Полный текст (5 502 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
٣ - باب مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
/ ١٨٢ - فيه: تشهد ابن مسعود، قَالَ فى آخره: (ثُمَّ ليَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو) . اختلف العلماء فى هذا الباب فقال مالك، والشافعى، وجماعة: لا بأس أن يدعو الرجل فى صلاته بما شاء من حوائج الدنيا، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يدعو فى الصلاة إلا بما يوجد فى القرآن، وهو قول النخعى، وطاوس، واحتجوا بحديث معاوية بن الحكم لما شمت الرجل فى الصلاة، فقال له الرسول: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شىء من كلام الآدميين إنما هى تسبيح وقراءة) . قالوا: ولا يجوز أن يريد جنس الكلام؛ لأن جميع ما يوجد فى الصلاة من الأذكار من جنس الكلام، فوجب أن يكون المراد ما يتخاطبون به فى العادة، وقوله: (يرحمك الله) دعاء، وقد نهى النبى عنه، وهذا يمنع من فعل الدعاء بهذا الجنس. قال ابن القصار: فالجواب لأهل المقالة الأولى أن هذا وشبهه لا يجوز عندنا، وهو أن يوجه دعاءه إلى إنسان يخاطبه به فى الصلاة، وكأنه جواب عندنا على شىء كان منه، فأما أن يدعو لنفسه ولغيره ابتداء من غير أن يخاطب فيه إنسانًا فلا قضاء، وقوله ﵇: لا يصلح فيها شىء من خطاب الناس متوجه إلى هذا، أى: لا يتخاطب الناس فى الصلاة. ومن الحجة لهم قوله ﵇، فى حديث ابن مسعود بعد فراغه من التشهد: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه ويدعو) ، ولم يخص دعاء فى القرآن من غيره ولو كان لا يجوز الدعاء إلا بما فى القرآن ما ترك ﵇، بيان ذلك ولقال: ثم ليدعو بما شاء مما فى القرآن، فلما
стр. 912
عم جميع الدعاء، لم يُخصَّ بعضه إلا بدليل، واستعاذته فى حديث عائشة من عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ومن المأثم والمغرم ليس شىء منه فى القرآن، وقد روى عن جماعة من السلف مثل ذلك، روى عن ابن عمر أنه قال: إنى لأدعو فى صلاتى حتى لشعير حمارى وملح بيتى، وعن عروة بن الزبير مثله. وكان رسول الله يدعو فى الصلاة فيقول: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين، واشدد وطأتك على مضر) . فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا وقت إباحة الكلام فى الصلاة، ثم نسخ بعد ذلك. قيل: قد روى عن السلف استعمال الحديث، ولا يجوز أن يخفى عليهم نسخه لو نسخ، فكان على بن أبى طالب يقنت فى صلاة على قوم يسميهم، وكان أبو الدرداء يدعو لسبعين رجلاً فى صلاته، وعن ابن الزبير أنه كان يدعو للزبير فى صلاته، فإذا انضاف قول هؤلاء إلى قول عروة، وابن عمر جرى مجرى الإجماع؛ إذ لا مخالف لهم، وقد كان ﵇ يدعو فى سجوده: (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) ، وهذا مما ليس فى القرآن، فسقط قول المخالف، وروى عن ابن سيرين أنه قال: يجوز الدعاء فى المكتوبة بأمر الآخرة، فأما الدنيا فلا، فقال ابن عون: أليس فى القرآن: (واسألوا الله من فضله) [النساء: ٣٢] ؟ ، فسكت. وترجم فى كتاب الدعاء: (باب الدعاء فى الصلاة) ، وسيأتى فيه شىء من الكلام فى حديث أبى بكر، إن شاء الله.
стр. 913
٤ - باب مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: رَأَيْتُ الْحُمَيْدِيَّ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَلا يَمْسَحَ الْجَبْهَةَ فِي الصَّلاةِ. / ١٨٣ - فيه: أَبَو سَعِيدٍ: (رَأَيْتُ النبى، ﵇، يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ) . استحب العلماء ترك مسح الوجه حتى يفرغ من الصلاة؛ لأنه من التواضع لله، وخفف مالك مسحه فى الصلاة.
٥ - باب التَّسْلِيمِ
/ ١٨٤ - فيه: أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا سَلَّمَ، قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ) . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ الْقَوْمِ. اختلف العلماء فى وجوب التسليم، فذهب جماعة من العلماء إلى أن التسليم فرض لا يصح الخروج من الصلاة إلا به، وممن أوجب ذلك ابن مسعود، قال: مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم، ذكره الطبرى، وبه قال عطاء، والزهرى، ومالك، والشافعى، وغيرهم. وذهب أبو حنيفة، والثورى، والأوزاعى، إلى أن السلام سنة، وأن الصلاة يصح الخروج منها بغير سلام، واحتجوا بأن الرسول قال لابن مسعود حين علمه التشهد: (فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك) .
стр. 914
قالوا: ولم يذكر له السلام، قالوا: وروى عن على بن أبى طالب أنه قال: إذا رفع رأسه من آخر سجدة، ثم أحدث فقد تمت صلاته، وعن سعيد بن المسيب، والنخعى مثله. واحتج عليهم أهل المقالة الأولى بأن قوله ﵇، لابن مسعود: (فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك) ، يحتمل أن يكون معناه: إذا سَلَّمْت، بدليل سلامه ﵇ فى كل صلواته، وتعليمه ذلك لأمته عملاً ومعاينة. ويحتمل أن يكون معناه: قد قاربت التمام، كما قال تعالى فى المطلقات: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف) [الطلاق: ٢] ، وهذا معناه: قاربن بلوغ أجلهن؛ لأنهن لو بلغن الأجل بانقضاء العدة لم يكن لأزواجهن إمساكهن بالمراجعة لهن، وقد انقضت عدتهن. وقال الطبرى: السلام من الأعمال التى علم الرسول أمته العمل به كما علمهم التحريم فيها والقراءة، فمن ضيع ذلك أو تركه عامدًا فهو مفسد؛ لأنه ضيع ما قامت له الحجة بجواز الصلاة معه، وقد روى الثورى، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن على، رضى الله عنه، قال: قال النبى ﵇: (تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم) ، فكما لا يجوز الدخول فى الصلاة إلا بالإحرام، فكذلك لا يجوز الخروج منها إلا بالسلام. واختلفوا فى صفة السلام، فقالت طائفة: يسلم تسليمتين عن يمينه، وعن يساره، روى ذلك عن أبى بكر الصديق، وعمر،
стр. 915
