Полный текст (602 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَنْ تَزَالَ الرَّحْمَةُ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى إِنَّ إِبْلِيسَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِمَّا يَرَى مِنْ سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ
٨٤ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَمَّا مَا كَانَ لِي قَبْلَكُمْ فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَكُمْ، وَبَقِيَتِ التَّبِعَاتُ، فَتَوَاهَبُوهَا وَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي» .
وَكَانَ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ , يَقُولُ: الْخَوْفُ مَا دَامَ الرَّجُلُ صَحِيحًا أَفْضَلُ، فَإِذَا مَرِضَ وَعَجَزَ عَنِ الْعَمَلِ فَالرَّجَاءُ أَفْضَلُ، يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ الْخَوْفُ أَفْضَلَ حَتَّى يَجْتَهِدَ فِي الطَّاعَاتِ وَيَجْتَنِبَ الْمَعَاصِي، فَإِذَا مَرِضَ وَعَجَزَ عَنِ الْعَمَلِ كَانَ الرَّجَاءُ لَهُ أَفْضَلَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ , بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: " أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ النَّبِيِّ ﷺ : أَنْ يَا دَاوُدَ بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ.
فَقَالَ: كَيْفَ أُبَشِّرُ الْمُذْنِبِينَ وَأُنْذِرُ الصِّدِّيقِينَ؟ قَالَ: بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ بِأَنِّي لَا يَتَعَاظَمُنِي ذَنْبٌ أَنْ أَغْفِرَ، وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ أَنْ لَا يُعْجَبُوا بِأَعْمَالِهِمْ، فَإِنِّي لَا أَضَعُ عَدْلِي وَحِسَابِي عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَهْلَكْتُهُ "
وَرَوَى ابْنُ أَبِي رَوَّادَ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنِّي أَنَا اللَّهُ مَالِكُ الْمُلْكِ، قُلُوبِ الْمُلُوكِ بِيَدِي، فَأَيُّمَا قَوْمٍ رَضِيتُ عَنْهُمْ جَعَلْتُ قُلُوبَ الْمُلُوكِ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً، وَأَيُّمَا قَوْمٍ سَخِطْتُ عَلَيْهِمْ جَعَلْتُ قُلُوبَ الْمُلُوكِ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً، فَلَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِلَعْنِ الْمُلُوكِ وَتُوبُوا إِلَى أَرْفَقِهِمْ عَلَيْكُمْ.
٨٥ - وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ,
стр. 72
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ فِي جَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ أَحَدٌ»
٨٦ - وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ , قَالَ: " رَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا يَحْيَى مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: دَعَانِي فَقَالَ لِي: يَا شَيْخَ السُّوءِ، فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ مَا بِهَذَا حَدَّثْتُ عَنْكَ، قَالَ: وَبِمَا حَدَّثْتَ قَالَ: قُلْتُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ جِبْرِيلَ ﵊ أَنَّكَ قُلْتَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعَذِّبَهُ، إِلَّا وَأَنَا أَسْتَحْيِي أَنْ أُعَذِّبَهُ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ.
قَالَ: صَدَقَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَصَدَقَ مَعْمَرٌ، وَصَدَقَ الزُّهْرِيُّ، وَصَدَقَ عُرْوَةُ، وَصَدَقَتْ عَائِشَةُ، وَصَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَدَقَ جِبْرِيلُ ﵊، وَصَدَقْتُ أَنَا يَا يَحْيَى إِنِّي لَا أُعَذِّبُ مَنْ شَابَ فِي الْإِسْلَامِ.
ثُمَّ أَمَرْتُ بِذَاتِ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ "
٨٧ - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ , أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَهُ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " جَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵊ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَسْتَحِي أَنْ يُعَذِّبَ أَحَدًا قَدْ شَابَ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ لَا يَسْتَحِي مَنْ شَابَ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى ".
فَالْوَاجِبُ عَلَى الشَّيْخِ أَنْ يَعْرِفَ هَذِهِ الْكَرَامَةَ وَيَشْكُرَ اللَّهَ وَيَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ ، وَيَسْتَحِي مِنَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، وَيَمْتَنِعَ مِنَ الْمَعَاصِي، وَيَكُونَ مُقْبِلًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الزَّرْعَ إِذَا دَنَا حَصَادُهُ لَا يُنْظَرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الشَّابُّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَجْتَنِبَ الْمَعَاصِيَ وَيُقْبِلَ عَلَى الطَّاعَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يَأْتِي أَجَلُهُ، فَإِنَّ
стр. 73
الشَّابَّ إِذَا كَانَ مُقْبِلًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْتَ عَرْشِهِ.
كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ
٨٨ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ بَرْزَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ خُشْنَامَ، حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ تَعَالَى، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَافْتَرَقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا فَعَلَتْ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ".
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 74
بَابُ: الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ
حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ , حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ تِلْمِيذُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعْدٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إِذَا أُظْهِرَتِ الْمَعَاصِي فَلَمْ يُنْكِرُوا فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْقَوْمُ جَمِيعًا الْعُقُوبَةَ.
