← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب فأقرع رأسه بالعصا، وروى عن عمر، وابن عمر، وابن عباس أنهم قالوا: من قال لصاحبه اسكت فلا جمعة له، وقال ابن عباس: الذى يتكلم والإمام يخطب، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، ذكره ابن أبى شيبة. وقوله: (لا جمعة له) ، أى لا جمعة كاملة مثل جمعة المنصت؛ لأن جماعة الفقهاء مجمعون أن جمعته مجزئة عنه، ولا يصلى أربعًا. وقال ابن وهب: من لَغَا كانت صلاته ظهرًا ولم تكن له جمعة وحُرِمَ فضلها. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: هل تعلم شيئًا يقطع جمعة الإنسان حتى يجب عليه أن يصلى أربعًا من كلام أو تخطى رقاب الناس أو غير ذلك؟ قال: لا. وقد رخص جماعة من التابعين فى الكلام والإمام يخطب إذا كان من أئمة الجور أو أخذ فى خطبته فى غير ذلك، روى عن النخعى، والشعبى، وأبى بردة، وسعيد بن جبير أنهم كانوا يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا، وروى ابن أبى شيبة أن إبراهيم كُلِّم فى ذلك فقال: إنى كنت قد صليت، ورأى الليث إذا أخذ الإمام فى غير ذكر الخطبة والموعظة أن يتكلم ولا ينصت. وروى ابن وهب، وابن نافع، وعلى بن زياد، عن مالك أن الإمام إذا لغا وشتم الناس فعلى الناس الإنصات ولا يتكلمون، وروى عنه

стр. 982

إذا خطب فى أمر ليس من الخطبة، ولا من الصلاة من أمر كتاب يقرؤه أو نحو ذلك، فليس على الناس الإنصات. ورأى الليث إذا أخذ الإمام فى غير ذكر الله والموعظة أن يتكلم ولا ينصت. واختلفوا فى رد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب فرخص فى ذلك النخعى، والشعبى، والحسن، وهو قول الثورى، والأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، وكره ذلك مالك والكوفيون، والشافعى. ٣١ - باب السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ / ٥٦ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: (فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا) . اختلف السلف فى هذه الساعة، فروى عن أبى هريرة قال: هى من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. وقال الحسن، وأبو العالية: هى عند زوال الشمس، وقال أبو ذر: هى ما بين أن تزيغ الشمس بشبر إلى ذراع، وقالت عائشة: هى إذا أذن المؤذن بالصلاة، وقال ابن عمر: هى الساعة التى

стр. 983

اختار الله فيها الصلاة، وهو قول أبى بردة، وابن سيرين، وقال أبو أمامة: إنى لأرجو أن تكون فى هذه الساعات: إذا أذن المؤذن، أو إذا جلس الإمام على المنبر، أو عند الإقامة. قال الشعبى: هو ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل، وحجة هذا القول ما روى ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبى بردة بن أبى موسى قال: (قال لى عبد الله بن عمر: سمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ فى شأن ساعة الجمعة؟ قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت النبى، ﵇، يقول: (هى ما بين مجلس الإمام إلى تقضى الصلاة) . وروى الأوزاعى عن من حَدَّثَهُ عن أبى الخير، عن على بن أبى طالب قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا زالت الأفْيَاء وراحت الأرواح، فاطلبوا إلى الله تعالى حوائجكم، فإنها ساعة الأوابين، وإنه كان للأوابين غفورًا) . وقال عبد الله بن سلام: هى ما بين العصر إلى أن تغرب الشمس، وروى مثله عن ابن عباس، وأبى هريرة، ومجاهد، وطاوس. قال المهلب: وحجة من قال: إنها بعد العصر قوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون فى صلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم) ، فهو وقت العروج وعرض الأعمال على الله تعالى، فيوجب الله تعالى، فيه مغفرته للمصلين من عباده؛ ولذلك شدد النبى، ﵇، على من حلف على سلعة بعد العصر لقد أعطى بها أكثر؛ تعظيمًا للساعة، وفيها يكون اللعان والقسامة، وقيل فى قوله تعالى: (تحبسونهما من بعد الصلاة) [المائدة: ١٠٦] ، أنها بعد العصر.

стр. 984

ومعنى قوله: (وهو قائم يصلى) ، قد فسرهُ عبد الله بن سلام لأبى هريرة فقال: ألم يقل رسول الله: (من جلس ينتظر الصلاة فهو فى صلاة) ، فقال أبو هريرة: بلى، فقال: هو ذاك. وروى ابن أبى أويس عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن الثقة، عن صفوان بن سليم، عن أبى سلمة، عن أبى سعيد الخدرى قال: قال النبى، ﵇: (الساعة التى يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس أغفل ما يكون الناس) . ٣٢ - باب إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإمَامِ فِي صَلاةِ الْجُمُعَةِ، فَصَلاةُ الإمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ / ٥٧ - فيه: جَابِرُ قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﵇، إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ إِلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) [الجمعة ١١] ) . قال المؤلف: فى هذا الحديث أنهم كانوا فى الصلاة حين أقبلت العير، روى حماد، عن يونس، عن الحسن: أن النبى، ﵇، كان يخطب يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام فابتدرها الناس، وبقى رسول الله ﷺ فى نفر يسير، فقال رسول الله ﷺ : (لو تتابعتم لسال بكم الوادى نارًا) ، ونزلت هذه الآية. قال الأصيلى: وقد وصف الله تعالى، أصحاب محمد بأنهم

стр. 985

) لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) [النور: ٣٧] ، إلا أن يكون هذا الحديث قبل نزول هذه الآية. قال المهلب: يحتمل قول جابر: (بينما نحن نصلى مع النبى، ﵇ ، أن يكون فى الخطبة كما قال الحسن؛ لأن من انتظر الصلاة فهو فى صلاة، ولا يظن فى الصحابة إلا حسن الظن. واختلف العلماء فى الإمام يفتتح صلاة الجمعة بالجماعة، ثم يفترقون عنه، فقال الثورى: إذا ذهبوا إلا رجلين صلى ركعتين، وإن بقى معه رجل واحد صلى أربعًا. وقال أبو ثور: إذا بقى معه واحد صلى الجمعة؛ لأنه قد دخل فى صلاة هى له ولهم جمعة، ورآه الشافعى، وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا افتتح الجمعة وكبر للإحرام، ثم نفروا كلهم صلى الجمعة وحده، وقال أبو حنيفة: إذا نفر عنه الناس قبل أن يركع ويسجد سجدة يستقبل الظهر، وإذا نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة بنى على الجمعة. وقال ابن القصار مثله عن مالك، وهو قول المزنى، وقال زفر: إذا نفروا عنه قبل أن يجلس للتشهد بطلت صلاته؛ لأنه يراعى فيها الاجتماع إلى آخرها، وعن الشافعى روايتان: إن بقى اثنان حتى تكون صلاته صلاة جماعة أجزأهم، والقول الآخر: لا تجزئهم حتى يكونوا أربعين رجلاً. وقال إسحاق: إن بقى معه اثنا عشر رجلاً صلى الجمعة ركعتين على ظاهر هذا الحديث؛ لأن الذين بقوا مع النبى، ﵇،

стр. 986

كانوا اثنى عشر رجلاً، وهذه المسألة فرع على اختلافهم فى عدد من تقوم بهم الجمعة، وقد تقدم. والصحيح قول من قال: إن نفروا عنه بعد عقد ركعة يسجد فيها أنه يصلى الجمعة ركعتين، لقول النبى، ﵇: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) ، فبان أن أدنى ما يقع به الاشتراك هو فعل الركعة، ولا يجوز أن يعتبر فى جواز البناء الدخول فى الجمعة وحده؛ لأن الإمام متى كَبَّر حصل دخوله فى الجمعة، وإن لم يصح له البناء عليها إلا بمشاركة المؤتمين، يبين هذا أنهم لو نفروا عنه، وقد كبر ولم يكبروا هم لم يصح أن يبنى الإمام على جمعته، فكذلك إذا نفروا بعد أن كبروا. فإن قيل: إن الجمعة قد استقرت بدخولهم فيها، فلا معتبر بعقد الركعة. قيل: إذا أدرك التشهد من الجمعة هو مدرك لتكبيرة الإحرام مع الإمام ولا يعتد بها، ولا يبنى عليها جمعة فسقط قولهم. واحتج الطحاوى لأصحابه قال: شرط صحة الجمعة الإمام والمأموم، فلما كان المأموم تصح له الجمعة، بأن يدرك بعض الصلاة مع الإمام وإن لم يدرك جميعها، كذلك ينبغى أن يصح للإمام مشاركة المأمومين له فى بعض صلاته.

