← Акыда

Акыда · id 10487

الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان

بكر أبو زيد

Полный текст (105 стр.). Показаны 71–105 · переход к 76.

стр. 71

الإيمان بالكتب المنزلة: من أركان الإيمان، وأصول الاعتقاد: الإيمان بجميع كتب الله المنزلة على أنبيائه ورسله. وأن كتاب الله: " القرآن الكريم " هو آخر كتب الله نزولا، وآخرها عهدا برب العالمين، نزل به جبريل الأمين، من عند رب العالمين، على نبيه ورسوله الأمين محمد. وأنه ناسخ لكل كتاب أنزل من قبل: الزبور، والتوراة، والإنجيل وغيرها، ومهيمن عليه، فلم يبق كتاب منزل يُتَعَبَّدُ الله به، ويُتَّبَعُ سوى " القرآن العظيم ". ومن يكفر به فقد قال الله تعالى في حقه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود / ١٧] . ومن الحقائق العقدية، المتعين بيانها هنا: أن من الكتب المنسوخة بشريعة الإسلام: " التوراة والإنجيل " وقد لحقهما، التحريف، والتبديل، بالزيادة والنقصان والنسيان، كما جاء بيان ذلك في آيات من كتاب الله - تعالى - منها عن: "التوراة " قول الله - تعالى -:

стр. 72

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة / ١٣] . وقال - سبحانه - عن " الإنجيل ": ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة / ١٤] . وأن ما في أيدي اليهود، والنصارى اليوم من التوراة والأناجيل المتعددة، والأسفار، والإصحاحات، التي بلغت العشرات، ليست هي عين التوراة المنزلة على موسى ﵇، ولا عين الإنجيل المنزل على عيسى ﵇؛ لانقطاع أسانيدها، واحتوائها على كثير من التحريف، والتبديل، والأغاليط، والاختلاف فيها، واختلاف أهلها عليها، واضطرابهم فيها، وأن ما كان منها صحيحا فهو منسوخ بالإسلام، وما عداه فهو محرف مبدل، فهي دائرة بين النسخ والتحريف. ولهذا فليست بكليتها وحيا، وإنما هي كتب

стр. 73

مؤلفة من متأخريهم بمثابة التواريخ، والمواعظ لهم، وحاشا لله، أن يكون ما بأيدي اليهود من التوراة هو عين التوراة المنزلة على نبي الله موسى ﵇ وأن يكون ما بأيدي النصارى من الأناجيل هو عين الإنجيل المنزل على نبي الله عيسى ﵇. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه غَضِبَ حينما رأى مع عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة فيها شيء من التوراة وقال ﷺ : «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» رواه أحمد والدارمي، وغيرهما. نواقض الإيمان بهذا الأصل لدى اليهود والنصارى: لم يسلم الإيمان بهذا الأصل العقدي، والركن الإيماني إلا لأهل الإسلام، وأما أمة الغضب: اليهود، وأمة الضلال: النصارى، فقد كفروا به؛ إذ لا يؤمنون بالقرآن، ولا بنسخه لما قبله، وينسبون ما في أيديهم من بقايا التوراة والإنجيل مع ما أضيف إليهما من التحريف، والتبديل، والتغيير، إلى الله - تعالى - بل فيهما من الافتراء نسبة أشياء من القبائح إلى عدد من الأنبياء -

стр. 74

حاشاهم عن فرى الأفاكين - وانظر الآن الإشارة إلى طرف من هذه النصوص المفتراة في نواقض إيمانهم بجميع الأنبياء والرسل وما جاءوا به: * فقد نسبت اليهود الردة إلى نبي الله سليمان ﵇ وأنه عبد الأصنام كما في سفر الملوك الأول. الإصحاح / ١١ / عدد / ٥. * ونسبت اليهود إلى نبي الله هارون ﵇ صناعة العجل، وعبادته له كما في الإصحاح / ٣٢ عدد / ١ من سفر الخروج. وإنما هو عمل السامري، وقد أنكره عليه هارون ﵇ إنكارا شديدا، كما في القرآن الكريم. * وقد نسبت اليهود إلى خليل الله إبراهيم ﵇ أنه قدم امرأته سارة إلى فرعون لينال الخير بسببها. كما في الإصحاح / ١٢ العدد / ١٤ من سفر التكوين. * وقد نسبت اليهود إلى لوط ﵇ شرب الخمر حتى سكر، ثم زنى بابنته.

стр. 75

كما في سفر التكوين. الإصحاح / ١٩ العدد / ٣٠. * ونسبت اليهود: الزنى إلى نبي الله داود ﵇ فولدت له سليمان ﵇. كما في سفر صموئيل الثاني. الإصحاح / ١١ العدد / ١١. * ونسبت النصارى - قبحهم الله - إلى جميع أنبياء بني إسرائيل أنهم سراق ولصوص، كما في شهادة يسوع عليهم. إنجيل يوحنا. الإصحاح / ١٠ / العدد / ٨. * ونسبت النصارى - قبحهم الله - جد سليمان، وداود: فارض، من نسل يهوذا بن يعقوب، من نسل الزنى. كما في: إنجيل متى. الإصحاح / ١ العدد / ١٠. فهذه أمة الغضب، وهذه أمة التثليث والضلال يرمون جمعا من أنبياء الله ورسله بقبائح الأمور التي تقشعر منها الجلود، وينسبون هذا إلى كتب الله المنزلة: التوراة والإنجيل - وحاشا لله -. إن هذا كفر بالله من جهتين: جهة نسبته إلى الوحي، ومن

стр. 76

جهة الكذب على الأنبياء والرسل بذلك. فكيف يدعى إلى وحدة المسلمين الموحدين، والمعظمين لرسل الله وأنبيائه مع هذه الأمم الكافرة الناقضة للإيمان بالكتب المنزلة والأنبياء والرسل؟ ومن هنا: كيف لا يستحيي من المنتسبين إلى الإسلام من يدعو إلى طبع هذه الأسفار والإصحاحات المحرفة المفترى فيها مع كتاب الله المعصوم: " القرآن الكريم ". إن هذا من أعظم المحرمات، وأنكى الجنايات، ومن اعتقده صحيحا فهو مرتد عن الإسلام.

