فواعجبا من تفريط المسلمين، بهذه القوة الشرعية؛ لظهور تفريطهم في مواقفهم المتهالكة: موقف: اغتيال الجهاد، ووأده. وموقف: تأويل الجهاد للدفاع، لا للاستسلام على كلمة الإسلام أو الجزية إن لم يسلموا. وموقف: تلقيب الجهاد باسم: " الإرهاب " للتنفير منه؛ حتى بلغت الحال بالمسلمين إلى تآكل موقفهم في فرض الجزية على الكافرين في تاريخهم اللاحق؟
وإن فرض الجزية على اليهود، والنصارى، إن لم يسلموا: عزة للمسلمين، وصغار على الكافرين؛ لهذا كانت لهم محاولات منذ القرن الرابع الهجري لإبطال الجزية، وإسقاطها عنهم، وكان أول كتاب زوره اليهود في أوائل القرن الرابع الهجري، فعرضه الوالي على العلماء، فحكم الإمام المفسر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ - رحمه الله تعالى - بأنه مزور موضوع؛ لأن فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ﵁ وهو إنما أسلم عام الفتح بعد عام خيبر سنة ٧، وهم يزعمون أن هذا الكتاب، وضع عنهم الجزية عام خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ ﵁ وقد توفي عام الخندق قبل خيبر. فثبت تزويره.
стр. 37
وما زال اليهود يخرجونه من وقت إلى آخر، وفي كل مرة يحكم العلماء بتزويره، فكان في عصر الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ فأبطله.
وأخرجوه في القرن السابع في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ - رحمه الله تعالى - فأبطله، وهكذا، وشرح ذلك مبسوط في كتاب: " أحكام أهل الذمة: ١ / ٥ - ٨ " لابن القيم المتوفى سنة ٧٥١ - رحمه الله تعالى -.
وزور النصارى " وثيقة سانت كاترين " المعلقة في: " دير طور سيناء ": " سانت كاترين " و" كاترين " اسم زوجة أحد الرهبان، وقد سميت كنيسة دير الطور باسمها؛ لأنها دفنت فيها في القرن التاسع.
وهي وثيقة مكذوبة وضعها النصارى.
وفي: " مجلة الدارة " العدد / ٣ لعام ١٤٠٠. ص / ١٢٤ - ١٣٠. بحث مهم في بيان بعض الوثائق التي زورها اليهود، والنصارى، ومنها هذه الوثيقة. والكاتب هو عبد الباقي فصه. الجزائر. جامعة قسنطينة.
ويزاد عليه: أن من أدلة تزويرها، ذكر شهادة أبي هريرة -
стр. 38
رضي الله عنه - عليها، وهو إنما أسلم عام خيبر سنة ٧، وهي مؤرخة في العام الثاني من الهجرة.
وانظر عن: " دير طور سيناء "، والذي سمي في القرن التاسع باسم: " دير سانت كاترين ": " الموسوعة العربية الميسرة: ١ / ٨٣٠ " و: " المنجد " (١) مادة: " سيناء. دير طور ". و" معجم البلدان " مادة: " دير طور سيناء ". و" المنجد في الأعلام. ص / ٢٩٥ ".
٨ - وتستهدف هدم قاعدة الإسلام، وأصله: " الولاء والبراء " و" الحب والبغض في الله "، فترمي هذه النظرية الماكرة إلى كسر حاجز براءة المسلمين من الكافرين، ومفاصلتهم، والتدين بإعلان بغضهم وعداوتهم، والبعد عن موالاتهم، وتوليهم، وموادتهم، وصداقتهم.
٩ - وتستهدف صياغة الفكر بروح العداء للدين في ثوب وحدة الأديان، وتفسيخ العالم الإسلامي من ديانته، وعزل شريعته في القرآن والسنة عن الحياة، حينئذ يسهل تسريحه في مجاهل الفكر، والأخلاقيات الهدامة، مفرغا من كل مقوماته، فلا يترشح لقيادة أو سيادة، وجعل المسلم في محطة التلقي لِمَا
стр. 39
يملى عليه من أعدائه، وأعداء دينه، وحينئذٍ يصلون إلى خسة الغاية: القفز إلى السلطة العالمية بلا مقاوم.
١٠ - وتستهدف إسقاط جوهر الإسلام، واستعلائه، وظهوره وتميزه، بجعل دين الإسلام المحكم المحفوظ من التحريف والتبديل، في مرتبة متساوية مع غيره من كل دين محرف منسوخ، بل مع العقائد الوثنية الأخرى.
١١ - وترمي إلى تمهيد السبيل: " للتبشير بالتنصير " والتقديم لذلك بكسر الحواجز لدى المسلمين، وإخماد توقعات المقاومة من المسلمين؛ لسبق تعبئتهم بالاسترخاء، والتبلد.
١٢ - ثم غاية الغايات: بسط جناح الكفرة من اليهود، والنصارى، والشيوعيين، وغيرهم على العالم بأسره، والتهامه، وعلى العالم الإسلامي بخاصة، وعلى العالم العربي بوجه خاص، وعلى قلب العالم الإسلامي، وعاصمته: " الجزيرة العربية " (١) بوجه أخص، في أقوى مخطط تتكالب فيه أمم الكفر وتتحرك من خلاله؛ لغزو شامل ضد الإسلام والمسلمين بشتى أنواع النفوذ: الفكري، والثقافي، والاقتصادي، والسياسي،
стр. 40
وإقامة سوق مشترك، لا تحكمه شريعة الإسلام، ولا سمع فيه، ولا طاعة لخلق فاضل ولا فضيلة، ولا كسب حلال، فيفشو الربا، وتنتشر المفسدات، وتدجن الضمائر، والعقول، وتشتد القوى الخبيثة ضد أي فطرة سليمة، وشريعة مستقيمة. وما " مؤتمر السكان والتنمية " المعقود بالقاهرة في: ٢٩ / ٣ / ١٤١٥ و" المؤتمر العالمي للمرأة " المعقود في بكين عام ١٤١٦. إلا طروحات لإنفاذ هذه الغايات البهيمية.