стр. 987

٣٣ - باب الصَّلاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا / ٥٨ - فيه: ابْنِ عُمَرَ: (أَنَّ النبى، ﵇، كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) . اختلف العلماء فى الصلاة بعد الجمعة فقالت طائفة: يصلى بعدها ركعتين فى بيته كالتطوع بعد الظهر، روى ذلك عن ابن عمر، وعمران بن حصين، والنخعى، وقال مالك: إذا صلى الإمام الجمعة فينبغى أن يدخل فى منزله ولا يركع فى المسجد، لما روى عن النبى، ﵇، أنه كان ينصرف بعد الجمعة ولم يركع فى المسجد، قال: ومن خلفه أيضًا إذا سلموا فأحبّ إلىّ أن ينصرفوا ولا يركعوا فى المسجد، وإن ركعوا فذلك واسع. وقالت طائفة: يصلى بعدها ركعتين ثم أربعًا، روى ذلك عن على، وابن عمر، وأبى موسى، وهو قول عطاء، والثورى، وأبى يوسف، إلا أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين، وقال الشافعى: ما أكثر المصلى بعد الجمعة من التطوع فهو أحب إلىّ. وقالت طائفة: يصلى بعدها أربعًا لا يفصل بينهن بسلام، روى ذلك عن ابن مسعود، وعن علقمة، والنخعى، وهو قول أبى حنيفة، وإسحاق. واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر: (أن النبى، ﵇، كان لا يصلى بعد الجمعة إلا ركعتين فى بيته) ، قال المهلب: وهما الركعتان اللتان تصلى بعد الظهر فى سائر الأيام.

стр. 988

وكرر ابن عمر ذكرها من أجل أنه ﵇ كان يصليها فى بيته، ووجه ذلك، والله أعلم، أنه لما كانت الجمعة ركعتين لم يصل بعدها صلاة مثلها خشية أن يظن أنها التى حذفت منها، وأنها واجبة، فلما زال عن موطن القصد صلى فى بيته، وقد روى ابن جريج عن عمر بن عطاء بن أبى الخُوار: (أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأله عن شىء رآه منه معاوية فى الصلاة، فقال: نعم صليت معه الجمعة، فلما سلم الإمام قمت فصليت، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْهَا بصلاة حتى تكلم أو تخرج؛ فإن النبى، ﵇، أمرنا أن لا نصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج) . وروى الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق قال: كنا نقرأ فى المسجد فنقوم فنصلى فى الصف، فقال عبد الله: صَلُّوا فى رحالكم لئلا يراكم الناس فيرونها سنة، وقد أجاز مالك الصلاة بعد الجمعة فى المسجد للناس، ولم يجزه للأئمة. وحجة أهل المقالة الثانية ما رواه أبو إسحاق عن عطاء قال: صليت مع ابن عمر الجمعة، فلما سلم قام فركع ركعتين، ثم صلى أربع ركعات ثم انصرف، وما رواه سفيان، عن أبى حصين، عن أبى عبد الرحمن، عن على بن أبى طالب، أنه قال: من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل ستًا، ووجه قول أبى يوسف ما رواه

стр. 989

الأعمش، عن إبراهيم، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر أن عمر بن الخطاب كره أن يصلى بعد صلاة مثلها. ووجه أهل المقالة الثالثة ما رواه ابن عيينة، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا) . وأما الصلاة قبل الجمعة فقد تقدم اختلاف العلماء فى الصلاة عند استواء الشمس فى أبواب أوقات الصلوات، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله. ٣٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ) [الجمعة ١٠] / ٥٩ - فيه: سَهْلِ قَالَ: (كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَحْقَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ، فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاةِ الْجُمُعَةِ، فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا، فَنَلْعَقُهُ، وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ، ومَا كُنَّا نَقِيلُ وَلا نَتَغَدَّى إِلا بَعْدَ الْجُمُعَةِ) . وترجم له: (باب الْقَائِلَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ) . / ٦٠ - وزاد فيه: عَنِ أَنَس قال: (كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ) . والفقهاء متفقون على أن معنى قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة

стр. 990

فانتشروا فى الأرض) [الجمعة ١٠] ، الإباحة؛ لأنه ورد بعد تقدم أمره بالسعى إلى الصلاة، وترك البيع؛ فأبان بقوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله) [الجمعة: ١٠] ، زوال ما أوجب عليهم من السعى وترك البيع فى وقت الصلاة، وهذا كقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) [المائدة: ٢] . وموافقة الحديث للترجمة وهو قوله: (كنا ننصرف من الجمعة فنسلم عليها، فتقرب إلينا ذلك الطعام) ، ألا ترى أن انصرافهم بعد الجمعة لم يكن واجبًا عندهم، وإنما كانوا ينصرفون لما ذكره من الغداء، ثم القائلة عوضًا مما فاتهم من ذلك فى وقته، وهذا الحديث بين فى ردَّ قول مجاهد، وأحمد بن حنبل: أن الجمعة تصلى قبل الزوال استدلالاً، بقوله: (وما كنا نقيل إلا بعد الجمعة) ، ولا يسمى بعد الجمعة وقت الغداء، قبان أن قائلتهم وغداءهم بعد الجمعة إنما كان عوضًا مما فاتهم فى وقته من أجل بدارهم بالسعى إلى الصلاة والتهجير إلى الجمعة، وعلى هذا التأويل جمهور الأئمة وعامة العلماء، فلا معنى للاشتغال بما خالفهم، وقد تقدم ما للعلماء فى ذلك من الحجة فى باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس. وقال صاحب (العين) : الأربعاء الجداول واحدها ربيع. وقوله: (تحقل) مأخوذة من الحقل، والحقل: الزرع المتشعب الورق.