стр. 77

الإيمان بالرسل: من أركان الإيمان، وأصول الاعتقاد، " الإيمان بالرسل " إيمانا جامعا، عاما، مُؤتَلِفا، لا تفريق فيه ولا تبعيض، ولا اختلاف، وهو يتضمن تصديقهم، وإجلالهم، وتعظيمهم كما شرع الله في حقهم، وطاعتهم فيمن بعثوا به في الأمر، والنهي، والترغيب، والترهيب، وما جاءوا به عن الله كافة. وهذا أصل معلوم من الدين بالضرورة، فيجب الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله، جملةً وتفصيلا، من قص الله - سبحانه - علينا خبره ومن لم يقصص خبره. وأن عِدّة الأنبياء، كما جاءت به الرواية من حديث أبي ذر ﵁ وغيره: «مائة ألف وعشرون ألفا» وعدة الرسل منهم: «ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا» . وسمى الله منهم في القرآن الكريم، خمسة وعشرين، فأول نبي هو: آدم ﵇ وقيل: بل هو نبي رسول. وأول نبي رسول نوح ﵇ وآخر نبي رسول هو محمد ﷺ . وكان عيسى ابن مريم

стр. 78

قبله، ولم يكن بينهما نبي ولا رسول. وقد ذكر الله منهم في مواضع متفرقة من القرآن: سبعة، هم: آدم، وهود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد - صلى الله عليهم أجمعين -. وذكر ثمانية عشر منهم في موضع واحد، في أربع آيات متواليات من سورة الأنعام: (٨٣ - ٨٦) وهم: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. ومن هذا العدد: خمسة هو أولو العزم من الرسل، وهم الذين ذكرهم الله - سبحانه - بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب / ٧] . ومن هذا العدد المبارك: أربعة من العرب، وهم: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد - صلى الله عليهم وسلم أجمعين - (١)

стр. 79

وذكر الله - سبحانه - ولد يعقوب باسم: " الأسباط " ولم يذكر اسم أحد منهم سوى: يوسف ﵇ وهم اثنا عشر ابنا ليعقوب ﵇ ليس فيهم نبي سوى يوسف ﵇ وهو الذي قواه ابن كثير - رحمه الله تعالى - في " تاريخه ". وقيل: بل كانوا جميعهم أنبياء. والآيات التي يرد فيها ذكر: " الأسباط " المراد بهم شعوب بني إسرائيل، وما كان يوجد فيهم من الأنبياء، وقد ثبت في السنة تسمية نبيين هما: شيث بن آدم، ويوشع بن نون ﵈. وعن ابن عباس ﵄ قال: " كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمدا صلى الله وسلم عليهم أجمعين ". وكل الأنبياء والرسل: رجال، أحرار، من البشر، من أهل القرى والأمصار، ليس فيهم امرأة، ولا ملك، ولا أعرابي، ولا جني. وكلهم على غاية الكمال في الخِلقة البشرية، والأخلاق

стр. 80

العلية، مصطفون من خيار قومهم، الذين بعثهم الله فيهم، وبلسانهم، من خيارهم خِلقة، وخُلُقا، ونسبا ومواهب، وقدرات، معصومون في تحمل الرسالة، وتبلغيها، ومن كبائر الذنوب، واقترافها، وإن وقعت صغيرة فلا يقرون عليها، بل يسارع النبي إلى التوبة منها، والتوبة تغفر الحَوبَة. وكل نبي يبعث إلى قومه خاصة إلا محمدا ﷺ فبعثته عامة إلى الثقلين. وكل نبي يبعث بلسان قومه. وقد يبعث الله -سبحانه - نبيا وحده، أو رسولا وحده، وقد يجمع الله بعثة نبيين اثنين، أو نبي ورسول، أو أكثر من ذلك في زمن واحد، ومن ذلك: أن الله - سبحانه - بعث نبيه ورسوله إبراهيم ﵇ وبعث في زمنه: لوطا ﵇ وهو ابن أخيه. وبعث الله - سبحانه - إسماعيل، وإسحاق ﵉، في زمن واحد. وبعث الله - سبحانه - يعقوب، وابنه يوسف ﵉ في زمن واحد.

стр. 81

وبعث الله - سبحانه موسى، وأخاه هارون ﵉ في زمن واحد، قيل: وشعيب ﵇ الذي أدركه موسى، وتزوج ابنته. وهو غلط، كما قرره المفسرون منهم ابن جرير شيخ المفسرين - رحمه الله تعالى - وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في: " الجواب الصحيح: ٢ / ٢٤٩ - ٢٥٠ ". وبعث الله - سبحانه - داود وابنه سليمان ﵉ في زمن واحد. وبعث الله - سبحانه - زكريا، ويحيى ﵉ في زمن واحد. وقال - تعالى - في سورة " يس ": ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [إلى آخر الآيات / ١٣ - ١٧ من سورة يس] . وقد اختار ابن كثير ﵀ أنهم ثلاثة رسل من رسل الله - تعالى -. وكلهم بعثهم الله مبشرين، ومنذرين، ولتحقيق العبودية لله - سبحانه - وتوحيده، وأدى كل واحد منهم ﵈ -

стр. 82

الأمانة، وبلغ، وبشر، وأنذر، وقد أيدهم الله بالمعجزات الباهرات، والآيات الظاهرات. والرسل أفضل من الأنبياء، وقد فضل الله - سبحانه - بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وأفضلهم جميعا: خمسة هم أولو العزم من الرسل. وأفضل الجميع على الإطلاق، بل أفضل جميع الخلائق: هو خاتمهم نبينا ورسولنا محمد ﷺ وأنه لا نبي بعده، وأن كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث محمد ﷺ إلى الثقلين عامة. وكلهم متفقون على وحدة الملة والدين: في التوحيد، والنبوة والبعث، وما يشمله ذلك من الإيمان الجامع بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشَره، وما في ذلك من وحدة العبادة لله - تعالى - لا شريك له، فالصلاة والزكاة، والصدقات، كلها عبادات لا تُصرف إلا لله - تعالى -. وشرائعهم في العبادات في صورها، ومقاديرها، وأوقاتها، وأنوعها، وكيفيتها، متعددة. حتى جاءت الرسالة الخاتمة، والنبوة الخالدة، فنسخ الله بها جميع الشرائع فلا يجوز لبشر، كتابي ولا غير كتابي، أن يتعبد الله

стр. 83

بشريعة غير شريعة محمد ﷺ ، ومن تعبد الله بغير هذه الشريعة الخاتمة، فهو كافر، وعمله هباء: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان / ٢٣] . فواجب على كل مكلف الإيمان بمحمد ﷺ وأنه هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلم يبق رسول يجب اتباعه سوى محمد ﷺ ولو كان أحد من أنبياء ورسله الله حيا لما وسعه إلا اتباعه ﷺ ، وأنه لا يسع الكتابيين إلا ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف / ١٥٧] . وأن بعثته ﷺ عامة لجميع الثقلين، والناس أجمعين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ / ٢٨] . وقال - تعالى -: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف / ١٥٨] . وقال - تعالى -: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام / ١٩] .

