← Акыда

Акыда · id 10487

الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان

بكر أبو زيد

Полный текст (105 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله وحده. أما بعد: فإن نازلة الدعوة إلى الخلط بين دين الإسلام وبين غيره من الأديان الباطلة كاليهودية، والنصرانية، التي تعقد لها أمم الكفر المؤتمرات المتتابعة باسم "التقريب بين الأديان" و"وحدة الأديان" و"التآخي بين الأديان "و"حوار الحضارات" هي أبشع دعائم "الكهفين المظلمين": "النظام العالمي الجديد" و"العولمة"، الذين يهدفان إلى بث الكفر والإلحاد، ونشر الإباحية وطمس معالم الإسلام وتغيير الفطرة. ولهذا أفردت هذا الكتاب لكشف مخاطر هذه النازلة بالمسلمين وبيان بطلانها، وتحذير المسلمين منها. وقد نهينا عن هذه النظرية الإلحادية: "وحدة الأديان" في سورة فرضها الله على المسلمين" في جميع صلواتهم في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ . وهذا من جلائل المعاني وأعظم حكم التشريع. وقد طبع هذا الكتاب - بحمد الله تعالى - من الطبعة الأولى عام ١٤١٧ أربع طبعات، داخل المملكة وخارجها، وكان منها طبعة رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء عام ١٤٢٠. والآن هذه الطبعة الثانية فيها إضافات، أهمها: ١- في ص / ١٦ سياق قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة / ٤٢] . وتفسير السلف لها: " لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام ... " وهذا من جلائل المعاني في القرآن العظيم. ٢- في ص / ٤٩-٥٥ نقلان مهمان عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في أن دين جميع الأنبياء واحد لا يدخله النسخ، شرائعهم متعددة، وجميعها منسوخة بشريعة خاتمهم محمد ﷺ فمن لم يؤمن به وبشريعته فهو كافر. مع التنبيه ص / ٤٥ على خطأ المقولة الحادثة: " الأديان السماوية". ٣- في آخر الكتاب ملاحق ثلاثة، وهي فتاوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في: "بطلان الدعوة إلى وحدة الأديان" و"تحريم بناء المعابد الكفرية مثل الكنائس" و"التحذير من وسائل التنصير". ثم إتباع هذه الطبعة بفهارس الآيات، والمرويات، والفوائد، والموضوعات. والحمد لله رب العالمين. المؤلف بكر بن عبد الله أبو زيد ٢٠ جمادى الأولى ١٤٢١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2

مقدمة الطبعة الأولى الحمد لله رب العالمين، الذي هدانا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، فأكمله- سبحانه- لنا وأتمه، وأتمَّ به علينا النعمة، ورضيه لنا دينا، وجعلنا من أهله وجعله خاتما لكل دين وشرعة، ناسخا لجميع الشرائع قبله، وبعث به خاتم أنبيائه ورسله محمدا ﷺ : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام / ١٥٣] ، وجعل نهايته: رضوان الله والجنة ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة /: ١٥، ١٦] ، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة / ٧٢] ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾

стр. 3

[آل عمران / ٨٣] . ونعوذ بالله من طريق: "المغضوب عليهم": "اليهود": "الأمة الغضبية، أهل الكذب، والبُهت، والغدر، والمكر، والحيل، قتلة الأنبياء، وأكلة السُّحْت- وهو الرِّبا والرِّشا- أخبث الأمم طوية، وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء، وديدنهم العداوة والشحناء، بيت السِّحر، والكذب، والحيل، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حُرْمة، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا لمن وافقهم عندهم حق ولا شفقة، ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نصفة، ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة، بل أخبثهم: أعقلهم، وأحذقهم: أغشّهم، وسليم الناصية- وحاشاه أن يوجد بينهم- ليس بيهودي على الحقيقة، أضيق الخلق صدورا، وأظلمهم بيوتا، وأنتنهم أفنية، وأوحشهم سجية، تحيتهم: لعنة، ولقاؤهم: طيرة، شعارهم الغضب، ودثارهم المقت" (١) .

стр. 4

ونعوذ بالله من طريق "الضالين": "النصارى": "المُثلَّثة، أمة الضلالة، وعُبَّاد الصليب، الذين سبُّوا الله الخالق مسبَّة ما سبه إياها أحد من البشر، ولم يقروا بأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولم يجعلوه أكبر من كل شيء، بل قالوا فيه ما: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ فقل ما شئت في طائفة أصل عقيدتها: أن الله ثالث ثلاثة، وأن مريم صاحبته، وأن المسيح ابنه، وأنه نزَلَ عن كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة، وجرى له ما جرى إلى أن قتل ومات، ودُفِنَ، فدِينُها: عبادة الصلبان، ودعاء الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان، يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا، واغفري لنا وارحمينا! فدينهم: شرب الخمور، وأكل الخنزير، وترك الختان، والتعبد بالنجاسات، واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة، والحلال ما حلله "القس" والحرام ما حرَّمه، والدين ما شرعه، وهو الذي يغفر لهم الذنوب، وينجيهم من عذاب السعير". ونعوذ بالله من كل: "عابد أوثان، وعابد نيران، وعابد شيطان، وصابئ حيران؛ يجمعهم الشرك، وتكذيب الرسل، وتعطيل الشرائع،