وعلى، وابن مسعود، وعمار، وروى ذلك عن الشعبى، وعطاء، وعلقمة، والأسود، وهو قول الثورى، وأبى حنيفة، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور، واحتجوا بآثار كثيرة رويت عن النبى، ﵇، بذلك منها: حديث ابن مسعود، وعمار، وأبى موسى، ووائل بن حجر، وأبى حميد الساعدى، وابن عمر، وجابر ابن عبد الله، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وقبيصة بن ذؤيب، وعدى بن عميرة الحضرمى، ويعقوب بن الحصين، كلهم عن الرسول، أسندها الطبرى كلها. وقالت طائفة: يسلم تسليمة واحدة فقط، روى ذلك عن ابن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة، وسلمة بن الأكوع، ومن التابعين: سليمان بن يسار، وأبى وائل، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن، وهو قول مالك، والليث، والأوزاعى، ودفعوا أحاديث التسليمتين. والحجة لهم ما ذكره محمد بن عبد الحكم، عن عبد الرحمن بن مهدى قال: أحاديث التسليمتين لا أصل لها. وقال الأصيلى: حديث أم سلمة المذكور فى هذا الباب يقتضى تسليمة واحدة، وكذلك حديث ابن بحينة، وحديث ذى اليدين؛ لأن قول أم سلمة: (كان الرسول إذا سلم) ، يقتضى ظاهره أن كل ما وقع عليه اسم السلام يتحلل به من الصلاة. قال المهلب: لما كان السلام تحليلاً من الصلاة، وعلمًا على فراغها دلت التسليمة الواحدة على ذلك، وإن كان فى التسليمتين
стр. 916
كمالاً، فقد مضى العمل بالمدينة فى مسجد رسول الله على تسليمة واحدة، فلا يجب مخالفة ذلك. وذكر الطبرى قال: حدثنا محمد بن مرزوق، قال: حدثنا الحجاج بن نصير، أخبرنا أبو عبيدة، حدثنا الحسن ومحمد بن سيرين، قالا: حدثنا أنس ين مالك قال: (صليت خلف رسول الله، وأبى بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يسلمون تسليمة واحدة) ، وحدثنا محمد بن عبد الله الحجرى، حدثنا يونس، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن أنس مثله. وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى: صليت خلف على بن أبى طالب فسلم واحدة، ذكره ابن أبى شيبة. وقال الطبرى: القول فى ذلك عندنا أن يقال كلا الخبرين الواردين عن الرسول أنه كان يسلم واحدة، وأنه كان يسلم تسليمتين صحيح، وأنه من الأمر الذى كان يفعل هذا مرة وهذا مرة، مُعلم ذلك أمته أنهم مخيرون فى العمل بأى ذلك شاءوا، كرفعه ﵇ يديه فى الركوع وإذا رفع رأسه منه، وتركه ذلك مرة أخرى، وكجلوسه فى الصلاة على قدمه اليسرى ونصبه اليمنى فيها مرة، وإفضائه بأليته إلى الأرض، وإدخاله قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى مرة فى أشباه لهذا كثيرة.
стр. 917
٦ - باب يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإمَامُ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَحِبُّ إِذَا سَلَّمَ الإمَامُ أَنْ يُسَلِّمَ مَنْ خَلْفَهُ. / ١٨٥ - فيه: عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﵇، فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. قال المؤلف: الكلام فى سلام الإمام والمأموم كالكلام فى إحرامهما، وقد تقدم فى باب إنما جعل الإمام ليؤتم به فى أبواب الإمامة اختلاف العلماء فى ذلك، فأغنى عن إعادته، ونذكر هاهنا منه طرفًا، وذلك أنه لا يكون المصلى داخلاً فى الصلاة محرمًا بها إلا بتمام التكبير، لا ينبغى للمأموم أن يدخل فى صلاة لم يصح فيها دخول إمامه بعد، والسلام كذلك، ولا ينبغى أن يفعله المأموم إلا بعد فعل إمامه؛ لأنه تحليل، أو بعد تقدمه ببعض لفظ السلام، هذا حق الائتمام فى اللغة أن يكون فعل المأموم تاليًا لفعل الإمام؛ ألا ترى قول عتبان: (صلينا مع الرسول فسلمنا حين سلم) ، وهذا يقتضى أن سلامهم كان بعد تمام سلامه ﵇، وهو الذى كان يستحبه ابن عمر.
٧ - باب مَنْ لَمْ يَرَ رَدَّ السَّلامِ عَلَى الإمَامِ، وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلاةِ
/ ١٨٦ - فيه: عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ أنه قَالَ: صَلِّينا مع النَّبِيُّ ﵇، ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. هذا الحديث حجة لمن قال: يسلم المأموم واحدة؛ لأن قول عتبان: (وسلمنا حين سلم) ، يقتضى أقل ما يقع عليه اسم سلام، وذلك تسليمة
стр. 918
واحدة، وممن كان لا يرد على الإمام، روى جرير بن حازم، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا سلم الإمام قال: السلام عليكم، لم يزد عليها إلا أن يسلم أحد عن يمينه وشماله يرد عليه، فى مصنف حماد بن سلمة. وقال ابن المنذر: قال عمار بن أبى عمار: كان مسجد المهاجرين يسلمون تسليمة واحدة، وكان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين، فالمهاجرين لم يكونوا يردون على الإمام. وفيها قول ثانٍ روى النخعى قال: لا أعلم عليه بأسًا أن يرد وإن لم يرد، وممن كان يرى أن يرد على الإمام: ذكر ابن أبى شيبة عن ابن عمر أنه كان يرد السلام على الإمام وهو قول الشعبى، وسالم، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وقال مالك فى (المدونة) : يسلم المأموم عن يمينه، ثم يرد على الإمام فإن كان عن يساره أحد ردَّ عليه، وقد كان من قول مالك فى المأموم: يسلم عن يمينه ثم عن يساره، ثم يرد على الإمام، ومن قال بالرد على الإمام تأوّل فى ذلك أن الإمام يسلم عليهم، فلزمهم الرد عليه كسائر السلام. ومن قال بالتسليمتين من أهل الكوفة يجعلون التسليمة الثانية ردًا على الإمام، وهو عندهم سنة، والأولى هى الفريضة التى بها يخرج من الصلاة. وأظن البخارى، ﵀، أراد بهذا الباب ردَّ قول من أوجب التسليمة الثانية، ولا أعلم قال ذلك إلا الحسن بن صالح، وحكى الأصيلى فى الدلائل أنه قول أحمد بن حنبل.
стр. 919
وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة، وقال مالك فى المجموعة: كما يدخل فى الصلاة بتكبيرة واحدة كذلك يخرج منها بتسليمة واحدة، وعلى ذلك كان الأمر فى القديم، وإنما حدث تسليمتان مذ كان بنو هاشم.
٨ - باب الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاةِ
/ ١٨٧ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ قال: كان رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ، عَلَى عَهْدِ رسول الله، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. / ١٨٨ - وقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ مرة: كُنْتُ أَعْلم انْقِضَاءَ صَلاةِ الرسول بِالتَّكْبِيرِ. / ١٨٩ - وفيه: أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى رسول الله فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، قَالَ: (أَلا أُحَدِّثُكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ أَدْرَكْتُمْ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ إلا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ، تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ) . / ١٩٠ - وفيه: الْمُغِيرَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: (لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) .