стр. 991

٣٥ - باب صَلاةِ الْخَوْفِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ (إلى قوله: (مُهِينًا) [النساء: ١٠١، ١٠٢] / ٦١ - فيه: ابْنَ عُمَرَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبىِّ ﵇ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) . قال المؤلف: لم يذكر البخارى فى أبواب صلاة الخوف غير حديث ابن عمر هذا، وذكر فى كتاب المغازى حديث مالك عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن شهد مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: (أن طائفة صلت معه وطائفة وِجَاهَ العدو، فصلى النبى بمن معه ركعة ثم ثبت قائمًا، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصَفُّوا وِجَاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التى بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم) . قال مالك: هذا أحسن ما سمعت فى صلاة الخوف، هكذا رواه البخارى عن قتيبة، عن مالك، وكذلك هو فى موطأ القعنبى، وابن بكير، وأبى مصعب، قال مالك: وحديث يزيد بن رومان أحب ما

стр. 992

سمعت إلىّ، وفى موطأ يحيى بن يحيى، قال مالك: وحديث القاسم أحبّ ما سمعت إلىّ فى صلاة الخوف. وذكر إسماعيل بن إسحاق، عن ابن وهب، عن مالك قال: حديث يزيد أحب إلىّ، ثم رجع فقال: يكون قضاؤهم بعد السلام أحبّ إلى على حديث القاسم، وذكر البخارى فى المغازى عن مسدد، عن يحيى القطان، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح ابن خوات، عن سهل بن أبى حثمة قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه، وطائفة من قِبَلِ العدو ووجوههم إلى العدو فيصلى بالذين معه ركعة، ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين فى مكانهم، ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك فيجىء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان، ثم يركعون ويسجدون سجدتين. هكذا رواه مسدد عن القطان، عن يحيى بن سعيد لم يذكر فيه سلام الطائفة الأولى إذا تمت صلاتها، ولا ذكر سلام الرسول بالطائفة الثانية قبل أن تتم لأنفسها، وذكر مالك ذلك فى روايته عن يحيى بن سعيد، والزيادة من الحافظ مقبولة. وذكر البخارى فى المغازى حديث جابر إلا أنه لم يسنده قال: وقال أبان: حدثنا يحيى ابن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن جابر قال: (كنا مع النبى ﷺ بذات الرقاع فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان للنبى أربع ركعات وللقوم ركعتان) . وهذه الأحاديث كلها قد قال بها قوم من الفقهاء، وسأذكر أقوالهم بعد ذِكْرِى من قال بأحاديث ابن عمر المتقدمة فى هذا الباب.

стр. 993

فى حديث ابن عمر أن الطائفة الأولى التى صلى بها النبى، ﵇، ركعة لم تتم ركعتها الثانية إلا بعد سلام النبى، أنهم كانوا فى انصرافهم وِجَاهَ العدو فى حكم الصلاة، كذلك الطائفة الثانية قضوا ركعتهم بعد صلاة النبى أيضًا. وقال بهذا أبو حنيفة، وأشهب صاحب مالك، والأوزاعى، ثم رجع فأخذ بحديث غزوة ذات الرقاع، قاله سحنون، إلا أن أبا حنيفة فرق بين الطائفة الأولى والثانية فى القراءة فى الركعة الثانية التى تقضيها فقال: لا تقرأ الطائفة الأولى فيها؛ لأنها فى حكم صلاة الإمام حتى يصلى بالطائفة الثانية تمام صلاته، وقراءته فيها تُسقط عنهم القراءة، ثم يسلم وينصرف، والطائفة الثانية تقرأ لأنها تقضى بعد صلاة الإمام، ولم يتحمل عنهم القراءة، ولم يكونوا فى حكمه. قالوا: وحديث ابن عمر تشهد له الأصول المجتمع عليها فى سائر الصلوات أن المأموم لا يقضى إلا بعد سلام الإمام، وليس فى الأصول خروج المأموم قبل فراغ إمامه من صلاته التى افتتحها معه، وهم الطائفة الأولى على ما رواه مالك فى حديث ابن القاسم، وذلك يوجب انتظار الإمام فراغ المأمومين من صلاتهم، فيصير الإمام تابعًا لهم، ولا نظير لهذا فى الأصول. قال ابن القصار: فالجواب أن هذه الصلاة نفسها قد خرجت عن الأصول عند أبى حنيفة وعندنا؛ لأنه ليس فى الأصول أن المأموم ينصرف بعد ركعة فيعمل أعمالاً غير عمل الإمام ويذهب ويجىء ويستدبر القبلة حتى يفرغ الإمام من صلاته ثم يجىء فيتم بهم، ويقول إن الله تعالى، أمر نبيه أن يفرق الناس طائفتين، ويجعل

стр. 994

لكل طائفة ركعتين، فينبغى أن يسوى بينهما، فلما قلتم وقلنا فى الطائفة الثانية أن ركعتها الثانية تكون خارجة من صلاة الإمام؛ وجب أن تكون الطائفة الأولى كذلك فتكون ركعتها الثانية خارجة عن حكم صلاة الإمام. وقولنا: يؤدى إلى الاحتراز من العدو؛ لأن الطائفة الأولى إذا تمت صلاتها ومرت وجاه العدو واحتاجت إلى القتال فعلته، وهى فى غير صلاة وتمكنت بغير شغل قلب بالصلاة، وعندكم إن رمى واحد منهم بسهم أو قاتل بطلت صلاته، وهذا أضرّ على المسلمين من قولنا، وقد يحترز من العدو بالصياح والكلام ليعلم المصلين ما طرق من الحوادث وهذا خارج الصلاة أمكن، وأما حديث يزيد بن رومان فى أن الطائفة الأولى إذا صلى بها الإمام ركعة، فإنها تتم لنفسها بقية صلاتها وتسلم ثم تنصرف وجاه العدو، ثم تأتى الطائفة الثانية فيصلى بها الإمام ركعة، ثم يثبت الإمام حتى تقضى ركعتها الثانية ويسلم بهم، فقال به الشافعى، واختاره أحمد بن حنبل، وهو الذى رجع عنه مالك. قال الشافعى: والمصير إليه أولى من حديث القاسم؛ لأنه موقوف وحديث يزيد أشبه بظاهر كتاب الله، تعالى، واحتج الشافعى بأن الله تعالى، ذكر استفتاح الإمام ببعضهم بقوله تعالى: (فلتقم طائفة منهم معك (، ثم قال: (فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم) [النساء: ١٠٢] ، وذكر انصراف الطائفتين والإمام من الصلاة معًا بقوله: (فإذا قضيتم الصلاة) [النساء: ١٠٣] ، وذلك للجمع لا للتبعيض، ولم يذكر أن

стр. 995

على واحد منهم قضاء، قال: وفى الآية دليل على أن الطائفة الثانية لا تدخل فى الصلاة إلا بعد انصراف الطائفة الأولى لقوله تعالى: (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) [النساء: ١٠٢] ، دليل على أن الطائفة الأولى تنصرف، فلم يبق عليها من الصلاة شىء تفعله بعد الإمام. وقال ابن القصار: يقال للشافعى كلما أمكن أن لا تخرج الصلاة من الأصول فهو أولى، وفى الأصول سلام الإمام قبل أن يقضى المأموم صلاته، ولولا أن الضرورة دعت إلى أن تقضى الطائفة الأولى ما بقى عليها قبل فراغ الإمام لما جوزنا لها ذلك، ولا ضرورة بنا إلى أن تقضى الثانية باقى صلاتها قبل إمامها، ومبادرة الإمام أولى من بقائه لما يحدث ويشغل قلب صاحب الجيش أشد ممن يتبعه فيخفف عليه بالمبادرة بالسلام، وقوله: (فليصلوا معك (، معناه ما بقى من صلاتك، ويقضون ما فاتهم، فأما أن يصلوا معه ما لم يصله معهم فمحال، وقوله: (فإذا قضيتم الصلاة (لايقتضى أن يكون قضاء الجميع معًا، وإنما هو إخبار عما أبيح لهم فعله بعد الصلاة من ذكر الله وغير ذلك كما قال: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله) [البقرة: ٢٠٠] ، ولم يقتض ذلك بأن يكون قضاء مناسكهم معًا؛ لأن قضاء من تعجل فى يومين قبل قضاء من تأخر، وقد خاطب الله الجميع لا البعض. وأما حديث القاسم فقد قال به مالك، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، وفى رواية مالك أن سلام الطائفة الأولى إذا قضت ركعتها، وينصرفون إلى العدو وهم فى غير صلاة، ثم تصلى الطائفة الثانية ركعتها الأولى وراء الإمام، ثم يسلم الإمام ويتمون لأنفسهم بعد سلامه، وهو موافق لحديث يزيد إلا فى سلام النبى قبل أن تتم الطائفة الثانية ركعتها الثانية.

