Полный текст (5 502 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
٨٥ - باب الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ
/ ١٢٩ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ: (إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ: (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ) . / ١٣٠ - وفيه: مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ: أَن زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ له: مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ المفصل، وَقَدْ سَمِعْتُ الرسول يَقْرَأُ بِطُولَ الطُّولَيَيْنِ. وترجم له: (باب الجهر فى المغرب) . / ١٣١ - فيه: جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يقَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ) . قال الطحاوى: ذهب قوم إلى الأخذ بحديث أم الفضل وجبير بن مطعم، وزيد بن ثابت وقلدوها، وخالفهم فى ذلك آخرون وقالوا: لا ينبغى أن يقرأ فى المغرب إلا بقصار المفصل، وقالوا: قد يجوز أن يكون يريد بقوله: قرأ بالطور، قرأ ببعضها وذلك جائز فى اللغة، يقال: فلان يقرأ: إذا قرأ بشىء منه. والدليل على صحة ذلك ما روى هشيم عن الزهرى، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قدمت على النبى لأكلمه فى أسارى بدر فانتهيت إليه، وهو يصلى بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقول: (إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع) [الطور: ٧، ٨] ، فكأنما صدع قلبى.
стр. 842
فبين هشيم القصة على وجهها، وأخبر أن الذى سمعه) إن عذاب ربك لواقع (لا أنه سمع الطور كلها، وكذلك قول زيد بن ثابت لمروان: لقد سمعت رسول الله يقرأ بطول الطوليين، يجوز أن يكون قرأ ببعضها، والدليل على ذلك ما رواه حماد عن أبى الزبير، عن جابر أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون. وروى حماد، عن ثابت، عن أنس قال: (كنا نصلى المغرب مع النبى، ﵇، ثم يرمى أحدنا فيرى مواقع نبله) ، فلما كان هذا وقت انصراف رسول الله من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك، وقد قرأ فيها الأعراف أو نصفها. قال المؤلف: وقد جاء هذا بينًا فى حديث عائشة أن الرسول قرأ فى صلاة المغرب بسورة الأعراف فَرَّقَهَا فى ركعتين، خرجه النسائى من حديث شعيب بن أبى حمزة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قال الطحاوى: وقد أنكر الرسول على معاذ بن جبل حين صلى العشاء بالبقرة وقال له: (أفتان أنت، اقرأ بسورة والليل إذا يغشى، والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، والشمس وضحاها) ، وكره له أن يقرأ فى العشاء مع سعة وقتها، فصلاة المغرب مع ضيق وقتها أحرى بذلك. فإن قال قائل: فهل روى عنه ﵇ أنه قرأ فى المغرب بقصار المفصل؟ . قيل: نعم، روى ابن أبى شيبة عن زيد بن الحباب قال: حدثنا الضحاك بن عثمان قال: حدثنا بكير بن الأشج، عن سليمان
стр. 843
بن يسار، عن أبى هريرة، قال: كان رسول الله يقرأ فى المغرب بقصار المفصل. وروى الشعبى عن ابن عمر: أن رسول الله قرأ فى المغرب بالتين والزيتون، فهذا أبو هريرة يخبر عن النبى أنه كان يقرأ فى المغرب بقصار المفصل، فلو حملنا حديث ابن جبير، وزيد بن ثابت على ما حمله المخالف لتضادت تلك الآثار وحديث أبى هريرة هذا، وإن حملناه على ما ذكرنا ائتلفت، وأولى أن نحمل الآثار على الاتفاق لا على التضاد، فينبغى على هذا أن يقرأ فى المغرب بقصار المفصل وهو قول مالك، والكوفيين، والشافعى، وجمهور العلماء. وأما طول الطوليين، فإن العلماء قالوا: هى سورة الأعراف، ذكر ذلك النسائى فى حديث زيد بن ثابت من رواية ابن وهب، ومن رواية ابن جريج. وقال أبو سليمان الخطابى: طولى تأنيث أطول، والطوليين تثنية الطولى يريد أنه كان يقرأ فيها بأطول السورتين يعنى الأنعام والأعراف. قال غيره: فإن قيل: هى البقرة لأنها أطول السبع الطوال. قيل: لو أراد البقرة لقال: بطول الطول، فلما لم يقل ذلك دل أنه أراد الأعراف، وهى أطول السور بعد البقرة، ويحتمل أن يكون قرأها فى الركعتين من المغرب؛ لأنه لم يذكر أنه قرأ معها غيرها. وفى حديث جبير من الفقه: أن شهادة المشرك بعد إسلامه مقبولة فيما علمه قبل إسلامه؛ لأن جبيرًا كان يوم سمع رسول الله مشركًا، قدم فى أسارى بدر.
стр. 844
٨٦ - بَاب الْجَهْرِ فِي الْعِشَاءِ
/ ١٣٢ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ: أنه قَرَأ فِى الْعَتَمَةَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، فَسَجَدَ، فَقيل لَهُ: فَقَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. / ١٣٣ - وفيه: الْبَرَاءَ: (أَنَّ الرسول كَانَ فِي سَفَرٍ، فَقَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) . وترجم لحديث البراء: باب (القراءة فى العشاء بالسجدة) ، وباب (القراءة فى العشاء) . سنة العشاء الجهر بها كالمغرب سواء، وقراءته ﵇، فيها بإذا السماء انشقت، وبالتين والزيتون، يدل أنه لا توقيت فى القراءة فى الصلوات لا يجزئ غيره، إلا أنه حين قرأ فى العشاء بالتين والزيتون كان فى سفر، وأما فى الحضر فإنه كان يقرأ: (إذا السماء انشقت) ، ونحوها، وأطول منها، وقد قرأ عمر بن الخطاب فى إحدى الركعتين بالتين والزيتون، وترجم لحديث البراء: باب القراءة فى العشاء بالسجدة، وكتب إلى أبى موسى الأشعرى: اقرأ بالناس فى العشاء الآخرة بوسط المفصل، روى سليمان بن يسار، عن أبى هريرة، عن الرسول مثله، وهو قول عمر بن عبد العزيز، واختاره أشهب، وقرأ فيها عثمان بن عفان بالنجم، وقرأ ابن عمر بالذين كفروا والفتح، وهى أطول المفصل، وروى على بن زياد، عن مالك قال: يقرأ فيها بالحاقة ونحوها. وأجاز العلماء للمسافر إذا أعجله أصحابه أو استغيث به
стр. 845
لميت يموت أن يقرأ سورة قصيرة، كما قرأ الرسول بالتين والزيتون فى السفر، وهو قول مالك، وقد قرأ أبو هريرة فى العشاء بالعاديات، ويحتمل أن يكون فى سفر أو يكون أعجلته حاجة لذلك، والله أعلم. وأما القراءة بالسجدة فى العشاء وسائر المكتوبات فأجازه من العلماء من قال بالسجود فى المفصل، وقد اختلفت الرواية عن مالك فى ذلك، ففى المدونة: كره مالك للإمام ان يتعمد قراءة سورة فيها سجدة، لئلا يخلط على الناس، فإن قرأها فليسجد، وأكره أن يتعمدها الفذ، وروى عنه أشهب أنه إذا كان مع الإمام قليل من الناس لا يخاف أن يخلط عليهم فلا بأس بذلك، وروى عنه ابن وهب أنه قال: لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة فى الفريضة.
