Полный текст (5 502 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
السلام، إنما هو أن يشهد الجمعة بالصفة التى وصفها وأنصت لخطبة إمامه وقراءته فى صلاته دون من لم ينصت. فإن قيل: فإذا كان كما وصفت، فما أنت قائل فيمن كان بهذه الصفة وكان من الإمام بحيث لا يبلغه صوته أو كان بحيث يبلغه صوته لو رفع، غير أن الإمام خفض صوته، فلم يسمع خطبته ولا قراءته، هل يستحق الثواب الذى ذكره النبى، ﵇، أم لا؟ . قيل: إذا كان بعض هذه العلل فالله تعالى، أكرم من أن يحرم عبدًا له مطيعًا، انتهى فى أمره إلى ما أمر به، ثواب عمله بسبب مانع منعه إلى ما قصده وأراده. وقوله ﵇: (اغتسلوا يوم الجمعة وإن لم تكونوا جنبًا) ، فإنه محمول عند الفقهاء على الاستحباب والندب كما تقدم فى باب فضل الغسل يوم الجمعة، وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون: يجزئ غسل واحد للجنابة والجمعة. وابن المنذر صاحب (الإشراف) ، هو القائل: وروينا هذا عن ابن عمر، ومجاهد، ومكحول، ومالك، والثورى، والأوزاعى، والشافعى، وأبى ثور، وقال أحمد: أرجو أن يجزئه، وهو قول ابن كنانة، وأشهب، وابن وهب، ومطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، ورواه عن مالك، وهو قول المزنى. وقال آخرون: لا يجزئه غسل الجمعة عن غسل الجنابة حتى ينويها، هذا قول مالك فى المدونة وذكره ابن عبد الحكم، وذكر ابن المنذر عن بعض ولد أبى قتادة أنه قال: من اغتسل للجنابة يوم الجمعة اغتسل للجمعة. وقال ابن حبيب: لم يختلف قول مالك ومن علمت من أصحابنا، فيمن اغتسل للجنابة وهو ناسٍ للجمعة أن ذلك لا يجزئه عن
стр. 947
غسل الجمعة، غير محمد بن عبد الحكم، فإنه قال: غسل الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة، ولا يجزئ غسل الجمعة عن غسل الجنابة، وقال الأبهرى: إنما لم يجزئ غسل الجمعة عن الجنابة؛ لأن غسل الجنابة فرض، وغسل الجمعة مندوب إليه ليس بفرض وسيأتى معنى قوله: (فلا يفرق بين اثنين) فى بابه.
٦ - باب يَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ
/ ١٠ - فيه: ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ تَلَبِسْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ) . ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) ، فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا. قوله فى الحلة: (فتلبسها للجمعة) ، يدل أنه كان عندهم معهود أن يلبس الرجل أفضل ثيابه وأحسنها لشهود الجمعة، وقد روى عنه ﵇، أنه قال: (ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبى مهنته) ، من بلاغات مالك عن يحيى بن سعيد. وذكر أهل السير: أن النبى ﵇، كان يلبس برده الأحمر يوم الجمعة وأحسن ثيابه، ويمس من الطيب، وكذلك فى العيدين.
стр. 948
قال عبد الرحمن بن أبى ليلى: أدركت أصحاب محمد من أصحاب بدر، وأصحاب الشجرة إذا كان يوم الجمعة لبسوا أحسن ثيابهم وإن كان عندهم طيب مسُّوا منه، ثم راحوا إلى الجمعة. والسيراء: ثياب يخالطها حرير، يقال: سيرت الثوب والسهم: جعلت فيه خطوطًا، من كتاب (العين) .
٧ - باب السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
/ ١١ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ النبى، ﵇: (لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ) . / ١٢ - وفيه: أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ) . / ١٣ - وفيه: حُذَيْفَةَ قَالَ: (كَانَ ﵇، إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ) . قال المؤلف: إذا كانت الجمعة لها مزية فضيلة فى الغسل لها واللباس والطيب، وكان السواك مستحبًا لكل صلاة مندوبًا إليه، كانت الجمعة أولى بذلك. وقال المهلب: قوله: (لولا أن أشق على أمتى) ، يدل أن السنن والفضائل ترتفع عن الناس إذا خشى منها الحرج عليهم، وإنما أكد فى السواك لمناجاة الله ولتلقى الملائكة لتلك المناجاة فلزم تطهير النكهة، وتطييب الفم.
стр. 949
٨ - باب مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ
/ ١٤ - فيه: عَائِشَةَ: دَخَلَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، فَقُلْتُ لَهُ: (أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ) ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَضَمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي. وفيه: الترجمة، وفيه: طهارة ريق ابن آدم، وقد تقدم فى كتاب الطهارة.
٩ - باب مَا يُقْرَأُ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
/ ١٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﵇، يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يوم الْجُمُعَةِ) الم تَنْزِيلُ (، وَ) هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ) [الإنسان ١] ) . ذهب العلماء إلى القول بهذا الحديث، وأجازوا أن يقرأ سورة فيها سجدة فى الفجر يوم الجمعة، روى ذلك عن على بن أبى طالب، وابن عباس واستحبه النخعى، وابن سيرين، وهو قول الكوفيين، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وقالوا: هو سنة، واختلف قول مالك فى ذلك فروى ابن وهب عنه أنه لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة فى الفريضة، وروى عنه أشهب أنه كره للإمام ذلك إلا أن يكون من خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم. وقال المهلب: القراءة فى الصلاة كلها محمولة على قوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) [المزمل: ٢٠] ، وإنما كره ذلك مالك خشية التخليط
стр. 950
على الناس، ولذلك، والله أعلم، ترك النبى، ﵇، فى آخر فعله السجود فى المفصل؛ لأنه الذى يقرأ به فى الصلوات الخمس، وستأتى زيادة فى هذا المعنى فى باب سجود القرآن، إن شاء الله تعالى.
- باب الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى وَالْمُدُنِ
/ ١٦ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ، بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ، فِي مَسْجِدِ عَبْدِالْقَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ الْبَحْرَيْنِ) . / ١٧ - وكَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ، وهو بِوَادِي الْقُرَى: هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ؟ ، وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ، فَكَتَبَ إليه ابْنُ شِهَابٍ أَنْ يُجَمِّعَ، قال: وحَدَّثَنى سَالِم، عن أبيه، أَنَّ النبى، ﵇، قال: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) . أجمع العلماء على وجوب الجمعة على أهل المدن، واختلفوا فى وجوبها على أهل القرى، فقال مالك: كل قرية فيها مسجد أو سوق، فالجمعة واجبة على أهلها، وبه قال الشافعى وجماعة، وقال مالك، والشافعى: لا تجب على أهل العمود، وإن كثروا؛ لأنهم فى حكم المسافرين. وقال أبو حنيفة، والثورى: لا تجب الجمعة إلا على أهل الأمصار خاصة، وأحاديث هذا الباب حجة لمن أوجب الجمعة على أهل القرى. وفى احتجاج ابن شهاب أن الجمعة على أهل القرى بقوله ﵇: (كلكم راع ومسئول عن رعيته) ، حجة للكوفيين فى أن
стр. 951
الجمعة لا تقوم إلا بالأمراء أو من أَذِنَ له الأمراء، وزعموا أن الإمام فيها شرط؛ لأن النبى، ﵇، صلى بهم يوم الجمعة وخلفاؤه بعده، وقال مالك، والشافعى: تقوم الجمعة فى القرى والمدن بِوَالٍ أو غيره. قال ابن القصار: ولو جاز أن يقول إن إقامة الجمعة بالنبى وخلفائه شرط لجاز أن يقول ذلك فى سائر الصلوات؛ لأنه ﵇، تولى سائر الصلوات بنفسه واستخلف أبا بكر الصديق، فكان يجب ألا تصلى صلاة إلا بسلطان أو إذنه، والجمعة لابد أن تفعل فى المسجد مع الأئمة، والجماعات فى الجمعة كما هى فى الأعياد والاستسقاء والخسوف والحج، وهى أعلام من الشرائع بكثرة الاجتماع لها، فجرت عادة السلطان بحضورها لمقاماتها، لا أن غير ذلك لا يجوز، كما فعل سائر الصلوات فى المسجد، وتوعد على تركها معه فى المسجد ولم يقل أن غير ذلك لا يجوز.