стр. 996

قال المهلب: وهذه الصفة، أعنى حديث القاسم، هى الموافقة لكتاب الله تعالى، قال الله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم (، يعنى الباقين) فإذا سجدوا (، يعنى المصلين) فليكونوا من ورائكم) [النساء: ١٠٢، ١٠٣] ، يعنى الذين هم مواجهة العدو، فاشترط الله تعالى، أن تكون إحدى الطائفتين فى غير صلاة مواجهين للعدو والثانية فى الصلاة، وقوله: (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك (، يدل أن الأولى قد صلت تمام صلاتها، وقوله تعالى: (فليصلوا معك (، يقتضى بقية صلاة النبى، ﵇، كلها وإذا اقتضى ذلك وجب أن يسلم؛ لأن آخر صلاته السلام. قال غيره: وهذا أشبه بالأصول؛ لأن المأموم أبدًا إنما يقضى بعد فراغ إمامه وسلامه، فهو أولى على ما بيناه من حديث يزيد بن رومان. وأما حديث جابر فقد حكى عن الشافعى أنه قال به، وقال: صلاة الخوف يصلى الإمام بكل طائفة ركعتين، وهو على أصله فى جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. قال أصحابه: هذا إذا كان فى سفر وهو مخير عنده فى السفر بين القصر والإتمام، ولم يحفظ عن النبى، ﵇، أنه صلى صلاة خوف قط فى حضر ولم يكن له حرب فى حضر إلا يوم الخندق، ولم تكن نزلت صلاة الخوف بعدُ. ودفع مالك، وأبو حنيفة هذا التأويل وقال أصحابهما: إن النبى، ﵇، كان فى حضر ببطن النخل على باب المدينة، ولم يكن مسافرًا، وإنما كان خوف فخرج منه محترسًا، ولم ينقل عنه ﵇، سلام فى ركعتين بهم.

стр. 997

قال ابن القصار: وكذلك نقول: إذا كان الخوف فى حضر أن يصلى بكل طائفة ركعتين، ولو ثبت أنه كان فى سفر فصلى بكل طائفة ركعتين لكان هذا خاصًا للنبى للفضيلة فى الصلاة خلفه. قال المهلب: لا يصح أنه كان فى حضر؛ لأن جابرًا ذكر فى الحديث أنهم كانوا بذات الرقاع، وقد كانت صلاة الخوف نزلت. وقال الطحاوى: ولا حجة لمن قال بهذا الحديث؛ لأنه قد يجوز أن يكون ذلك من النبى، والفريضة تصلى مرتين فتكون كل واحدة منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل فى أول الإسلام ثم نسخ، وقد ذكرت الحديث بذلك فى باب إذا صلى ثم أمَّ قومًا عند حديث معاذ فى أبواب الإمامة قبل هذا. قال المؤلف: وقد روى عن جابر خلاف حديثه هذا المتقدم، روى شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: (صلينا مع النبى، ﵇، صلاة الخوف فركع فى الصف المتقدم ركعة، وسجد سجدتين، ثم تأخروا، ثم تقدم الآخرون، فركع بهم ركع واحدة، وسجد سجدتين فكانت للنبى ﷺ ركعتين وللناس ركعة ركعة) ، وقد يجوز أن يكون النبى، ﵇، صلى على ما روى جابر مرتين على صفتين. وقد قال أحمد بن حنبل: أحاديث صلاة الخوف صحاح كلها، ويجوز أن تكون فى مرات مختلفة على حسب شدة الخوف، ومن صلى بصفة منها فلا حرج عليه، وهو قول الطبرى وطائفة من أهل الحديث. قال ابن القصار: وحكى عن أبى يوسف والمزنى أنهما قالا: صلاة الخوف منسوخة ولا يجوز أن تصلى بعد النبى، ﵇،

стр. 998

وقالا: إنما خاطب الله نبيه بذلك، فهو خاص له لا يشاركه فيه غيره؛ لأن فى صلاة الخوف تغيير هيئات لا تجوز إلا خلف النبى ﷺ ؛ لأن كونهم خلفه عوض من تغيير الهيئات، وكانت صلاة الخوف ثابتة فى الشريعة، ثم نسخت بدلالة تأخيره ﵇، الصلاة يوم الخندق عن وقتها إلى هوىّ من الليل ثم قضاها دفعةً، ثم قال: (ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا) ، فلو جازت صلاة الخوف لم يكونوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وهذا قول شاذ وجماعة الفقهاء على خلافه. قال الطحاوى: ومما يرد هذا القول قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) [التوبة: ١٠٣] الآية، فكان الخطاب هاهنا له، وقد أجمعوا أن ذلك معمول به من بعده، كما كان يعمل به فى حياته. قال ابن القصار: وما ذكروه من النسخ بدلالة تأخيره يوم الخندق فهو قول من لا يعرف السنن، وذلك أن الله تعالى، أمر نبيه بصلاة الخوف بعد الخندق؛ لأن يوم الخندق كان سنة خمس وصلاة الخوف فى غزوة ذات الرقاع فى سنة سبع، فكيف يُنسخ الآخرُ بالأول وإنما يُنسخ الأول بالآخر، والصحابة أعرف بالنسخ من غيرهم وقد صلوا صلاة الخوف. فأما قولهم: إن فيها تغييرًا وترك الركوع والقبلة، فيقال لهم: فى هذا ما أوجبه القرآن وفعله ﵇، ثم إن استدراك فضيلة الوقت مع تغيير الصفات أولى؛ ألا ترى عادم الماء أخذ عليه أن يصلى فى الوقت بالتيمم، ولم يرخص له فى تأخيرها عن وقتها حتى يجد الماء، فسقط قولهم.

стр. 999

٣٦ - باب صَلاةِ الْخَوْفِ رِجَالا وَرُكْبَانًا / ٦٢ - فيه: نافع، عن ابْنِ عُمَرَ، نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا، وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا) . أما صلاة الخوف رجالاً وركبانًا، فلا تكون إلا إذا اشتد الخوف واختلطوا فى القتال، وهذه الصلاة تسمى صلاة المسايفة، فيصلى إيماءً وكيف تمكن، وممن قال بذلك ابن عمر ذكره عنه مالك فى الموطأ، إن كان خوفًا شديدًا صلوا قيامًا على إقدامهم أو ركبانًا مستقبلى القبلة أو غير مستقبليها، وهو قول مجاهد، وطاوس، وإبراهيم، والحسن، والزهرى، وطائفة من التابعين، روى ابن جريج عن مجاهد قال: إذا اختلطوا فإنما هو الذكر والإشارة بالرأس. فمذهب مجاهد أنه يجزئه الإيماء عند شدة القتال كمذهب ابن عمر، وهو مذهب مالك، والثورى، والشافعى. وقول البخارى: وزاد ابن عمر عن النبى، ﵇: (وإن كانوا أكثر فليصلوا قيامًا وركبانًا) ، فإنما أراد أن ابن عمر رواه عن النبى، ﵇، وليس من رأيه، وإنما هو مسند، وكذلك قال مالك. قال نافع: ولا أرى عبد الله ذكر ذلك إلا عن النبى، ﵇. وقول الشافعى فى ذلك: لا بأس أن يضرب فى الصلاة الضربة الخفيفة ويطعن، وإن تابع الطعن أو الضرب أو عمل عملاً يطول بطلت صلاته.

