففين: ١٨، ١٩] ، فيه مذهب آخر كقولك: هذه السلحين، ومررت بالسلحين، ورأيت السلحين.
٩ - باب مَا كَانَ النَّبِىُّ، ﵇، يُسْأَلُ فمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الْوَحْىُ فَيَقُولُ: (لا أَدْرِى) ، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْىٍ وَلا بِقِيَاسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) [النساء: ١٠٥]
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ، فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ. / ٣٦ - فيه: جَابِر، مَرِضْتُ، فَجَاءَنِى النَّبِىّ ﷺ يَعُودُنِى وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانِى وَقَدْ أُغْمِىَ عَلَىَّ، فَتَوَضَّأَ النَّبِىّ ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَىَّ فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقْضِى فِى مَالِى؟ قَالَ: فَمَا أَجَابَنِى بِشَىْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمواريث. قال المهلب: هذا الباب ليس على العموم فى أمر النبى ﷺ ؛ لأنه قد علم أمته كيفية القياس والاستنباط فى مسائل لها أصول ومعانى فى كتاب الله ومشروع سنته؛ ليريهم كيف يصنعون فيما عدموا فيه
стр. 5298
النصوص؛ إذ قد علم أن الله تعالى لابد أن يكمل له الدين. والقياس: هو تشبيه ما لا حكم فيه بما حكم فى المعنى فشبه ﷺ الحمر بالخيل، فقال: ما أنزل على فيها شىء غير هذه الآية الفاذة الجامعة: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: ٧، ٨] ، وشبه دين الله بدين العباد فى اللزوم، وقال للتى أخبرته أن أباها لم يحج: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ فالله أحق بالقضاء) وهذا هو نفس القياس عند العرب، وعند العلماء بمعانى الكلام. وأما سكوت النبى حتى نزل عليه الوحى، فإنما سكت فى أشياء معضلة ليست لها أصول فى الشريعة فلابد فيها من إطلاع الوحى، ونحن الآن قد فرغت لنا الشرائع واكتمل لنا الدين، وإنما ننظر ونقيس على موضاعاتها فيما أعضل من النوازل. وقد اختلف العلماء: هل يجوز للأنبياء الاجتهاد؟ فقالت طائفة: لا يجوز لهم ذلك ولا يحكمون إلا بوحى منه. وقال آخرون: يجوز أن يحكموا بما يجرى مجرى من منام وشبهه. قال أبو التمام المالكى: ولا أعلم فيه نصًا لمالك، والأشبه عندى جوازه لوجود ذلك من رسول الله ﷺ . والاجتهاد علو درجة وكمال فضيلة والأنبياء أحق الناس به؛ بل لا يجوز أن يمتنعوا منها لما فيها من جزيل الثواب، وقال تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِى الأَبْصَارِ) [الحشر: ٢] ، والأنبياء أفضل أولى الأبصار وأعلمهم، وقد ثبت عنه ﷺ أنه اجتهد فى أمر الحروب وتنفيذ الجيوش، وقدر الإعطاء للمؤلفة قلوبهم وأمر بنصب العريش يوم بدر فى موضع، فقال له الحباب بن المنذر: أبوحى نصبته هنا أم برأيك؟ فقال: بل برأيى. قال: الصواب نصبه بموضع
стр. 5299
كذا. فسماه النبي ﷺ : ذا الرأيين. فعمل برأيه ولم ينتظر الوحى وحكم بالمفاداة والمن على الأسرى يوم بدر بعد المشورة، وقال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ) [آل عمران: ١٥٩] ، ولا تكون المشورة إلا فيما لا نص فيه. وروى أنه ﷺ أراد أن يضمن لقوم من الأعراب ثلث ثمر المدينة، فقال له سعد بن المعاذ: والله يا رسول الله كنا كفارًا فما طمع أحد أن يأخذ من ثمارنا شيئًا، فلما أعزنا الله بك نعطيهم ثلث ثمارنا فعمل بذلك رسول الله، وقد ذكر الله فى كتابه قصة داود وسليمان حين اجتهدا فى الحكم فى الحرث، ولا يجوز أن يختلفا مع ما فيه من نص موجود.
- باب تَعْلِيمِ النَّبِىِّ ﷺ أُمَّتَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ لَيْسَ بِرَأْىٍ وَلا تَمْثِيلٍ
/ ٣٧ - فيه: َبُو سَعِيد، جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِىّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا، نَأْتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: اجْتَمِعْنَ فِى يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلاثَةً إِلا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ) ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوِ اثْنَيْنِ؟ فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: (وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ) . قال المهلب: فيه من الفقه أن العالم إذا أمكنه أن يحدث بالنصوص عن الله ورسوله فلا يحدث بنظره ولا قياسه، هذا معنى
стр. 5300
الترجمة؛ لأن النبي ﷺ حدثهم حديثًا عن الله لا يبلغه قياس ولا نظر، وإنما هو توقيف ووحى، وكذلك ما حدثهم به من سنته فهو عن الله أيضًا؛ لقوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى) [النجم: ٣] ، وقال ﷺ : (أوتيت الكتاب ومثله معه) قال أهل العلم: أراد بذلك السنة التى أوتى. وفيه سؤال الطلاب العالم أن يجعل لهم يومًا يسمعون فيه عليه العلم، وإجابة العالم إلى ذلك، وجواز الإعلام بذلك المجلس للاجتماع فيه، وترجم له فى كتاب العلم هل يجعل للنساء يومًا على حده فى العلم.
- باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ يُقَاتِلُونَ) ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ
/ ٣٨ - فيه: الْمُغِيرَة، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ) . / ٣٩ - وفيه: مُعَاوِيَة، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الأمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى) . قال المؤلف: إن قيل: إن قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق) لفظه لفظ الخصوص فى بعض الناس دون بعض، وقال فى حديث معاوية: (لن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة) . فعم الأمة وهذا معارض للحديث الأول، مع ما يقوّى ذلك مما رواه محمد بن بشار قال: ثنا ابن أبى عدى، عن حميد، عن أنس قال:
стр. 5301
(لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض الله الله) وما رواه شعبة عن على بن الأقمر، عن أبى الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس) وهذه أخبار معارضة لحديث معاوية. قال الطبرى: ولا معارضة بين شىء منها، بل بعضها يدل على صحة بعض، ولكن بعضها خرج على العموم، والمراد به الخصوص، فقوله: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض الله) ، و (لا تقوم إلا على شرار الناس) يعنى: فى موضع كذا، فإن به طائفة من أمتى لا يضرهم من خالفهم وهم الذين عنى بقوله ﷺ : (لن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا) يريد: فى موضع دون موضع. فإن قيل: وما الدليل على ذلك؟ قيل: هو أنه لا يجوز، وأن يكون فى الخبر ناسخ ولا منسوخ، وإذا ورد منه القولان من أن أمته طائفة على الحق، وأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق بالأسانيد الصحاح، وكان غير جائز أن توصف الطائفة التى على الحق بأنها شرار الناس، وأنها لا توحد الله، على أن الموصوفين بأنهم شرار الناس غير هؤلاء الموصوفين بأنهم على الحق، وقد بين ذلك أبو أمامة فى حديثه حدثنا أحمد بن الفرح الحمصى قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبى عمرو الشيبانى، عن عمرو بن عبد الله الحمصى، عن أبى أمامة الباهلى أن النبى ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لعدوّهم قاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس) . فثبت أنه ليس أحد هذه الأخبار معارضًا لصاحبه.
стр. 5302
- باب قوله تَعَالَى: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) [الأنعام: ٦٥]
/ ٤٠ - فيه: جَابِر، لَمَّا نَزَلَت عَلَى النَّبِىّ ﷺ : (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ (، قَالَ: (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)) أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ (، قَالَ: (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) [الأنعام: ٦٥] ، قَالَ: (هَاتَانِ أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ) . ذكر المفسرون فى قوله تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ (، قالوا: يحصبكم بالحجارة، أو يغرقكم بالطوفان الذى غرق به قوم نوح) أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ (، الخسف الذى نال قارون ومن خسف به، وقيل: الريح) أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا (يعنى: يخلط أمركم فيجعلكم مختلفى الأهواء، يقال: لبست عليكم الأمر ألبسته إذا لم أبينه، ومعنى شيعًا أى: فرقًا، لا نكون شيعة واحدة.) وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) [الأنعام: ٦٥] ، يعنى بالحرب والقتل، ويروى أن النبى ﷺ سأل ربه أن لا يستأصل أمته بعذاب، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فأجابه فى صرف العذاب ولم يجبه فى أن لا يذيق بعضهم بأس بعض وأن لا تختلف؛ فلذلك قال ﷺ : (هاتان أهون وأيسر) أى: الاختلاف والفتنة أيسر من الاستئصال والانتقام بعذاب الله، وإن كانت الفتنة من عذاب الله لكن هى أخف؛ لأنها كفارة للمؤمنين، أعاذنا الله من عذابه ونقمه.
- باب مَنْ شَبَّهَ أَصْلا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ فَبَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُمَا لِيُفْهِمَ السَّائِلَ
/ ٤١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِىّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِى وَلَدَتْ غُلامًا
стр. 5303
أَسْوَدَ، وَإِنِّى أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىّ ﷺ : (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ) ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَمَا أَلْوَانُهَا) ؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: (هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ) ؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: (فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا) ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا، قَالَ: (وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ) ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِى الانْتِفَاءِ مِنْهُ. / ٤٢ - وفيه: بْن عَبَّاس، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّى نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، حُجِّى عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ) ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: (اقْضُوا اللَّهَ الَّذِى لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) . قال المؤلف: قوله: من شبه أصلا معلومًا بأصل مبين، فبين ليفهم السائل. هذا هو القياس بعينه والقياس فى لغة العرب: التشبيه والتمثيل، ألا ترى أن النبى ﷺ شبه له ما أنكر من لون الغلام بما عرف فى نتاج الإبل فقال له: (هل لك من إبل؟) إلى قوله: (لعل عرقًا نزعه) فأبان له ﷺ بما يعرف أن الإبل الحمر تنتج الأورق أن كذلك المرأة البيضاء تلد الأسود، وكذلك قوله ﷺ للمرأة التى سألته الحج عن أمها فقال لها: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالوفاء) . فشبه لها ﷺ دين الله بما يعرف من دين العباد، غير أنه قال لها: (فدين الله أحق) . وهذا كله هو عين القياس وبهذين الحديثين احتج المزنى على من أنكر القياس، قال أبو تمام المالكى: اجتمعت الصحابة على القياس، فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب على ورق فى الزكاة. وقال أبو بكر الصديق: أقيلونى بيعتى. فقال على: والله لا نقيلك، رضيك رسول الله لديننا، فلا نرضاك لدنيانا؟ فقياس الإمامة على الصلاة، وقياس الصديق الزكاة على الصلاة، وقال: والله لا أفرق بين
стр. 5304
ما جمع الله. وصرح على بالقياس فى شارب الخمر بمحضر الصحابة، وقال: إنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى، فحده حد القاذف. وكذلك لما قال له الخوارج: لم حكمت؟ قال: قد أمر الله تعالى بالحكمين فى الشقاق الواقع بين الزوجين فما بين المسلمين أعظم. وهذا ابن عباس يقول: ألا اعتبروا، الأصابع بالأسنان اختلفت منافعها واستوت أورشها، وقال: ألا يتقى الله زيد، يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبا الأب أبًا، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى يعلمه القضاء فقال له: اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك. واختلف على وزيد فى قياس الجد على الإخوة، فقاسه علىّ بسبيل انشعبت منه شعبة ثم انشعبت من الشعبة شعبتان، وقاس ذلك زيد بشجرة انشعب منها غصن، وانشعب من الغصن غصنان. وقال ابن عمر: وقت النبى ﷺ لأهل نجد قرنًا ولم يوقت لأهل العراق، فقال عمر: قيسوا من نحو العراق كنحو قرن. قال ابن عمر: فقاس الناس من ذات عرق. ولو ذكرنا كل ما قاسه الصحابة لكثر به الكتاب غير أنه موجود فى الكتب لمن ألهمه الله رشده، وقد قيل للنخعى: هذا الذى تفتى به أشيئًا سمعته؟ قال: سمعت بعضه فقست ما لم أسمع على ما سمعت. وربما قال: إنى لأعرف بالشىء الواحد مائة شىء. قال المزنى: فوجدنا بعد النبى ﷺ أئمة الدين فهموا عن الله تعالى ما أنزل إليهم وعن الرسول ﷺ ما أوجب عليهم، ثم الفقهاء إلى اليوم هلم جرا، استعملوا المقاييس والنظائر فى أمر دينهم، فإذا ورد عليهم ما لم ينص عليه نظروا، فإن وجدوه مشبهًا لما سبق الحكم فيه من النبى ﷺ أجروا حكمه عليه، وإن كان مخالفًا له
стр. 5305
فرقوا بينه وبينه، فكيف يجوز لأحد إنكار القياس؟ ولا ينكر ذلك إلا من أعمى الله قلبه وحبب إليه مخالفة الجماعة. قال المؤلف: وإنما أنكر القياس: النظام، وطائفة من المعتزلة، واقتدى بهم فى ذلك من ينسب إلى الفقه داود بن على، والجماعة هم الحجة ولا يلتفت إلى من شذ عنها.