стр. 84

وقال - سبحانه -: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران / ٢٠] . من نواقض هذا الأصل: من كفر بنبي واحد، أو رسول واحد، أو آمن ببعض وكفر ببعض، فهو كمن كفر بالله وجحده، وقد فرق بين الله ورسله، ولا ينفعه إيمانه ببقية الرسل؛ ذلك أن الرسل حملة رسالة واحدة، ودعاة دين واحد، وإن اختلفت شرائعهم، ومرسلهم واحد، فهم وحدة يبشر المتقدم منهم بالمتأخر، ويصدق المتأخر المتقدم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء / ١٥٠ - ١٥١] . ولهذا: فمن لم يؤمن بمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وأنه خاتم الأنبياء والرسل، وأن شريعته ناسخة لجميع ما قبلها، وأنه لا يسع أحدا من أهل الأرض اتباع غير شرعه: فهو كافر مخلد في النار كمن كفر بالله وجحده ربا معبودا. وقد بين الله - سبحانه - كفر اليهود والنصارى؛ لإيمانهم ببعض الرسل، وكفرهم ببعض، كما قال - تعالى -:

стр. 85

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة / ٩١] . فاليهود لا يؤمنون بعيسى ابن مريم، ولا يؤمنون بمحمد ﷺ ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة / ٩٠] غضب بكفرهم بالمسيح عيسى ابن مريم، وغضب بكفرهم بمحمد ﷺ ، والنصارى: لا يؤمنون بمحمد ﷺ فَأتوا من كفرهم به. لهذا: فهم بكفرهم هذا كفار مخلدون في النار، فكيف ينادون بوحدتهم مع دين الإسلام؟ وانظر إلى حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «" من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق: أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» متفق عليه. فقوله: " وأن عيسى عبد الله ورسوله " تعريض باليهود في التفريق بين رسله في إنكارهم رسالته، ثم رسالة محمد ﷺ وتعريض بالنصارى - أنفسهم - في قولهم بالإيمان به مع التثليث وهو شرك

стр. 86

محض؛ وبه تعرف السر في تخصيص ذكر عيسى ﵇ في هذا الحديث العظيم الجامع. ألا: لا وحدة بين مسلم يؤمن بجميع أنبياء الله ورسله ويهودي أو نصراني: لا يؤمن بمحمد ﷺ كما قال الله - سبحانه -: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة / ١٣٧] . ومن نواقض هذا الأصل لدى اليهود والنصارى: نسبة القبائح، والكبائر إلى الأنبياء والرسل، كصناعة الأصنام، والردة، والزنا، والخمر، والسرقة، و. . . فمن نسب أي قبيحة من تلك القبائح، ونحوها إلى أي نبي أو رسول فهو كافر مخلد في النار، مثل كفره بالله، وجحده له. وقد كان لليهود، والنصارى - قبحهم الله وأخزاهم - أوفر نصيب من نسبة القبائح إلى أنبياء الله ورسله ﵈ كما تقدم ذكر بعض منها.

стр. 87

ومن نواقض هذا الأصل: نفي بشرية أحد من الأنبياء، أو تأليه أحد منهم. وقد نقض اليهود، والنصارى هذا الأصل العظيم بافترائهم، وكذبهم، وتحريفهم، كما فضحهم الله في آيات من: " القرآن العظيم " وحكم بكفرهم، وضلالهم. فقال - سبحانه - عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة / ٣٠] . وقال - سبحانه - عن النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة / ٧٢] . وقال - سبحانه - عن النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة / ٧٣] . ومن نواقض هذا الأصل: عدم الإيمان بعموم رسالة محمد ﷺ إلى جميع أهل الأرض عربهم، وعجمهم، إنسهم، وجنهم.

стр. 88

ومنه أن العيسوية من اليهود وفريقا من النصارى آمنوا بنبوة محمد ﷺ للعرب خاصة، وأنكروا عموم رسالته. وإنكار عموم رسالته ﷺ ، كفر، يناقض صريح القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ / ٢٨] . والآيات بهذا المعنى كثيرة، وفي صحيح مسلم: «أرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون» .

стр. 89

النتيجة: * يجب على المسلمين: الكفر بهذه النظرية: " وحدة كل دين محرف منسوخ مع دين الإسلام الحق المحكم المحفوظ من التحريف والتبديل الناسخ لما قبله ". وهذا من بدهيات الاعتقاد والمسلمات في الإسلام. وأن الدعوة إلى هذه النظرية: كفر، ونفاق، ومشاقة، وشقاق، وعمل على إخراج المسلمين من الإسلام. وأن حال الدعاة إليها من اليهود، والنصارى مع المسلمين هم كما قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران / ١١٩] . ويجب على أهل الأرض اعتقاد توحد الملة والدين في دعوة جميع الأنبياء والمرسلين: في التوحيد، والنبوات، والمعاد، كما مضى التقرير مفصلا، وأن هذا الأصل العقدي لم يسلم إلا لأهل الإسلام، وأن اليهود والنصارى ناقضون له، متناقضون فيه، لا سيما في الإيمان بالله، وكتبه، ورسله. * ويجب على أهل الأرض اعتقاد تعدد الشرائع وتنوعها

стр. 90

وأن شريعة الإسلام هي خاتمة الشرائع، ناسخة لكل شريعة قبلها، فلا يجوز لبشر من أفراد الخلائق أن يتعبد الله بشريعة غير شريعة الإسلام. وإن هذا الأصل لم يسلم لأحد إلا لأهل الإسلام، فأمة الغضب: اليهود، كافرون بهذا الأصل؛ لعدم إيمانهم بشريعة عيسى ﵇ ولعدم إيمانهم بشريعة محمد ﷺ ، وأمة الضلال: النصارى، كافرون بهذا الأصل؛ لعدم إيمانهم بمحمد ﷺ وبشريعته، وبعموم رسالته. والأمتان كافرتان بذلك، وبعدم إيمانهم بمحمد ﷺ ومتابعته في شريعته، وترك ما سواها، وبعدم إيمانهم بنسخ شريعة الإسلام لما قبلها من الشرائع، وبعدم إيمانهم بما جاء به من القرآن العظيم، وأنه ناسخ لما قبله من الكتب والصحف. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران / ٨٥] . * ويجب على جميع أهل الأرض من الكتابيين وغيرهم: الدخول في الإسلام بالشهادتين، والإيمان بما جاء في الإسلام جملة وتفصيلا، والعمل به، واتباعه، وترك ما سواه من الشرائع

стр. 91

المحرفة والكتب المنسوبة إليها، وأن من لم يدخل في الإسلام فهو كافر مشرك، كما قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران / ٧٠] . * يجب على أمة الإسلام: " أمة الاستجابة "، " أهل القبلة ": اعتقاد أنهم على الحق وحدهم في: " الإسلام الحق " وأنه آخر الأديان، وكتابه القرآن آخر الكتب، ومهيمن عليها، ورسوله آخر الرسل وخاتمهم، وشريعته ناسخة لشرائعهم، ولا يقبل الله من عبد دينا سواه. فالمسلمون حملة شريعة إلهية خاتمة، خالدة، سالمة من الانحراف الذي أصاب أتباع الشرائع السابقة، ومن التحريف الذي داخل التوراة والإنجيل مما ترتب عليه تحريف الشريعتين المنسوختين: اليهودية والنصرانية. * ويجب على: " أمة الاستجابة " لهذا الدين إبلاغه إلى " أمة الدعوة " من كل كافر من يهود ونصارى، وغيرهم، وأن يدعوهم إليه، حتى يسلموا، ومن لم يسلم فالجزية أو القتال. قال الله - تعالى - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة / ٢٩] .