стр. 1000

قال الطحاوى: وذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلى الفريضة على دابته، وإن كان فى حال لا يمكنه فيها النزول، قال: وذهب آخرون إلى أن الراكب إن كان يقاتل فلا يصلى، وإن كان راكبًا لا يمكنه النزول ولا يقاتل صلى. قالوا: وقد يجوز أن يكون النبى يوم الخندق لم يصل؛ لأن القتال عمل، والصلاة لا يكون فيها عمل، وذكر الطحاوى هذين القولين، ورد القول الأول بأن الرسول لم يكن صلى يوم الخندق؛ لأن صلاة الخوف لم تكن نزلت حينئذ، قال: وروى ابن وهب، عن ابن أبى ذئب، عن سعيد المقبرى، عن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى، عن أبيه قال: (صلى النبى ﷺ الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق بعد المغرب بهوى من الليل كما كان يصليها فى وقتها، وذلك قبل أن ينزل الله عليه فى صلاة الخوف) فرجالاً أو ركبانًا (. قال الطحاوى: فأخبر أبو سعيد أن تركهم الصلاة يومئذ ركبانًا، إنما كان قبل أن يباح لهم ذلك ثم أبيح لهم بهذه الآية، فثبت بذلك أن الرجل إذا كان فى الخوف لا يمكنه النزول عن دابته أن له أن يصلى عليها إيماءً، وكذلك لو أن رجلاً كان على الأرض خاف أن يفترسه سبع أو يضربه رجل بسيف فله أن يصلى قاعدًا إن كان يخاف ذلك فى القيام، ويومئ إيماءً، وذلك كله قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد.

стр. 1001

وقال ابن المنذر: وكل ما فعله المصلى فى حال شدة الخوف مما لا يقدر على غيره، فالصلاة مجزئة عنه قياسًا على ما وضع عنه من القيام والركوع والسجود لعلة ما هو فيه من مطاردة العدو، وهذا أشبه بظاهر الكتاب والسنة مع موافقته للنظر. وروى على بن زياد عن مالك، فيمن خاف أن ينزل عن دابته من لصوص أو سباع، فإنه يصلى عليها الفريضة حيث توجهت به ويومئ، وقاله أشهب. ٣٧ - باب يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي صَلاةِ الْخَوْفِ / ٦٣ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ ﵇ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ مَعَهُ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا، وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأخْرَى، فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلاةٍ، وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قال المؤلف: حديث ابن عباس هذا إذا كان العدو فى القبلة من المسلمين، فإنه يجعل الناس صفين خلفه، فيركع بالصف الذى يليه ويسجد معه، والصف الثانى قائمون يحرسون، فإذا قام من سجوده إلى الركعة الثانية تقدم الصف الثانى وتأخر الأولون، فركع النبى بهم وسجد، والصف الثانى يحرسونهم، وهم كلهم فى صلاة، وقد روى هذا الحديث سفيان، عن أبى بكر بن أبى الجهم، عن عبيد الله، عن ابن عباس: (أن الرسول صلى بهم صلاة الخوف بذى قرد، والمشركون بينه وبين القبلة) ، وقد روى نحوه عن أبى

стр. 1002

عياش الزرقى، وجابر بن عبد الله، عن النبى، ﵇، وبه قال ابن عباس: إذا كان العدو فى القبلة أن يصلى على هذه الصفة، وهو مذهب ابن أبى ليلى، وحكى ابن القصار عن الشافعى نحوه. وقال الطحاوى: ذهب أبو يوسف إلى أن العدو إذا كان فى القبلة فالصلاة هكذا، وإن كانوا فى غير القبلة، فالصلاة كما روى ابن عمر وغيره، قال: وبهذا تتفق الأحاديث، قال: وليس هذا بخلاف للتنزيل؛ لأنه قد يجوز أن يكون قوله تعالى: (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) [النساء: ١٠٢] ، إذا كان العدو فى غير القبلة، ثم أوحى إليه بعد ذلك كيف حكم الصلاة إذا كانوا فى القبلة، ففعل الفعلين جميعًا كما جاء الخبران. وترك مالك، وأبو حنيفة العمل بهذا الحديث لمخالفته لكتاب الله وهو قوله: (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) [النساء: ١٠٢] ، والقرآن يدل على ما جاءت به الروايات فى صلاة الخوف عن ابن عمر وغيره، من دخول الطائفة الثانية فى الركعة الثانية ولم يكونوا صلوا قبل ذلك. وقال أشهب وسحنون: إذا كان العدو فى القبلة لا أحب أن يصلى بالجيش أجمع؛ لأنه يتعرض أن يفتنه العدو ويشغلوه، ويصلى بطائفتين سنة صلاة الخوف. ٣٨ - باب الصَّلاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَقَالَ الأوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاةِ، صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإيمَاءِ، أَخَّرُوا الصَّلاةَ، حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ، أَوْ يَأْمَنُوا، فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا

стр. 1003

صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا، لا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ، وَيُؤَخِّرُوهَا، حَتَّى يَأْمَنُوا، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا. قَالَ أَنَسُ: مَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. / ٦٤ - فيه: جابر قال: (جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ، قَالَ: فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى الْعَصْرَ، بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا) . وأما الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو فهى صلاة حال المسايفة والقتال التى تقدم ذكرها فى باب صلاة الخوف رجالاً وركبانًا، وحديث جابر فى هذا الباب هو حجة الأوزاعى، ومكحول أنه من لم يقدر على الإيماء أخر الصلاة حتى يصليها كاملة ولا يجزئ عنهم تسبيح ولا تهليل؛ لأن رسول الله ﷺ قد أخرها يوم الخندق، وإن كان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، فإن فيه من الاستدلال أن الله تعالى، لم يعب تأخيره لها لما كان فيه من شغل الحرب، فكذلك الحال التى هى أشد من ذلك، إلا أنه استدلال ضعيف من أجل أن سنة صلاة الخوف لم تكن نزلت قبل ذلك.

стр. 1004

فأما قول الأوزاعى: فإن لم يقدروا صلوا ركع وسجدتين، فقد روى مثله عن الحسن البصرى وقتادة، وهو قول مكحول، ويحتمل أن يقولوا ذلك من حديث أبى عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: (صلاة الخوف ركعة) . قال الطحاوى: وهذا الحديث يعارضه القرآن، وذلك أن الله، تعالى، قال فى كتابه: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة (إلى) فليصلوا معك) [النساء: ١٠٢] ، ففرض الله صلاة الخوف ونص فرضها فى كتابه هكذا، وجعل صلاة الطائفة الأخرى بعد تمام الركعة الأولى مع الإمام، فثبت بهذا أن الإمام يصليها فى حال الخوف ركعتين بخلاف هذا الحديث، وقد روى عبيد الله عن ابن عباس خلاف ما روى عنه مجاهد، وهذا الحديث الذى فى الباب قبل هذا، وأما التكبير فقد روى عن مجاهد أنه قال: صلاة المسايفة بتكبيرة واحدة. وعن سعيد بن جبير، وأبى عبد الرحمن قال: الصلاة عند المسايفة تهليل وتسبيح وتحميد وتكبير، ذكره الفزارى فى السير، وذكر ابن المنذر عن إسحاق: تجزئك ركعة تومئ بها، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة واحدة؛ لأنه ذكر لله. وقال الحسن بن حى: يكبر مكان كل ركعة تكبيرة. وأما أئمة الفتوى بالأمصار فلا يجزئ عندهم التكبير من الركوع والسجود؛ لأن التكبير لا يسمى بركوع ولا سجود، وإنما يجزئ الإتيان بأيسرهما، وأقل الأفعال الثابتة عنهما الإشارة والإيماء الدال على الخضوع لله فيهما.

стр. 1005

قال الأصيلى: ومعنى قول أنس: (فلم يقدروا على الصلاة) ، فإنهم لم يجدوا السبيل إلى الوضوء من شدة القتال، فأخروا الصلاة إلى وجود الماء، ويحتمل أن يكون تأخير النبى، ﵇، الصلاة يوم الخندق حتى غربت الشمس؛ لأنه لم يجد السبيل إلى الوضوء، والله أعلم. ٣٩ - باب صَلاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً قَالَ الْوَلِيدُ: ذَكَرْتُ لِلأوْزَاعِيِّ صَلاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، فَقَالَ: كَذَلِكَ الأمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَنَا الْفَوْتُ. وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِه ﵇: لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. / ٦٥ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأحْزَابِ: (لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) ، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ) . اختلف العلماء فى صلاة الطالب على ظهر الدابة بعد اتفاقهم على جواز صلاة المطلوب راكبًا، فذهبت طائفة إلى أن الطالب لا يصلى على دابته وينزل ويصلى بالأرض، هذا قول عطاء، والحسن، وإليه ذهب الثورى، والشافعى، وأحمد، وأبو ثور. وقال الشافعى: إلا فى حالة واحدة، وذلك أن يقطع الطالبون أصحابهم فيخافون عودة المطلوبين إليهم، فإذا كان هذا هكذا كان لهم الإيماء ركبانًا.

стр. 1006

وذكر ابن حبيب عن ابن عبد الحكم قال: صلاة الطالب بالأرض أولى من الصلاة على الدواب. وفيها قول ثان قال ابن حبيب: هو فى سعة، وإن كان طالبًا لا ينزل ويصلى إيماء؛ لأنه مع عدوه لم يصل إلى حقيقة أمن، وقاله مالك وهو مذهب الأوزاعى، وشرحبيل. وذكر الفزارى عن الأوزاعى قال: إذا خاف الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صلوا حيث وجهوا على كل حال؛ لأن الحديث جاء أن النصر لا يرفع ما دام الطلب. قال المؤلف: وطلبت قصة شرحبيل بن السمط بتمامها لأتبين هل كانوا طالبين أم لا، فذكر الفزارى فى السير عن ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن ثابت بن السمط، أو السمط بن ثابت، قال: كانوا فى سفر فى خوف فصلوا ركبانًا، فالتفت فرأى الأشتر قد نزل للصلاة، فقال: خالف خولف به، فخرج الأشتر فى الفتنة. فبان بهذا الخبر أنهم كانوا طالبين حين صلوا ركبانًا؛ لأن الإجماع حاصل على أن المطلوب لا يصلى إلا راكبًا، وإنما اختلفوا فى الطالب. وأما استدلال الوليد بقصة بنى قريظة على صلاة الطالب راكبًا، فلو وجد فى بعض طرق الحديث أن الذين صلوا فى الطريق صلوا

стр. 1007

ركبانًا لكان بينًا فى الاستدلال، ولم يحتج إلى غيره، ولما لم يوجد ذلك احتمل أن يكون لما أمرهم النبى ﷺ بتأخير العصر إلى بنى قريظة، وقد علم بالوحى أنهم لا يأتونها إلا بعد مغيب الشمس، ووقت العصر فرض، فاستدل أنه كما ساغ للذين صلوا ببنى قريظة ترك الوقت وهو فرض ولم يعنفهم النبى، ﵇، فكذلك سوغ للطالب أن يصلى فى الوقت راكبًا بالإيماء، ويكون تركه للركوع والسجود المفترض كترك الذين صلوا ببنى قريظة الوقت الذى هو فرض، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، قاله المهلب. قال: وقوله ﵇: (لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة) ، فإنه أراد إزعاج الناس إليها لما كان أخبره جبريل أنه لم يضع السلاح بعد وأمره ببنى قريظة. ٤٠ - باب التَّبْكيرِ وَالْغَلَسِ بِالصُّبْحِ وَالصَّلاةِ عِنْدَ الإغَارَةِ وَالْحَرْبِ / ٦٦ - فيه: أَنَسِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ رَكِبَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ. . . . .) الحديث. السنة فى صلاة الصبح: التغليس فى السفر كما فى الحضر. قال المهلب: وكانت عادته ﵇، التغليس بالصبح ولم يؤخرها عن ذلك إلا اليوم الذى علم الأعرابى الذى سأله عن وقت الصلاة. وفيه: أن التكبير عند الإشراف على المدن والقرى سنة، وكذلك عند رؤية الهلال وولادة الغلام؛ لأنه إعلام بما ظهر.

стр. 1008

وتفاءل ﵇، لخبير بالخراب، من اسمها، على أهلها فكان كذلك، وكذلك كان يتفاءل بالأسماء التى يكون له فيها المحبوب، وكان يكره الطيرة ولم يكن هذا طيرة بالخراب؛ لأن الخراب لخيبر من سعادة النبى، ﵇، وأصحابه، فهو من الفأل الحسن.

стр. 1009

- كتاب صَلاة الْعِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلِ فِيهِمَا / ١ - فيه: ابْنَ عُمَرَ: وَجَدَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: (إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ. . .) ، الحديث. التجمل فى العيدين بحسن الثياب سنة مندوب إليها كل من يقدر عليها. قال المهلب: وكذلك التجمل فى الجماعات والوفود بحسن الثياب مما جرى به العمل، وترك ﵇، لباس الجبة زهدًا فى الدنيا، وأراد أن يؤخر طيبات الدنيا للآخرة التى لا انقضاء لها، ورأى أن تعجيل طيباته فى الدنيا المنقطعة وبيع الدائم بها ليس من الحزم، فزهد فى الدنيا للآخرة وأمر بذلك، ونهى عن كل سرف وحرَّمه. - باب الْحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ / ٢ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النبى، ﵇، وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﵇، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: (دَعْهُمَا) ، فَلَمَّا غَفَلَ، غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ

стр. 1010

رسول الله، وَإِمَّا قَالَ: (تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟) ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: (دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ) حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: (حَسْبُكِ) ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (فَاذْهَبِي) . حمل السلاح والحراب يوم العيد لا مدخل له عند العلماء فى سنة العيد، ولا فى هيئة الخروج إليه، ولا استحبه أحد من العلماء، ولا ندب إليه، ويمكن أن يكون ﵇ محاربًا خائفًا من بعض أعدائه، فرأى الاستعداد والتأهب بالسلاح، وإذا كان كذلك فهو جائز عند العلماء، ولعب الحبشة ليس فيه أن الرسول خرج بها فى العيد، ولا أمر أصحابه بالتأهب بها، ولم تكن الحبشة للنبى، ﵇، حشدًا ولا أنصارًا، وإنما هم قوم يلعبون. وفائدة هذا الحديث: إباحة النظر إلى اللهو إذا كان فيه تدريب الجوارح على تقليب السلاح لتخف الأيدى بها فى الحرب. وفيه: ما كان النبى، ﵇، عليه من الخلق الحسن وما ينبغى للمرء أن يمتثله مع أهله من إيثاره مسارهم فيما لا حرج عليهم فيه. - باب سُنَّةِ الْعِيدَيْنِ لأهْلِ الإسْلامِ / ٣ - فيه: الْبَرَاءِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵇، يَخْطُبُ، فَقَالَ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِى يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا) . / ٤ - وفيه عَائِشَةَ: أن النبى، ﵇، دَخَلَ عليها، وَعِنْدِها جَارِيَتَانِ