٨٧ - باب يُطَوِّلُ فِي الأولَيَيْنِ، وَيَحْذِفُ فِي الأخْرَيَيْنِ
/ ١٣٤ - فيه: جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الصَّلاةِ، قَالَ: أَمَّا أَنَا، فَأَمُدُّ فِي الأولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الأخْرَيَيْنِ، وَلا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّي بِكَ. قال الطبرى: فيه البيان أن السنة من الرسول مضت فى صلاة الفريضة أن تكون الركعتان الأوليان أطول من الأخريين أو ركعته الآخرة إن كانت المغرب، وذلك أن سعدًا أخبر عمر أنه يركد فى الأوليين
стр. 846
ويخفف فى الأخريين وأنه مُقْتد برسول الله فى ذلك، فإذا كان كذلك فالذى ينبغى لكل مصل مكتوبة أن يفعل كذلك. فإن قيل: أفرأيت إن خالف ذلك فأطال فى ركعتيه الأخريين وخفف فى الأوليين. قيل: نقول: إنه خالف فى ذلك سنة الصلاة غير أن صلاته ماضية لا خلاف بين الجميع فى جوازها، ولو لم يقرأ فى جميعها إلا فاتحة الكتاب، وذلك تسوية بين جميعها فى التخفيف، فإذا كان ذلك غير مفسدها فالواجب أن تكون المخالفة بينهما بإطالة الأخريين وتخفيف الأوليين غير مفسدها. وفى (المختصر) ، عن مالك قال: لا بأس أن يقرأ فى الثانية بأطول من قراءته فى الأولى، وقال الطحاوى: ذهب الثورى ومحمد إلى أنه يطيل فى الركعة الأولى من الصلوات كلها. وفى (الواضحة) قال: والصبح والظهر نظيرتان فى طول القراءة ويستحب أن تكون الركعة الأولى أطول. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يطول الركعة الأولى من صلاة الفجر على الثانية، وركعتا الظهر سواء، قال الطحاوى: ولم نجد فى ذلك عن مالك نصًا، وتقدير القراءة يدل أنه كان يرى التسوية دون التفضيل، وحديث سعد يدل على تسوية الأوليين من الظهر والعصر، وقد ذكر البخارى فى باب (القراءة فى الظهر) ، حديث أبى قتادة أن نبى الله كان يقرأ فى الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب، وسورتين يطول فى الأولى ويقصر فى الثانية وهو فى العصر كذلك، وهو الحجة للثورى ومحمد أن الركعة الأولى فى كل الصلوات أطول
стр. 847
من الثانية، وهو رد لقول أبى حنيفة، وأبى يوسف أن ركعتا الظهر سواء. وقوله: لا آلو: لا أقصر، تقول العرب: ما آليت فى حاجتك وما آلوتك نصحًا: ما قصرت بك عن جهدى، فى كتاب الأفعال.
٨٨ - باب الْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ
وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قَرَأَ رسول الله بِالطُّورِ. / ١٣٥ - وفيه: أبو بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ، قَالَ: (كَانَ رسول الله يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ، وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ، فَيَبصر جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا، مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ) . / ١٣٦ - وفيه: أَبَو هُرَيْرَةَ قال: فِي كُلِّ صَلاةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَاه عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ. اتفق العلماء على أن أطول الصلوات قراءة الفجر، وبعدها الظهر إلا أن البخارى لم يدخل غير حديث أبى برزة: أن نبى الله كان يقرأ فى الصبح ما بين الستين إلى المائة، وذكر عن أم سلمة: (أن الرسول قرأ
стр. 848
بالطور) ، وذكره فى الباب بعد هذا، وذكر فيه ابن عباس: (أنه ﵇ قرأ: قل أوحى) ، وذكر ابن أبى شيبة: سماك، عن جابر بن سمرة: (أن قراءة الرسول فى الفجر كانت ب (قاف) ، ونحوها) . واختلفت الآثار عن الصحابة فى ذلك، فروى عن أبى بكر الصديق أنه قرأ بسورة البقرة فى الركعتين. وعن عمر بن الخطاب: أنه قرأ بيونس وبهود، وقرأ عثمان بيوسف وبالكهف، وقرأ على بالأنبياء، وقرأ عبد الله بسورتين الآخرة منها بنو إسرائيل، وقرأ معاذ بالنساء، وقرأ عبيدة بالرحمن ونحوها، وقرأ إبراهيم بياسين وأشباهها، وقرأ عمر بن عبد العزيز بسورتين من طوال المفصل. فدل هذا الاختلاف عن السلف أنهم فهموا عن الرسول إباحة التطويل والتقصير فى قراءة الفجر وأنه لا حدَّ فى ذلك لا يجوز تعديه، ويمكن والله أعلم، أن يكون من طول القراءة فيها من الصحابة علم حرص من خلفهم على التطويل وأما اليوم فينبغى التزام التخفيف؛ لأن فى الناس السقيم والكبير وذا الحاجة كما قال ﵇، لمعاذ، ألا ترى قول أبو هريرة: (إن لم تزد على أم القرآن أجزأت، فإن زدت فهو خير) ، فدل ذلك أنه لا حد فى ذلك، وقد قال مالك فى الرجل يبادر التجارة أو يستغاث به أو يدعى لميت وهو فى الصبح والظهر: أن يقرأ بالسورة القصيرة وكذلك المسافر يعجله أصحابه.
٨٩ - باب الْجَهْرِ بالقِرَاءَةِ في صَلاةِ الْفَجْرِ
وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ وَالنَّبِيُّ يُصَلِّي، وَيَقْرَأُ بِالطُّورِ.
стр. 849
/ ١٣٧ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (انْطَلَقَ رسول الله فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﵇، وَهُوَ بِنَخْلَةَ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا يَا قَوْمَنَا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) [الجن ١، ٢] ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ) [الجن ١] ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ) . / ١٣٨ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (قَرَأَ الرسول فِيمَا أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم ٦٤] : و) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب ٢١] ) . الجهر فى الفجر هى السنة وقد تقدم فى الباب قبل هذا مذاهب العلماء فى القراءة فى الفجر. فإن قال قائل: إن حديث ابن عباس يدل أن الشهب إنما رميت فى أول الإسلام من أجل استراق الشياطين السمع. قيل: رمى الشهب لم يزل قبل الإسلام وعلى مرِّ الدهور، وروى معمر وغيره عن الزهرى، عن على بن حسين، عن ابن
стр. 850
عباس فى قوله تعالى: (يجد له شهابًا رصدًا) [الجن: ٩] ، قال: (بينا الرسول جالس فى نفر من أصحابه إذ رمى بنجم فاستنار فقال: (ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا فى الجاهلية؟) قالوا: كنا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم، قال: (فإنها لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تعالى، إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح هذه السماء، ثم يستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل كل سماء حتى ينتهى الخبر إلى السماء الدنيا ويخطف الجن السمع، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه) ، قلت للزهرى: أو كان يرمى بها فى الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أرأيت قوله تعالى: (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا) [الجن: ٩] ، قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث الله النبى، ﵇ . وأما قول ابن عباس: (سكت رسول الله فيما أمر) يريد أسرَّ بما أُمِرَ، بدليل قول خباب: أنهم كانوا يعرفون قراءة رسول الله فيما أسر فيه باضطراب لحيته، فسمى السرَّ: سكوتًا، ولا يظن بالرسول أنه سكت فى صلاة صلاها؛ لأنه قد قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) .