стр. 92

* ويجب على كل مسلم يؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا رسولا: أن يدين الله - تعالى - بِبُغضِ الكفار من اليهود والنصارى، وغيرهم، ومعاداتهم في الله - تعالى - وعدم محبتهم، ومودتهم، وموالاتهم، وتوليهم، حتى يؤمنوا بالله وحده ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا رسولا. قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة / ٥١] . والآيات في هذا المعنى كثيرة. ولهذا صار من آثار قطع الموالاة بيننا وبينهم، أنه لا توارث بين مسلم وكافر أبدا. * يجب على كل مسلم اعتقاد كفر من لم يدخل في هذا الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم، وتسميته كافرا، وأنه عدو لنا، وأنه من أهل النار.

стр. 93

قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف / ١٥٨] . وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «" والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» . ولهذا: فمن لم يكفر اليهود والنصارى فهو كافر، طردا لقاعدة الشريعة: " من لم يكفر الكافر فهو كافر ". ونقول لأهل الكتاب كما قال الله - تعالى -: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء / ١٧١] . * ولا يجوز لأحد من أهل الأرض اليوم أن يبقى على أي من الشريعتين: " اليهودية والنصرانية " فضلا عن الدخول في إحداهما، ولا يجوز لمتبع أي دين غير الإسلام وصفُهُ بأنه مسلم، أو أنه على ملة إبراهيم، لما يأتي:

стр. 94

١ - لأن ما كان فيهما - أي اليهودية والنصرانية - من شرع صحيح فهو منسوخ بشريعة الإسلام فلا يقبل الله من عبد أن يتعبده بشرع منسوخ. ٢ - ولأن ما كان منسوبا إليهما من شرع محرف مبدل، فتحرم نسبته إليهما، فضلا عن أن يجوز لأحد اتباعه، أو أن يكون دين أحد من الأنبياء لا موسى ولا عيسى، ولا غيرهما. ٣ - ولأن كل عبد مأمور بأن يتبع الدين الناسخ لما قبله، وهو بعد مبعث محمد ﷺ دين الإسلام الذي جاء به، بعبادة الله وحده لا شريك له، وتوحيده بالعبادة، فمن كان كذلك كان عبدا حنيفا، مسلما، على ملة إبراهيم، ومن لم يؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين، ويخص نبيه ورسوله محمدا ﷺ بالاتباع دون سواه فلا يجوز وصفه بأنه حنيف، ولا مسلم، ولا على ملة إبراهيم، بل هو كافر في مشاقة وشقاق.

стр. 95

قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة / ١٣٥ - ١٣٧] . فبطلت بهذه نظرية الخلط بين دين الإسلام الحق، وبين غيره من الشرائع الدائرة بين التحريف والنسخ، وأنه لم يبق إلا الإسلام وحده، والقرآن وحده، وأن محمدا ﷺ لا نبي بعده، وأن شريعته ناسخة لما قبله، ولا يجوز اتباع أحد سواه. * وأنه لا يجوز لمسلم طباعة التوراة، والإنجيل، وتوزيعهما، ونشرهما، وأن نظرية طبعهما مع القرآن الكريم في غلاف واحد، من الضلال البعيد، والكفر العظيم، لما فيها من الجمع بين الحق: " القرآن الكريم " والباطل: في التوراة والإنجيل من التحريف والتبديل، وأن ما فيهما من حق فهو منسوخ. * وأنه لا تجوز الاستجابة لدعوتهم ببناء " مسجد، وكنيسة،

стр. 96

ومعبد " (١) في مجمع واحد لما فيها من الدينونة والاعتراف بدين يعبد الله به سوى الإسلام، وإخفاء ظهوره على الدين كله، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاثة على أهل الأرض التدين بأي منها، وأنها على قَدَم التساوي، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله، وهذه المردودات السالبة، فيها من الكفر والضلال، ما لا يخفى، فعلى المسلمين بعامة، ومن بسط الله يده عليهم بخاصة، الحذر الشديد، من مقاصد الكفرة من اليهود والنصارى في إضلال المسلمين، والكيد لهم فإن بيوت الله في أرض الله هي: "

стр. 97

المساجد " وحدها: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف / ٢٩] . وهذه المساجد من شعائر الإسلام، فواجب تعظيمها، ورعاية حرمتها، وعمارتها، ومن تعظيمها ورعايتها عدم الرضا بحلول كنائس الكفرة، ومعابدهم في حرمها، وفي جوارها، وعدم إقرار إنشائها في بلاد الإسلام، ورفض مساجد المضارة بالإسلام، والضّرار بالمسلمين في بلاد الكافرين. فإن " المسجد " والحال هذه، مسجد مُضَارّة للإسلام، ولا يجوز إقراره، ولا التبرع بمال أو جهد لبنائه، ولا الصلاة فيه، ويجب على من بسط الله يده من ولاة المسلمين هدم هذا المجمع، فضلا عن السكوت عنه، أو المشاركة فيه، أو السماح به، وإن كان - والحال ما ذكر - في بلاد كفر، وجب إعلان عدم الرضا به، والمطالبة بهدمه، والدعوة إلى هجره. وانظر: كيف تشابهت أعمال المنافقين، ومقاصدهم، في قديم الدهر وحديثه؛ إذ بنى المنافقون مسجدا ضرارا بالمؤمنين، أما عملهم اليوم، فهو: أشد ضرارا بالإيمان، والمؤمنين، والإسلام والمسلمين، وقد أنزل الله - سبحانه - قرآنا يُتلى إلى يوم القيامة، فقال الحكيم الخبير :

стр. 98

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة / ١٠٧ - ١١٠] . ثم رأيت أن الفرق الباطنية، التي أسست من قِبَلِ الاستعمار الروسي، والإنجليزي، واليهودية العالمية، منسوبة إلى الإسلام ظلما؛ لهدمه، والعدوان عليه، ومنها: " البابية " نسبة إلى: المرزا علي محمد الشيرازي، الملقب: " باب المهدي " المولود سنة ١٢٣٥ والهالك سنة ١٢٦٥. و" البهائية " نسبة إلى البهاء حسين ابن الميرزا المولود بإيران سنة ١٢٣٣، والهالك سنة ١٣٠٩. و" القاديانية " نسبة إلى: مرزا غلام أحمد القادياني الهالك سنة ١٣٢٥. المحكوم بكفرها - أي هذه الفرق - بإجماع المسلمين، وقد صدرت بكفرها قرارات شرعية دَولية. هذه الفِرق تدعو إلى هذه النظرية: " نظرية الخلط ". ومنها قول بهاء المذكور (١) : " يجب على الجميع ترك التعصبات، وأن يتبادلوا زيارة الجوامع والكنائس مع بعضهم البعض؛ لأن اسم الله في جميع هذه المعابد مادام الكل يجتمعون لعبادة الله، فلا خلاف بين الجميع، فليس منهم أحد يعبد الشيطان، فيحق للمسلمين أن يذهبوا إلى كنائس النصارى، وصوامع اليهود، وبالعكس يذهب هؤلاء إلى المساجد الإسلامية " انتهى. ما أشبه الليلة بالبارحة، فإن عمل منافقي اليوم ضِرار بالإيمان والمؤمنين بوجه أشد نكاية وأذى للإسلام والمسلمين.

стр. 99

* ألا إِنَّه واجب على المسلمين، الحذر والتيقظ من مكايد أعدائهم. * وواجب على المسلمين، الحذر من ارتداء الكفرة مُسُوحَ الحوار، وجَلب الشخصيات المتميعة ونحو ذلك من أساليبهم، التي هي بحق: " رجس من عمل الشيطان ". * وليعلم كل مسلم، أنه لا لقاء ولا وفاق بين أهل الإسلام والكتابيين وغيرهم من أمم الكفر إلا وفق الأصول التي نصت عليها الآية الكريمة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران / ٦٤] . وهي: توحيد الله تعالى ونبذ الإشراك به وطاعته في الحكم والتشريع واتباع خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ الذي بشرت به التوراة والإنجيل. * فيجب أن تكون هذه الآية هي شعار كل مجادلة بين أهل الإسلام وبين أهل الكتاب وغيرهم وكل جهد يُبذل لتحقيق غير هذه الأصول فهو باطل. . باطل. . باطل.

стр. 100

* وإن إفشال تلك المؤتمرات التي هي في حقيقتها: " مؤامرات " على المسلمين، مؤكد بوعد الله - تعالى - للمسلمين في قوله جل وعز: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران / ١١١]. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة». وثبت - أيضا - عن النبي ﷺ أنه قال: «" سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها ".» الحديث. * ولكن هذا - وايم الله - لا بد له من موقفين: موقف رفع راية الجهاد، وتوظيف القدرات بصد العاديات، وموقف للبناء وتحصين المسلمين بإسلامهم على وجهه الصحيح. * ولا تلتفت أيها المسلم إلى غلط الغالطين، ولا إلى من خدعتهم دعوة إخوان الشياطين، ولا إلى المأجورين، ولا إلى أفراد من الفرق الضالة من المنتسبين إلى الإسلام، للمناصرة، والترويج لهذه النظرية، فيتسنمون الفتيا وما هم بفقهاء، ولا بصيرة لهم في الدين، وإنما حالهم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران / ٧٨].

стр. 101

اللهم إني قد بينت ونصحت في هذا كل مسلم قدر نفسه حق قدرها مؤمنا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، فأذعن للحق، اللهم فاشهد. نسأل الله - سبحانه - أن يهدي ضال المسلمين، وأن يذهب عنهم البأس، وأن يصرف عنهم كيد الكائدين، وأن يثبتنا جميعا على الإسلام حتى نلقاه إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. تحريرا في ٨ / جمادى الأولى / ١٤١٧ بقلم بكر بن عبد الله أبو زيد

стр. 102

[ملاحق الكتاب]

