← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

٤٧ - باب إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَصَلَّى الرسول فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ، وَهُوَ جَالِسٌ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإمَامِ يَعُودُ، فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ، ثُمَّ يَتْبَعُ الإمَامَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإمَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَلا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ، يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأولَى بِسُجُودِهَا، وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُدُ. / ٧٢ - فيه: عَائِشَةَ قَالْت: لما مَرَضِ النبى ﵇، قَالَ: (ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ) ، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: (أَصَلَّى النَّاسُ؟) ، قُلْنَا: لا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ) ، قَالَتْ: فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ ثلاث مرات، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ، ﵇، لِصَلاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ رسول الله إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ الرسول وَجَدَ فى نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ، لِصَلاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الرسول بِأَنْ لا يَتَأَخَّرَ، قَالَ: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي، وَهُوَ يَأْتَمُّ بِصَلاةِ رسول الله، وَالنَّاسُ يِصَلون بصلاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ قَاعِدٌ. / ٧٣ - وفيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى النبى، ﵇، وَهُوَ شَاكٍ فِي بَيْتِهِ، فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ: أَنِ اجْلِسُوا،

стр. 772

فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا) . / ٧٤ - وفيه: أَنَسِ قال: رَكِبَ رَسُولَ اللَّهِ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأيْمَنُ، فَصَلَّى صَلاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ) . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ: (وإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا) ، هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى ﵇ بَعْدَ ذَلِكَ جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، ولَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ فَالآخِرِ، مِنْ فِعْلِه ﵇. قال المؤلف: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا) ، فإن العلماء اختلفوا هل يكون عمل المأموم والإمام معًا أو بعده، فقال ابن حبيب: قال مالك: ويفعل المأموم مع الإمام إلا فى الإحرام والقيام من اثنتين والسلام، فلا يفعله إلا بعده، وقال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد، والثورى: يكبر فى الإحرام مع الإمام. وروى سحنون، عن ابن القاسم فى العتبية: إن أحرم معه أجزأه، وبعده أصوب، وهو قول عبد العزيز بن أبى سلمة. وفى المجموعة عن مالك: إن أحرم معه أو سلم يعيد الصلاة، وقاله أصبغ، وحققه ابن عبد الحكم، وقال أبو يوسف، والشافعى: لا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام من التكبير، وقال ابن أبى زيد فى

стр. 773

كتاب آخر: والعمل بعده فى كل شىء أحسن؛ لقوله ﵇: (إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا) ، وقاله أحمد بن حنبل وهو معنى قول الشافعى. وحجة هذا القول، قوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا) ، فجعل فعلهم عقيب فعله، فالفاء للتعقيب، وإذا لم يتقدمه الإمام بالتكبير، والسلام، فلا يصح الائتمام به؛ لأنه محال أن يدخل المأموم فى صلاة لم يدخل فيها إمامه، ولا يدخل فيها الإمام إلا بالتكبير، والإمام اشتق من التقدم، والمأموم من الاتباع، فوجب أن يتبع فعل المأموم بعد إمامه. ووجه قول ابن أبى سلمة، وابن القاسم، وابن عبد الحكم أنه يجزئه إحرامه معه؛ لأن الائتمام معناه الامتثال لفعل الإمام، فهو إذا فعل مثل فعله، فسواء أوقعه معه أو بعده، فقد حصل ممتثلاً لفعله. واختلفوا فيمن ركع أو سجد قبل إمامه، فروى عن ابن عمر أنه قال: لا صلاة له، وهو قول أهل الظاهر. وروى عن عمر بن الخطاب أنه من رفع رأسه قبل الإمام فى ركوع أو سجود، فليضع رأسه بعد رفعه إياه، كقول ابن مسعود، قال الحسن والنخعى: إذا رفع من السجود قبله يعود فى سجدته قبل أن يرفع الإمام رأسه، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق. وقال الشافعى، وأبو ثور: إذا ركع أو سجد قبله فأدركه الإمام وهو راكع أو ساجد فقد أساء، ويجزئه، وقد شذَّ الشافعى فقال: إن كبر للإحرام قبل إمامه، فصلاته تامة.

стр. 774

وقال مالك والكوفيون: إن كبر قبل إمامه كبر بعده، وأجزأه وإن لم يستأنف التكبير بطلت صلاته. والحجة على قول الشافعى قوله فى حديث أنس، وأبى هريرة: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا) ، ذكر ذلك البخارى فى باب (إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة) ، بعد هذا، وقد تقدم قبل هذا أن الفاء للتعقيب، ومن مذهب الشافعى الاقتداء بالإمام فى الفعل والمقام، وأن المأموم لو صلى قدام إمامه لم تصح صلاته، فيلزمهم فى تكبيرة الإحرام مثله. فإن قالوا: لو وقع منه سبق فى ركوعه لركوع الإمام لم تبطل صلاته، فكذلك فى تكبيرة الإحرام. قيل: الفرق بينهما صحيح، وذلك أنه لا يجوز أن يتحلل بالسلام من الصلاة قبل إمامه، فكذلك لا يجوز أن يدخل فيها قبله، وإذا أحرم بعده فلا يضره أن يقع سبق فى بعضها؛ لأن عقدها قد صح معه. وأما قول الحسن فيمن ركع ولا يقدر على السجود، فإن العلماء اختلفوا فى ذلك، فقال الكوفيون: يستحب له أن يتأخر حتى يرفع الرجل رأسه فيسجد بالأرض، فإن لم يفعل وسجد على ظهر رجل فقد أساء، وتجزئه وهو قول الثورى، والشافعى. وقال مالك: لا تجزئه ويعيد. واحتج الكوفيون بما روى عن عمر قال: (من أذاهُ الحَرُّ، فليسجد على ثوبه أو على ظهر أخيه) ، ولا مخالف له فى الصحابة، ذكره الطحاوى.

стр. 775

وأما قوله ﵇: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) ، ففيه حجة لقول مالك، والليث، وأبى حنيفة أن المأموم يقتصر على أن يقول: ربنا ولك الحمد، دون أن يقول: سمع الله لمن حمده، سيأتى قول من خالف هذا فى بابه إن شاء الله، وكذلك اختلفوا فيمن صلى أمام إمامه، فقال الكوفيون، والثورى، والشافعى فى رواية البويطى: لا تجزئه. وقال مالك، والليث: تجزئه، ذكره الطحاوى، وقال ابن المنذر: إن قول إسحاق، وأبى ثور، كقول مالك، والليث، واحتج ابن القصار لمالك بأن دار آل عمر بن الخطاب كانت أمام المسجد، وكانوا يصلون بصلاة الإمام فى المسجد، ولا مخالف فيه، وحجة من خالف ذلك قوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، فإذا كان قدامه فقد خرج عن الموضوع. قيل له: إنما قيل الإمام؛ لأن أفعاله متقدمة لأفعالهم، ولم يرد بذلك الموضع؛ ألا ترى أن المأموم قد يقف عن يمين الإمام، فليس الإمام أمامه، ولو وقف الإمام عن ذراعين من الكعبة، ووقف المؤتمون به عن ذراع منها، لأجزأتهم صلاتهم، فثبت أن المراد اتباع أفعاله فى الصلاة، حتى توقع أفعاله بعد أفعاله، والله الموفق. وأما قوله ﵇: (وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعون) ، فاختلف العلماء فى إمامة الجالس، فقالت طائفة: يجوز أن يؤم الجالس الجلوس إذا كان الإمام مريضًا، وإن كان من خلفه قادرين على القيام، روى هذا عن عطاء، وهو قول الأوزاعى، وأحمد، وإسحاق. وقالت طائفة: يجوز أن يصلى القيام خلف الإمام القاعد، ولا يسقط عنهم فرض القيام، لسقوطه عن إمامهم، هذا قول أبى حنيفة،