стр. 851
٩٠ - باب الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ، وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ، وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ السَّائِبِ: (قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤْمِنُينَ فِي الصُّبْحِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ، فَرَكَعَ) . وَقَرَأَ عُمَرُ فِي الرَّكْعَةِ الأولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمَثَانِي. وَقَرَأَ الأحْنَفُ بِالْكَهْفِ فِي الأولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ الصُّبْحَ بِهِمَا. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأنْفَالِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِيمَنْ يَقْرَأُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ، أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ: كُلٌّ كِتَابُ اللَّهِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ، افْتَتَحَ بِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ بسُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لا نَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا، وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، فإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: (يَا فُلانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟) فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ: (حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ) . / ١٣٩ - فيه: أَبَو وَائِلٍ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ
стр. 852
فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رسول الله يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. اختلف العلماء فى جمع السورتين فى كل ركعة، فأجاز ذلك ابن عمر، وكان يقرأ بثلاث سور فى ركعة، وقرأ عثمان بن عفان، وتميم الدارى القرآن كله فى ركعة. وكان عطاء يقرأ سورتين فى ركعة أو سورة فى ركعتين فى المكتوبة، وقال مالك فى المختصر: لا بأس بأن يقرأ السورتين وثلاث فى ركعة، وسورة أحب إلينا ولا يقرأ بسورة فى ركعتين، فإن فعل أجزأه، وقال مالك فى المجموعة: لا بأس به وما هو من الشأن، وأجاز ذلك كله الكوفيون. وممن كره الجمع بين سورتين فى ركعة زيد بن خالد الجهنى، وأبو العالية، وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث، وأبو عبد الرحمن السلمى وقال: احظ كل سورة حظها من الركوع والسجود. وروى عن ابن عمر أنه قال: إن الله فَصَّل القرآن لتعطى كل سورة حظها من الركوع والسجود، ولو شاء لأنزله جملة واحدة، والقول الأول أولى بالصواب لحديث ابن مسعود: أن النبى، ﵇، كان يقرن بين سور المفصل سورتين فى ركعة. قال الطحاوى: وقد قال ﵇: (أفضل الصلاة طول القيام) ، فذلك حجة على من خالف ذلك، ودليل واضح أن الأفضل من الصلوات ما أطلت فيه القراءة، ولا يكون ذلك إلا بالجمع بين السور الكثيرة فى ركعة وقد فعل ذلك الصحابة والتابعون، وثبت عن
стр. 853
ابن عمر أنه فعله بخلاف ما روى عنه، وأما من جهة النظر فإنا رأينا فاتحة الكتاب تقرأ هى وسورة غيرها فى ركعة، ولا بأس بذلك، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك سائر السور. وأما القراءة بالخواتيم وبأول سورة، فروى ابن القاسم وعلى عن مالك: إذا بدأ بسورة وختم بأخرى فلا شىء عليه، وقد كان بلال يقرأ من غير سورة، وقد قرأ، ﵇، المؤمنين فى الصبح فأخذته سعلة فى ذكر عيسى فركع، وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال. وأما قراءة سورة قبل سورة ففى (المختصر) عن مالك: أنه لا بأس أن يقرأ فى الثانية بسورة قبل التى قرأ فى الأولى وقراءة التى بعدها أحب إلينا، وروى عنه ابن القاسم ذلك كله سواء ولم يزل ذلك من عمل الناس. وأما تردد سورة واحدة فى الركعتين، ففى (الواضحة) ، عن مالك: لا بأس به، وروى ابن القاسم عن مالك فى (العتبية) ، أنه سئل عن تكرير (قل هو الله أحد) فى النافلة، فكرهه وقال: هذا مما أحدثوا، ومعنى كراهته لتكريرها يريد فى ركعة واحدة يكررها مرارًا. وفى حديث أنس حجة لمن أجاز تكريرها فى الفريضة فى كل ركعة؛ لقوله ﵇ للذى كان يكررها: (حبك إياها أدخلك الجنة) ، فدل ذلك على جواز فعله ولو لم يجز لبين له ذلك؛ لأنه بعث
стр. 854
معلمًا، وقد روى البخارى مثل حديث أنس عن عائشة: (أن الرسول بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه فى صلاتهم فيختم: ب (قل هو الله أحد) ، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبى، ﵇، فقال: سلوه لأى شىء يصنع ذلك، فقال: لأنها صفة الرحمن، فقال ﵇: (فأخبروه أن الله يحبه) ، ذكره فى باب الاعتصام فى باب دعاء النبى، ﵇، أمته إلى توحيد الله، تعالى. وقد روى فى الذى كان يقرأ: قل هو الله أحد، أنه كان يرددها فى صلاة النافلة ولا يقرأ غيرها رواه الدارقطنى من حديث مالك، عن عبد الله بن أبى صعصعة، عن أبيه، عن أبى سعيد الخدرى، قال: (وحدثنى أخى قتادة بن النعمان أن رجلاً قام من الليل يقرأ: قل هو الله أحد، يرددها لا يزيد عليها، فجاء رجل إلى الرسول فأخبره، وكان يتقالها، فقال: (إنها لتعدل ثلث القرآن) . ففيه حجة لمن أجاز تكرارها فى ركعة واحدة فى النافلة. وروى وكيع، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن محمد بن كعب القرظى، قال: من قرأ فى سبحة الضحى: قل هو الله أحد، عشر مرات بنى له بيت فى الجنة. قال المهلب: وأما إنكار ابن مسعود على الرجل قراءة المفصل فى ركعة، فإنما فعل ذلك ليحضه على تدبر القرآن؛ لقوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [محمد: ٢٤] ، لا أنه لا تجوز قراءة المفصل فى ركعة، فقد تجوز قراءة القرآن بغير تدبر، وقد جاء فى الحديث:
стр. 855
أن الله جعل فى كل حرف منه عشر حسنات، فإن تدبره أعظم لأجره إلى ما لا نهاية له من تفضل الله تعالى. وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة: قول ابن مسعود: (لقد عرفت النظائر التى كان رسول الله يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين فى كل ركعة) ، فدل أن صلاته بالليل ﵇، كانت عشر ركعات، وكان يوتر بواحدة. وقوله: قرأ عمر بسورة من المثانى، فقال شيبان النحوى: المثانى: ما لم تبلغ مائة آية، وقال طلحة بن مصرف: المثانى: عشرون سورة، والمئون إحدى عشرة سورة، وروى عن ابن مسعود مثله، قال أهل اللغة: إنما سميت مثانى؛ لأنها ثنت المئين، أى: أتت بعدها، والمفصل سمى مفصلاً لكثرة السور فيه، والفصول، يعنى: بسم الله الرحمن الرحيم، عن ابن عباس.