стр. 920
قال الطبرى: فى حديث ابن عباس الدلالة على صحة فعل من كان من الأمراء والولاة يكبر بعد فراغه من صلاة المكتوبة فى جماعة ويكبر من وراءه من المصلين بصلاته. قال المؤلف: ولم أجد من الفقهاء من يقول بشىء من هذا الحديث إلا ما ذكره ابن حبيب فى الواضحة قال: يستحب التكبير فى العساكر والثغور بأثر صلاة الصبح، والعشاء تكبيرًا عاليًا ثلاث مرات، وهو قديم من شأن الناس. وروى ابن القاسم عن مالك فى العتبية قال: التكبير خلف الصلوات الخمس بأرض العدو محدث أحدثه المسودة، وكذلك فى دبر الصبح، والمغرب فى بعض البلدان. وقول ابن عباس: إن رفع الصوت بالذكر كان حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد الرسول، يدل أنه لم يكن يفعل ذلك الصحابة حين حدث ابن عباس بهذا الحديث؛ إذ لو كان يفعل ذلك الوقت لم يكن لقوله كان يفعل على عهد رسول الله معنى، وهذا كما كان أبو هريرة يكبر عند كل خفض ورفع يقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله، فكان التكبير بأثر الصلوات مثل هذا مما لم يواظب الرسول عليه طول حياته، وفهم أصحابه أن ذلك ليس بلازم فتركوه خشية أن يظن من قصر علمه أنه مما لا تتم الصلاة إلا به، فلذلك كرهه من الفقهاء من كرهه، والله أعلم، وقد روى عن عبيدة أن ذلك بدعة. وفى حديث أبى هريرة، وحديث المغيرة فضل الذكر بعد الصلاة، وأن ذلك من رغائب الخير وسبيل الصالحين، وسأزيد هذا المعنى بيانًا،
стр. 921
وأبين اهل الذكر بعد الصلاة أفضل أم قراءة القرآن فى كتاب الدعاء فى باب الدعاء بعد الصلاة، إن شاء الله. قال المهلب: فى حديث أبى هريرة فضل الغنى نصًا لا تأويلاً إذا استوت أعمالهم بما افترض الله عليهم، فللغنى حينئذ فضل أعمال البر من الصدقة وإحياء الأرماق، وإعانة ابن السبيل، وفك الأسير والجهاد وشبه ذلك، مما لا سبيل للفقراء إليها ولا قدرة لهم عليها، فبهذا يفضل الغنى الفقير، وإنما يفضل الفقير الغنى إذا فضل صاحبه بالعمل، وسيأتى تمام القول فى ذلك فى كتاب الرقائق، إن شاء الله. وفيه: أن العالم إذا سُئل عن مسألة يقع فيها الخلاف بين الأمة أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيبه بنفس التفاضل خوف وقوع الخلاف. وفى (الموطأ) : عن عطاء بن يزيد، عن أبى هريرة زيادة فى حديثه المذكور فى هذا الباب وهو أنه قال: (من سبح دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وكبر ثلاثًا وثلاثين، وحمد ثلاثًا وثلاثين، وختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر) . وقوله: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) ، قال ابن السكيت: الجد، بفتح الجيم، الحظ والبخت، أى: من كان له جد فى الدنيا لم ينفع ذلك عند الله فى الآخرة، وكذلك فسره أبو عبيد وجميع أهل
стр. 922
اللغة، وسأذكر قول الطبرى فى هذه الكلمة فى باب القدر فى باب لا مانع لما أعطى الله، إن شاء الله.
٩ - باب يَسْتَقْبِلُ الإمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ
/ ١٩١ - فيه: سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: (كَانَ ﵇، إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) . / ١٩٢ - وفيه: زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ. . .، الحديث. / ١٩٣ - وفيه: أَنَسِ: (أَخَّرَ الرَسُولُ الصَّلاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ، فصَلَّى، فأَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. . .) ، الحديث. قال المهلب: استقبال الرسول الناس بوجهه هو عوض من قيامه من مصلاه؛ لأن قيامه إنما هو ليعرف الناس بفراغ الصلاة، ولذلك ترجح مالك، يرحمه الله، فقال فى إمام مسجد القبائل والجماعات: لابد أن يقوم من موضعه، ولا يقوم فى داره وسفره إلا أن يشاء. وفى بقاء الإمام فى موضعه تخليط على الداخلين، وأن موضع الإمام موضع خطة وولاية، فإذا قضى صلاته زال منه، وكان على بن أبى طالب إذا صلى استقبل القوم بوجهه، وكان إبراهيم النخعى إذا سلم انحرف واستقبل القوم.
стр. 923
٠ - باب مُكْثِ الإمَامِ فِي مُصَلاهُ بَعْدَ التَسْلِيمِ
وكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي يُصَلِّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ ابن الْقَاسِمُ، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لا يَتَطَوَّعُ الإمَامُ فِي مَكَانِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ. / ١٩٤ - فيه: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ (أَنَّ الرسول ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا) . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَنُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ. وقالت مرة: فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ. ذهب جمهور العلماء أن الإمام لا يتطوع فى مكانه الذى صلى فيه الفريضة، وذكر ابن أبى شيبة، عن على قال: لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه أو يفصل بينهما بكلام، وكرهه ابن عمر للإمام، ولم ير به بأسًا لغيره، وعن عبد الله بن عمرو مثله، وروى موسى عن القاسم أن الإمام إذا سلم فواسع أن ينتفل فى مكانه، وهذا لم أجده لغيره من العلماء. وأما مكث الإمام فى مصلاه بعد السلام، فقد كرهه أكثر العلماء إذا كان إمامًا راتبًا إلا أن يكون مكثه لعلة، كما فعل ﵇ من أجل انصراف النساء قبل أن يدركهن الرجال، هذا قول الشافعى، وأحمد بن حنبل، وقال مالك: يقوم ولا يقعد فى الصلاة كلها إذا كان إمام مسجد جماعة، وإن كان إمامًا فى سفر، فإن شاء قام وإن شاء قعد.
стр. 924
وقال أبو حنيفة: كل صلاة بعدها نافلة فإنه يقوم لها، وما لا نافلة بعدها كالعصر والفجر، فإن شاء قام وإن شاء قعد، وهو قول أبى مجلز. وقال محمد: ينتقل فى الصلوات كلها؛ ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه شىء من الصلاة من سجود سهو ولا غيره. وذكر ابن أبى شيبة، عن ابن مسعود، وعائشة قالا: (كان ﵇ إذا سلم لم يقعد إلا بمقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) . وقال ابن مسعود أيضًا: كان الرسول إذا قضى الصلاة انفتل سريعًا، فإما أن يقوم وإما أن ينحرف. وقال ابن جبير: شرق أو غرب، ولا تستقبل القبلة. وقال قتادة: كان أبو بكر إذا سلم كأنه على الرضف حتى ينهض. وقال ابن عمر: الإمام إذا سلم قام. وقال مجاهد: قال عمر: جلوس الإمام بعد السلام بدعة، وذهب جماعة من الفقهاء إلى أن الإمام إذا سلم، فإن من صلى خلفه من المأمومين يجوز لهم القيام قبل قيامه إلا رواية عن الحسن، والزهرى، ذكرها عبد الرزاق قال: لا ينصرفوا حتى يقوم الإمام، قال الزهرى: إنما جعل الإمام ليؤتم به، وجماعة الناس على خلافهما. وروى معمر، عن أبى إسحاق، عن أبى الأحوص، عن ابن
стр. 925
مسعود قال: إذا فرغ الإمام ولم يقم ولم ينحرف، وكانت لك حاجة، فاذهب ودعه فقد تمت صلاتك. وفى حديث أم سلمة من الفقه: أن خروج النساء ينبغى أن يكون قبل خروج الرجال.
١ - باب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ
/ ١٩٥ - فيه: عُقْبَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ الرسول بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ، فقَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: (ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ) . قال المؤلف: مباح للإمام إذا سلم أن ينصرف إن شاء قبل انصراف الناس. وفيه: أن التخطى بما لا غنى بالإنسان عنه مباح فعله. وقال المهلب: التخطى لا يكون مكروهًا إلا فى موضع يشتغل الناس فيه عن الصلاة أو عن الخطبة فحينئذ يكره التخطى من أجل شغل الناس بمن تخطاهم عما هم فيه من الذكر والاستماع، وقد تحضر الإنسان ضرورة حقن أو ذكر حاجة يخشى فوتها، فيستجاز التخطى فى ذلك كالراعف والمحدث يخرج من بين الصفوف. وفيه: أن من حبس صدقة للمسلمين من وصية أو زكاة أو غيرها أنه يخاف عليه أن يحبس بها يوم القيامة فى الموقف، لقوله ﵇: (كرهت أن يحبسنى) ، يعنى: فى الآخرة، والله أعلم.
стр. 926
وفيه: أن من وجب عليه فرض، فإن الأفضل له مبادرته.
٢ - باب الانْفِتَالِ وَالانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ
وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَيَعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى أَوْ مَنْ يَتعْمِدُ الانْفِتَالَ عَنْ يَمِينِهِ. / ١٩٦ - فيه: عَبْدُاللَّهِ قَالَ: لا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلاتِهِ، يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لا يَنْصَرِفَ إِلا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رسول الله ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ. فالانفتال والانصراف عن اليمين والشمال جائز عند العلماء لا يكرهونه لما ثبت عن الرسول فى هذا الباب، وإن كان انصرافه ﵇، عن يمينه أكثر؛ لأنه كان يحب التيامن فى أمره كله، وإنما نهى ابن مسعود عن التزام الانصراف من جهة اليمين؛ خشية أن يجعل ذلك من اللازم الذى لا يجوز غيره، وقد روى قبيصة بن ذؤيب، عن أبيه (أنه صلى مع الرسول فرآه ينصرف من شقيه) . وقال على: إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجتك، فإن كانت حاجتك عن يمينك أو عن يسارك فخذ نحو حاجتك، وكان على لا يبالى انصرف عن يمينه أو عن يساره، وعن ابن عمر مثله، وهو قول النخعى، واستحب الانصراف عن اليمين: الحسن البصرى، ورأى أبو عبيدة رجلاً انصرف عن يساره فقال: أما هذا فقد أصاب السنة.
стр. 927
٣ - باب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّئِّ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ
وَقَوْلِ الرسول ﷺ : (مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ الْبَصَلَ مِنَ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) . / ١٩٧ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي الثُّومَ - فَلا يَغْشَانَا فِي مَسَجِدِنَا) ، قُلْتُ: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلا نِيئَهُ. / ١٩٨ - وفيه: جَابِرَ، عن الرسول: (أَلاَّ يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا) . / ١٩٩ - وفيه: جَابِرَ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: (مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا - أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا - وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ، وَأَنَّه ﵇، أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: قَرِّبُوهَا، إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي) . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: عن يونس، عن الزهرى: أُتِيَ بِبَدْرٍ، يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خَضِرَاتٌ. / ٢٠٠ - وفيه: أَنَسَ، قَالَ ﵇: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلا يَقْرَبْنَا، ولا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا) . فى هذا الحديث من الفقه إباحة أكل الثوم؛ لأن قوله: (من أكل) لفظ إباحة، وفى ذلك دليل على أن شهود الجماعة ليس بفريضة خلافًا لأهل الظاهر الذين يوجبونها، ويحرمون أكل الثوم من أجل شهودها، وقد أكل الثوم جماعة من السلف، واختلف العلماء فى
стр. 928
معانٍ من هذا الحديث، فقال بعضهم: إنما خرج النهى عن مسجد الرسول خاصة من أجل ملائكة الوحى. وقال جمهور العلماء: حكم مسجد الرسول وحكم سائر المساجد سواء، وملائكة الوحى وغيرها سواء؛ لأنه قد أخبر ﵇ أنه يتأذى منه بنو آدم، وقال: (يؤذينا بريح الثوم) ، ولا يحل أذى الجليس المسلم حيث كان. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: من أكل الثوم يوم الجمعة لا أرى له أن يشهد الجمعة فى المسجد ولا رحابه، وبئس ما صنع من أكل الثوم وهو ممن تجب عليه الجمعة. وفيه: دليل أن كل ما يتأذى به كالمجذوم وشبهه يبعد عن المسجد وحلق الذكر، وقد قال سحنون: لا أرى الجمعة تجب على المجذوم، واحتج بقوله ﵇: (من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا) . وأفتى أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم فى رجل شكا جيرانه أنه يؤذيهم فى المسجد بلسانه، قال: يخرج عن المسجد، ويبعد عنه ونزع بهذا الحديث، وقال: أذاه أكثر من أذى الثوم، وهذا الحديث أصل فى نفى كل ما يتأذى به. وفيه: أن الخضر كانت عندهم بالمدينة، وفى إجماع أهلها على أنه لا زكاة فيها دليل على أن رسول الله لم يأخذ منها الزكاة، ولو أخذ منها لم يخف على جميعهم ولنقل ذلك، وهو قول مالك،
стр. 929
والشافعى، وجماعة، وقال المهلب: فى قوله: (أناجى من لا تناجى) ، دليل أن الملائكة أفضل من بنى آدم. وفيه: أن بنى آدم يلزم من بر بعضهم ما لا يلزم لجميعهم؛ ألا ترى أنه لم يؤمر آكل الثوم باجتناب أهل الأسواق ومهنة الناس وباعتهم. قال مالك: ما سمعت فى أكل الثوم كراهية فى دخول السوق، وإنما ذلك فى المسجد، ذكره ابن أبى زيد فى النوادر. وفيه: أنه من ترك طعامًا لا يحبه أنه لا لوم عليه كفعله ﵇، فى الضب. وقال الخطابى: فسر ابن وهب البدر أنه الطبق، سمى بذلك لاستدارته واتساقه، ولذلك سمى القمر عند اتساقه بدرًا، ومنه عين بدرة إذا كانت واسعة مستديرة قال امرؤ القيس: وعين لها حَدْرة بَدْرة شُقَّتْ مآقيهما مِنْ أُخُر والبدرة: مسك السخلة، وبه سميت بدرة المال.
стр. 930
٤ - باب وُضُوءِ الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغُسْلُ وَالطُّهُورُ وَحُضُورِهِمُ الْجَمَاعَةَ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَنَائِزَ وَصُفُوفِهِمْ
/ ٢٠١ - فيه: ابْنُ عَبَّاسٍ: أن النَّبِيِّ ﷺ مر عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ، وَصَفُّوا عَلَيْهِ. / ٢٠٢ - وفيه: أَبو سَعِيدٍ، قَالَ ﵇: (الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) . / ٢٠٣ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ: (بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَنَامَ النَّبِيُّ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ النبى ﷺ ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قَامَ فصَلِّي، فَقُمْتُ، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ. . .) ، الحديث. / ٢٠٤ - وفيه: أَنَسِ: (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، فَقَالَ: قُومُوا فَلأصَلِّيَ بِكُمْ، فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْيَتِيمُ مَعِي وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ) . / ٢٠٥ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. / ٢٠٦ - وفيه: عَائِشَةَ: (أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ بالْعِشَاءِ، حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: قَدْ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ غَيْرُكُمْ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي إِلا أَهْلِ الْمَدِينَةِ) . / ٢٠٧ - وقَالَ رَجُل لابْنَ عَبَّاسٍ: شَهِدْتَ العيد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَم، وَلَوْلا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ.
стр. 931
قال المهلب: فى هذا الباب وضوء الصبيان وصلاتهم، وشهودهم الجماعات فى النوافل والفرائض، وتدريبهم عليها قبل وجوبها عليهم ليبلغوا إليها وقد اعتادوها وتمرنوا فيها، وأحاديث هذا الباب بَيِّنة فى ذلك؛ لأن ابن عباس صلى مع الرسول على القبر المنبوذ، وإذ بات عند خالته ميمونة وصلى خلف النبى، وإقباله على الأتان، وحديث أنس واليتيم، كان ذلك كله فى حال الصغر، يدل على ذلك قول ابن عباس: ولولا مكانى من الصغر ما شهدته، يريد بذلك حين أتى النساء ووعظهن وابن عباس معه، وذكر البخارى فى فضائل القرآن أنه توفى الرسول وأنا ابن عشر سنين، وذكر ابن أبى شيبة عن الربيع، حدثنا ابن معبد الجهنى، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله: (إذا بلغ الغلام سبع سنين فأمروه بالصلاة، فإذا بلغ عشرًا فاضربوه عليها) . ورواه ابن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبى، وقال به مكحول، ومالك، والأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، وجماعة، وقد روى أشهب عن مالك فى العتبية أنه يضرب على الصلاة لسبع، وقال عروة: يؤمر بالصلاة إذا عقلها، وقال ابن عمر: يعلم الصبى الصلاة إذا عرف يمينه من شماله، وهو قول ابن سيرين. ولم يختلف العلماء أن الاحتلام أول وقت لزوم الفرائض والحدود والأحكام، واختلفوا إذا أتى عليه من السنين ما يحتلم فى مثلها ولم يحتلم على أقوال سيأتى ذكرها فى موضعها من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
стр. 932
٥ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ وَالْغَلَسِ
/ ٢٠٨ - فيه: عَائِشَةَ: (أَعْتَمَ النبى ﷺ بِالْعَتَمَةِ، حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ. . .) ، الحديث. / ٢٠٩ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ، أن نَّبِيِّ الله قَالَ: (إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ، فَأْذَنُوا لَهُنَّ) . / ٢١٠ - وفيه: أُمَّ سَلَمَةَ: أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ، قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ قَامَ الرِّجَالُ. / ٢١١ - وفيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ. / ٢١٢ - وفيه: أَبو قَتَادَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (إِنِّي لأقُومُ إِلَى الصَّلاةِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ) . / ٢١٣ - وفيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ المساجد، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وقوله ﵇: (إذا استأذنكم بالليل) ، فيه دليل أن النهار يخالف الليل؛ لنصه على الليل، وهذا الحديث يقضى على قوله: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) . قال مالك: إنه بلغه عن ابن عمر، عن نبى الله فكأنه قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، يعنى: فى الليل، والغلس فيه معنى الليل، ألا ترى قول عائشة ما يعرفن من الغلس.
стр. 933
قال المهلب: أى لا يتميزن إن كن نساءً أو رجالاً، وقد جاء هذا المعنى بينًا فى حديث قَيْلَةَ، قالت: (قدمت على الرسول وهو يصلى بالناس صلاة الغداة حين انشق الفجر، فصففت مع الرجال وأنا امرأة حديثة عهد بجاهلية، فقال لى الرجل الذى يلينى: امرأة أنت أم رجل؟ فقلت: امرأة) . ففيه دليل أن المرأة لا تخرج إلى المسجد إلا بإذن زوجها أو غيره من أوليائها، وفيه دليل أنه ينبغى له أن يأذن لها ولا يمنعها مما فيه منفعتها، وذلك محمول على الأصول إذا لم يخف الفتنة عليها ولا بها؛ لأنه كان الأغلب من حال أهل ذلك الزمان، وأما حديث عائشة ففيه دليل لا ينبغى للنساء أن يخرجن إلى المساجد إذا حدث فى الناس الفساد. وهذا عند مالك محمول على العجائز، وروى عنه أشهب قال: وللمتجالة أن تخرج إلى المسجد ولا تكثر الترداد، وللشابة أن تخرج إليه المرة بعد المرة، وتخرج فى جنائز أهلها. وقال أبو حنيفة: أكره للنساء شهود الجمعة، والصلاة المكتوبة، وأرخص للعجوز أن تشهد العشاء والفجر، وأما غير ذلك فلا. وقال أبو يوسف: لا بأس أن تخرج العجوز فى الصلوات كلها وأكرهه للشابة، وقال الثورى: ليس للمرأة خير من بيتها، وإن كانت عجوزًا، وقال ابن مسعود: المرأة عورة وأقرب ما تكون إلى الله فى قعر بيتها، فإذا خرجت استشرفها الشيطان. وكان ابن عمر يقوم بحصب النساء يوم الجمعة يخرجهن من
стр. 934
المسجد، وقال أبو عمرو الشيبانى: سمعت ابن مسعود حلف فبالغ فى اليمين: ما صلت امرأة صلاة أحب إلى الله من صلاتها فى بيتها إلا فى حج أو عمرة إلا امرأة قد يئست من البعولة. وقال ابن مسعود لامرأة سألته عن الصلاة فى المسجد يوم الجمعة، فقال: صلاتك فى مخدعك أفضل من صلاتك فى بيتك، وصلاتك فى بيتك أفضل من صلاتك فى حجرتك، وصلاتك فى حجرتك أفضل من صلاتك فى مسجد قومك. وكان إبراهيم يمنع نساءه الجمعة والجماعة، وسئل الحسن البصرى عن امرأة حلفت إن خرج زوجها من السجن تصلى فى كل مسجد يجمع فيه الصلاة بالبصرة ركعتين، فقال الحسن: تصلى فى مسجد قومها؛ لأنها لا تطيق ذلك، لو أدركها عمر بن الخطاب لأوجع رأسها.
٦ - باب صَلاةِ النِّسَاءِ خَلْفَ الرِّجَالِ
/ ٢١٤ - فيه: أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ ﵇، إِذَا سَلَّمَ، قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ، قَالَ: نَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ ليَنْصَرِفَ النِّسَاءُ، قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ الرِّجَالِ. / ٢١٥ - فيه: أَنَسِ: صَلَّى الرسول فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. هكذا سنة صلاة النساء أن يقمن خلف الرجال، وذلك والله أعلم، خشية الفتنة بهن، واشتغال النفوس بما جبلت عليه من أمورهن عن الخشوع فى الصلاة والإقبال عليها وإخلاص الفكر
стр. 935
فيها لله؛ إذ النساء مزينات فى القلوب ومقدمات على جميع الشهوات، وهذا أصل فى قطع الذرائع، وقد روى عن الرسول أنه قال: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) ، رواه سفيان عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبى هريرة، وروى أيضًا من حديث جابر، وروى ابن عباس أن امرأة جميلة دخلت المسجد فوقفت فى الصف الأول من صفوف النساء، فمن الناس من تقدم حتى لا يراها، ومنهم من تأخر فلاحظها، فأنزل الله تعالى: (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) [الحجر: ٢٤] .
٧ - باب سُرْعَةِ انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ، وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ
/ ٢١٦ - فيه: عَائِشَةَ: كَانَ ﵇، يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَتَنْصَرِفَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، لا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، أَوْ لا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا. هذه السنة المعمول بها أن تنصرف النساء فى الغلس قبل الرجال ليخفين أنفسهن، ولا يتبين لمن لقيهن من الرجال، فهذا يدل أنهن لا يُقمن فى المسجد بعد تمام الصلاة، وهذا كله من باب قطع الذرائع، والتحظير على حدود الله، والمباعدة بين الرجال والنساء خوف الفتنة ودخول الحرج، ومواقعة الإثم فى الاختلاط بهن.
стр. 936
٨ - باب اسْتِئْذَانِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِى الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ
/ ٢١٧ - فيه: ابن عمر: أن الرسول قال: (إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلا يَمْنَعْهَا) . هذا الحديث معناه العموم، وتقييده بزيادة من زاد فيه بالليل لصلاتهن فى مساجد الجماعة، ويخرج من هذا الحديث أن الرجل إذا استأذنته امرأته إلى الحج لا يمنعها، فيكون وجه نهيه عن منعها المسجد الحرام لأداء فريضة الحج نهى إيجاب، وهو قول مالك، والشافعى أن المرأة ليس لزوجها منعها من الحج، ويكون على الوجه الأول، أعنى الصلوات الخمس فى المساجد، نهى أدب؛ لأنه واجب عليه أن لا يمنعها. وقال الطبرى: فى إطلاقه ﵇ لهن الخروج إلى المساجد وذلك إباحة لا ندب ولا فرض، دليل أن نظير ذلك الإذن لهن فى كل ما كان مطلقًا الخروج فيه نحو عيادة إحداهن بعض أهلها، وشهودها أعياد المسلمين أو زيارة قبر ميت لها، وإذا كان حقًا عليهم أن يأذنوا لهن فيما هو مطلق لهن الخروج فيه، فالإذن لهن فيما هو فرض عليهن أو ندب الخروج إليه أولى، كخروجهن لأداء شهادة لزمتهن، أو لتعرف أسباب دينهن، ولأداء فرض الحج وشبهه من الفرائض، أو لزيارة أمهاتهن وآبائهن وذوى محارمهن.
стр. 937
- كِتَاب الْجُمُعَةِ
- باب فَرْضِ الْجُمُعَةِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) [الجمعة ٩]
/ ١ - فيه: أَبَو هُرَيْرَةَ: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمِ الَّذِي فُرِضَ الله عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ له، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ: الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) . قال المؤلف: قوله: (نحن الآخرون السابقون) ، يريد ﵇ آخر الأنبياء والرسل، وهو خاتم النبيين لا نبى بعده، وقوله: (السابقون) ، يعنى أن أمته يسبقون سائر الأمم بالدخول فى الجنة، وهو الشافع ليقضى بين الخلائق يوم القيامة إذا اشتد بالناس العرق، وطال بهم الوقوف، فيمشى حتى يأخذ حلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم. وأيضًا فقد أخبر ﵇ أن أمته أعطوا أجر أهل الكتابين: التوراة، والإنجيل، فى حديث: (إنما مثلكم فيمن خلا من الأمم قبلكم) . وقوله: (هذا يومهم الذى فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله
стр. 938
له) ، ليس فيه دليل أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يترك فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدل والله أعلم، أنه فرض عليهم يوم من الجمعة وكُل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا فى أىّ الأيام يكون ذلك اليوم، ولم يهدهم الله إلى يوم الجمعة، وذخره لهذه الأمة، وهداهم له تفضلاً منه عليها؛ ففضلت به على سائر الأمم؛ إذ هو خير يوم طلعت فيه الشمس وفضله الله بساعة يستجاب فيها الدعاء. وقوله: (بَيْد) ، معناه: (غَيْر) ، عند الخليل.
- باب فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ
/ ٢ - فيه: ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ) . / ٣ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فقَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ، فَقَالَ: وَالْوُضُوءُ أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ. / ٤ - وفيه: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) .
стр. 939
قال المؤلف: الغسل يوم الجمعة مرغب فيه مندوب إليه، وقد اختلف العلماء فى وجوبه، فذهبت طائفة إلى أنه ليس بواجب، يروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، وهو قول مالك، والأوزاعى، والثورى، وأبى حنيفة، والشافعى، وأحمد، وجمهور العلماء. وأوجب قوم الغسل فرضًا، روى ذلك عن أبى هريرة، وكعب، وعن سعد وأبى قتادة ما يدل على ذلك، وهو قول أهل الظاهر، واحتجوا بقوله: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) . وقال الطحاوى: وحجة أهل المقالة الأولى: قول عمر لعثمان: (والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل) ، فدل ذلك أن الغسل الذى كان أمر به لم يكن عندهم على الوجوب، وإنما كان لما ذكرت عائشة، وابن عباس أن الناس كانوا عمال أنفسهم يروحون بهيئتهم، فيؤذى بعضهم بعضًا بالروائح الكريهة، فقيل لهم: لو اغتسلتم، فدل أن الأمر كان من رسول الله بالغسل لم يكن للوجوب عليهم، وإنما كان لعلةٍ، ثم ذهبت تلك العلة، فذهب الغسل، ولولا ذلك لما تركه عثمان، ولا سكت عمر أن يأمره بالرجوع حتى يغتسل، وذلك بحضرة أصحاب النبى، ﵇، الذين سمعوا ذلك من النبى كما سمعه عمر، وعلموا معناه الذى أراده فلم ينكروا عليه من ذلك شيئًا، ولم يأمروا بخلافه، ففى هذا إجماع منهم على نفى وجوب الغسل. قال الطبرى: ودل ذلك أن أمره ﵇، بالغسل كان على وجه
стр. 940
الندب والإرشاد، وقد جاءت روايات عن النبى، ﵇، تدل على ذلك، فروى شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب أن النبى، ﵇، قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) . ومعنى قوله ﵇: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) ، يعنى: واجب فى السنة وفى الأخلاق الكريمة، كما تقول: وجب حقك وبرك، أى: فى كرم الأخلاق، وقد تأتى لفظة على الوجوب لغير الفرض كما جاء فى الحديث: (الوتر واجب) ، وجمهور الأمة أنه غير فرض. وقوله: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ، يدل أنه لا تجب الجمعة على الصبى، وهذا إجماع، وكذلك أجمعوا أنه لا جمعة على النساء. وقال المهلب: قول عمر لعثمان: (والوضوء أيضًا) ، يدل على إباحة الكلام فى الخطبة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ لأنه من باب الخطبة.
٣ - باب الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ
/ ٥ - فيه: أَبو سَعِيدٍ، أن النبى، ﵇، قَالَ: (الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ) . قَالَ عَمْرٌو: أَمَّا الْغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لا؟ وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ. قوله: (أما الغسل فإنه واجب) ، يعنى: وجوب سنة على ما تقدم من الأدلة على ذلك، قال الطبرى، والطحاوى: لما قرن رسول الله
стр. 941
الغسل بالطيب يوم الجمعة، وأجمع الجميع على أن تارك الطيب يومئذ غير حرج إذا لم تكن له رائحة مكروهة يؤذى لها أهل المسجد، فكذلك حكم تارك الغسل؛ لأن مخرج الأمر من النبى، ﵇، بهما مخرج واحد، وكذلك أجمعوا أن أمره بالاستنان غير فرض، فكذلك الغسل والطيب، وإن كان العلماء يستحبون الطيب لمن قدر عليه، كما يستحبون اللباس الحسن، وكان ابن عمر يجِمّر ثيابه كل يوم جمعة، وقال معاوية بن قرة: أدركت ثلاثين من مزينة كانوا يفعلون ذلك.