هذا بعض ما تستهدفه هذه النظيرة الآثمة، وإن من شدة الابتلاء، أن يستقبل نزر من المسلمين، ولفيف من المنتسبين إلى الإسلام هذه " النظرية " ويركضوا وراءها إلى ما يُعقد لها من مؤتمرات، ونحوها، وتعلو أصواتهم بها، مسابقين هؤلاء الكفرة إلى دعوتهم الفاجرة، وخطتهم الماكرة، حتى فاه بعض المنتسبين إلى الإسلام بفكرته الآثمة:
" إصدار كتاب يجمع بين دفتيه: " القرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل ".
وإنا لنتلو قول الله - تعالى -: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف / ١٥٥] .
стр. 41
ومن المعلوم أن " باب التأويل والاجتهاد " باب واسع قد يؤول بصاحبه إلى اعتقاد الحلال حراما، والحرام حلالا (١) ، هذا إذا كان في أصله سائغا فكيف إذا كان غير سائغ؟ بل هو اجتهاد آثم؛ لمصادمته أصول الدين المعلومة منه بالضرورة، وعلى كلا الحالين: فلا يجوز ترك بيان السنة والهدى، ويجب رد الاجتهادات والتأويلات الخاطئة، فضلا عن الفاسدة أصلا، بل يجب البيان لحفظ هذا الدين، وكف العدوان عليه. وهذا من إعطاء الإسلام حقه، والوفاء بموجب العلم والإيمان.
إن هذه الدعوة بجذورها، وشعاراتها، ومفرداتها، هي من أشد ما ابتلي به المسلمون في عصرنا هذا، وهي أكفر آحاد: " نظرية الخلط بين الإسلام والكفر، والحق والباطل، والهدى والضلالة، والمعروف والمنكر، والسنة والبدعة، والطاعة والمعصية ".
وهذه الدعوة الآثمة، والمكيدة المهولة، قد اجتمعت فيها بلايا التحريف، والانتحال، وفاسد التأويل، وإن هذه الأمة
стр. 42
المرحومة، أمة الإسلام، لن تجتمع على ضلالة، ولا يزال فيها - بحمد الله - طائفة ظاهرة على الحق، حتى تقوم الساعة، من أهل العلم والقرآن، والهدى والبيان، تنفي عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فكان حقا علينا وعلى جميع المسلمين: التعليم، والبيان، والنصح، والإرشاد، وصد العاديات عن دين الإسلام. ومن حذر فقد بشر.
هذا جواب على سبيل الإجمال يطوّق هذه النظرية الخطرة ويكشف مخططاتها القريبة، والبعيدة في الهدم، والتدمير، وقفزهم إلى السلطة بلا مقاوم.
وخلاصته: " أن دعوة المسلم إلى توحيد دين الإسلام مع غيره من الشرائع والأديان الدائرة بين التحريف والنسخ بشريعة الإسلام:
ردة ظاهرة، وكفر صريح؛ لما تعلنه من نقض جريء للإسلام أصلا، وفرعا، واعتقادا، وعملا، وهذا إجماع لا يجوز أن يكون محل خلاف بين أهل الإسلام ". وإنها دخول معركة جديدة مع عُبَّاد الصليب، ومع أشد الناس عداوة للذين آمنوا. فالأمر جد وما هو بالهزل.
стр. 43
والآن أقيم الأدلة مفصلة على هذه الخلاصة الحكمية، لأن النفوس تطمع بإقامة الدليل، وإظهار البراهين، وتوضيح الحجة للسالكين، فإلى البيان مفصلا حتى لا تخفى الحال على مسلم يقرأ القرآن، ولتنقذه من التيه في ضباب الشعارات الكاذبة ونقول لكل مسلم: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية / ٦] .
стр. 44
المقام الثالث
في الجواب مفصلا
وهو يتجلى بإقامة الأصول، والمسلمات العقدية الآتية:
الأصل العام: دين الأنبياء واحد، وشرائعهم متعددة، والكل من عند الله -تعالى - (١) .
من أصول الاعتقاد في الإسلام: اعتقاد توحد الملة والدين في: التوحيد، والنبوات، والمعاد، والإيمان الجامع بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وما تقتضيه النبوة والرسالة من واجب الدعوة، والبلاغ، والتبشير، والإنذار، وإقامة الحجة، وإيضاح المحجة، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، بإصلاح النفوس، وتزكيتها، وعمارتها بالتوحيد، والطاعة، وتطهيرها من الانحراف، والحكم بين الناس بما أنزل الله.
واعتقاد تعدد الشرائع وتنوعها في الأحكام، والأوامر والنواهي.
стр. 45
وهذا الأصل هو: " جوهر الرسالات كلها ".
وتفصيل هذا الأصل العقدي بشقيه كالآتي:
أما توحد الملة والدين في دعوة جميع الأنبياء والمرسلين: فنعتقد أن أصل الدين واحد، بعث الله به جميع الأنبياء والمرسلين، واتفقت دعوتهم إليه، وتوحدت سبيلهم عليه، وإنما التعدد في شرائعهم المتفرعة عنه، وجعلهم الله - سبحانه - وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم بذلك، ودلالتهم عليه؛ لمعرفة ما ينفعهم، وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم، ومعادهم:
بُعثوا جميعا بالدين الجامع الذي هو عبادة لله وحده لا شريك له، بالدعوة إلى توحيد الله، والاستمساك بحبله المتين.
وبعثوا بالتعريف في الطريق الموصل إليه.
وبعثوا ببيان حالهم بعد الوصول إليه.