٩١ - باب يَقْرَأُ فِي الأخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
/ ١٤٠ - فيه: أَبو قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ، عن النَّبِيَّ ﵇: (كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأولَيَيْنِ بِأُمِّ القرآن وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأخْرَيَيْنِ بِأُمِّ القرآن، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأولَى، مَا لا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ) . وقد تقدم معنى هذا الباب فى باب القراءة فى الظهر، ونزيده هاهنا بيانًا وذلك أن حديث أبى قتادة هذا من رواية همام بيّن
стр. 856
فى ردِّ قول الكوفيين ومن وافقهم أن الركعتين الأخريين إن شاء قرأ فيهما وإن شاء سبح؛ لأن همامًا بيَّن فى روايته لهذا الحديث أن النبى، ﵇، قرأ فى الركعتين الأخريين من الظهر بفاتحة الكتاب، وقال: إنه كان يسمعهم الآية أحيانًا، فثبت قول من أوجب القراءة فى كل ركعة وسقط قول من قال بالتسبيح فى الأخريين من الظهر والعصر؛ لأنه مخصوص بالسُّنَّةِ الثابتة، وأيضًا فإنه ﵇ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، ولما كانت الركعة الواحدةُ صلاةً، بإجماع أن الوتر ركعة وهى صلاة، دل أن القراءة واجبة فى كل ركعة بفاتحة الكتاب. وفيه: أن الركعتين الأوليين أطول من الأخريين فى كل صلاة؛ لأنه إذا قرأ فى الأوليين بأم القرآن وسورة، وقرأ فى الأخريين بأم القرآن وحدها، دل أن الأوليين أطول من الأخريين. وترجم له: (باب إذا أسمع الإمام الآية) ، وقد تقدم القول فيه. وترجم له: (باب يطول فى الركعة الأولى) ، وذلك بَيِّن فى الحديث.
٩٢ - باب جَهْرِ الإمَامِ بِالتَّأْمِينِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: آمِينَ، دُعَاءٌ أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةٌ. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الإمَامَ: لا تَفُتْنِي بِآمِينَ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَدَعُهُ، وَيَحُضُّهُمْ عليه، وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا.
стр. 857
/ ١٤١ - وفيه: أَبو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، قَالَ: (إِذَا أَمَّنَ الإمَامُ، فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: (آمِينَ) . اختلف العلماء فى الإمام يقول: آمين، فروى مطرف، وابن الماجشون، عن مالك أن الإمام يقول: آمين كالمأموم على حديث أبى هريرة، وهو قول أبى حنيفة، والثورى، والليث، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور. وقالت طائفة: لا يقول الإمام: آمين، وإنما يقول ذلك من خلفه، وإن كان وحده قالها، هذا قول مالك فى المدونة، وقاله المصريون من أصحابه. وحجة هذا القول قوله، ﵇: (إذا قال الإمام: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) [الفاتحة: ٧] ، فقولوا: آمين) ، قالوا: فلو كان الإمام يقول آمين، لقال ﵇: إذا قال الإمام: آمين، فقولوا: آمين، ووجدنا فاتحة الكتاب دعاء، فالإمام داع والمأموم مؤمن، وكذلك جرت العادة أن يدعو واحد ويؤمن المستمع، وقد قال تعالى فى قصة موسى وهارون: (قد أجيبت دعوتكما) [يونس: ٨٩] ، فسماهما داعيين، وإنما كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فدل ذلك أن الإمام داع بما فى فاتحة الكتاب والمأموم مستجيب؛ لأن معنى آمين فى اللغة: استجب لنا. واحتج أهل المقالة الأولى بقوله ﵇: (إذا أمن الإمام فأمنوا) ، قالوا: وذلك يدل أن الإمام يقول: آمين، ومعلوم أن قول المأموم هو: آمين فكذلك ينبغى أن يكون قول الإمام.
стр. 858
قالوا: وكذلك قول أبى هريرة للإمام: لا تسبقنى بآمين يدل أن الإمام يقول: آمين؛ ألا ترى قول ابن شهاب: كان رسول الله يقول: (آمين) . واختلفوا فى الجهر بها، فذهب الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى الجهر بها، وروى ابن وهب، وأبو مصعب عن مالك أن الإمام يُسر بها وهو قول الكوفيين، وروى ذلك عن عمر، وعلى، وابن مسعود، وعن النخعى، والشعبى، وابن أبى ليلى. وحجة من جهر بها قوله ﵇: (إذا أمن الإمام فأمنوا) ، وها يدل أنه ينبغى أن يكون قولهم بعد قوله كتكبيرهم بعد تكبيره، فلو أن الإمام يُسرُّ بها لم يمكن من وراءه أن يؤمنوا بتأمينه. وقد قال عطاء: كنت أسمع الأئمة يقولون على إثر أم القرآن: آمين، هم ومن وراءهم حتى إن للمسجد لَلَجَّة. ووجه الإخفاء بها قوله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعًا وخفية) [الأعراف: ٥٥] ، وقد مدح الله زكريا بقوله: (إذ نادى ربه نداء خفيا) [مريم: ٣] ، وقال ابن وهب: عن مالك لم أسمع فى الجهر بها للإمام إلا حديث ابن شهاب، ولم أره فى حديث غيره. واللّجة: اختلاط الأصوات، وأَلَجَّ القوم: إذا سمعت لهم لجة، أى: صوتًا، والتجت الأصوات: اختلطت، من كتاب العين. قال المؤلف: معنى قول أبى هريرة للإمام: لا تسبقنى بآمين، أى: لا تحرم فى الصلاة حتى أفرغ من الإقامة لئلا تسبقنى بقراءة أم القرآن
стр. 859
فيفوتنى التأمين معك، وهو حجة لمذهب الكوفيين لأنهم يقولون: إذا بلغ المؤذن فى الإقامة إلى قوله: قد قامت الصلاة وجب على الإمام الإحرام، والفقهاء على خلافهم، لا يرون إحرام الإمام إلا بعد تمام الإقامة وتسوية الصفوف، وقد تقدم بيان هذا فى باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة فى أبواب الأذان.
٩٣ - باب فَضْلِ التَّأْمِينِ
/ ١٤٢ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتِ الْمَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) . وقال المهلب: كان أبو محمد الأصيلى يقول فى معنى الموافقة فى هذا الحديث أن تقول الملائكة: آمين، كما يقول المصلون، ولا يراعى موافقة المؤمن؛ لأنه قد يقول القائل: وافقت فلانًا على قول كذا إذا قال مثله وسواء قاله قبله أو بعده، وإنما يأجر الله تعالى، على الاتفاق فى القول والنية لا على وقوع الكلام فى زمن واحد. قال المهلب: والذى يشتق من ظاهر هذا الحديث أن يكون قول الملائكة وقول المصلين فى زمن واحد. قال غيره: وتأمين الملائكة هو استغفارهم للمصلين ودعاؤهم أن يستجيب الله منهم كما قال تعالى: (ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلمًا فاغفر للذين تابوا) [غافر: ٧] الآية، فإذا كان تأمين العبد مع تأمين الملائكة يرتفعا إلى الله فى زمن
стр. 860
واحد، وتأمين الملائكة مجاب وشفاعتهم يوم القيامة مقبولة فيمن استشفعوا له، فلا يجوز فى تفضل الله أن يجاب الشفيع إلا وقد عم المشفوع له الغفران، والله أعلم، وهذا أولى بتأويل الحديث.