٨٩ - وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ﵊: أَنِّي مُهْلِكٌ مِنْ قَوْمِكَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ خِيَارِهِمْ، وَسِتِّينَ أَلْفًا مِنْ شِرَارِهِمْ، فَقَالَ: يَا رَبُّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ، فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ، قَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا بِغَضَبِي، وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ "
٩٠ - رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ»
٩١ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا، مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا.
مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَفَاتِيح الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ» .
يَعْنِي الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَهُوَ مِفْتَاحٌ لِلْخَيْرِ وَمِغْلَاقٌ
стр. 75
لِلشَّرِّ وَهُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] فَأَمَّا الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَى عَنِ الْمَعْرُوفِ فَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧] قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَشَنَآنُ الْفَاسِقِ.
يَعْنِي بُغْضَهُ.
فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ فَقَدْ شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ الْمُنَافِقِ
٩٢ - وَرَوَى سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» .
قَالَ: فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «صِلَةُ الرَّحِمِ» .
قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» .
قَالَ: فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ» .
قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «قَطِيعَةُ الرَّحِمِ» .
قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «تَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ» قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀: إِذَا رَأَيْتَ الْقَارِئَ مُحَبَّبًا فِي جِيرَانِهِ، مَحْمُودًا عِنْدَ إِخْوَانِهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُدَاهِنٌ.
٩٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَزْهَرِ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ فِيهِمْ رَجُلٌ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي، وَيَقْدِرُونَ أَنْ يُغَيِّرُونَ فَلَا يُغَيِّرُونَهُ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا» .
قَدِ اشْتَرَطَ النَّبِيُّ ﷺ الْقُدْرَةَ.
يَعْنِي إِذَا كَانَتِ
стр. 76
الْغَلَبَةُ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَمْنَعُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِذَا أَظْهَرُوا الْمَعَاصِيَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِذَلِكَ قَالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَيُقَالُ: مَعْنَاهُ كُنْتُمْ مَكْتُوبِينَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يَعْنِي أَخْرَجَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَجْلِ النَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، يَعْنِي لِكَيْ تَأْمُرُوا بِالطَّاعَةِ، وَتَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، يَعْنِي تَمْنَعُونَ أَهْلَ الْمَعَاصِي مِنَ الْمَعْصِيَةِ، فَالْمَعْرُوفُ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ وَالْعَقْلِ، وَالْمُنْكَرُ مَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالْعَقْلِ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَهَذِهِ اللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ، يَعْنِي لِتَكُنْ مِنْكُمْ جَمَاعَةٌ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى أَقْوَامًا بِتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فَقَالَ: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] يَعْنِي لَا يَنْهَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] يَعْنِي هَلَّا يَنْهَاهُمُ عُلَمَاؤُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ وَقُرَّاؤُهُمْ عَنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ، يَعْنِي قَوْلَ الْفُحْشِ وَأَكْلَ الْحَرَامِ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.
وَيَنْبَغِي لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَأْمُرَ فِي السِّرِّ إِنِ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ مِنْهُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالنَّصِيحَةِ.
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁: مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ فِي الْعَلَانِيَةِ فَقَدْ شَانَهُ، وَمَنْ وَعَظَ أَخًا فِي السِّرِّ فَقَدْ زَانَهُ، فَإِنْ لَمْ تَنْفَعْهُ الْمَوْعِظَةُ فِي السِّرِّ يَأْمُرْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَيَسْتَعِينُ بِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَأَهْلِ الْخَيْرِ لِيَزْجُرُوهُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ، فَيَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيُهْلِكُهُمْ جَمِيعًا
стр. 77
٩٤ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الذُّبَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: " مَثَلُ الْمُدَاهِنِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَاقِعِ فِيهَا، وَالْقَائِمِ عَلَيْهَا، كَمَثَلِ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ، فَاقْتَسَمُوا مَنَازِلَهُمْ وَصَارَ لِأَحَدِهِمْ أَعْلَاهَا، وَلِأَحَدِهِمْ أَوْسَطُهَا، وَلِأَحَدِهِمْ أَسْفَلُهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَ أَخَذَ أَحَدُهُمُ الْقُدُومَ، فَقَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَخْرِقُ فِي مَكَانِي خَرْقًا، فَيَكُونُ الْمَاءُ أَقْرَبَ إِليَّ وَيَكُونُ فِيهَا مِخْلَاتِي وَمِهْرَاقُ دِمَائِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتْرُكُوهُ أَبْعَدَهُ اللَّهُ يَخْرِقُ فِي حَقِّهِ مَا شَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَدَعُوهُ يَخْرُقُهَا فَيُهْلِكُنَا وَيُهْلِكُ نَفْسَهُ فَإِنْ هُمْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ نَجَا وَنَجَوْا، وَإِنْ هُمْ لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ هَلَكُوا وَهَلَكَ "
٩٥ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ظَالِمًا، لَا يُجِلُّ كَبِيرَكُمْ وَلَا يَرْحَمُ صَغِيرَكُمْ وَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ، وَيَسْتَنْصِرُونَ فَلَا يُنْصَرُونَ، وَيَسْتَغْفِرُونَ فَلَا يُغْفَرُ لَهُمْ.