стр. 5

وإنكار المعاد، وحشر الأجساد، لا يدينون للخالق بدين، ولا يعبدونه مع العابدين، ولا يوحدونه مع الموحدين. وأُمَّة "المجوس" منهم تستفرش الأمهات، والبنات، والأخوات، دع العمات، والخالات، دينهم: الزَّمر، وطعامهم: الميتة، وشرابهم: الخمر، ومعبودهم: النار، ووليهم: الشيطان، فهم أخبث بني آدم نحلة، وأرداهم مذهبا، وأسوأهم اعتقادا. وأما زنادقة الصابئة، وملاحدة الفلاسفة، فلا يؤمنون بالله، ولا ملائكته، ولا كتبه، ولا رسله، ولقائه، ولا يؤمنون بمبدأ، ولا معاد، وليس للعالم عندهم رب فعال بالاختيار لما يريد، قادر على كل شيء، عالم بكل شيء، آمر ناهٍ، مرسل الرسل، ومنزِّل الكتب، ومثيب المحسن، ومعاقب المسيء، وليس عند نُظَّارهم إلا تسعة أفلاك، وعشرة عقول، وأربعة أركان، وسلسلة ترتب فيها الموجودات هي بسلسلة المجانين أشبه منها بمجوَّزات العقول". فالحمد لله الذي أعاذنا من سبل الضلالة، التي تجمعها هذه الطرق الخمسة الشيطانية: طريق المغضوب عليهم: اليهود، وطريق الضالين: النصارى، وطريق الصابئة: الزنادقة الملاحدة الحيارى، وأخلافهم أخلاف

стр. 6

السوء من الشيوعيين، ومن شاكلهم، وطريق المجوس: مجمع الخبائث قولا، وفعلا، واعتقادا، وطريق المشركين: عبدة الأوثان، مكذبة الرسل والأنبياء. الحمد لله الذي أعاذنا منها، "وأغنانا بشريعته- شريعة الإسلام- التي تدعو إلى الحكمة، والموعظة الحسنة، وتتضمن الأمر بالعدل، والإحسان، والنهي عن الفحشاء، والمنكر، والبغي، فلة المنة والفضل على ما أنعم به علينا، وآثرنا به على سائر الأمم، وإليه الرغبة أن يوزعنا شكر هذه النعمة، وأن يفتح لنا أبواب التوبة، والمغفرة، والرحمة". وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، تعالى وتقدس عن كل مبطل كذاب، ومشرك يعدل به غيره من الآلهة المخلوقين، والأرباب المكذوبين: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون / ٩١، ٩٢] . " وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفوته من خلقه، وخيرته من بريته، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، ابتعثه بخير

стр. 7

ملة، وأحسن شرعة، وأظهر دلالة، وأوضح حجة، وأبين برهان، إلى جميع العالمين، إنسهم، وجنهم، عربهم، وعجمهم، حاضرهم، وباديهم؛ الذي بشرت به الكتب السالفة، وأخبرت به الرسل الماضية، وجرى ذكره في الأعصار، في القرى والأمصار، والأمم الخالية. ضُربت لنبوته البشائر من عهد آدم أبي البشر إلى عهد المسيح ابن البشر". * أما بعد: ففي الوقت الذي يجري فيه صريف الأقلام الجهادية من علماء المسلمين في شتى فجاج أرض الله، بالدعوة إلى الله، والتبصر في الدين، ومواجهة موجات الإلحاد والزندقة، وردِّ دعاوى الجاهلية القديمة والمعاصرة: القومية. البعثية. . . الماركسية. العلمنة. الحداثة. . . وصد عاديات التغريب، والانحراف، والغزو المعنوي بجميع أنواعه وضروبه، وأشكاله، بدت محنة أخرى في ظاهرة هي أبشع الظواهر المعادية للإسلام والمسلمين؛ إذ نزعت في المواجهة نزعا عنيفا بوقاحة، وفراهة؛ كيدا للمسلمين، وطعنا في الدين، وليًّا بألسنتهم، لإفساد نزعة التدين بالإسلام، والدخول فيه، وتذويب شخصيته في معترك الديانات، ومطاردة التيار الإسلامي، وكبت

стр. 8

طلائعه المؤمنة، وسحب أهله عنه إلى ردة شاملة. وكل ذلك يجري على سنن الصراع والتقابل والتدافع، كما قال أبو العلاء المعري: يُجْنَى تزايد هذا من تناقص ذا ... كالليل إن طال غال اليوم بالقِصَر وأعلى من ذلك وأجلُّ قول الله تعالى-: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة / ٢١٧] . وقوله- سبحانه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء / ٨٩] . وذلك فيما جَهَرَتْ به اليهود والنصارى، من الدعوة الجادة إلى: " نظرية الخلط بين الإسلام وبين ماهم عليه من دين محرَّف منسوخ " وزرع خلاياهم في أعماق أمة الإسلام في كل صقع ودار، وصهر المسلمين معهم في قالب واحد، فلا ولاء، ولا براء، ولا تقسيم للملا إلى مسلم وكافر أبدا، ولا لتعبدات الخلائق إلى حق وباطل. ونصبوا لذلك مجموعة من الشعارات، وصاغوا له

стр. 9

كوكبة من الدعايات، وعقدوا له المؤتمرات، والندوات، والجمعيات، والجماعات، إلى آخر ما هنالك من مخططات وضغُوط، ومباحثات ظاهرة، أو خفية، معلنة، أو سرية، وما يتبع ذلك من خطوات نشطة، ظهر أمرها وانتشر، وشاع واشتهر. وهم في الوقت نفسه في حالة استنفار، وجد ودأب في نشر التنصير، وتوسيع دائرته، والدعوة إليه، واستغلال مناطق الفقر، والحاجة، والجهل، وبعث النشرات عبر صناديق البريد. * من هنا اشتد السؤال، ووقع كثيرا من أهل الإسلام عن هذه: "النظرية" التي حلَّت بهم، ونزلت بساحتهم: ما الباعث لها؟ وما الغاية التي ترمي إليها؟ وما مدى مصداقية شعاراتها؟ وعن حكم الإسلام فيها، وحكم الاستجابة لها من المسلمين، وحكم من أجاب فيها، وحكم من دعا إليها، ومهد السبيل لتسليكها بين المسلمين، ونشرها في ديارهم، ونثر من أجلها وسائل التغريب، وأسباب التهويد، والتنصير، في صفوف المسلمين. حتى بلغت الحال ببعضهم إلى فكرة: "طبع القرآن الكريم، والتوراة والإنجيل" في غلاف واحد؟