٩٤ - باب جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ
/ ١٤٣ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (إِذَا قَالَ الإمَامُ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) [الفاتحة ٧] فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: قوله: (إذا قال الإمام: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين (، فقولوا: آمين) ، خطاب للمأمومين أن يقولوا: آمين، دون الإمام قالوا: وهذا ظاهر الحديث ولم يرو للإمام قول آمين، وهى رواية ابن القاسم عن مالك. وقالت طائفة أخرى: معناه: إذا بلغ الإمام موضع التأمين وهو قوله: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين (، وقال: آمين، فقولوا: آمين. واحتجوا بما رواه معمر، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (إذا قال الإمام: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين (، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) . وبما رواه الليث، عن خالد بن يزيد، عن أبى هلال، عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبى هريرة فقرأ بأم القرآن، فلما بلغ: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين (، قال:
стр. 861
آمين، وقال الناس: آمين، فلما سلم قال: والله إنى لأشبهكم صلاة برسول الله، فهذا فعل أبى هريرة وهو راوى الحديث عن الرسول، وأقسم أنه أشبههم صلاة برسول الله، فعلى هذا ينتفى التعارض من هذا الحديث، وبين قوله: إذا أمن الإمام فأمنوا. وقد جمع الطبرى بين الحديثين فقال: ليس فى أحدهما دفع لصاحبه؛ لأن الحديثين كلاهما عن أبى هريرة، وذلك أن التأمين فى الصلاة ليس من الأمور التى لا يجوز تركها، وإنما المصلى مندوب إليه إمامًا كان أو مأمومًا، فأخبر ﵇، أن المأموم إذا أمن بعد فراغ الإمام من فاتحة الكتاب فله من الأجر ما ذكر، وكذلك إذا أمن بعد تأمين الإمام فله من الأجر مثل ذلك، وليس فى أحد الحديثين معنى يدفع ما فى الآخر، بل فى كل واحد منهما ما فى الآخر من وجه، وفيه ما ليس فى الآخر من وجه، فالذى فيه ما ليس فى الآخر أمر من خلف الإمام بالتأمين إذا أمن القارئ، والذى فى الآخر أمرٌ لهم بالتأمين إذا قال الإمام: (ولا الضالين (، وإن لم يؤمن الإمام، فذلك زيادة معنى على ما فى الحديث الآخر، وأما ما هما متفقان فيه ما لقائل ذلك من الثواب، وهذا المراد من الحديث سواء أمن الإمام أم لا. وأما جهر المأموم بالتأمين فليس بينا فى الحديث؛ لأن قوله ﵇: (فقولوا آمين) ، لا يقتضى الجهر دون السر، لكن لما كان الإمام يجهر بالتأمين، ولولا ذلك ما سمعه المأموم، وكانوا مأمورين باتباع الإمام فى فعله وجب على المأموم الجهر بها كما جهر بها الإمام، هذا وجه الترجمة.
стр. 862
وقد اختلف العلماء فى ذلك فقال عطاء، وعكرمة: لقد أتى علينا زمان إذا قال الإمام: (ولا الضالين (سمعت لأهل المسجد رجة من قولهم: آمين. وقالت طائفة: يُسرُّ بها المأموم، وقال الطبرى: والخبر بالجهر بآمين والمخافتة بها صحيحان، وقد عمل بكل واحد منهما جماعة من علماء الأمة، وذلك يدل أنه مما خيرهم رسول الله فى العمل بأى ذلك شاءوا، ولذلك لم ينكر بعضهم على بعض ما كان منهم فى ذلك، وإن كنت مختارًا خفض الصوت بها؛ إذ كان أكثر الصحابة والتابعين على ذلك.
٩٥ - باب إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
/ ١٤٤ - فيه: أَبو بَكْرَةَ: (أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﵇، وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﵇، فَقَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلا تَعُدْ) . اختلف العلماء فيمن ركع دون الصف، فروى عن زيد بن ثابت، وابن مسعود، أنهما ركعا دون الصف ومشيا إلى الصف ركوعًا، وفعله سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة، وعطاء، وقال مالك، والليث: لا بأس أن يركع الرجل وحده دون الصف ويمشى إلى الصف إذا كان قريبًا قدر ما يلحق به. وقال أبو حنيفة، والثورى: يكره للواحد أن يركع دون الصف
стр. 863
ثم يتقدم، ولا يكره ذلك للجماعة، ذكره الطحاوى، قال: وأجاز مالك، والكوفيون، والليث، والشافعى صلاة المنفرد دون الصف وحده، قال مالك: ولا يجذب إليه رجلاً، وقال الأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر: إن ركع وحده دون الصف بطلت صلاته، واحتجوا بقوله ﵇ لأبى بكرة: (زادك الله حرصًا ولا تعد) ، فدل أن صلاته غير صحيحة. قالوا: وقد قال أبو هريرة: لا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف. قال الطحاوى: وحجة أهل المقالة الأولى أن أبا بكرة ركع دون الصف، فلم يأمره النبى بإعادة الصلاة، ولو كان من صلى خلف الصف وحده لا تجزئه صلاته لكان من دخل فى الصلاة خلف الصف لا يكون داخلاً فيها، فلما كان دخول أبى بكرة فى الصلاة دون الصف دخولاً كانت صلاة المصلى كلها دون الصف صحيحة. فإن قيل: فما معنى قوله: (ولا تعد؟) . قيل: له عندنا معنيان: أحدهما: لا تعد أن تركع دون الصف حتى تقوم فى الصف كما روى ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله: (إذا أتى أحدكم إلى الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه منه) . والثانى: لا تعد أن تسعى إلى الصلاة سعيًا يحفزك فيه النفس، كما روى حماد بن سلمة، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبى
стр. 864
بكرة قال: (جئت ورسول الله راكع، وقد حفزنى النفس، فركعت دون الصف. . .) ، وذكر الحديث. قال ابن القصار: فجاء يلهث وكان ﵇، أمرهم أن يأتوا الصلاة وعليهم السكينة. قال الطحاوى: ولا يختلفون فيمن صلى وراء إمام فى صف، فخلا موضع رجل أمامه أنه ينبغى له أن يمشى إليه، وفى تقدمه من صف إلى صف هو فيما بين الصفين فى غير صف، فلم يضره ذلك ولم يخرجه من الصلاة. فلو كانت الصلاة لا تجزئ إلا لقائم فى صف لفسدت على هذا صلاته لما صار فى غير صف، وإن كان ذلك أقل القليل، كما لو أن من وقف على موضع نجس أقل القليل وهو يصلى أفسد ذلك عليه صلاته، فلما أجمعوا أنهم يأمرون هذا بالتقدم إلى ما قد خلا أمامه من الصف، ولا يفسد ذلك عليه كونه فيما بين الصفين فى غير صف، دل ذلك أن من صلى دون الصف أن صلاته تجزئه.
٩٦ - باب إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الرسول، فِيهِ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ. / ١٤٥ - فيه: عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنٍ: أنه صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ: ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ، وَكُلَّمَا وَضَعَ.