стр. 776

وأبى يوسف، والأوزاعى، وزفر، والشافعى، وأبى ثور، روى مثله الوليد بن مسلم، عن مالك، فقال: أوجب إلى أن يقوم إلى جنبه من يُعلم الناس بصلاته، كما فعل أبو بكر. وقالت طائفة: لا يجوز أن يؤم أحد قاعدًا، هذا قول مالك، والثورى، ومحمد بن الحسن، قال محمد: وصلاته ﵇، قاعدًا فى مرضه خاص له، لا يجوز لأحد بعده، واحتج ابن القاسم: بأن مالك حدثه عن ربيعة بأن أبا بكر كان الإمام بالنبى، ولا يجوز لأحد أن يؤم قاعدًا فى فريضة ولا نافلة، وإن عرض له ما يمنعه استخلف. وحجة أهل المقالة الأولى: قوله ﵇: (وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا) . وقال أحمد بن حنبل: وهذه سنة ثابتة ينبغى أن يصلى القعود، وإن كانوا لا علة بهم، وراء المريض الجالس، وقد فعل ذلك أربعة من أصحاب النبى: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأسيد بن حضير، وقيس بن قَهْد، فدل ذلك من فعلهم أنه ليس بخاص بالنبى، ﵇، ولا منسوخ بفعله؛ إذ لو كان هذا، لعابه سائر الصحابة على هؤلاء الأربعة الذين فعلوه، وقد روى عبد الرزاق، عن أنس بن مالك أنه فعل مثله. وأيضًا فإن صلاته ﵇، فى مرضه لا تشبه الصلاة التى أمر فيها بالقعود، حين جُحِشَ شقه؛ لأنها صلاة ابتدأ الإمام فيها

стр. 777

قاعدًا، فعليهم القعود، لسنته ﵇، وصلاته فى مرضه هى صلاة أبى بكر ابتدأ فيها القيام، فقاموا خلفه ثم جاء النبى، ﵇، بعد ذلك فقعد إلى جنبه، وهو مريض فالصلاة على ما ابتدئت، فلا تشبه هذه هذه، ولا تنسخ هذه هذه، والأولى سُنة على معناها، والثانية سُنة على معناها. وحجة أهل المقالة الثانية: صلاته ﵇، فى مرضه الأخير بالناس قاعدًا وهم قيام، قالوا: وهو ناسخ لصلاته بالناس جالسًا وهم جلوس. قال ابن شهاب: كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله كما قال الحميدى. قال الطحاوى: واحتج أهل المقالة الثالثة وقالوا: لا حجة لكم فى هذا الحديث؛ لأن رسول الله كان فى تلك الصلاة مأمومًا، وقد روى شعبة، عن نعيم بن أبى هند، عن أبى وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: صلى النبى فى مرضه الذى مات فيه خلف أبى بكر قاعدًا. وروى ابن أبى مريم، عن يحيى بن أيوب، حدثنا حميد، عن ثابت البنانى، عن أنس ابن مالك: (أن رسول الله ﷺ صلى خلف أبى بكر قاعدًا فى ثوب واحد مخالف بين طرفيه، فكانت آخر صلاة صلاها) . واحتج عليهم أهل المقالة الثانية بأنه إن كان روى هذا، فإن أفعال النبى فى صلاته تلك تدل على أنه كان إمامًا، وذلك أن عائشة قالت فى حديث الأسود عنها: (فقعد رسول الله عن يسار أبى بكر) ،

стр. 778

وذلك قعود الإمام لا قعود المأموم؛ لأنه لو كان أبو بكر إمامًا له، لكان ﵇ يقعد عن يمينه، فلما قعد عن يساره دل ذلك على ما قلناه، ذكره البخارى فى باب الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم بعد هذا. قال الطحاوى: وحجة أخرى وهى أن ابن عباس روى أن نبى الله كان إمامًا، وقال فى حديثه، فأخذ رسول الله فى القراءة من حيث انتهى أبو بكر، ولولا أنه كان ﵇ الإمام ما قرأ؛ لأن تلك الصلاة كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة، ولولا ذلك ما علم رسول الله بالموضع الذى انتهى إليه أبو بكر، ولا خلاف بين الناس أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام، كما يقرأ الإمام، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. وأما وجهه من طريق النظر، فإنا رأينا الأصل المجتمع عليه أن دخول المأموم فى صلاة الإمام قد يوجب فرضًا على المأموم لم يكن عليه قبل دخوله، ولم نره يسقط فرضًا عليه قبل دخوله، فمن ذلك أنا رأينا المسافر يدخل فى صلاة المقيم، فيجب عليه أن يصلى أربعًا ولم يكن ذلك واجبًا عليه قبل دخوله معه، وإنما أوجبه عليه دخوله معه، ورأينا مقيمًا لو دخل خلف مسافر فصلى بصلاته حتى فرغ أتى بتمام صلاة المقيم، فالنظر على ذلك أن يكون الصحيح الذى عليه فرض القيام إذا دخل مع المريض الذى سقط عنه فرض القيام ألا يسقط عنه فرض كان عليه قبل دخوله فى الصلاة. قال غيره: وما روى عن عائشة أن أبا بكر كان الإمام، فالروايات الثابتة عنها من رواية الأسود، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله، كلهم

стр. 779

عن عائشة أن الرسول كان الإمام أكثر وأصح، وهو الذى صححه البخارى، ولو جعلنا ما روى عن عائشة متعارضًا، لكانت رواية ابن عباس حجة كافية فى ذلك، فلم يختلف عنه أن النبى، ﵇، كان الإمام. وأما حديث ربيعة فلا يحتج بمثله لانقطاعه، وقد يحتمل أن يكون أبو بكر المتقدم فى صلاة من صلوات مرضه؛ لأن مرضه كان أيامًا، وخرج فيها مرارًا، ولا خلاف فى جواز صلاة المريض الجالس خلف القائم. وقوله: (فذهب لينوء) ، أى: تمايل ليتحامل على القيام، قال صاحب العين: ينوء بالدابة، أى: يميل بها، وكل ناهض بثقل كذلك، وفى القرآن: (إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة) [القصص: ٧٦] ، وناء النجم ينوء: مال إلى السقوط. ٤٨ - باب مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإمَامِ قَالَ أَنَسٌ: فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. / ٧٥ - فيه: الْبَرَاءُ قَالَ: (كَانَ النبى، ﵇، إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ) . وهذا الحديث حجة لمن قال من العلماء أن فعل المأموم يقع بعد فعل الإمام فى أفعال الصلاة كلها، وقد تقدم اختلافهم فى ذلك فى الباب قبل هذا.

стр. 780

وقال يحيى بن معين: وقول أبى إسحاق: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا البراء، وهو غير كذوب، يريد أن عبد الله بن يزيد كان غير كذوب، ولا يقال للبراء: أنه غير كذوب، قال يحيى بن معين: وعبد الله بن يزيد هذا هو الخطمى، وهو جد الأنصارى الذى كان على الغارمين، وكان عبد الله بن يزيد واليًا لابن الزبير على الكوفة. ٤٩ - باب إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ / ٧٦ - فيه: أَبَو هُرَيْرَةَ قال: قَالَ النَّبِيِّ: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ، إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) . معنى هذا الحديث الوعيد لمن خالف إمامه فى أفعال الصلاة، ومن خالف الإمام، فقد خالف سنة المأموم، وأجزأته صلاته عند جمهور العلماء؛ لأن النبى، ﵇، لم يقل إن من فعل ذلك فصلاته فاسدة. وفى المجموعة لابن القاسم، عن مالك: أن من رفع قبل إمامه يظن أنه رفع، فليرجع ساجدًا أو راكعًا، ولا يقف ينتظره، فإن عجل الإمام فليتمادى ويجزئه، وهو قول أكثر العلماء، وقد تقدم فى (باب إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، من خالف هذا وزيادة فيه.