стр. 10

وحتى بلغ الخلط والدمج مبلغه ببناء "مسجد، وكنيسة، ومعبد" في محل واحد، في: "رحاب الجامعات" و"المطارات" و"الساحات العامة"؟ فما جوابكم يا علماء الإسلام؟؟

стр. 11

* * * * بين يدي الجواب: ولا شك أن الوضع قائم مشهور، والسؤال وارد مطلوب، والجواب واجب محتوم، على كل من آتاه الله علما وبصيرة في دين الله، وهذا من بعض حق الله على كل عبد مسلم؛ لتبصير المسلمين في أمر دينهم، وكشف الحقيقة عما يحل بهم، حتى يصيروا على بصيرة من أمرهم، وحراسة الشريعة برد كل مكيدة توجه إليهم، وإلى دينهم: "دين الإسلام" وتطعن في الله، وفي كتابه، وفي رسوله، وسنته، وهو باب عظيم من أبواب مجاهدة الكافرين ودفع مكايدهم وشرورهم عن المسلمين، وهي تكون بالحجة والبيان، والسيف والسنان، والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان. قال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران / ٧٩] . وقد رأيت أن أكتب الجواب عن هذا السؤال، مبينا له بالحجة، والبيان، والدليل، والبرهان، مرتبا له في مقامات ثلاثة: * المقام الأول: المسرد التاريخي لهذه النظرية، وتشخيص وقائعها، وخطواتها في الحاضر والعابر؛ ليحصل تمام التصور لمحل السؤال.

стр. 12

* المقام الثاني: في الجواب على سبيل الإجمال. * المقام الثالث: في الجواب على طريقة النشر والتفصيل، بتشخيص الأصول العقدية الإسلامية التي ترفض هذه النظرية وتنابذها.

стр. 13

المقام الأول المسرد التاريخي لهذه النظرية وتشخيص وقائعها إنها نظرية اليهود والنصارى، وهي حديثة بصنع شعاراتها، والعمل من أجلها على كافة المستويات - كما سيأتي - لسَحب المسلمين عن إسلامهم، لكنها قديمة عند اليهود، والنصارى، في كوكبة تدابيرهم الكيدية ومواقفهم العدائية للإسلام، والمسلمين. وبتتبع مراحلها التاريخية، وجدتها قد مرت في حقب زمانية أربع هي: ١ - مرحلتها في عصر النبي ﷺ : قد بين الله - سبحانه - في محكم كتابه، أن اليهود، والنصارى في محاولة دائبة؛ لإضلال المسلمين عن إسلامهم، وردهم إلى الكفر، ودعوتهم المسلمين إلى اليهودية أو النصرانية فقال - تعالى -: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة / ١٠٩] .

стр. 14

وقال - تعالى -: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة / ١١١، ١١٢] . وقال - تعالى -: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة / ١٣٥] . وهكذا في عدد من آيات الله، يتلوها المسلمون في كتاب الله؛ ليحذروا الكافرين من اليهود، والنصارى، وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة / ٤٢] . ففي تفسير ابن جرير - رحمه الله تعالى - عند هذه الآية " عن مجاهد - رحمه اله تعالى - أنه قال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ اليهودية والنصرانية بالإسلام ". وفي تفسير ابن كثير - رحمه الله تعالى - عن قتادة - رحمه الله تعالى - أنه قال عند هذه الآية: " ولا تلبسوا اليهودة والنصرانية بالإسلام، إن دين الله الإسلام، واليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله ". وهذا التفسير من أعظم الفقه بكتاب الله تعالى. ثم خمدت محاولتهم حينا من الدهر حتى انقراض القرون المفضلة. ٢ - مرحلة الدعوة إليها بعد انقراض القرون المفضلة: ثم بدت محاولاتهم مرة أخرى تحت شعار صنعوه، وموهوا به على الجهال، وهو: أن الملل: اليهودية، والنصرانية، والإسلام. هي بمنزلة المذاهب الفقهية الأربعة عند المسلمين كل طريق منها يوصل إلى الله - تعالى - (١) . وهكذا فيما يثيرونه من الشبه، ومتشابه القول، وبتر

стр. 15

النصوص، مما يموهون به، ويستدرجون به أقواما، ويتصيدون به آخرين، من ذوي الألقاب الضخمة هنا وهناك؟ ثم تلقاها عنهم دعاة: " وحدة الوجود " و" الاتحاد " و" الحلول " وغيرهم من المنتسبين إلى الإسلام من ملاحدة المتصوفة في مصر، والشام، وأرض فارس، وأقاليم العجم، ومن غلاة الرافضة وهي من مواريثهم عن التتر، وغيرهم حتى بلغ الحال أن بعض هؤلاء الملاحدة يجيزون التهود، والتنصر، بل فيهم من يرجح دين اليهود والنصارى على دين الإسلام، وهذا فاشٍ فيمن غلبت عليهم الفلسفة منهم، ثم انتقلوا إلى أن أفضل الخلق عندهم هو: " المحقق " وهو: الداعي إلى الحلول، والاتحاد. وقد كشفهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في مواضع من كتبه (١) . وقد قُمِعَت هذه الدعوة الكفرية بمواجهة علماء الإسلام لها، والمناداة عليها، وعلى منتحليها، بأنها كفر وردة عن الإسلام.