- باب هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الْجُمُعَةَ غُسْلٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّمَا الْغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ. / ١٨ - فيه: ابْنَ عُمَرَ قال النبى، ﵇: (مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ) . / ١٩ - وفيه: أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ: (غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) . / ٢٠ - وفيه: أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (. . . نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ. . .) ، إلى قوله: (حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ) .
стр. 952
/ ٢١ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ النَّبِيِّ ﵇: (ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ) . / ٢٢ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلاةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ، وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ؟ قَالَتْ: فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ ، قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ: (لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ) . قال المؤلف: أما الصبيان فلا يلزمهم غسل الجمعة حتى يحتلموا كما قال النبى، ﵇، وقد استحب مالك أن يغتسل من حضر الجمعة من النساء والعبيد والصبيان، وهو قول الشافعى فى غير المحتلمين إذا شهدوا الجمعة، وروى عن طاوس وأبى وائل أنهما كانا يأمران نساءهما بالغسل يوم الجمعة، وأجمع أئمة الفتوى أن الصبيان والنساء لا تلزمهم الجمعة فسقط الغسل عنهم، وكذلك أجمع أئمة الفتوى أن المسافرين لا جمعة عليهم فلا غسل عليهم، وقد روى عن طلحة بن عبيد الله أنه كان يغتسل للجمعة فى السفر، وعن طاوس ومجاهد مثله، وقال أبو ثور: لا يجب ترك ذلك. وقوله ﵇: (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) ، يَرُدُّ هذا كله؛ لأنه ﵇ شرط الغسل بشهود الجمعة، فمن لزمته الجمعة اغتسل، ومن سقطت الجمعة عنه سقط عنه الغسل كما قال ابن عمر، وقوله ﵇: (ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد) ، حجة فى أنه لا جمعة على النساء؛ لأنه ﵇ جعل لأزواجهن الإذن لهم بالليل إلى المساجد ولا جمعة فى الليل، ولو لزمتهن الصلاة فى المساجد كما تلزم الرجال لما خص الليل دون النهار، ولم يخاطب
стр. 953
أزواجهن بالإذن لهن؛ بل خاطبهن آمرًا لهن بذلك، وإن كان إجماع أئمة الفتوى الذين هم الحجة على أن النساء والصبيان لا جمعة عليهم يغنى عن إقامة الدليل عليه. وكذلك حديث امرأة عمر أنها كانت تشهد العشاء والصبح فى جماعة يدل أن الصحابة فهمت إذن النبى، ﵇، للنساء بالصلاة فى الجماعة: إنما أريد به الليل والغلس، على ما بوب له البخارى قبل هذا؛ فإن الجمعة لا إذن لهن فيها، والله الموفق. واختلفوا فى وقت غسل الجمعة، وهل الغسل لأجل اليوم أو لأجل الصلاة، فقال أبو يوسف: إذا اغتسل بعد طلوع الفجر ثم أحدث فتوضأ، ثم شهد الجمعة لم يكن كمن شهد الجمعة على غسل، قال أبو يوسف: إن كان الغسل لليوم فإن اغتسل بعد الفجر، ثم أحدث فصلى الجمعة بوضوء فغسله تام، وإن كان الغسل للصلاة، فإنما شهد الجمعة على وضوء. وذكر ابن المنذر عن مجاهد، والحسن البصرى، والنخعى، والثورى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور، أنه من اغتسل بعد الفجر للجمعة أنه يجزئه من غسل الجمعة، وهو قول ابن وهب صاحب مالك، وقال مالك: لا يجزئه إلا أن يكون غسلاً متصلاً بالرواح ولا يجزئ فى أول النهار. وقال الطحاوى: قوله ﵇: (من جاء إلى الجمعة
стр. 954
فليغتسل) ، وروى (من راح إلى الجمعة فليغتسل) ، يدل أن الغسل للرواح وقوله: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ، و (حق على كل مسلم أن يغتسل فى كل سبعة أيام يومًا) ، يدل أن المقصود به اليوم لا الرواح، والواجب حمل الأخبار على أن المقصود به الصلاة لا اليوم؛ لأن اليوم إنما ذكره لأن فيه الجمعة حتى تتفق معانى الأخبار؛ ولأنهم متفقون على أنه لو اغتسل يوم الجمعة بعد فوات الجمعة أنه غير مصيب لغسل يوم الجمعة، فدل أن المقصود بالغسل إلى الرواح لا إلى اليوم.
- باب الرُّخْصَةِ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْجُمُعَةَ فِي الْمَطَرِ
/ ٢٣ - فيه: ابْنُ عَبَّاسٍ: أنه قال لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: (أَشْهَدُ أَنَّ لا إلهَ إلا الله، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذلك، فقَالَ: فَعَلَهُ مَنْ كَانَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمْعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ) . اختلف العلماء فى التخلف عن الجمعة للمطر، فممن كان يتخلف عنها لذلك: ابن سيرين، وعبد الرحمن بن سمرة، وهو قول أحمد وإسحاق، واحتجوا بهذا الحديث، وقالت طائفة: لا يتخلف عن الجمعة للمطر، روى ابن نافع قال: قيل لمالك: أيتخلف عن الجمعة فى اليوم المطير، قال: ما سمعت، قيل له: فالحديث (ألا صلوا فى الرحال) ، قال: ذلك فى السفر.
стр. 955
وقد رخص فى ترك الجمعة لأعذار أخر غير المطر، روى ابن القاسم عن مالك أنه أجاز أن يتخلف عن الجمعة لجنازة أخ من إخوانه لينظر فى أمره، قال ابن حبيب عن مالك: وكذلك إن كان له مريض يخشى عليه الموت، وقد زار ابن عمر ابنًا لسعيد بن زيد ذكر له شكواه، فأتاه إلى العقيق وترك الجمعة، وهو مذهب عطاء، والحسن، والأوزاعى، وقاله الشافعى فى الولد والوالد إذا خاف فوات نفسه، وقال عطاء: إذا استصرخ على أبيك يوم الجمعة والإمام يخطب فقم إليه واترك الجمعة، وقال الحسن: يرخص فى الجمعة للخائف. وقال مالك فى (الواضحة) : ليس على المريض والصحيح الفانى جمعة، وقال أبو مجلز: إذا اشتكى بطنه لا يأتى الجمعة، وقال ابن حبيب: أرخص النبى، ﵇، فى التخلف عن الجمعة لمن شهد الفطر والأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن المدينة لما فى رجوعهم من المشقة لما أصابهم من شغل العيد، وفعله عثمان لأهل العوالى واختلف قول مالك فيه.