стр. 781

٥٠ - باب إِمَامَةِ الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف، وولد البغى، والأعرابى والغلام الذى لم يحتلم، لقول النبى، ﵇: (يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله) ، ولا يمنع العبد من الجماعة لغير علة. / ٧٧ - فيه: ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأوَّلُونَ الْعُصْبَةَ، مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ، قَبْلَ مَقْدَمِ الرَسُولِ، كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا. / ٧٨ - وفيه: أَنَسِ، قَالَ ﵇: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) . قال المؤلف: أما العبد والمولى وولد البغى والأعرابى والصبى الذى لم يحتلم فإمامتهم جائزة؛ لأنهم كلهم دخلوا فى قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ، وهذا الحديث وإن كان أشار إليه البخارى، واعتمد عليه، فلم يخرجه فى مصنفه هذا، وقد ذكرته فى باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة وهو حديث حسن أخرجه المصنفون، وهو أصل فى معناه. وممن أجاز إمامة العبد غير عائشة: أبو ذر، وحذيفة، وابن مسعود، ومن التابعين: الحسن، وابن سيرين، والنخعى، والشعبى، والحكم، ومن الفقهاء: الثورى، وأبو حنيفة، والشافعى، وأحمد، وإسحاق. وكره إمامته أبو مجلز، وقال مالك: لا يؤم العبد الأحرار إلا أن يقرأ وهم لا يقرءون، ولا يؤمهم فى عيد ولا جمعة، والحجة له أن إمامة سالم للمهاجرين إنما كانت لأنه كان فى أول الإسلام، وكان

стр. 782

أكثرهم قرآنًا، ولم تجز إمامته فى الجمعة؛ لأنها لما سقطت عنه شبهه بمن لا تجب عليه أصلاً، ومن أجاز إمامته فيها قال: إذا حضر الجمعة صار من أهلها وأجزأت عنه الركعتان إذا كان مأمومًا، فكذلك إذا كان إمامًا. وأما قوله ﵇: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم حبشى كأن رأسه زبيبة) ، فقد رواه أنس عن النبى وقال فيه: عبد حبشى، ذكره البخارى فى كتاب الأحكام. ففيه حجة لمن أجاز إمامة العبد راتبًا وفى الجمعة وغيرها؛ لأنه ﵇ إذا أمر بطاعة العبد الحبشى، فقد أمر بالصلاة خلفه، وقد قال النخعى: رب عبد خير من مولاه. وممن أجاز إمامة ولد الزنا إذا كان مرضيًا: النخعى، والشعبى، وعطاء، والحسن، وقالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شىء) ولا تزر وازرة وزر أخرى) [الأنعام: ٦٤] ، وهو قول الثورى، وأبو حنيفة، والأوزاعى، وأحمد، وإسحاق. وكره إمامته: عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقال مالك: أكره أن يكون إمامًا راتبًا، وإنما ذلك لما يناله من الألسنة وتأثم الناس. وأما الأعرابى، فإن كان عالمًا فهو والحضرى سواء، ولكن الكلام خرج فيمن كره إمامته على الأغلب من جهلهم بحدود الصلاة، وممن كره إمامته: أبو مجلز، ومالك بن أنس، وقال: لا يؤم الأعرابى

стр. 783

وإن كان أقرأهم، لما ذكرنا من جهلهم بسنة الصلاة، وأجاز إمامته: الثورى، وأبو حنيفة، والشافعى، وإسحاق. وأما إمامة الصبى الذى لم يحتلم فأجازها: الحسن البصرى، وهو قول الشافعى، وإسحاق، وأبى ثور، وكرهها: عطاء، والشعبى، وهو قول مالك، والثورى، وأبى حنيفة. وأجاز الإمامة من المصحف: ابن سيرين، والحكم بن عتيبة، وعطاء، والحسن، وكان أنس يصلى وغلامه خلفه يمسك له المصحف، فإذا تعايا فى آية فتح عليه، وأجازه مالك فى قيام رمضان، وكرهه النخعى، وسعيد بن المسيب، والشعبى، ورواية عن الحسن، وقال: هكذا يفعل النصارى. ٥١ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ الإمَامُ وَأَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ / ٧٩ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ: أَنَّ نبى اللَّهِ قَالَ: (يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ) . قال المهلب: فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر إذا خيف منه. وفيه: أن الإمام إذا نقص ركوعه وسجوده أنه لا تفسد صلاة من خلفه، إلا أن ينقص فرض الصلاة، فلا يجوز اتباعه، فإن خيف منه صلى معه بعد أن يصلى فى بيته وتكون الصلاة نافلة، وقال غيره: قوله: (فإن أصابوا فلكم) ، أى: أصابوا الوقت، وكذلك قوله: (وإن أخطئوا) ، يعنى: الوقت، وكذلك كان بنو أمية يؤخرون

стр. 784

الصلاة تأخيرًا شديدًا، ويد على صحة هذا ما رواه أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: قال رسول الله: (لعلكم تدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها، فإذا أدركتموهم فصلوا فى بيوتكم فى الوقت الذى تعرفون، ثم صلوا معهم، واجعلوها سبحة) ، ورواه ثوبان، وأبو ذر، عن نبى الله. فهذا الحديث يفسر حديث أبى هريرة، ويدل أن قوله ﵇: (فإن أخطئوا فلكم) ، يعنى: صلاتكم فى بيوتكم فى الوقت، وكذلك كان جماعة من السلف يفعلون، روى عن ابن عمر أن الحجاج لما أخر الصلاة بعرفة، صلى ابن عمر فى رحله، وثم الناس، ووقف، قال: فأمر به الحجاج فحبس، وكان الحجاج يؤخر الصلاة يوم الجمعة، وكان أبو وائل يأمرنا أن نصلى فى بيوتنا، ثم نأتى المسجد، وكان إبراهيم يصلى فى بيته، ثم يأتى الحجاج فيصلى معه، وفعله مسروق مع زياد. وكان عطاء وسعيد بن جبير فى زمن الوليد إذا أخر الصلاة أومأ فى مجالسهما، ثم صليا معه، وفعله مكحول مع الوليد أيضًا، وهو مذهب مالك فى أئمة الجور إذا أخروا الصلاة عن وقتها، وقد روى عن بعض السلف أنهم كانوا لا يعيدون الصلاة معهم. وروى ابن أبى شيبة، عن وكيع قال: حدثنا بسام قال: سألت أبا جعفر محمد بن على عن الصلاة خلف الأمراء، فقال: صل معهم، قد كان الحسن والحسين يعتدان الصلاة خلف مروان، قلت: إن الناس كانوا يزعمون أن ذلك تقية، قال: وكيف إن كان الحسن بن على

стр. 785

ليسبُّ مروان فى وجهه وهو على المنبر حتى يولى، وقيل لجعفر بن محمد: كان أبوك يصلى إذا رجع إلى البيت؟ فقال: لا والله، ما كان يزيد على صلاة الأئمة، وقال إبراهيم: كان عبد الله يصلى معهم إذا أخروا عن الوقت قليلاً، ويرى أن مأثم ذلك عليهم. ٥٢ - باب إِمَامَةِ الْمَفْتُونِ وَالْمُبْتَدِعِ وَقَالَ الْحَسَنُ: صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ. / ٨٠ - فيه: عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارٍ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ، وَنَتَحَرَّجُ، فَقَالَ: الصَّلاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ للنَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِن أَسَاءُوا، فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ. وقَالَ الزُّهْرِيُّ: لا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُخَنَّثِ إِلا مِنْ ضَرُورَةٍ لابُدَّ مِنْهَا. / ٨١ - وفيه: أَنَسَ قَالَ: قال النَّبِيُّ ﵇، لأبِي ذَرٍّ: (اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) . اختلف العلماء فى تأويل قوله: (ويصلى لنا إمام فتنة) ، فقال ابن وضاح: إمام الفتنى عبد الرحمن بن عديس البلوى، هو الذى أجلب على عثمان بأهل مصر، وروى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافرى أنه سمع أبا ثور الفهمى أنه رأى ابن عديس صلى لأهل المدينة الجمعة وطلع منبر الرسول فخطب.