стр. 1011

مِنْ جَوَارِي الأنْصَارِ تُغَنِّيَانِ، مِمَا تَقَاوَلَتِ به الأنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا) . سنة العيدين: الصلاة، قال مالك: وصلاة العيدين سنة لأهل الآفاق لا تترك، وروى ابن القاسم عنه فى القرية فيها عشرون رجلاً: أرى أن يصلوا العيدين، وروى عنه ابن نافع ليس ذلك إلا على من تجب عليه الجمعة، وهو قول الليث وأكثر أهل العلم، وقال ربيعة: كانوا يرون الفرسخ وهو ثلاثة أميال، وقال الأوزاعى: من آواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد، وقال ابن القاسم، وأشهب: إن شاء من لا تجب عليهم الجمعة أن يصلوها بإمام فعلوا، ولكن لا خطبة عليهم، وإن خطب فحسن. وقوله: (أول ما نبدأ به الصلاة) ، يدل أن الخطبة بعدها، وقد جاء هذا منصوصًا بعد هذا. وفيه: أن النحر لا يكون إلا بعد الصلاة. قال المهلب: وفيه دليل أن العيد موضوع للراحات وبسط النفوس إلى ما يحل من الدنيا والأخذ بطيبات الرزق وما أحل الله من اللعب والأكل والشراب والجماع؛ ألا ترى أنه أباح الغناء من أجل عذر العيد قال: (دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد) ، وكان أهل المدينة على سيرة من أمر الغناء واللهو، وكان النبى، ﵇، وأبو بكر على خلاف ذلك؛ ولذلك أنكر أبو بكر المغنيتين فى بيت

стр. 1012

عائشة؛ لأنه لم يرهما قبل ذلك بحضرة النبى، ﵇، فرخص فى ذلك للعيد وفى ولائم إعلان النكاح. وقوله: (تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث) ، تريد ترفعان أصواتهما بالإنشاد، وكل من رفع صوته بشىء ووالى به مرة بعد مرة، فصوته عند العرب غناء، وأكثره فيما شاق من صوت، أو شجا من نغمة ولحن، ولهذا قالوا: غنت الحمامة، ويغنى الطائر، هذا قول الخطابى. وإنما كانتا تنشدان المراثى التى تحزن وتبعث النفوس على الاتنقام من العدو، وهى مراثى من أصيب يوم بعاث، فأباح النبى ﷺ هذا النوع من الغناء. وقولها: (وليستا بمغنيتين) ، تعنى الغناء الذى فيه ذكر الخنا والتعريض بالفواحش وما يسميه المُجان وأهل المعاصى غناء مما يكثر التنغيم فيه. قال المهلب: وهذا الذى أنكره أبو بكر كثرة التنغيم وإخراج الإنشاد عن وجهه إلى معنى التطريب بالألحان؛ ألا ترى أنه لم ينكر الإنشاد وإنما أنكر مشابهة الزمير، فما كان من الغناء الذى يجرى هذا المجرى من اختلاف النغمات وطلب الإطراب فهو الذى تخشى فتنته واستهواؤه للنفوس، وقطع الذريعة فيه أحسن، وما كان دون ذلك من الإنشاد ورفع الصوت حتى لا يخفى معنى البيت، وما أراده الشاعر بشعره فغير منهى عنه، وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه رخص فى غناء الأعراب، وهو صوت كالحداء يسمى النصب إلا أنه رقيق. وروى النضر بن شميل، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن

стр. 1013

عبد الرحمن، عن أبيه، قال: خرجنا مع عمر فى الحج حتى إذا كنا بالروحاء كلم القوم رباح بن المعترف، وكان حسن الصوت بغناء الأعراب، فقالوا: أسمعنا وقصر عنا المسير فقال: إنى أفرق عمر، فقام أصحاب رسول الله ﷺ إلى عمر فكلموه، فقال: يا رباح، أسمعهم وقصر عنهم المسير، فإذا سحرت فارفع قال: فرفع عقيرته وتغنى) . فهذا وما أشبهه مما يدعى غناء لم ير به بأس، ولم ير فيه إثم؛ لأنه حداء يحث المطى ويقصر المسير ويخفف السفر، وتأتى زيادة فى هذا الباب فى باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله فى آخر كتاب الاستئذان، ويأتى فى فضائل القرآن عند قوله: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) ، من أجاز سماع القرآن بالألحان ومن كرهه. ٣ - باب الأكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ / ٥ - فيه: أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا. الأكل عند الغدو إلى المصلى سنة مستحبة عند العلماء تأسيًا بالنبى، ﵇، وروى عن على، وابن عباس أنهما قالا: من السنة ألا تخرج يوم الفطر حتى تطعم، وهو قول عامة العلماء، وكان

стр. 1014

بعض التابعين يأمرهم بالأكل فى الطريق، وروى عن ابن مسعود أنه قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، وعن النخعى مثله، وقد روى عن ابن عمر الرخصة فى ترك الأكل، وذكر ابن أبى شيبة عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ولا يطعم شيئًا، قال ابن المنذر: والذى عليه الأكثر استحباب الأكل. قال المهلب: إنما كان يؤكل يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، والله أعلم لئلا يظن ظان أن الصيام يلزم يوم الفطر إلى أن تصلى صلاة العيد، فخشى الذريعة إلى الزيادة فى حدود الله، فاستبرأ ذلك بالأكل، والدليل على ذلك أنه لم يكن يأمر بالأكل قبل الغدو إلى المصلى فى الأضحى. ويجعلن وترًا استشعارًا للوحدانية، وكذلك كان يفعل فى جميع أموره. ٤ - باب الأكْلِ يَوْمَ النَّحْرِ / ٦ - فيه: أَنَسٍ قَالَ ﵇: (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَلْيُعِدْ) ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ، وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ صَدَّقَهُ، فقَالَ: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ ﵇. / ٧ - وفيه: الْبَرَاءِ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﵇، يَوْمَ الأضْحَى بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَالَ: (مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَلا نُسُكَ لَهُ) ، فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا تُذْبَحُ فِي بَيْتِي، وَتَغَدَّيْتُ،

стр. 1015

قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاةَ، قَالَ: (شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ؟) ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً، هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ، فَتَجْزِئ عَنِّي؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) . وأما يوم النحر فهو يوم أكل كما قال أبو بردة، إلا أنه لا يستحب فيه الأكل قبل الغدو إلى الصلاة، ولا ينهى عنه؛ ألا ترى أن النبى، ﵇، فى حديث البراء لم يحسن أكله ولا عنفه عليه، وإنما أجابه عما به الحاجة إليه من سنة الذبح وعذره فى الذبح لما قصده من إطعام جيرانه لحاجتهم، فلم ير ﵇، أن يخيب فعلته الكريمة، وأجاز له أن يضحى بالجذعة وهى لا تجزئ فى الضحايا عن أحد غيره. فبين الفطر والأضحى فى الأكل قبل الصلاة فرقان: الواحد ليفصل بين الصيام وبين الصلاة بالأكل، والثانى فى الأضحى مباح، إن فعل فحسن وإن لم يفعل فحسن؛ لأنه ليس قبله صيام يحتاج إلى فصله. والعناق: الأنثى من المعز، عن الخليل. ٥ - باب الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى بِغَيْرِ مِنْبَرٍ / ٨ - فيه: أبو سَعِيدٍ قَالَ: (كَانَ النبى، ﵇، يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ، بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ) ، فقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ

стр. 1016

مَرْوَانَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ، فَجَبَذَنِي، وَارْتَفَعَ، يَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلاةِ، قُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ، قَالَ: أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لا أَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلاةِ، فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلاةِ. قال المؤلف: قال أشهب فى المجموعة: خروج المنبر إلى العيدين واسع إن شاء أخرج وإن شاء ترك. وقال ابن حبيب: قال مالك: لا يخرج المنبر فى العيدين من شأنه أن يخطب إلى جانبه، فإنما يخطب عليه الخلفاء. قال المهلب: وبنيان كثير للمنبر يدل على أنه لم يكن قبل ذلك. وفيه: أن الصلاة قبل الخطبة، وأن الخلفاء الراشدين كانوا على ذلك. وفيه: مواجهة الخطيب للناس وأنهم بين يديه. وفيه: البروز إلى المصلى والخروج إليها، وأنه من سنتها وأنه لا يصلى فى المسجد إلا من ضرورة، روى ابن زياد عن مالك قال: السنة الخروج إليها إلى المصلى إلا لأهل مكة، فالسنة صلاتهم إياها فى المسجد. وقوله: (غيرتم والله) ، فقد روى عن عثمان بن عفان أنه فعل ذلك فليس بتغيير. وقد اختلف الناس فى أول من قدم الخطبة فى العيدين، فروى ابن نافع عن مالك قال: أول من فعل ذلك عثمان بن عفان، وإنما صنع ذلك ليدرك الناس الصلاة، وروى ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: أول من بدأ

стр. 1017

بالخطبة قبل الصلاة عثمان، وروى ابن جريج عن ابن شهاب قال: أول من قدم الخطبة قبل الصلاة معاوية، وروى سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم العيدين مروان. وذكر مالك وغيره أن عثمان إنما فعل ذلك ليدرك الناس الصلاة؛ لأنهم كانوا يأتون بعد الصلاة. قال المهلب: وفى هذا من الفقه أنه يحدث للناس أمورًا بقدر الاجتهاد إذا كان صلاحًا لهم، والأصل فى ذلك أن النبى، ﵇، خطب قبل الجمعة، فترك عثمان وغيره الصلاة حتى خطبوا لعلَّة أوجبت ذلك من افتراق الناس؛ لِسنته ﵇ فى تقديمه الخطبة فى الجمعة، فليس بتغيير، وإنما ترك فعل بفعل، ولم يترك لغير فعل الرسول، وإنما كانت الخطبة فى الجمعة قبل الصلاة لقوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض) [الجمعة: ١٠] ، فعلم الرسول من هذه الآية أن ليس بعد صلاة الجمعة جلوس لخطبة ولا لغيرها. ٦ - باب الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ إِلَى الْعِيدِ وَالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ / ٩ - فيه: ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ النبى، ﵇، كَانَ يُصَلِّي فِي الأضْحَى وَالْفِطْرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلاةِ) .

стр. 1018

/ ١٠ - وفيه: جَابِرِ: (إِنَّ النَّبِيَّ ﵇، خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) . / ١١ - وأرسل ابْنَ عَبَّاسٍ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ مَا بُويِعَ لَهُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ لِلصَّلاَةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلاةِ. / ١٢ - وقال جَابِرِ وابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَلا يَوْمَ الأضْحَى. وسنة الخروج إلى العيدين عند العلماء المشى؛ لأنه من التواضع، والركوب مباح وليس فى أحاديث هذا الباب ما يدل على الركوب، وروى زرّ عن عمر بن الخطاب، أنه خرج يوم فطر يمشى، وعن على بن أبى طالب أنه قال: من السنة أن يأتى العيد ماشيًا، واستحب ذلك مالك، والثورى، والشافعى، وأحمد، وجماعة. وقال مالك: إنما نحن نمشى ومكاننا قريب، ومن بعد عليه فلا بأس أن يركب، وكان الحسن يأتى العيد راكبًا، وكره النخعى الركوب فى العيدين والجمعة. وأما الصلاة قبل الخطبة، فهو إجماع من العلماء قديمًا وحديثًا إلا ما كان من بنى أمية من تقديم الخطبة وقد تقدم ذلك، وروى عن ابن الزبير مثله. وفيه: أن سنة صلاة العيدين ألا يؤذن لها ولا يقام، وهو قول جماعة الفقهاء، وقال الشعبى، والحكم، وابن سيرين: الأذان يوم الأضحى ويوم الفطر بدعة. وقال سعيد بن المسيب: أول من أحدث الأذان فى العيد معاوية، وقال حصين: أول من أذن فى العيد زياد، وقال عطاء: سأل ابن

стр. 1019

الزبير ابن عباس، وكان الذى بينهما حسن، فقال: لا تؤذن ولا تقم، فلما ساء ما بينهما أذن وأقام. ٧ - باب الْخُطْبَةِ بَعْدَ الْعِيدِ / ١٣ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ: (شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ النبى، ﵇، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) . / ١٤ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (كَانَ ﵇، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) . / ١٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ، تُلْقِي الْمَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا) . / ١٦ - وفيه: الْبَرَاءِ أن النَّبِيُّ ﵇، قال: (أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ به فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ونَرْجِعَ فَنَنْحَرَ. . .) الحديث. قد تقدم أن الصلاة قبل الخطبة هو إجماع من العلماء، وذكرنا من قدم الخطبة قبل الصلاة من السلف. وقال أشهب فى (المجموعة) : من بدأ بالخطبة قبل الصلاة أعادها بعد الصلاة، فإن لم يفعل أجزأه وقد أساء، قال مالك: والسنة تقديم الصلاة قبل الخطبة، وبذلك عمل رسول الله وأبى بكر، وعمر، وعثمان صدرًا من ولايته.

стр. 1020

وقد غلط النسائى فى حديث البراء، وترجم له باب الخطبة قبل الصلاة، واستدل على ذلك من قوله ﵇: (أول ما نبدأ به فى يومنا هذا أن نصلى ثم ننحر) ، وتأول أن قوله هذا كان قبل الصلاة؛ لأنه كيف يقول أول ما نبدأ به أن نصلى وهو قد صلى، وهذا غلط؛ لأن العرب قد تضع الفعل المستقبل مكان الماضى؛ فكأنه قال ﵇: أول ما يكون الابتداء به فى هذا اليوم الصلاة التى قدمنا فعلها وبدأنا بها، وهو قوله تعالى: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله) [البروج: ٨] ، والمعنى: وما نقموا منهم إلا الإيمان المتقدم منهم، وقد بين ذلك فى باب استقبال الإمام الناس فى خطبة العيد فقال: (إن أول نسكنا فى يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة) . والسخاب: قلادة من قرنفل وسُكّ ليس فيها جوهر، قال ابن دريد: والجمع سُخُب. ٨ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلاحِ فِي الْعِيدِ وَالْحَرَمِ وَقَالَ الْحَسَنُ: نُهُوا أَنْ يَحْمِلُوا السِّلاحَ يَوْمَ العِيد، إِلا أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا. / ١٧ - فيه: سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنه قَالَ: (كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ، فَنَزَعْتُهَا، وَذَلِكَ بِمِنًى، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ، فَجَاء يَعُودُهُ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ أَصَبْتَنِي، قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: حَمَلْتَ السِّلاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ، وَأَدْخَلْتَ السِّلاحَ فى الْحَرَمَ، وَلَمْ يَكُنِ السِّلاحُ يُدْخَلُ الْحَرَمَ) . / ١٨ -
следующие страницы →