فاتحدت دعوتهم إلى هذه الأصول الثلاثة:
* الدعوة إلى الله - تعالى - في إثبات التوحيد، وتقريره، وعبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، فالتوحيد هو
стр. 46
دين العالم بأسره من آدم إلى آخر نفس منفوسة من هذه الأمة.
* والتعريف بالطريق الموصل إليه - سبحانه - في إثبات النبوات وما يتفرع عنها من الشرائع، من صلاة، وزكاة، وصيام، وجهاد، وغيرها: أمرا، ونهيا في دائرة أحكام التكليف الخمسة: الأمر وجوبا، أو استحبابا، والنهي: تحريما، أو كراهة، والإباحة، وإقامة العدل، والفضائل، والترغيب، والترهيب.
* والتعريف بحال الخليقة بعد الوصول إلى الله: في إثبات المعاد، والإيمان باليوم الآخر، والموت، وما بعده من القبر، ونعيمه، وعذابه، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، والثواب والعقاب.
وعلى هذه الأصول الثلاثة، مدار الخلق والأمر، وإن السعادة والفلاح لموقوفة عليها لا غير.
وهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب المنزلة، وبعث به جميع الأنبياء والرسل، وتلك هي الوحدة الكبرى بين الرسل، والرسالات، والأمم.
وهذا هو المقصود من قول النبي ﷺ : «إنا معشر الأنبياء
стр. 47
أخوة لِعَلاّت أمهاتهم شتى ودينهم واحد» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
وهو المقصود في قول الله - تعالى -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى / ١٣] . وهذه الأصول الكلية هي ما تضمنته عامة السور المكية من القرآن الكريم.
وإذا تأملت سر إيجاد الله لخلقه؛ وهو عبادته، كما في قول الله - تعالى -: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات / ٥٦] . عرفت ضرورة توحد الملة، والدين، ووحدة الصراط ولهذا جاء في أم القرآن، فاتحة كتاب الله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثم أتبع ذلك بأن اليهود والنصارى، خارجون عن هذا الصراط، فقال - سبحانه - ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ . وبهذا تدرك الحِكَمَ العظيمة مما قصه الله - تعالى - علينا في القرآن العظيم من قصص الأنبياء وأخبارهم مع أممهم؛ لأخذ
стр. 48
العبرة، والتفكر، وتثبيت أفئدة الأنبياء وإثبات النبوة والرسالة، وجعلها موعظة وذكرى للمؤمنين، وأخبار الأمم المكذبة لرسلهم وما صارت إليه عاقبتهم، وأنها سننه - سبحانه - فيمن أعرض عن سبيله.
والدين بهذا الاعتبار: هو: " دين الإسلام " بمعناه العام، وهو: إسلام الوجه لله، وطاعته، وعبادته وحده، والبراءة من الشرك، والإيمان بالنبوات، والمبدأ، والمعاد.
ولوحدة الدين بهذا الاعتبار في دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، وحد - سبحانه -: " الصراط " و" السبيل " في جميع آيات القرآن الكريم.
وهذا الدين " دين الإسلام " بهذا أي باعتبار: وحدته العامة، وتوحد صراطه، وسبيله، هو الذي ذكره الله في آيات من كتابه عن أنبيائه: نوح، وإبراهيم، وبنيه، ويوسف الصدّيق، وموسى، ودعوة نبي الله سليمان، وجواب ملكة سبأ، وعن الحواريين، وعن سحرة فرعون، وعن فرعون حين أدركه الغرق.
ودين الإسلام بهذا الاعتبار: هو دين جميع الأنبياء والمرسلين
стр. 49
وملتهم بل إن إسلام كل نبي ورسول يكون سابقا لأمته، وهو محل بعثته إلى أمته، وما يتبع ذلك من شريعته.
كما قال الله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل / ٣٦] .
وقال - سبحانه -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء / ٢٥] .
стр. 50
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- في: " اقتضاء الصراط المستقيم: ٢ / ٣٧٦- ٠ ٣٨": "ولفظ الإسلام: يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص، من قوله تعالى-: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر / ٢٩] . فلا بد في الإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا: " لا إله إلا الله " فمن استسلم لله ولغيره فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته، وقد قال- تعالى-: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر / ٦٠] . وثبت عنه- ﷺ في الصحيح أنه قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان " فقيل له: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنا، أفمن الكبر ذاك؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق، وغمط الناس» . بطر الحق: جحده ودفعه، وغمط الناس:
ازدراؤهم واحتقارهم.
فاليهود موصوفون بالكبر، والنصارى موصوفون بالشرك، قال تعالى في نعت اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة / ٨٧] .
وقال في نعت النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣١] .
ولهذا قال الله- تعالى- في سياق خطاب النصارى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران / ٦٤] .
وقال- تعالى- في سياق تقريره للإِسلام، وخطابه لأهل الكتاب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة / ١٣٦ - ١٤٠] . ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدًا، وإنما تنوعت الشرائع؛ قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد» ، «الأنبياء إخوة لعلات» ، و «أنا أولى الناس بابن مريم، فإنه ليس بيني وبينه نبي» .
فدينهم واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت، وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت.
وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع، كتنوع الشريعة الواحدة، فكما أن دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ ، هو دين واحد، مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيِت المقدس في الصلاة، كما أمر المسلمون بذلك بعد الهجرة ببضعة عشر شهرا، وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة، ويحرم استقبال الصخرة، فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته، فهكذا شرع الله تعالى لبني إسرائيل السبت، ثم نسخ ذلك وشرع الجمعة، فكان الاجتماع يوم السبت واجبًا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة، وحرم الاجتماع يوم السبت.
فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ، لم يكن مسلما.
ومن لم يدخل في شريعة محمد ﷺ بعد النسخ لم يكن مسلمًا.
ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البتة، قال - تعالى-: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى / ١٣] .
فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه.
وقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢] .
وقال- تعالى-: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم / ٣٠ - ٣٢] .