стр. 786

والقول الثانى: قال أبو جعفر الداودى: معنى قوله: (يصلى لنا إمام فتنة) ، أن غير إمامهم يصلى لهم فى حين فتنة، ليس أن ذلك الإمام يدعو إلى فتنة ويسعى فيها ويدل على ذلك قول عثمان: (الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم) ، ولم يذكر الذى أمهم بمكروه، وذكر أن فعله من أحسن الأعمال، وحذره من الدخول فى الفتنة. وقال غيره: والدليل على صحة هذا التأويل أنه قد صلى بالناس فى حصار عثمان جماعة من الفضلاء منهم: أبو أيوب، وسهل بن حنيف، وابنه أبو أمامة، ذكره عمر بن شبة بإسناد عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: صلى بالناس يوم الجمعة سهل بن حنيف. قال عمر بن شبة: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا يوسف بن الماجشون، قال: أخبرنا عقبة بن مسلم المزنى أن آخر خرجة عثمان يوم الجمعة، وعليه حلة حمراء مصفرًا رأسه ولحيته بورس، فما خلص إلى المنبر حتى ظن أن لن يخلص، فلما استوى عليه حصبه الناس، فقام رجل من بنى غفار، فقال: والله لنغربنك إلى جبل الدخان، فلما نزل حيل بينه وبين الصلاة، وصلى بالناس أبو أمامة بن سهل بن حنيف. فقال عمر بن شبة: وحدثنا محمد بن جعفر، حدثنا معمر، عن الزهرى، عن عروة، عن عبيد الله بن عدى بن خيار، قال: دخلت على عثمان وهو محصور، وعلىّ يصلى بالناس فقلت: يا أمير المؤمنين، إنى أتحرج الصلاة مع هؤلاء وأنت الإمام، فقال: إن الصلاة أحسن ما عمل به. . . . الحديث. وقال جويرية: عن نافع، لما كان يوم النحر جاء علىّ، فصلى

стр. 787

بالناس وعثمان محصور، وقال الزهرى: صلى سهل بن حنيف، وعثمان محصور، وصلى يوم العيد على بن أبى طالب، وقال الحلوانى: حدثنا المسيب بن واضح، قال: سمعت ابن المبارك يقول: ما صلى علىّ بالناس حين حوصر عثمان إلا صلاة العيد وحدها. قال يحيى بن آدم: ولعلهم قد صلى بهم رجل بعد رجل، قال الداودى: لم يكن فى القائمين على عثمان أحد من الصحابة إنما كانت فرقتان: فرقة مصرية، وفرقة كوفية، فلم يعتبوا عليه شيئًا إلا خرج منه بريئًا، فطالبوه بعزل من استعمل من بنى أمية فلم يستطع ذلك وهو على تلك الحالة، ولم يخل بينهم وبينهم لئلا يتجاوزوا فيهم القصد، وصبر واحتسب. وروى عنه أنه رأى النبى، ﵇، تلك الليلة فى المنام، فقال له: (قد قمصك الله قميصًا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه) ، يعنى الخلافة، وكان قد أخبر ﵇ أنه يموت شهيدًا على بلوى تصيبه، فلذلك لم ينخلع من الخلافة، وأخذ بالشدة على نفسه طلبًا لعظيم الأجر، ولينال الشهادة التى بشره الرسول بها. قال الداودى: فلما طال الأمر صلى أبو أيوب الأنصارى بالناس مُدَّة؛ لأن الأنصار لم يكن منهم أحد يدعى الخلافة، ثم كفَّ أبو أيوب وصلى أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وصلى بهم صلاة العيد على بن أبى طالب؛ لأنه لا يقيم الجمع والأعياد إلا الأئمة ومن يستحق الإمامة، وفعل ذلك علىّ لئلا تضاع سنة ببلد الرسول.

стр. 788

ففى هذا من الفقه: المحافظة على إقامة الصلوات، والحض على شهود الجمعات فى زمن الفتنة؛ خشية انخراق الأمر وافتراق الكلمة وتأكيد الشتات والبغضة، وهذا خلاف قول بعض الكوفيين أن الجمعة بغير والٍ لا تجزئ. وقال محمد بن الحسن: لو أن أهل مصر مات واليهم جاز لهم أن يقدموا رجلاً منهم فيصلى بهم حتى يقدم عليهم والٍ. وقال مالك، والأوزاعى، والشافعى: تجوز الجمعة بغير سلطان كسائر الصلوات، قال مالك: إن لله فرائض لا ينقصها أن وليها والٍ أو لم يلها، منها الجمعة. قال الطحاوى: فى صلاة علىّ العيد بالناس وعثمان محصور: هذا أصل فى كل سبب يُخلف الإمام عن الحضور أن على المسلمين إقامة رجل يقوم به، وهذا كما فعل المسلمون يوم مؤتة، لما قتل الأمراء اجتمعوا على خالد بن الوليد، وأيضًا فإن المتغلب والخارج على الإمام تجوز الجمعة خلفه، فمن كان فى طاعة الإمام أحرى بجوازها خلفه. قال المهلب: فيه أن الصلاة وراء من تكره الصلاة خلفه أولى من تفرق الجماعة؛ لقول عثمان: فإذا أحسنوا فأحسن معهم، فغلب الإحسان فى جماعتهم على الإحسان فى التورع عن الصلاة فى زمن الفتنة منفردًا، وأما الإساءة التى أمرنا باجتنابها، فهى المعاصى التى لا يلزم أحدًا فيها طاعة مخلوق، فإذا غلب عليها كان له أن يأخذ بالرخصة أو يأخذ بالشدة، فلا يجيب إليها، وإن كان فى ذلك إتلافه. واختلف العلماء فى الصلاة خلف الخوارج وأهل البدع، فأجازت طائفة الصلاة خلفهم، روى عن ابن عمر أنه صلى خلف

стр. 789

الحجاج وصلى خلفه ابن أبى ليلى، وسعيد ابن جبير، وخرج عليه، وقال الحسن: لا يضر المؤمن صلاته خلف المنافق، ولا تنفع المنافق صلاة المؤمن خلفه. وقال النخعى: كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا وكان أبو وائل يجمع مع المختار. وقال جعفر بن برقان: سألت ميمون بن مهران عن الصلاة خلف رجل يذكر أنه من الخوارج فقال: أنت لا تصلى له إنما تصلى لله، قد كنا نصلى خلف الحجاج، وكان حروريًا أزرقيًا، وأجاز الشافعى الصلاة خلف من أقام الصلاة، وإن كان غير محمود فى دينه. وكرهت طائفة الصلاة خلفهم، وروى أشهب عن مالك قال: لا أحب الصلاة خلف الإباضية، والواصلية، ولا السكنى معهم فى بلد. وقال عنه ابن نافع: وإن كان المسجد إمامه قدريًا، فلا بأس أن يتقدمه إلى غيره. قال ابن القاسم: رأيت مالكًا إذا قيل له فى إعادة الصلاة خلف أهل البدع توقف ولا يجيب. قال ابن القاسم: وأرى عليه الإعادة فى الوقت. وقال أصبغ: يعيد أبدًا، قال ابن وضاح: قلت لسحنون: ابن القاسم يرى الإعادة فى الوقت، وأصبغ يقول: يعيد أبدًا، فما تقول أنت؟ قال: لقد جاء الذى رأى عليه الإعادة أبدًا ببدعة أشد من صاحب البدعة، قال سحنون: وإنما لم تجب عليه الإعادة؛ لأن صلاته لنفسه جائزة، وليس بمنزلة النصرانى؛ لأن صلاة النصرانى لنفسه لا تجوز. وقال الثورى فى القدرى: لا تقدموه، وقال أحمد: لا تصل خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعيًا إلى هواه، ومن صلى خلف الجهمى والرافضى يعيد، وكذلك القدرى إذا ردَّ الأحاديث، قال غيره: وقوله ﵇: (اسمع وأطع) يدل على أن طاعة المتغلب

стр. 790

واجبة؛ لأنه لما قال: (حبشى) ، وقد قال: (الخلافة فى قريش) ، دل أن الحبشى إنما يكون متغلبًا، والفقهاء مجمعون على أن طاعة المتغلب واجبة ما أقام على الجمعات والأعياد والجهاد وأنصف المظلوم فى الأغلب، فإن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما فى ذلك من تسكين الدهماء وحقن الدماء، فضرب ﵇، المثل بالحبشى إذ هو غاية فى الذم، وإذْ أمر بطاعته لم يمنع من الصلاة خلفه، فكذلك المذموم ببدعة أو فسق. قال المهلب: قوله: اسمع وأطع لحبشى، يريد فى المعروف لا فى المعاصى، فتسمع له وتطيع فى الحق، وتعفو عما يرتكب فى نفسه من المعاصى ما لم يأمر بنقض شريعة، ولا بهتك حرمة لله تعالى، فإذا فعل ذلك فعلى الناس الإنكار عليه بقدر الاستطاعة، فإن لم يستطيعوا لزموا بيوتهم أو خرجوا من البلدة إلى موضع الحق إن كان موجودًا. وأما قول الزهرى: لا نصلى خلف المخنث إلا من ضرورة، فوجه ذلك أن الإمامة عند جميع العلماء موضع للكمال واختيار أهل الفضل، والمخنث مشبه بالنساء، فهو ناقص عن رتبة من يستحق الإمامة. وإنما ذكر البخارى هذه المسألة فى هذا الباب، والله أعلم؛ لأن المخنث مفتتن فى تشبهه بالنساء، كما أن إمام الفتنة والمبتدع كل واحد منهم مفتون فى طريقته فلما شملهم معنى الفتنة شملهم الحكم، فكرهنا إمامتهم إلا من ضرورة.