стр. 865
/ ١٤٦ - وفيه: أَبو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فَكَبِّرُ، كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ: إِنِّي لأشْبَهُكُمْ صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ. وترجم لحديث عمران: (باب إتمام التكبير فى السجود) . / ١٤٧ - وزاد فيه: (فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ) . وترجم لحديث أبى هريرة: (باب التكبير إذا قام من السجود) . / ١٤٨ - وزاد فيه: عن أَبَى هُرَيْرَةَ: (أَنَ النبى، ﵇، كان يكبر إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلاةِ كُلِّهَا، ثم يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ) . / ١٤٩ - وذكر فيه حديث عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ، فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ. قال المؤلف: هذه الآثار تدل على أن التكبير فى كل خفض ورفع لم يكن مستعملاً عندهم، ولولا ذلك ما قال عمران: ذكرنا على صلاة رسول الله، ولا قال أبو هريرة: إنى لأشبهكم صلاة برسول الله، ولا أنكر عكرمة على الذى كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، ولا نسبه إلى الحمق، وهذا يدل أن التكبير فى غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه ركن من أركان الصلاة، وقد فعله جماعة من السلف وتركه جماعة، ولم يقل أحد ممن فعله للذى لم يفعله إن صلاتك لا تتم إلا به. فممَّن كان يُتم التكبير ولا ينقصه فى الصلاة فى كل خفض ورفع: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وأبو هريرة، وابن الزبير، ومن التابعين: مكحول،
стр. 866
والنخعى، وهو قول مالك، والأوزاعى، والكوفيين، والشافعى، وأبى ثور، وعوام العلماء. وممن كان ينقص التكبير: ذكر الطبرى قال: سئل أبو هريرة: من أول من ترك التكبير إذا رفع رأسه وإذا وضعه؟ قال: معاوية. وعن عمر بن عبد العزيز، والقاسم، وسالم، وابن سيرين، وسعيد بن جبير مثله، واحتجوا بما رواه شعبة عن الحسن بن عمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: صليت خلف النبى فكان لا يتم التكبير، وكان ابن عمر ينقص التكبير، قال مسعر: إذا انحط بعد الركوع للسجود لم يكبر، وإذا أراد أن يسجد الثانية من كل ركعة لم يكبر، وقال سعيد بن جبير: إنما هو شىء يزين به الرجل صلاته. وقال قوم من العلماء: التكبير إنما هو إذن بحركة الإمام وليس بسنة إلا فى الجماعة، فأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر. وقال أحمد بن حنبل: كان ابن عمر لا يكبر إذا صلى وحده، واختلف أصحاب مالك فيمن ترك التكبير فى الصلاة، فقال ابن القاسم: من أسقط ثلاث تكبيرات من الصلاة فما فوقها سجد للسهو قبل السلام، فإن لم يسجد بطلت صلاته، وإن نسى تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد السهو قبل السلام، فإن لم يفعل فلا شىء عليه. وروى عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من نسيها. وقال عبد الله بن عبد الحكم وأصبغ بن الفرج: ليس على من سها عن التكبير فى الصلاة كلها شىء إذا كبر للإحرام إلا سجود السهو، فإن لم يفعل حتى تباعد فلا شىء عليه، واختاره ابن المواز، وابن حبيب، وآثار هذا الباب تدل على صحة هذا القول، ولا سجود فيه
стр. 867
عند الشافعى، قال ابن القصار: وعلى أصل أبى حنيفة فيه السجود، وحكى الطحاوى خلاف هذا القول قال: أجمعوا أن من ترك تكبير الركوع والسجود فصلاته تامة. وقال الطبرى: الحسن بن عمران مجهول، ولا يجوز الاحتجاج به، غير أنه وإن كان كذلك فإنا لا نرى صلاة من ترك شيئًا من التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام فاسدة، وإن كان مخطئًا سنته ﵇، لإجماع سلف الأمة وخلفها أن صلاة من فعل ذلك غير فاسدة. وفى تكبير أبى هريرة كلما خفض ورفع من الفقه أن التكبير ينبغى أن يكون من الخفض والرفع من الفعل سواء، لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، فهذا قول أكثر العلماء، ذكره الطحاوى عن الكوفيين، والثورى، والشافعى، قالوا: ينحط للركوع والسجود وهو مكبر، وكذلك يفعل فى حال الرفع، وفى حال القيام من الجلسة الأولى، يكبر فى حال القيام وكذلك قال مالك، إلا فى حال القيام من الجلسة الأولى فإنه يقول: لا يكبر حتى يعتدل قائمًا، هذا قوله فى المدونة، وفى (المبسوط) : روى ابن وهب عن مالك: إن كبر بعد استوائه فهو أحب إلىَّ، وإن كبر فى نهوضه بعد ما يفارق الأرض فأرجو أن يكون فى سعة. قال الطحاوى: فأخبر فى هذا الحديث أن التكبير كان فى حال الخفض والرفع، ولما اتفقوا فى الخفض والرفع أن الذكر مفعول فيه وجب أن يكون كذلك حال القيام من الجلسة الأولى. وسأذكر وجه قول مالك أنه لا يكبر حتى يعتدل قائمًا، فى أبواب السجود فى باب يكبر وهو ينهض بين السجدتين، إن شاء الله.
стр. 868
٩٧ - باب وَضْعِ الأكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: أَمْكَنَ الرسول يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ. / ١٥٠ - فيه: مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ قال: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي، وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ، فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِينَا عَلَى الرُّكَبِ. اتفق فقهاء الأمصار على القول بهذا الحديث، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وسعد بن أبى وقاص، وابن عمر، وجماعة من التابعين، وكان عبد الله بن مسعود، والأسود بن يزيد، وأبو عبيدة يضعون أيديهم بين ركبهم إذا ركعوا، وقال ابن مسعود: هكذا فعل النبى، ﵇. قال الطحاوى: وما روى عن ابن مسعود فى ذلك منسوخ بحديث سعد؛ ألا ترى قوله: كنا نفعله فنهينا عنه، وروى شعبة عن أبى حصين، عن أبى عبد الرحمن قال: قال عمر:. . .، فقد سُنَّتْ لكم الركب، قال الطحاوى: ثم التمست ذلك من طريق النظر، فرأيت التطبيق فيه التقاء اليدين، ورأيت وضع اليدين على الركبتين فيه تفرقهما، فأردنا أن ننظر فى حكم ذلك كيف هو؟ فرأينا السنة جاءت عن الرسول بالتجافى فى الركوع والسجود، وأجمع المسلمون على ذلك، وكان ذلك تفريق الأعضاء، وكان من قام إلى الصلاة أمر أن يراوح بين قدميه، وقد روى ذلك عن ابن مسعود، وهو الذى روى التطبيق، فلما رأينا تفريق الأعضاء أولى من إلزاق بعضها إلى بعض، واختلفوا فى إلصاقها وتفريقها فى الركوع كان النظر على ذلك أن
стр. 869
يكون ما اختلفوا فيه من ذلك معطوفًا على ما أجمعوا عليه، ولما كانت السنة تفريق الأعضاء كان فيما ذكرنا أيضًا، فثبت نسخ التطبيق ووجوب وضع اليدين على الركبتين.
٩٨ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ
/ ١٥١ - فيه: حُذَيْفَةُ: أنه رَأَى رَجُلا لا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلا السُّجُودَ، قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ، مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَيْهَا. قد تقدم الكلام فى هذا الباب فى (باب الخشوع فى الصلاة) ، فأغنى عن إعادته، قال المهلب: نفى عنه الفعل بما انتفى عنه من التجويد، وهذا معروف فى لسان العرب، كما قال ﷺ : (لا يزنى الزانى وهو مؤمن) ، نفى عنه بِقِلَّةِ التجويد للإيمان اسمهُ، وكذلك قول حذيفة للرجل: ما صليت، أى: صلاة كاملة، ولو متَّ متَّ على غير فطرة محمد، وسمى الصلاة فطرة؛ لأنها أكبر عُرى الإيمان. وسأذكر اختلاف أهل العلم فيمن لم يتم الركوع فى باب أمر الرسول الذى لا يتم ركوعه بالإعادة، إن شاء الله تعالى.
٩٩ - باب اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرُّكُوعِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: رَكَعَ النَّبِيُّ ﵇، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ.