٩٦ - وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكُ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنَ عِنْدَهُ ثُمَّ لَتَدْعُوُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ»
стр. 78
٩٨ - وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانُ» .
يَعْنِي أَضْعَفُ فِعْلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ لِلْأُمَرَاءِ، وَبِاللِّسَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَبِالْقَلْبِ لِلْعَامَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُغَيِّرَهُ.
يَنْبَغِي لِلَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِعْزَازَ الدِّينِ وَلَا يَكُونُ لِحَمِيَّةِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَإِعْزَازَ الدِّينِ نَصَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَوَفَّقَهُ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ لِحَمِيَّةِ نَفْسِهِ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ بَلَغَنَا عَنْ عِكْرِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِشَجَرَةٍ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، فَغَضِبَ وَقَالَ: هَذِهِ الشَّجَرَةُ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَخَذَ فَأْسَهُ وَرَكِبَ حِمَارَهُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ الشَّجَرَةِ لِيَقْطَعَهَا، فَلَقِيَهُ إِبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فِي الطَّرِيقِ، عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ، فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ شَجَرَةً تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَأَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا أَنْ أَرْكَبَ حِمَارِي وَآخُذَ فَأْسِي، وَأَتَوَجَّهَ نَحْوَهَا فَأَقْطَعَهَا.
فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا وَمَنْ يَعْبُدُهَا أَبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَتَخَاصَمَا وَتَضَارَبَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا عَجَزَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَرْجِعْ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ ارْجِعْ وَأَنَا أُعْطِيكَ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَتَرْفَعُ كُلَّ يَوْمٍ طَرْفَ فِرَاشِكَ فَتَأْخُذُهَا، فَقَالَ: أَوَتَفْعَلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ ضَمِنْتُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَوَجَدَ ذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ رَفَعَ طَرْفَ فِرَاشِهِ فلَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ مَرَّ يَوْمًا آخَرَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يَجِدُ الدَّرَاهِمَ أَخَذَ الْفَأْسَ وَرَكِبَ الْحِمَارَ، فَلَقِيَهُ إِبْلِيسُ عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: شَجَرَةً تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَقْطَعَهَا.
فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، أَمَّا أَوَّلُ مَرَّةٍ فَكَانَ خُرُوجُكَ غَضَبًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَا رَدُّوكَ، وَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّمَا خُرُوجُكَ لِنَفْسِكَ حَيْثُ لَمْ تَجِدِ الدَّرَاهِمَ، فَلَئِنْ تَقَدَّمْتَ لَتَدُقَّنَّ عُنُقَكَ، فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ وَتَرَكَ الشَّجَرَةَ.
стр. 79
فَالَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ يَحْتَاجُ إِلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ.
أَوَّلُهَا الْعِلْمُ لِأَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُحْسِنُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالثَّانِي أَنْ يَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازَ الدِّينِ، وَالثَّالِثُ: الشَّفَقَةُ عَلَى مَنْ يَأْمُرُ بِاللِّينِ وَالتَّوَدُّدِ وَلَا يَكُونُ فَظًّا غَلِيظًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: حِينَ بَعَثَهُمَا إِلَى فِرْعَوْنَ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ صَبُورًا رَحِيمًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي قِصَّةِ لُقْمَانَ ﵊ ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ عَامِلًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ لِكَيْلَا يُعَيَّرَ بِهِ وَلِئَلَّا يَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]
٩٩ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ رِجَالا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمُ بِالْمَقَارِيضِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ".
يَعْنِي يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِمَا فِيهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا يَابْنَ آدَمَ تَذْكُرُنِي وَتَنْسَانِي وَتَدْعُو إِليَّ وَتَفِرُّ مِنِّي، فَبَاطِلٌ مَا تَذْهَبُونَ
١٠٠ - وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ , بِإِسْنَادِهِ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ طَرِيقَكُمْ، مَا تَظْهَرُ فِيكُمُ السَّكْرَتَانِ، سَكْرَةُ الْعَيْشِ، وَسَكْرَةُ الْجَهْلِ، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَسَتُحَوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ إِذَا فَشَا فِيكُمْ حُبُّ الدُّنْيَا، فَلَا تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُجَاهِدُونَ فِي
стр. 80
غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْقَائِمُونَ يَوْمَئِذٍ بِالْكِتَابِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً كَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ»
١٠١ - وَرَوَى الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ وَإِنْ كَانَ شِبْرًا فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ» .
وَكَانَ رَفِيقَ إِبْرَاهِيمَ وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَعْنِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ هَاجَرَ مِنْ أَرْضِ حَرَّانَ إِلَى الشَّامِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] يَعْنِي إِلَى طَاعَةِ رَبِّي وَإِلَى رِضَا رَبِّي.