стр. 791

٥٣ - باب مَنْ يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإمَامِ بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ / ٨٢ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ: (بِتُّ عند خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ قَالَ: خَطِيطَهُ، ثُمَّ قام إِلَى الصَّلاةِ) . وترجم له: باب (إذا قام عن يسار الإمام فحوله إلى يمينه لم تفسد صلاته) . اختلف العلماء فى الإمام إذا أم واحدًا، أين يقيمه؟ فقالت طائفة: يقيمه عن يمينه، روى ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وعروة بن الزبير، وهو قول مالك، والثورى، والأوزاعى، وأبى حنيفة، والشافعى، وإسحاق، على ما جاء فى هذا الحديث. وفيها: قول ثان روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: يقيمه عن يساره وهذا خلاف الحديث فلا معنى له. وفيها قول ثالث، روى عن النخعى قال: إن كان خلفه رجل واحد فليقم خلفه ما بينه وبين أن يركع، فإن جاء أحد وإلا قام عن يمينه، ذكره ابن المنذر، وهذا يدل أنه لا تجوز صلاة المنفرد خلف الصف وحده، وسيأتى الكلام فى ذلك مستوعبًا فى باب إذا ركع دون الصف بعد هذا، إن شاء الله، ونذكر هاهنا منه طرفًا. قال ابن القصار: وقولهم ناقض؛ لأنه إذا صح عقده للصلاة وحده خلف الصف، فينبغى أن يجوز له فيه عمل الصلاة؛ لأنه لا يخرجه منها إلا حدث ينقض وضوءه، وقد قام ابن عباس عن يسار

стр. 792

النبى، فأداره عن يمينه، ولم يأمره بابتداء الصلاة ولا بإعادتها، ولو لم يجزه لأمره بالإعادة. وفيه: أن العمل اليسير فى الصلاة جائز. ويقال: غط النائم غطيطًا، صوت فى نومه، والخطيط، بالخاء، لا يعرف. ٥٤ - باب إِذَا لَمْ يَنْوِ الإمَامُ أَنْ يَؤُمَّ ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ / ٨٣ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قَالَ: (بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي ميمونة، فَقَامَ النَّبِيُّ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ) . اختلف العلماء فى هذا الباب، فقال الثورى، وإسحاق، ورواية عن أحمد: على المأموم الإعادة إذا لم ينو الإمام أن يؤتم به فى صلاته. وقال أبو حنيفة: إذا نوى الإمام جاز أن يصلى خلفه الرجال وإن لم ينوهم، ولا يجوز للنساء أن يصلين خلفه إلا أن ينويهن. ولابن القاسم فى العتبية نحو قول أبى حنيفة، فيمن أمَّ النساء، سئل ابن القاسم عن إمام صلى برجال ونساء، فقام الرجل عن يمينه والنساء خلفهما فأحدث الإمام، فقدم صاحبه هل يصلى بالنساء اللاتى خلفه؟ قال: يصلى المستخلف بالنساء، وإن لم يستخلفه الإمام إذا نوى أن يكون إمامهن، وقال مالك فى المدونة: ولا بأس أن تأتم بمن لم ينو أن يؤمك فى الصلاة، وهو قول الشافعى.

стр. 793

وذكر الطحاوى أن قول زفر كقول مالك والشافعى: أنه يجوز للمرأة الائتمام بمن لم ينو إمامتها. وقال ابن القصار: ولا إشكال فى أنه لا يحتاج إلى نية الإمامة، والمراعاة فى هذا نية المأموم أن يكون مأمومًا؛ لأنه إذا كان مأمومًا سقطت عنه القراءة والسهو؛ لأن الذى قد دخل فى الصلاة وحده قد دخل على أنه تلزمه القراءة والسهو، وأن أحدًا لا يتحملها عنه، والمأموم يدخل مقتديًا بغيره، فالقراءة والسهو عنه ساقطان، فهو يحتاج إلى نية الائتمام، ولو جاز أن يحتاج الإمام إلى نية الإمامة لجاز أن يقال: يحتاج إلى أن يُعين فى صلاته من يصلى خلفه من الرجال والنساء حتى لو جاء أحد ممن لم ينوه لم يجز أن يصلى خلفه. وحديث ابن عباس حجة لمالك ومن وافقه؛ لأن ابن عباس جاء والنبى يصلى بالليل، فجعله على يمينه، فمن ادعى أن النبى نوى أن يؤم ابن عباس فى تلك الصلاة فعليه الدليل، وأما قول أبى حنيفة، فلو قلبه عليه قالب، فقال: إن نوى أن يكون إمامًا جاز للنساء أن يصلين خلفه ولم يجز للرجال، لم يكن له فرق ولم تكن الحجة لهم إلا كالحجة عليهم، وأيضًا فإن النساء كن يصلين خلف النبى، ﵇، ولم ينقل عنه أحد أنه عينهن بالنية، ولا حصل منه تعليم ذلك. ٥٥ - باب إِذَا طَوَّلَ الإمَامُ، وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى (١) / ٨٤ - فيه: جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ: (أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ثُمَّ

стр. 794

يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأَنَّ مُعَاذ يَنَالَ مِنْهُ، فَبَلَغَ الرسول، فَقَالَ: (فَتَّانٌ، فَتَّانٌ، فَتَّانٌ) ، ثَلاثَ مرَات، وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ) . قَالَ عَمْرٌو: لا أَحْفَظُهُمَا. وترجم له: (باب من شكا إمامه إذا طول) . لما أمر الرسول بالتخفيف كان من طول بالناس عاصيًا، ومخالفة العاصى جائزة؛ لأنه لا طاعة إلا فى المعروف. وقد احتج أصحاب الشافعى بأن النبى لم ينكر على الرجل الذى خرج من صلاة معاذ ولا أمره بالإعادة، قال ابن القصار: واختلفوا فيمن دخل مع إمام فى صلاة فصلى بعضها هل يجوز له أن يخرج منها فيتم منفردًا؟ قال الشافعى: يجوز له أن يخرج منها بعذر أو بغير عذر، وقال أبو حنيفة: لا يجوز له. والأمر عندى محتمل لأن مالكًا قال فى الإمام: إذا أحدث وقد مضى بعض صلاته أنه يستخلف من يتم بهم، فإن لم يفعل قدموا من يتم بهم، فإن لم يفعلوا وصلوا وحدانًا، فإنه يجزئهم إلا فى الجمعة؛ لأنها لا تكون إلا بجماعة، وهؤلاء، فإن كان إمامهم بدأ بالخروج، فقد اختاروا ترك تمامها بجماعة، ويجوز أن لا يجزئه إذا خرج نفسه من غير عذر. ويكون الفرق بينهما أنه إذا كان الإمام باقيًا فى الصلاة، فإن الصلاة متعلقة به، فما دام باقيًا فقد تعلقت صلاتهم بصلاته فلم تجز مخالفته باختيار المأمومين الخروج منها لغير عذر؛ لأنه يؤدى إلى الشتات وإلى ترك ما ألزمه نفسه من الجماعة التى هو مندوب إليها، وإذا دخل الإنسان فى طاعة وجب عليه المضى فيها إلا أن يطرأ عليه عذر.