- باب اجْتِهَادِ الْقُضَاةِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: ٤٤] وَمَدَحَ النَّبِىُّ ﷺ صَاحِبَ الْحِكْمَةِ حِينَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا لا يَتَكَلَّفُ مِنْ قِبَل نفسه، وَمُشَاوَرَةِ الْخُلَفَاءِ وَسُؤَالِهِمْ أَهْلَ الْعِلْمِ. / ٤٣ - فيه: عَبْدِاللَّه، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لا حَسَدَ إِلا فِى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِى الْحَقِّ، وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) . / ٤٤ - وفيه: الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: (سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ إِمْلاصِ الْمَرْأَةِ، هِىَ الَّتِى يُضْرَبُ بَطْنُهَا، فَتُلْقِى جَنِينًا، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ فِيهِ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (فِيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) ، فَقَالَ: لا تَبْرَحْ حَتَّى تَجِيئَنِى بِالْمَخْرَجِ فِيمَا قُلْتَ، فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَجِئْتُ بِهِ فَشَهِدَ مَعِى أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (فِيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) . الاجتهاد فرض واجب على العلماء عند نزول الحادثة، والواجب على الحاكم أو العالم إذا كان من أهل الاجتهاد أن يلتمس حكم الحادثة فى الكتاب أو السنة، ألا ترى أن عمر ابن الخطاب لما احتاج إلى أن يقضى فى إملاص المرأة سأل الصحابة من عنده علم من النبي ﷺ فى ذلك؟ فأخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة
стр. 5306
بحكم النبي ﷺ فى ذلك، فحكم به ولم يسغ له الحكم فى ذلك باجتهاده إلا بعد طلب النصوص من السنة، فإذا عدم النص رجع إلى الإجماع، فإن لم يجده نظر هل يصح حمل حكم الحادثة على بعض الأحكام المتقررة لعلة تجمع بينهما، فإن وجد ذلك لزمه القياس عليها إذا لم تعارضها علة أخرى. ولا فرق بين أن يجعل العلة مما هو من باب الحادثة أو غيره؛ لأن الأصول كلها يجب القياس عليها إذا صحت العلة، فإن لم يجد العلة استدل بشواهد الأصول وغلبة الأشباه إذا كان ممن يرى ذلك، فإن لم يتوجه له وجه من بعض هذه الطرق وجب أن يقر الأمر فى النازلة على حكم العقل، ويعلم أنه لا حكم لله فيها شرعيًا زائدًا على العقل. هذا قول ابن الطيب. قال غيره: وهذا هو الاستنباط الذى أمر الله عباده بالرجوع إلى العلماء فيه بقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣] ، والاستنباط هو الاستخراج، ولا يكون إلا فى القياس؛ لأن النص ظاهر جلى وليس يجوز أن يقال: إن عدم النص على الحادثة من كتاب الله أو سنة رسوله. يوجب حكم لله فيها لقوله تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن شَىْءٍ) [الأنعام: ٣٨] ، إذ لو خلا بعض الحوادث أن تكون لا حكم لله فيها بطل إخباره إيانا بقوله: (مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن شَىْءٍ) [الأنعام: ٣٨] ، وفى علمنا أن النصوص لم تحط بجميع الحوادث دلالة أن الله تعالى قد أبان لنا حكمها بغير جهة النص، وهو القياس على علة النص، ولو لم
стр. 5307
يتعبدنا الله إلا بما نص عليه فقط لمنع عباده الاستنباط الذى أباحه لهم، والاعتبار فى كتابه الذى دعاهم إليه، ولو نص على كل ما يحدث إلى قيام الساعة لطال الخطاب، وبعُد إدراك فهمه على المكلفين، بل كانت بنية الخلق تعجز عن حفظه، فالحكمة فيما فعل من وجوب الاجتهاد والاستنباط والحكم للأشياء بأشباهها ونظائرها فى المعنى، وهذا هو القياس الذى نفاه أهل الجهالة القائلون بالظاهر المنكرون للمعانى والعلل ويلزمهم التناقض فى نفيهم القياس؛ لأن أصلهم الذى بنوا عليه مذهبهم أنه لا يجوز إثبات فرض فى دين الله إلا بإجماع من الأمة، والاجتهاد والقياس فرض على العلماء عند عدم النصوص فيلزمهم أن يأتوا بإجماع من الأمة على إنكار القياس، وحينئذ يصح قولهم، ولا سبيل لهم إلى ذلك.
- باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
/ ٤٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِى بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ، فَقَالَ: وَمَنِ النَّاسُ إِلا أُولَئِكَ) . / ٤٦ - وفيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ: فَمَنْ؟) .
стр. 5308
قال المهلب: قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) . بفتح السين هو أولى من ضمها؛ لأنه لا يستعمل الشبر والذراع إلا فى السنن وهو الطريق فأخبر ﷺ أن أمته قبل قيام الساعة يتبعون المحدثات من الأمور، والبدع والأهواء المضلة كما اتبعتها الأمم من فارس والروم حتى يتغير الدين عند كثير من الناس، وقد أنذر ﷺ فى كثير من حديثه أن الآخر شر، وأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من المسلمين لا يخافون العداوات، ويحتسبون أنفسهم على الله فى القول بالحق، والقيام بالمنهج القويم فى دين الله وفى رواية الأصيلى: (بما أخذ القرون) . وللنسفى وابن السكن: (بأخذ القرون) . وقال ثعلب: أخَذَ أَخْذ الجهة: إذا قصد نحوها.