стр. 103

[ملحق رقم (١)] ملاحق الكتاب ملحق رقم (١) فتوى رقم (١٩٤٠٢) وتاريخ ٢٥/ ١ / ١٤١٨ هـ بشأن الدعوة إلى وحدة الأديان الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء استعرضت ما ورد إليها من تساؤلات، وما ينشر في وسائل الإعلام من آراء ومقالات، بشأن الدعوة إلى (وحدة الأديان): دين الإسلام، ودين اليهود، ودين النصارى، وما تفرع عن ذلك من دعوة إلى بناء: مسجد وكنيسة ومعبد في محيط واحد، في رحاب الجامعات والمطارات والساحات العامة، ودعوة إلى طباعة القرآن الكريم والتوراة والإنجيل في غلاف واحد، إلى غير ذلك من آثار هذه الدعوة، وما يعقد لها من مؤتمرات وندوات وجمعيات في الشرق والغرب، وبعد التأمل والدراسة فإن اللجنة تقرر ما يلي: أولاً: أن من أصول الاعتقاد في الإسلام، المعلومة من الدين بالضرورة، والتي أجمع عليها المسلمون: أنه لا يوجد على وجه الأرض دين حق سوى دين الإسلام، وأنه خاتمة الأديان، وناسخ لجميع ما قبله من الأديان والملل والشرائع، فلم يَبْق على وجه الأرض دين يُتعبد الله به سوى الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] والإسلام بعد بعثة محمد ﷺ هو ما جاء به دون ما سواه من الأديان. ثانياً: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام: أن كتاب الله تعالى: (القرآن الكريم) هو آخر كتب الله نزولاً وعهداً برب العالمين، وأنه ناسخ لكل كتاب أنزل من قبل، من التوراة والزبور والإنجيل وغيرها، ومهيمن عليها، فلم يبق كتاب منزل يُتعبد الله به سوى: (القرآن الكريم) قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] ثالثاً: يجب الإيمان بأن (التوراة والإنجيل) قد نسخا بالقرآن الكريم، وأنه قد لحقهما التحريف والتبديل بالزيادة والنقصان، كما جاء بيان ذلك في آيات من كتاب الله الكريم، منها: قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] وقوله جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] ولهذا: فما كان منها صحيحاً فهو منسوخ بالإسلام، وما سوى ذلك فهو محرف أو مبدل، وقد ثبت عن النبي ﷺ «أنه غضب حين رأى مع عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال ﵊: "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي» رواه أحمد والدارمي وغيرهما. رابعاً: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام: أن نبينا ورسولنا محمداً ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] فلم يبق رسول يجب اتباعه سوى محمد ﷺ ، ولو كان أحد من أنبياء الله ورسله حيًا لما وسعه إلا اتباعه ﷺ وأنه لا يسع أتباعهم إلا ذلك- كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ونبي الله عيسى ﵊ إذا نزل في آخر الزمان يكون تابعاً لمحمد ﷺ وحاكماً بشريعته. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] كما أن من أصول الاعتقاد في الإٍسلام: أن بعثة محمد ﷺ عامة للناس أجمعين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وغيرها من الآيات. خامساً: ومن أصول الإسلام: أنه يجب اعتقاد كفر كل من لم يدخل في الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم، وتسميته كافراً، وأنه عدو لله ورسوله والمؤمنين، وأنه من أهل النار، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] وغيرها من الآيات. وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار». ولهذا: فمن لم يكفر باليهود والنصارى فهو كافر، طرداً لقاعدة الشريعة: (من لم يكفر الكافر فهو كافر). سادساً: وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية، فإن الدعوة إلى: (وحدة الأديان) والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد، دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها: خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه، وجرُّ أهله إلى ردة شاملة، ومصداق ذلك في قول الله سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] وقوله جل وعلا: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] سابعاً: وإن من آثار هذه الدعوة الآثمة: إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النقرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله، والله جل وتقدس يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ويقول جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] ثامناً: أن الدعوة إلى (وحدة الأديان) إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله ، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأدياتن، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعاً، محرمة قطعاً بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن وسنة وإجماع. تاسعاً: وتأسيساً على ما تقدم: ١ - فإنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيع عليها، وتسليكها بين المسلمين، فضلاً عن الاستجابة لها، والدخول في مؤتمراتها وندواتها، والانتماء إلى محافلها. ٢ - لا يجوز لمسلم طباعة التوراة والإنجيل منفردين، فكيف مع القرآن الكريم في غلاف واحد!! فمن فعله أو دعا إليه فهو في ضلال بعيد؛ لما في ذلك من الجمع بين الحق (القرآن الكريم) والمحرف أو الحق المنسوخ (التوراة والإنجيل). ٣ - كما لا يجوز لمسلم الاستجابة لدعوة: (بناء مسجد وكنيسة ومعبد) في مجمع واحد؛ لما في ذلك من الاعتراف بدين يعبد الله به غير دين الإسلام، وإنكار ظهوره على الدين كله، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاثة؛ لأهل الأرض التدين بأي منها، وأنها على قدم التساوي، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله من الأديان، ولاشك أن إقرار ذلك أو اعتقاده أو الرضا به كفر وضلال؛ لأنه مخالفة صريحة للقرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع المسلمين، واعتراف بأن تحريفات اليهود والنصارى من عند الله، تعالى الله عن ذلك. كما أنه لا يجوز تسمية الكنائس (بيوت الله) وأن أهلها يعبدون الله فيها عبادة صحيحة مقبولة عند الله؛ لأنها عبادة على غير دين الله الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] بل هي: بيوت يكفر فيها بالله، نعوذ بالله من الكفر وأهله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٦٦): "ليست- أي: البيع والكنائس- بيوت الله، وإنما بيوت الله المساجد، بل هي بيوت يكفر فيها بالله، وإن كان قد يذكر فيها، فالبيوت بمنزلة أهلها وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفار". عاشراً: ومما يجب أن يُعْلَم: أن دعوة الكفار بعامة وأهل الكتاب بخاصة إلى الإسلام واجبة على المسلمين بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة، ولكن ذلك لا يكون إلا بطريق البيان والمجادلة بالتي هي أحسن، وعدم التنازل عن شيء من شرائع الإسلام، وذلك للوصول إلى قناعتهم بالإسلام ودخولهم فيه، أو إقامة الحجة عليهم؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] أما مجادلتهم واللقاء معهم ومحاورتهم لأجل النزول عند رغباتهم، وتحقيق أهدافهم، ونقض عُرَى الإسلام ومعاقد الإيمان، فهذا باطل يأباه الله ورسوله والمؤمنون، والله المستعان على ما يصفون، قال تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] * وإن اللجنة إذ تقرر ذلك وتبينه للناس، فإنها توصي المسلمين بعامة، وأهل العلم بخاصة، بتقوى الله تعالى ومراقبته، وحماية الإسلام، وصيانة عقيدة المسلمين من الضلال ودعاته، والكفر وأهل، وتحذرهم من هذه الدعوة الكفرية الضالة: (وحدة الأديان)، ومن الوقوف في حبائلها، ونعيذ بالله كل مسلم أن يكون سبباً في جلب هذه الضلالة إلى بلاد المسلمين وترويجها بينهم. نسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يعيذنا جميعاً من مضلات الفتن، وأن يجعلنا هداة مهتدين، حماة للإسلام، على هدى ونور من ربنا حتى نلقاه وهو راضٍ عنا. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو عضو نائب الرئيس الرئيس بكر بن عبد الله أبو زيد صالح بن فوزان الفوزان عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 104