стр. 16

وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - مواقف إسلامية مشهورة خالدة، ولغيره من علماء المسلمين الذين ردوا على هؤلاء الغلاة، مثل الحلاج: الحسين بن منصور الفارسي، المقتول على الردة سنة ٣٠٩ (١) ، وابن عربي محمد بن علي الطائي، قدوة السوء للقائلين بوحدة الوجود، في كتابه: الفصوص، المتوفى سنة ٦٣٨، وابن سبعين. ت سنة ٦٦٩، والتلمساني. ت سنة ٦٩٠، وابن هود. ت سنة ٦٩٩، وغيرهم كثير (٢) . ٣ - مرحلة الدعوة إليها في النصف الأول من القرن الرابع عشر: وقد خمدت حينا من الدهر محتجرة في صدر قائليها،

стр. 17

المظهرين للإسلام، المبطنين للكفر والإلحاد، حتى تبنتها حركة " صن مون التوحيدية " ويقال " المونية " (١) .، وقبلها " الماسونية " (٢) وهي: " منظمة يهودية للسيطرة على العالم، ونشر الإلحاد والإباحية "، تحت غطاء الدعوة إلى وحدة الأديان الثلاثة، ونبذ التعصب بجامع الإيمان بالله، فكلهم مؤمنون. وقد وقع في حبال دعوتهم: جمال الدين بن صَفدَر الأفغاني، ت سنة ١٣١٤ بتركيا (٣) وتلميذه الشيخ محمد عبده بن حسن التركماني. ت سنة ١٣٢٣ بالإسكندرية (٤) . وكان من جهود محمد عبده، في ذلك، أن ألف هو، وزعيم الطائفة ميرزا باقر الإيراني، الذي تنصر، ثم عاد إلى الإسلام، ومعهم ممثل جمال الأفغاني، وعدد من رجال الفكر في: " بيروت " ألفوا فيه جمعية باسم: " جمعية التأليف والتقريب " موضوعها التقريب بين الأديان الثلاثة. وقد دخل في هذه الجمعية بعض الإيرانيين، وبعض الإنجليز، واليهود، كما تراه

стр. 18

مفصلا في كتاب: " تاريخ الأستاذ الإمام: ١ / ٨١٧ - ٨٢٩ " تأليف محمد رشيد رضا. المتوفى سنة ١٣٥٤. ومن جهود محمد عبده في ذلك، مراسلات بينه، وبين بعض القساوسة، كما في كتاب: " الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: ٢ / ٣٦٣ - ٣٦٧ " جمع محمد عمارة. وقد جالت مطارحات في هذه النظرية، بين عدد من المؤيدين، والمعارضين، بين محمد عبده، ومحمد حسين هيكل، والطبيب حسن الهراوي، وعبد الجواد الشرقاوي، وذلك في مجلة: " السياسة الأسبوعية بمصر " في الأعداد / ٢٨٢١ لشهر صفر عام ١٣٥١، وما بعده. وفي: " صحيفة الهلال " في الأعداد / ٤٨٤، ٤٨٥ لعام ١٣٥٧، ١٣٥٨، مقالات بعنوان: " هل يمكن توحيد الإسلام والمسيحية؟ " بين كل من / محمد فريد وجدي، ومحمد عرفة، وعبد الله الفيشاوي الغزي، وبين القساوسة، وكان الحوار، وكانت المراسلات جارية في هذه المقالات في الجواب على هذا السؤال: هل يمكن التوحيد بين الإسلام والمسيحية من جهة

стр. 19

الأسلوب الروحي فقط، أو من جهة الأمور المادية؟ وكان النصراني إبراهيم لوقا يستصعب توحيد الإسلام والمسيحية في كلا الأمرين جميعا، ولكنه استسهل الجمع بين المسلمين والنصارى في مصالح الوطن، ثم قال: " لا سبيل إلى الوحدة الكاملة إلا بأن تعتنق إحداهما مبادئ الأخرى، فإما إيمان بلاهوت المسيح، وتجسده، وموته، وقيامه، فيكون الجميع مسيحيين، وإما إيمان بالمسيح كواحد من الرسل النبيين، فيصبح به الجميع مسلمين ". ٤ - مرحلة الدعوة إليها في العصر الحاضر: في الربع الأخير من القرن الرابع عشر الهجري، وحتى عامنا هذا ١٤١٦. وفي ظل " النظام العالمي الجديد ": جهرت اليهود، والنصارى، بالدعوة إلى التجمع الديني بينهم، وبين المسلمين، وبعبارة أخرى: " التوحيد بين الموسوية، والعيسوية، والمحمدية " باسم: " الدعوة إلى التقريب بين الأديان ". " التقارب بين الأديان ". ثم باسم: " نبذ التعصب الديني ".