٤ - باب فَضْلِ الْجُمُعَةِ
/ ٦ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ النبى، ﵇: (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ، يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) . / ٧ - وفيه: أَبو هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلاةِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا هُوَ إِلا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ، فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعُ النَّبِيَّ ﵇، قَالَ: (إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ؟) . قال المؤلف: فيه الحض على الاغتسال للجمعة والتبكير إليها،
стр. 942
وقوله: (كغسل الجنابة) ، فإنما يعنى: فى العموم والإسباغ لا فى الوجوب لما قدمناه قبل هذا. واختلف العلماء فى الساعات المذكورة فى هذا الحديث التى يكون الرواح فيها، فذهبت طائفة إلى أنها من أول طلوع الشمس، هذا قول الكوفيين، والشافعى، وأجاز الشافعى البكور إليها قبل طلوع الشمس، وقال مالك: لا يكون الرواح إلا بعد الزوال، والذى يقع فى قلبى أنه أراد ﵇، ساعة واحدة فيها هذا التفسير. قال الخطابى: وحجة مالك فى أن هذه الساعات كلها فى ساعة واحدة قولهم: جئت من ساعة، وقعدت عند فلان ساعة، يريد به جزءًا من الزمان غير معلوم دون الساعات التى هى أوراد الليل والنهار وأقسامها. واختار ابن حبيب القول الأول، واحتج له بأن ابن عمر سئل متى أروح؟ فقال: إذا صليت الغداة فَرُحْ إن شئت، قال ابن حبيب: وتأويل مالك محال وتحريف لوجه الحديث، وذلك أنه لا تكون ساعات فى ساعة واحدة، والشمس إنما تزول فى الساعة السادسة من النهار وهو وقت الأذان وخروج الإمام إلى الخطبة. وقول ابن حبيب خطأ لا خفاء به؛ لأن أهل العلم بالأوقات والحساب لا يختلفون أن الشمس إنما تزول فى أول الساعة السابعة، وتقع الصلاة إذا فاء الفىء ذراعًا وذلك فى الساعة الثامنة بعد مسير خمسها فى زمن الصيف، وبعد مسير نصفها فى زمن الشتاء. قال المهلب: ومفهوم الرواح فى لسان العرب يرد قول ابن حبيب؛ لأنهم لا يسمون الرواح إلا عند الزوال والغدو فى أول النهار، ولا يسمّون
стр. 943
الغدو رواحًا، قال الله تعالى: (غدوها شهر ورواحها شهر) [سبأ: ١٢] ، فدل أن الغدو خلاف الرواح، والفرق بينهما مستفيض فى كلام الناس، والآثار الصحاح تشهد لقول مالك والفعل بالمدينة؛ لأنه أمر متردد فى كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء، وروى أشهب عن مالك قال: التهجير إلى الجمعة ليس هو الغدو، ولم يكن الصحابة يغدون هكذا. وروى الزهرى عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، عن النبى، ﵇، قال: (إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدى بدنة، ثم الذى يليه كالمهدى بقرة، ثم الذى يليه كالمهدى كبشًا. . .) إلى آخر الحديث. والمهجر: مأخوذ من الهاجرة والهجير، وذلك وقت المسير إلى الجمعة، ولا يجوز أن يسمى عند طلوع الشمس هاجرة ولا هجيرًا، وقال فى الحديث: (ثم الذى يليه) ، ولم يذكر الساعات، فدل على صحة قول مالك. قال المهلب: وفيه دليل على أن المسارع إلى طاعة الله والسابق إليها أعظم أجرًا؛ ألا ترى أنه قد مثل ذلك بهدى البدنة، ثم الرائح بعده كمهدى البقرة إلى البيضة، فأراد ﵇ أن يرى فضل ما بين البقرة والبدنة، ويدل على تفاوت ما بين السابق والمسبوق فى الفضل، وجعل الرواح إلى خروج الإمام. وقوله: (فإذا خرج الإمام طويت الصحف) ، فدل على أنه
стр. 944
من أتى والإمام فى الخطبة أن أجره أقل من أجر من أتى قبله؛ لأن الملائكة لم تكتبه فى صحفها، وإنما يكون له أجر من أدرك الصلاة لا أجر المسارع. وقوله: (حضرت الملائكة يستمعون الذكر) ، يعنى: الخطبة، وقد بين ذلك فى حديث ابن المسيب، عن أبى هريرة، وقال: (يستمعون الخطبة) . وقد احتج بهذا الحديث من فضل البدن على البقر، والبقر على الضأن فى الضحايا، وهو قول الكوفيين والشافعى، واحتجوا بالإجماع على أن أفضل الهدايا: الإبل، وقالوا: ما استيسر من الهدى: شاة، فدل ذلك على نقصان مرتبتها عما هو أعلى منها، وذهب مالك إلى أن أفضل الضحايا: الضأن، وقال تعالى: (وفديناه بذبح عظيم) [الصافات: ١٠٧] ، وهو كبش لا جمل ولا بقرة، وقال: لو علم الله حيوانًا هو أفضل من الكبش لفدى به. وقوله: (من راح فى الساعة الرابعة كمن أهدى دجاجة، وفى الساعة الخامسة كمن أهدى بيضة) ، واسم الهدى لا يقع على الدجاجة والبيضة، وأما الغنم فقد اختلف العلماء فيها، فقال بعضهم: ليست بهدى والأكثرون منهم يجعلونها هديًا، وثمرة هذا الخلاف أن يوجب الرجل على نفسه هديًا، فإذا ذبح شاة أجزأه عن نذره فى قول من رآها هديًا، ولا يجزئه فى قول الآخرين إلا بدنة أو بقرة، ذكره الخطابى. وقوله: (أهدى دجاجة وبيضة) ، فمن المحمول على حكم ما تقدمه من الكلام كقوله: أكلت طعامًا وشرابًا، والأكل إنما
стр. 945
يصرف إلى الطعام دون الشراب، إلا أنه لما عطف به على المذكور قبله حمل على حكمه كقولهم: متقلدًا سيفًا ورمحًا، والرمح لا يتقلد إنما يحمل، ومثله: زَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا، أى: كحلن العيونا.