- باب إِثْمِ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ (الآيَةَ [النحل: ٢٥]
/ ٤٧ - فيه: عَبْدِاللَّه، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ، الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ دَمِهَا لأنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) . قال المهلب: فيه الأخذ بالمآل، والحديث على معنى الوعيد. وهذا الباب والذى قبله فى معنى التحذير من الضلال واجتناب البدع ومحدثات الأمور فى الدين، والنهى عن مخالفة سبيل المؤمنين المتبعين لسنة الله وسنة رسوله التى فيها النجاة.
стр. 5309
- باب مَا ذَكَرَ النَّبِىُّ ﷺ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، وَمَا كَانَ بِهَا مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِىِّ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، وَمُصَلَّى النَّبِىِّ ﷺ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ
/ ٤٨ - فيه: جَابِر، أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ الرسول ﷺ عَلَى الإسْلامِ. . . الحديث. فَقَالَ: أَقِلْنِى بَيْعَتِى. . . الحديث. فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِى خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طِيبُهَا) . / ٤٩ - وفيه: ابْن عَبَّاس، كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، فَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بِمِنًى: لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ قَالَ: إِنَّ فُلانًا يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَبَايَعْنَا فُلانًا، فَقَالَ عُمَرُ: لأقُومَنَّ الْعَشِيَّةَ، فَأُحَذِّرَ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ، قُلْتُ: لا تَفْعَلْ، فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ، فَأَخَافُ أَنْ لا يُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَيُطِيرُ بِهَا كُلُّ مُطِيرٍ، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ دَارَ الْهِجْرَةِ وَدَارَ السُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ النَّبِىّ ﷺ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، فَيَحْفَظُوا مَقَالَتَكَ، وَيُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا. . . الحديث. / ٥٠ - وفيه: مُحَمَّد، كُنَّا عِنْدَ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ مِنْ كَتَّانٍ فَتَمَخَّطَ، فَقَالَ: بَخْ بَخْ أَبُو هُرَيْرَةَ، يَتَمَخَّطُ فِى الْكَتَّانِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِى وَإِنِّى لأخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ النَّبِىّ ﷺ وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشِيًّا عَلَيه، فَيَجِىءُ الْجَائِى فَيَضَعْ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِى، وَيُرَى أَنِّى مَجْنُونٌ، وَمَا بِى مِنْ جُنُونٍ مَا بِى إِلا الْجُوعُ. / ٥١ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قيل له: أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﵇؟ قَالَ:
стр. 5310
نَعَمْ، وَلَوْلا مَنْزِلَتِى مِنْهُ مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ، فَأَتَى الْعَلَمَ الَّذِى عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، فَصَلَّى، وَخَطَبَ. . . الحديث. / ٥٢ - وفيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَأْتِى قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا. / ٥٣ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ لِعَبْدِاللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ادْفِنِّى مَعَ صَوَاحِبِى، وَلا تَدْفِنِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى الْبَيْتِ، فَإِنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى. / ٥٤ - وفيه: أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ: ائْذَنِى لِى أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَىَّ، فَقَالَتْ: إِى وَاللَّهِ، قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَتْ: لا وَاللَّهِ، لا أُوثِرُهُمْ بِأَحَدٍ أَبَدًا. / ٥٥ - وفيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ، فَيَأْتِى الْعَوَالِىَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. وَقَالَ يُونُسَ: وَبُعْدُ الْعَوَالِىَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلاثَةٌ. / ٥٦ - وفيه: السَّائِب، كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ، وَقَدْ زِيدَ فِيهِ. / ٥٧ - وفيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِى مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِى صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ) ، يَعْنِى أَهْلَ الْمَدِينَةِ. / ٥٨ - وفيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ عِنْدَ الْمَسْجِدِ. / ٥٩ - وفيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ، فَقَالَ: (هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا) . / ٦٠ - وفيه: سَهْلٍ، أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ جِدَارِ الْمَسْجِدِ مِمَّا يَلِى الْقِبْلَةَ وَبَيْنَ الْمِنْبَرِ مَمَرُّ الشَّاةِ.
стр. 5311
/ ٦١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي) . / ٦٢ - وفيه: ابْن عُمَرَ، سَابَقَ النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَ الْخَيْلِ، فَأُرْسِلَتِ الَّتِى ضُمِّرَتْ مِنْهَا، وَأَمَدُهَا إِلَى الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَالَّتِى لَمْ تُضَمَّرْ أَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِى زُرَيْقٍ. / ٦٣ - وفيه: ابْن عُمَرَ، سَمِعْتُ عُمَرَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِىِّ ﷺ . / ٦٤ - وفيه: أن السَّائِبُ، سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَطَبَنَا عَلَى مِنْبَرِ النَّبِىِّ ﷺ . / ٦٥ - وفيه: عَائِشَةَ، كَانَ يُوضَعُ لِى وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْمِرْكَنُ، فَنَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعًا. / ٦٦ - وفيه: أَنَس، حَالَفَ النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَ الأنْصَارِ وَقُرَيْشٍ فِى دَارِى الَّتِى بِالْمَدِينَةِ، وَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِى سُلَيْمٍ. / ٦٧ - وفيه: أَبُو بُرْدَةَ، قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَنِى عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَلامٍ، فَقَالَ لِى: انْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَأَسْقِيَكَ فِى قَدَحٍ شَرِبَ فِيهِ النَّبِىّ ﷺ وَتُصَلِّى فِى مَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ النَّبِىُّ ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَسَقَانِى سَوِيقًا، وَأَطْعَمَنِى تَمْرًا، وَصَلَّيْتُ فِى مَسْجِدِهِ. / ٦٨ - وفيه: عُمَرَ، أن النَّبِىّ ﷺ قَالَ: (أَتَانِى اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّى، وَهُوَ بِالْعَقِيقِ، أَنْ صَلِّ فِى هَذَا الْوَادِى الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ) . وروى (عُمْرَةٌ فِى حَجَّةٍ) . / ٦٩ - وفيه: ابْن عُمَرَ، أن النَّبِىّ ﷺ أُرِىَ وَهُوَ فِى مُعَرَّسِهِ بِذِى الْحُلَيْفَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ.
стр. 5312
/ ٧٠ - وفيه: ابْن عُمَرَ، وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ قَرْنًا لأهْلِ نَجْدٍ، وَالْجُحْفَةَ لأهْلِ الشَّأْمِ، وَذَا الْحُلَيْفَةِ لأهْلِ الْمَدِينَةِ، وَبَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (وَلأهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَذُكِرَ له الْعِرَاقُ؟ فَقَالَ: (لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ) . قال المهلب: غرضه فى هذا الباب تفضيل المدينة بما خصها الله به من معالم الدين، وأنها دار الوحى ومهبط الملائكة بالهدى والرحمة، وبقعة شرفها الله بسكنى رسوله وجعل فيه قبره ومنبره وبينهما روضة من رياض الجنة، وجعلها كالكير تنفى خبث الفضة وتخلص من بقى فيها من أن يشوبهم ميل عن الحق، ألا ترى قول ابن عوف لعمر بن الخطاب: إنها دار الهجرة والسنة، وإن أهلها أصحاب النبى الذين خصهم الله بفهم العلم وقوة التمييز والمعرفة بإنزال الأمور منازلها. وأما حديث أبى هريرة فإنما ذكر وقوعه بين المنبر وحجرة عائشة الذّين هما من معالم الدين وروضة من رياض الجنة، إعلامًا منه بصبره على الجوع فى طلب العلم، ولزوم النبى ﷺ حتى حفظ من العلم ما كان حجة على الآفاق ببركة صبره على المدينة. فأما قول ابن عباس: شهدت العيد ولولا مكانى من الصغر ما شهدته. فمعناه: أن صغير أهل المدينة وكبيرهم ونسائهم وخدمهم ضبطوا العلم والسنن معاينة منهم فى مواطن العمل من شارعها المبين عن الله تعالى وليس لغيرهم هذه المنزلة. وأما إتيان النبى ﷺ قُباء فمعناه: معاينة النبى ماشيًا وراكبًا فى قصده مسجد قباء، وهو معلم من معالم الفضل ومشهد من مشاهده ﷺ وليس ذلك لغير المدينة.
стр. 5313
وأما حديث عائشة وأمرها أن تدفن مع صواحبها كراهة أن تزكى بالدفن فى بيتها مع النبى ﷺ وصاحبيه؛ لئلا يظن أحد أنها أفضل الصحابة بعد النبى وصاحبيه، ألا تسمع قول مالك للرشيد حين سأله عن منزلة أبى بكر وعمر من النبى فى حياته، فقال له: منزلتهما منه فى حياته كمنزلتهما منه بعد مماته. فزكاهما بالقرب منه فى البقعة المباركة والتربة التى خلق الله منها خير البرية، وأعاده فيها بعد مماته. فقام لمالك الدليل من دفنهما معه على أنهما أفضل الصحابة لاختصاصهما بذلك. وقد احتج الأبهرى على أن المدينة أفضل من مكة، فإن النبى ﷺ مخلوق من تربة المدينة، وهو أفضل البشر؛ فكانت تربته أفضل الترب. قال المهلب: وأما حديث أنس أن النبى ﷺ كان يصلى العصر فيأتى العوالى والشمس مرتفعة فمعناه: أن بين العوالى ومسجد المدينة للماشى معلم من معالم ما بين الصلاتين يستغنى الماشى فيها يوم الغيم عن معرفة الشمس، وذلك معدوم فى سائر الأرض، فإذا كانت مقادير الزمان معينة بالمدينة لمكان بادٍ للعيان ينقله العلماء إلى أهل الآفاق ليتمثلوه فى أقاصى البلدان، فكيف يساويهم أهل بلدة غيرها، وكذلك دعاؤه لهم بالبركة فى مكيالهم خصهم من بركة دعوته ما اضطر أهل الآفاق إلى القصد إلى المدينة فى ذلك المعيار المدعو له بالبركة، ليمتثلوه ويجعلوه سنة فى معاشهم وما فرض الله عليهم فى عيالهم، وظهرت البركة لأهل كل بلدة فى ذلك المكيال. وأما رجمه اليهوديين عند موضع الجنائز، فإن الموضع قد صار علمًا
стр. 5314
لإقامة الحدود وللصلاة على الجنائز خارج المسجد، وبه قال مالك فهمًا من الحديث. وأما قوله: (هذا جبل يحبنا ونحبه) فمحبته للجبل توجب له بركة ترغب فى مجاورته لها، وعلى هذا التأويل تكون محبته للجبل ومحبة الجبل له حقيقة لا مجازًا بأن يحدث الله فى الجبل محبة، ويكون ذلك من آيات نبوته، وقيل فيه وجه آخر: أن قوله: (هذا جبل يحبنا ونحبه) . هو على المجاز يريد أهل الجبل كقوله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ) [يوسف: ٨٢] ، يريد أهل القرية. وأما مقدار ممر الشاة بين الجدار والمنبر، فذلك معلم للناس وسنة ممتثلة فى موضع المنابر ليدخل إليها من ذلك الموضع فينقض من القبر وينظف. وأما ذكر مدى ما بين الحفياء وثنية الوداع، فمسافة ذلك سنة ممتثلة ميدانًا لخيل الله المضمرة. وأما خطبة عمر، وعثمان على منبر النبى ﷺ فإن ذلك سنة ممتثلة، فإن الخطبة تكون على المنابر لا بجانبها ليوصل الموعظة إلى أسماع الناس إذا أشرف عليهم، وكذلك مركن الماء الذى كانت تشرع فيه عائشة مع النبى ﷺ للغسل، ومقدار ما يكفيها من الماء سنة، ولا يوجد ذلك المركن إلا بالمدينة، وكذلك موضع مخالفته ﷺ بين قريش والأنصار بالمدينة معروف ثبتت ببقائه جواز المحالفة فى الإسلام على أمر الدين والتعاضد فيه على المخالفين، وقد ذكر فى كتاب الأدب ما يجوز من الحلف في الإسلام
стр. 5315
وما لا يجوز، في باب الإخاء والحلف، فتأمله فيه، وكذلك قدحه ﷺ ومكان صلاته لا يوجد فى غير المدينة، وكذلك وادى العقيق المبارك يوحى الله إلى رسوله وأن الله أنزل فيه بركة إحلال الاعتمار فى أشهر الحج، وكان محرمًا قبل ذلك على الأمم، وأمره بالصلاة فيه لبركته، وليس ذلك مأمورًا به إلا فى هذا الوادى الذى يقصده أهل الآفاق للصلاة فيه والتبرك به. وكذلك توقيت النبى ﷺ المواقيت لأهل الآفاق معالم للحج وللعمرة رفقًا من الله بعباده وتيسيرًا عليهم مشقة الإحرام من كل فج عميق، فهذه بركة من الله فى الحجاز موقوفة للعباد وليست فى غيره من البلاد، وفى جعل الله بطحاء العقيق المباركة مهلا للنبى ﷺ ولأهل المدينة، وهى آخر جزائر المدينة، على رأس عشرة أيام من مكة وغيرها من المواقيت على رأس ثلاثة أيام من مكة فضل كبير ولأهل المدينة؛ لحمله تعالى عليهم من مشقة الإحرام أكثر مما حمل على غيرهم، وذلك لعلمه بتبصرهم على العبادة واحتباسهم لتحملها. وكذلك صبرهم على لأواء المدينة وشدتها حرصًا على البقاء فى منزل الوحى ومثبت الدين؛ ليكون الناس فى موازنهم إلى يوم القيامة كما صاروا فى موازنهم بإدخالهم أولا فى الدين؛ لما وضع فيهم من القوة والشجاعة التى تعاطوا بها مقارعة أهل الدنيا، وضمنوا عن أنفسهم نصرة نبى الهدى فوفى الله بضمانهم على أعدائهم، وتمت كلمة ربك ودينه بهم فكانوا أفضل الناس؛ لقربهم من رسول الله ﷺ وعلمهم بأحوالهم وأحكامه وآدابه وسيره.