فأهل الإشراك متفرقون، وأهل الإخلاص متفقون، وقد قال- تعالى-: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود / ١١٨ - ١١٩] ، فأهل الرحمة متفقون مجتمعون، والمشركون فرقوا دينهم وكانوا شيعا.
وقال- ﵀ أيضًا في: "الفتاوى: ٣٥ / ٣٦٤": "فدين الأنبياء واحد، وهو دين الإسلام، كلهم مسلمون مؤمنون، كما قد بين الله في غير موضع من القرآن؛ لكن بعض الشرائع تتنوع، فقد يشرع في وقت أمرا لحكمة، ثم يشرع في وقت آخر أمرًا آخر لحكمة؛ كما شرع في أول الإسلام الصلاة إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك وأمر بالصلاة إلى الكعبة، فتنوعت الشريعة والدين واحد، وكان استقبال الشام ذلك الوقت من دين الإسلام، وكذلك السبت لموسى من دين الإسلام، ثم لما نسخ صار دين الإسلام هو الناسخ، وهو الصلاة إلى الكعبة، فمن تمسك بالمنسوخ دون الناسخ فليس هو على دين الإسلام، ولا هو متبع لأحد من الأنبياء، ومن بدل شرع الأنبياء وابتدع شرعًا فشرعه باطل لا يجوز اتباعه، كما قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى / ٢١] ، ولهذا كفر اليهود والنصارى، لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ. والله أوجب على جميع الخلق أن يؤمنوا بجميع كتبه ورسله، ومحمد ﷺ خاتم الرسل؛ فعلى جميع الخلق اتباعه واتباع ما شرعه من الدين وهو ما أتى به من الكتاب والسنة، فما
جاء به الكتاب والسنة وهو الشرع الذي يجب على جميع الخلق اتباعه؛ وليس لأحد الخروج عنه، وهو الشرع الذي يقاتل عليه المجاهدون، وهو الكتاب والسنة.
وسيوف المسلمين تنصر هذا الشرع، وهو الكتاب والسنة، كما قال جابر بن عبد الله: «أمرنا رسول الله- ﷺ أن نضرب بهذا- يعني السيف- من خرج عن هذا- يعني المصحف» قال - تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد / ٢٥] ، فبين أنه أنزل الكتاب، وأنزل العدل، وما به يعرف العدل؛ ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد. فمن خرج عن الكتاب والميزان قوتل بالحديد، فالكتاب والعدل متلازمان، والكتاب هو المبين للشرع؛ فالشرع هو العدل، والعدل هو الشرع، ومن حكم بالعدل فقد حكم بالشرع، ولكن كثيرًا من الناس ينسبون ما يقولونه إلى الشرع وليس من الشرع؛ بل يقولون ذلك إما جهلا وإما غلطًا، وإما عمدا وافتراء، وهذا هو الشرع المبدل الذي يستحق أصحابه العقوبة؛ ليس هو الشرع المنزل الذي جاء به جبريل من عند الله إلى خاتم المرسلين
، فإن هذا الشرع المنزل كله عدل ليس فيه ظلم ولا جهل، قال- تعالى-: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة / ٤٢] ، وقال تعالى-: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة / ٤٩] ، فالذي أنزلَ اللهُ هو القسط، والقسط هو الذي أنزلَ اللهُ. وقال- تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء / ٥٨] ، وقال - تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء / ١٠٥] ، فالذي أراه الله في كتابه هو العدل. . . " انتهى.
стр. 51
وإنما خَصَّ الله- سبحانه- نبيه إبراهيم ﵇ بأن: " دين الإسلام" بهذا الاعتبار العام هو ملته، في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران / ٩٥] ، لوجوه:
أولها: أنه- ﵇ واجه في تحقيق التوحيد، وتحطيم الشرك، ونصر الله له بذلك ما قص الله خبره، أمرًا عظيمًا.
ثانيها: أن الله جعل في ذريته النبوة والكتاب؛ ولذا قيل له: " أبو الأنبياء "؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج / ٧٨] وهو ﵇ تمام ثمانية عشر نبيا سماهم الله في كتابه من ذريته، وهم: ابنه إسماعيل، ومن ذريته من محمد عليهما الصلاة والسلام، وابنه إسحاق ومن ذريته: يعقوب بن إسحاق،
стр. 52
ويوسف، وأيوب، وذو الكفل، وموسى، وهارون، وإلياس، واليسع، ويونس، وداود وسليمان، وزكريا، ويحيى، وعيسى ﵈.
ثالثها: لإبطال مزاعم اليهود، والنصارى في دعواهم أنهم على ملة إبراهيم ﵇ فقد كذبهم الله - تعالى - في قوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . [البقرة / ١٤٠] .
ورد الله عليهم محاجتهم في ذلك بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران / ٦٥ - ٦٧] .
ثم بين - سبحانه - أن أولى الناس بإبراهيم هم الذين على ملته وسنته، فقال - تعالى -:
стр. 53
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران / ٦٨] .
وبين - سبحانه - مدى الضلال البعيد في جنوح أهل الكتاب إلى هذه الدعوى، وما هم فيه من الغلو والضلال، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة / ٧٧] .
وبين - سبحانه - أن هذه المحاولة الكاذبة البائسة من أهل الكتاب جارية في محاولاتهم مع المسلمين؛ لإضلالهم عن دينهم، ولبس الحق بالباطل، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة / ١٣٥ - ١٣٧] .
وهكذا يجد المتأمل في كتاب الله - تعالى - التنبيه في كثير من
стр. 54
الآيات إلى أن هذا القرآن ما أنزل إلا ليجدد دين إبراهيم؛ حتى دعاهم بالتسمية التي يكرهها اليهود والنصارى: " ملة إبراهيم " فاقرأ قول الله - تعالى -: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج / ٧٨] .