[ملحق رقم (٢)] (بشأن حكم بناء المعابد الكفرية في جزيرة العرب) فتوى رقم (٢١٤١٣) وتاريخ ١/ ٤ / ١٤٢١ هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. . . وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من عدد من المستفتين، المقيدة استفتاءاتهم في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٨٦) وتاريخ ٥/ ١ / ١٤٢١ هـ. ورقم (١٣٢٦ - ١٣٢٧ - ١٣٢٨) وتاريخ ٢/ ٣ / ١٤٢١ هـ. بشأن حكم بناء المعابد الكفرية في جزيرة العرب مثل: بناء الكنائس للنصارى، والمعابد لليهود وغيرهم من الكفرة، أو أن يخصص صاحب شركة أو مؤسسة مكاناً للعمالة الكافرة لديه يؤدون فيه عباداتهم الكفرية. . إلخ. وبعد دراسة اللجنة لهذه الاستفتاءات أجابت بما يلي: كل دين غير دين الإسلام فهو كفر وضلال، وكل مكان يُعدُّ للعبادة على غير دين الإٍلام فهو بيت كفر وضلال، إذ لا تجوز عبادة الله إلا بما شرع سبحانه في الإسلام، وشريعة الإسلام خاتمة الشرائع: عامة للثقلين الجن والإنس، وناسخة لما قبلها، وهذا مجمع عليه بحمد الله تعالى. ومن زعم أن اليهود على حق، أو النصارى على حق، سواء كان منهم أو من غيرهم، فهو مكذب لكتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ وإجماع الأمة، وهو مرتد عن الإسلام إن كان يدعي الإسلام بعد إقامة الحجة عليه، إن كان مثله ممن يخفى عليه ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] وقال عز وشأنه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] وثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». ولهذا: صار من ضروريات الدين: تحريم الكفر الذي يقتضي تحريم التعبد لله على خلاف ما جاء في شريعة الإسلام، ومنه: تحريم بناء معابد وفق شرائع منسوخة يهودية أو نصرانية أو غيرهما؛ لأن تلك المعابد- سواء كانت كنيسة أو غيرها- تعتبر معابد كفرية؛ لأن العبادات التي تؤدى فيها على خلاف شريعة الإسلام لجميع الشرائع قبلها، والمبطلة لها، والله تعالى يقول عن الكفار وأعمالهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ولهذا أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية مثل: الكنائس في بلاد المسلمين، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام، وألا يكون فيها شيء من شعائر الكفار، لا كنائس ولا غيرها، وأجمعوا على وجوب هدم الكنائس وغيرها من المعابد الكفرية إذا أُحدثت في أرض الإسلام، ولا تجوز معارضة ولي الأمر في هدمها، بل تجب طاعته، وأجمع العلماء- رحمهم الله تعالى- على أن بناء المعابد الكفرية، ومنها: الكنائس في جزيرة العرب، أشد إثماً وأعظم جرماً؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة بخصوص النهي عن اجتماع دينين في جزيرة العرب، منها قول النبي ﷺ : «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب». رواه الإمام مالك وغيره، وأصله في الصحيحين. فجزيرة العرب: حَرَمُ الإسلام، وقاعدته التي لا يجوز السماح أو الإذن لكافر باختراقها، ولا التجنس بجنسيتها، ولا التملك فيها، فضلاً عن إقامة كنيسة فيها لعبَّاد الصليب، فلا يجتمع فيها دينان إلا ديناً واحداً هو دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه ورسوله محمداً ﷺ ولا يكون فيها قبلتان إلا قبلة واحدة هي قبلة المسلمين إلى البيت العتيق، والحمد لله الذي وفق ولاة أمر هذه البلاد إلى صد هذه المعابد الكفرية عن هذه الأرض الإسلامية الطاهرة. وإلى الله المشتكى مما جلبه أعداء الإسلام من المعابد الكفرية من الكنائس وغيرها في كثير من بلاد المسلمين، نسأل الله أن يحفظ الإسلام عن كيدهم ومكرهم. وبهذا يُعلم أن السماح والرضا بإنشاء المعابد الكفرية، مثل الكنائس، أو تخصيص مكان لها في أي بلد من بلاد الإسلام، من أعظم الإعانة على الكفر وإظهار شعائره، والله عز شأنه يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: "من اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يعبد فيها، أو أن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة لرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة أو طاعة، فهو كافر. وقال أيضاً: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك محرم عرّف ذلك، فإن أصرَّ صار مرتداً" انتهى. عائذين بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهداية، وليحذر المسلمين أن يكون له نصيب من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ - فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨] وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو عضو عضو الرئيس عبد الله بن عبد الرحمن الغديان بكر بن عبد الله أبو زيد صالح بن فوزان الفوزان عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