وَقَدْ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ كَانَ فِي أَرْضٍ فِيهَا الْمَعَاصِي فَخَرَجَ مِنْهَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدِ اقْتَدَى بِإِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا، فَيَكُونُ رَفِيقَهُمَا فِي الْجَنَّةِ.
قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] يَعْنِي إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] يَعْنِي وَجَبَ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
١٠٢ - وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَيُّمَا مُسْلِمٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي غَرْزِ رَاحِلَتِهِ وَلَوْ خُطْوَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَ أُجُورِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ قَاصِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَرَفَصَتْهُ دَابَّتُهُ قَبْلَ الْقِتَالِ، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ أَوْ مَاتَ كَيْفَمَا مَاتَ، فَهُوَ شَهِيدٌ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى بُيُوتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ثُمَّ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ قَبْلَ بُلُوغِهِ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْجَنَّةَ» .
وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ أَرْضِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ
стр. 81
فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ هُنَاكَ وَيَكُوَن كَارِهًا لِمَعَاصِيهِمْ فَهُوَ مَعْذُورٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَنَّهُ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا لَا يَسْتَطِيعُ لَهُ تَغِييرًا، أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ كَارِهٌ.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مُنْكَرًا لَا يَسْتَطِيعُ النَّكِيرَ عَلَيْهِ، فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا مُنْكَرٌ فَلَا تُؤَاخِذْنِي بِهِ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فَلَهُ ثَوَابُ مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
١٠٣ - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ جَابِرَ اللَّخْمِيِّ , عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ , قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ، ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَشُحًّا مُطَاعًا، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ، فَإِنَّ مِنْ بَعْدِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، وَلِلْمُتَمَسِّكِ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ كَأَجْرِ خَمْسِينَ عَامِلًا» .
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَجْرِ خَمْسِينَ عَامِلًا مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا بَلْ كَأَجْرِ خَمْسِينَ عَامِلًا مِنْكُمْ»
١٠٤ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٠٥] وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، وَلَا يُغَيِّرُونَهَا إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِقَابٍ مِنْهُ» وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ لَيْسَ ذَا زَمَانُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِذَا كَثُرَتْ أَهْوَاؤُهُمْ وَأَلِفُوا الْجِدَالَ فَعَلَى كُلِّ امْرِئٍ نَفْسَهُ.
جَاءَ تَأْوِيلُهَا
стр. 82
بَابُ: التَّوْبَةِ
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ، حَدَّثَنَا نُصَيْرِ بْنُ يَحْيَى , حَدَّثَنَا أَبُو مُطِيعٍ , عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ , عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ , قَالَ: " قَالَ آدَمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: يَا رَبُّ إِنَّكَ سَلَّطْتَ عَلَيَّ إِبْلِيسَ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَمْتَنِعَ مِنْهُ إِلَّا بِكَ، قَالَ: لَا يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ إِلَّا وَكَّلْتُ عَلَيْهِ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنْ مَكْرِ إِبْلِيسَ، عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، وَمِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي، قَالَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُهَا، وَالسَّيِّئَةُ بِوَاحِدَةٍ وَأَمْحُوهَا، قَالَ: يَا رَبُّ زِدْنِي.
قَالَ: التَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ مَا دَامَتِ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ، قَالَ: يَا رَبُّ زِدْنِي، قَالَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]
١٠٥ - قَالَ وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ , بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , " أَنَّ وَحْشِيًّا قَاتِلَ حَمْزَةٍ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسْلِمَ، وَلَكِنْ يَمْنَعُنِي عَنِ الْإِسْلَامِ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ عَلَيْكَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ، وَإِنِّي قَدْ فَعَلْتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الثَّلَاثَةَ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى وَحْشِيٍّ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّ فِي الْآيَةِ شَرْطًا وَهُوَ الْعَمَلُ
стр. 83
الصَّالِحُ، وَلَا أَدْرِي هَلْ أَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَمْ لَا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى وَحْشِيٍّ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَرْطًا فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَسْلَمَ "
١٠٦ - قَالَ: أَنْبَأَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ الْمَرْوَزِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ: كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ , إِلَيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي , قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِنِصْفِ يَوْمٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .
قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، قَالَ: نَعَمْ
فَقَالَ رَجُلٌ آخَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَاعَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»
وَقَالَ آخَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ الَغْرَغَرَةِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»
١٠٧ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنُ أَحْنَفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمَ الْقَدَّاحُ، عَنْ بِشْرِ ابْنِ جَبَلَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَيْحَ ابْنِ آدَمَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ، وَيْحَهُ لَا هُوَ يَتْرُكُ ذَنْبَهُ وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَتِي أُشْهِدُكُمْ يَا مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ»
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ , قَالَ: " كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ تَفَكَّرَ فِيمَا سَلَفَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ غُفْرَانَكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَدْرَكَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ "
стр. 84
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ مَكْحُولٍ , قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ لَمَّا عُرِجَ بِهِ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ، أَبْصَرَ عَبْدًا يَزْنِي، فَدَعَا عَلَيْهِ فَأَهْلَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ رَأَى عَبْدًا يَسْرِقُ، فَدَعَا عَلَيْهِ فَأَهْلَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا إِبْرَاهِيمُ دَعْ عَنْكَ عِبَادِي، فَإِنَّ عَبْدِي بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ بَيْنَ أَنْ يَتُوبَ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَنْ أَسْتَخْرِجَ لَهُ ذُرِّيَةً تَعْبُدُنِي، وَبَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الشَّقَاءُ فَمِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ.
فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَيْأَسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ إِنَّهُ «لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ» ، يَعْنِي مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَا يَكُونُ مُصِرًّا عَلَى الذَّنْبِ، فَإِنَّ الرَّاجِعَ عَنْ ذَنْبِهِ لَا يَكُونُ مُصِرًّا، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً
١٠٨ - كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» .
١٠٩ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتُوبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» .
١١٠ - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ , أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ حَلَّفْتُهُ، فَإِنْ حَلَفَ صَدَّقْتُهُ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا
стр. 85
غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ، ثُمَّ تلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] ، وَفِي رِوَايَةٍ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٣٥﴾ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥-١٣٦]
١١١ - وَرَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ إِبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، قَالَ: بِعِزَّتِكَ وَعَظَمَتِكَ، إِنِّي لَا أُفَارِقُ ابْنَ آدَمَ حَتَّى تُفَارِقَ رُوحُهُ جَسَدَهُ، فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَعَظَمَتِي، لَا أَحْجُبُ التَّوْبَةَ عَنْ عَبْدِي حَتَّى يُغَرْغِرَ بِهَا "
١١٢ - وَرَوَى الْقَاسِمُ , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «صَاحِبُ الْيَمِينِ أَمِينٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ حَسَنَةً كَتَبَ لَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ عَشْرَةً، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَهَا صَاحِبُ الشِّمَالِ قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ أَمْسِكْ فَيُمْسِكُ سِتَّ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ أَوْ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ شَيْئًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» .
١١٣ - وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» .
١١٤ - وَرُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتَّى يُذْنِبَ ذَنْبًا آخَرَ فلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتَّى يُذْنِبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَعَمِلَ حَسَنَةً وَاحِدَةً كُتِبَ لَهُ خَمْسُ حَسَنَاتٍ، وَجُعِلَ الْخَمْسُ بِإِزَاءِ خَمْسِ سَيِّئَاتٍ فَيَصِيحُ عِنْدَ ذَلِكَ إِبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وَيَقُولُ: كَيْفَ أَسْتَطِيعُ عَلَى ابْنِ آدَمَ، وَإِنِّي وَإِنِ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ يُبْطِلُ بِحَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ جَمِيعَ جَهْدِي ".
стр. 86
١١٥ - وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ بَابٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلتَّوْبَةِ، عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ سَنَةً، أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا لَا يُغْلَقُ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , فِي قَوْلِهِ : ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] ، قَالَ هُوَ الرَّجُلُ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتُوبُ، ثُمَّ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتُوبُ.
وَقِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِلَى مَتَى هَذَا؟ قَالَ لَا أَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: حِرْفَةُ الْعَارِفِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ افْتَخَرَ، وَإِذَا ذَكَرَ نَفْسَهُ احْتَقَرَ، وَإِذَا نَظَرَ فِي آيَاتِ اللَّهِ اعْتَبَرَ، وَإِذَا هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ شَهْوَةٍ انْزَجَرَ، وَإِذَا ذَكَرَ عَفْوَ اللَّهِ اسْتَبْشَرَ، وَإِذَا ذَكَرَ ذُنُوبَهُ اسْتَغْفَرَ
١١٦ - حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْجُرْجَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مَعْمَرَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ» ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالْبَابِ شَابٌّ قَدْ أَحْرَقَ فُؤَادِي، وَهُوَ يَبْكِي.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يُبْكِيكَ يَا شَابُّ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْكَتْنِي ذُنُوبٌ كَثِيرَةٌ وَخِفْتُ مِنْ جَبَّارٍ غَضْبَانَ عَلَيَّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَشْرَكْتَ بِاللَّهِ شَيْئًا يَا شَابُّ؟» قَالَ: لَا.
قَالَ: «أَقَتَلْتَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ؟» قَالَ: لَا.
قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَنْبَكَ وَلَوْ كَانَ مِثْلَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَالْجِبَالِ الرَّوَاسِي» .
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ، وَالْجِبَالِ الرَّوَاسِي.
فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : «ذَنْبُكَ أَعْظَمُ أَمِ الْكُرْسِيُّ؟» قَالَ: ذَنْبِي أَعْظَمُ.
قَالَ: «ذَنْبُكَ أَعْظَمُ أَمِ الْعَرْشِ» ؟ قَالَ: ذَنْبِي أَعْظَمُ.
قَالَ: «ذَنْبُكَ أَعْظَمُ أَمْ إِلَهَكَ» يَعْنِي عَفْوَ اللَّهِ.
قَالَ: بَلِ اللَّهُ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ.
стр. 87
قَالَ: «فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ» .
يَعْنِي الْعَظِيمَ التَّجَاوُزَ.
قَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنْ ذَنْبِكَ» .
قَالَ: فَإِنِّي أَسْتَحِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنْ ذَنْبِكَ» .
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ رَجُلا نَبَّاشًا، أَنْبِشُ الْقُبُورَ مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ، حَتَّى مَاتَتْ جَارِيَةٌ مِنْ بَنَاتِ الْأَنْصَارِ، فَنَبَشْتُ قَبْرَهَا فَأَخْرَجْتُهَا مِنْ كَفَنِهَا.
فَمَضَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ.
إِذْ غَلَبَ الشَّيْطَانُ عَلَى نَفْسِي فَرَجَعْتُ فَجَامَعْتُهَا.
فَمَضَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، إِذْ قَامَتِ الْجَارِيَةُ وَقَالَتْ: وَيْلَكَ يَا شَابُّ أَمَا تَسْتَحِي مِنْ دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ، يَضَعُ كُرْسِيَّهُ لِلْقَضَاءِ وَيَأْخُذُ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ.
تَرَكْتَنِي عُرْيَانَةً فِي عَسْكَرِ الْمَوْتَى.
وَأَوْقَفْتَنِي جُنُبًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ .
فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَدْفَعُ فِي قَفَاهُ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا فَاسِقُ مَا أَحْوَجَكَ إِلَى النَّارِ اخْرُجْ عَنِّي» ، فَخَرَجَ الشَّابُّ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَلَمَّا تَمَّ لَهُ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً، رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: يَا إِلَهُ مُحَمَّدٍ وَآدَمَ وَحَوَّاءَ.
إِنْ كُنْتَ غَفَرْتَ لِي فَأَعْلِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ، وَإِلَّا فَأَرْسِلْ نَارًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرِقْنِي بِهَا.
وَنَجِّنِي مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ.
قَالَ: فَجَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ فَقَالَ: " هُوَ السَّلَامُ وَمِنْهُ السَّلَامُ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ السَّلَامُ.
قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْتَ خَلَقْتَ الْخَلْقَ؟ قَالَ: بَلْ هُوَ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَهُمْ.
قَالَ: يَقُولُ أَنْتَ تَرْزُقُهُمْ؟ قَالَ: بَلِ اللَّهُ يَتُوبُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ.
قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: تُبْ عَلَى عَبْدِي فَإِنِّي تُبْتُ عَلَيْهِ "، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الشَّابَّ وَبَشَّرَهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَابَ عَلَيْهِ.
يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَيَعْلَمَ بِأَنَّ الزِّنَى مَعَ الْحَيِّ أَعْظَمُ ذَنْبًا مِنَ الزِّنَى مَعَ الْمَيِّتِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ تَوْبَةً حَقِيقِيَّةً، لِأَنَّ الشَّابَّ لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ تَوْبَتَهُ حَقِيقِيَّةً، تَجَاوَزَ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ عَلَى قَدْرِ الذَّنْبِ
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] ، قَالَ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ النَّدَمُ بِالْقَلْبِ،
стр. 88
وَالِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ، وَالْإِضْمَارُ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ
١١٧ - أَبَدًا، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسْتَغْفِرُ بِاللِّسَانِ الْمُصِرُّ عَلَى الذُّنُوبِ، كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ» .
وَذُكِرَ عَنْ رَابِعَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ اسْتِغْفَارَنَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ كَثِيرٍ، يَعْنِي إِذَا اسْتَغْفَرَ بِاللِّسَانِ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ.
وَهَذَا لَا يَكُونُ تَوْبَةً.
وَإِنَّمَا التَّوْبَةُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ بِاللِّسَانِ وَيَنْوِيَ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَنْبَهُ، وَإِنْ كَانَ عَطِيمًا، لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ ذُو التَّجَاوُزِ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ.
وَذُكِرَ أَنَّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ مَلِكٌ، فَوُصِفَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعِبَادِ، فَدَعَاهُ وَرَاوَدَهُ عَلَى صُحْبَتِهِ وَلُزُومِ بَابِهِ فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ حَسَنًا مَا تَقُولُ، وَلَكِنْ لَوْ دَخَلْتَ يَوْمًا فِي بَيْتِكَ، فَوَجَدْتَنِي أَلْعَبُ مَعَ جَارِيَتِكَ، مَاذَا كُنْتَ تَفْعَلُ؟ فَغَضِبَ الْمَلِكُ فَقَالَ: يَا فَاجِرٌ أَتَجْتَرِئُ عَلَيَّ بِمِثْلِ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ: إِنَّ لِي رَبًّا كَرِيمًا، لَوْ رَأَى مِنِّي سَبْعِينَ ذَنْبًا فِي الْيَوْمِ مَا غَضِبَ عَلَيَّ، وَلَا طَرَدَنِي عَنْ بَابِهِ، وَلَا أَحْرَمَنِي رِزْقَهُ، فَكَيْفَ أُفَارِقُ بَابَهُ وَأَلْزَمُ بَابَ مَنْ يَغْضَبُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُغْضِبَهُ؟ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتَنِي فِي الْمَعْصِيَةِ ثُمَّ خَرَجَ.