стр. 5316
ووجب لمن كان على مذاهب أهل المدينة حيث كان من أهل الأرض نصيب وافر من بركة المدينة واستحقوا أن يكونوا من أهلها لاتباعهم سنن رسوله الثابتة عندهم من علمائهم والمتبعين لهم بإحسان قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [التوبة: ١٠٠] ، والمرء مع من أحب. ووجب أيضًا أن يكون لأهل مكة من ذلك نصيب؛ لأن عندهم معالم فريضة الحج كلها، وقد عاينوا من صلاته وأقواله ﷺ فى المرات التى دخلها ما صاروا به عالمين، ولهم من بركة ذلك نصيب وافر وحظ جزيل، وقد اختلف أهل العلم فيما هم فيه أهل المدينة حجة على غيرهم من الأمصار، فكان الأبهرى يقول: أهل المدينة حجة على غيرهم من طريق الاستنباط، ثم رجع فقال: قولهم من طريق النقل أولى من طريق غيرهم، وهم وغيرهم سواء فى الاجتهاد. وهذا قول الشافعى. وذهب أبو بكر بن الطيب إلى أن قولهم أولى من طريق الاجتهاد والنقل جميعًا. وذهب أصحاب أبى حنيفة إلى أنهم ليسوا حجة على غيرهم لا من طريق النقل، ولا من طريق الاجتهاد، واحتج من قال: هم أولى بالاجتهاد من غيرهم بأنهم شاهدوا التنزيل وأقاويل النبى ﷺ وعرفوا معانى خطابه وفحوى كلامه، فلذلك هم أولى من غيرهم بالاستنباط. واحتج أصحاب الشافعى فقالوا: من قال هذا القول فقد قال بالتقليد وقد أخذ علينا النظر فى أقاويل الصحابة والترجيح فى اختلافهم، فإذا قام لنا الدليل على أحد القولين وجب المصير إليه، وإذا صح هذا بطل التقليد، وإنما هم أولى من غيرهم من طريق النقل لصحة عدالتهم ومعاينتهم التنزيل ومشاهدتهم للعمل فأما الاستنباط فالناس فيه كلهم سواء.
стр. 5317
وقوله بخ بخ: كلمة تقال عند الإعجاب بالتخفيف والتثقيل. والمركن: شبيه تور من خزف يستعمل للماء.
- باب قَوله تَعَالَى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَىْءٌ) [آل عمران: ١٢٨]
/ ٧١ - فيه: ابْن عُمَرَ، سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ فِى صَلاةِ الْفَجْرِ وَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَالَ: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، فِى الأخِيرَةِ) ، ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا) ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ () [آل عمران: ١٢٨] . قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَىْءٌ) [آل عمران: ١٢٨] ، يعنى ليس لك من أمر خلقى شىء، وإنما أمرهم والقضاء فيهم بيدى دون غيرى فيهم، وأقضى الذى أشاء من التوبة على من كفر بى وعصانى أو العذاب: إما فى عاجل الدنيا بالقتل والنقم، وإما فى الآجل بما أعددت لأهل الكفر بى. ففى هذا من الفقه أن الأمور المقدرة لا تغير عما أحكمت عليه؛ لقوله: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ) [ق: ٢٩] ، وقوله: (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء (فإنما هو فى النسخ أى: ينسخ مما أمر به ما يشاء،) وَيُثْبِتُ (أى: ويبقى من أمره ما يشاء. وعن ابن عباس، وقتادة، وغيرهما. وقيل: (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء (مما يكتبه الحفظة على العباد مما لم يكن خيرًا أو شراَ كل يوم اثنين وخميس، ويثبت ما سوى ذلك. وعن ابن عباس أيضًا: (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ (أى من آتى أجله محى، ومن لم يمض أجله أُثبت، وعن الحسن.) وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [الرعد: ٣٩] ، يعنى أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ.
стр. 5318
والدعاء جائز من جميع الأمم، لكن ما ختم الله به من الأقدار على ضربين: منه ما قدر وقضى، وإذا دعى وتضرع إليه صرف البلاء، وضرب آخر: وهو الذى فى هذا الحديث الذى ختم بإمضائه، وقال لنبيه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَىْءٌ) [آل عمران: ١٢٨] فى الدعاء على هؤلاء؛ لأن منهم من قد قضيت له بالتوبة، ومنهم من قد قضيت عليه بالعقاب فلابد منه لكن لانفراد الله بالمشيئة، وتعذر علم ذلك على العقول جاز الدعاء لله تعالى إذ الدعوة من أوصاف العبودية، فعلى العبد التزامها، ومن صفة العبودية الضراعة والمسكنة، ومن صفة الملك الرأفة والرحمة، ألا ترى قوله ﷺ : (لا يقولن أحدكم: اللهم ارحمنى إن شئت، وليعزم المسألة، فإنه لا مكره له) إذ كان السائل إنما يسأل الله من حيث له أن يفعل لا من حيث له ترك الفعل، وهذا الباب وإن كان متعلقًا بباب القدر فله مدخل فى كتاب الاعتصام لدعاء النبى ﷺ لهم إلى الإيمان الذى الاعتصام به يمنعهم القتل ويحقن الدم.
- باب قَول اللَّه تَعَالَى: (وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلا (وَقَوْلِهِ: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ (الآية [العنكبوت: ٤٦]
/ ٧٢ - فيه: عَلِىّ، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ابِنْة النَّبِىّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمْ: (أَلا تُصَلُّونَ) ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ
стр. 5319
أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ النَّبِىّ ﷺ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا، وَهُوَ مُدْبِرٌ، يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: (وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلا) [الكهف: ٥٤] . / ٧٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ) ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا، بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَنَادَاهُمْ النَّبِىُّ ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الْيَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا) ، قالها ثلاثًا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ: (ذَلِكَ أُرِيدُ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا) ، قَالَهَا ثلاثًا، فَقَالَ: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الأرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنِّى أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الأرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) . قال المهلب: الجدال موضوعه فى اللغة المدافعة، فمنه مكروه، ومنه حسن، فما كان منه تثبيتًا للحقائق وتثبيتًا للسنن والفرائض، فهو الحسن وما كان منه على معنى الاعتذار والمدافعات للحقائق فهو المذموم. وأما قول على فهو من باب المدافعة، فاحتج عليه النبى ﷺ بقوله تعالى: (وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلا) [الكهف: ٥٤] . وقال غيره: وجه هذه الآية فى كتاب الاعتصام أن النبى ﷺ عرض على على وفاطمة الصلاة فاحتج عليه على بقوله: إنما أنفسنا بيد الله. فلم يكن له أن يدفع ما دعاه النبى إليه بقوله هذا بل كان الواجب عليه قبول ما دعاه إليه، وهذا هو نفس الاعتصام بسنته ﷺ ؛ فلأجل تركه الاعتصام بقبول ما دعاه إليه من الصلاة قال تعالى: (وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلا) [الكهف: ٥٤] ، ولا حجة لأحد فى ترك أمر الله، وأمر رسوله بمثل ما احتج به على. وأما حديث أبى هريرة، فموضع الترجمة منه أن اليهود لما بلغهم النبي ﷺ )
стр. 5320
ما لزمهم العمل به والإيمان بموجبه قالوا له: قد بلغت يا أبا القاسم. رادين لأمره فى عرضه عليهم الإيمان، فبالغ فى تبليغهم، وقال: ذلك أريد. ومن روى (ذلك أريد) بمعنى: أريد بذلك بيانًا بتكرير التبليغ، وهذه مجادلة من النبى ﷺ لأهل الكتاب بالتى هى أحسن. وقد اختلف العلماء فى تأويل هذه الآية، فقالت طائفة: هى محكمة، ويجوز مجادلة أهل الكتاب بالتى هى أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان وقوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [البقرة: ١٥٠] ، معناه: إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب، فجادلوهم بالسيف حتى يُسلموا أو يعطوا الجزية. هذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير. وقال ابن زيد: معناه: ولا تجادلوا أهل الكتاب. يعنى: إذا أسلموا وأخبروكم بما كان فى كتبهم. إلا بالتى هى أحسن: فى المخاطبة، إلا الذين ظلموا: بإقامتهم على الكفر فخاطبوهم بالشر، وقال: وهى محكمة. وقال قتادة: هى منسوخة بآية القتال.
- باب قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (وَمَا أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ
. / ٧٤ - فيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ، هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يشهد لك؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَقَالَ رسُول اللَّه ﷺ : (فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ) ،
стр. 5321
ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: ١٤٣] أى عَدْلا، إلى قوله: (شَهِيدًا) [البقرة: ١٤٣] . (معنى هذا الباب) الاعتصام بالجماعة، ألا ترى قوله: (لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) [البقرة: ١٤٣] ، ولا يجوز أن يكونوا شهداء غير مقبولى القول، ولما كان الرسول واجبًا اتباعه وجب اتباع قولهم؛ لأن الله جمع بينه وبينهم فى قبول قولهم وزكاهم وأحسن الثناء عليهم بقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: ١٤٣] يعنى عدلاً. والاعتصام بالجماعة كالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لقيام الدليل على توثيق الله ورسوله صحة الإجماع وتحذيرهما من مفارقته بقوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) [النساء: ١١٥] الآية، وقوله: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: ١١٠] الآية. وهاتان الآيتان قاطعتان على أن الأمة لا تجتمع على ضلال، وقد أخبر الرسول بذلك فهمًا من كتاب الله فقال: (لا تجتمع أمتى على ضلال) ولا يجوز أن يكون أراد جميعها من عصره إلى قيام الساعة؛ لأن ذلك لا يفيد شيئًا؛ إذ الحكم لا يعرف إلا بعد انقراض جميعها، فعلم أنه أراد أهل الحل والعقد من كل عصر.
стр. 5322
- باب إِذَا اجْتَهَدَ الْعَامِلُ أَوِ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ خِلافَ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ، لِقَوله ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ
/ ٧٥ - فيه: أَبُو سَعِيد، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الأنْصَارِيَّ، إِلَى خَيْبَرَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا) ؟ قَالَ: لا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَشْتَرِى الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلا بِمِثْلٍ أَوْ بِيعُوا هَذَا، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ) . قد تقدم هذا الباب فى كتاب الأحكام وفى كتاب الاعتصام ومعناه أن الواجب على من حكم بغير السنة جهلا وغلطًا، ثم تبين له أن سنة الرسول خلاف حكمه فإن الواجب عليه الرجوع إلى حكم السنة وترك ما خالفها امتثالا لأمره تعالى بوجوب طاعته وطاعة رسوله ألا يحكم بخلاف سنته، وهذا هو نفس الاعتصام بالسنة، وقد تقدم فيه، وأن الرسول أمر برد هذا البيع فى البيوع. وقوله: (وكذلك الميزان) معناه: وكذلك ما يوزن أن يباع مثلا بمثل مثل ما يكال.