стр. 105

[ملحق رقم (٣)] (بيان هام من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية في التحذير من وسائل التنصير) بيان رقم (٢٠٠٩٦) وتاريخ ٢٢/ ١٢ / ١٤١٨ هـ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للناس أجمعين خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فغير خافٍ على كل من نَوَّر الله بصيرته من المسلمين شدة عداوة الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم للمسلمين، وتحالف قواهم واجتماعها ضد المسلمين ليرْدُوهم وليلبسوا عليهم دينهم الحق، دين الإسلام الذي بعث الله به خاتم أنبيائه ورسله محمد ﷺ إلى الناس أجمعين، وإن للكفار في الصد عن الإسلام وتضليل المسلمين، واحتوائهم، واستعمار عقولهم، والكيد لهم، وسائل شتى، وقد نشطت دعواتهم وجمعياتهم وإرسالياتهم، وعظمت فتنتهم في زمننا هذا، فكان من وسائلهم ودعواتهم المضللة: بعث نشرة باسم: "معهد أهل الكتاب في دولة جنوب أفريقيا" تُبعث للأفراد والمؤسسات والجمعيات عبر صناديق البريد في جزيرة العرب- أصل الإسلام ومعقله الأخير- متضمنة هذه النشرة برامج دراسية عن طريق المراسلة، وبطاقة اشتراك بدون مقابل في كتب "التوراة، والزبور، والإنجيل"، وعلى ظهر هذه النشرة مقتطفات من هذه الكتب. هذا، وإن من عاجل البشرى للمسلمين: استنكار هذا الغزو المنظم، والتحذير منه بجميع وسائله، وكان من هذه المواقف المحمودة: وصول عدد من الكتابات والمكالمات، إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، آملين صدور بيان يقف أمام هذه النشرات، ويحذر من هذه الدعوات الكفرية الخطيرة على المسلمين. فنقول وبالله التوفيق: منذ أشرقت شمس الإسلام على الأرض وأعداؤه- على اختلاف عقائدهم ومللهم- يكيدون له ليلاً ونهاراً، ويمكرون بأتباعه كلما سنحت له فرصة؛ ليخرجوا المسلمين من النور إلى الظلمات، ويُقوِّضوا دولة الإسلام، ويضعفوا سلطانه على النفوس، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى إذ يقول: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] وقال سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] وكان من أبرز أعداء هذا الدين: "النصارى الحاقدون" الذين كانوا ولا يزالون يبذلون قصارى جهدهم وغاية وسعهم لمقاومة المد الإسلامي في أصقاع الدنيا، بل ومهاجمة الإسلام والمسلمين في عقر ديارهم، لاسيما في حالات الضعف التي تنتاب العالم الإسلامي كحالته الراهنة اليوم، ومن المعلوم بداهة: أن الهدف من هذا الهجوم هو: زعزعة عقيدة المسلمين وتشكيكهم في دينهم، تمهيداً لإخراجهم من الإسلام، وإغرائهم باعتناق النصرانية عَبْرَ ما يُعرف خطأ بـ"التبشير" وما هو إلا دعوة إلى "الوثنية" في النصرانية المحرفة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ونبي الله عيسى ﵇ منها براء. وقد أنفق النصارى أموالاً طائلة وجهوداً كبيرة في سبيل تحقيق أحلامهم في تنصير العالم عموماً، والمسلمين على وجه الخصوص، لكن حالهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] قد عقدوا من أجل هذه الغاية مؤتمرات عدة إقليمية وعالمية منذ قرن من الزمان وإلى الآن، توافد إليها المنصرون العاملون من كل مكان؛ لتبادل الآراء والمقترحات حول أنجع الوسائل وأهم النتائج، ورسموا لذلك الخطط، ووضعوا البرامج، فكان من وسائلهم: * إرسال البعثات التنصيرية إلى بلدان العالم الإسلامي، والدعوة إلى النصرانية من خلال توزيع المطبوعات من كتب ونشرات تعرف بالنصرانية، وترجمات للإنجيل، ومطبوعات للتشكيك في الإسلام والهجوم عليه، وتشويه صورته أمام العالم. * ثم اتجهوا أيضاً إلى التنصير بطرق مغلفة وأساليب غير مباشرة، ولعل من أخطر هذه الأساليب ما كان: عبر التطبيب: وتقديم الرعاية الصحية للإنسان، وقد ساهم في تأثير هذا الأسلوب، عامل الحاجة إلى العلاج، وكثرة انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة في البيئات الإسلامية خصوصاً، مع مرور زمن فيه ندرة الأطباء المسلمين، بل فقدانهم أصلاً في بعض البلاد الإسلامية. ومن تلك الأساليب أيضاً: التنصير عن طريق التعليم: وذلك إما بإنشاء المدارس والجامعات النصرانية صراحة، أو بفتح مدارس صبغة تعليمية بحتة في الظاهر، وكيد نصراني في الباطن، مما جعل فئاماً من المسلمين يلقون بأبنائهم في تلك المدارس، رغبة في تعلم لغة أجنبية، أو مواد خاصة أخرى، ولا تَسَلْ بعد ذلك عن حجم الفرصة التي يمنحها المسلمون للنصارى حين يهدونهم فلذات أكبادهم في سن الطفولة والمراهقة، حيث الفراغ العقلي والقابلية للتلقي، أيًّا كان الملْقي!! وأيًّا كان المُلقَى!! ومن أساليبهم كذلك: التنصير عبر وسائل الإعلام: وذلك من خلال الإذاعات الموجهة للعالم الإسلامي، إضافة إلى طوفان البث المرئي عبر القنوات الفضائية في السنوات الأخيرة، فضلاً عن الصحف والمجدلات والنشرات الصادرة بأعداد هائلة. . وهذه الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة كلها تشترك في دفع عجلة التنصير من خلال مسالك عدة: أ- الدعوة إلى النصرانية بإظهار مزاياها الموهومة والرحمة والشفقة بالعالم أجمع. ب- إلقاء الشبهات على المسلمين في عقيدتهم وشعائرهم وعلاقاتهم الدينية. جـ- نشر العري والخلاعة وتهييج الشهوات، بغية الوصول إلى انحلال المشاهدين، وهدم أخلاقهم، ودك عفتهم، وذهاب حيائهم، وتحويل هؤلاء المنحلين إلى عُبَّاد شهوات وطلاب متع رخيصة، فيسهل بعد ذلك دعوتهم إلى أي شيء، حتى لو كان إلى الردة والكفر بالله- والعياذ بالله- وذلك بعد أن خبت جذوة الإيمان في القلوب، وانهار حاجز الوازع الديني في النفوس. * وهناك وسائل أخرى للتنصير، وهذا مكرهم لإضلال المسلمين!! فما واجب المسلمين تجاه ذلك؟ وكيف يكون التصدي لتلك الهجمات الشرسة على الإسلام والمسلمين؟ لاشك أن المسئولية كبيرة ومشتركة بين المسلمين، أفراداً وجماعات، حكومات وشعوباً؛ للوقوف أمام هذا الزحف المسموم الذي يستهدف كل فرد من أفراد هذه الأمة المسلمة، كبيراً كان أو صغيراً، ذكراً أو أنثى، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ويمكننا القول في ما يجب أداؤه على سبيل الإجمال- مع التسليم بأن لكل حال وواقع ما يناسبه من الإجراءات والتدابير الشرعية- ما يلي: ١ - تأصيل العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين من خلال مناهج التعليم وبرامج التربية بصفة عامة، مع التركيز على ترسيخها في قلوب الناشئة خاصة، في المدارس ودور التعليم الرسمية والأهلية. ٢ - بث الوعي الديني الصحيح في طبقات الأمة جميعاً، وشحن النفوس بالغيرة على الدين وحرماته ومقدساته. ٣ - التأكيد على المنافذ التي يدخل منها النتاج التنصيري من أفلام ونشرات ومجلات وغيرها، بعدم السماح لها بالدخول، ومعاقبة كل من يخالف ذلك بالعقوبات الرادعة. ٤ - تبصير الناس وتوعيتهم بمخاطر التنصير وأساليب المنصرين، وطرائقهم؛ للحذر منها، وتجنب الوقوف في شباكها. ٥ - الاهتمام بجميع الجوانب الأساسية في حياة الإنسان المسلم، ومنها: الجانب الصحي والتعليمي على وجه الخصوص، إذ دلت الأحداث أنهما أخطر منفذين عَبَرَ من خلالهما النصارى إلى قلوب الناس وعقولهم. ٦ - أن يتمسك كل مسلم في أي مكان على وجه الأرض بدينه وعقيدته مهما كان الظروف والأحوال، وأن يقيم شعائر الإسلام في نفسه ومن تحت يده حسب قدرته واستطاعته، وأن يكون أهل بيته محصنين تحصيناً ذاتياً لمقاومة كل غزو ضدهم يستهدف عقيدتهم وأخلاقهم. ٧ - الحذر من قبل كل فرد وأسرة من السفر إلى بلاد الكفار، إلا لحاجة شديدة كعلاج أو علم ضروري لا يوجد في البلاد الإسلامية، مع الاستعداد لدفع الشبهات والفتنة في الدين الموجهة للمسلمين. ٨ - تنشيط التكافل الاجتماعي بين المسلمين والتعاون بينهم، فيراعي الأثرياء حقوق الفقراء، ويبسطوا أيديهم بالخيرات والمشاريع النافعة؛ لسد حاجات المسلمين، حتى لا تمتد إليهم أيدي النصارى الملوثة، مستغلة حاجتهم وفاقتهم. وختاماً: نسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجمع شمل المسلمين، وأن يؤلف قلوبهم، ويصلح ذات بينهم، ويهديهم إلى سبل السلام، وأن يحميهم من مكائد الأعداء، ويعيذهم من شرورهم، ويجنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه أرحم الراحمين. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واردد كيده في نحره، وأدِرُ عليه دائرة السوء، إنك على كل شيء قدير. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو عضو عضو نائب الرئيس الرئيس عبد الله بن عبد الرحمن الغديان بكر بن عبد الله أبو زيد صالح بن فوزان الفوزان عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز