Полный текст (602 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
لَهُمْ بِتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَتَعَجَّبُونَ مِنَ الْأَحْيَاءِ أَنَّهُمْ يُضَيِّعُونَ أَيَّامَهُمْ فِي الْغَفْلَةِ وَالْبَطَالَةِ.
يَا أَخِي فَلَا تُضَيِّعْ أَيَّامَكَ فَإِنَّهَا رَأْسُ مَالِكَ، فَإِنَّكَ مَا دُمْتَ قَادِرًا عَلَى رَأْسِ مَالِكَ قَدِرْتَ عَلَى الرِّبْحِ، لِأَنَّ بِضَاعَةَ الْآخِرَةَ كَاسِدَةٌ فِي يَوْمِكَ هَذَا، فَاجْتَهِدْ حَتَّى تَجْمَعَ بِضَاعَةَ الْآخِرَةِ كَاسِدَةً فِي وَقْتِ الْكَسَادِ، فَإِنَّهُ يَجِئُ يَوْمٌ تَصِيرُ هَذِهِ الْبِضَاعَةُ فِيهِ عَزِيزَةً، فَاسْتَكْثِرْ مِنْهَا فِي يَوْمِ الْكَسَادِ لِيَوْمِ الْعِزِّ، فَإِنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى طَلَبِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلِاسْتِعْدَادِ لِيَوْمِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، وَلَا يَجْعَلَنَا مِنَ النَّادِمِينَ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الرَّجْعَةَ، فَلَا يُقَالُونَ وَيُسَهِّلَ عَلَيْنَا سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَشِدَّةَ الْقَبْرِ، وَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ آمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَإِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
стр. 37
بَابُ: أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَأَفْزَاعِهَا
٤٣ - أَخْبَرَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَنْصُورِ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ الصَّالِحَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ لَهْيَعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَعَنْهُمْ , قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَذْكُرُ الْحَبِيبُ حَبِيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «أَمَّا عِنْدَ ثَلَاثِ مَوَاضِعَ فَلَا، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ إِمَّا أَنْ يَخْفُفَ وَإِمَّا أَنْ يَثْقُلَ، وَعِنْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ، إِمَّا أَنْ يُعْطَى بِيَمِينِهِ وَإِمَّا أَنْ يُعْطَى بِشِمَالِهِ، وَحِينَ يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ، فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، وُكِّلْتُ بِمَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ حَتَّى يَرْمِيَ بِهِمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ، وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ، وَكَالرِّيحِ الْعَاصِفِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ مُثَلَّمٌ وَمَكْبُوبٌ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ»
٤٤ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مَاءً مِنَ السَّمَاءِ كَمَنِيِّ الرِّجَالِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ»
стр. 38
٤٥ - وَأَخْبَرَنِي الثِّقَةُ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، خَلَقَ الصُّورَ فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ» .
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الصُّورُ؟ قَالَ: «قَرْنٌ مِنْ نُورٍ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: «عَظِيمُ الدَّارَةِ.
وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيًّا، لَعِظَمُ دَارَتِهِ كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يُنْفَخُ فِيهِ ثَلَاثَ نَفْخَاتٍ» .
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ نَفْخَتَانِ، نَفْخَةٌ لِلْهَلَاكِ وَنَفْخَةٌ لِلْبَعْثِ.
وَفِي رِوَايَةِ كَعْبٍ نَفْخَتَانِ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، ثَلَاثُ نَفْخَاتٍ نَفْخَةٌ لِلْفَزَعِ، وَنَفْخَةٌ لِلصَّعْقِ، وَنَفْخَةٌ لِلْبَعْثِ.
فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى، فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَفْزَعُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ.
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى، ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] ، وَتَتَزَلْزَلُ الْأَرْضُ وَتَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، وَتَصِيرُ الْوِلْدَانِ شَيْبًا وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً.
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١-٢] ، فَيَمْكُثُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيُصْعَقُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ.
يَعْنِي يَمُوتُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَعْنِي بِهِ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ، وَقِيلَ يَعْنِي بِهِ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمَلَكَ الْمَوْتِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ مَنْ بَقِيَ مِنْ خَلْقِي؟ وَهُوَ
стр. 39
أَعْلَمُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنْتَ حَيٌّ لَا تَمُوتُ؛ بَقِيَ جِبْرِيلُ وَإِسْرَائِيلُ وَحَمَلَةُ عَرْشِكَ، وَبَقِيتُ أَنَا، فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ.
هَكَذَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ وَرِوَايَةِ مُقَاتِلٍ
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , أَنَّ اللَّهَ , يَقُولُ: لِيَمُتْ جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَلْيَمُتْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ : يَا مَلَكَ الْمَوْتِ مَنْ بَقِيَ مِنْ خَلْقِي؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ الْحَيُّ لَا تَمُوتُ.
وَبَقِيَ عَبْدُكَ الضَّعِيفُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَيَقُولُ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَأَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي، خَلَقْتُكَ لَمَّا رَأَيْتُ فَمُتْ فَيَمُوتُ.
وَرُوِيَ خَبَرٌ آخَرُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يَقْبِضَ رُوحَ نَفْسِهِ، فَيَجِئُ إِلَى مَوْضِعٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيَنْزِعُ رُوحَهُ بِنَفْسِهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً , لَوْ كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ أَحْيَاءَ لَمَاتُوا مِنْ صَيْحَتِهِ، وَيَقُولُ لَوْ كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ لِنَزْعِ الرُّوحِ مِثْلُ هَذِهِ الشِّدَّةِ وَالْمَرَارَةِ، لَكُنْتُ عَلَى قَبْضِ أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ أَشَدَّ شَفَقَةً، ثُمَّ يَمُوتُ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَيْنَ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ، أَيْنَ الْجَبَابِرَةُ وَأَيْنَ أَبْنَاءُ الْجَبَابِرَةِ، وَأَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يَأْكُلُونَ خَيْرِي وَيَعْبُدُونَ غَيْرِي.
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، فَلا يُجِيبُهُ أَحَدٌ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ، فَتُمْطِرَ السَّمَاءُ كَمَنِيِّ الرِّجَالِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، حَتَّى يَكُونَ الْمَاءُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَيُنْبِتُ اللَّهُ الْخَلْقَ بِذَلِكَ الْمَاءِ، كَنَبَاتِ الْبَقْلِ حَتَّى تَتَكَامَلَ أَجْسَامُهُمْ، فَتَعُودُ كَمَا كَانَتْ.
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِيَحْيَى إِسْرَافِيلُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ، فَيَحْيَوْنَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ، فَيَأْخُذُ الصُّورَ وَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ لِيَحْيَى جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَيَحْيَيَانِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَدْعُو اللَّهُ تَعَالَى الْأَرْوَاحَ فَيُؤْتَى بِهَا فَيَجْعَلُهَا فِي الصُّورِ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الْبَعْثِ، فَتَخْرُجُ الْأَرْوَاحُ كَأَنَّهَا النَّحْلُ قَدْ مَلَأَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَتَدْخُلُ الْأَرْوَاحُ فِي الْأَرْضِ إِلَى الْأَجْسَادِ، فِي الْخَيَاشِيمِ فَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُمْ.
стр. 40
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» .
٤٦ - وَفِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحْيَا جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَيَنْزِلُونَ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُمُ الْبُرَاقُ وَحُلَلٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَيَنْظُرُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: «يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا الْيَوْمُ» ؟ فَيَقُولُ هَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ، هَذَا يَوْمُ الْحَاقَّةِ، هَذَا يَوْمُ الْقَارِعَةِ، فَيَقُولُ: «يَا جِبْرِيلُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِأُمَّتِي» فَيَقُولُ جِبْرِيلُ أَبْشِرْ فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ.
ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ فَيَنْفُخُ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ.
رَجَعْنَا إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , قَالَ: فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا سِرَاعًا إِلَى رَبِّهِمْ، يَنْسِلُونَ يَعْنِي يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ حُفَاةً عُرَاةً، ثُمَّ يَقِفُونَ مَوْقِفًا وَاحِدًا، مِقْدَارَ سَبْعِينَ عَامًا، لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ، فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ ثُمَّ يَبْكُونَ دَمًا وَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِأَنْ يُلْجِمَهُمْ، وَأَنْ يَبْلُغَ الْأَذْقَانَ، ثُمَّ يَدْعُونَ إِلَى الْمَحْشَرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] أَي نَاظِرِينَ قَاصِدِينَ مُسْرِعِينَ.
فَإِذَا اجْتَمَعَ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ، الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَغَيْرُهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ وُقُوفٌ إِذْ سَمِعُوا حِسًّا مِنَ السَّمَاءِ شَدِيدًا، فَهَالَهُمْ ذَلِكَ فَتَنْشَقُّ السَّمَاءُ وَتَنْزِلُ مَلَائِكَةُ سَمَاءِ الدُّنْيَا، كَمَثَلِ مَنْ فِي الْأَرْضِ فَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ، فَقَالَ لَهُمُ النَّاسُ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ يَعْنِي أَفِيكُمْ أَمَرَ رَبُّنَا بِالْحِسَابِ، قَالُوا: لَا وَهُوَ يَأْتِي.
يَعْنِي يَأْتِي بِأَمْرِهِ بِالْحِسَابِ، ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَيَقُومُونَ صَفًّا خَلْفَ أَهْلِ سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، حَتَّى تَنْزِلَ مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، عَلَى قَدْرِ التَّضْعِيفِ وَيَقُومُونَ حَوْلَ أَهْلِ الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الضَّحَّاكِ , قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ سَمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَنْشَقُّ بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَنْزِلُونَ، فَيُحِيطُونَ بِالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهَا، ثُمَّ الثَّانِيَةَ وَمَنْ فِيهَا، ثُمَّ الثَّالِثَةَ وَمَنْ فِيهَا، ثُمَّ الرَّابِعَةَ وَمَنْ فِيهَا،
стр. 41
ثُمَّ الْخَامِسَةَ وَمَنْ فِيهَا، ثُمَّ السَّادِسَةَ وَمَنْ فِيهَا، ثُمَّ السَّابِعَةَ وَمَنْ فِيهَا، حَتَّى يَكُونُوا سَبْعَ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، بَعْضُهُمْ فِي جَوْفِ بَعْضٍ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ لَا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنْ أَقْطَارِهَا إِلَّا وَجَدُوا عِنْدَهُ سَبْعَ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] ، وَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ [الفرقان: ٢٥] .
٤٧ - وَرَوَى أَبُوَ هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِّي نَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ أعَمَالُكُمْ فِي صُحُفِكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ "، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى جَهَنَّمَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ طَوِيلٌ سَاطِعٌ مُظْلِمٌ مُتَكَلِّمًا، فَيَقُولُ اللَّهُ ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٦٠﴾ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦١﴾ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴿٦٢﴾ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٦٣﴾ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٠-٦٤] ، فَتَجْثُو الْأُمَمُ.
وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨] الْآيَةَ.
فَيَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ خَلْقِهِ، وَيَقْضِي بَيْنَ الْوُحُوشِ، وَالْبَهَائِمِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَنْتَقِمُ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ ذَاتِ الْقَرْنِ، ثُمَّ يَقُولُ كُونِي تُرَابًا.
فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا.
ثُمَّ يَقْضِي بَيْنَ الْعِبَادِ.
٤٨ - وَرَوَى نَافِعٌ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ، حُفَاةً عُرَاةً» ، فَقَالَتْ عَائِشَةٌ ﵂ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، قَالَ: «نَعَمْ» فَقَالَتْ عَائِشَةٌ وَاسَوْأَتَاهُ! يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.
فَضَرَبَ عَلَى مِنْكَبِهَا وَقَالَ: " يَا ابْنَةَ أَبِي قُحَافَةَ، شُغِلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّظَرِ، وَشَخَصُوا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ مَوْقُوفِينَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْعَرَقُ قَدَمَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ بَطْنَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا مِنْ طُولِ الْوُقُوفِ، ثُمَّ تَقُومُ الْمَلَائِكَةُ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى مُنَادِيًا يُنَادِي أَيْنَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانَةٍ، فَيُشْرِفُ النَّاسُ أَيْ فَيَرْفَعُ النَّاسُ رُؤُوسَهُمْ لِذَلِكَ الصَّوْتِ، وَيَخْرُجُ ذَلِكَ الْمُنَادِي مِنْ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ، فَإِذَا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ
стр. 42
الْعَالَمِينَ قِيلَ: أَيْنَ أَصْحَابُ الْمَظَالِمِ، فَيُنَادِي رَجُلًا رَجُلًا، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَتُدْفَعُ إِلَى مَنْ ظَلَمَهُ، فَيَوْمَئِذٍ لَا دِينَارَ وَلَا دِرْهَمَ إِلَّا أُخِذَ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَرُدَّ مِنَ السَّيِّئَاتِ، فَلَا يَزَالُونَ يَسْتَوْفُونَ مِنْ حَسَنَاتِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ حَسَنَةٌ، فَيُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَيْهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَسَنَاتِهِ قِيلَ لَهُ ارْجِعْ إِلَى أُمِّكَ الْهَاوِيَةِ، أَيْ جَهَنَّمَ، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ يَعْنِي سَرِيعُ الْمُجَازَاةِ، فَلَا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا شَهِيدٌ إِلَّا ظَنَّ لِمَا يَرَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ أَنْ لَا يَنْجُوَ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ".
٤٩ - وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَزُولَ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعَةٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ".
وَعَنْ عِكْرِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: إِنَّ الْوَالِدَ يَتَعَلَّقُ بِوَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي كُنْتُ لَكَ وَالِدًا فِي الدُّنْيَا، وَأَبًا لَكَ، فَيُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهُ يَا بُنَيَّ قَدِ احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ، لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَى، فَيَقُولُ لَهُ وَلَدُهُ إِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَى نَفْسِي مِثْلَ الَّذِي تَخَوَّفْتَ، فَلَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا.
ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ فَيَقُولُ لَهَا يَا فُلَانَةٌ، إِنِّي كُنْتُ لَكِ زَوْجًا فِي الدُّنْيَا، فَتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهَا إِنِّي أَطْلُبُ مِنْكِ حَسَنَةً وَاحِدَةً تُهْدِيهَا لِي، لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ، فَتَقُولُ لَا أُطِيقُ ذَلِكَ، إِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَى نَفْسِي مِثْلَ الَّذِي تَخَوَّفْتَ مِنْهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] ، يَعْنِي الَّذِي أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ، لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ ذُنُوبِهِ.
٥٠ - وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْكَافِرَ لَيُلْجَمُ بِعَرَقِهِ مِنْ طُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، حَتَّى يَقُولَ يَا رَبِّ ارْحَمْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ»
стр. 43
٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُؤَمِّلٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ , بِإِسْنَادِهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا كَانَتْ لَهُ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَعَجَّلَهَا فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي اسْتَخْبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا وَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ , وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَحْتَهُ آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَا فَخْرَ» .
ثُمَّ قَالَ: " يَشْتَدُّ يَوْمُ الْقِيَامَةِ غَمُّهُ وَكَرْبُهُ فِي النَّاسِ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇، فَيَقُولُونَ لَهُ: يَا أَبَا الْبَشَرِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ لِيَقْضِيَ بَيْنَنَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكَ إِنِّي قَدْ أُخْرِجْتُ مِنَ الْجَنَّةِ بِخَطِيئَتِي وَلَيْسَ يُهِمُّنِي الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِنُوحٍ فَإِنَّهُ أَوَّلُ الْمُرْسَلِينَ، فَيَأْتُونَ نُوحًا ﵇ يَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ لِيَقْضِيَ بَيْنَنَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكَ إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ دَعْوَةً أَغْرَقْتُ بِهَا أَهْلَ الْأَرْضِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ يُهِمُّنِي الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، وَلَكِنِ ائْتُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ لِيَقْضِيَ بَيْنَنَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكَ، إِنِّي قَدْ كَذَبْتُ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ ".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَالثَّلَاثَةُ جَادَلَ بِهِنَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، إِحْدَاهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ﴿٨٨﴾ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨-٨٩] ، وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] ، وَالثَّالِثَةُ، قَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ: إِنَّهَا أُخْتِي، وَلَيْسَ يُهِمُّنِي الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ لِيَقْضِيَ بَيْنَنَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكَ إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنِّي لَا يُهِمُّنِي الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى رُوحَ اللَّهِ، وَكَلِمَتَهُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ لِيَقْضِيَ بَيْنَنَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكَ إِنِّي اتُّخِذْتُ أَنَا وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَإِنِّي لَا يُهِمُّنِي الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي.
وَلَكِنْ أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِأَحَدِكُمْ بِضَاعَةٌ فَجَعَلَهَا فِي كِيسٍ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا أَكَانَ يَصِلُ إِلَى مَا فِي الْكِيسِ حَتَّى يَفُضَّ الْخَتْمَ "؟ فَيَقُولُونَ: لَا.
стр. 44
فَيَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خُتِمَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَقَدْ وَافَى الْيَوْمَ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ، ائْتُوهُ "، قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " فَيَأْتِينِي النَّاسُ فَأَقُولُ: نَعَمْ، أَنَا لَهَا أَنَا لَهَا، حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى، فَيَلْبَثُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ خَلْقِهِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ، فَنَحْنُ الْآخِرُونَ، الْأَوَّلُونَ.
يَعْنِي آخِرَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَأَوَّلَهُمْ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَقُومُ أَنَا وَأُمَّتِي فَيُفَرِّجُ الْأُمَمُ عَنْ طَرِيقِنَا، فَنَمُرُّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الطُّهُورِ.
وَيَقُولُ لَنَا النَّاسُ: كَادَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا أَنْبِيَاءَ.
ثُمَّ أَتَقَدَّمُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ , فَيُفْتَحُ لِي فَأَدْخُلُ، وَأَخِرُّ لِرَبِّي سَاجِدًا، وَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي وَلَا يَحْمَدُهُ أَحَدٌ بِهَا بَعْدِي.
فَيُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَشْفَعُ لِمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ أَوْ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ يَعْنِي مِنَ الْيَقِينِ، مَعَ شِهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ , أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: خَوِّفْنَا يَا كَعْبَ الْأَحْبَارِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ للَّهِ مَلَائِكَةً قِيَامًا مِنْ يَوْمِ خَلَقَهُمُ اللَّهُ، مَا ثَنَوْا أَصْلَابَهُمْ، وَآخَرِينَ سَجَدُوا مَا رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ فَيَقُولُونَ جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَحَقَّ مَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُعْبَدَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ جَهَنَّمَ لَتَقْرَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، حَتَّى إِذَا دَنَتْ وَقَرُبَتْ، زَفَرَتْ زَفْرَةً فَلَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ وَلَا شَهِيدٌ إِلَّا جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ سَاقِطًا يَقُولُ كُلُّ نَبِيٍّ وَكُلُّ صِدِّيقٍ وَكُلُّ شَهِيدٍ، يَا رَبِّ لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي.
وَيَنْسَى إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا خَلِيلُكَ إِبْرَاهِيمُ.
فَلَوْ كَانَ لَكَ يَابْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَئِذٍ عَمَلُ سَبْعِينَ نَبِيًّا لَظَنَنْتَ أَنَّكَ لَا تَنْجُو.
فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى شَجَوْا.
فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ ﵁ ذَلِكَ قَالَ: يَا كَعْبُ بَشِّرْنَا فَقَالَ:
стр. 45
أَبْشِرُوا فَإِنَّ للَّهِ تَعَالَى ثَلاثَ مِائَةً وَثَلَاثَ عَشْرَةَ شَرِيعَةً لَا يَأْتِي الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَعَ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ كُنْهَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَأَبْطَأْتُمْ فِي الْعَمَلِ.
يَا أَخِي اسْتَعِدَّ لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالِاجْتِنَابِ عَنِ الْمَعَاصِي، فَإِنَّكَ عَنْ قَرِيبٍ تُعَايِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَنْدَمُ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ أَيَّامِ عُمْرِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا مُتَّ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُكَ.
كَمَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ الْقِيَامَةَ الْقِيَامَةَ، إِنَّمَا قِيَامَةُ أَحَدِكُمْ مَوْتُهُ.
وَذُكِرَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ , أَنَّهُ كَانَ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ عَلَى الْقَبْرِ فَلَمَّا دُفِنَ قَالَ: أَمَّا هَذَا الْعَبْدُ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ فَقَدْ عَايَنَ أَمْرَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُ يَرَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالْمَلَائِكَةَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَضَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَخُتِمَ عَلَى عَمَلِهِ بِالْمَوْتِ، فَيَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ.
فَطُوبَى لِمَنْ كَانَتْ خَاتِمَتُهُ بِالْخَيْرِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ: الدُّوَلُ ثَلَاثٌ: دَوْلَةُ الْحَيَاةِ وَدَوْلَةٌ عِنْدَ الْمَوْتِ وَدَوْلَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَأَمَّا دَوْلَةُ الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ يَعِيشُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا دَوْلَتُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ بِأَنْ تَخْرُجَ رُوحُهُ مَعَ شِهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَمَّا الدَّوْلَةُ الصَّحِيحَةُ فَدَوْلَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْبُشْرَى فَحِينَ يَخْرُجُ مِنْ قَبْرِهِ يَأْتِيهِ الْبَشِيرُ بِالْجَنَّةِ وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ ﵀ , أَنَّهُ قُرِئَ فِي مَجْلِسِهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] ، أَيْ رُكْبَانًا.