والخلاصة: أن لفظ: " الإسلام " له معنيان، معنى عام: يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من أنبياء الله الذي بعث فيهم، فيكونون مسلمين، حنفاء على ملة إبراهيم بعبادتهم لله وحده واتباعهم لشريعة من بعثه الله فيهم، فأهل التوراة قبل النسخ والتبديل، مسلمون حنفاء على ملة إبراهيم، فهم على " دين الإسلام "، ثم لما بعث الله نبيه عيسى ﵇ فإن من آمن من أهل التوراة بعيسى، واتبعه فيما جاء به فهو مسلم حنيف على ملة إبراهيم، ومن كذب منهم بعيسى ﵇ فهو كافر لا يوصف بالإسلام؛ ثم لما بعث الله محمدا ﷺ وهو خاتمهم، وشريعته خاتمة الشرائع، ورسالته خاتمة الرسالات، وهي عامة لأهل الأرض وجب على
стр. 55
أهل الكتابين، وغيرهم، اتباع شريعته، وما بعثه الله به لا غير، فمن لم يتبعه فهو كافر لا يوصف بالإسلام ولا أنه حنيف، ولا أنه على ملة إبراهيم، ولا ينفعه ما يتمسك به من يهودية، أو نصرانية، ولا يقبله الله منه، فبقي اسم: " الإسلام " عند الإطلاق منذ بعثة محمد ﷺ حتى يرث الله الأرض ومن عليها، مختصا بمن يتبعه لا غير. وهذا هو معناه الخاص الذي لا يجوز
إطلاقه على دين سواه، فكيف وما سواه دائر بين التبديل والنسخ؟ فإذا قال أهل الكتاب للمسلمين: " كونوا هودا، أو نصارى " فقد أمر الله المسلمين أن يقولوا لهم: " بل ملة إبراهيم حنيفا، ولا يوصف أحد اليوم بأنه مسلم، ولا أنه على ملة إبراهيم، ولا أنه من عباد الله الحنفاء إلا إذا كان متبعا لما بعث الله به خاتم أنبيائه ورسله محمدا ﷺ .
وأما تنوع الشرائع وتعددها: فيقول الله - تعالى -: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة / ٤٨] .
شرعة: أي شريعة وسنة. قال بعض العلماء: سميت الشريعة شريعة، تشبيها بشريعة الماء، من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة، رَوَى وتطهر.
стр. 56
ومنهاجا: أي طريقا، وسبيلا واضحا إلى الحق؛ ليعمل به في الأحكام، والأوامر، والنواهي؛ ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه.
ويقول - سبحانه -: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج / ٦٧] .
منسكا: متعبدا.
هم ناسكوه: متعبدون به.
وقال - تعالى - في حق نبيه ورسوله محمد ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية / ١٨] .
وقد علمنا الأصول التي تساوت فيها الملل، وتواطأت دعوة أنبياء الله ورسله إليها: إلى دين واحد، وملة واحدة في تقرير العبودية لله - سبحانه - لا شريك له وتوحيده، وتقرير النبوة، والمعاد، ووحدة التشريع من عند الله - تعالى - فهذه لا تتغير ولا تتبدل، ولا يدخلها نسخ فهي محكمة غير منسوخة، ولا تقبل الاجتهاد، ولا التخصيص.
стр. 57
أما الشرائع، فهي، مختلفة، متنوعة، ومتنوعة، ويعترضها النسخ، فكل شريعة رسول تخالف الأخرى في كل أو بعض أمور التشريع:
فهناك حكم تعبدي في شريعة رسول ينتهي بانتهاء شريعته ببعثة رسول آخر، فينسخه.
وهناك حكم يغير في بعض جزئياته في وقته، أو كيفيته، أو مقداره، أو حكمه من التشديد إلى التخفيف، وبعكسه.
وهناك حكم يكون في شريعة لاحقة دون السابقة، أو عكسه.
وهكذا، من تنوع التشريع في الأحكام العملية والقولية، من الأوامر والنواهي، حسب سابق علم الله - تعالى - وحكمته في تشريعه وأمره، بأوضاع كل أمة، وأزمانها، وأحوالها وطبائعها من قوتها، وضعفها، وحسب أبدية التشريع، أو تغييره ونسخه.
وهذا يكاد ينتظم أبواب التشريع في العبادات، والمعاملات، والنكاح، والفرق، والجنايات والحدود، والأيمان والنذور، والقضاء، وغير ذلك من الفروع التي ترجع إلى وحدة الدين والملة.
ولذا فإن شريعة الإسلام، وهي آخر الشرائع، باينت جميع
стр. 58
الشرائع في عامة الأحكام العملية، والقولية، والأوامر والنواهي؛ لما لها من صفة الدوام، والبقاء، وأنها آخر شريعة نزلت من عند الله، ناسخة لما قبلها من شرائع الأنبياء.
والآن إلى بيان تحقيق الإيمان الجامع بالله، وكتبه، ورسله، وبيان نقض الكتابيين لهذا الأصل العقدي العام، وكفرهم به، وما هم عليه من نواقض لهذه الأركان الثلاثة:
الإيمان بالله تعالى:
الأصل في بني آدم هو: " التوحيد " وهو المقصود الذي خلقوا له فيما أمرهم الله به على ألسنة أنبيائه ورسله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف / ٥٩] .
وقد كان الناس على هذا الأصل: كلهم على الإسلام والتوحيد، والإخلاص، والفطرة، والسداد، والاستقامة: الأمة واحدة، والدين واحد، والمعبود واحد.
وذلك من أبينا أبي البشر نبي الله آدم ﵇ إلى قُبيل عهد رسول الله نوح ﵇ كلهم على الهدى، وعلى شريعة من الحق؛ لاتباعهم النبوة.