стр. 20

ثم باسم: " الإخاء الديني " وله: فتح مركز بمصر بهذا الاسم (١) . وباسم: " مجمع الأديان " وله فتح مركز بسيناء مصر بهذا الاسم (٢) . وباسم: " الصداقة الإسلامية المسيحية ". وباسم: " التضامن الإسلامي المسيحي ضد الشيوعية ". ثم أخرجت للناس تحت عدة شعارات: * " وحدة الأديان ". " توحيد الأديان ". " توحيد الأديان الثلاثة ". " الإبراهيمية ". " الملة الإبراهيمية ". " الوحدة الإبراهيمية ". " وحدة الدين الإلهي ". " المؤمنون ". " المؤمنون متحدون ". " الناس متحدون ". الديانة العالمية ". " التعايش بين

стр. 21

الأديان ". " المِلّيُون ". " العالمية وتوحيد الأديان " (١) . ثم لحقها شعار آخر، هو " وحدة الكتب السماوية ". ثم امتد أثر هذا الشعار إلى فكرة طبع: " القرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل " في غلاف واحد. ثم دخلت هذه الدعوة في: " الحياة التعبدية العملية " (٢) ؛ إذ دعا " البابا " إلى إقامة صلاة مشتركة من ممثلي الأديان الثلاثة: الإسلاميين والكتابيين، وذلك بقرية: " أسِيس " في: " إيطاليا ". فأقيمت فيها بتاريخ: ٢٧ / ١٠ / ١٩٨٦ م. ثم تكرر هذا الحدث مرات أخرى باسم: " صلاة روح القدس (٣) .

стр. 22

ففي: " اليابان " على قمة جبل: " كيتو " أقيمت هذه الصلاة المشتركة، وكان - واحسرتاه - من الحضور ممثل لبعض المؤسسات الإسلامية المرموقة. وما يتبع ذلك، من أساليب بارعة للاستدراج، ولفت الأنظار إليها والالتفاف حولها، كالتلويح بالسلام العالمي، ونشدان الطمأنينة والسعادة للإنسانية، والإخاء، والحرية، والمساواة، والبر والإحسان. وهذه نظيرة وسائل الترغيب الثلاثة التي تنتحلها الماسونية: " الحرية، والإخاء، والمساواة " أو: " السلام، والرحمة، والإنسانية " وذلك بالدعوة إلى " الروحية الحديثة " القائمة على تحضير الأرواح، روح المسلم، وروح اليهودي، وروح النصراني، وروح البوذي، وغيرهم، وهي من دعوات الصهيونية العالمية الهدامة، كما بين خطرها الأستاذ محمد محمد حسين - رحمه الله تعالى - في كتابه: " الروحية الحديثة دعوة هدامة / تحضير الأرواح وصلته بالصهيونية العالمية ". آثار هذه النظرية على الإسلام والمسلمين: وعلى إثر هذا الدور العملي الجريء حصل مجموعة من الآثار: * فمن آثارها: اقتحام العقبة، وكسر حاجز الهيبة من المسلمين

стр. 23

من وجه، وكسر حاجز النفرة من الكافرين من وجه آخر. * ومن آثارها: أن قدم: " البابا " نفسه إلى العالم، بأنه القائد الروحي للأديان جميعا، وأنه حامل رسالة: " السلام العالمي " للبشرية. * ومن آثارها: أن " البابا " اعتبر: يوم: ٢٧ / ١٠ أكتوبر عام ١٩٨٦ م عيدا لكل الأديان، وأول يوم من شهر يناير، هو: " يوم التآخي ". * ومن آثارها: اتخاذ نشيد، يردده الجميع، أسموه: " نشيد الإله الواحد رب، وأب ". * ومن آثارها: أنه انتشر في العالم، عقد المؤتمرات لهذه النظرية، وانعقاد الجمعيات، وتأليف الجماعات الداعية لوحدة الأديان، وإقامة الأندية، والندوات فكان منها: ١ - أنه في تاريخ ١٢ - ١٥ / ٢ فبراير ١٩٨٧ م: عقد " المؤتمر الإبراهيمي " في قرطبة، بمشاركة أعداد من اليهود والنصارى، ومن المنتسبين للإسلام من القاديانيين والإسماعيليين. وكان انعقاده باسم: " مؤتمر الحوار الدولي للوحدة الإبراهيمية ". وافتتح لهذا الغرض معهد باسم: " معهد

стр. 24

قرطبة لوحدة الأديان في أوربا ". أو: " المركز الثقافي الإسلامي ". أو: " مركز قرطبة للأبحاث الإسلامية ". وكان متولي ذلك: النصراني: روجيه جارودي. وكانت أهم نقطة في انعقاده، هي: إثبات الاشتراك واللقاء بين عدد من المنتسبين إلى الأديان (١) . ٢ - وفي تاريخ: ٢١ / ٣ مارس / ١٩٨٧ م تأسست الجماعة العالمية للمؤمنين بالله، باسم: " المؤمنون متحدون ". ٣ - وفي صيف هذا العام - أيضا - تأسس " نادي الشباب المتدين ". ٤ - وفي شهر إبريل، منه - أيضا - تأسست جمعية باسم: " الناس متحدون ". ٥ - عمل لهذه المؤسسات، لوائح، وأنظمة داخلية ركزت على إذابة الفوارق بين الإسلام، واليهودية، والنصرانية، وتجريد الشخصية الإسلامية من هويتها: " الإسلام ناسخ لما قبله " و" القرآن ناسخ لجميع الكتب قبله ومهيمن عليها " وذلك باسم: " وحدة الأديان ".