стр. 795

ويجوز أن يستدل بهذا الحديث من رأى الخروج من إمامة الإمام إذا فعل فى صلاته ما لا يجوز له كالمصلى خامسةً أو رابعةً فى المغرب أو ثالثة فى الصبح، فيسبح به قيامًا. قال ابن المواز: إن قعدوا ينتظرونه حتى يتم الركعة بطلت صلاتهم، وكذلك المسافر إن قام من اثنتين فسبحوا به فتمادى سلموا وتركوه، وهذه رواية ابن وهب، وابن كنانة، عن مالك؛ لأنهم إن انتظروه وهو جاهل أو عامد فسدت عليه وعليهم، وإن كان ساهيًا لزمهم سجود السهو معه، وهذه خير من رواية ابن القاسم عن مالك فى المدونة أنهم ينتظرونه ويسلمون معه ويعيد هو فى الوقت، قال ابن المواز: إنما أمرهم بذلك مالك فى هذه الرواية لاختلاف الناس فى صلاة المسافر، وأما الحضرى فلو انتظروه لبطلت صلاتهم. ٥٦ - باب تَخْفِيفِ الإمَامِ فِي الْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ / ٨٥ - فيه: أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لأتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ) . وترجم له: (باب إذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء) . وروى ذلك أبو هريرة عن الرسول. فيه: دليل أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف لأمر رسول الله لهم بذلك، وقد بين فى هذا الحديث العلة الموجبة للتخفيف، وهى غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ فإنه وإن علم قوة من خلفه، فإنه

стр. 796

لا يدرى ما يحدث بهم من الآفات، ولذلك قال: وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد ذكر الله الأعذار التى من أجلها أسقط فرض قيام الليل عن عباده، فقال: (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون فى سبيل الله) [المزمل: ٢٠] ، فينبغى للأئمة التخفيف مع إكمال الركوع والسجود؛ ألا ترى أنه ﵇، قال للذى لم يتم ركوعه ولا سجوده: (ارجع فصل، فإنك لم تصل) ، وقال: (لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره فى الركوع والسجود) . وممن كان يخفف الصلاة من السلف: أنس بن مالك، قال ثابت: صليت معه العتمة، فتجوز ما شاء الله، وكان سعد إذا صلى فى المسجد خفف الركوع والسجود وتجوز، وإذا صلى فى بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقلت له، فقال: إنا أئمة يقتدى بنا، وصلى الزبير بن العوام صلاة خفيفة، فقيل له: أنتم أصحاب رسول الله أخف الناس صلاة، فقال: إنا نبادر هذا الوسواس، وقال عمار: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان، وكان أبو هريرة يتم الركوع والسجود ويتجوز، فقيل له: هكذا كانت صلاة رسول الله؟ فقال: نعم وأجوز، وقال عمرو بن ميمون: لما طعن عمر تقدم عبد الرحمن ابن عوف، فقرأ بأقصر سورتين فى القرآن: إنا أعطيناك الكوثر، وإذا جاء نصر الله، وكان إبراهيم يخفف الصلاة،

стр. 797

ويتم الركوع والسجود، وقال أبو مجلز: كانوا يتمون ويوجزون، ويبادرون الوسوسة، ذكر الآثار كلها ابن أبى شيبة فى مصنفه. ٥٧ - باب الإيجَازِ فِي الصَّلاةِ وَإِكْمَالِهَا / ٨٦ - فيه: أَنَسِ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﵇، يُوجِزُ الصَّلاةَ وَيُكْمِلُهَا) . وقد دخل الكلام فى معنى هذا الباب فى الباب الذى قبله، فأغنى عن إعادته. وروى الثورى، عن أبى إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودى قال: لو أن رجلاً أخذ شاة عزوزًا لم يفرغ من لبنها حتى أصلى الصلوات الخمس أتم ركوعها وسجودها. قال أبو عبد الله: وإنما أراد التجوز فى الصلاة، قال أبو عبيد: والعزوز: الضيقة الإحليل، يقال: عزت الشاة وتعززت: إذا صارت كذلك، وأما الواسعة الإحليل، فإنها الثَّرُور. ٥٨ - باب مَنْ أَخَفَّ الصَّلاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ / ٨٧ - فيه: أَبو قَتَادَةَ: أن نَّبِيِّ الله قَالَ: (إِنِّي لأقُومُ فِي الصَّلاةِ، فأُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي، كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ) .

стр. 798

/ ٨٨ - وفيه: أَنَسَ قال: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ، أَخَفَّ صَلاةً وَلا أَتَمَّ مِنَ الرسول، وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ. فيه: أنه كان يتجوز السجود فى الصلاة لأمور الدنيا خشية إدخال المشقة على النفوس. وقد يجوز أن يحتج بهذا الحديث من قال: أنه جائز للإمام إذا سمع خفق النعال، وهو راكع أن يزيد فى ركوعه شيئًا ليدركه الداخلون فيها؛ لأنه فى معنى تجوّز النبى، ﵇، من أجل بكاء الصبى، وممن أجاز ذلك: الشعبى، والحسن، وعبد الرحمن ابن أبى ليلى، وقال آخرون: ينتظرهم ما لم يشق على أصحابه، هذا قول أحمد، وإسحاق، وأبى ثور، وقال مالك: لا ينتظرهم؛ لأنه يضر بمن خلفه؛ لأنه لو فعل ذلك، ولعله يسمع آخر بعد ذلك فينتظره فيضر بمن معه، وهذا قول الأوزاعى، وأبى حنيفة، والشافعى، وقالوا: يركع كما كان يركع. واستدل أهل المقالة الأولى أنه لما كان تجوّزه فى صلاته لا يخرجه منها، دل أن الزيادة فيها شيئًا لا تخرجه من الصلاة، ولما أجمعوا أنه جائز للإمام أن ينتظر الجماعة ما لم يخف فوت الوقت جاز للراكع أيضًا ذلك ما لم يخف فوت الوقت. ٥٩ - باب إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا / ٨٩ - فيه: جَابِرِ قَالَ: (كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ الرسول، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ) . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث، فذهبت طائفة [إلى] أنه يجوز

стр. 799

أن يصلى الرجل نافلة، ويأتم به فيها من يصلى الفريضة، هذا قول عطاء، وطاوس، وبه قال الأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وأبو ثور، واحتجوا بظاهر هذا الحديث. وقالت طائفة: لا يجوز لأحد أن يصلى فريضة خلف من يصلى نافلة، ومن خالفت نيته نية الإمام فى شىء من الصلاة لم يعتد بها، هذا قول الزهرى، وربيعة، ومالك، والثورى، وأبى حنيفة، وأصحابه، واحتجوا بقوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه) ، ولا اختلاف أكثر من اختلاف النيات التى عليها مدار الأعمال. قالوا: وأما حديث معاذ فيحتمل أن يكون فى أول الإسلام وقت عدم القُراء، ووقت لا عوض للقوم من معاذ، فكانت حال ضرورة لا تجعل أصلاً يقاس عليه، قاله المهلب. وقال الطحاوى: يحتمل أن يكون ذلك وقت كانت الفريضة تصلى مرتين، فإن ذلك قد كان يفعل فى أول الإسلام حتى نهىعنه ﵇، حدثنا حسين بن نصر، حدثنا يزيد ابن هارون، حدثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سليم مولى ميمونة قالت: (أتيت المسجد فرأيت ابن عمر جالسًا والناس يصلون، فقلت: ألا تصلى مع الناس؟ فقال: صليت فى رحلى، إن رسول الله نهى أن تصلى فريضة فى يوم مرتين) ، والنهى لا يكون إلا بعد الإباحة، فقد كان المسلمون فى بدء الإسلام يصلون فى منازلهم، ثم يأتون المسجد، فيصلون تلك الصلاة على أنها فريضة، فنهاهم عن

стр. 800

ذلك، وأمر بعد ذلك من جاء إلى المسجد وأدرك تلك الصلاة أن يجعلها نافلة، وترك ابن عمر الصلاة يحتمل أن يكون تلك الصلاة لا تطوع بعدها، فلم يجز أن يصليها؛ إذ لا تطوع ذلك الوقت؛ لأنه قد روى عنه أنه سئل عمن صلى فى بيته، ثم أدرك تلك الصلاة فى المسجد أيتهما صلاته؟ قال: الأولى. حدثنا أبو بكر، حدثنا حبان، عن همام، عن قتادة، عن عامر الأحول، عن عمرو بن شعيب، عن خالد بن أيمن المعافرى قال: كان أهل العوالى يصلون مع الرسول، فنهاهم النبى أن يعيدوا الصلاة فى يوم مرتين، قال عمرو: فذكرته لسعيد بن المسيب، فقال: صدق. واحتج أهل المقالة الأولى فقالوا: ما اعتللتم به من قوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، لا حجة لكم فيه؛ لأنه إنما أمر بالائتمام فيما يظهر من أفعال الإمام، وأما النية فمغيبة عنه، ومحال أن نؤمر باتباعه فيما يخفى علينا من أفعاله، وفى الحديث نفسه دليل يدل على ما قلناه، وذلك قوله: فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا. وروى قتيبة عن الليث، عن ابن شهاب فى هذا الحديث: (فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا) ، فعرفهم ﵇ بما يقتدى فيه بالإمام، وهو ما ظهر من أفعاله، وأما معاذ فإنه كان يصلى مع الرسول فرضه، لا يجوز غير ذلك لقوله ﵇: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) ، فكيف يجوز أن ينويها نافلة فيخالف أمره، ﵇، ويرغب عن أداء فرضه معه، مع علمه بفضل صلاته

стр. 801

معه، وقد روى ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: أخبرنى جابر أن معاذًا كان يصلى مع رسول الله العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلى بهم، هى له تطوع ولهم فريضة. قال الطحاوى: واحتج عليهم أهل المقالة الثانية بأن هذا الحديث قد رواه ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، ولم يذكر فيه: هى له تطوع ولهم فريضة، فيجوز أن يكون ذلك من قول ابن جريج، أو من قول عمرو، أو من قول جابر وأى هذه الثلاثة كان فليس فى الحديث ما يدل على حقيقة فعل معاذ أنه كان بأمر رسول الله، ولا أن رسول الله لو أُخبر به لأقره أو غيره، وهذا عمر بن الخطاب لما أخبره رفاعة بن رافع أنهم كانوا يجامعون على عهد رسول الله ولا يغتسلون حتى ينزلوا، قال عمر: فأخبرتم الرسول بذلك، فرضيه لكم؟ قال: لا، فلم يجعل عمر ذلك حجة، وكذلك هذا الفعل لم يكن فيه دليل أن معاذًا فعله بأمر نبى الله. وقد روينا عن الرسول ما يدل على خلاف قولهم، حدثنا يحيى بن صالح الوحاظى، حدثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى المازنى، عن معاذ بن رفاعة الزرقى: (أن رجلاً من بنى سلمة يقال له: سليم، لقى النبى، ﵇، فقال: إنا نظل فى أعمالنا فنأتى حين نمسى، فنصلى مع معاذ، فيطول علينا، فقال ﵇: (يا معاذ لا تكن فتانًا، إما أن تصلى معى، وإما أن تخفف على قومك) ، فقوله لمعاذ هذا يدل على أنه كان عند رسول الله يفعل أحد الأمرين: إما الصلاة معه، وإما الصلاة مع قومه، ولم يكن يجمعهما؛ لأنه قال: إما أن تصلى معى، ولا تصلى بقومك، وإما أن تخفف بقومك، أى ولا تصلى معى، فثبت بهذا

стр. 802

الأثر أنه لم يكن من الرسول لمعاذ فى ذلك شىء متقدم، ولو كان منه ﵇ فى ذلك أمر كما قال أهل المقالة الأولى، لاحتمل أن يكون فى وقت كانت الفريضة تصلى مرتين. فهذا وجه من طريق الآثار، وأما من طريق النظر، فإنا رأينا صلاة المأموم مضمنة بصلاة الإمام فى صحتها وفسادها؛ وذلك أن الإمام إذا سها وجب على من خلفه لسهوه ما يجب عليه، ولو سهوا هم ولم يسه هو لم يجب عليهم ما يجب عليه إذا سها، فلما ثبت أن المأمومين يجب عليهم حكم السهو بسهو الإمام، وينتفى عنهم حكم السهو بانتفائه عن الإمام، ثبت أن حكمهم فى صلاتهم حكم الإمام فى صلاته، وأن صلاتهم مضمنة بصلاته، وإذا كان كذلك لم يجز أن تكون صلاتهم خلاف صلاته. ٦٠ - باب مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإمَامِ / ٩٠ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: (لَمَّا مَرِضَ الرسول مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وأمر أَبَا بَكْرٍ بالصلاة، خَرَجَ النَّبِيُّ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، أراد أن يَتَأَخَّرُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَعَدَ الرسول إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ) . إنما قام الرسول أبا بكر ليسمع الناس تكبيره، ويظهر إليهم أفعاله؛ لأنه كان ضَعُف عن إسماعهم، فأقامه لهم، ليقتدوا به فى حركاته؛ إذ كان جالسًا وهم قيام، ولم يمكنهم كلهم رؤيته. وفيه من الفقه: جواز رفع المُذكر صوته بالتكبير والتحميد فى الركوع

стр. 803

والسجود ليسمع الناس إذا كثروا وبعدوا من الإمام فى الجمعات وغيرها، وإذا جاز للإمام أن يجهر بالتكبير، جاز للمأموم مثل ذلك، بدليل قوله ﵇: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شىء من كلام الناس إنما هو التكبير والقراءة) ، وإذا لم يجز الكلام فى الصلاة سرًا لم يجز أن يجهر به، ولما جاز فيها التكبير سرًا جاز أن يجهر به فيها. وذكر محمد بن حارث، عن لقمان بن يوسف قال: ذاكرنا حماس بن مروان فى رفع المذكر صوته بالتكبير فى الجمعات، فقال: صلاتهم باطل، فقلت له: بل هى جائزة بدليل الحديث فى ذلك أن رجلاً صلى خلف النبى فقال: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فسمعه الرسول فلم يأمره بالإعادة. قال المؤلف: وأظن أبا حنيفة لا يجيز ذلك، وستأتى مذاهب العلماء فى الكلام فى الصلاة، والتكبير ذكر الله وليس بكلام يفسد الصلاة، ومن أفسد الصلاة بذلك، فلا شك فى خطئه، وفى الواضحة: وما جاز للرجل أن يتكلم به فى الصلاة من معنى الذكر والقراءة، فرفع بذلك صوته ليُنبه به رجلاً أو يستوقفه فذلك جائز، وقد استأذن رجل على ابن مسعود، وهو يصلى فقال له: (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) [يوسف: ٩٩] .

стр. 804

٦١ - باب الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالإمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ وَيُذْكَرُ عَن الرسول: ائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ. / ٩١ - فيه: عَائِشَةَ: فى حديث مرض النبى، ﵇، قَالَتْ: (. . . فَجَاءَ الرَسُولُ فَجَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ ﵇، يُصَلِّي جالسًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ) . هذا الباب موافق لقول الشعبى، ومسروق، وذلك أنهما قالا: إن الإمام يؤم الصفوف، والصفوف يؤم بعضها بعضًا، قال الشعبى: فإذا كثرت الجماعات فى المسجد، فدخل رجل وهم يصلون، فأحرم قبل أن يرفع الصف الذى يليه رءوسهم من الركعة، فإنه قد أدركها؛ لأن بعضهم أئمة لبعض، ويجوز له الاستدلال من هذا الحديث، وأما سائر الفقهاء فإنهم يراعون رفع الإمام وحده، وهو أحوط. ٦٢ - باب هَلْ يَأْخُذُ الإمَامُ إِذَا شَكَّ بِقَوْلِ النَّاسِ / ٩٢ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ أَنَّ النبى، ﵇، انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟) ، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ. . . .، الحديث. اختلف العلماء فى الإمام إذا شك فى صلاته، فأخبره من خلفه من المأمومين أنه ترك ركعة هل يرجع إلى قولهم، ويدع يقينه أم لا؟ فقال ابن القصار: اختلفت الرواية عن مالك فى ذلك، فقال مرة: يرجع إلى قولهم، وهو قول أبى حنيفة؛ لأنهم يقولون: إنه يبنى