стр. 5323
- باب أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ
/ ٧٦ - فيه: عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) . قال ابن المنذر: وإنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالمًا بالاجتهاد والسنن، وأما من لم يعلم ذلك فلا يدخل فى معنى الحديث، يدل على ذلك ما رواه الأعمش، عن سعيد ابن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (القضاة ثلاثة: قاضيان فى النار، وقاض فى الجنة، فقاض قضى بغير الحق وهو يعلم، فذلك فى النار، وقاض قضى وهو لا يعلم فأهلك حقوق الناس فذلك فى النار، وقاض قضى بالحق، فذلك فى الجنة) . قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده فى طلب الصواب لا على الخطأ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ) [الأنبياء: ٧٨] الآية. قال الحسن: أثنى على سليمان ولم يذم داود. وذكر أبو التمام المالكى أن مذهب مالك أن الحق فى واحد من أقاويل المجتهدين، وليس ذلك فى جميع أقاويل المتخلفين وبه قال أكثر الفقهاء. قال: وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكًا عن اختلاف الصحابة، فقال: مخطئ ومصيب وليس الحق فى جميع أقاويلهم. قال أبو بكر ابن الطيب: اختلفت الروايات عن أئمة الفتوى فى هذا الباب كمالك وأبى حنيفة والشافعى: فأما مالك، فالمروى عنه منعه المهدى من حمله الناس على العمل والفتيا بما فى الموطأ، وقال له: دع الناس يجتهدون وظاهر هذا إيجابه على كل مجتهد القول بما يؤديه الاجتهاد إليه، ولو رأى أن الحق فى قوله فقط، أو قطع عليه لكان الواجب عليه
стр. 5324
المشورة على السلطان بالعمل به، ويبعد أن يعتقد مالك أن كل مجتهد مأمور بالحكم والفتيا باجتهاده، وإن كان مخطئًا فى ذلك، وذكر عن أبى حنيفة والشافعى القولين جميعًا. واحتج من قال: إن الحق فى واحد من أقاويل المجتهدين بقوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) . قالوا: وهذا نص على أن فى المجتهدين وفى الحاكمين مخطئًا ومصيبًا، قالوا: والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدى إلى كون الشىء حلالا حرامًا وواجبًا ندبًا ويلزم الحاكم اعتقاد كونه حلالا إذا رأى ذلك بعض أهل الاجتهاد، وحرامًا إذا رأى ذلك غيره، وأن تكون الزوجة محللة محرمة، والمال ملك الإنسان وغير ملك له إذا اختلف فى ذلك أهل الاجتهاد. واحتج كل من قال: كل مجتهد مصيب، فقالوا: اتفق الكل من الفقهاء على أن فرض كل عالم الحكم والفتيا بما أداه الاجتهاد إليه، وما هو الحق عنده وفى غالب ظنه، وأنه حرام عليه أن يفتى ويحكم بقول مخالفه، ولو كان فى الأقاويل المختلف فيها ما هو خطأ وخلاف دين الله لم يجز أن تجمع الأمة على أن فرض القائل به؛ لأن إجماعها على ذلك إجماع على خطأ، وقد نهى الله عنه وشرع خلافه. ولو جاز أن يكون أحدهما مخطئًا لأدى ذلك إلى أن الله تعالى أمر أحدهما بإصابة عين الباطل، وفى هذا القولُ بأن الله أمر بالباطل، وإذا فسد هذا مع كونه مأمورًا بالاجتهاد وجب كونه بفتياه ممتثلا أمر ربه وطائعًا له ومصيبًا عند الله، فثبت أن الحق مع كل واحد منهما بدليل قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء) [الأعراف: ٢٨] ، ومع قيام الدليل على أن طاعة البارى إنما كانت طاعة لأمره بها كما أن المعصية كانت معصية لنهيه عنها.
стр. 5325
وقد أجاب الشافعي عن هذا الحديث فى الرسالة بنحو هذا فقال: لو كان فى الاجتهاد خطأ وصواب فى الحقيقة لم يجز أن يثاب على أحدهما أكثر من الآخر؛ لأن الثواب لا يجوز فيما لا يسوغ ولا فى الخطأ الموضوع إثمه عنا. وقال ابن الطيب: هذا الخبر يدل على أن كل مجتهد مصيب أولى وأقرب؛ لأن المخطئ لحكم الله والحاكم بغيره مع الأمر له به لا يجوز أن يكون مأجورًا على الحكم بالخطأ بل أقصى حالاته أن يكون إثمه موضوعًا عنه فأما أن يكون بمخالفة حكم الله مأجورًا فإنه باطل باتفاق، والنبى ﷺ قد جعله مأجورًا، فدل ذلك على أن هذا ليس بخطأ فى شىء من الأحكام وجب عليه ولزمه الحكم به. ويحتمل أن يكون معناه إذا اجتهد فى البحث والطلب للنص فأصابه وحكم بموجبه فله أجران: أحدهما على البحث والطلب، والآخر على الحكم بموجبه، وأراد بقوله: (إن حكم فأخطأ) أى: أخطأ الخبر، بأن لم يبلغه مع الاجتهاد فى طلبه، ثم حكم باجتهاده المخالف لحكم النص كان مخطئًا للنص ومصيبه لا محالة فى الحكم؛ لأن الحكم بالاجتهاد عند ذلك هو فرضه. ولهذا كان يقول عمر عندما كان يبلغه الخبر: لولا هذا لقضينا فيه برأينا، ولم يقل له أحد من الصحابة: لو قضيت فيه برأيك ولم يبلغك الخبر لكنت بذلك عاصيًا، ولم أردت أن تقضى بالرأى وهذا الخبر كان موجودًا، فدل إمساك الكل عن ذلك أن فرض الحاكم والمجتهد الحكم والفتيا برأيه، وإن خالف موجب الخبر، فإذا بلغه تغيرَ عند ذلك فرضُه ولزمه الحكم بموجبه. ولا نقول: إن كل مجتهد مصيب إلا فى الفروع ومسائل الاجتهاد
следующие страницы →