٥ - باب الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ
/ ٨ - فيه: سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﵇: (لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ الطُهْور، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، ويَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأخْرَى) . / ٩ - وفيه: طَاوُسٌ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، قَالَ: (اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا الْغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلا أَدْرِي. قال المؤلف: الدهن يوم الجمعة كالطيب لها، وقد تقدم أن العلماء متفقون على استحبابه، وروى فى حديث سلمان أنه ﵇، قال: (إذا توضأ الرجل يوم الجمعة ولبس ثيابه، ثم أتى الجمعة وأنصت حتى تقضى الصلاة؛ غفر له من الجمعة إلى الجمعة) ، فذكر مكان الغسل الوضوء رواه جرير بن حازم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن القرثع الضبى، عن سلمان. قال الطبرى: وفيه البيان أن الثواب الذى وصفه النبى، عليه
стр. 946
السلام، إنما هو أن يشهد الجمعة بالصفة التى وصفها وأنصت لخطبة إمامه وقراءته فى صلاته دون من لم ينصت. فإن قيل: فإذا كان كما وصفت، فما أنت قائل فيمن كان بهذه الصفة وكان من الإمام بحيث لا يبلغه صوته أو كان بحيث يبلغه صوته لو رفع، غير أن الإمام خفض صوته، فلم يسمع خطبته ولا قراءته، هل يستحق الثواب الذى ذكره النبى، ﵇، أم لا؟ . قيل: إذا كان بعض هذه العلل فالله تعالى، أكرم من أن يحرم عبدًا له مطيعًا، انتهى فى أمره إلى ما أمر به، ثواب عمله بسبب مانع منعه إلى ما قصده وأراده. وقوله ﵇: (اغتسلوا يوم الجمعة وإن لم تكونوا جنبًا) ، فإنه محمول عند الفقهاء على الاستحباب والندب كما تقدم فى باب فضل الغسل يوم الجمعة، وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون: يجزئ غسل واحد للجنابة والجمعة. وابن المنذر صاحب (الإشراف) ، هو القائل: وروينا هذا عن ابن عمر، ومجاهد، ومكحول، ومالك، والثورى، والأوزاعى، والشافعى، وأبى ثور، وقال أحمد: أرجو أن يجزئه، وهو قول ابن كنانة، وأشهب، وابن وهب، ومطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، ورواه عن مالك، وهو قول المزنى. وقال آخرون: لا يجزئه غسل الجمعة عن غسل الجنابة حتى ينويها، هذا قول مالك فى المدونة وذكره ابن عبد الحكم، وذكر ابن المنذر عن بعض ولد أبى قتادة أنه قال: من اغتسل للجنابة يوم الجمعة اغتسل للجمعة. وقال ابن حبيب: لم يختلف قول مالك ومن علمت من أصحابنا، فيمن اغتسل للجنابة وهو ناسٍ للجمعة أن ذلك لا يجزئه عن
стр. 947
غسل الجمعة، غير محمد بن عبد الحكم، فإنه قال: غسل الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة، ولا يجزئ غسل الجمعة عن غسل الجنابة، وقال الأبهرى: إنما لم يجزئ غسل الجمعة عن الجنابة؛ لأن غسل الجنابة فرض، وغسل الجمعة مندوب إليه ليس بفرض وسيأتى معنى قوله: (فلا يفرق بين اثنين) فى بابه.
٦ - باب يَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ
/ ١٠ - فيه: ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ تَلَبِسْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ) . ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) ، فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا. قوله فى الحلة: (فتلبسها للجمعة) ، يدل أنه كان عندهم معهود أن يلبس الرجل أفضل ثيابه وأحسنها لشهود الجمعة، وقد روى عنه ﵇، أنه قال: (ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبى مهنته) ، من بلاغات مالك عن يحيى بن سعيد. وذكر أهل السير: أن النبى ﵇، كان يلبس برده الأحمر يوم الجمعة وأحسن ثيابه، ويمس من الطيب، وكذلك فى العيدين.
стр. 948
قال عبد الرحمن بن أبى ليلى: أدركت أصحاب محمد من أصحاب بدر، وأصحاب الشجرة إذا كان يوم الجمعة لبسوا أحسن ثيابهم وإن كان عندهم طيب مسُّوا منه، ثم راحوا إلى الجمعة. والسيراء: ثياب يخالطها حرير، يقال: سيرت الثوب والسهم: جعلت فيه خطوطًا، من كتاب (العين) .
٧ - باب السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
/ ١١ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ النبى، ﵇: (لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ) . / ١٢ - وفيه: أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ) . / ١٣ - وفيه: حُذَيْفَةَ قَالَ: (كَانَ ﵇، إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ) . قال المؤلف: إذا كانت الجمعة لها مزية فضيلة فى الغسل لها واللباس والطيب، وكان السواك مستحبًا لكل صلاة مندوبًا إليه، كانت الجمعة أولى بذلك. وقال المهلب: قوله: (لولا أن أشق على أمتى) ، يدل أن السنن والفضائل ترتفع عن الناس إذا خشى منها الحرج عليهم، وإنما أكد فى السواك لمناجاة الله ولتلقى الملائكة لتلك المناجاة فلزم تطهير النكهة، وتطييب الفم.
стр. 949
٨ - باب مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ
/ ١٤ - فيه: عَائِشَةَ: دَخَلَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، فَقُلْتُ لَهُ: (أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ) ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَضَمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي. وفيه: الترجمة، وفيه: طهارة ريق ابن آدم، وقد تقدم فى كتاب الطهارة.
٩ - باب مَا يُقْرَأُ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
/ ١٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﵇، يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يوم الْجُمُعَةِ) الم تَنْزِيلُ (، وَ) هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ) [الإنسان ١] ) . ذهب العلماء إلى القول بهذا الحديث، وأجازوا أن يقرأ سورة فيها سجدة فى الفجر يوم الجمعة، روى ذلك عن على بن أبى طالب، وابن عباس واستحبه النخعى، وابن سيرين، وهو قول الكوفيين، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وقالوا: هو سنة، واختلف قول مالك فى ذلك فروى ابن وهب عنه أنه لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة فى الفريضة، وروى عنه أشهب أنه كره للإمام ذلك إلا أن يكون من خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم. وقال المهلب: القراءة فى الصلاة كلها محمولة على قوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) [المزمل: ٢٠] ، وإنما كره ذلك مالك خشية التخليط
стр. 950
على الناس، ولذلك، والله أعلم، ترك النبى، ﵇، فى آخر فعله السجود فى المفصل؛ لأنه الذى يقرأ به فى الصلوات الخمس، وستأتى زيادة فى هذا المعنى فى باب سجود القرآن، إن شاء الله تعالى.
- باب الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى وَالْمُدُنِ
/ ١٦ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ، بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ، فِي مَسْجِدِ عَبْدِالْقَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ الْبَحْرَيْنِ) . / ١٧ - وكَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ، وهو بِوَادِي الْقُرَى: هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ؟ ، وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ، فَكَتَبَ إليه ابْنُ شِهَابٍ أَنْ يُجَمِّعَ، قال: وحَدَّثَنى سَالِم، عن أبيه، أَنَّ النبى، ﵇، قال: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) . أجمع العلماء على وجوب الجمعة على أهل المدن، واختلفوا فى وجوبها على أهل القرى، فقال مالك: كل قرية فيها مسجد أو سوق، فالجمعة واجبة على أهلها، وبه قال الشافعى وجماعة، وقال مالك، والشافعى: لا تجب على أهل العمود، وإن كثروا؛ لأنهم فى حكم المسافرين. وقال أبو حنيفة، والثورى: لا تجب الجمعة إلا على أهل الأمصار خاصة، وأحاديث هذا الباب حجة لمن أوجب الجمعة على أهل القرى. وفى احتجاج ابن شهاب أن الجمعة على أهل القرى بقوله ﵇: (كلكم راع ومسئول عن رعيته) ، حجة للكوفيين فى أن
следующие страницы →