стр. 25

٦ - رأس مال جماعة: " المؤمنون متحدون " وهو: " ٠٠٠، ٨٠٠ دولار ". ٧ - في حال حلها تعود أموالها إلى: " الصليب الأحمر " ومؤسسات الصدقات الكنسية. ٨ - من اعتبارات هذه الجمعية الرموز الآتية: * " رمز الإحسان " هو: مؤسس الصليب الحمر. * " رمز التطور " هو: داروين. * " رمز المساواة " هو: كارل ماركس. * " رمز السلام العالمي للبشرية و" الإخاء الديني " هو: البابا. ٩ - اتخذت هذه الجمعية " راية " عليها الشعارات الآتية: " شعار الأمم المتحدة " و" قوس قزح " (١) ورقم " ٧ " - رمز النصر عندهم - وهو أيضا اسم أول سفينة اكتشفت القارة

стр. 26

الأمريكية، وحملت رسالة النصرانية إلى هذه القارة. ١٠ - تتابع عقد المؤتمرات لوحدة الأديان في: " نيويورك " و" البرتغال "، وغيرهما. * ومن آثار هذه النظرية: أنه فضلا عن مشاركة بعض من المنتسبين إلى الإسلام في هذه اللقاءات - على أراضي الدول الكافرة - في المؤتمرات، والندوات، والجمعيات وإقامة الصلوات المشتركة، مدفوعين كانوا أو مختارين - وأمرهم إلى الله تعالى - فإنه ما كادت شعارات هذه النظرية تلوح في الأفق، وتصل إلى الأسماع، وإلا وقد تسربت إلى ديار الإسلام ومنازله واجدة صداها في بعض المنتسبين إلى الإسلام، فطاشت بها أحلام، وعملت من أجلها أقلام، وفاهت بتأييدها أفمام، وانطلقت بالدعوة إليها ألسن من بعد أخرى، وعلت الدعوة بها سدة المؤتمرات الدولية، وردهات النوادي الرسمية، والأهلية. وكان منها في: " مؤتمر شرم الشيخ بمصر " في شهر شوال عام ١٤١٦، تركيز كلمات بعض أصحاب الفخامة!!!! من المسلمين!!!! على الصفة الجامعة بين المؤتمرين، وهي: " الإبراهيمية " وهو مؤتمر يجمع لفيفا من المسلمين، واليهود،

стр. 27

والنصارى، والشيوعيين. ومنها أنه بتاريخ: ١٠ / ١٠ / ١٤١٦. أعلن بعضهم عن إصدار كتاب يجمع بين دفتيه: القرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل " (١) . وفي بعض الآفاق صدر قرار رسمي بجواز تسمية مواليد المسلمين، بأسماء اليهود المختصة بهم؛ وذلك إثر تسمية أحد مواليد المسلمين باسم: " رابين " (٢) . وهكذا ينتشر عقد التهويد، والتنصير، بنثر شعاراتهم بين المسلمين، ومشاركة المسلمين لهم في أفراحهم، وأعيادهم، وإعلان صداقتهم، والحفاوة بهم، وتتبع خطواتهم وتقليدهم، وكسر حاجز النفرة منهم بذلك، وبتطبيع العلاقات معهم (٣) .

стр. 28

وهكذا في سلسلة يجر بعضها بعضا في الحياة المعاصرة. هذه خلاصة ما جهرت به اليهود، والنصارى، في مجال نظرية توحيد ديانتهم مع دين الإسلام، وهي بهذا الوصف، من مستجدات عصرنا، باختراع شعاراتها، وتبني اليهود، والنصارى لها على مستوى الكنائس، والمعابد، وإدخالها ساحة السياسة على ألسنة الحكام، والتتابع الحثيث بعقد المؤتمرات، والجمعيات، والجماعات، والندوات؛ لبلورتها، وإدخالها الحياة العملية فعلا. وتلصصهم ديار المسلمين لها، من منظور: " النظام الدولي الجديد " (١) مستهدفين قبل هيمنة ديانتهم، إيجاد ردة

стр. 29

شاملة عند المسلمين عن الإسلام. وكان منشور الجهر بها، وإعلانها، على لسان النصراني المتلصص إلى الإسلام: روجيه جارودي (١) ، فعقد لهذه الدعوة: " المؤتمر الإبراهيمي " ثم توالت الأحداث كما أسلفت في صدر هذه المقدمة. ولا يعزب عن البال، وجود مبادرات نشطة جدا من اليهود والنصارى، في الدعوة إلى: " الحوار بين أهل الأديان " (٢) وباسم "

стр. 30

تبادل الحضارات والثقافات " و" بناء حضارة إنسانية موحدة " و" وبناء مسجد، وكنيسة، ومعبد " في محل واحد، وبخاصة في رحاب الجامعات وفي المطارات. وكان من مداخل السوء المبطنة لتمهيد السبيل إلى هذه النظرية، وإفساد الديانة، إجراء الدراسات المقارنة في الشرعيات بين الأديان الثلاثة، ومن هنا يتبارى كل في محاولة إظهار دينه على الدين كله، فتذوب وحدة الدين الإسلامي، وتميزه، وتسمن الشبه، وتستسلم لها القلوب الضعيفة. . . وكنت أشرت إلى خطر ذلك في بعض ما كتبت، ثم رأيت كلاما حسنا في مقدمة ترجمة الأستاذ / محمد خليفة التونسي، لكتاب: " بروتوكولات حكماء صهيون ": ص / ٧٨ فقال ما نصه: "

стр. 31

وقل مثل ذلك في علم مقارنة الأديان، التي يحاول اليهود بدراسة تطورها، ومقارنة بعض أطوارها ببعض، ومقارنتها بمثلها في غيرها، أن يمحوا قداستها، ويظهروا الأنبياء، مظهر الدجالين " انتهى. هذا عرض موجز عن تاريخ هذه النظرية: " وحدة الأديان " وتدرجها في فتراتها الزمنية الثلاث المذكورة وبيان بعض آثارها التآمرية على الإسلام والمسلمين، ويأتي في آخر الجواب الإجمالي تفصيل ما تستهدفه هذه النظرية في الإسلام والمسلمين.