стр. 870
٠ - باب حَدِّ إِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالاعْتِدَالِ فِيهِ وَالطُّمَأْنِينَةِ
/ ١٥٢ - فيه: الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﵇، وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. قال المهلب: هذه الصفة أكمل صفات صلاة الجماعة، وأما صلاة الرجل وحده، فله أن يطول فى الركوع والسجود أضعاف ما يطول فى القيام بين السجدتين وبين الركعة والسجدة، وأما أقل ما يجزئ من ذلك فما قال ابن مسعود، قال: إذا أمكن الرجل يديه من ركبتيه، فقد أجزأه، وكانت ابنة سعد تفرط فى الركوع تطأطئًا منكرًا، قال لها سعد: إنما يكفيك إذا وضعت يديك على ركبتيك، وقاله ابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وهو قول عامة الفقهاء. وروى أبو الجوزاء عن عائشة قالت: كان النبى، ﵇، إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، كان بين ذلك. وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى: كان ﵇، لو صُبَّ بين كتفيه ماء لاستقر، وقال أبو هريرة: اتق الحنوة فى الركوع والحدبة، وهذا هو هصر الظهر. وقال صاحب (العين) : هصرت الشىء: إذا جذبته وكسرته إليك من غير بينونة، وقال صاحب (الأفعال) : هصر الشىء هصرًا: أخذ بأعلاه ليميله إلى نفسه، وهصر الأسد فريسته: كسرها.
стр. 871
١ - باب أَمْرِ الرَّسُولِ الَّذِي لا يُتِمُّ رُكُوعَهُ بِالإعَادَةِ
/ ١٥٣ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ﵇، فَقَالَ: (ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثَلاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، قَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا) . قال المؤلف: استدل بهذا الحديث جماعة من الفقهاء، فقالوا: الطمأنينة فى الركوع والسجود فرض، لا تجزئ صلاة من لم يرفع رأسه، ويعتدل فى ركوعه وسجوده ثم يقيم صلبه، وقالوا: ألا ترى أن الرسول قال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ، ثم علمه الصلاة وأمره بالطمأنينة فى الركوع والسجود، هذا قول الثورى، وأبى يوسف، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وابن وهب صاحب مالك قال: من لم يعتدل قائمًا من ركوعه حتى يسجد فلا يعتد بتلك الركعة. وفيها قول آخر، روى ابن القاسم عن مالك فى (العتبية) قال: من رفع رأسه من الركوع فلم يعتدل قائمًا حتى يسجد يجزئه ولا يعود، وقاله ابن القاسم فى كتاب سحنون، وروى ابن وهب عن مالك مثل ذلك فى (العتبية) .
стр. 872
وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن رفع رأسه من السجود، فلم يعتدل جالسًا حتى سجد: يستغفر الله ولا يعود. وذكر ابن المواز عن ابن القاسم مثله، وهو قول أبى حنيفة، ومحمد. وكذلك اختلفوا فيمن خرَّ من ركوعه ساجدًا، ولم يرفع رأسه، فروى عيسى عن ابن القاسم أنه لا يعتد بتلك الركعة، واستحب مالك أن يتمادى ويعيد الصلاة، وفى (المجموعة) روى على بن زياد، عن مالك أن من فعل ذلك ساهيًا، فليسجد قبل السلام وتجزئه تلك الركعة، وفى (الواضحة) عن ابن كنانة: تجزئه تلك الركعة، واحتج أبو عبد الله بن أبى صفرة لهذا القول أن النبى، ﵇، أمر هذا الرجل حين لم يكمل الركوع والسجود بالإعادة، ولم يأمر الذين نقصوا الركوع والسجود بالإعادة حين قال لهم: (إنى أراكم من وراء ظهرى) ، فدل ذلك من فعله أن الطمأنينة لو كانت فريضة، لما ترك الذين قال لهم: لا يخفى علىّ خشوعكم حتى يبين لهم ذلك؛ لأنه بُعث معلمًا. قال المهلب: والدليل على صحة هذا القول أنه لما أمر الذى لم يحسن صلاته بالإعادة مرة بعد أخرى، ولم يحسن قال له: والله ما أحسن غير هذا فعلِّمنى، فوصف له ﵇ هيئة الصلاة، ولم يأمره أن يعيد الصلاة التى نقصها مرة أخرى على الصفة التى علمه، ولم يقل له: لا يجزئك حتى تصلى هذه الصلاة على هذه الصفة، وإنما علمه كيف يصلى فيما يستقبل.
стр. 873
واحتج الرازى لأبى حنيفة بحديث رفاعة بن رافع فى تعليم الأعرابى أن النبى، ﵇، قال له: (ثم ارفع فاعتدل قائمًا. . .) ، وذكر الحديث قال: إذا صليت على هذا فقد أتممتها، وما أنقصت من ذلك فإنما تنقص من صلاتك، فجعلها ناقصة يدل على الجواز.
стр. 874
٢ - باب الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ
/ ١٥٤ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ ﵇، يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) . وترجم له: (باب التسبيح والدعاء فى السجود) ، وزاد فيه بعد قوله: (اللهم اغفر لى) ، (يتأول القرآن به) . قال الطحاوى: اختلف العلماء فيما يدعو به الرجل فى ركوعه وسجوده، فقالت طائفة: لا بأس أن يدعو الرجل بما أحب، وليس عندهم فى ذلك شىء موقَّت، قالوا: وقد رويت آثار كثيرة عن الرسول أنه كان يدعو بها. منها: حديث موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبى رافع، عن على بن أبى طالب قال: كان رسول الله يقول فى ركوعه: (اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربى، خشع سمعى وبصرى، ومخى وعظمى، وعصبى لله رب العالمين) ، ويقول فى سجوده: (اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وأنت ربى، سجد وجهى للذى خلقه وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين) . ومنها: حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: فقدت النبى، ﵇، ذات ليلة، فظننت أنه أتى جاريته، فالتمسته فوقعت يدى على صدور قدميه وهو ساجد، وهو يقول: (اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) . إلا أن مالكًا كره الدعاء فى الركوع، ولم يكره فى السجود، واقتصر فى الركوع على تعظيم الله تعالى، والثناء عليه، أظنه
стр. 875
ذهب إلى حديث على عن النبى، ﵇، قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه فى الدعاء) ، فجعل فى هذا الحديث الركوع لتعظيم الله، تعالى، وإن كانت قراءة القرآن أفضل من ذكر التعظيم، فلذلك ينبغى أن يكون فى كل موضع ما جعل فيه، وإن كان غيره أشرف منه. ويؤيد هذا المعنى ما روى الأعمش عن النخعى قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء. وروى ابن عيينة عن منصور بن المعتمر، عن مالك بن الحويرث، قال: (يقول الله: إذا شغل عبدى ثناؤه علىّ عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين) ، فلهذه الآثار كره مالك الدعاء فى الركوع، واستحبه فى السجود، والله أعلم. وقال أهل المقالة الأولى: تعظيم الرب والثناء عليه عند العرب دعاء، قاله ابن شهاب وهو حجة فى اللغة، وقد ثبت فى حديث عائشة المذكور فى هذا الباب الدعاء فى الركوع والسجود فلا معنى لمخالفة ذلك. وقالت طائفة: ينبغى له أن يقول فى ركوعه: سبحانك ربى العظيم ثلاثًا، وفى سجوده: سبحان ربى الأعلى ثلاثًا، واحتجوا بما رواه موسى بن أيوب عن عمه إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهنى، قال: لما نزلت: (فسبح باسم ربك العظيم) [الواقعة: ٧٤] ، قال ﵇: (اجعلوها فى ركوعكم) ، ولما نزلت: (سبح اسم ربك الأعلى) [الواقعة: ٩٦] ،