стр. 805

على غالب ظنه، وقال مرة أخرى: يعمل على يقينه، ولا يرحع إلى قولهم، وهو قول الشافعى، قال ابن القصار: فوجه قوله لا يرجع إلى قولهم، فإنما هو عندى إذا كان على يقين من صلاته، فلا يجوز أن يترك يقينه، وقال الشافعى: رجوع الرسول يوم ذى اليدين إلى قول من أخبره إنما كان؛ لأنه ذُكِّر بذلك فَذَكر وبنى على يقينه، ووجه القول الآخر أن يأخذ بقولهم فالذى يؤدى إلى اليقين أن يأتى بركعة ويقبل قولهم؛ لأن يقين الاثنين أكثر من يقين الواحد، والذى يهمهم من أمر الصلاة مثل الذى يهمه، فينبغى أن يقبل منهم؛ لأنه يشك كما يشكون، غير أن الاثنين إذا اتفقا كانوا أقوى من الواحد، فكيف الجماعة، ولا معنى لقول الشافعى: أن النبى، ﵇، ذُكِّرَ فَذَكر؛ لأنه لو ذكر لقال قد ذكرت، حتى لا يظن أحد أنه عمل على قولهم، فمن ادعى أنه ذكر بغير دلالة، فهو بمنزلة من قال: إن الحاكم إذا حكم بشهادة الشهود، فإنه لم يحكم لأجل ما ثبت عنده من الشهادة، وإنما حكم لأنه علم ذلك. ٦٣ - باب بكاء الإمَامُ فِي الصَّلاةِ وَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ، وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف ٨٦] . / ٩٣ - فيه: عَائِشَةَ فى حديث مرض النبى قَالَتْ: (. . . إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ. . .) ، الحديث. أجاز العلماء البكاء فى الصلاة من خوف الله واحتجوا بحديث

стр. 806

عائشة وبفعل عمر، وقال أشهب: قال مالك: قرأ عمر بن عبد العزيز فى الصلاة فلما بلغ: (فأنذرتكم نارًا تلظى) [الليل: ١٤] ، خنقته العبرة فسكت، ثم قرأ فنابه ذلك، ثم قرأ فنابه ذلك، وتركها وقرأ: (والسماء والطارق) ، واختلفوا فى الأنين والتأوّه، فقال ابن المبارك: إذا كان غالبًا فلا بأس به، وقال الشافعى، وأبو ثور: لا بأس به إلا أن يكون كلامًا مفهومًا، وقالت طائفة: يعيد صلاته وهذا قول الشعبى، والنخعى، والكوفيين. ٦٤ - باب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الإقَامَةِ وَبَعْدَهَا / ٩٤ - فيه: النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: قَالَ ﵇: (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) . / ٩٥ - وفيه: أَنَسِ، قَالَ الرسول: (أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ من وراء ظَهْرِي) . تسوية الصفوف من سنة الصلاة عند العلماء، وإنه ينبغى للإمام تعاهد ذلك من الناس، وينبغى للناس تعاهد ذلك من أنفسهم، وقد كان لعمر وعثمان رجال يوكلونهم بتسوية الصفوف، فإذا استوت كبرا إلا أنه إن لم يقيموا صفوفهم لم تبطل بذلك صلاتهم. وفيه: الوعيد على ترك التسوية، وقال المهلب: توعد من لم يقم

стр. 807

الصفوف بعذاب من [] الذنب وهو المخالفة بين وجوههم، لاختلافهم فى مقامهم كما أن من قتل نفسه بحديدة عذب بها، والمرأة التى قتلت الهرة جوعًا عذبت بها. وقوله: (إنى لأراكم من وراء ظهرى) ، خصوص له، أعطاه الله من القوة أن يرى من خلفه كما يرى من أمامه لا أنه يخبر عنهم بخبر، ولو كان من طريق الخبر لقال ﵇، إنى لأعلم بحالكم من وراء ظهرى، وقد تقدم هذا وزيادة فيه فى باب (عظة الإمام فى إتمام الصلاة) . ٦٥ - باب إِقْبَالِ الإمَامِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ / ٩٦ - فيه: أَنَسُ قَالَ: (أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) . وفيه: جواز الكلام بين الإقامة والإحرام، ولا بأس عند فقهاء الحجاز، وهو رد على الكوفيين، وقد تقدم ذلك فى باب الإمام تعرض له حاجة بعد الإقامة فى أبواب الأذان. وقوله: تراصوا فى الصلاة، أى: انضموا، قال صاحب (العين) : رصصت البنيان رصا، أى: ضممته، وتراصوا فى الصفوف منه، وقد ذكر الله الذين يقاتلون فى سبيله صفًا، كأنهم بنيان مرصوص، ومدحهم بذلك، وقضى بالمحبة للمصطفين فى طاعته، فدل أن الصف فى الصلاة كالصف فى سبيل الله.

стр. 808

وروى ابن أبى شيبة قال: حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عمن حدثه، عن ابن عباس أن نبى الله قال: (راصوا صفوفكم، فإن الشياطين تتخللكم كأنها أولاد الحذف) ، فذكر هذا الحديث معنى أمره ﵇، بالتراص فى الصلاة، وقال صاحب (العين) : الحذف: غنم سود صغار، ويقال: هم أولاد الغنم. ٦٦ - باب الصَّفِّ الأوَّلِ / ٩٧ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ رسول الله: (الشُّهَدَاءُ خمسة) إلى قوله: (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لاسْتَهَمُوا) . وقد تقدم الكلام فى هذا الحديث فى باب الاستهام فى الأذان، فأغنى عن إعادته، ونذكر منه هاهنا طرفًا، إنما فضل الصف الأول على غيره، والله أعلم، للقرب من سماع القرآن إذا جهر الإمام والتكبير عند تكبيره والتأمين عند فراغه من فاتحة الكتاب، وقد روى نوح بن أبى مريم قال: حدثنا زيد العمى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبى، ﵇، أنه قال: (من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذى مسلمًا أضعف الله له أجر الصف) . ٦٧ - باب إِقَامَةُ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ / ٩٨ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ. . . .) ، الحديث، (وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاةِ) .

стр. 809

/ ٩٩ - وفيه: أَنَسِ، قَالَ النَّبِيِّ، ﵇: (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاةِ) . هذا الحديث يدل أن إقامة الصفوف سنة مندوب إليها، وليس بفرض؛ لأنه لو كان فرضًا لم يقل، ﵇، فإن إقامة الصفوف من حسن الصلاة؛ لأن حسن الشىء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب، ودل هذا على أن قوله فى حديث أنس: (فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة) ، أن إقامة الصلاة قد تقع على السنة كما تقع على الفريضة. ٦٨ - باب إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ / ١٠٠ - فيه: أَنَسِ: أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ؟ فقَالَ: (مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلا أَنَّكُمْ لا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ) . لما كان تسوية الصف من السنة المندوب إليها التى يستحق فاعلها المدح عليها، دل ذلك أن تاركها يستحق الذم والعتب كما قال أنس، رحمة الله عليه، غير أن من لم يقم الصفوف لا إعادة عليه؛ ألا ترى أن أنسًا لم يأمرهم بإعادة الصلاة. ٦٩ - باب إِلْزَاقِ الْمَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ، وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ فِي الصَّفِّ قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ: ورَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ. / ١٠١ - فيه: أَنَسِ قَال النَّبِيِّ ﷺ : (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ) .

стр. 810

هذه الأحاديث تفسر قوله ﵇: (تراصُّوا فى الصف) ، وهذه هيئة التراص، وفيه: أن الكعب هو العظم الناتئ فى أثر الساق ومؤخر القدم، كما قال أهل المدينة؛ لأنه لو كان الكعب فى مقدم القدم كما قال أهل الكوفة لما تمكن أن يلزق أحدهم كعبه بكعب صاحبه، وهذا يدل على أن الكعبين اللذين جعلهما الله غاية فى غسل القدمين هما المذكوران فى حديث النعمان بن بشير، وقد تقدم هذا فى كتاب الطهارة بزيادة. ٧٠ - باب الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا / ١٠٢ - فيه: أَنَسِ قَالَ: (صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﵇، وَأُمِّي خَلْفَنَا أُمُّ سُلَيْمٍ) . فى هذا الحديث من الفقه: أن سنة النساء القيام خلف الرجال، ولا يقمن معهم فى صف؛ لأن الفتنة تخشى منهن. قال المهلب: وكذلك إن كُنَّ عجائز أو ذوات محارم للرجال، فلا يصطففن مع الرجال، وأن صفوفهن وراء صفوف الرجال، إلا أنه إن صلت المرأة إلى جنب رجل تمت صلاتهما عند مالك، والشافعى، والأوزاعى. وعند الكوفيين تمت صلاة المرأة وفسدت صلاة الرجل، واحتجوا بأنها وقفت فى غير محلها، كما أن من صلى قدام الإمام صلى فى
следующие страницы →