- باب مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ؟ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الجمعة ٩]
وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا كُنْتَ فِي قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ، فَنُودِيَ بِالصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا، سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَم لَمْ تَسْمَعْهُ، وَكَانَ أَنَسٌ ﵁، فِي قَصْرِهِ أَحْيَانًا يُجَمِّعُ، وَأَحْيَانًا لا يُجَمِّعُ، وَهُوَ بِالزَّاوِيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ. / ٢٤ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَارِ، يُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ الْعَرَقُ،
стр. 956
فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ ﵇: (لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا) . اختلف العلماء فى هذا الباب، فقالت طائفة: تجب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله، روى ذلك عن أبى هريرة، وابن عمر، وهو قول عطاء، والأوزاعى، وأبى ثور، وقال الزهرى: يجب على من كان على ستة أميال، وروى عنه أربعة أميال، وهو قول ربيعة، وقالت طائفة: تجب الجمعة على من سمع النداء، روى ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قول مالك، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك فى (المجموعة) : عزيمة الجمعة على كل من كان فى موضع يسمع منه النداء، وذلك على ثلاثة أميال ومن كان أبعد فهو فى سعة، وقال فى (المختصر) : من كان على ثلاثة أميال أو زيادة يسيرة لزمتهم الجمعة، وقال الكوفيون: لا تجب الجمعة إلا على أهل المصر، ومن كان خارج المصر فلا تجب عليه، وإن سمع النداء، وقال حذيفة: ليس على من على رأس ميل جمعة. وقال المهلب: نص كتاب الله يدل على أن الجمعة تجب على من سمع النداء، وإن كان خارج المصر وهذا أصح الأقوال. قال ابن القصار: اعتل الكوفيون لقولهم أن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر، قالوا: لأن الأذان علم لمن لم يحضر، والأذان بعد دخول الوقت، ومعلوم أن من يسمع على أميال يأخذ فى المشى فلا يلحق، فيقال لهم: معنى قوله تعالى: (إذا نودى للصلاة) [الجمعة: ٩] ، أى: إذا قرب وقت النداء لها بمقدار ما يدركها كل ساع إليها، فاسعوا،
стр. 957
وليس على أنه لا يجب السعى إليها إلا حين ينادى لها، والعرب قد تضع البلوغ بمعنى المقاربة كقوله: (إن ابن أم مكتوم لا ينادى حتى يقال له: أصبحت أصبحت) ، أى: قارب الصباح ومثله: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف) [الطلاق: ٢] ، يريد إذا قاربن البلوغ؛ لأنه إذا بلغت آخر أجلها لم يكن له إمساكها، وفى إجماع العلماء على أن من كان فى طرف المصر العظيم، وإن لم يسمع النداء يلزمه السعى دليل واضح أنه لم يرد بالسعى حين النداء خاصة، وإنما أريد قربه، وأما من كان خارج المصر إذا سمع النداء فهو داخل فى عموم قوله تعالى: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) [الجمعة: ٩] ، ولم يخص من فى المصر أو خارجه. وأما حديث عائشة: أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من العوالى، ففيه رد لقول الكوفيين أن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر؛ لأنها أخبرت عنهم بفعل دائم أنهم كانوا ينتابون الجمعة، فدل ذلك على لزومها ووجوبها عليهم. قال محمد بن مسلمة: ومما يبين أن الجمعة لازمة لأهل العوالى إذن عثمان لهم يوم العيد فى الانصراف ولولا وجوبها عليهم ما أَذِنَ لهم. وما روى عن أنس أنه كان مرة يشهد الجمعة من الزاوية وهى على فرسخين من البصرة، ومرة كان لا يشهدها، والفرسخ ثلاثة أميال، ولو كان لازمًا عنده شهودها لمن كان على ستة أميال لما تركها بعض المرات.
стр. 958
واختلفوا فى عدد من تلزمهم الجمعة، فروى عن أبى هريرة أنها لا تنعقد إلا بأربعين نفسًا، هذا قول الشافعى، وزعم أن النبى، ﵇، جمع بأربعين، وذكر ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون، عن مالك أن ثلاثين بيتًا وما قاربهم جماعة. قال ابن القصار: ورأيت لمالك أنها لا تجب على الثلاثة والأربعة، ولكنها تنعقد بما دون الأربعين، وعن ربيعة أنها تنعقد باثنى عشر رجلاً عدد الذين بقوا مع النبى يوم انفضوا إلى العير، قال أبو حنيفة: تنعقد بإمام وثلاثة أنفس، وهو قول الأوزاعى، والمزنى، والثورى، وقال أبو يوسف: تنعقد بإمام ونفسين، وقال الحسن: تنعقد بإمام وآخر معه. وقال ابن القصار: هذا الخلاف كله معارض لقول الشافعى، وليس أحد الأقوال أولى من صاحبه، فوجب الرجوع إلى صفة من خوطب فى الآية، والذين أمر الله بالسعى إليها فهم قوم لهم بيع وشراء، فوجب طلب قوم هذه صفتهم، ولسنا نعتبر عددًا حتى يصيروا به جماعة، ولكنا نقول: كل قوم لهم مسجد وسوق ينطلق عليهم اسم جماعة، فالجمعة واجبة عليهم سواء كانوا خمسة أو أربعين؛ لأن المقادير والتحديدات فى الشريعة لا تثبت إلا من طريق صحيح، وقال المزنى: لا يصح عن أصحاب الحديث ما احتج به الشافعى من أنه حين قدم المدينة جمع أربعين رجلاً؛ لأنه معلوم أن النبى، ﵇، قدم المدينة وقد تكاثر المسلمون وتوافروا فيجوز أن يكون جمع فى موضع نزوله قبل دخوله فى نفس المدينة، فاتفق له أربعون نفسًا.
стр. 959
- باب وَقْتُ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَذَلِكَ يُذكر
عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. / ٢٥ - فيه: عَائِشَةُ قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ، رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. / ٢٦ - وفيه: أَنَسِ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ) . / ٢٧ - قال أنس: كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ، وَنَقِيلُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ. قال المؤلف: إنما ذكر البخارى الصحابة فى صدر هذا الباب؛ لأنه قد روى عن أبى بكر، وعمر، وعثمان أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال من طريق لا يثبت، رواه وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج الكلابى، عن عبد الله بن سَيْدان السلمى قال: شهدت الجمعة مع أبى بكر الصديق، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر وعثمان إلى أن أقول: انتصف النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره. وعبد الله بن سيدان لا يعرف، والصحيح عن الصحابة ما ذكره البخارى، ونحوه ذُكر عن مالك عن عمر فى قصة طنفسة عقيل، وأجمع الفقهاء على أن وقت الجمعة بعد زوال الشمس إلا ما روى عن مجاهد أنه قال: جائز أن تصلى الجمعة فى وقت صلاة العيد؛ لأنها صلاة عيد، وقال أحمد بن حنبل: تجوز صلاة
стр. 960
الجمعة قبل الزوال، وهذا القول يرده حديث أنس المذكور فى هذا الباب وعمل الخلفاء بعده. وقال ابن القصار: لا تخلو الجمعة من أن تكون ظهرًا فوقتها لا يختلف، أو بدلاً من الظهر فيجب ألا يختلف أيضًا؛ لأن الأبدال لا تتقدم مبدلاتها، كالقصر فى السفر لا يخرج الصلاة عن أوقاتها. وقوله: كنا نبكر بالجمعة، فإنما يريد أنهم كانوا يصلونها بعد الزوال فى أول الوقت وهو وقت الرواح عند العرب. وقوله: (نقيل بعد الجمعة) ، يعنى أنهم كانوا يقيلون بعد الصلاة بدلاً من القائلة التى امتنعوا منها بسبب تبكيرهم إلى الجمعة، وقد ذكر ابن أبى شيبة فى حديث جابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع أنهما قالا: كنا نصلى مع رسول الله الجمعة إذا زالت الشمس.
- باب إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
/ ٢٨ - فيه: أَنَسَ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﵇، إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ برَدَ بِالصَّلاةِ - يَعْنِي: الْجُمُعَةَ) . وقَالَ أَبُو خَلْدَةَ: (صَلَّى بِنَا أَمِيرنا الْجُمُعَةَ، ثُمَّ قَالَ لأنَس: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي الظُّهْرَ؟) . هذا الباب فى معنى الذى قبله أن الجمعة وقتها وقت الظهر، وأنها تصلى بعد الزوال يبرد بها فى شدة الحر، ولا يكون الإبراد إلا بعد تمكن الوقت، ومدار هذا الباب على ذكر الظهر؛ فإذا صح بهذا أن الجمعة هى الظهر لم يجز أن تصلى قبل الزوال كما زعم مجاهد وأحمد بن حنبل.