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] ، يَعْنِي مُشَاةً عِطَاشًا.
فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَهْلًا مَهْلًا غَدًا تُحْشَرُونَ إِلَى الْمَوْقِفِ، حَشْرًا حَشْرًا، وَتَأْتُونَ مِنَ الْأَطْرَافِ فَوْجًا فَوْجًا، وَتُوقَفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَرْدًا فَرْدًا، وَتُسْأَلُونَ عَمَّا فَعَلْتُمْ حَرْفًا حَرْفًا، وَتُقَادُ الْأَوْلِيَاءُ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَفْدًا، وَيُرَدُّ الْعَاصُونَ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ وِرْدًا وِرْدًا، وَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ حِزْبًا حِزْبًا، وَكُلُّ هَذَا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا.
وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وَيُجَاءُ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ وَيْلًا وَيْلًا.
стр. 46
إِخْوَانِي، الْوَيْلُ لَكُمْ مِنْ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ يَوْمَ الرَّاجِفَةِ، يَوْمَ الْآزِفَةِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ، فَذَلِكَ يَوْمٌ عَظِيمٌ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ يَوْمُ الْمُنَاقَشَةِ وَيَوْمُ الْمُحَاسَبَةِ وَيَوْمُ الْمُوَازَنَةِ وَيَوْمُ الْمُسَاءَلَةِ وَيَوْمُ الزَّلْزَلَةِ وَيَوْمُ الصَّيْحَةِ وَيَوْمُ الْحَاقَّةِ وَيَوْمُ الْقَارِعَةِ وَيَوْمُ النُّشُورِ، وَيَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، وَيَوْمَ التَّغَابُنِ، وَيَوْمَ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وَيَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا، وَيَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، وَيَوْمَ لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا، يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا، أَيْ مُنْتَشِرًا، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ، وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ، يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا، يَوْمَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى , وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: تَقِفُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةَ سَنَةٍ فِي الْعَرَقِ مُلَجَّمُونَ، وَمِائَةَ سَنَةٍ فِي الظُّلْمَةِ مُتَحَيِّرُونَ، وَمِائَةَ سَنَةٍ يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَخْتَصِمُونَ.
وَيُقَالُ: إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِقْدَارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ لَيَمْضِي عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمُخْلِصِ كَمَا يَمْضِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ، فَعَلَيْكَ أَيُّهَا الْعَاقِلُ بِأَنْ تَصْبِرَ عَلَى شَدَائِدِ الدُّنْيَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لِيَسْهُلَ عَلَيْكَ الشَّدَائِدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
стр. 47
بَابُ: صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا
٥٢ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ , قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ أُخْرَى حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ»
وَرُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ , أَنَّهُ كَانَ لَا تَنْقَطِعُ دُمُوعُ عَيْنَيْهِ وَلَا يَزَالُ بَاكِيًا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْعَدَنِي بِأَنِّي لَوْ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا لَحَبَسَنِي فِي الْحُمَّى أَبَدًا لَكَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ لَا تَنْقَطِعَ دُمُوعِي، فَكَيْفَ وَقَدْ أَوْعَدَنِي أَنْ يَحْبِسَنِي فِي نَارٍ قَدْ أُوقِدَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ , قَالَ: «إِنَّ لِجَهَنَّمَ جَبَّانًا فِيهَا حَيَّاتٌ كَأَمْثَالِ أَعْنَاقِ الْبُخْتِ، وَعَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ الدُّهْمِ، فَيَهْرَبُ أَهْلُ النَّارِ إِلَى تِلْكَ الْحَيَّاتِ فَيَأْخُذُونَ بِشِفَاهِهِنَّ فَيَكْشُطْنَ مَا بَيْنَ الشَّعْرِ إِلَى الظُّفْرِ فَمَا يُنَجِّيهِمْ مِنْهَا إِلَّا الْهَرَبُ إِلَى النَّارِ»
٥٣ - وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ فِي
стр. 48
النَّارِ حَيَّاتٍ مِثْلَ أَعْنَاقِ الْإِبِلِ، تَلْسَعُ أَحَدَهُمْ لَسْعَةً يَجِدُ حُمَّتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا وَإِنَّ فِي النَّارِ لَعَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ، تَلْسَعُ أَحَدَهُمْ لَسْعَةً يَجِدُ حُمَّتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» .
٥٤ - وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ النَّارِ، وَلَوْلَا أَنَّهَا ضُرِبَتْ فِي الْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ لَمَا انْتَفَعْتُمْ مِنْهَا بِشَيْءٍ» .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ تَتَعَوَّذُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ.
٥٥ - وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا لَرَجُلٌ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَأَنَّهُ مِرْجَلٌ، مَسَامِعُهُ جَمْرٌ، وَأَضْرَاسُهُ جَمْرٌ، أَشْفَارُهُ لَهَبُ النِّيرَانِ وَتَخْرُجُ أَحْشَاءُ بَطْنِهِ مِنْ قَدَمَيْهِ، وَإِنَّهُ لَيَرَى أَنَّهُ أَشَدُّ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، وَإِنَّهُ أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا»
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأَنَا أَبُو حَفْصِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵃ , قَالَ: " إِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَدْعُونَ مَالِكًا فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ عَامًا، ثُمَّ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ يَعْنِي دَائِمُونَ أَبَدًا، ثُمَّ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ.
فَلَا يُجِيبُهُمْ مِقْدَارَ مَا كَانَتِ الدُّنْيَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يُرَدُّ عَلَيْهِمُ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ.
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا يَنْطِقُ الْقَوْمُ بَعْدَهَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ فِي النَّارِ، تَشْبِهُ أَصْوَاتُهُمْ أَصْوَاتَ الْحُمُرِ أَوَّلُهُ زَفِيرٌ وَآخِرُهُ شَهِيقٌ ".
стр. 49
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَا قَوْمُ هَلْ لَكُمْ مِنْ هَذَا بُدٌّ أَمْ هَلْ لَكُمْ عَلَى هَذَا صَبْرٌ، يَا قَوْمُ طَاعَةُ اللَّهِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فَأَطِيعُوهُ وَيُقَالُ إِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَجْزَعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: كُنَّا فِي الدُّنْيَا إِذَا صَبَرْنَا كَانَ لَنَا الْفَرَجُ فَيَصْبِرُونَ أَلْفَ سَنَةٍ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُونَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ، فَيَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى الْغَيْثَ أَلْفَ سَنَةٍ لِمَا بِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ وَشِدَّةِ الْعَذَابِ، لِكَيْ يَزُولَ عَنْهُمْ بَعْضُ الْحَرَارَةِ وَالْعَطَشِ فَإِذَا تَضَرَّعُوا أَلْفَ سَنَةٍ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِجِبْرِيلَ: أَيَّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ، فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: يَا رَبِّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِمْ، إِنَّهُمْ يَسْأَلُونَ الْغَيْثَ، فَتَظْهَرُ لَهُمْ سَحَابَةٌ حَمْرَاءُ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُمْطَرُونَ، فَتُرْسَلُ عَلَيْهِمُ الْعَقَارِبُ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ، فَتَلْدَغُ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ فَلَا يَذْهَبُ عَنْهُ الْوَجَعُ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى أَلْفَ سَنَةٍ أَنْ يَرْزُقَهُمُ الْغَيْثَ، فَتَظْهَرُ لَهُمْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ، فَيَقُولُونَ: هَذِهِ سَحَابَةُ الْمَطَرِ، فَتُرْسَلُ عَلَيْهِمُ الْحَيَّاتُ كَأَعْنَاقِ الْإِبِلِ، كُلَّمَا لَسَعَتْ لَسْعَةً لَا يَذْهَبُ وَجَعُهَا أَلْفَ سَنَةٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] ، يَعْنِي مَا كَانُوا يَكْفُرُونَ وَيَعْصُونَ اللَّهَ تَعَالَى، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَنَالَ ثَوَابَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى شَدَائِدِ الدُّنْيَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجْتَنِبَ الْمَعَاصِي وَشَهَوَاتِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ، وَأُنْشِدَ:
وَفِي الشَّيْبِ مَا يَنْهَى الْحَلِيمَ عَنِ الصِّبَا ... إِذَا اسْتَوْقَدَتَ نِيرَانُهُ فِي عِذَارِهِ
أَرَى امْرَأً يَرْجُو الْعَيْشَ غِبْطَةً ... إِذَا اصْفَرَّ عُودُ الزَّرْعِ بَعْدَ اخْضِرَارِهِ
تَجَنَّبْ لِخِدْنِ السُّوءِ وَاحْذَرْ وِصَالَهُ ... وَإِنْ لَمْ تُطِقْ عَنْهُ مَحِيصًا فَدَارِهِ
وَجَاوِرْ قَرِينَ الصِّدْقِ وَاحْذَرْ مِرَاءَهُ ... تَنَلْ مِنْهُ صَفْوَ الْوُدِّ مَا لَمْ تُمَارِهِ
وَجَاوِرْ إِذَا جَاوَرْتَ حُرًّا أَوِ امْرَأً ... كَرِيمًا كَرِيمُ الْجِدِّ تَعْلُو بِجَارِهِ
فَمَنْ يَصْنَعِ الْمَعْرُوفَ مَعَ غَيْرِ أَهْلِهِ ... يَجِدْهُ وَرَاءَ الْبَحْرِ أَوْ فِي قَرَارِهِ
وَللَّهِ فِي عَرْضِ السَّمَوَاتِ جَنَّةٌ ... وَلَكِنَّهَا مَحْفُوفَةٌ بِالْمَكَارِهِ
٥٧ - وَبِإِسْنَادِهِ ,قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " دَعَا اللَّهُ جِبْرِيلَ فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَمَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا.
فَرَجَعَ وَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا.
فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا وَانْظُرْ إِلَيْهَا وَمَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّارِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَمَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَرَجِعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ
стр. 50
سَمِعَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَقَالَ: عُدْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَرَجَعَ وَقَالَ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا "
٥٨ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «اذْكُرُوا مِنَ النَّارِ مَا شِئْتُمْ؛ فَلَا تَذْكُرُونَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا وَهِيَ أَشَدُّ مِنْهُ»
وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي , قَالَ: أَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا مُوسَى بْنُ نَصْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ , أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] وَضَعَ سَلْمَانُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَخَرَجَ هَارِبًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ حَتَّى جِيءَ بِهِ
٥٩ - وَرَوَى يَزِيدُ الرُّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي سَاعَةٍ مَا كَانَ يَأْتِيهِ فِيهَا مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا لِي أَرَاكَ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ؟» فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ جِئْتُكَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِمَنَافِخِ النَّارِ أَنْ تُنْفَخَ فِيهَا، وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ جَهَنَّمَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ وَأَنَّ عَذَابَ اللَّهِ أَكْبَرُ أَنْ تَقَرَّ عَيْنُهُ حَتَّى يَأْمَنَهَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا جِبْرِيلُ صِفْ لِي جَهَنَّمَ» قَالَ: نَعَمْ.