стр. 32

المقام الثاني في الجواب على سبيل الإجمال إن الدعوة إلى هذه النظرية الثلاثية: تحت أي من هذه الشعارات: إلى توحيد دين الإسلام الحق الناسخ لما قبله من الشرائع، مع ما عليه اليهود والنصارى من دين دائر كل منهما بين النسخ والتحريف، هي أكبر مكيدة عُرفت لمواجهة الإسلام والمسلمين اجتمعت عليها كلمة اليهود والنصارى بجامع علتهم المشتركة: " بغض الإسلام والمسلمين ". وغلفوها بأطباق من الشعارات اللامعة، وهي كاذبة خادعة، ذات مصير مروع مخوف. فهي في حكم الإسلام: دعوة بدعية، ضالة كفرية، خطة مأثم لهم، ودعوة لهم إلى ردة شاملة عن الإسلام؛ لأنها تصطدم مع بدهيات الاعتقاد، وتنتهك حرمة الرسل والرسالات، وتبطل صدق القرآن، ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع، وتبطل ختم النبوة والرسالة بمحمد ﵊ فهي نظرية مرفوضة شرعا، محرمة قطعا

стр. 33

بجميع أدلة التشريع في الإسلام من كتاب وسنة، وإجماع، وما ينطوي تحت ذلك من دليل، وبرهان. لهذا: فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولا، الاستجابة لها، ولا الدخول في مؤتمراتها، وندواتها، واجتماعاتها، وجمعياتها، ولا الانتماء إلى محافلها، بل يجب نبذها، ومنابذتها، والحذر منها، والتحذير من عواقبها، واحتساب الطعن فيها، والتنفير منها، وإظهار الرفض لها، وطردها عن ديار المسلمين، وعزلها عن شعورهم، ومشاعرهم والقضاء عليها، ونفيها، وتغريبها إلى غربها، وحجرها في صدر قائلها، ويجب على الوالي المسلم إقامة حد الردة على أصحابها، بعد وجود أسبابها، وانتفاء موانعها، حماية للدين، وردعا للعابثين، وطاعة لله، ولرسوله ﷺ وإقامة للشرع المطهر. وأن هذه الفكرة إن حظيت بقبول من يهود، ونصارى، فهم جديرون بذلك؛ لأنهم لا يستندون إلى شرع منزل مؤبد، بل دينهم إما باطل محرف، وإما حق منسوخ بالإسلام، أما المسلمون فلا والله، لا يجوز لهم بحال الانتماء إلى هذه الفكرة؛ لانتمائهم إلى شرع منزل مؤبد كله حق، وصدق، وعدل، ورحمة.

стр. 34

وليعلم كل مسلم عن حقيقة هذه الدعوة: أنها فلسفية النزعة، سياسية النشأة، إلحادية الغاية (١) ، تبرز في لباس جديد لأخذ ثأرهم من المسلمين: عقيدة، وأرضا، وملكا، فهي تستهدف الإسلام والمسلمين في: ١ - إيجاد مرحلة التشويش على الإسلام، والبلبلة في المسلمين، وشحنهم بسيل من الشبهات، والشهوات؛ ليعيش المسلم بين نفس نافرة، ونفس حاضرة. ٢ - قصر المد الإسلامي، واحتواؤه. ٣ - تأتي على الإسلام من القواعد، مستهدفة إبرام القضاء على الإسلام واندراسه، ووهن المسلمين، ونزع الإيمان من قلوبهم، وَوَأدِه. ٤ - حل الرابطة الإسلامية بين العالم الإسلامي في شتى بقاعه؛ لإحلال الأخوة البديلة اللعينة: " أخوة اليهود والنصارى ". ٥ - كف أقلام المسلمين، وألسنتهم عن تكفير اليهود والنصارى وغيرهم، ممن كفرهم الله، وكفرهم رسوله ﷺ

стр. 35

إن لم يؤمنوا بهذا الإسلام، ويتركوا ما سواه من الأديان. ٦ - وتستهدف إبطال أحكام الإسلام المفروضة على المسلمين أمام الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الكفر ممن لم يؤمن بهذا الإسلام، ويترك ما سواه من الأديان. ٧ - وتستهدف كف المسلمين عن ذروة سنام الإسلام: الجهاد في سبيل الله، ومنه: جهاد الكتابيين، ومقاتلتهم على الإسلام، وفرض الجزية عليهم إن لم يسلموا. والله يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة / ٢٩] . وكم في مجاهدة الكافرين، أعداء الله، ورسوله، والمؤمنين، من " إرهاب " لهم، وإدخال للرعب في قلوبهم، فينتصر به الإسلام، ويذل به أعداؤه، ويشفي الله به صدور قوم مؤمنين. والله - تعالى - يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال / ٦٠] .

стр. 36

فواعجبا من تفريط المسلمين، بهذه القوة الشرعية؛ لظهور تفريطهم في مواقفهم المتهالكة: موقف: اغتيال الجهاد، ووأده. وموقف: تأويل الجهاد للدفاع، لا للاستسلام على كلمة الإسلام أو الجزية إن لم يسلموا. وموقف: تلقيب الجهاد باسم: " الإرهاب " للتنفير منه؛ حتى بلغت الحال بالمسلمين إلى تآكل موقفهم في فرض الجزية على الكافرين في تاريخهم اللاحق؟ وإن فرض الجزية على اليهود، والنصارى، إن لم يسلموا: عزة للمسلمين، وصغار على الكافرين؛ لهذا كانت لهم محاولات منذ القرن الرابع الهجري لإبطال الجزية، وإسقاطها عنهم، وكان أول كتاب زوره اليهود في أوائل القرن الرابع الهجري، فعرضه الوالي على العلماء، فحكم الإمام المفسر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ - رحمه الله تعالى - بأنه مزور موضوع؛ لأن فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ﵁ وهو إنما أسلم عام الفتح بعد عام خيبر سنة ٧، وهم يزعمون أن هذا الكتاب، وضع عنهم الجزية عام خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ ﵁ وقد توفي عام الخندق قبل خيبر. فثبت تزويره.

стр. 37

وما زال اليهود يخرجونه من وقت إلى آخر، وفي كل مرة يحكم العلماء بتزويره، فكان في عصر الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ فأبطله. وأخرجوه في القرن السابع في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ - رحمه الله تعالى - فأبطله، وهكذا، وشرح ذلك مبسوط في كتاب: " أحكام أهل الذمة: ١ / ٥ - ٨ " لابن القيم المتوفى سنة ٧٥١ - رحمه الله تعالى -. وزور النصارى " وثيقة سانت كاترين " المعلقة في: " دير طور سيناء ": " سانت كاترين " و" كاترين " اسم زوجة أحد الرهبان، وقد سميت كنيسة دير الطور باسمها؛ لأنها دفنت فيها في القرن التاسع. وهي وثيقة مكذوبة وضعها النصارى. وفي: " مجلة الدارة " العدد / ٣ لعام ١٤٠٠. ص / ١٢٤ - ١٣٠. بحث مهم في بيان بعض الوثائق التي زورها اليهود، والنصارى، ومنها هذه الوثيقة. والكاتب هو عبد الباقي فصه. الجزائر. جامعة قسنطينة. ويزاد عليه: أن من أدلة تزويرها، ذكر شهادة أبي هريرة -

стр. 38

رضي الله عنه - عليها، وهو إنما أسلم عام خيبر سنة ٧، وهي مؤرخة في العام الثاني من الهجرة. وانظر عن: " دير طور سيناء "، والذي سمي في القرن التاسع باسم: " دير سانت كاترين ": " الموسوعة العربية الميسرة: ١ / ٨٣٠ " و: " المنجد " (١) مادة: " سيناء. دير طور ". و" معجم البلدان " مادة: " دير طور سيناء ". و" المنجد في الأعلام. ص / ٢٩٥ ". ٨ - وتستهدف هدم قاعدة الإسلام، وأصله: " الولاء والبراء " و" الحب والبغض في الله "، فترمي هذه النظرية الماكرة إلى كسر حاجز براءة المسلمين من الكافرين، ومفاصلتهم، والتدين بإعلان بغضهم وعداوتهم، والبعد عن موالاتهم، وتوليهم، وموادتهم، وصداقتهم. ٩ - وتستهدف صياغة الفكر بروح العداء للدين في ثوب وحدة الأديان، وتفسيخ العالم الإسلامي من ديانته، وعزل شريعته في القرآن والسنة عن الحياة، حينئذ يسهل تسريحه في مجاهل الفكر، والأخلاقيات الهدامة، مفرغا من كل مقوماته، فلا يترشح لقيادة أو سيادة، وجعل المسلم في محطة التلقي لِمَا

стр. 39

يملى عليه من أعدائه، وأعداء دينه، وحينئذٍ يصلون إلى خسة الغاية: القفز إلى السلطة العالمية بلا مقاوم. ١٠ - وتستهدف إسقاط جوهر الإسلام، واستعلائه، وظهوره وتميزه، بجعل دين الإسلام المحكم المحفوظ من التحريف والتبديل، في مرتبة متساوية مع غيره من كل دين محرف منسوخ، بل مع العقائد الوثنية الأخرى. ١١ - وترمي إلى تمهيد السبيل: " للتبشير بالتنصير " والتقديم لذلك بكسر الحواجز لدى المسلمين، وإخماد توقعات المقاومة من المسلمين؛ لسبق تعبئتهم بالاسترخاء، والتبلد. ١٢ - ثم غاية الغايات: بسط جناح الكفرة من اليهود، والنصارى، والشيوعيين، وغيرهم على العالم بأسره، والتهامه، وعلى العالم الإسلامي بخاصة، وعلى العالم العربي بوجه خاص، وعلى قلب العالم الإسلامي، وعاصمته: " الجزيرة العربية " (١) بوجه أخص، في أقوى مخطط تتكالب فيه أمم الكفر وتتحرك من خلاله؛ لغزو شامل ضد الإسلام والمسلمين بشتى أنواع النفوذ: الفكري، والثقافي، والاقتصادي، والسياسي،

стр. 40

وإقامة سوق مشترك، لا تحكمه شريعة الإسلام، ولا سمع فيه، ولا طاعة لخلق فاضل ولا فضيلة، ولا كسب حلال، فيفشو الربا، وتنتشر المفسدات، وتدجن الضمائر، والعقول، وتشتد القوى الخبيثة ضد أي فطرة سليمة، وشريعة مستقيمة. وما " مؤتمر السكان والتنمية " المعقود بالقاهرة في: ٢٩ / ٣ / ١٤١٥ و" المؤتمر العالمي للمرأة " المعقود في بكين عام ١٤١٦. إلا طروحات لإنفاذ هذه الغايات البهيمية. هذا بعض ما تستهدفه هذه النظيرة الآثمة، وإن من شدة الابتلاء، أن يستقبل نزر من المسلمين، ولفيف من المنتسبين إلى الإسلام هذه " النظرية " ويركضوا وراءها إلى ما يُعقد لها من مؤتمرات، ونحوها، وتعلو أصواتهم بها، مسابقين هؤلاء الكفرة إلى دعوتهم الفاجرة، وخطتهم الماكرة، حتى فاه بعض المنتسبين إلى الإسلام بفكرته الآثمة: " إصدار كتاب يجمع بين دفتيه: " القرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل ". وإنا لنتلو قول الله - تعالى -: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف / ١٥٥] .
следующие страницы →