стр. 961
- باب الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الجمعة ٩]
. وَمَنْ قَالَ: السَّعْيُ: الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ؛ لِقَوْل اللَّه تَعَالَى: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) [الإسراء ١٩] ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَحْرُمُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ. / ٢٩ - فيه: عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ، وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: (مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) . / ٣٠ - وفيه: أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﵇، يَقُولُ: (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوهَا وَأَنتم تَسْعَوْنَ، وَائَتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) . / ٣١ - وقال أَبو قَتَادَةَ: قَالَ ﵇: (لا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ) . قال المؤلف: السعى فى لسان العرب يصلح للإسراع فى المشى والاشتداد فيه، ويصلح للعمل والترسل فى المشى دون السعى، فمن السعى الذى هو بمعنى الإسراع قوله ﵇: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، أى: تسرعون، وائتوها تمشون عليكم السكينة) ، وممن كان يسعى إذا سمع النداء: أنس بن مالك. وأما السعى الذى هو بمعنى العمل، فقوله تعالى: (وسعى لها سعيها) [الإسراء: ١٩] ، يعنى: وعمل لها عملها، وقوله: (وإذا تولى سعى فى
стр. 962
الأرض ليفسد فيها) [البقرة: ٢٠٥] ، وقال: (وأما من جاءك يسعى) [عبس: ٨] ، هذه الآيات، لما علم أن المراد بها غير الجرى، على صحة هذا القول، وبأن قوله ﵇: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون، وعليكم السكينة) ، أن المراد بقوله تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله) [الجمعة: ٩] ، غير الجرى، وكذلك قال الحسن فى تأويل هذه الآية: أما والله ما هو بالسعى على الأقدام، وقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنيات والخشوع. وإلى هذا ذهب مالك وأكثر العلماء، وهو مذهب البخارى، وكان عمر وابن مسعود يقرأن: (فامشوا إلى ذكر الله) ، وقال ابن مسعود: لو قرأتها (فاسعوا) لسعيت حتى يسقط ردائى. واختلفوا فى وقت تحريم البيع والشراء، فقالت طائفة: هو زوال الشمس، وروى ذلك عن عطاء، والقاسم، والحسن، ومجاهد، وقالت طائفة: هو عند النداء الثانى والإمام على المنبر، رواه ابن القاسم عن مالك، وأنكر منع الناس البيع قبل ذلك. واختلفوا فى البيع فروى ابن القاسم عن مالك أن البيع مفسوخ، وروى عنه ابن وهب، وعلى بن زياد: بئس ما صنع ويستغفر الله، وقال عنه على: ولا أرى الربح فيه حرامًا. وقال ابن القاسم: لا يفسخ ما عقد حينئذ من النكاح، وإن لم يدخل، ولا تفسخ الهبة، والصدقة، والرهن، والحمالة، وقال أصبغ: يفسخ النكاح، وقال أبو حنيفة، والثورى، والشافعى: البيع صحيح، وفاعله عاصٍ لله؛ لأن النهى لم يقع على البيع، وإنما جرى ذكر البيع؛ لأنهم كانوا يشتغلون بالتجارة عن الجمعة، والمعنى
стр. 963
المقصود من ذلك كل ما يمنع من إثباتها، وقد أجمع العلماء على أن المصلى لا يحل له فى صلاته بيع ولا شراء، فلو قال رجل لآخر فى الصلاة: بعنى سلعتك بكذا، فأجابه المصلى بنعم، أو بكلام ينعقد فيه البيع أن البيع جائز، وإن كان عاصيًا؛ لأن البيع معنى والصلاة غيره. وقال الزهرى: إذا سمع المؤذن يوم الجمعة وهو مسافر، فعليه أن يشهد، قال ابن المنذر: وقد اختلف فيه عنه، وأكثر العلماء على أنه لا جمعة على مسافر.
- باب لا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
/ ٣٢ - فيه: سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ، أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأخْرَى) . وقوله: (لا يفرق بين اثنين) ، يعنى لا يتخطى رقابهما، يدل على ذلك ما رواه ابن أبى خيثمة قال: حدثنا محمد بن بكار، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا هشام بن زياد، عن عمار بن سعد، عن عثمان بن أبى الأرقم، عن أبيه، وكان من أصحاب النبى ﵇، قال: (الذى يتخطى رقاب الناس يفرق بين الاثنين يوم الجمعة بعد خروج الإمام كالجارِّ قصبه فى النار) .
стр. 964
وروى ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما) . وفى قوله: (لا يفرق بين اثنين) ، حض على التبكير إلى الجمعة؛ ليصل إلى مكان مصلاه دون تخط ولا تفريق بين اثنين. اختلف العلماء فى التخطى، فكرهه أبو هريرة، وسلمان، وكعب، ورواه ابن أبى شيبة عن أبى هريرة قال: لأن أصلى بالحرة أحب إلىّ من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، وعن سعيد بن المسيب مثله، وقال كعب: لأن أدع الجمعة أحب إلى من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، وقال سلمان: إياك والتخطى واجلس حيث بلغتك الجمعة، وهو قول عطاء، والثورى، وأحمد بن حنبل. وفيه قول ثان: قال قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه، وقال الأوزاعى: يتخطاهم إلى السعة، وهذا يشبه قول الحسن البصرى قال: لا بأس بالتخطى إذا كان فى المسجد سعة، وقال الشافعى: أكره التخطى قبل دخول الإمام وبعده إلا أن لا يجد السبيل إلى المصلى إلا بأن يتخطى فيسعه التخطى. وفيها قول ثالث: روى عن أبى نضرة قال: يتخطاهم بإذنهم، وكان مالك لا يكره التخطى إلا إذا كان الإمام على المنبر، ولا بأس به قبل ذلك إذا كان بين يديه فرج، وذكر الطحاوى عن الأوزاعى مثله، قال: التخطى الذى جاء فيه القول إنما هو والإمام يخطب؛ لأن الآثار تدل على ذلك؛ ألا ترى قوله ﵇: (الذى يتخطى رقاب الناس فيفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه فى النار) ، وقوله للذى يتخطى وهو يخطب: (آذيت وآنيت) .
стр. 965
- باب لا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ فِي مَكَانِهِ
/ ٣٣ - فيه: ابْنَ عُمَرَ: نَهَى رسول الله ﷺ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ مِنْ مَقْعَدِهِ، وَيَجْلِسَ فِيهِ، قُلْتُ لِنَافِعٍ: الْجُمُعَةَ؟ ، قَالَ: الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا. قال المهلب: هذا على العموم كما قال نافع، لا يجوز أن يقيم أحد أحدًا من مكانه؛ لأنه من سبق إلى موضع من مواضع الجماعات التى يتساوى الناس فيها فهو أحق به لبداره إليه.
- باب الأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
/ ٣٤ - فيه: السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رسول الله وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ، وَكَثُرَ النَّاسُ، زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. وترجم له: (باب المؤذن الواحد يوم الجمعة) ، وزاد فيه. / ٣٥ - عن السَّائِبِ قال: وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﵇، مُؤَذِّنٌ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ التَّأْذِينُ حِينَ يَجْلِسُ الإمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. اختلف معنى قول مالك فى صفة الأذان يوم الجمعة، فروى عنه ابن عبد الحكم قال: إذا جلس الإمام على المنبر ونادى المنادى منع الناس من البيع تلك الساعة، وهذا يدل أن النداء عنده واحد على ما فى هذا الحديث، ونحوه عن الشافعى، وفى المدونة قال مالك: إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنون فى الأذان حرم البيع حينئذ، فذكر المؤذنين بلفظ الجمع، ونحوه عن الكوفيين، وقال مالك فى المجموعة: إن هشام بن عبد الملك هو الذى أحدث الأذان بين يديه وإنما الأذان على المنار واحدًا بعد واحدٍ إذا جلس الإمام على المنبر.
стр. 966
واحتج الطحاوى بما رواه الزهرى عن ثعلبة بن أبى مالك القرظى أنهم كانوا فى زمن عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج وجلس على المنبر وأذن المؤذنون، بلفظ الجمع، وهذا كله يدل أنه إن أذَّن مؤذنون أو مؤذن أجزأ فى ذلك، ألا ترى قوله تعالى: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة) [الجمعة: ٩] ، أنه يدخل فى معناه أقل ما يقع عليه اسم نداء وهو مؤذن واحد. فإن قال قائل: فإن كان مؤذنًا واحدًا على ما روى الزهرى عن السائب فما معنى قوله فى آخر الحديث: (فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء) ، وهذا يدل أن ثم أذانًا ثانيًا، وآخر الحديث مخالف لأوله. قيل: لا اختلاف فيه ولا تناقض وإنما كان يؤذن المؤذن ثم يقيم والإقامة تسمى أذانًا، وقد بين ذلك ابن أبى شيبة فى (مصنفه) من رواية ابن أبى ذئب، عن الزهرى، عن السائب: (أن النداء كان أوله على عهد النبى، ﵇، وأبى بكر وعمر إذا خرج الإمام، وإذا قامت الصلاة، حتى إذا كان زمن عثمان وكثر الناس فزاد النداء الثالث على الزوراء، فثبت حتى الساعة) ، فبان بهذا الحديث أن الأذان الثانى المتوهم فى حديث السائب إنما يعنى به: الإقامة، ويشهد لصحة ذلك قوله ﵇: (بين كل أذانين صلاة لمن شاء) ، يعنى بين كل أذان وإقامة صلاة، وقد روى عقيل، عن ابن شهاب، عن السائب: أن التأذين الثانى يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر الناس، ذكره البخارى فى
стр. 967
باب الجلوس على المنبر عند التأذين بعد هذا فتكون الإقامة: الأذان الثالث على هذا القول. وقوله: (كان التأذين حين يجلس الإمام على المنبر) ، قال المهلب: إنما جعل التأذين فى هذا الوقت، والله أعلم، ليعرف الناس بجلوس الإمام فينصتون له. والزوراء: حجر كبير عند باب المسجد .
- باب يُجِيبُ الإمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ
/ ٣٦ - فيه: مُعَاوِيَةَ: (أنه جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا، فَلَمَّا قَضَى التَّأْذِينَ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي) . قال المؤلف: فى هذا الحديث إباحة الكلام للإمام على المنبر قبل أن يدخل فى الخطبة بما فيه تعليم الناس السنن؛ لأن القول مثل ما يقول المؤذن قد حض عليه النبى، ﵇، وقد تقدم فى أبواب الأذان اختلاف العلماء فيمن كان فى صلاة هل يقول مثل ما يقول المؤذن؟ .
- باب الْجُلُوسِ عَلَى الْمِنْبَرِ عِنْدَ التَّأْذِينِ
/ ٣٧ - فيه: السَّائِبَ: أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ، حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإمَامُ، رواه عقيل
стр. 968
عَنِ الزُّهْرِيِّ، وروى يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبَ: (فَلَمَّا كَانَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ وَكَثُرُوا، أَمَرَ بِالأذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ) . الجلوس على المنبر إنما هو لمن يخطب عليه، ومن خطب فى الأرض، فإنما يجلس عند التأذين فى موضع خطبته وهذه الجلسة قبل التأذين وضعت له، وهى سنة عند مالك، والشافعى، وأبى ثور، ولذلك قال العلماء: لا جلوس فى العيد قبل الخطبة؛ لأن العيد لا أذان فيه، وقال أبو حنيفة: لا يجلس الإمام قبل الخطبة، وخالف هذا الحديث.
- باب الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ
وَقَالَ أَنَسٌ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﵇، عَلَى الْمِنْبَرِ. / ٣٨ - فيه سَهْلَ: أن النبى، ﵇، قال لامْرَأَةٍ: (مُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ، إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ، فَعَمِلَته. . .) ، الحديث. / ٣٩ - وفيه: جَابِرَ قَالَ: كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﵇، فَلَمَّا وُضِعَ الْمِنْبَرُ، سَمِع لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ الْعِشَارِ، حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﵇، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. / ٤٠ - وفيه: ابن عمر: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵇، يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ. قال: إذا كان الخليفة هو الذى يخطب، فسنته أن يجلس على المنبر إذا خطب، وإذا خطب غير الخليفة قام إن شاء على المنبر، وإن شاء على الأرض.
стр. 969
قال مالك: ومن لا يرقى على المنبر عندنا، فمنهم من يقوم عن يسار المنبر، ومنهم من يقوم عن يمينه وكل واسع، وروى أن أبا بكر الصديق نزل بعد النبى، ﵇، درجةً من المنبر تواضعًا منه، ولم ير نفسه أهلاً لموضع النبى، ﵇، وكذلك فعل عمر نزل بعد أبى بكر، فكان يخطب على الأولى، وكان المنبر من ثلاث درجات. وجماعة الفقهاء على أن الخطبة من شرط الجمعة لا تصح إلا بها، ومتى لم يخطب الإمام صلى أربعًا، وشذ الحسن البصرى فقال: تجزئهم جمعتهم خطب الإمام أو لم يخطب، ذكره ابن المنذر عنه، وذكر عبد الوهاب أنه قول أهل الظاهر. ويرد قولهم أن النبى، ﵇، لم يجمع قط إلا بخطبة، نقل ذلك الكافة عن الكافة ومن لا يجوز عليه السهو، ولو كانت الجمعة تجزئ بغير خطبة لبين ذلك لأمته، وقد قال عمر بن الخطاب: إنما قصرت الصلاة من أجل الخطبة، وقال سعيد بن جبير: إن الخطبة جعلت مكان الركعتين. وحديث جابر يعارض حديث سهل فى الظاهر؛ لأنه قال ﵇، فى حديث سهل: (مُرى غلامك النجار يعمل لى أعوادًا أجلس عليهن إذا كلمت الناس) ، فدل هذا أنه كان يخطب جالسًا، وقال جابر فى حديثه: (كان جذع يقوم إليه النبى، ﵇ ، فدل هذا أنه كان يخطب قائمًا، والذى يجمع بين الحديثين وينفى التعارض أنه لم يحفظ عنه، ﵇، أنه خطب للجمعة قط إلا قائمًا، وقد قال بعض العلماء فى قول الله تعالى: (وتركوك
стр. 970
قائمًا) [الجمعة: ١١] ، قال: قائمًا يخطب، فيمكن أن يكون جلوسه فى حديث سهل إذا خطب الناس فى غير الجمعة لوعظ أو تعليم جلس على المنبر، وإذا خطب فى الجمعة قام، ويؤيد هذا حديث ابن عمر، وقد ترجم له باب الخطبة قائمًا . وفى حديث جابر علم عظيم من أعلام نبوته، ودليل على صحة رسالته، ﵇، وهو حنين الجماد إليه وذلك بأن الله تعالى، جعل للجذع حياة حَنَّ بها، وهذا لا يجوز إلا أن يكون بفضل الله تعالى، الذى يحيى الموتى، بقوله: (كن فيكون (.
- باب الْخُطْبَةِ قَائِمًا
وَقَالَ أَنَسٌ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﵇، يَخْطُبُ قَائِمًا. / ٤١ - فيه: ابْنِ عُمَرَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﵇، يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ، كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ) . اختلف العلماء فى الخطبة قائمًا، فقال مالك، والشافعى: يخطب قائمًا، وقال أبو حنيفة: إن شاء خطب قائمًا أو جالسًا، ذكره ابن القصار عنه. قال المؤلف: وحديث عبد الله بن عمر يدل على صحة قول مالك؛ لأن قوله: كان النبى، ﵇، يخطب قائمًا، ثم يقعد، ثم يقوم، يدل على تكرار فعله فى ذلك ودوامه، وأنه لم يخالف ذلك، ولا خطب جالسًا، وذكر ابن أبى شيبة عن طاوس، قال: خطب رسول الله قائمًا، وأبو بكر قائمًا وعمر قائمًا وعثمان قائمًا، وأول من
стр. 971
جلس على المنبر معاوية بن أبى سفيان: وقال الشعبى: إنما خطب معاوية قاعدًا حين كثر شحم بطنه. قال المؤلف: رأيت للشافعى أنه إذا خطب قاعدًا ولم يعلموا أنه مريض حملوه على أنه معذور حتى يستيقنوا، فإن تبين لهم أنه خطب قاعدًا من غير عذر بطلت صلاتهم جميعًا، لقوله تعالى: (وتركوك قائمًا) [الجمعة: ١١] ، وأن النبى لم يخطب قط إلا قائمًا. قال ابن القصار: والذى يقع فى نفسى أن القيام فى الخطبة واجب وجوب سنة لا أنه إن تركه فسدت الخطبة، ولا أنه مباح إن شاء فعله، وإن شاء تركه كما قال أبو حنيفة.