الذَّنْبُ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَنْبٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَذَنْبٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعِبَادِ.
أَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَوْبَتُهُ الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ، وَالنَّدَمُ بِالْقَلْبِ، وَالْإِضْمَارُ أَنْ لَا تَعُودَ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ، فَلَا تَنْفَعْهُ التَّوْبَةُ مَا لَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ ثُمَّ
стр. 89
يَنْدَمُ وَيَسْتَغْفِرُ، وَأَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، فَمَا لَمْ تُرْضِهِمْ لَا تَنْفَعْكَ التَّوْبَةُ حَتَّى يُحَلِّلُوكَ.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمُذْنِبَ يُذْنِبُ فَلَا يَزَالُ نَادِمًا مُسْتَغْفِرًا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ الشَّيْطَانُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوقِعْهُ فِيهِ.
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْوَاسِطِيِّ أَنَّهُ قَالَ: التَّأَنِّي فِي كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٌ إِلَّا فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ: عِنْدَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ، وَالتَّوْبَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إِنَّمَا تُعْرَفُ تَوْبَةُ الرَّجُلِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا أَنْ يُمْسِكَ لِسَانَهُ مِنَ الْفُضُولِ وَالْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ.
وَالثَّانِي أَنْ لَا يَرَى لِأَحَدٍ فِي قَلْبِهِ حَسَدًا وَلَا عَدَاوَةً.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُفَارِقَ أَصْحَابَ السُّوءِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِلْمَوْتِ نَادِمًا مُسْتَغْفِرًا لِمَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ مُجْتَهِدًا عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ.
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ هَلْ لِلتَّائِبِ مِنْ عَلَامَةٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَامَتُهُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ أَصْحَابِ السُّوءِ وَيُرِيهِمْ هَيْبَةً مِنْ نَفْسِهِ، وَيُخَالِطَ الصَّالِحِينَ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَمُقْبِلًا عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَذْهَبَ فَرَجُ الدُّنْيَا كُلِّهَا مِنْ قَلْبِهِ، وَيَرَى حُزْنَ الْآخِرَةِ كُلَّهَا دَائِمًا فِي قَلْبِهِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ فَارِغًا عَمَّا ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الرِّزْقِ، مُشْتَغِلًا بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَإِذَا وَجَدْتَ فِيهِ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وَوَجَبَ لَهُ عَلَى النَّاسِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ يُحِبُّوهُ.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَبَّهُ.
وَالثَّانِي أَنْ يَحْفَظُوهُ بِالدُّعَاءِ، عَلَى أَنْ يُثَبِّتَهُ اللَّهُ عَلَى التَّوْبَةِ.
стр. 90
وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يُعِيرُوهُ بِمَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يُجَالِسُوهُ وَيُذَاكِرُوهُ وَيُعِينُوهُ.
وَيُكْرِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَرْبَعِ كَرَامَاتٍ؛ أَحَدُهَا أَنْ يُخْرِجَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الذُّنُوبِ كَأَنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ.
وَالثَّانِي أَنْ يُحِبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ وَيَحْفَظَهُ مِنْهُ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ مِنَ الْخَوْفِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] .
وَرُوِيَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلَ التَّوَّابُونَ الْجَنَّةَ قَالُوا أَلَمْ يَعِدْنَا رَبُّنَا أَنْ نَرِدَ النَّارَ قَبْلَ أَنْ نَدْخُلَ الْجَنَّةَ.
قِيلَ لَهُمْ إِنَّكُمْ مَرَرْتُمْ بِهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ.
١١٨ - وَرَوَى الْحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَجَمَ امْرَأَةً زَنَتْ.
ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجَمْتَهَا وَصَلَّيْتَ عَلَيْهَا؟ ! فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ فَعَلَتْ مِثْلَ ذَلِكَ سَبْعِينَ مَرَّةً تَابَ اللَّهُ عَلَيْهَا» .
يَعْنِي أَنَّ تَوْبَتَهَا كَانَتْ حَقِيقِيَّةً، وَالتَّوْبَةُ إِذَا كَانَتْ حَقِيقِيَّةً تُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ عَظِيمًا.
١١٩ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَيَّرَ مُؤْمِنًا بِفَاحِشَةٍ فَهُوَ كَفَاعِلِهَا، وَكَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُوقِعَهُ فِيهَا، وَمَنْ عَيَّرَ مُؤْمِنًا بِجَرِيمَةٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَرْتَكِبَهَا وَيُفْتَضَحَ بِهَا» .
إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَقْصِدُ أَنْ يَقَعَ فِي الذَّنْبِ، وَلَا يَتَعَمَّدُهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ بَغَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمَعْصِيَةَ، فَلَا يَتَعَمَّدُهَا الْمُؤْمِنُ وَلَكِنْ يَقَعُ فِيهَا حَالَةَ الْغَفْلَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَيَّرَ بِهَا إِذَا تَابَ.