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ جَهَنَّمَ أَوْقَدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ فَاحْمَرَّتْ، ثُمَّ أَوْقَدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ فَابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ فَاسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ لَا يَنْطَفِئُ لَهَبُهَا، وَلَا جَمْرُهَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ مِثْلَ خُرْمِ إِبْرَةٍ فُتِحَ مِنْهَا لَاحْتَرَقَ أَهْلُ الدُّنْيَا عَنْ آخِرِهِمْ مِنْ حَرِّهَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ ثَوْبًا مِنْ أَثْوَابِ أَهْلِ النَّارِ عُلِّقَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَمَاتَ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ نَتَنِهَا وَحَرِّهَا عَنْ آخِرِهِمْ، لِمَا يَجِدُونَ مِنْ حَرِّهَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، لَوْ أَنَّ ذِرَاعًا مِنَ السِّلْسِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَذَابَ حَتَّى يَبْلُغَ الْأَرْضَ السَّابِعَةَ.
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَوْ أَنَّ رَجُلًا بِالْمَغْرِبِ يُعَذَّبُ، لَاحْتَرَقَ الَّذِي بِالْمَشْرِقِ مِنْ شِدَّةِ عَذَابِهَا، حَرُّهَا شَدِيدٌ
стр. 51
وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ وَحُلِيُّهَا حَدِيدٌ وَشَرَابُهَا الْحَمِيمُ وَالصَّدِيدُ وَثِيَابُهَا مُقَطَّعَاتٌ.
النِّيرَانُ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ.
لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَقَالَ ﷺ : «أَهِيَ كَأَبْوَابِنَا هَذِهِ؟» قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهَا مَفْتُوحَةٌ، بَعْضُهَا أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ.
مِنْ بَابٍ إِلَى بَابٍ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ سَنَةً، كُلُّ بَابٍ مِنْهَا أَشَدُّ حَرًّا مِنَ الَّذِي يَلِيهِ سَبْعِينَ ضِعْفًا، يُسَاقُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَيْهَا فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَى بَابِهَا اسْتَقْبَلَتْهُمُ الزَّبَانِيَةُ بَالْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتُسْلَكُ السِّلْسِلَةُ فِي فَمِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ، وَتُغَلُّ يَدُهُ الْيُسْرَى إِلَى عُنُقِهِ وَتَدْخُلُ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي فُؤَادِهِ وَتُنْزَعُ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، وَتُشَدُّ بِالسَّلَاسِلِ وَيُقْرَنُ كُلُّ آدَمِيٍّ مَعَ شَيْطَانٍ فِي سِلْسِلَةٍ، وَيُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ وَتَضْرِبُهُ الْمَلَائِكَةُ، بِمَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا.
فَقَالَ ﷺ : «مَنْ سُكَّانُ هَذِهِ الْأَبْوَابِ؟» فَقَالَ أَمَّا الْبَابُ الْأَسْفَلُ فَفِيهِ الْمُنَافِقُونَ وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ وَآلِ فِرْعَوْنَ، وَاسْمُهَا الْهَاوِيَةُ، وَالْبَابُ الثَّانِي فِيهِ الْمُشْرِكُونَ وَاسْمُهُ الْجَحِيمُ، وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِيهِ الصَّابِئُونَ وَاسْمُهُ سَقَرٌ، وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِيهِ إِبْلِيسُ وَمَنْ تَبِعَهُ وَالْمَجُوسُ وَاسْمُهُ لَظَى، وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِيهِ الْيَهُودُ وَاسْمُهُ الْحُطَمَةُ، وَالْبَابُ السَّادِسُ فِيهِ النَّصَارَى وَاسْمُهُ السَّعِيرُ، ثُمَّ أَمْسَكَ جِبْرِيلُ حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَقَالَ لَهُ ﵊: «أَلَا تُخْبِرُنِي مَنْ سُكَّانُ الْبَابِ السَّابِعِ؟» فَقَالَ: فِيهِ أَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ مَاتُوا وَلَمْ يَتُوبُوا، فَخَرَّ النَّبِيُّ ﷺ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ رَأْسَهُ عَلَى حِجْرِهِ حَتَّى أَفَاقَ قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ عَظُمَتْ مُصِيبَتِي وَاشْتَدَّ حُزْنِي أَوَ يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي النَّارَ» قَالَ: نَعَمْ أَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِكَ.
ثُمَّ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَكَى جِبْرِيلُ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلَهُ وَاحْتَجَبَ عَنِ النَّاسِ.
فَكَانَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا إِلَى الصَّلَاةِ يُصَلِّي وَيَدْخُلُ وَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا وَيَأْخُذُ فِي الصَّلَاةِ وَيَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ حَتَّى وَقَفَ بِالْبَابِ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ الرَّحْمَةِ، هَلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَبِيلٍ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَتَنَحَّى بَاكِيًا، فَأَقْبَلَ عُمَرُ ﵁، فَوَقَفَ بِالْبَابِ وَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ الرَّحْمَةِ هَلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَبِيلٍ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ،
стр. 52
فَتَنَحَّى وَهُوَ يَبْكِي، فَأَقْبَلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَتَّى وَقَفَ بِالْبَابِ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ الرَّحْمَةِ، هَلْ إِلَى مَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَبِيلٍ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَأَقْبَلَ يَبْكِي مَرَّةً وَيَقَعُ مَرَّةً، وَيَقُومُ أُخْرَى حَتَّى أَتَى بِبَيْتِ فَاطِمَةَ وَوَقَفَ بِالْبَابِ، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ غَائِبًا، فَقَالَ يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ احْتَجَبَ عَنِ النَّاسِ فَلَيْسَ يَخْرُجُ إِلَّا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا وَلَا يَأْذَنُ لِأَحَدٍ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ، فَاشْتَمَلَتْ فَاطِمَةُ بِعَبَاءَةٍ قُطْوَانِيَّةٍ وَأَقْبَلَتْ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ سَلَّمَتْ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فَاطِمَةُ.
وَرَسُولُ اللَّهِ سَاجِدٌ يَبْكِي، فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: «مَا بَالُ قُرَّةِ عَيْنِي فَاطِمَةَ حُجِبَتْ عَنِّي افْتَحُوا لَهَا الْبَابَ» فَفُتِحَ لَهَا الْبَابُ، فَدَخَلَتْ فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا لَمَّا رَأَتْ مِنْ حَالِهِ مُصْفَرًّا مُتَغَيِّرًا قَدْ ذَابَ لَحْمُ وَجْهِهِ مِنَ الْبُكَاءِ وَالْحُزْنِ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الَّذِي نَزَلَ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ جَاءَنِي جِبْرِيلُ وَوَصَفَ لِي أَبْوَابَ جَهَنَّمَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِي أَعْلَى بَابِهَا أَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي، فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي وَأَحْزَنَنِي» .
قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَدْخُلُونَهَا؟ قَالَ: «بَلَى تَسُوقُهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى النَّارِ وَلَا تَسْوَدُّ وُجُوهُهُمْ وَلَا تَزْرَقُّ أَعْيُنُهُمْ وَلَا يُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَلَا يُقْرَنُونَ مَعَ الشَّيَاطِينِ وَلَا يُوضَعُ عَلَيْهِمُ السَّلَاسِلُ وَالْأَغْلَالُ» .
قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَقُودُهُمُ الْمَلَائِكَةُ؟ فَقَالَ: " أَمَّا الرِّجَالُ فَبِاللِّحَى وَأَمَّا النِّسَاءُ فَبِالذَّوَائِبِ وَالنَّوَاصِي، فَكَمْ مِنْ شَيْبَةٍ مِنْ أُمَّتِي يُقْبَضُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَيُقَادُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ يُنَادِي وَاشَيْبَتَاهُ وَاضَعْفَاهُ، وَكَمْ مِنْ شَابٍّ قَدْ قُبِضَ عَلَى لِحْيَتِهِ يُسَاقُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ يُنَادِي وَاشَبَابَاهُ.
وَاحُسْنَ صُورَتَاهُ، وَكَمْ مِنَ امْرَأَةٍ مِنْ أُمَّتِي قَدْ قُبِضَ عَلَى نَاصِيَتِهَا تُقَادُ إِلَى النَّارِ وَهِيَ تُنَادِي وَافَضِيحَتَاهُ وَاهَتْكَ سِتْرَاهُ، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِمْ إِلَى مَالِكٍ فإذا نظر إليهم مالك قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَمَا وَرَدَ عَلَيَّ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ أَعْجَبُ شَأْنًا مِنْ هَؤُلَاءِ! لَمْ تَسْوَدَّ وُجُوهُهُمْ وَلَمْ تَزْرَقَّ أَعْيُنُهُمْ وَلَمْ يُخْتَمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ يُقْرَنُوا مَعَ الشَّيَاطِينِ وَلَمْ تُوضَعُ السَّلَاسِلُ وَالْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ؟
стр. 53
فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَأْتِيَكَ بِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ.
فَيَقُولُ لَهُمْ مَالِكٌ يَا مَعْشَرَ الْأَشْقِيَاءِ مَنْ أَنْتُمْ؟ ".
وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَادَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يُنَادُونَ وَا مُحَمَّدَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْا مَالِكًا نَسُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ هَيْبَتِهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ مَنْ أَنْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ مِمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْقُرْآنُ، وَنَحْنُ مِمَّنْ يَصُومُ رَمَضَانَ، فَيَقُولُ مَالِكٌ: مَا نَزَل الْقُرْآنُ إِلَّا عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
فَإِذَا سَمِعُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ صَاحُوا وَقَالُوا نَحْنُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَقُولُ لَهُمْ مَالِكٌ: أَمَا كَانَ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ زَاجِرٌ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى؟ ! فَإِذَا وَقَفَ بِهِمْ شَفِيرُ جَهَنَّمَ وَنَظَرُوا إِلَى النَّارِ وَإِلَى الزَّبَانِيَةِ، قَالُوا يَا مَالِكُ: ائْذَنْ لَنَا فَنَبْكِي عَلَى أَنْفُسِنَا، فَيَأْذَنُ لَهُمْ فَيَبْكُونَ الدُّمُوعَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ دُمُوعٌ فَيَبْكُونَ الدَّمَ، فَيَقُولُ مَالِكٌ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْبُكَاءَ لَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْبُكَاءُ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ مَا مَسَّتْكُمُ النَّارُ الْيَوْمَ.
فَيَقُولُ مَالِكٌ لِلزَّبَانِيَةِ أَلْقُوهُمْ.
أَلْقُوهُمْ فِي النَّارِ.
فَإِذَا أُلْقُوا فِي النَّارِ، نَادَوْا بِأَجْمَعِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَتَرْجِعُ النَّارُ عَنْهُمْ فَيَقُولُ مَالِكٌ يَا نَارُ خُذِيهِمْ، فَتَقُولُ كَيْفَ آخُذُهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَيَقُولُ مَالِكٌ لِلنَّارِ: خُذِيهِمْ، فَتَقُولُ كَيْفَ آخُذُهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَقُولُ مَالِكٌ نَعَمْ بِذَلِكَ أَمَرَ رَبُّ الْعَرْشِ.
فَتَأْخُذُهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى قَدَمَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حَلْقِهِ.
فَإِذَا أَهْوَتِ النَّارُ إِلَى وَجْهِهِ، قَالَ مَالِكٌ لَا تَحْرِقِي وَجُوهَهُمْ فَطَالَمَا سَجَدُوا لِلرَّحْمَنِ فِي الدُّنْيَا، وَلَا تَحْرِقِي قُلُوبَهُمْ فَطَالَمَا عَطِشُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيَبْقُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِيهَا وَيَقُولُونَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ، فَإِذَا أَنْفَذَ اللَّهُ تَعَالَى حُكْمَهُ قَالَ يَا جِبْرِيلُ: مَا فَعَلَ الْعَاصُونَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِمْ، فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَانْظُرْ مَا حَالُهُمْ.
فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ ﵊ إِلَى مَالِكٍ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ نَارٍ فِي وَسَطِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا نَظَرَ مَالِكٌ إِلَى جِبْرِيلَ ﵊، قَامَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَيَقُولُ يَا جِبْرِيلُ: مَا أَدْخَلَكَ هَذَا الْمَوْضِعَ؟ ! فَيَقُولُ مَا فَعَلْتَ بِالْعِصَابَةِ الْعَاصِيَةِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؟ فَيَقُولُ مَالِكٌ: مَا أَسْوَأَ حَالَهُمْ وَأَضْيَقَ مَكَانَهُمْ، قَدْ أُحْرِقَتْ أَجْسَامُهُمْ وَأُكِلَتْ لُحُومُهُمْ، وَبَقِيَتْ وَجُوهُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ يَتَلأْلأُ فِيهَا الْإِيمَانُ،
стр. 54
فَيَقُولُ جِبْرِيلُ ارْفَعِ الطَّبَقَ عَنْهُمْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِمْ.
قَالَ، فَيَأْمُرُ مَالِكٌ الْخَزَنَةَ فَيَرْفَعُونَ الطَّبَقَ عَنْهُمْ، فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى جِبْرِيلَ وَإِلَى حُسْنِ خُلُقِهِ عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ، فَيَقُولُونَ مَنْ هَذَا الْعَبْدُ الَّذِي لَمْ نَرَ أَحَدًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ؟ فَيَقُولُ مَالِكٌ: هَذَا جِبْرِيلُ الْكَرِيمُ عَلَى رَبِّهِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُحَمَّدًا ﷺ بِالْوَحْيِ.
فَإِذَا سَمِعُوا ذِكْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ صَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَقَالُوا يَا جِبْرِيلُ أَقْرِئْ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَّا السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّ مَعَاصِينَا فَرَّقَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَأَخْبِرْهُ بِسُوءِ حَالِنَا، فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ حَتَّى يَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى، كَيْفَ رَأَيْتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ؟ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا أَسْوَأَ حَالَهُمْ وَأَضْيَقَ مَكَانَهُمْ، فَيَقُولُ هَلْ سَأَلُوكَ شَيْئًا؟ فَيَقُولُ يَا رَبِّ نَعَمْ سَأَلُونِي أَنْ أُقْرِئَ نَبِيَّهُمْ مِنْهُمُ السَّلَامَ، وَأُخْبِرْهُ بِسُوءِ حَالِهِمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى انْطَلِقْ وَأَخْبِرْهُ فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ لَهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ بَابٍ، لِكُلِّ بَابٍ مِصْرَاعَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ قَدْ جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ الْعِصَابَةِ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ مِنْ أُمَّتِكَ فِي النَّارِ، وَهُمْ يُقْرِؤُونَكَ السَّلَامَ وَيَقُولُونَ مَا أَسْوَأَ حَالَنَا وَأَضْيَقَ مَكَانَنَا فَيَأْتِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى تَحْتِ الْعَرْشِ فَيَخِرُّ سَاجِدًا وَيُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ثَنَاءً لَمْ يُثْنِ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِثْلَهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ الْأَشْقِيَاءُ مِنْ أُمَّتِي، قَدْ أَنْفَذْتَ فِيهِمْ حُكْمَكَ وَانْتَقَمْتَ مِنْهُمْ، فَشَفِّعْنِي فِيهِمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ شَفَّعْتُكَ فِيهِمْ، فَائْتِ النَّارَ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَنْطَلِقُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِذَا نَظَرَ مَالِكٌ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَيَقُولُ يَا مَالِكُ مَا حَالُ أُمَّتِي الْأَشْقِيَاءِ؟ فَيَقُولُ مَا أَسْوَأَ حَالَهُمْ وَأَضْيَقَ مَكَانَهُمْ؛ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ افْتَحِ الْبَابَ وَارْفَعِ الطَّبَقَ فَإِذَا نَظَرَ أَهْلُ النَّارِ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ صَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدٌ أَحْرَقَتِ النَّارُ جُلُودَنَا، وَأَحْرَقَتْ أَكْبَادَنَا،
стр. 55
فَيُخْرِجُهُمْ جَمِيعًا وَقَدْ صَارُوا فَحْمًا قَدْ أَكَلَتْهُمُ النَّارُ، فَيَنْطَلِقُ إِلَى نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ يُسَمَّى نَهْرُ الْحَيَوَانِ، فَيَغْتَسِلُونَ مِنْهُ فَيَخْرُجُونَ مِنْهُ شَبَابًا جُرُدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ، وَكَأَنَّ وَجُوهَهُمْ مِثْلُ الْقَمَرِ، مَكْتُوبٌ عَلَى جِبَاهِهِمْ، الْجَهَنَّمِيُّونَ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ مِنَ النَّارِ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
فَإِذَا رَأَى أَهْلُ النَّارِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أُخْرِجُوا مِنْهَا، قَالُوا يَا لَيْتَنَا كُنَّا مُسْلِمِينَ، وَكُنَّا نَخْرُجُ مِنَ النَّارِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] .
٦٠ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: " يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحٌ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ الْمَوْتَ؟ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَعْرِفُونَهُ، وَيُقَالُ يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ الْمَوْتَ، فَيَنْظُرُونَهُ فَيَعْرِفُونَهُ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] الْآيَةُ ".
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: لَا يُغْبَطَنَّ فَاجِرٌ بِنِعْمَةٍ، فَإِنَّ وَرَاءَهُ طَالِبًا حَثِيثًا، وَهِيَ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 56
بَابُ: صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا
٦١ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الزِّيَادِ الْكُوفِيِّ، عَنْ زِيَادٍ الطَّائِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ خُلِقَتِ الْجَنَّةُ؟ قَالَ: «مِنَ الْمَاءِ» .
قُلْنَا: أَخْبِرْنَا عَنْ بِنَاءِ الْجَنَّةِ، قَالَ: «لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا، أَيْ طِينُهَا، الْمِسْكُ الإِذْخِرُ وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَمَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَيْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ، وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ»
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا تُرْفَعُ فَوْقَ الْغَمَامِ، فَيَنْظُرُ الرَّبُّ ﷻ فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ "
٦٢ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً، يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وَفِي الْجَنَّةِ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ , اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَلَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
стр. 57
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ حَوْرَاءَ يُقَالُ لَهَا لُعْبَةٌ خُلِقَتْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْكَافُورِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَعُجِنَ طِينُهَا بِمَاءِ الْحَيَوَانِ، فَقَالَ لَهَا الْعَزِيزُ كُونِي فَكَانَتْ، وَجَمِيعُ الْحُورِ عُشَّاقٌ لَهَا، وَلَوْ بَزَقَتْ فِي الْبَحْرِ بَزْقَةً تُعْذِبُ مَاءَ الْبَحْرِ، مَكْتُوبٌ عَلَى نَحْرِهَا مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلِي فَلْيَعْمَلْ بِطَاعَةِ رَبِّي.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَرْضُ الْجَنَّةِ مِنَ فِضَّةٍ وَتُرَابُهَا مِسْكٌ، وَأُصُولُ شَجَرِهَا فِضَّةٌ، وَأَغْصَانُهَا لُؤْلُؤٌ وَزَبَرْجَدٌ، وَالْوَرَقُ وَالثَّمَرُ تَحْتَ ذَلِكَ، فَمَنْ أَكَلَ قَائِمًا لَمْ يُؤْذِهِ، وَمَنْ أَكَلَ جَالِسًا لَمْ يُؤْذِهِ وَمَنْ أَكَلَ مُضْطَجِعًا لَمْ يُؤْذِهِ.
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الإنسان: ١٤] ، يَعْنِي قَرُبَتْ ثَمَرَتُهَا حَتَّى يَنَالَهَا الْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , قَالَ: وَالَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَزْدَادُونَ جَمَالًا وَحُسْنًا كَمَا يَزْدَادُونَ فِي الدُّنْيَا هَرَمًا
٦٣ - قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ نَضْرٍ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: " إِذَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ.
فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا وَيُبَيِّضْ وَجُوهَنَا، وَأَدْخَلَنَا الْجَنَّةَ وَأَخْرَجَنَا مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ.
فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ "
٦٤ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ , قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمِرْآةٍ بَيْضَاءَ فِيهَا نَكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الْمِرْآةُ الْبَيْضَاءُ» قَالَ: هَذِهِ الْجُمْعَةُ، وَهَذِهِ النَّكْتَةُ السَّوْدَاءُ السَّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِي الْجُمْعَةِ قَدْ فُضِّلْتَ أَنْتَ بِهَا وَقَوْمُكَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، فَالنَّاسُ لَكُمْ فِيهَا تَبَعٌ، يَعْنِي الْيَهُودَ
стр. 58
وَالنَّصَارَى، وَفِيهَا سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ خَيْرٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَسْتَعِيذُهُ مِنْ شَرٍّ إِلَّا أَعَاذَهُ مِنْهُ، قَالَ وَهِيَ عِنْدَنَا يَوْمُ الْمَزِيدِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَا يَوْمُ الْمَزِيدِ؟» قَالَ: إِنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ وَادِيًا فِي الْفِرْدَوْسِ، فِيهِ كَثِيبٌ مِنْ مِسْكٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ حُفَّتْ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَلَيْهَا النَّبِيُّونَ، وَحُفَّتْ بِمَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ مُكَالَةٍ بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، عَلَيْهَا الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ الصَّالِحُونَ، وَيَنْزِلُ أَهْلُ الْغُرَفِ فَيَجْلِسُونَ مِنْ وَرَائِهِمْ عَلَى ذَلِكَ الْكَثِيبِ فَيَجْتَمِعُونَ إِلَى رَبِّهِمْ فَيَحْمَدُونَهُ وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ: «سَلُونِي» ، فَيَقُولُونَ نَسْأَلُكَ الرِّضَا، فَيَقُولُ: «قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ رِضَاءً أَحَلَّكُمْ دَارِي وَأَنَالَكُمْ كَرَامَتِي» ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَهُ.
فَلَيْسَ يَوْمٌ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ لِمَا يَزِيدُهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ.
٦٥ - وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِمَلَائِكَتِهِ أَطْعِمُوا أَوْلِيَائِي، فَيُؤْتَى بِأَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ فَيَجِدُونَ لِكُلِّ لُقْمَةٍ لَذَّةً غَيْرَ مَا يَجِدُونَ لِلْأُخْرَى، فَإِذَا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمُ اسْقُوا عِبَادِي، فَيُؤْتَى بِأَشْرِبَةٍ فَيَجِدُونَ لِكُلِّ نَفَسٍ لَذَّةً بِخِلَافِ الْأُخْرَى، فَإِذَا فَرَغُوا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ: «أَنَا رَبُّكُمْ قَدْ صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي، فَاسْأَلُونِي أُعْطِكُمْ» ، قَالُوا: رَبَّنَا نَسْأَلُكَ رِضْوَانَكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَيَقُولُ: «قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ وَلِيَ الْمَزِيدُ، الْيَوْمَ أُكْرِمُكُمْ بِكَرَامَةٍ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا، فَكَانُوا فِي السُّجُودِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَقُولُ لَهُمُ ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ عِبَادَةٍ، فَيَنْسَوْنَ كُلَّ نِعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا، وَيَكُونُ النَّظَرُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ جَمِيعِ النِّعَمِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ فَتَهِيجُ رِيحٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ عَلَى تَلٍّ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَيُنْثَرُ ذَلِكَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَنَوَاصِي خُيُولِهِمْ، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ يَرَوْنَهُمْ أَزْوَاجَهُمْ فِي الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ أَفْضَلَ مِمَّا تَرَكُوهُنَّ، فَيَقُولُ لَهُمْ أَزْوَاجُهُمْ إِنَّكُمْ قَدْ رَجَعْتُمْ عَلَى أَحْسَنِ مَا كُنْتُمْ» .
مَعْنَى يُرْفَعُ الْحِجَابُ يَعْنِي الْحِجَابُ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَهُوَ السِّتْرُ الَّذِي يَحْجُبُهُمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى كَرَامَةٍ لَمْ يَرَوْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ هُوَ عَلَى
стр. 59
ظَاهِرِهِ يَرَوْنَهُ بِغَيْرِ كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، كَمَا يَعْرِفُونَهُ فِي الدُّنْيَا بِلَا تَشْبِيهٍ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَهْلُ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ أَوْلَادِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَالْقَامَةُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، عَلَى قَامَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵊، شَبَابٌ جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُونَ، عَلَيْهِمْ سَبْعُونَ حُلَّةً تَتَلَوَّنُ كُلُّ حُلَّةٍ فِي كُلِّ سَاعَةٍ سَبْعِينَ لَوْنًا، فَيَرَى وَجْهَهُ فِي وَجْهِهَا، يَعْنِي فِي وَجْهِ زَوْجَتِهِ وَفِي صَدْرِهَا وَفِي سَاقِهَا وَتَرَى هِيَ وَجْهَهَا فِي وَجْهِهِ وَصَدْرِهِ وَسَاقِهِ، لَا يَبْزُقُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَمَا كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى فَهُوَ أَبْعَدُ.
٦٦ - وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ لَوْ أَطْلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَفَّهَا مِنَ السَّمَاءِ، لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
٦٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكِيمُ أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ كَرَّامٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ الطَّائِيُّ , عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ: أَتَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قَوَّةَ مِائَةَ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ» .
قَالَ: " فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ يَكُونُ لَهُ حَاجَةٌ وَالْجَنَّةُ لَيْسَ فِيهَا أَذًى.
قَالَ: حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ هُوَ كَرِيحِ الْمِسْكِ "
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الْأَشْرَسِ، عَنْ مُعَتِّبِ بْنِ سُمَيٍّ , فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] ، قَالَ: طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ دَارٌ إِلَّا يُظِلُّهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، فِيهِ أَلْوَانُ الثِّمَارِ، وَيَقَعُ عَلَيْهَا طَيْرٌ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، فَإِذَا اشْتَهَى أَحَدُهُمْ
стр. 60
طَيْرًا دَعَاهُ فَوَقَعَ عَلَى خِوَانِهِ وَأَكَلَ مَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ قَدِيدًا، وَمِنَ الْآخَرِ شِوَاءً، ثُمَّ يَعُودُ طَيْرًا فَيَذْهَبُ ".
٦٧ - وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى صَورَةِ أَشَدِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَنَازِلَ لَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَبْزُقُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلْوَةُ، أَيِ الْعُودُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى طُولِ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵊، سِتُّونَ ذِرَاعًا»
٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ , قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ شُبَّانٌ جُرْدٌ مُرْدٌ لَيْسَ لَهُمْ شَعْرٌ إِلَّا فِي الرَّأْسِ وَالْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ» .
يَعْنِي لَيْسَ لَهُمْ شَعْرُ عَانَةٍ وَلَا شَعْرُ إِبْطٍ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا.
عَلَى مَوْلِدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، بِيضُ الْأَلْوَانِ خُضْرُ الثِّيَابِ، يَضَعُ أَحَدُهُمْ مَائِدَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُقْبِلُ طَائِرٌ فَيَقُولُ: يَا وَلِيَّ اللَّهِ، أَمَا إِنِّي قَدْ شَرِبْتُ مِنْ عَيْنِ السَّلْسَبِيلِ، وَرَعَيْتُ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ تَحْتَ الْعَرْشِ , وَأَكَلْتُ مِنْ ثِمَارِ كَذَا طَعْمٍ، أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ مَطْبُوخٌ وَطَعْمُ الْجَانِبِ الْآخَرِ مَشْوِيٌّ، فَيَأْكُلُ مِنْهَا مَا شَاءَ.
وَعَلَى الْوَلِيِّ سَبْعُونَ حُلَّةً، لَيْسَ فِيهَا حُلَّةٌ إِلَّا عَلَى لَوْنٍ آخَرَ، فِي أَصَابِعِهِمْ عَشْرَةُ خَوَاتِيمَ مَكْتُوبٌ فِي الْأَوَّلِ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] ، وَفِي الثَّانِي: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ، وَفِي الثَّالِثِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ، وَفِي الرَّابِعِ: رَفَعْتُ عَنْكُمُ الْأَحْزَانَ وَالْهُمُومَ، وَفِي الْخَامِسِ: أَلْبَسْنَاكُمُ الْحُلِيَّ وَالْحُلَلَ، وَفِي السَّادِسِ: زَوَّجْنَاكُمُ الْحُورَ الْعِينَ.
وَفِي السَّابِعِ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] ، وَفِي الثَّامِنِ: وَافَقْتُمُ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَفِي التَّاسِعِ: سِرْتُمْ شَبَابًا لَا تَهْرَمُونَ.
وَفِي الْعَاشِرِ: سَكَنْتُمْ فِي جِوَارِ مَنْ لَا يُؤْذِي الْجِيرَانَ.
стр. 61
مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَالَ هَذِهِ الْكَرَامَاتِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَن يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١] الْآيَةُ.
وَالثَّانِي أَنْ يَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ ثَمَنَ الْجَنَّةِ تَرْكُ الدُّنْيَا، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى الطَّاعَاتِ، فَيَتَعَلَّقُ بِكُلِّ طَاعَةٍ، فَلَعَلَّ تِلْكَ الطَّاعَةَ تَكُونُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، وَوُجُوبِ الْجَنَّةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ، وَإِنَّمَا يَنَالُونَ مَا يَنَالُونَ بِالِاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَاتِ، وَالرَّابِعُ أَنْ يُحِبَّ الصَّالِحِينَ وَأَهْلَ الْخَيْرِ وَيُخَالِطَهُمْ وَيُجَالِسَهُمْ، فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ إِذَا غُفِرَ لَهُ يَشْفَعُ لِأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَكْثِرُوا الْإِخْوَانَ فَإِنَّ لِكُلِّ أَخٍ شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَالْخَامِسُ: أَنْ يُكْثِرَ الدُّعَاءَ، وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ الْجَنَّةَ، وَأَنْ يَجْعَلَ خَاتِمَتَهُ إِلَى خَيْرٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا مَعَ مَا يُعَايَنُ مِنَ الثَّوَابِ جَهْلٌ، وَإِنَّ تَرْكَ الْجُهْدِ فِي الْأَعْمَالِ بَعْدَمَا عُرِفَ ثَوَابُهُ عَجْزٌ، وَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ رَاحَةً مَا يَجِدُهَا إِلَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الدُّنْيَا رَاحَةٌ، وَفِيهَا غِنًى لَا يَجِدُهُ إِلَّا مَنْ تَرَك فُضُولَ الدُّنْيَا وَاقْتَصَرَ عَلَى الْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا.
وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الزُّهَّادِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلًا مِنْ غَيْرِ خُبْزٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:
стр. 62
قَدِ اقْتَصَرْتُ عَلَى هَذَا؟ فقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الدُّنْيَا لِلْجَنَّةِ، وَأَنْتَ جَعَلْتَ الدُّنْيَا لِلْمَزْبَلَةِ، يَعْنِي تَأْكُلُ الطَّيِّبَاتِ فَتَصِيرُ إِلَى الْمَزْبَلَةِ , وَإِنِّي لَآكُلُ لِإِقَامَةِ الطَّاعَةِ لَعَلِّي أَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَمَّامِ، وَقَالَ لَا تَدْخُلُ إِلَّا بِالْأُجْرَةِ، فَبَكَى إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِي أَنْ أَدْخُلَ بَيْتَ الشَّيَاطِينِ مَجَّانًا، فَكَيْفَ لِي بِدُخُولِ بَيْتِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ مَجَّانًا.
وَذُكِرَ أَنَّ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: يَابْنَ آدَمَ تَشْتَرِي النَّارَ بِثَمَنٍ غَالٍ، وَلَا تَشْتَرِي الْجَنَّةَ بِثَمَنٍ رَخِيصٍ.
وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ فَاسِقًا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ ضِيَافَةً لِلْفُسَّاقِ، فَرُبَّمَا يُنْفِقُ فِيهَا الْمِائَةَ أَوِ الْمِائَتَيْنِ وَيَخِفُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَهُوَ يَشْتَرِي النَّارَ بِثَمَنٍ غَالٍ، وَلَوْ أَنَّهُ اتَّخَذَ ضِيَافَةً لِأَجْلِ اللَّهِ تَعَالَى بِدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ فَيَدْعُو إِلَيْهَا بَعْضَ الْمُحْتَاجِينَ لَثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ثَمَنَ الْجَنَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ , أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَتِ الْجَنَّةُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا بِتَرْكِ جَمِيعِ مَا يُحِبُّ مِنَ الدُّنْيَا، لَكَانَ يَسِيرًا فِي جَانِبِهَا، وَلَوْ كَانَتِ النَّارُ لَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا بِتَحَمُّلِ جَمِيعِ مَا يُكْرَهُ، لَكَانَ يَسِيرًا فِي جَانِبِهَا، فَكَيْفَ وَقَدْ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِتَرْكِ جُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّا تُحِبُّ، وَقَدْ تَنْجُو مِنَ النَّارِ بِتَحَمُّلِ جُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّا تَكْرَهُ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ: تَرْكُ الدُّنْيَا شَدِيدٌ، وَتَرْكُ الْجَنَّةِ أَشَدُّ مِنْهُ، وَإِنَّ مَهْرَ الْجَنَّةِ تَرْكُ الدُّنْيَا
٦٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ الْجَنَّةُ اللَّهُمَّ ادْخُلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ» فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُجِيرَنَا مِنَ النَّارِ وَأَنْ يُدْخِلَنَا الْجَنَّةَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ سِوَى لِقَاءِ الْإِخْوَانِ وَاجْتِمَاعِهِمْ، لَكَانَ هَنِيئًا طَيِّبًا، فَكَيْفَ وَفِيهَا مَا فِيهَا مِنْ فُنُونِ الْكَرَامَاتِ.
стр. 63
٧٠ - وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ أَسْوَاقًا لَا شِرَاءَ فِيهَا وَلَا بَيْعَ، يَجْتَمِعُونَ فِيهَا حِلَقًا حِلَقًا، يَتَذَاكَرُونَ كَيْفَ كَانَتِ الدُّنْيَا، وَكَيْفَ كَانَتْ عِبَادَةُ الرَّبِّ وَكَيْفَ كَانَ فُقَرَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا وَأَغْنِيَاؤُهَا، وَكَيْفَ كَانَ الْمَوْتُ وَكَيْفَ صِرْنَا بَعْدَ طُولِ الْبِلَى إِلَى الْجَنَّةِ»
٧١ - قَالَ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ بِإِسْنَادِهِ , عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنْ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ , أَنَّهُ قَالَ: " يَرِدُ النَّاسُ جَمِيعًا الصِّرَاطَ، وَوُرُودُهُمْ قِيَامُهُمْ حَوْلَ النَّارِ، ثُمَّ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مِثْلَ الْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَأَجْوَدِ الْخَيْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَأَجْوَدِ الْإِبِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَعَدْوِ الرَّجُلِ، حَتَّى إِنَّ آخِرَهُمْ رَجُلٌ يَمُرُّ عَلَى مَوْضِعِ إِبْهَامَيْ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ يَتَكَفَّأُ بِهِ الصِّرَاطُ، وَالصِّرَاطُ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، حَدُّهُ كَحَدِّ السَّيْفِ عَلَيْهِ حَسَكٌ كَحَسَكِ الْقَتَادِ، عَلَى حَافَّتَيْهِ مَلَائِكَةٌ مَعَهُمْ كَلَالِيبُ مِنْ نَارٍ يَخْتَطِفُونَ بِهَا النَّاسَ، وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، فَيَمُرُّ رَجُلٌ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا، فَإِذَا جَارَ الصِّرَاطُ رُفِعَ لَهُ بَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَلَا يَرَى لَهُ فِي الْجَنَّةِ مَقْعَدًا، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ: رَبِّ أَنْزِلْنِي هَهُنَا، فَيَقُولُ لَهُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أَنْزَلْتُكَ هُنَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُنْزِلُهُ ثُمَّ يَرْفَعُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مَنَازِلَ، فَيَتَحَاقَرُ إِلَيْهِ مَا أُعْطِيَ مِمَّا يَرَى، فَيَقُولُ: رَبِّ أَنْزِلْنِي هُنَاكَ، فَيَقُولُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أَنْزَلْتُكَ هَهُنَا أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ فَيُنْزِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الرَّابِعَةْ فَإِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ رَفَعَ لَهُ فَيَتَحَاقَرُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ أُعْطِيَ، فَيَسْكُتُ فَلَا يَسْأَلُ شَيْئًا، فَيَقُولُ لَهُ: إِلَّا تَسْأَلْ، فَيَقُولُ: سَأَلْتُ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ مِثْلُ الدُّنْيَا، وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهَا فَهَذَا هُوَ أَوْضَعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا "، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ إِلَّا ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ»
стр. 64
٧٢ - وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الدُّنْيَا، مَنْ جُعِلَ مِنْهُمْ فِي الْجَنَّةِ يُفَضَّلْنَ عَلَى الْحُورِ الْعِينِ بِأَعْمَالِهِنَّ فِي الدُّنْيَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ﴿٣٥﴾ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ﴿٣٦﴾ عُرُبًا أَتْرَابًا ﴿٣٧﴾ لأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٥-٣٨]
стр. 65
بَابُ: مَا يُرْجَى مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى
٧٣ - قَالَ أَخْبَرَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ , عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ إِلَى الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا فِيهِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى إِنَّ الْفَرَسَ لَتَرْفَعُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ»
٧٤ - قَالَ ﵀: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ، حَدَّثَنَا الدُّبَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ , عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : «إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَهْبَطَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا، فَوَسِعَتْهُمْ إِلَى آجَالِهِمْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَابِضٌ تِلْكَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَضُمُّهَا إِلَى التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ، فَيُكْمِلُهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَاتِهِ» .
قَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ لِيَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا أَكْرَمَهُمْ بِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيَشْكُرُوهُ وَيَعْمَلُوا عَمَلًا صَالِحًا لِأَنَّ مَنْ يَرْجُو رَحْمَتَهُ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ وَيَجْتَهِدُ لِكَيْ يَنَالَ مِنْ رَحْمَتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
стр. 66
[الأعراف: ١٥٦] يَعْنِي لِكُلِّ شَيْءٍ نَصِيبٌ مِنْ رَحْمَتِي
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ , أَنَّهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] تَطَاوَلَ إِبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وَقَالَ: أَنَا شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ يَكُونُ لِي نَصِيبٌ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَتَطَاوَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] يَعْنِي سَأَجْعَلُ رَحْمَتِي لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، يَعْنِي يُعْطُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ.
يَعْنِي يُصَدِّقُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ.
فَيَئِسَ إِبْلِيسُ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ نَتَّقِي الشِّرْكَ وَنُؤْتِي الزَّكَاةَ وَنُؤْمِنُ بِآيَاتِهِ.
ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] يَعْنِي الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَئِسَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَبَقِيَتِ الرَّحْمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً.
فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَكْرَمَهُ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَجَعَلَ اسْمَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَسْأَلُ رَبَّهُ أَنْ يَتَجَاوَز عَنْ ذُنُوبِهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِلَهِي قَدْ أَنْزَلْتَ إِلَيْنَا رَحْمَةً وَاحِدَةً، وَأَكْرَمْتَنَا بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ، فَإِذَا أَنْزَلْتَ عَلَيْنَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَكَيْفَ لَا نَرْجُو مَغْفِرَتَكَ.
وَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِلَهِي إِنْ كَانَ ثَوَابُكَ لِلْمُطِيعِينَ، وَرَحْمَتُكَ لِلْمُذْنِبِينَ، فَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ لَسْتُ مُطِيعًا لَا أَرْجُو ثَوَابَكَ فَأَنَا مِنَ الْمُذْنِبِينَ، فَأَرْجُو رَحْمَتَكَ.
وَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِلَهِي خَلَقْتَ الْجَنَّةَ وَجَعَلْتَهَا وَلِيمَةً لِأَوْلِيَائِكَ، وَآيَسْتَ الْكُفَّارَ مِنْهَا وَخَلَقْتَ مَلَائِكَتَكَ غَيْرَ مُحْتَاجِينَ إِلَيْهَا، وَأَنْتَ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ تُعْطِنَا الْجَنَّةَ فَلِمَنْ تَكُونُ الْجَنَّةُ
٧٥ - حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ فِرَاسِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " دَخَلَ رَجُلٌ الْجَنَّةَ مَا عَمِلَ خَيْرًا قَطُّ، قَالَ لِأَهْلِهِ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: إِذَا
стр. 67
أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي بِالنَّارِ، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُوا نِصْفِي فِي الْبَحْرِ، وَنِصْفِي فِي الْبَرِّ، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَرَّ وَالْبَحْرَ فَجَمَعَاهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ مَخَافَتُكَ يَا رَبُّ.
فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ "
٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِئُ، حَدَّثَنَا بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: اطَّلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَضْحَكُ، فَقَالَ: «أَتَضْحَكُونَ وَالنَّاسُ مِنْ وَرَائِكُمْ؟ وَاللَّهِ لَأَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ» ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَكَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الرَّخَمَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْنَا الْقَهْقَرَى، وَقَالَ: " جَاءَ جِبْرِيلُ ﵊ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٤٩﴾ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩-٥٠] "
٧٧ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ بْنُ أَنْعَمَ الْأَفْرِيقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵃ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبُ عَبْدِهِ أَنْ يَغْفِرَهُ.
كَانَ رَجُلٌ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، ثُمَّ أَتَى رَاهِبًا فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا.
لَقَدْ أَسْرَفْتَ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ أَتَى رَاهِبًا آخَرَ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ أَسْرَفْتَ وَمَا أَدْرِي! وَلَكِنْ هَهُنَا قَرْيَتَانِ، إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا: بُصْرَى وَالْأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: كَفَرَةٌ، فَأَمَّا أَهْلُ بُصْرَى فَهُمْ يَعْمَلُونَ بِأَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ لَا يَلْبَثُ فِيهَا غَيْرُهُمْ،
стр. 68
فَإِنْ أَتَيْتَ بُصْرَى فَعَمِلْتَ بِأَعْمَالِهِمْ فَلَا تَشُكَّنَّ فِي تَوْبَتِكَ.
فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ يُرِيدُهَا فَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ وَمَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، فَسَأَلَتِ الْمَلَائِكَةُ رَبَّهَا عَنْهُ فَقِيلَ لَهُمْ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَقْرَبَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَاسُوا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى بُصْرَى، بِقَدْرِ أُنْمُلَةٍ فَكُتِبَ مِنْ أَهْلِهَا "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَزْهَرِيِّ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: «ثَلَاثَةٌ أَقْسَمْتُ عَلَيْهِنَّ، وَالرَّابِعَةُ لَوْ أَقْسَمْتُ عَلَيْهَا لَصَدَقَتْ.
لَا يَتَوَلَّى اللَّهُ أَحَدًا فِي الدُّنْيَا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَجْعَلُ ذَا السَّهْمِ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَلَا يُحِبُّ أَحَدٌ قَوْمًا إِلَّا كَانَ مَعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالرَّابِعَةُ لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ , قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: " أَرْبَعُ آيَاتٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا.
قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] وَقَوْلُهُ : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وَقَوْلُهُ : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] يَعْنِي الْجَنَّةَ
стр. 69
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] .
٧٨ - وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ﵄ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي، مَنْ كَذَّبَ بِهَا لَمْ يَنَلْهَا» .
قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلشَّفَاعَةِ، يَعْنِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى الشَّفَاعَةِ.
٧٩ - وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي مَنْ كَذَّبَ بِهَا لَمْ يَنَلْهَا»
٨٠ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ﵄ , قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ آنِفًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، إِنَّ للَّهِ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ، عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا، وَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، أَجْرَى اللَّهُ لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً بِعَرْضِ الْإِصْبَعِ، بِمَاءٍ عَذْبٍ يَسْتَنْقِعُ مِنْ أَسْفَلِ الْجَبَلِ، وَشَجَرَةُ رُمَّانٍ كُلَّ يَوْمٍ يَخْرُجُ لَهُ مِنْهَا رُمَّانَةٌ؛ فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ فَأَصَابَ مِنَ الْوُضُوءِ وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا، ثُمَّ قَامَ لِصَلَاتِهِ فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا، وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ وَلَا لِشَيْءٍ عَلَى جَسَدِهِ سَبِيلًا حَتَّى يَبْعَثَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ.
قَالَ جِبْرِيلُ ﵊: فَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إِذَا هَبَطْنَا وَعَرَجْنَا، وَهُوَ عَلَى حَالِهِ فِي السُّجُودِ قَالَ جِبْرِيلُ ﵊: فَنَجِدُ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَقُولُ الرَّبُّ ﵎ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ بَلَى بِعَمَلِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ حَاسِبُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ، فَيُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ، قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَتِهِ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ،
стр. 70
فَيَقُولُ أَدْخِلُوا عَبْدِيَ النَّارَ فَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فَيُنَادِي يَا رَبِّ بِرَحْمَتِكَ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ رُدُّوهُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: عَبْدِي مَنْ خَلَقَكَ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا؟ فَيَقُولُ أَنْتَ يَا رَبُّ.
فَيَقُولُ: أَكَانَ ذَلِكَ بِعَمَلِكَ أَوْ بِرَحْمَتِي؟ فَيَقُولُ: بَلْ بِرَحْمَتِكَ.
فَيَقُولُ: مَنْ أَنْزَلَكَ فِي جَبَلٍ فِي وَسَطِ اللُّجَّةِ وَأَخْرَجَ الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنَ الْمَالِحِ، وَأَخْرَجَ لَكَ رُمَّانَةً فِي كُلِّ لَيْلَةٍ.
وَإِنَّمَا تَخْرُجُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أَقْبِضَ رُوحَكَ سَاجِدًا، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ.
مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ أَنْتَ يَا رَبُّ.
قَالَ: فَكُلُّ ذَلِكَ بِرَحْمَتِي وَبِرَحْمَتِي أُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ.
قَالَ جِبْرِيلُ ﵊: إِنَّمَا الْأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ ".
٨١ - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا اجْتَمَعَ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَّا أَعْطَاهُ مَا يَرْجُوهُ.
وَصَرَفَ عَنْهُ مَا يَخَافُ» .
٨٢ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَنْ يَنْجُوَ أَحَدُكُمْ بِعَمَلِهِ» .
قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ.
فَقَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا شَيْئًا مِنَ
٨٣ - الدُّلَجَةِ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا» وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّروا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» .
стр. 71
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَنْ تَزَالَ الرَّحْمَةُ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى إِنَّ إِبْلِيسَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِمَّا يَرَى مِنْ سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ
٨٤ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَمَّا مَا كَانَ لِي قَبْلَكُمْ فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَكُمْ، وَبَقِيَتِ التَّبِعَاتُ، فَتَوَاهَبُوهَا وَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي» .
وَكَانَ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ , يَقُولُ: الْخَوْفُ مَا دَامَ الرَّجُلُ صَحِيحًا أَفْضَلُ، فَإِذَا مَرِضَ وَعَجَزَ عَنِ الْعَمَلِ فَالرَّجَاءُ أَفْضَلُ، يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ الْخَوْفُ أَفْضَلَ حَتَّى يَجْتَهِدَ فِي الطَّاعَاتِ وَيَجْتَنِبَ الْمَعَاصِي، فَإِذَا مَرِضَ وَعَجَزَ عَنِ الْعَمَلِ كَانَ الرَّجَاءُ لَهُ أَفْضَلَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ , بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: " أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ النَّبِيِّ ﷺ : أَنْ يَا دَاوُدَ بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ.
فَقَالَ: كَيْفَ أُبَشِّرُ الْمُذْنِبِينَ وَأُنْذِرُ الصِّدِّيقِينَ؟ قَالَ: بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ بِأَنِّي لَا يَتَعَاظَمُنِي ذَنْبٌ أَنْ أَغْفِرَ، وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ أَنْ لَا يُعْجَبُوا بِأَعْمَالِهِمْ، فَإِنِّي لَا أَضَعُ عَدْلِي وَحِسَابِي عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَهْلَكْتُهُ "
وَرَوَى ابْنُ أَبِي رَوَّادَ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنِّي أَنَا اللَّهُ مَالِكُ الْمُلْكِ، قُلُوبِ الْمُلُوكِ بِيَدِي، فَأَيُّمَا قَوْمٍ رَضِيتُ عَنْهُمْ جَعَلْتُ قُلُوبَ الْمُلُوكِ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً، وَأَيُّمَا قَوْمٍ سَخِطْتُ عَلَيْهِمْ جَعَلْتُ قُلُوبَ الْمُلُوكِ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً، فَلَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِلَعْنِ الْمُلُوكِ وَتُوبُوا إِلَى أَرْفَقِهِمْ عَلَيْكُمْ.
٨٥ - وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ,
стр. 72
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ فِي جَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ أَحَدٌ»
٨٦ - وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ , قَالَ: " رَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا يَحْيَى مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: دَعَانِي فَقَالَ لِي: يَا شَيْخَ السُّوءِ، فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ مَا بِهَذَا حَدَّثْتُ عَنْكَ، قَالَ: وَبِمَا حَدَّثْتَ قَالَ: قُلْتُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ جِبْرِيلَ ﵊ أَنَّكَ قُلْتَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعَذِّبَهُ، إِلَّا وَأَنَا أَسْتَحْيِي أَنْ أُعَذِّبَهُ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ.
قَالَ: صَدَقَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَصَدَقَ مَعْمَرٌ، وَصَدَقَ الزُّهْرِيُّ، وَصَدَقَ عُرْوَةُ، وَصَدَقَتْ عَائِشَةُ، وَصَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَدَقَ جِبْرِيلُ ﵊، وَصَدَقْتُ أَنَا يَا يَحْيَى إِنِّي لَا أُعَذِّبُ مَنْ شَابَ فِي الْإِسْلَامِ.
ثُمَّ أَمَرْتُ بِذَاتِ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ "
٨٧ - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ , أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَهُ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " جَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵊ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَسْتَحِي أَنْ يُعَذِّبَ أَحَدًا قَدْ شَابَ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ لَا يَسْتَحِي مَنْ شَابَ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى ".
فَالْوَاجِبُ عَلَى الشَّيْخِ أَنْ يَعْرِفَ هَذِهِ الْكَرَامَةَ وَيَشْكُرَ اللَّهَ وَيَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ ، وَيَسْتَحِي مِنَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، وَيَمْتَنِعَ مِنَ الْمَعَاصِي، وَيَكُونَ مُقْبِلًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الزَّرْعَ إِذَا دَنَا حَصَادُهُ لَا يُنْظَرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الشَّابُّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَجْتَنِبَ الْمَعَاصِيَ وَيُقْبِلَ عَلَى الطَّاعَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يَأْتِي أَجَلُهُ، فَإِنَّ
стр. 73
الشَّابَّ إِذَا كَانَ مُقْبِلًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْتَ عَرْشِهِ.
كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ
٨٨ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ بَرْزَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ خُشْنَامَ، حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ تَعَالَى، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَافْتَرَقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا فَعَلَتْ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ".
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 74
بَابُ: الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ
حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ , حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ تِلْمِيذُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعْدٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إِذَا أُظْهِرَتِ الْمَعَاصِي فَلَمْ يُنْكِرُوا فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْقَوْمُ جَمِيعًا الْعُقُوبَةَ.
٨٩ - وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ﵊: أَنِّي مُهْلِكٌ مِنْ قَوْمِكَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ خِيَارِهِمْ، وَسِتِّينَ أَلْفًا مِنْ شِرَارِهِمْ، فَقَالَ: يَا رَبُّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ، فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ، قَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا بِغَضَبِي، وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ "
٩٠ - رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ»
٩١ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا، مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا.
مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَفَاتِيح الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ» .
يَعْنِي الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَهُوَ مِفْتَاحٌ لِلْخَيْرِ وَمِغْلَاقٌ
стр. 75
لِلشَّرِّ وَهُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] فَأَمَّا الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَى عَنِ الْمَعْرُوفِ فَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧] قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَشَنَآنُ الْفَاسِقِ.
يَعْنِي بُغْضَهُ.
فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ فَقَدْ شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ الْمُنَافِقِ
٩٢ - وَرَوَى سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» .
قَالَ: فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «صِلَةُ الرَّحِمِ» .
قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» .
قَالَ: فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ» .
قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «قَطِيعَةُ الرَّحِمِ» .
قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «تَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ» قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀: إِذَا رَأَيْتَ الْقَارِئَ مُحَبَّبًا فِي جِيرَانِهِ، مَحْمُودًا عِنْدَ إِخْوَانِهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُدَاهِنٌ.
٩٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَزْهَرِ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ فِيهِمْ رَجُلٌ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي، وَيَقْدِرُونَ أَنْ يُغَيِّرُونَ فَلَا يُغَيِّرُونَهُ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا» .
قَدِ اشْتَرَطَ النَّبِيُّ ﷺ الْقُدْرَةَ.
يَعْنِي إِذَا كَانَتِ
следующие страницы →