باب اسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإمَامَ إِذَا خَطَبَ وَاسْتَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ الإمَامَ
. (١) / ٤٢ - فيه: أَبَو سَعِيدٍ: (أنَّ النَّبِيَّ ﵇، جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ) . واستقبال الإمام للناس سنة لكل من يقابله، ومن لا يقابله فيصرف إليه وجهه، يدل على ذلك قول أبى سعيد: (وجلسنا حوله) ، ولا يكون جلوسهم حوله إلا وهم ينظرون إليه، ومن أدبر عنه، فليس بمستمع له ولا مقبل عليه. ومعنى استقبالهم له، والله أعلم، لكى يتفرغوا لسماع موعظته وتدبر كلامه ولا يشتغلوا بغير ذلك، وقال الشعبى: من السنة أن
стр. 972
يستقبل الإمام يوم الجمعة، وقال ابن المنذر: استقبال الناس الإمام إذا خطب هو قول شريح، وعطاء، ومالك، والثورى، والكوفيين، والأوزاعى، والشافعى، وإسحاق، وهو كالإجماع، وروى وكيع عن أبان ابن عبد الله البجلى، عن عدى بن ثابت، قال: (كان النبى، ﵇، إذا خطب استقبله أصحابه بوجوههم) .
- باب مَنْ قَالَ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ أَمَّا بَعْدُ
رَوَاهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﵇. / ٤٣ - فيه: أسماء فى حديث الكسوف. / ٤٤ - وفيه: عمرو بن تغلب. / ٤٥ - وعائشة. / ٤٦ - وأبو حميد الساعدى. / ٤٧ - والمسور بن مخرمة. / ٤٨ - وحديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (صَعِدَ النَّبِيُّ ﵇، على الْمِنْبَرَ، وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ، مُتَعَطِّفًا بمِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ. . .) ، الحديث. وقال فى هذه الأحاديث كلها بعد الثناء على الله: (أما بعد) . قال المؤلف: (أما بعد) من فصيح الكلام، وهو فصل بين الثناء على الله تعالى، وبين ابتداء الخبر الذى يريد الخطيب إعلام الناس به، وقد قال بعض أهل التأويل فى قول الله تعالى، عن داود ﵇: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) [ص: ٢٠] ، أنه: أما بَعْد. وقد اختلف العلماء فيما يجزئ من الخطبة، فذكر ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون وأصبغ أنه تجزئه خطبة واحدة، ورواه مطرف عن مالك، وهو قول الأوزاعى، وأبى يوسف، ومحمد، وإسحاق،
стр. 973
وأبى ثور، قال ابن حبيب: ولو لم يُتم الأولى وتكلم بما خف من الثناء على الله وعلى نبيه ﵇، لأجزأه. وروى مطرف عن مالك فى مختصر ابن عبد الحكم: إن سبح أو هلل وصلى على النبى، ﵇، فلا إعادة عليه، وقال الشعبى: يجزئه ما قل وكثر، وقال أبو حنيفة: يجزئه إن خطب بتسبيحة واحدة، قال ابن حبيب: روى ابن القاسم عن مالك أنه إن لم يخطب من الثانية ما لهُ بال لم يجزئهم وأعادوا، ونحوه قال الشافعى إلا أنه قال: أقل ما يجزئ من الخطبتين جميعًا أن يحمد الله تعالى، ويصلى على الرسول، ويوصى بتقوى الله، ويقرأ آيات من القرآن فى الأولى، ويحمد الله ويصلى على النبى ويدعو فى الآخرة. وقوله: (عصابة دسمة) ، فذكر أبو عمر المطرز أنها السوداء وذكره عن ثعلب، عن ابن الأعرابى قال: ومنه حديث عثمان بن عفان، أنه مر ببعض طرقات المدينة فرأى صبيًا ومعه حشمة فقال: دسموا نونته لكى لا تصيبه العين، معناه دسموا ذلك الموضع ليرد العين، والنونة: النقبة التى تكون فى ذقن الصبى الصغير، وقال ابن دريد: الدسمة: غبرة فيها سواد، الذكر: أدسم، والأنثى: دسماء، وأنشد: إلى كل دسماء الذراعين والعقب ذكر البخارى هذا الحديث فى كتاب اللباس وقال: عصابة دسماء، وقال أبو عمرو الشيبانى: العصابة: العمامة.
стр. 974
قال المؤلف: وإنما سميت العمامة عصابة؛ لأنها تعصب الرأس أى تربطه؛ ألا ترى قول الحجاج: لأعصبنكم عصب السلمة، أى: لأربطنكم ربط الشجرة.
- باب الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
/ ٤٩ - فيه: ابْنِ عُمَرَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﵇، يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا) . اختلف العلماء فى الجلسة بين الخطبتين فعند مالك هى سنة، وعند الشافعى واجبة، فإن لم يخطب خطبتين يجلس بينهما صلى الظهر أربعًا، وعند أبى حنيفة إن شاء خطب قائمًا أو جالسًا، وروى عن المغيرة بن شعبة أنه كان لا يجلس فى خطبته. وحجة من قال إنها سنة حديث ابن عمر: (أن النبى، ﵇، كان يجلس فى خطبته) ، ولم يقل إنه لا تجزئه الخطبة إلا بالجلوس فيها؛ لأن عليه فرض البيان، ومن قال: إنها فريضة فلا حجة له؛ لأن القعدة فصل بن الذِّكرين، واستراحة للخطيب، وليست من الخطبة فى شىء، والمفهوم من لسان العرب أن الخطبة اسم للكلام الذى يخطب به خاصة لا للجلوس. قال الطحاوى: ولم يقل بقول الشافعى أحد غيره، ولما كان لو خطب خطبتيه جميعًا قاعدًا جازت الخطبة، ولم يقع بينهما فصل، كذلك تجوز إذا قام موضع القعود. قال غيره: ولو كانت فريضة ما جهلها المغيرة بن شعبة، ولو
стр. 975
جهلها ما ترك جماعة من بحضرته من الصحابة والتابعين تنبيهه عليها وإعلامه بوجوبها، وقد حُصِرَ عثمان عن الخطبة فتكلم ونزل ولم يجلس، ولم يخالفه أحد فصار كالإجماع، ذكره ابن القصار.
- باب الاسْتِمَاعِ إِلَى الْخُطْبَةِ
/ ٥٠ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ ﵇: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فَالأوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ، كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) . استماع الخطبة واجب وجوب سنة عند أكثر العلماء، ومنهم من جعله فريضة، روى عن مجاهد أنه قال: لا يجب الإنصات للقرآن إلا فى موضعين فى الصلاة والخطبة. وفى استماع الملائكة للخطبة حض على الاستماع إليها والإنصات لها، وقال أكثر العلماء: الإنصات واجب على من سمعها ومن لم يسمعها، وهو قول مالك، وقد قال عثمان بن عفان: للمنصت الذى لا يسمع من الأجر مثل ما للمنصت الذى يسمع، وكان عروة بن الزبير لا يرى بأسًا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة، ذكره ابن المنذر، وقال إبراهيم: إنى لأقرأ حزبى إذا لم أسمع الخطبة، وقال أحمد: لا بأس أن يذكر الله ويقرأ من لم يسمع الخطبة. واختلفوا فى وقت الإنصات، فقال أبو حنيفة: خروج الإمام يقطع الكلام والصلاة جميعًا لقوله: (فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر) ، وقالت طائفة: لا يجب الإنصات إلا عند
стр. 976
ابتداء الخطبة، ولا بأس بالكلام قبلها هذا قول مالك، والثورى، وأبى يوسف، ومحمد، والأوزاعى، والشافعى، وحجتهم قوله ﵇: (وينصت إذا تكلم الإمام) ، ذكره فى باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب بعد هذا.