стр. 59
أول وقوع الشرك في قوم نوح من الغلو في القبور: ثم كان من مكايد الشيطان أن اختلفوا بعد ذلك بتركهم اتباع الأنبياء فيما أمروا به من التوحيد والدين، ووقعوا في الشرك بسبب تعظيم الموتى، عندئذٍ انقسموا: موحدين، ومشركين.
هكذا نفذ الشيطان إلى قلوبهم بإدباب الخلاف بينهم بترك اتباع الأنبياء، وكادهم بتعظيم موتاهم حتى عكفوا على قبورهم، ثم كادهم بتصوير تماثيلهم، ثم كادهم بعبادتهم، فكان هؤلاء المشركون في قوم نوح هم أول صنف من المشركين وشركهم هذا: " تعظيم الموتى " هو الشرك الأرضي، وهو أول شرك بالله، طرق العَالَم، وكان نوح ﵇ هو أول رسول بُعِث إلى المشركين.
قال غير واحد من السلف في قول الله - تعالى -: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح / ٢٣] : " إن هذه أسماء قوم صالحين كانوا فيهم، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم بعد ذلك عبدوهم، وذلك أول ما عبدت الأصنام، وأن هذه الأصنام صارت إلى العرب. . . " ابتدعوا الشرك، وابتدعوا عبادة الأوثان، بدعة من تلقاء أنفسهم بشبهات
стр. 60
زينها الشيطان لهم بالمقاييس الفاسدة، والفلسفة الحائدة.
قال البخاري في: " صحيحه " عن ابن عباس ﵄ " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يدعون أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تُعبَد حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم: عُبدت ".
عندئذٍ لما عبدت الأصنام، والطواغيت، وشرع الناس في الضلالة والكفر، بعث الله - رحمة بعباده - أول رسول إلى أهل الأرض وهو: رسول الله نوح ﵇ وهو: نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ - وهو نبي الله إدريس ﵇ بن يرد بن مهلايبل بن قينن بن أنوش بن نبي الله شيث ﵇ بن آدم أبي البشر ﵇.
وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام كما في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄.
ومكث نوح ﵇ في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه فلما أعلمه الله أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن
стр. 61
أهلكهم الله بالغرق بدعوته. وجاءت الرسل من بعده تترى. سَمّى الله منهم في القرآن العظيم:
هودا ﵇ وهو: هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ وهو أول نبي من نسل العرب، بعثه الله في الأحقاف بحضرموت وهم قومه: عاد الأولى، وهم أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، كما فصل الله ذلك في سورة الأعراف: [٦٥ - ٧٢] . وفي سورة هود: [٥٠ - ٦٠] . وفي سورة المؤمنون: [٣١ - ٤١] . وفي سورة الشعراء: [١٢٣ - ١٤٠] وفي سورة: (حم السجدة) : [١٥ - ١٦] . وفي سورة الأحقاف: [٢١ - ٢٥] . وغيرها من سور القرآن الكريم.
ونبي الله صالحا ﵇ وهو: صالح بن عبيد بن ماسح بن عبيد بن حادر بن ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح.
وهو ثاني نبي من نسل العرب بعثه الله في قومه ثمود، بعد نبي الله هود في عاد. وقد ذكر الله في القرآن العظيم من خبرهم مع نبيهم، وخبر الناقة وإصرارهم على عبادة الأصنام، في عدة سور من القرآن، في السور المذكورة، وفي سورة الحجر، وغيرها.
стр. 62
أول وقوع الشرك في الأرض في قوم إبراهيم من عبادة الكواكب: حتى إذا عم الأرض الشرك من طراز جديد من دين الصابئة في حران، والمشركين من عبدة الكواكب والشمس والقمر في كابل، وعبدة الأصنام في بابل، لما كانت النماردة، والفراعنة ملوك الأرض شرقا وغربا، وهذا هو الصنف الثاني " عبادة الكواكب " وهو " الشرك السماوي " من المشركين بعد مشركي قوم نوح، عبدة القبور، وكان كل من على وجه الأرض كفارا سوى إبراهيم الخليل ﵇ وامرأته سارة، وابن أخيه لوط ﵇ بعث الله رسوله: إمام الحنفاء، وأبا الأنبياء، وأساس الملة الخالصة، والكلمة الباقية: إبراهيم خليل الرحمن من أرض بابل وهو:
إبراهيم بن آزر - وهو تارخ - بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عاير بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇.
وكان الخليل ﵇ هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذلك الضلال، فإن الله - سبحانه - آتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولا، واتخذه خليلا في كبره.
وقد قص الله - تعالى - خبره مع أبيه وقومه، في عدد من سور القرآن، وفي سورة إبراهيم، في إنكاره عليهم عبادة الأوثان،
стр. 63
وحقّرها عندهم، وتنقصها، وتكسيره لها، ومناظرته ﵇ لملك بابل النمرود بن كنعان، ومحاجته له، حتى أهلك الله النمرود ببعوضة فهاجر إبراهيم ﵇ إلى أرض الشام، ثم إلى الديار المصرية، ودخل بهاجر، وكان الولدان المباركان والنبيان الكريمان: إسماعيل من هاجر القبطية المصرية، وإسحاق من سارة ابنة عمه.
ولما وقع بين سارة وهاجر من غيرة النساء ما وقع، هاجر إبراهيم بهاجر، وابنها إسماعيل إلى مكة - حرسها الله تعالى - فكان ما كان من أمرهم في البلد الحرام من نبوع زمزم، وبناء البيت الحرام، وغيرها من الأمور العظام.
وكان لوط بن هارون بن تارخ قد بعثه الله نبيا، فاتفقت بعثته مع بعثة عمه الخليل إبراهيم ﵇ بن تارخ - آزر - في زمن واحد وكان من خبره مع قومه في أرض سدوم بالشام قرب الأردن ما قصه الله في كتابه من دعوته لهم إلى عبادة الله، وترك عبادة الأوثان، وما ابتدعوه من فعل الفاحشة، فأهلكهم الله، وأنجاه هو وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين.
ثم بعث الله نبيه شعيبا خطيب الأنبياء ﵇ إلى
стр. 64
مدين أصحاب الأيكة - وهي شجرة كانوا يعبدونها - وهو قوم من العرب، يسكنون مدين في أطراف الشام، وهو:
نبي الله: شعيب بن مكيل بن بشجن بن مدين بن إبراهيم، وقيل غير ذلك في نسبه.
وقصته في القرآن العظيم متكررة في عدد من سوره.
وهكذا تتابع الأنبياء من ذرية إبراهيم ﵇ في ذرية ابنيه النبيين الكريمين: الذبيح إسماعيل أبو العرب، ثم إسحاق ﵉.
* وكان إسماعيل ﵇ قد بعثه الله في جُرهُم والعماليق، واليمن، وغيرهم من أهل تلك الناحية في الحجاز واليمن من جزيرة العرب، وكان من ذريته خاتم الأنبياء محمد ﷺ .
* وكان إسحاق ﵇ قد بعثه الله نبيا في الشام وحران وما والاها. وكان من ذريته العيص، ومن سلالته: نبي الله أيوب ﵇ بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈.
стр. 65
ومن سلالة إسحاق: ذو الكفل، قال ابن كثير: وزعم قوم أنه ابن أيوب. ثم استظهر ابن كثير أنه نبي.
وأيوب، وذو الكفل أرسلا إلى أهل دمشق في الشام.
وكان من ذريته نبي الله يعقوب - وهو إسرائيل -، وإليه تنسب بنو إسرائيل وتتابعت من بني إسرائيل: يوسف، وموسى، وهارون، وإلياس، واليسع، ويونس، وداود، وسليمان، ويحيى، وزكريا، وعيسى ﵈.
أول وقوع الشرك من النوعين في العرب وغيرهم، وبعثة خاتم الأنبياء محمد ﷺ هكذا تتابع أنبياء بني إسرائيل، وكان آخرهم المسيح عيسى ابن مريم ﵇ وعلى حين فترة من الأنبياء والرسل، وكان الشرك من الصنفين: عبادة القبور والكواكب قد انتشر في الأرض، وكانت العرب على إرث من ملة أبيهم إبراهيم في جزيرة العرب، ولكن كان عمرو بن لحي الخزاعي في رحلته المشئومة إلى الشام، رآهم بالبلقاء لهم أصنام يستجلبون بها المنافع ويستدفعون بها المضار، فجلب مثل ذلك إلى مكة في وقت
стр. 66
كانت ولاية البيت لخزاعة قبل قريش وكان هو سيد خزاعة، فكان برحلته المشئومة هذه، هو أول من غير دين إسماعيل، وانحرف عن ملة إبراهيم، فَنَصَبَ الأوثان في البيت الحرام، وسيب السائبة، وبحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي.
من هنا اتخذت العرب الأصنام، وكان أقدمها: " مناة " وكان على ساحل البحر بقُديد بين مكة والمدينة، ثم " اللات " بالطائف وهي صخرة مربعة يُلت عندها السويق، ثم " العُزّى " وهي بوادي نخلة بعد: " الشرائع " للخارج من مكة شرقا.
ثم تعددت الأصنام في جزيرة العرب، وكان لكل قبيلة صنم من شجر أو حجر، أو تمر، وهكذا، حتى كان منها حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، بل اتخذ أهل كل دار صنما لهم في دارهم.
ولا تسأل عن انتشار الأصنام، وعبادة النار والكواكب في فارس، والمجوس، والصابئة، وأمم سواهم منهم من يعبد الماء، ومنهم من يعبد الحيوان، ومنهم من يعبد الملائكة.
ومنهم من قال: الصانع اثنان، هم الثنوية من المجوس،
стр. 67
وهم شر من مشركي العرب، وعظموا النور، والنار، والماء، والتراب، وهكذا في أمم سواهم من: الصابئة، والدهرية والفلاسفة، والملاحدة، فصل ابن القيم - رحمه الله تعالى - فيهم وفي مذاهبهم، ومعبوداتهم: القول في: " إغاثة اللهفان: ٢ / ٢٠٣ - ٣٢٠ ".
بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ : لما كانت أمم الأرض كذلك من الشرك، والوثنية، بعث الله النبي الرسول الخاتم لجميع الأنبياء والمرسلين، المبشر به من المسيح، ومن قبله من الأنبياء والمرسلين، داعيا إلى ملة إبراهيم، ودين المرسلين قبل إبراهيم وبعده داعيا إلى: " التوحيد الخالص " ونبذ الشرك أرضيه، وسماويه، وسد ذريعة هذا وهذا، فَنَهى عن اتخاذ القبور مساجد، ونهى عن الصلاة عليها، وإليها، وعن تشريفها؛ وهذا لسد ذرائع الشرك الأرضي الآتي من: " تعظيم الموتى " في قوم نوح ﵇ ونهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ لسد ذرائع " الشرك السماوي " الآتي من: " عبادة الكواكب " في قوم إبراهيم ﵇ (١) .
стр. 68
والخلاصة: أن الإيمان بالله - تعالى -، الذي هو المطلوب من جميع الثقلين، لا يتم تحقيقه إلا بالاعتقاد الجازم بأن الله - تعالى - رب كل شيء، ومليكه، وأنه متصف بصفات الكمال والجلال، وأنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، والقيام بذلك، علما، وعملا، ولا يتحقق ذلك إلا باتباع خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ لا كما يظن المتجاهلون،
أن الإيمان بالله يتحقق بالإيمان بوجوده، وربوبيته، دون الإيمان بأسمائه وصفاته، وتوحيده في عبادته، ودون المتابعة لرسوله محمد ﷺ ، مما جعلهم ينادون بالاتحاد بين الإسلام الحق، القائم على التوحيد الكامل وبين كل دين محرف مبدل، فيه من نواقض هذا الإيمان ما تقشعر منه جلود الذين آمنوا.
ومن هذه النواقض ما يأتي:
نواقض الإيمان بالله لدى اليهود:
إن " اليهود " قبحهم الله، هم بيت للإلحاد، والتطاول الخطير - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وهذا بعض ما في القرآن الكريم من عقائدهم الإلحادية،
الإيمان بالكتب المنزلة: من أركان الإيمان، وأصول الاعتقاد: الإيمان بجميع كتب الله المنزلة على أنبيائه ورسله. وأن كتاب الله: " القرآن الكريم " هو آخر كتب الله نزولا، وآخرها عهدا برب العالمين، نزل به جبريل الأمين، من عند رب العالمين، على نبيه ورسوله الأمين محمد. وأنه ناسخ لكل كتاب أنزل من قبل: الزبور، والتوراة، والإنجيل وغيرها، ومهيمن عليه، فلم يبق كتاب منزل يُتَعَبَّدُ الله به، ويُتَّبَعُ سوى " القرآن العظيم ". ومن يكفر به فقد قال الله تعالى في حقه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود / ١٧] .
ومن الحقائق العقدية، المتعين بيانها هنا: أن من الكتب المنسوخة بشريعة الإسلام: " التوراة والإنجيل " وقد لحقهما، التحريف، والتبديل، بالزيادة والنقصان والنسيان، كما جاء بيان ذلك في آيات من كتاب الله - تعالى - منها عن: "التوراة " قول الله - تعالى -:
стр. 72
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة / ١٣] .
وقال - سبحانه - عن " الإنجيل ":
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة / ١٤] .
وأن ما في أيدي اليهود، والنصارى اليوم من التوراة والأناجيل المتعددة، والأسفار، والإصحاحات، التي بلغت العشرات، ليست هي عين التوراة المنزلة على موسى ﵇، ولا عين الإنجيل المنزل على عيسى ﵇؛ لانقطاع أسانيدها، واحتوائها على كثير من التحريف، والتبديل، والأغاليط، والاختلاف فيها، واختلاف أهلها عليها، واضطرابهم فيها، وأن ما كان منها صحيحا فهو منسوخ بالإسلام، وما عداه فهو محرف مبدل، فهي دائرة بين النسخ والتحريف.
ولهذا فليست بكليتها وحيا، وإنما هي كتب
стр. 73
مؤلفة من متأخريهم بمثابة التواريخ، والمواعظ لهم، وحاشا لله، أن يكون ما بأيدي اليهود من التوراة هو عين التوراة المنزلة على نبي الله موسى ﵇ وأن يكون ما بأيدي النصارى من الأناجيل هو عين الإنجيل المنزل على نبي الله عيسى ﵇.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه غَضِبَ حينما رأى مع عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة فيها شيء من التوراة وقال ﷺ : «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» رواه أحمد والدارمي، وغيرهما.
نواقض الإيمان بهذا الأصل لدى اليهود والنصارى: لم يسلم الإيمان بهذا الأصل العقدي، والركن الإيماني إلا لأهل الإسلام، وأما أمة الغضب: اليهود، وأمة الضلال: النصارى، فقد كفروا به؛ إذ لا يؤمنون بالقرآن، ولا بنسخه لما قبله، وينسبون ما في أيديهم من بقايا التوراة والإنجيل مع ما أضيف إليهما من التحريف، والتبديل، والتغيير، إلى الله - تعالى - بل فيهما من الافتراء نسبة أشياء من القبائح إلى عدد من الأنبياء -
стр. 74
حاشاهم عن فرى الأفاكين - وانظر الآن الإشارة إلى طرف من هذه النصوص المفتراة في نواقض إيمانهم بجميع الأنبياء والرسل وما جاءوا به:
* فقد نسبت اليهود الردة إلى نبي الله سليمان ﵇ وأنه عبد الأصنام كما في سفر الملوك الأول. الإصحاح / ١١ / عدد / ٥.
* ونسبت اليهود إلى نبي الله هارون ﵇ صناعة العجل، وعبادته له كما في الإصحاح / ٣٢ عدد / ١ من سفر الخروج.
وإنما هو عمل السامري، وقد أنكره عليه هارون ﵇ إنكارا شديدا، كما في القرآن الكريم.
* وقد نسبت اليهود إلى خليل الله إبراهيم ﵇ أنه قدم امرأته سارة إلى فرعون لينال الخير بسببها.
كما في الإصحاح / ١٢ العدد / ١٤ من سفر التكوين.
* وقد نسبت اليهود إلى لوط ﵇ شرب الخمر حتى سكر، ثم زنى بابنته.
стр. 75
كما في سفر التكوين. الإصحاح / ١٩ العدد / ٣٠.
* ونسبت اليهود: الزنى إلى نبي الله داود ﵇ فولدت له سليمان ﵇.
كما في سفر صموئيل الثاني. الإصحاح / ١١ العدد / ١١.
* ونسبت النصارى - قبحهم الله - إلى جميع أنبياء بني إسرائيل أنهم سراق ولصوص، كما في شهادة يسوع عليهم.
إنجيل يوحنا. الإصحاح / ١٠ / العدد / ٨.
* ونسبت النصارى - قبحهم الله - جد سليمان، وداود: فارض، من نسل يهوذا بن يعقوب، من نسل الزنى.
كما في: إنجيل متى. الإصحاح / ١ العدد / ١٠.
فهذه أمة الغضب، وهذه أمة التثليث والضلال يرمون جمعا من أنبياء الله ورسله بقبائح الأمور التي تقشعر منها الجلود، وينسبون هذا إلى كتب الله المنزلة: التوراة والإنجيل - وحاشا لله -.
إن هذا كفر بالله من جهتين: جهة نسبته إلى الوحي، ومن