стр. 876
قال: (اجعلوها فى سجودكم) . وروى مرة إياس بن عامر، عن على بن أبى طالب، وذكر مثله، هذا قول الكوفيين، والأوزاعى، والشافعى، وأبى ثور، إلا أنهم لم يوجبوا ذلك، وقالوا: من ترك التسبيح فى الركوع والسجود فصلاته تامة، وقال إسحاق، وأهل الظاهر: إن ترك ذلك عليه الإعادة، وقال: حديث عقبة ورد مورد البيان فوجب امتثاله. فيل لهم: البيان إنما ورد فى المجمل، والركوع والسجود مفسر فلا يفتقر إلى بيان، فحمل حديث عقبة على الاستحباب بدليل تعليمه الأعرابى الصلاة وليس التسبيح منها، فلو وجب فى الركوع والسجود ذكر معين لا تجزئ الصلاة دونه لبيَّن ذلك النبى لأمته؛ لأنه قد بيَّن لهم فروض الصلاة وسننها، ولأخبرهم أن ما كان روى عنه من ضروب الدعاء والذكر فى الركوع منسوخ بحديث عقبة، فلما لم يثبت ذلك سقط قول أهل الظاهر وقول من شرط فى ذلك ذكرًا معينًا أيضًا. قال ابن القصار: لو قال: سبحان ربى الجليل، أو الكبير، أو القدير لكان معظمًا له، وإذا ثبت أن نفس التسبيح ليس بواجب، فتعيينه والعدول عنه إلى ما فى معناه جائز. وقوله: يتأول القرآن، يعنى: يتأول قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا) [النصر: ٣] ، حين أعلمه الله بانقضاء أجله. وقال الخطابى: أخبرنى الحسن بن خلاد قال: سألت الزجاج عن
стр. 877
قوله: سبحانك اللهم وبحمدك، والعلة فى ظهور الواو؟ قال: سألت عنه المبرد فقال: سألت عنه المازنى، فقال: المعنى: سبحانك اللهم بجميع آلائك، وبحمدك سبحتك، وقال: ومعنى سبحانك: سبحتك، وسبحان الله معناه: سبحت الله ونزهته عن كل عيب، ونصبه على المصدر.
٣ - باب القراءة فى الركوع والسجود وما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع
/ ١٥٥ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ) . ترجم له البخارى: (باب القراءة فى الركوع والسجود) ، ولم يُدخل فيه حديثًا بجواز ذلك ولا بمنعه. وقد روى عن النبى، ﵇، أنه نهى عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود، ذكره الطبرى قال: أخبرنا عبد الله بن أبى زياد، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا داود بن قيس، عن إبراهيم بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، عن على قال: (نهانى حبيبى ﷺ أن أقرأ راكعًا وساجدًا) .
стр. 878
واتفق فقهاء الأمصار على القول بهذا الحديث، وخالفه قوم من السلف وأجازوه، روى أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أخى سليمان بن ربيعة وهو ساجد، وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ما لو شاء رجل يذهب إلى أهله فيتوضأ، ثم يجىء، وهو ساجد لفعل، وقال عطاء: رأيت عبيد بن عمير يقرأ وهو راكع فى المكتوبة، وأجازه الربيع بن خثيم، وقال إبراهيم النخعى فى الرجل ينسى الآية فيذكرها وهو راكع، قال: يقرؤها وهو راكع. قال الطبرى: وهؤلاء لم يبلغهم الحديث بالنهى عن ذلك عن الرسول، أو بلغهم فلم يَرَوْهُ صحيحًا، ورأوا قراءة القرآن حسنة فى كل حال، قال الطبرى: والخبر عندنا بذلك صحيح، فلا ينبغى لمصل أن يقرأ فى ركوعه وسجوده من أجله، وعلى هذا جماعة أئمة الأمصار. واختلف العلماء فيما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع، فذهبت طائفة إلى الأخذ بحديث سعيد المقبرى، عن أبى هريرة، وقال: ينبغى للإمام أن يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، يجمعهما جميعًا، ثم يقول المأموم: ربنا ولك الحمد خاصة، هذا قول أبى يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعى، وابن نافع صاحب مالك، إلا أن الشافعى خالفهم فى المأموم، فقال: يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، كالإمام سواء. وقالت طائفة: يقول الإمام: سمع الله لمن حمده دون المأموم،
стр. 879
ويقول المأموم: ربنا ولك الحمد، هذا قول مالك والليث وأبى حنيفة، واحتجوا لهذا القول بحديث مالك عن سُمى، عن أبى صالح، عن أبى هريرة: (أن نبى الله قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) . قال ابن القصار: فأفرد الإمام بغير ما أفرد به المأمومين، ولو كان الإمام يجمع الأمرين لقال ﵇: إذا قال الإمام: ربنا ولك الحمد، فقولوا: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، حتى يكون ابتداء قولهم بعد انتهاء قوله، كما قال: وإذا كبر فكبروا، ولم يكن للفرق بينهما معنى، وحديث أبى صالح قاضٍ على حديث المقبرى ومبيِّن له، ويحتمل أن يكون ﵇، يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد إذا كان منفردًا فى صلاته، وإنما سقط سمع الله لمن حمده للمأموم لاختلاف حاله وحال الإمام فى الصلاة، وأن الإمام مجيب للدعاء، كما قسم ﵇ الذكر بين العاطس والمشمت، فكذلك قسم هذا الذكر بين الإمام والمأموم، وقول الإمام: سمع الله لمن حمده استجابة لدعاء داع، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد على وجه المقابلة؛ لأنه لا حامد له غير المؤتم به فى هذه الحال، فلا يشرك أحدهما صاحبه. وقال أهل المقالة الأولى: ليس فى قوله ﵇: (وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) ، دليل على أن ذلك يقوله الإمام دون غيره، ولو كان كذلك لاستحال أن يقولها من ليس بمأموم، فقد رأيناكم تُجمعون على أن المصلى وحده يقولها مع
стр. 880
قوله: سمع الله لمن حمده، فلما قالها المنفرد ولم ينتف ما ذكرنا من قوله ﵇، كان الإمام كذلك يقولها أيضًا، ولا ينفى ما قال رسول الله، واحتجوا أيضًا بما رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهرى، عن سعيد وأبى سلمة، عن أبى هريرة قال: (كان رسول الله يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة يكبر ويرفع رأسه يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد. . .) الحديث. وبه قال ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: (خسفت الشمس فى حياة رسول الله فصلى بالناس، فلما رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) . قال الطحاوى: هذا من طريق الآثار، وأما من طريق النظر، فإنا قد رأيناهم أجمعوا أن المنفرد يقول ذلك، فأردنا أن ننظر فى الإمام هل حكمه حكم من يصلى وحده أم لا، فوجدنا الإمام يفعل فى صلاته كلها من التكبير والقراءة مثل ما يفعله المنفرد، ووجدنا أحكامه فيما يطرأ عليه كأحكامه، وكان المأموم فى ذلك بخلاف الإمام والمنفرد، وثبت باتفاقهم أن المصلى وحده يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثبت أن الإمام يقولها أيضًا كذلك.
٤ - باب فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ
/ ١٥٦ - فيه: أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ: (إِذَا قَالَ الإمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ،
следующие страницы →