- باب إِذَا رَأَى الإمَامُ رَجُلا جَاءَ وَهُوَ يَخْطُبُ، أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ
/ ٥١ - فيه: جَابِرِ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﵇، يَخْطُبُ النَّاسَ، قَالَ: صَلَّيْتَ يَا فُلانُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: قُمْ فَارْكَعْ) . وترجم له: (باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين) . / ٥٢ - وقال فيه: فصل رَكْعَتَيْنِ. اختلف العلماء فى معنى هذا الحديث، فقال قوم بظاهره وقالوا: من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين، وذلك سنة معمول بها، روى هذا عن الحسن، ومكحول وبه قال الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وطائفة من أهل الحديث. وفيه: قول ثان: قال الأوزاعى: من ركعهما فى بيته، ثم دخل المسجد والإمام يخطب قعد ولم يركع، وإن لم يكن ركعهما ركعهما فى المسجد؛ لأنه ﵇ إنما أمره بالركوع حين ذكر له أنه لم يصل فى بيته. وفيها قول ثالث: قال أبو مجلز: إن شئت فاركع وإن شئت فاجلس. وفيها قول رابع: أنه يجلس ولا يركع وهو قول الجمهور، ذكره
стр. 977
ابن أبى شيبة عن عمر، وعثمان، وعلى بن أبى طالب، وابن عباس، ومن التابعين عن عطاء، والنخعى، وابن سيرين، وشريح، وعروة، وسعيد بن المسيب، وهو قول مالك، والليث، والكوفيين. واحتج بعض أهل هذه المقالة أن النبى، ﵇، إنما أمره بالصلاة لبذاذة هيئته؛ فأراد أن يفطن الناس له ويتصدقوا عليه، وروى ذلك ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، عن أبى سعيد الخدرى: (أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله على المنبر، فأمره النبى، ﵇، أن يدنوا منه، فأمره أن يركع ركعتين قبل أن يجلس وعليه خرقة خلق، ثم صنع ذلك فى الثانية، فأمره بمثل ذلك، ثم صنع مثل ذلك فى الجمعة الثالثة، فأمره النبى، ﵇، بمثل ذلك، وقال للناس: تصدقوا، فألقى الثياب، فأمره النبى، ﵇، فأخذ ثوبين، فلما كان بعد ذلك أمر الناس أن يتصدقوا، فألقى الرجل أحد ثوبيه فغضب رسول الله ثم أمره أن يأخذ ثوبه) . قال الطحاوى: وقد يجوز أن يكون النبى، ﵇، أمر سُليكًا بالصلاة فقطع خطبته ثم استأنف، وقد يجوز أن يكون بنى عليها، وكان ذلك قبل أن ينسخ الكلام فى الصلاة، ثم نسخ الكلام فى الصلاة فنسخ أيضًا فى الخطبة، وقد يجوز أن يكون ما قال أهل المقالة الأولى ويكون سنة معمولاً بها، فنظرنا هل روى شىء يخالف ذلك؟ فإذا بحر ابن نصر، حدثنا عن عبد الله بن وهب قال: سمعت معاوية بن صالح يحدث عن أبى الزاهرية، عن عبد الله بن بُسر قال: (جاء رجل فتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال له رسول الله: اجلس فقد آذيت) ، فأمره ﵇ بالجلوس ولم يأمره بالصلاة، وهذا
стр. 978
يخالف حديث سليك، وكذلك حديث أبى سعيد الخدرى يدل أن ذلك كان فى حال إباحة الأفعال فى الخطبة قبل أن ينهى عنها، وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه، والإمام يخطب مكروه وأن مسه الحصى، وقوله لصاحبه: أنصت فى الخطبة مكروه. قال الطحاوى: والدليل على أنه كان وقت إباحة الكلام فى الخطبة أنه ذكر فى حديث أبى سعيد الخدرى: (أن النبى، ﵇، أتى بالصدقة فأعطى منها رجلاً ثوبين، فلما كانت الجمعة طرح الرجل أحد ثوبيه فصاح الرسول به، وقال: (خذه، ثم قال: انظروا إلى هذا جاء تلك الجمعة. . .) ، وذكر الحديث، ولا نعلم خلافًا أن مثل هذا الكلام محظور فى الخطبة لقوله ﵇: (إذا قلت لأخيك: أنصت والإمام يخطب فى الخطبة فقد لغوت) . ومن طريق النظر، فقد رأيناهم لا يختلفون أن من كان فى المسجد قبل أن يخطب الإمام، فإن الخطبة تمنعه من الصلاة، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك من دخل المسجد، والإمام يخطب ألا يصلى؛ لأنه داخل فى غير موضع صلاة، والأصل المتفق عليه أن الأوقات التى تمنع من الصلوات يستوى فيها من كان قبلها فى المسجد، ومن دخل فيها فى المسجد فى المنع من الصلاة. فإن قال قائل: إنما أمره ﵇، أن يركع لقوله ﵇: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) . قيل له: إنما هذا لمن دخل فى المسجد فى وقت تحل فيه الصلاة؛ ألا ترى أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس وعند غروبها، وفى الأوقات المنهى عن الصلاة فيها أنه لا ينبغى له الصلاة، وليس كمن أمره النبى، ﵇، بالركوع لدخوله المسجد.
стр. 979
قال غيره: فى حديث جابر حجة لمن أجاز للخطيب يوم الجمعة أن يتكلم فى خطبته بما عرض له من كلام من غير جنس الخطبة بما فيه نفع للناس وتعليم لهم، وقد روى عن على بن أبى طالب ذلك حين تخطى الأشعث بن قيس رقاب الناس، ذكره الطبرى. وفى (المدونة) : جائز أن يتكلم الإمام فى خطبته لأمر أو نهى، ولا يكون لاغيًا، ومن كلمه الإمام فرد عليه لم يكن لاغيًا.
- باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْخُطْبَةِ
/ ٥٣ - فيه: أَنَسٍ قَالَ: (بَيْنَمَا رسول الله يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْكُرَاعُ، هَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا) . وترجم له: (باب الاسْتِسْقَاءِ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) . / ٥٤ - وزاد فيه: (حتَى سَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ) . رفع اليدين فى الخطبة فى معنى الضراعة إلى الله والتذلل له، وقد أخبر النبى، ﵇، أن العبد إذا دعا الله تعالى، وبسط كفيه أنه لا يردهما خائبين من فضله، فلذلك رفع النبى ﵇، يديه. وقد أنكر بعض الناس ذلك، فروى الأعمش، عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر، فرفع الناس أيديهم، فقال مسروق: ما لهم قطع الله أيديهم، وقال الزهرى: رفع الأيدى يوم الجمعة محدث، وقال ابن سيرين: أول من رفع يديه يوم الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر.
стр. 980
وكان مالك لا يرى رفع اليدين إلا فى خطبة الاستسقاء، وسيأتى هذا المعنى مستقصى فى كتاب الاستسقاء، إن شاء الله تعالى، ويأتى فيه تفسير (الجوبة) . وقوله فى هذا الحديث: (حتى سال الوادى قناة شهرًا) ، فمعناه اسم الوادى ولم يصرفه؛ لأنه معرفة بدل من معرفة، وفى أبواب الاستسقاء (حتى سال وادى قناة) غير مصروف أيضًا؛ لأن قناة معرفة، وهى اسم البقعة، والجَوْدُ: المطر الغزير، يقال: جاد المطر جودًا أو جودة: إذا كثر، وسيأتى حكم الاستسقاء فى خطبة الجمعة بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
٣٠ - باب الإنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإمَامُ يَخْطُبُ، وَإِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا وَقَالَ سَلْمَانُ عَنِ النَّبِيِّ ﵇: (يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ
. / ٥٥ - فيه: أَبَو هُرَيْرَةَ أَنَّ النبى ﵇، قَالَ: (إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ، وَالإمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ) . اللغو: كل شىء من الكلام ليس بحسن، عند أبى عبيدة. وقال قتادة فى قوله تعالى: (وإذا مروا باللغو مروا كرامًا) [الفرقان: ٧٢] ، قال: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم. وجماعة أئمة الفتوى على وجوب الإنصات للخطبة، وفى حديث سلمان حجة لمن رأى الإنصات عند ابتداء الخطبة وقد تقدم هذا،
стр. 981
وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب فأقرع رأسه بالعصا، وروى عن عمر، وابن عمر، وابن عباس أنهم قالوا: من قال لصاحبه اسكت فلا جمعة له، وقال ابن عباس: الذى يتكلم والإمام يخطب، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، ذكره ابن أبى شيبة. وقوله: (لا جمعة له) ، أى لا جمعة كاملة مثل جمعة المنصت؛ لأن جماعة الفقهاء مجمعون أن جمعته مجزئة عنه، ولا يصلى أربعًا. وقال ابن وهب: من لَغَا كانت صلاته ظهرًا ولم تكن له جمعة وحُرِمَ فضلها. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: هل تعلم شيئًا يقطع جمعة الإنسان حتى يجب عليه أن يصلى أربعًا من كلام أو تخطى رقاب الناس أو غير ذلك؟ قال: لا. وقد رخص جماعة من التابعين فى الكلام والإمام يخطب إذا كان من أئمة الجور أو أخذ فى خطبته فى غير ذلك، روى عن النخعى، والشعبى، وأبى بردة، وسعيد بن جبير أنهم كانوا يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا، وروى ابن أبى شيبة أن إبراهيم كُلِّم فى ذلك فقال: إنى كنت قد صليت، ورأى الليث إذا أخذ الإمام فى غير ذكر الخطبة والموعظة أن يتكلم ولا ينصت. وروى ابن وهب، وابن نافع، وعلى بن زياد، عن مالك أن الإمام إذا لغا وشتم الناس فعلى الناس الإنصات ولا يتكلمون، وروى عنه
стр. 982
إذا خطب فى أمر ليس من الخطبة، ولا من الصلاة من أمر كتاب يقرؤه أو نحو ذلك، فليس على الناس الإنصات. ورأى الليث إذا أخذ الإمام فى غير ذكر الله والموعظة أن يتكلم ولا ينصت. واختلفوا فى رد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب فرخص فى ذلك النخعى، والشعبى، والحسن، وهو قول الثورى، والأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، وكره ذلك مالك والكوفيون، والشافعى.
٣١ - باب السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ
/ ٥٦ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: (فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا) . اختلف السلف فى هذه الساعة، فروى عن أبى هريرة قال: هى من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. وقال الحسن، وأبو العالية: هى عند زوال الشمس، وقال أبو ذر: هى ما بين أن تزيغ الشمس بشبر إلى ذراع، وقالت عائشة: هى إذا أذن المؤذن بالصلاة، وقال ابن عمر: هى الساعة التى
стр. 983
اختار الله فيها الصلاة، وهو قول أبى بردة، وابن سيرين، وقال أبو أمامة: إنى لأرجو أن تكون فى هذه الساعات: إذا أذن المؤذن، أو إذا جلس الإمام على المنبر، أو عند الإقامة. قال الشعبى: هو ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل، وحجة هذا القول ما روى ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبى بردة بن أبى موسى قال: (قال لى عبد الله بن عمر: سمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ فى شأن ساعة الجمعة؟ قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت النبى، ﵇، يقول: (هى ما بين مجلس الإمام إلى تقضى الصلاة) . وروى الأوزاعى عن من حَدَّثَهُ عن أبى الخير، عن على بن أبى طالب قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا زالت الأفْيَاء وراحت الأرواح، فاطلبوا إلى الله تعالى حوائجكم، فإنها ساعة الأوابين، وإنه كان للأوابين غفورًا) . وقال عبد الله بن سلام: هى ما بين العصر إلى أن تغرب الشمس، وروى مثله عن ابن عباس، وأبى هريرة، ومجاهد، وطاوس. قال المهلب: وحجة من قال: إنها بعد العصر قوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون فى صلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم) ، فهو وقت العروج وعرض الأعمال على الله تعالى، فيوجب الله تعالى، فيه مغفرته للمصلين من عباده؛ ولذلك شدد النبى، ﵇، على من حلف على سلعة بعد العصر لقد أعطى بها أكثر؛ تعظيمًا للساعة، وفيها يكون اللعان والقسامة، وقيل فى قوله تعالى: (تحبسونهما من بعد الصلاة) [المائدة: ١٠٦] ، أنها بعد العصر.
стр. 984
ومعنى قوله: (وهو قائم يصلى) ، قد فسرهُ عبد الله بن سلام لأبى هريرة فقال: ألم يقل رسول الله: (من جلس ينتظر الصلاة فهو فى صلاة) ، فقال أبو هريرة: بلى، فقال: هو ذاك. وروى ابن أبى أويس عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن الثقة، عن صفوان بن سليم، عن أبى سلمة، عن أبى سعيد الخدرى قال: قال النبى، ﵇: (الساعة التى يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس أغفل ما يكون الناس) .
٣٢ - باب إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإمَامِ فِي صَلاةِ الْجُمُعَةِ، فَصَلاةُ الإمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ
/ ٥٧ - فيه: جَابِرُ قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﵇، إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ إِلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) [الجمعة ١١] ) . قال المؤلف: فى هذا الحديث أنهم كانوا فى الصلاة حين أقبلت العير، روى حماد، عن يونس، عن الحسن: أن النبى، ﵇، كان يخطب يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام فابتدرها الناس، وبقى رسول الله ﷺ فى نفر يسير، فقال رسول الله ﷺ : (لو تتابعتم لسال بكم الوادى نارًا) ، ونزلت هذه الآية. قال الأصيلى: وقد وصف الله تعالى، أصحاب محمد بأنهم
стр. 985
) لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) [النور: ٣٧] ، إلا أن يكون هذا الحديث قبل نزول هذه الآية. قال المهلب: يحتمل قول جابر: (بينما نحن نصلى مع النبى، ﵇ ، أن يكون فى الخطبة كما قال الحسن؛ لأن من انتظر الصلاة فهو فى صلاة، ولا يظن فى الصحابة إلا حسن الظن. واختلف العلماء فى الإمام يفتتح صلاة الجمعة بالجماعة، ثم يفترقون عنه، فقال الثورى: إذا ذهبوا إلا رجلين صلى ركعتين، وإن بقى معه رجل واحد صلى أربعًا. وقال أبو ثور: إذا بقى معه واحد صلى الجمعة؛ لأنه قد دخل فى صلاة هى له ولهم جمعة، ورآه الشافعى، وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا افتتح الجمعة وكبر للإحرام، ثم نفروا كلهم صلى الجمعة وحده، وقال أبو حنيفة: إذا نفر عنه الناس قبل أن يركع ويسجد سجدة يستقبل الظهر، وإذا نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة بنى على الجمعة. وقال ابن القصار مثله عن مالك، وهو قول المزنى، وقال زفر: إذا نفروا عنه قبل أن يجلس للتشهد بطلت صلاته؛ لأنه يراعى فيها الاجتماع إلى آخرها، وعن الشافعى روايتان: إن بقى اثنان حتى تكون صلاته صلاة جماعة أجزأهم، والقول الآخر: لا تجزئهم حتى يكونوا أربعين رجلاً. وقال إسحاق: إن بقى معه اثنا عشر رجلاً صلى الجمعة ركعتين على ظاهر هذا الحديث؛ لأن الذين بقوا مع النبى، ﵇،
следующие страницы →