стр. 91
١٢١ -
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَكْتُوبٌ حَوْلَ الْعَرْشِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ الْخَلْقُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ عَامٍ - وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى» .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 92
بَابٌ آخَرُ مِنَ التَّوْبَةِ
١٢٢ - حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ وَالْفَقِيهُ بِسَمَرْقَنْدَ , حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجُرْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ بَابَ التَّوْبَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَابُ التَّوْبَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَابُ التَّوْبَةِ خَلْفَ الْمَغْرِبِ، لَهُ مِصْرَاعَانِ مِنْ ذَهَبِ، مُكَلَّلَانِ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعِ وَالْمِصْرَاعِ الْآخَرَ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ، وَذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحٌ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ إِلَى صَبِيحَةِ لَيْلَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَلَمْ يَتُبْ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا إِلَّا دَخَلَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ»
قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَمَا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ؟ قَالَ: " أَنْ يَنْدَمَ الْمُذْنِبُ عَلَى الذَّنْبِ الَّذِي أَصَابَ، فَيَعْتَذِرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْرُبُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ، ثُمَّ يُرَدُّ الْمِصْرَاعَانِ فَيَلْتَئِمُ مَا بَيْنَهُمَا، وَيَصِيرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا صَدْعٌ قَطُّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ مِنَ الْعَبْدِ تَوْبَةٌ وَلَا تَنْفَعُهُ حَسَنَةٌ يَعْمَلُهَا فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا مَنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنًا، فَإِنَّهُ يَجِرى لَهُ عَمَلُهُ، وَعَلَيْهِ مَا كَانَ يَجْرِي قَبْلَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أَنْ يَتُوبَ، ثُمَّ لَا يَعُودُ.
стр. 93
وَعَنْه أَنَّهُ قَالَ: بَابُ التَّوْبة مَفْتُوِح، وَهِيَ مَقْبُوَلَةٌ مِنَ كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا مِنَ ثَلَاثَةٍ: إِبْلِيسُ رَأْسُ الْكَفَرَةِ، وَقَابِيلُ بْنُ آدَمَ رَأْسُ الْخَاطِئِينَ، وَمَنْ قَتَلَ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ: بَابٍ التَّوْبَةِ لِلتَّائِبِينَ مَفْتُوحٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سنة لَا يُغْلَقُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا
١٢٣ - حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا أَبُوَ بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي لُهَيْعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «التَّوْبَةُ مُعَلَّقَةٌ فِي الْهَوَاءِ، تُنَادِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا تَفْتُرُ، مَنْ يَقْبَلْنِي لَا يُعَذَّبُ، فَهِيَ الدَّهْرُ كُلُّهُ عَلَى هَذَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا رُفِعَتْ» .
فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ حَثٌّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَفِيهَا بَيَانٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ قُبِلَتِ التَّوْبَةُ مِنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى دَعَا الْمَؤْمِنِينَ إِلَى التَّوْبَةِ فَقَالَ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] يَعْنِي لِكَيْ تَنْجُوا مِنْ عَذَابِهِ وَتَنَالُوا مِنْ رَحْمَتِهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ، وَأَنَّ فَلَاحَ الْمُؤْمِنِ فِي تَوْبَتِهِ.
وَأَمَرَ الْمُؤْمِنَ بِالتَّوْبَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ فِي التَّوْبَةِ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨] ، يَعْنِي يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ ذُنُوبَكُمْ.
﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨] ، يَعْنِي يُعْطِيكُمْ فِي الْآخِرَةِ بَسَاتِينَ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِ غُرَفِهَا وَمَسَاكِنِهَا وَشِجَارِهَا الْأَنْهَارُ.
وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ غَفَّارٌ لِذُنُوبِ التَّوَّابِينَ.
فَقَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥] ، يَعْنِي الْكَبَائِرَ.
﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] ، يَعْنِي دُونَ الْكَبَائِرِ.
وَيُقَالُ: «أَوْ» هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَمَعْنَاهُ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، ذَكَرُوا اللَّهَ، يَعْنِي خَافُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ.
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ؟ ! وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا.
يَعْنِي لَمْ يَثْبُتُوا عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ
стр. 94
١٢٤ - وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» .
١٢٥ - وَفِي خَبَرٍ آخَرَ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ» .
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَغْفِرُ وَيَتُوبُ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ، فَالَّذِي لَمْ يَظْهَرْ حَالُهُ أَنَّهُ أَغُفِرَ لَهُ أَمْ لَا، كَيْفَ لَا يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ وَكَيْفَ لَا يَجْعَلُ لِسَانَهُ أَبَدًا مَشْغُولًا بِالِاسْتِغْفَارِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥] ، يَعْنِي يُقَدِّمُ ذُنُوبَهُ وَيُؤَخِّرُ تَوْبَتَهُ وَيَقُولُ سَأَتُوبُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ عَلَى شَرِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَيَمُوتُ عَلَيْهِ.
١٢٦ - وَرُوِيَ عَنْ جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «هَلَكَ الْمُسَوِّفُونَ» .
وَالْمُسَوِّفُ مَنْ يَقُولُ سَوْفَ أَتُوبُ.
فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ تَائِبٌ.
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَابِلