Полный текст (5 502 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
عائشة وبفعل عمر، وقال أشهب: قال مالك: قرأ عمر بن عبد العزيز فى الصلاة فلما بلغ: (فأنذرتكم نارًا تلظى) [الليل: ١٤] ، خنقته العبرة فسكت، ثم قرأ فنابه ذلك، ثم قرأ فنابه ذلك، وتركها وقرأ: (والسماء والطارق) ، واختلفوا فى الأنين والتأوّه، فقال ابن المبارك: إذا كان غالبًا فلا بأس به، وقال الشافعى، وأبو ثور: لا بأس به إلا أن يكون كلامًا مفهومًا، وقالت طائفة: يعيد صلاته وهذا قول الشعبى، والنخعى، والكوفيين.
٦٤ - باب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الإقَامَةِ وَبَعْدَهَا
/ ٩٤ - فيه: النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: قَالَ ﵇: (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) . / ٩٥ - وفيه: أَنَسِ، قَالَ الرسول: (أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ من وراء ظَهْرِي) . تسوية الصفوف من سنة الصلاة عند العلماء، وإنه ينبغى للإمام تعاهد ذلك من الناس، وينبغى للناس تعاهد ذلك من أنفسهم، وقد كان لعمر وعثمان رجال يوكلونهم بتسوية الصفوف، فإذا استوت كبرا إلا أنه إن لم يقيموا صفوفهم لم تبطل بذلك صلاتهم. وفيه: الوعيد على ترك التسوية، وقال المهلب: توعد من لم يقم
стр. 807
الصفوف بعذاب من [] الذنب وهو المخالفة بين وجوههم، لاختلافهم فى مقامهم كما أن من قتل نفسه بحديدة عذب بها، والمرأة التى قتلت الهرة جوعًا عذبت بها. وقوله: (إنى لأراكم من وراء ظهرى) ، خصوص له، أعطاه الله من القوة أن يرى من خلفه كما يرى من أمامه لا أنه يخبر عنهم بخبر، ولو كان من طريق الخبر لقال ﵇، إنى لأعلم بحالكم من وراء ظهرى، وقد تقدم هذا وزيادة فيه فى باب (عظة الإمام فى إتمام الصلاة) .
٦٥ - باب إِقْبَالِ الإمَامِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ
/ ٩٦ - فيه: أَنَسُ قَالَ: (أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) . وفيه: جواز الكلام بين الإقامة والإحرام، ولا بأس عند فقهاء الحجاز، وهو رد على الكوفيين، وقد تقدم ذلك فى باب الإمام تعرض له حاجة بعد الإقامة فى أبواب الأذان. وقوله: تراصوا فى الصلاة، أى: انضموا، قال صاحب (العين) : رصصت البنيان رصا، أى: ضممته، وتراصوا فى الصفوف منه، وقد ذكر الله الذين يقاتلون فى سبيله صفًا، كأنهم بنيان مرصوص، ومدحهم بذلك، وقضى بالمحبة للمصطفين فى طاعته، فدل أن الصف فى الصلاة كالصف فى سبيل الله.
стр. 808
وروى ابن أبى شيبة قال: حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عمن حدثه، عن ابن عباس أن نبى الله قال: (راصوا صفوفكم، فإن الشياطين تتخللكم كأنها أولاد الحذف) ، فذكر هذا الحديث معنى أمره ﵇، بالتراص فى الصلاة، وقال صاحب (العين) : الحذف: غنم سود صغار، ويقال: هم أولاد الغنم.
٦٦ - باب الصَّفِّ الأوَّلِ
/ ٩٧ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ رسول الله: (الشُّهَدَاءُ خمسة) إلى قوله: (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لاسْتَهَمُوا) . وقد تقدم الكلام فى هذا الحديث فى باب الاستهام فى الأذان، فأغنى عن إعادته، ونذكر منه هاهنا طرفًا، إنما فضل الصف الأول على غيره، والله أعلم، للقرب من سماع القرآن إذا جهر الإمام والتكبير عند تكبيره والتأمين عند فراغه من فاتحة الكتاب، وقد روى نوح بن أبى مريم قال: حدثنا زيد العمى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبى، ﵇، أنه قال: (من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذى مسلمًا أضعف الله له أجر الصف) .
٦٧ - باب إِقَامَةُ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ
/ ٩٨ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ. . . .) ، الحديث، (وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاةِ) .
стр. 809
/ ٩٩ - وفيه: أَنَسِ، قَالَ النَّبِيِّ، ﵇: (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاةِ) . هذا الحديث يدل أن إقامة الصفوف سنة مندوب إليها، وليس بفرض؛ لأنه لو كان فرضًا لم يقل، ﵇، فإن إقامة الصفوف من حسن الصلاة؛ لأن حسن الشىء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب، ودل هذا على أن قوله فى حديث أنس: (فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة) ، أن إقامة الصلاة قد تقع على السنة كما تقع على الفريضة.
٦٨ - باب إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ
/ ١٠٠ - فيه: أَنَسِ: أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ؟ فقَالَ: (مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلا أَنَّكُمْ لا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ) . لما كان تسوية الصف من السنة المندوب إليها التى يستحق فاعلها المدح عليها، دل ذلك أن تاركها يستحق الذم والعتب كما قال أنس، رحمة الله عليه، غير أن من لم يقم الصفوف لا إعادة عليه؛ ألا ترى أن أنسًا لم يأمرهم بإعادة الصلاة.
٦٩ - باب إِلْزَاقِ الْمَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ، وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ فِي الصَّفِّ
قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ: ورَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ. / ١٠١ - فيه: أَنَسِ قَال النَّبِيِّ ﷺ : (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ) .
стр. 810
هذه الأحاديث تفسر قوله ﵇: (تراصُّوا فى الصف) ، وهذه هيئة التراص، وفيه: أن الكعب هو العظم الناتئ فى أثر الساق ومؤخر القدم، كما قال أهل المدينة؛ لأنه لو كان الكعب فى مقدم القدم كما قال أهل الكوفة لما تمكن أن يلزق أحدهم كعبه بكعب صاحبه، وهذا يدل على أن الكعبين اللذين جعلهما الله غاية فى غسل القدمين هما المذكوران فى حديث النعمان بن بشير، وقد تقدم هذا فى كتاب الطهارة بزيادة.
٧٠ - باب الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا
/ ١٠٢ - فيه: أَنَسِ قَالَ: (صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﵇، وَأُمِّي خَلْفَنَا أُمُّ سُلَيْمٍ) . فى هذا الحديث من الفقه: أن سنة النساء القيام خلف الرجال، ولا يقمن معهم فى صف؛ لأن الفتنة تخشى منهن. قال المهلب: وكذلك إن كُنَّ عجائز أو ذوات محارم للرجال، فلا يصطففن مع الرجال، وأن صفوفهن وراء صفوف الرجال، إلا أنه إن صلت المرأة إلى جنب رجل تمت صلاتهما عند مالك، والشافعى، والأوزاعى. وعند الكوفيين تمت صلاة المرأة وفسدت صلاة الرجل، واحتجوا بأنها وقفت فى غير محلها، كما أن من صلى قدام الإمام صلى فى
стр. 811
غير محله، ففسدت صلاته، فجاوبهم أهل المقالة الأولى، وقالوا: صلاته عندنا صحيحة إذا صلى قدام الإمام، كما لو وقف على يساره، وعلى هذا الحساب كان ينبغى أن تبطل صلاة المرأة دون الرجل؛ لأنها وقفت فى غير محلها فلما قلتم أن صلاة المرأة صحيحة، كانت صلاة الرجل أولى أن تصح؛ لأنه وقف فى محله، ووقفت هى فى غير محلها، وهذا يرد قول أحمد، وإسحاق أن من صلى خلف الصف وحده بطلت صلاته، وإن كانت امرأة صحت صلاتها، وذلك لأنه لما صحت صلاة أم أنس وحدها خلف الصف، وكانت صفا كان الرجل أولى بذلك، وإلى هذا المعنى أشار البخارى فى ترجمته، وفى هذا الحديث حجة على الكوفيين. وقولهم: أنه إذا كان مع الإمام رجلان قام وسطهما، وإن كانوا ثلاثة قاموا خلفه، واحتجوا بأن ابن مسعود صلى بعلقمة والأسود وقام بينهما، وهذا الحديث بخلاف ذلك؛ لأن أنسًا ذكر أنه واليتيم صليَا خلف النبى، ﵇، وصلت أمه خلفهما، والحجة فى السنة لا فيما خالفها، وبهذا الحديث قال سائر الفقهاء. قال المهلب: وفيه أن الصبى إذا عقل الصلاة يكون فى الصف. وفيه: أن الصف من الرجال يكون من اثنين فصاعدًا، وأن الصف من النساء إذا صلين مع الرجال يكون من امرأة واحدة.
стр. 812
٧١ - باب إِذَا كَانَ بَيْنَ الإمَامِ وَبَيْنَ الْقَوْمِ حَائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ
قَالَ الْحَسَنُ: لا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ نَهْرٌ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: يَأْتَمُّ بِالإمَامِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ أَوْ طَرِيقٌ، إِذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ الإمَامِ. / ١٠٣ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﵇، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، فَأَصْبَحُوا، فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ، فَقَامَ مَعَهُ نَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ، فَقَالَ: (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلاةُ اللَّيْلِ) . / ١٠٤ - وفيه: زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اتَّخَذَ حُجْرَةً - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ حَصِيرٍ - فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ، جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، وقَالَ: (قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاةِ صَلاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلا الْمَكْتُوبَةَ) . قال المؤلف: اختلف العلماء فى الإمام بينه وبين القوم طريق أو حائط، فأجازته طائفة، روى ذلك عن أنس بن مالك، وأبى هريرة، وسالم، وابن سيرين، وكان عروة يصلى بصلاة الإمام وهو فى دار بينها وبين المسجد طريق، وقال مالك: لا بأس أن يصلى وبينه وبينه طريق أو نهر صغير، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام فى إحداها تجزئهم الصلاة معه. وقال عطاء: لا بأس أن يصلى بصلاة الإمام من علمها.
стр. 813
وكرهت ذلك طائفة روى عن عمر بن الخطاب إذا كان بينه وبين الإمام طريق أو نهر أو حائط فليس معه، وكره الشعبى وإبراهيم أن يكون بينهما طريق، وزاد إبراهيم: أو نساء. وقال الكوفيون: لا تجزئه إلا أن تكون الصفوف متصلة على الطريق، وهو قول الليث، والأوزاعى، وأشهب صاحب مالك، وكذلك اختلفوا فيمن صلى فى دار محجور عليها بصلاة الإمام، فأجازه عطاء، وأبو حنيفة فى الجمعة وغيرها، وبه قال ابن نافع صاحب مالك، وجوزه مالك إذا كان يسمع التكبير إلا فى الجمعة خاصة، فلا تصح صلاتها عنده فى موضع يمنع منه فى سائر الأوقات، ولا تجوز إلا فى الجامع ورحابه. وقال الشافعى: لا يجوز أن يصلى فى موضع محجور عليه فى الجمعة وغيرها إلا أن تتصل الصفوف. وحجة من أجاز ذلك حديث عائشة، وزيد بن ثابت أنه ﵇، صلى فى حجرته وصلى الناس بصلاته، فلو لم تجزئهم لأخبرهم بذلك لأنه بُعث معلمًا. قال ابن القصار: وقد كان أزواج الرسول يصلين فى حجرهن بصلاته، وبعده بصلاة أصحابه إذا لم يمنع الحائل بين الإمام والمأموم من تكبيرة الإحرام ولا استماع التكبير لم يقدح فى الصلاة، دليله: الأعمى، ومن بينه وبين الإمام صفوف أو سارية، فلا معنى للمنع من ذلك. قال المهلب: وفى هذا الحديث جواز الائتمام بمن لم ينو أن يكون إمامًا فى تلك الصلاة؛ لأن الناس ائتموا برسول الله من وراء الحائط ولم يعتقد نية معهم على الإمامة، وهو قول مالك، والشافعى وقد تقدم.
стр. 814
٧٢ - باب إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلاةِ
/ ١٠٥ - فيه: أَنَسُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَكِبَ فَرَسًا، فصرع عنه، فَجُحِشَ شِقُّهُ. . .) ، إلى قوله: (إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كبر فكبروا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا) . / ١٠٦ - وفيه: أَبو هُرَيْرَةَ: أن رسول الله قَالَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. . .) الحديث. اختلف العلماء فى وجوب تكبيرة الإحرام، فذهب جمهور العلماء إلى وجوبه، وذهبت طائفة إلى أنه سنة وممن روى ذلك عنه: سعيد بن المسيب، والحسن البصرى، والحكم، والزهرى، والأوزاعى، وقالوا: إن تكبيرة الركوع تجزئه من تكبيرة الإحرام، وروى عن مالك فى المأموم ما يدل على أنه سنة، قال فى (الموطأ) فى رجل دخل مع الإمام فنسى تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع حتى صلى ركعة، فذكر أنه لم يكن كبر للافتتاح ولا للركوع، وكبر فى الركعة الثانية، فقال: يبتدئ صلاته أحب إلى. وروى عنه ابن القاسم فى (المدونة) ، أن المأموم إن نسى تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع ينوى بها للإحرام، أجزأه، وإن لم ينو إحرامًا تمادى وأعاد احتياطًا للاختلاف، وذلك أنها لا تجزئه عند ربيعة، وتجزئه عند ابن المسيب، فوجه قوله فى الموطأ: يبتدئ أحب إلىّ، يدل على ما قال فى المدونة: إذا تمادى أجزأه، غير أنه قال: يعيد احتياطًا للصلاة، ولم يختلف قوله فى المنفرد والإمام أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحد منهما، وأن من نسيها منهم يستأنف صلاته.
стр. 815
وحجة الذين أوجبوا تكبيرة الإحرام: قوله ﵇: (فإذا كبر فكبروا) ، فذكر تكبير الإحرام دون غيره من سائر التكبير، وقد أجمعوا أن من ترك سائر التكبير غير تكبير الإحرام أن صلاته جائزة، فدل ذلك على أن سائر التكبير غير تكبيرة الإحرام ليس بلازم، واحتجوا أيضًا على ذلك بما رواه الثورى، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن على أن رسول الله قال: (تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم) ، وكان أحمد وإسحاق يحتجان بهذا الحديث. وحجة الذين رأو تكبيرة الإحرام سنة: إجماعهم أن من ترك التكبير كله ما عدا الإحرام أن صلاته تامة قالوا: وكذلك تكبير الإحرام مثل تكبير سائر الصلوات فى القياس؛ لأن التكبير معناه كله واحد فى أنه إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة. واختلفوا: هل يجزئ افتتاح الصلاة بالتسبيح والتهليل مكان التكبير؟ فقال مالك، وأبو يوسف، والشافعى، وأحمد، وإسحاق: لا يجزئ إلا (الله أكبر) ، وأجاز الشافعى (الله أكبر) . وقال الكوفيون: يجزئ من التكبير ما قام مقامه من تعظيم الله وذكره. وحجة مالك ومن وافقه: قوله ﵇: (وإذا كبر فكبروا) ، يدل أنه لابد من لفظة التكبير، ومن زعم غير ذلك فعليه الدليل.
٧٣ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأولَى فِى الافْتِتَاحِ سَوَاءً
/ ١٠٧ - فيه: ابْنِ عمر: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ
стр. 816
أَيْضًا، وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ) . وترجم له: رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع. وترجم له: إلى أين يرفع يديه. وقال أبو حميد: رفع النبى يديه حذو منكبيه. اختلف العلماء فى رفع اليدين فى الصلاة، فذهبت طائفة إلى رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح خاصة، روى ذلك عن عمر، وعلى، وابن مسعود، وابن عباس، وهو قول الثورى، وأبى حنيفة، ورواه ابن القاسم عن مالك. وذهبت طائفة إلى رفع اليدين عند كل رفع وخفض، قال عطاء: رأيت أبا سعيد الخدرى، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، يرفعون أيديهم عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند رفع الرأس منه، وكان أنس يفعله، وفعله أبو حميد الساعدى فى عشرة من الصحابة، وهو قول الأوزاعى، رواه ابن وهب، وأبو مصعب عن مالك، وإليه ذهب الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، واحتجوا بحديث ابن عمر. واحتج أهل المقالة الأولى بما رواه سفيان، عن يزيد بن أبى زياد، عن ابن أبى ليلى، عن البراء بن عازب قال: (كان النبى، ﵇، إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع يديه، ثم لا يعود) ، وبما رواه سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، (أن النبى، ﵇، كان يرفع يديه فى أول تكبيرة ثم لا يعود) ، قالوا: وقد خالف ابن عمر روايته فى ذلك عن الرسول. قال الطحاوى: وذلك ما حدثنا ابن أبى
стр. 817
داود، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر ابن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: (صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا فى التكبيرة الأولى من الصلاة خاصة) ، فلم يترك ابن عمر الرفع فى خفض ورفع، وقد رأى الرسول يفعله، إلا وقد فهم أن ذلك من فعله على الإباحة والتخيير، يدل على ذلك ما روى مالك، عن أبى جعفر القارئ، ونعيم المجمر أنهما أخبراه أن أبا هريرة كان يصلى بهم، ويكبر كلما خفض ورفع، وكان يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، ويقول: والله إنى لأشبهكم صلاة برسول الله، فلما روى ذلك كله عن الرسول لم يكن فى ذلك شىء أولى من حمل الآثار على الإباحة إن لم يثبت فيها النسخ. والدليل على ذلك أن من رفع لم ينكر عليه من لم يرفع، غير أنه يرجح القول بفعل الخليفتين بعد النبى، ﵇، عمر، وعلى بن أبى طالب، وإن كان قد اختلف فيه عن على، فلم يختلف فيه عن عمر، قال الطحاوى: بل قد ثبت ذلك عنه، أفترى عمر خفى عليه أن نبى الله كان يرفع يديه فى الركوع، وعلم ذلك من هو دونه أو من هو معه يراه يفعل غير ما كان رسول الله يفعله ولا ينكر ذلك عليه؟ هذا محال، فهذا وجهه من طريق الآثار. قال الطحاوى: وأما وجهه من طريق النظر، فإنهم أجمعوا أن تكبيرة الافتتاح معها رفع، وأن التكبير بين السجدتين لا رفع معه، واختلفوا فى تكبيرة النهوض وتكبيرة الرفع، فقال قوم: حكمها حكم تكبيرة الافتتاح فى الرفع، وقال آخرون: حكمها حكم التكبير بين السجدتين فى أنه لا رفع فيهما كما لا رفع فيها، ورأينا تكبيرة الافتتاح
стр. 818
من صلب الصلاة، ولا تجزئ الصلاة إلا بإصابتها، فرأينا التكبير بين السجدتين ليس كذلك؛ لأنها لو تركها تارك لم تفسد صلاته، فأشبه تكبير الركوع فى ذلك لإجماعهم أن من ترك تكبير الركوع والسجود فصلاته تامة، فكانتا كهى فى أنه لا رفع فيهما كما لا رفع فيها. قال المهلب فى معنى رفع اليدين فى افتتاح الصلاة: إنما هو علم للتكبير؛ ليرى حركة اليدين من لم يسمع التكبير، فيعرف أن الإمام كبر، فيوقع إحرامه بعد إمامه، وأما غير ذلك من التكبير فهو بحركات فيستوى الناس كلهم فيها. واختلفوا إلى أين يرفع المكبر يديه، فقال مالك: يرفعهما حذو منكبيه، وهو قول الشافعى، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بحديث ابن عمر، وقال أبو حنيفة: يرفع يديه حذو أذنيه، واحتجوا بما رواه سفيان، عن يزيد بن أبى زياد، عن ابن أبى ليلى، عن البراء بن عازب قال: (كان نبى الله إذا كبر للافتتاح رفع يديه حتى تكون إبهاماه قريبًا من شحمتى أذنيه) ، ورواه مالك بن الحويرث، ووائل بن حجر عن الرسول. قال ابن القصار: فيحمل حديث ابن عمر على الاختيار وحديث البراء على الجواز. وقال الطحاوى: إنما كان الرفع إلى المنكبين فى حديث ابن عمر وقت كانت يداه فى ثيابه بدليل ما رواه شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: (أتيت النبى، ﵇، فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه إذا كبر، ثم أتيته من العام المقبل وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم فيها، وأشار شريك إلى صدره) ، فأخبر وائل أن رفعهم إلى مناكبهم إنما كان لأن أيديهم كانت فى ثيابهم، وأن رفعهم أيديهم إلى آذانهم كان حين كانت
стр. 819
أيديهم بادية، ولم يجز أن يجعل حديث ابن عمر وما أشبهه، الذى فيه الرفع إلى المنكبين، كان واليدان باديتان، لئلا تتضاد الآثار، وحملها على الاتفاق أولى، ويكون حديث وائل من رفعه إلى أذنيه فى غير حال البرد.
٧٤ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ
/ ١٠٨ - فيه: ابْنَ عُمَرَ: أنه كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَه إِلَى النَبِيِّ ﵇. ورَوَاهُ عبيد الله وأَيُّوبَ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عن نافع. والرفع عند القيام زيادة فى هذا الحديث على ما رواه ابن شهاب، عن سالم فيه، يجب قبولها لمن يقول بالرفع، وليس فى حديث ابن شهاب، ما يدفعها بل فيه ما يثبتها، وهو قوله: وكان لا يفعل ذلك بين السجدتين، فدليله أنه كان يفعلها فى كل خفض ورفع ما عدا السجود، وكان أحمد بن حنبل لا يرفع بين السجدتين، ولا عند القيام من الركعتين، وهو ممن يقول بالرفع فى كل خفض ورفع، فيمكن أن يرد عليه البخارى بهذا الحديث.
٧٥ - باب وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ
/ ١٠٩ - فيه: سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لا أَعْلَمُهُ إِلا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى رسول الله.
стр. 820
اختلف العلماء فى هذا الباب، فممن روى عنه وضع اليمنى على اليسرى فى الصلاة: أبو بكر الصديق، وعلى بن أبى طالب، وهو قول الثورى والكوفيين، وقال ابن حبيب: سألت مطرفًا، وابن الماجشون عن ذلك فقالا: لا بأس به فى المكتوبة والنافلة، وروياه عن مالك، ورواه أشهب، وابن نافع، وابن وهب، عن مالك أيضًا، وهو قول الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وهو من باب الخشوع. وقال عطاء: من شاء فعل ذلك، ومن شاء تركه، وهو قول الأوزاعى. ورأت طائفة إرسال اليدين فى الصلاة، روى ذلك عن ابن الزبير، والحسن البصرى، وسعيد بن المسيب، ورأى سعيد بن جبير رجلاً يصلى واضعًا يمينه على شماله، فذهب ففرق بينهما. وروى ابن القاسم عن مالك قال: لا أحبه فى المكتوبة ولا بأس به فى النوافل من طول القيام. وحجة أهل المقالة الأولى حديث سهل بن سعد، وقد روى ابن مسعود، ووائل بن حجر، ووالد قبيصة، عن النبى، ﵇، مثل حديث سهل بن سعد، وقال على بن أبى طالب: ذلك من السنة، وقال فى قوله تعالى: (فصل لربك وانحر) [الكوثر: ٢] ، قال: وضع اليمين على الشمال فى الصلاة تحت الصدور، وروى أن ابن عمر كان يفعله. قال ابن القصار: ووجه قول من كره ذلك أنه عمل فى الصلاة، وربما شغل صاحبه، وربما دخله ضرب من الرياء، وقد علم النبى،
стр. 821
عليه السلام، الأعرابى الصلاة ولم يأمره بوضع اليد على اليد، فإن قيل: إن وضعها من الخشوع، قيل: الخشوع لله، تعالى، الإقبال عليه والإخلاص فى الصلاة. وقوله: ينمى يعنى يرفع.
٧٦ - باب الْخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ
/ ١١٠ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا؟ ، وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ، وَلا خُشُوعُكُمْ، وَإِنِّي لأرَاكُمْ مِنْ وَرَاءَ ظَهْرِي) . / ١١١ - وفيه: أَنَسِ، قَالَ النَّبِيِّ: (أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي - وَرُبَّمَا قَالَ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي - إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ) . قال المؤلف: مدح الله تعالى، من كان خاشعًا فى صلاته مقبلاً عليها بقلبه، قال تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون) [المؤمنون: ١، ٢] ، وقال على بن أبى طالب: الخشوع فى القلب وأن لا تلتفت فى صلاتك، وقال ابن عباس: (الذين هم فى صلاتهم خاشعون (، يعنى: خائفين ساكنين. فإن قال قائل: الخشوع فرض فى الصلاة. قيل له: بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيته ويريد بذلك وجه الله ولا طاقة له فيما اعترض من الخاطر، وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: إنى لأجهز جيشى فى الصلاة، رواه حفص بن غياث، عن عاصم، عن أبى عثمان النهدى، عن عمر.
стр. 822
وروى حفص عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: إنى لأحسب جزية البحرين وأنا فى صلاتى. قال المهلب: وفى حديث هذا الباب النهى عن نقصان الركوع والسجود لتوعد الرسول لهم على ذلك. وفيه: دليل أن الطمأنينة والاعتدال فى الركوع والسجود من سنن الصلاة وليس من فروضها؛ لأن الرسول لم يأمر هؤلاء الذين قال لهم: (لم يخف على ركوعكم ولا سجودكم) ، بالإعادة، ولو كان من فروض الصلاة ما سكت عن إعلامهم بذلك؛ لأن فرضا عليه البيان لأمته، وسأذكر اختلاف العلماء فى ذلك فى باب أمر النبى الذى لا يتم ركوعه بالإعادة فى أبواب الركوع بعد هذا، إن شاء الله.
٧٧ - باب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
/ ١١٢ - فيه: أَنَسِ: (أَنَّ نَّبِيَّ الله، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاةَ بِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة ٢] ) . / ١١٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَ الرَسُولُ كان يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً - قَالَ: أَحْسِبُهُ، قَالَ: هُنَيَّةً - فَقُلْتُ: بِأَبِي أنت وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: (أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) . قال المؤلف: حديث أنس حجة لمن قال: لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فى صلاة فى أول فاتحة الكتاب، وهو قول مالك والأوزاعى.
стр. 823
وقال ابن أبى ليلى، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثورى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: هى آية من فاتحة الكتاب. ومن حجة أهل المقالة الأولى: أن الطريق إلى إثبات آية من السورة كالطريق إلى إثبات السورة بعينها، وقد حصل لنا العلم الضرورى بنقل الكافة أن الحمد سورة من القرآن ولم يقع لنا العلم الضرورى أن بسم الله الرحمن الرحيم آية منها، فلا يجوز إثبات قرآن إلا بنقل الكافة، ووجدنا أهل المدينة بأسرهم ينفون كونها من فاتحة الكتاب مع اتصال القارئ بقراءتها فى كل صلاة، وسائر الأئمة على إقامة الصلوات من لدن رسول الله إلى وقتنا هذا وليس هذا مما يُنسى أو يقع فيه قلة ضبط؛ لأن هذا أشهر من الأجناس وزكاة الخضر والمُدّ والصاع الذى يحتج به مخالفنا فى هذه المسألة على مخالفته؛ ألا ترى قول أنس أن الرسول وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وقوله: كانوا يفتتحون إخبار عن فعل دائم، وقد قال عروة بن الزبير، وعبد الرحمن الأعرج: أدركنا الأئمة وما يفتتحون الصلاة إلا بالحمد لله رب العالمين. قال الطحاوى: وقد رأيناها مكتوبة فى فواتح السور فى فاتحة الكتاب وفى غيرها وكانت فى غير فاتحة الكتاب ليست بآية، فثبت أنها أيضًا فى فاتحة الكتاب ليست بآية. وأما حديث السكتة فى حديث أبى هريرة، فإن الأوزاعى، والشافعى، وأحمد بن حنبل يقولون بها، وقال الشافعى: أحب للإمام أن يكون له سكتة بين التكبير والقراءة، ليقرأ فيها المأموم بالحمد لله رب العالمين. وقال مالك والكوفيون: لا شىء بعد التكبير إلا قراءة فاتحة الكتاب، وحديث أبى هريرة يرد العلة التى علل بها الشافعى هذه السكتة؛ لأن أبا هريرة سأل الرسول عنها فقال: أقول: (اللهم باعد
стр. 824
بينى وبين خطاياى. . .) ، الحديث، ولو كانت ليقرأ من وراء الإمام فيها لقال ﵇، إنى أسكت لكى يقرأ من ورائى: (الحمد لله رب العالمين) ، فبين ﵇ أن السكتة لغير ما قال الشافعى، واستحب أبو حنيفة، ومحمد أن يسبح بعد التكبير، وقال أبو يوسف: يسبح ويقول: (وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض) [الأنعام: ٧٩] الآية، وقال الشافعى: يقول: وجهت وجهى ولا يسبح. وقال مالك: إنما يجب التكبير، ثم القراءة ولو كانت هذه الإسكاتة مما واظب عليها النبى، ﵇، لم يخف ذلك، ولنقلها أهل المدينة عيانًا وعملاً، فيحتمل أن يكون ﵇، فعلها فى وقت ثم تركها تخفيفًا عن أمته، فتركها واسع. والهُنَيَّة: كل شىء صغير ندر من شىء، قال الفسوى: يقال: هن يهن من الدهر وهننى هنة. وقوله: هنيةً من الدهر مصروف إلى هننى. قال ثعلب: هنية، قال: وهو الأكثر فى كلامهم؛ لأنهم يؤقتون هذا الحد، فيقولون: مضت برهة من الدهر وحقبة، قال الفسوى: وقد يجوز أن يكون هنيهة، والأجود هنيّةً، فأما هنيئة فبالهمز.
٧٨ - باب رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى الإمَامِ فِي الصَّلاةِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رسول الله فِي صَلاةِ الْكُسُوفِ: (فَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ) .
стр. 825
/ ١١٤ - فيه: خَبَّابٍ: (كَنَا نعرف قراءة رَسُولُ اللَّهِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ) . / ١١٥ - وفيه: الْبَرَاءُ: (أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ الرسول، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامُوا قِيَامًا، حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ) . / ١١٦ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَصَلَّى، فقَلُنا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، قَالَ: (رَأَيتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأكَلْتُ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا) . اختلف العلماء أى موضع ينظر المصلى فى صلاته، فقال الكوفيون، والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور: ينظر إلى موضع سجوده. وروى ذلك عن إبراهيم، وابن سيرين، وقال الشافعى: هو أقرب إلى الخشوع، وقال مالك: ينظر إلى إمامه وليس عليه أن ينظر إلى موضع سجوده وهو قائم، ولا يحد فى موضع نظره حدًا، وأحاديث هذا الباب حجة لمالك. قال المهلب: لأنهم لو لم ينظروا إليه ﵇، ما رأوا تأخره حين عرضت عليه جهنم، ولا رأوا اضطراب لحيته، ولا استدلوا بذلك على قراءته، ولا نقلوا ذلك، ولا رأوا تناوله ما تناول فى قبلته حين مثلت له الجنة، ومثل هذا الحديث قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ؛ لأن الائتمام به لا يكون إلا بمراعاة حركاته فى خفضه ورفعه. قال غيره: وإنما لم يأخذ العنقود، والله أعلم، لأنه كان من طعام الجنة، وطعام الجنة لا يفنى، ولا يجوز أن يؤكل فى الدنيا إلا ما يفنى؛ لأن الله خلقها للفناء، فلا يكون فيها شىء من أمور البقاء.
стр. 826
٧٩ - بَاب رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاةِ
/ ١١٧ - فيه: أَنَسَ: قَالَ رسول الله: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ) . العلماء مجمعون على القول بهذا الحديث وعلى كراهية النظر إلى السماء فى الصلاة، وقال ابن سيرين: كان رسول الله مما ينظر إلى السماء فى الصلاة، فيرفع بصره حتى نزلت آية إن لم تكن هذه فما أدرى ما هى: (الذين هم فى صلاتهم خاشعون) [المؤمنون: ٢] ، قال: فوضع النبى رأسه. وقال شريح لرجل رآه رفع بصره ويده إلى السماء: اكفف يدك واخفض بصرك، فإنك لن تراه، ولن تناله. وذكر الطبرى عن إبراهيم التيمى أنه قال: كان يكره أن يرفع الرجل بصره إلى السماء فى الدعاء، يعنى: فى غير الصلاة.
٨٠ - بَاب الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاةِ
/ ١١٨ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ: (هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ الْعَبْدِ) . / ١١٩ - وفيه: عَائِشَةَ أَنَّ نَّبِيَّ الله صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ، فَقَالَ: (شَغَلَتْنِي أَعْلامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ) .
стр. 827
الالتفات فى الصلاة مكروه عند العلماء، وذلك أنه إذا أوما ببصره وثنى عنقه يمينًا وشمالاً ترك الإقبال على صلاته، ومن فعل ذلك فقد فارق الخشوع المأمور به فى الصلاة، ولذلك جعله النبى اختلاسًا للشيطان من الصلاة، وأما إذا التفت لأمرٍ يَعِنُّ له من أمر الصلاة أو غيرها فمباح له ذلك وليس من الشيطان، والله أعلم. وقال المهلب: قوله: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) ، هو حض على إحضار المصلى ذهنه ونيته لمناجاة ربه، ولا يشتغل بأمر دنياه، وذلك أن العبد لا يستطيع أن يخلص صلاته من الفكر فى أمور دنياه؛ لأن الرسول قد أخبر أن الشيطان يأتى إليه فى صلاته، فيقول له: اذكر كذا اذكر كذا؛ لأن موكل به فى ذلك، وقد قال ﵇: (من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له) ، وهذا لمغالبته الإنسان، فمن جاهد شيطانه ونفسه وجبت له الجنة، وقد نظر ﵇، إلى أعلام الخميصة وقال: (إنها شغلتنى) ، فهذا مما لا يستطاع على دفعه فى الأعم، وقد اختلف السلف فى ذلك فممن كان لا يلتفت فى الصلاة أبو بكر وعمر، وقال ابن مسعود: إن الله لا يزال مقبلاً على العبد ما دام فى صلاته ما لم يحدث أو يلتفت. ونهى عنه أبو الدرداء، وأبو هريرة، وقال عمرو بن دينار: رأيت ابن الزبير يصلى فى الحجر، فجاءه حجر قدامه فذهب بطرف ثوبه، فما التفت. وقال ابن أبى مليكة: إن ابن الزبير كان يصلى بالناس، فدخل سيل فى المسجد فما أنكر الناس من صلاته شيئًا حتى فرغ منها. وقال الحكم: من تأمل من يمينه أو شماله فى الصلاة
стр. 828
حتى يعرفه فليست له صلاة، وقال أبو ثور: إن التفت ببدنه كله أفسد صلاته. وقال الحسن البصرى: إذا استدبر الرجل القبلة استقبل صلاته، وإن التفت عن يمينه أو شماله مضى فى الصلاة. ورخصت فيه طائفة، فقال ابن سيرين: رأيت أنس بن مالك يشرف إلى الشىء فى صلاته ينظر إليه. وقال معاوية بن قرة: قيل لابن عمر: إن ابن الزبير إذا قام فى الصلاة لم يتحرك ولم يلتفت فقال: لكنا نتحرك ونلتفت، وكان إبراهيم يلحظ يمينًا وشمالاً، وكان ابن معقل يفعله. وقال عطاء: الالتفات لا يقطع الصلاة، وهو قول مالك، والكوفيين، والأوزاعى. وقال ابن القاسم: وإن التفت بجميع جسده لا يقطع الصلاة. والحجة لنا أن نبى الله لم يأمر منه بالإعادة حين أخبر أنه اختلاس من الشيطان، ولو وجبت فيه الإعادة لأمرنا بها؛ لأنه بعث معلمًا، كما أمر الأعرابى بالإعادة مرة بعد أخرى.
стр. 829
٨١ - باب هَلْ يَلْتَفِتُ لأمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ أَوْ يَرَى شَيْئًا أَوْ بُزَاقًا فِي الْقِبْلَةِ
وَقَالَ سَهْلٌ: الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَرَأَى النَّبِيَّ ﵇. / ١٢٠ - فيه: ابْنِ عُمَرَ: رَأَى رسول الله نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ، إِذَا كَانَ فِي الصَّلاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدكم قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلاةِ) . / ١٢١ - وفيه: أَنَسُ: (بَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلا رَسُولُ اللَّهِ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ، لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ، فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي الصَلاة، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ، أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ﷺ ) . الالتفات فيما ينوب المصلى ويحتاج إليه إذا كان خفيفًا لا يضر الصلاة عند العلماء، وقد قال النخعى: إذا دخل على الإمام السهو، فليلمح من خلفه ولينظر ما يصنع. وموضع الترجمة من حديث أنس هو أنهم التفتوا إليه ﵇، حين كشف الستر ونظر إليهم فى الصلاة، والدليل على التفاتهم إليه قول أنس: فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم، ولولا التفاتهم إليه ما رأوا إشارته. قال المهلب: وفى حديث ابن عمر أن النبى، ﵇، حَتَّ النخامة فى الصلاة، وتكلم بعد الصلاة، وقد يأتى فى بعض
стр. 830
الطرق ما يدل على أنه حَتَّها بعد انقضاء الصلاة، وكيف كان فإنه عمل يسير يجوز فى الصلاة وهو كبزاقه فى ثوبه فى الصلاة، ورد بعضه على بعض، وكإباحته البصاق تحت قدمه وحكه، وهو كله متقارب، قال المهلب: وقد أخبر ﵇، بمعنى كراهية التنخم قِبَلَ الوجه وهو أن الله قبل وجهه، فوجب أن يكون التنخم قبل الوجه سُوء أدبٍ.
٨٢ - باب وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلإمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا بِالِقرَاءَةِ وَمَا يُخَافَتُ
/ ١٢٢ - فيه: جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ هَؤُلاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لا تُحْسِنُ تُصَلِّي، فقَالَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ، فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاةَ رَسُولِ اللَّهِ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاةَ الْعِشَاءِ، فَأَرْكُدُ فِي الأولَيَيْنِ، وَأُخِفف فِي الأخْرَيَيْنِ، قَالَ: ذَلكَ الظَّنُّ بِكَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلا أَوْ رِجَالا إِلَى الْكُوفَةِ، يَسَأَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ، فقَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، فقَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لأدْعُوَنَّ بِثَلاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ مقام رِيَاءً وَسُمْعَةً،
стр. 831
فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُالْمَلِكِ بن عمير: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَت حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ فيَغْمِزُهُنَّ. / ١٢٣ - وفيه: عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قال: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ: (لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) . / ١٢٤ - وفيه: أَبو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى الرسول فَرَدَّه، وَقَالَ: (ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) ، قالها: ثلاثًا، ثم قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ. . .، الحديث. اختلف العلماء فى وجوب القراءة فى الصلاة فقال مالك، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وجمهور الفقهاء: قراءة فاتحة الكتاب للإمام والمنفرد واجبة لا تجزئ الصلاة إلا بها. وقال أبو حنيفة: الواجب فى القراءة فى الصلاة ما تناوله اسم القرآن، وذلك ثلاث آيات قصار أو آية طويلة كآية الدَّيْن، من أى سورة شاء، واحتج بقوله ﵇ للذى رده ثلاثًا: (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، قال: ولم يخص سورة من غيرها، فإذا قرأ ما تيسر عليه فقد فعل الواجب، وقال أصحابه: قوله: (لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب) ، معناه: لا صلاة كاملة، كقوله: (لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد) ؛ لإجماعهم أن صلاته جائزة فى داره أو حيث صلاها، فنفى عنه الكمال، فكذلك هاهنا.
стр. 832
قالوا: وحديث عبادة ليس على العموم؛ لأن المأموم لا تجب عليه قراءة فيما جهر فيه الإمام عند مخالفنا، ويحملها الإمام عنه فيما أسرّ فيه إذا نسيها المأموم. وحجة من أوجبها قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، فنفى أن تكون صلاة لمن لم يقرأ بها فهو على ظاهره إلا ما خصته الدلالة. وأما قوله ﵇ للذى رده ثلاثًا: (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، فهو مجمل، وحديث عبادة مفسر، والمفسر قاض على المجمل، فكأنه قال: اقرأ ما تيسر معك من القرآن، أى: اقرأ فاتحة الكتاب التى قد أعلمت أنه لا صلاة إلا بها فهى ما تيسر من القرآن. واختلفوا فى قوله ﵇: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، إن كان على العموم أو الخصوص، فقالت طائفة: هو على العموم، ويجب على المرء فى كل ركعة قراءة فاتحة الكتاب صلاها منفردًا أو مأمومًا، أو إمامًا فيما يجهر فيه الإمام أو يسر، هذا مذهب الأوزاعى، والشافعى، وأبو ثور، وإلى هذا أشار البخارى فى قوله: وجوب القراءة للإمام والمأموم. وقالت طائفة: قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، على العموم إلا أن يصلى خلف الإمام فيما يجهر فيه الإمام ويسمع قراءته، فإنه لا يقرأ لقوله: (وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) [الأعراف: ٢٠٤] ، ولا يختلف أهل التأويل أن المراد بهذه الآية سماع القرآن فى الصلاة، ومعلوم أن هذا لا يكون إلا فى صلاة الجهر؛ لأن السر لا يستمع إليه ولقوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا) ، وقد صححه أحمد بن حنبل، هذا قول مالك، وأحمد، وإسحاق.
стр. 833
وقالت طائفة: قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) ، على الخصوص، وإنما خوطب بذلك من صلى وحده، فأما من صلى مع الإمام فليس عليه أن يقرأ لا فيما جهر ولا فيما أسرّ، هذا قول الثورى، والكوفيين. واختلفوا أيضًا هل القراءة واجبة فى الصلاة كلها أو فى بعضها، فقال مالك: من ترك القراءة فى ركعة من الصبح أو فى ركعتين أو أكثر من سائر الصلوات أعاد الصلاة وتجزئه فى ترك القراءة فى ركعة من غير الصبح سجدتا السهو قبل السلام. وقال ابن الماجشون: من ترك القراءة من ركعة من الصبح أو أى صلاة كانت تجزئه سجدتا السهو. وقال ابن أبى زيد: روى عن المغيرة فيمن لم يقرأ فى الظهر إلا فى ركعة منها تجزئه سجدتا السهو قبل السلام. وقال الشافعى، وجماعة، وأحمد: القراءة واجبة على الإمام والمنفرد فى كل ركعة، والشافعى يقول ذلك فى المأموم أيضًا. وقال أبو حنيفة، والثورى: القراءة واجبة فى ركعتين من الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وليس واجبة فى باقيها، واحتجوا بأن القراءة لو كانت واجبة فى الأخريين لكان عليه أن يجمع بين فاتحة الكتاب وسورة معها كالأوليين. والحجة عليهم قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، فهو على عمومه إلا ما قامت عليه الدلالة، ولما كانت الركعة الواحدة صلاة بإجماع أن الوتر ركعة وهى صلاة، دل أن القراءة واجبة فى كل
стр. 834
ركعة بفاتحة الكتاب، وأيضًا قول جابر: كل ركعة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فلم تصل إلا وراء إمام. وأما ذكر حديث سعد فى هذا الباب فوجهه أنه لما قال: أركد فى الأوليين وأخفف فى الأخريين علم أنه أراد: أطيل القراءة فى الأوليين وأقصرها فى الأخريين؛ لأنه لا خلاف بين الأمة فى وجوب القراءة فى الركعتين الأوليين. وقوله: (أركد) ، أى: أديم القيام وأثبت فيها، والركود: الثبوت والدوام عند أهل اللغة، ومنه نهيه عن البول فى الماء الراكد، أى: الدائم. وقوله: (أحذف فى الأخريين) ، أى: أقصرهما، وأصل الحذف من الشىء النقص منه. وقوله: (لا أخرم عنها) ، أى: لا أنقص صلاتى من صلاة رسول الله، وأصل الخرم: قطع بعض وترة الأنف، يقال إذا قطع ذلك من الرجل: أخرم، والمرأة: خرماء، ثم يستعمل ذلك فى كل منتقص منه. وفى حديث سعد من الفقه: أنه من شُكى به من الولاة أنه يسأل عنه الإمام فى موضع عمله أهل الفضل منهم، ألا ترى أن عمر إنما كان يسأل عنه فى المساجد عمارها وأهل ملازمة الصلاة فيها. وفيه: أن الوالى إذا شكى به أنه يعزل إذا رأى ذلك الإمام صلاحًا له، ولمن شكا به وإن كذب عليه فى الشكاية؛ لأن سعدًا أثنى عليه أهل الكوفة خيرًا غير شيخ منهم، فعزله عمر ورأى ذلك صلاحًا للرعية والسياسة لها، لئلا يبقى عليهم أمير وفيهم من يكرهه، فيتعذب الكاره والمكروه، وربما يؤدى ذلك إلى ما تسوء عاقبته، وقول عمر لسعد: (ذلك الظن بك) ، يدل أنه لم يقبل قول الشاكى
стр. 835
عليه، وقد صرح بذلك عمر حين طعنه العلج فقيل له: أوص يا أمير المؤمنين، فقال لهم: ما أحد أحق بهذا الأمر من النفر الذين توفى رسول الله وهو عنهم راض، فسماهم ثم قال: إن أدركت الإمارة سعدًا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر، فإنى لم أعزله عن عجز ولا خيانة، ذكره البخارى فى باب مناقب عثمان، رضى الله عنه. روى الطبرى عن سعد أن الرسول دخل عليه يعوده فى مرضه بمكة، فرقاه وقال: (اللهم أصح جسمه وقلبه واكشف سقمه، وأجب دعوته) .
٨٣ - باب الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ
/ ١٢٥ - فيه: جابر بن سمرة: قال سعد: (كنت أصلى بهم صلاة رسول الله صلاتى العشى لا أخرم عنها، بحيث أركد فى الأوليين وأحذف فى الأخريين، قال عمر: ذلك الظن بك) . / ١٢٦ - وفيه: أَبو قَتَادَةَ قَالَ: (كَانَ ﵇، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، يُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأولَى مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ) . / ١٢٧ - وفيه: خَبَّاب قيل له: أَكَانَ رسول الله يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْنَا: بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذلك؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. قال المؤلف: إنما ساق البخارى هذه الآثار؛ لأنه قد روى عن ابن عباس ما يعارضها، وذلك ما روى أبو ذر، عن شعبة مولى
стр. 836
ابن عباس، عن ابن عباس أنه سأله رجل أفى الظهر والعصر قراءة؟ فقال: لا. وروى عنه عكرمة قال: قرأ رسول الله فى صلوات وسكت، فنقرأ فيما قرأ ونسكت فيما سكت، فقيل له: فلعله كان يقرأ فى نفسه، فغضب، وقال: تتهم رسول الله. قال الطحاوى: فذهب قوم إلى ما روى عن ابن عباس، فقالوا: لا نرى لأحد أن يقرأ فى الظهر والعصر البتة، وهو قول سويد بن غفلة. وقال الطبرى، قال الآخرون: فى كل صلاة قراءة، غير أنه يجزئ فيما أُمر المصلى أن يخافت فيه بالقراءة قراءته فى ركعتين منها، وله أن يسبح فى باقيها، وروى ذلك عن ابن مسعود، والنخعى، فجعل أهل هذه المقالة سكوت رسول الله على الخصوص، وقالوا: إنما سكت عن القراءة فى الأخريين، وأما الأوليين فإنه كان يقرأ فيهما؛ لأنه لا خلاف بين الجميع أنه كان يقرأ فيما يجهر فيه من الصلوات فى الأوليين قالوا: فحكم ما خافت فيه الإمام بالقراءة حكم ما جهر فيه، فى أن فى الأوليين قراءة وترك القراءة فى الأخريين، هذا قول الكوفيين. وقال آخرون: لم يكن النبى، ﵇، ترك القراءة فى شىء من صلاته، ولكنه كان يجهر فى بعض ويخافت فى بعض، هذا قول أهل الحجاز، وأحمد، وإسحاق، وأنكروا قول ابن عباس، وقالوا: قد روى عنه خلاف ذلك بإسناد أصح من إسناد الخبر عنه بإنكار القراءة فى الظهر والعصر. وقال الطبرى: وذلك ما حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشام، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (قد علمت السنة كلها، غير أنى لا أدرى
стр. 837
أكان رسول الله يقرأ فى الظهر والعصر أم لا) ، ولا يندفع العلم اليقين بغير علم. قال الطحاوى: وقد روى عن ابن عباس من رأيه خلاف ما تقدم عنه، روى إسماعيل ابن أبى خالد، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس قال: (اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب فى الظهر والعصر) ، فهذا ابن عباس قد قال من رأيه: أن المأموم يقرأ خلف الإمام فى الظهر والعصر، وقد رأينا الإمام يحمل عن المأموم ولم نر المأموم يحمل عن الإمام شيئًا، فإذا كان المأموم يقرأ فالإمام أحرى بذلك. وإذ قد صح عنه أنه قال: لا أدرى أقرأ رسول الله أم لا؟ فقد انتفى ما قال من ذلك؛ لأن غيره قد حقق قراءة رسول الله فيهما، وهو نص حديث أبى قتادة ودليل حديث خباب، وسعد وقد روى عن يحيى فى حديث أبى قتادة: أن النبى كان يقرأ فى الظهر فى الأوليين بأم القرآن وسورتين، وفى الأخريين بأم الكتاب، وهو قاطع للخلاف، ذكره البخارى فى باب يقرأ فى الأخريين بفاتحة الكتاب بعد هذا. وروى سفيان عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبى هريرة قال: (فى كل الصلاة قراءة فما أسمعنا رسول الله أسمعناكم، وما أخفاه عنا أخفيناه عنكم) . وروى شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: (كان رسول الله يقرأ فى الظهر بسبح اسم ربك الأعلى) . وحماد بن سلمة، عن سماك، عن جابر بن سمرة: (أن نبى الله كان يقرأ فى الظهر والعصر بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج) .
стр. 838
وقال الطبرى: وليس فى خبر ابن عباس إنكاره القراءة فى الظهر والعصر خلاف فيما ثبته عن النبى، ﵇، أنه قرأ فيها؛ لأن ابن عباس لم يذكر أن النبى، ﵇، قال له: لا قراءة فى الظهر والعصر، وإنما أخبر أنه سكت فيهما، وغير نكير أن يقول إذا لم يسمعه يقرأ أنه سكت، فيخبر بما كان من حاله عنده، والذى أخبر ابن عباس أن النبى لم يقرأ كان الحق عنده، والذى أخبر أنه قرأ فإنه سمع قراءته. فمن سامع منه الآية ومن سامع منه سورة، ومن سامع منه أمره بالقراءة فى الصلاة، فوجه ذلك إلى أنه أمر بالقراءة فى جميع الصلاة، ووجهه غيره إلى أنه أمر بذلك فى بعض الصلاة، ومن رآه يحرك شفتيه فى الظهر والعصر، فوجهه إلى أنه لم يحركهما إلا بقراءة القرآن، فكل أخبر بما عنده، وكل كان صادقًا عند نفسه. والمصيب عين الحق أخبر أنه كان يقرأ فى الظهر والعصر وذلك أن فى خبر أبى قتادة أنه كان يسمعهم الآية أحيانًا، فالشاهد إنما يستحق أن يسمى شاهدًا فيما أخبر عن سماع أو رؤية. فأما من أخبر أنه لم يسمع ولم ير فغير جائز أن يجعل خبره خلافًا لخبر من قال: رأيت أو سمعت؛ لأن من قال: رأيت أو سمعت فهو الشاهد، ومن قال: لم أسمع، فقد أخبر عن نفسه أنه لا شهادة عنده فى ذلك، والنفى لا يكون شهادة فى قول أحد من أهل العلم. وقال الطحاوى: وأما النظر فى ذلك، فإنا رأينا القيام والركوع والسجود فرائض لا تجزئ الصلاة إذا ترك شيئًا منها، وكان ذلك فى سائر الصلوات سواء، فرأينا القعود الأول سنة فى الصلوات كلها
стр. 839
سواء، ورأينا القعود الآخر فيه اختلاف بين الناس، منهم من يقول: هو سنة، ومنهم من يقول: هو فرض، وكل فريق منهم قد جعل ذلك فى كل الصلوات سواء، فكانت هذه الأشياء ما كان منها فرضًا فى صلاة كان كذلك فى كل الصلوات، فلما رأينا القراءة فى الصبح والمغرب والعشاء واجبة فى قول المخالف لابد منها، كان كذلك فى الظهر والعصر، وهذه حجج قاطعة على من نفى القراءة فى الظهر والعصر ويراها فرضًا فى غيرها. وفى قول أبى قتادة: وكان يسمعنا الآية أحيانًا: دليل أنه كان ذلك من فعله على القصد إليه والمداومة عليه. وفيه حجة لقول ابن القاسم أنه من جهر فيما يسر فيه أنه لا سجود عليه إذا كان يسيرًا، وروى عن مالك: إذا جهر الفذ فيما يسر فيه جهرًا خفيفًا فلا بأس به، وقد اختلف فيمن أسر فيما يجهر فيه عامدًا، وروى أشهب عن مالك أن صلاته تامة، وقال أصبغ فيمن أسر فيما يجهر فيه أو جهر فى الإسرار عامدًا: فليستغفر الله ولا إعادة عليه. وقال ابن القاسم: يعيد لأنه عابث، وقال الليث: إذا أسر فيما يجهر فيه فعليه سجود السهو، وقال الكوفيون: إذا أسر فى موضع الجهر أو جهر فى موضع السر وكان إمامًا سجد لسهوه، وإن كان وحده فلا شىء عليه، وإن فعله عامدًا فقد أساء وصلاته تامة، وقال ابن أبى ليلى: يعيد بهم الصلاة إذا كان إمامًا، وقال الشافعى: ليس فى ترك الجهر والإسرار سجود.
стр. 840
قال المؤلف: ومن لم يوجب السجود فى ذلك أشبه بدليل هذا الحديث؛ لأنه لما كان السر والجهر من سنن الصلاة وكان ﵇، قد جهر فى بعض صلاة السِّرِّ ولم يسجد لذلك كان كذلك حكم الصلاة إذا جهر فيها؛ لأنه لو اختلف الحكم فى ذلك لبينه ﵇، ووجب بالدليل الصحيح أن يكون إذا أسرَّ فيما يجهر فيه أيضًا لا يلزمه سجود، إذ السرُّ والجهر فى المعنى سواء، ولا وجه لتفريق الكوفيين بين حكم الإمام والمنفرد فى ذلك؛ إذ لا حجة لهم فى كتاب ولا سنة ولا نظر. وفيه: أن الحكم فى السر أن يسمع الإنسان نفسه، وفى حديث خباب الحكم بالدليل؛ لأنهم حكموا باضطراب لحيته ﵇، أنه كان يقرأ.
٨٤ - باب الْقِرَاءَةِ فِي الْعَصْرِ
/ ١٢٨ - فيه: حديث خباب، وأبى قتادة المتقدمين فى الباب قبل هذا. وقد تقدم الكلام فى معنى هذا الباب فأغنى عن إعادته، غير أنا نذكر فى هذا الباب من قرأ فى الظهر والعصر من السلف. روى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، وأبى الدرداء، وخباب، وعبد الله بن مغفل، وعبد الله بن عمر، وأبى هريرة، وعائشة، رضى الله عنهم أجمعين. وقال أبو العالية: العصر على النصف من الظهر، وقال إبراهيم: تضاعف الظهر على العصر أربع مرات، وقال الحسن البصرى: القراءة فى الظهر والعصر سواء، وقال حماد: القراءة فى الظهر والصبح سواء.
стр. 841
٨٥ - باب الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ
/ ١٢٩ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ: (إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ: (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ) . / ١٣٠ - وفيه: مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ: أَن زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ له: مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ المفصل، وَقَدْ سَمِعْتُ الرسول يَقْرَأُ بِطُولَ الطُّولَيَيْنِ. وترجم له: (باب الجهر فى المغرب) . / ١٣١ - فيه: جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يقَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ) . قال الطحاوى: ذهب قوم إلى الأخذ بحديث أم الفضل وجبير بن مطعم، وزيد بن ثابت وقلدوها، وخالفهم فى ذلك آخرون وقالوا: لا ينبغى أن يقرأ فى المغرب إلا بقصار المفصل، وقالوا: قد يجوز أن يكون يريد بقوله: قرأ بالطور، قرأ ببعضها وذلك جائز فى اللغة، يقال: فلان يقرأ: إذا قرأ بشىء منه. والدليل على صحة ذلك ما روى هشيم عن الزهرى، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قدمت على النبى لأكلمه فى أسارى بدر فانتهيت إليه، وهو يصلى بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقول: (إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع) [الطور: ٧، ٨] ، فكأنما صدع قلبى.
стр. 842
فبين هشيم القصة على وجهها، وأخبر أن الذى سمعه) إن عذاب ربك لواقع (لا أنه سمع الطور كلها، وكذلك قول زيد بن ثابت لمروان: لقد سمعت رسول الله يقرأ بطول الطوليين، يجوز أن يكون قرأ ببعضها، والدليل على ذلك ما رواه حماد عن أبى الزبير، عن جابر أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون. وروى حماد، عن ثابت، عن أنس قال: (كنا نصلى المغرب مع النبى، ﵇، ثم يرمى أحدنا فيرى مواقع نبله) ، فلما كان هذا وقت انصراف رسول الله من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك، وقد قرأ فيها الأعراف أو نصفها. قال المؤلف: وقد جاء هذا بينًا فى حديث عائشة أن الرسول قرأ فى صلاة المغرب بسورة الأعراف فَرَّقَهَا فى ركعتين، خرجه النسائى من حديث شعيب بن أبى حمزة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قال الطحاوى: وقد أنكر الرسول على معاذ بن جبل حين صلى العشاء بالبقرة وقال له: (أفتان أنت، اقرأ بسورة والليل إذا يغشى، والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، والشمس وضحاها) ، وكره له أن يقرأ فى العشاء مع سعة وقتها، فصلاة المغرب مع ضيق وقتها أحرى بذلك. فإن قال قائل: فهل روى عنه ﵇ أنه قرأ فى المغرب بقصار المفصل؟ . قيل: نعم، روى ابن أبى شيبة عن زيد بن الحباب قال: حدثنا الضحاك بن عثمان قال: حدثنا بكير بن الأشج، عن سليمان
стр. 843
بن يسار، عن أبى هريرة، قال: كان رسول الله يقرأ فى المغرب بقصار المفصل. وروى الشعبى عن ابن عمر: أن رسول الله قرأ فى المغرب بالتين والزيتون، فهذا أبو هريرة يخبر عن النبى أنه كان يقرأ فى المغرب بقصار المفصل، فلو حملنا حديث ابن جبير، وزيد بن ثابت على ما حمله المخالف لتضادت تلك الآثار وحديث أبى هريرة هذا، وإن حملناه على ما ذكرنا ائتلفت، وأولى أن نحمل الآثار على الاتفاق لا على التضاد، فينبغى على هذا أن يقرأ فى المغرب بقصار المفصل وهو قول مالك، والكوفيين، والشافعى، وجمهور العلماء. وأما طول الطوليين، فإن العلماء قالوا: هى سورة الأعراف، ذكر ذلك النسائى فى حديث زيد بن ثابت من رواية ابن وهب، ومن رواية ابن جريج. وقال أبو سليمان الخطابى: طولى تأنيث أطول، والطوليين تثنية الطولى يريد أنه كان يقرأ فيها بأطول السورتين يعنى الأنعام والأعراف. قال غيره: فإن قيل: هى البقرة لأنها أطول السبع الطوال. قيل: لو أراد البقرة لقال: بطول الطول، فلما لم يقل ذلك دل أنه أراد الأعراف، وهى أطول السور بعد البقرة، ويحتمل أن يكون قرأها فى الركعتين من المغرب؛ لأنه لم يذكر أنه قرأ معها غيرها. وفى حديث جبير من الفقه: أن شهادة المشرك بعد إسلامه مقبولة فيما علمه قبل إسلامه؛ لأن جبيرًا كان يوم سمع رسول الله مشركًا، قدم فى أسارى بدر.
стр. 844
٨٦ - بَاب الْجَهْرِ فِي الْعِشَاءِ
/ ١٣٢ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ: أنه قَرَأ فِى الْعَتَمَةَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، فَسَجَدَ، فَقيل لَهُ: فَقَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. / ١٣٣ - وفيه: الْبَرَاءَ: (أَنَّ الرسول كَانَ فِي سَفَرٍ، فَقَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) . وترجم لحديث البراء: باب (القراءة فى العشاء بالسجدة) ، وباب (القراءة فى العشاء) . سنة العشاء الجهر بها كالمغرب سواء، وقراءته ﵇، فيها بإذا السماء انشقت، وبالتين والزيتون، يدل أنه لا توقيت فى القراءة فى الصلوات لا يجزئ غيره، إلا أنه حين قرأ فى العشاء بالتين والزيتون كان فى سفر، وأما فى الحضر فإنه كان يقرأ: (إذا السماء انشقت) ، ونحوها، وأطول منها، وقد قرأ عمر بن الخطاب فى إحدى الركعتين بالتين والزيتون، وترجم لحديث البراء: باب القراءة فى العشاء بالسجدة، وكتب إلى أبى موسى الأشعرى: اقرأ بالناس فى العشاء الآخرة بوسط المفصل، روى سليمان بن يسار، عن أبى هريرة، عن الرسول مثله، وهو قول عمر بن عبد العزيز، واختاره أشهب، وقرأ فيها عثمان بن عفان بالنجم، وقرأ ابن عمر بالذين كفروا والفتح، وهى أطول المفصل، وروى على بن زياد، عن مالك قال: يقرأ فيها بالحاقة ونحوها. وأجاز العلماء للمسافر إذا أعجله أصحابه أو استغيث به
стр. 845
لميت يموت أن يقرأ سورة قصيرة، كما قرأ الرسول بالتين والزيتون فى السفر، وهو قول مالك، وقد قرأ أبو هريرة فى العشاء بالعاديات، ويحتمل أن يكون فى سفر أو يكون أعجلته حاجة لذلك، والله أعلم. وأما القراءة بالسجدة فى العشاء وسائر المكتوبات فأجازه من العلماء من قال بالسجود فى المفصل، وقد اختلفت الرواية عن مالك فى ذلك، ففى المدونة: كره مالك للإمام ان يتعمد قراءة سورة فيها سجدة، لئلا يخلط على الناس، فإن قرأها فليسجد، وأكره أن يتعمدها الفذ، وروى عنه أشهب أنه إذا كان مع الإمام قليل من الناس لا يخاف أن يخلط عليهم فلا بأس بذلك، وروى عنه ابن وهب أنه قال: لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة فى الفريضة.
٨٧ - باب يُطَوِّلُ فِي الأولَيَيْنِ، وَيَحْذِفُ فِي الأخْرَيَيْنِ
/ ١٣٤ - فيه: جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الصَّلاةِ، قَالَ: أَمَّا أَنَا، فَأَمُدُّ فِي الأولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الأخْرَيَيْنِ، وَلا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّي بِكَ. قال الطبرى: فيه البيان أن السنة من الرسول مضت فى صلاة الفريضة أن تكون الركعتان الأوليان أطول من الأخريين أو ركعته الآخرة إن كانت المغرب، وذلك أن سعدًا أخبر عمر أنه يركد فى الأوليين
следующие страницы →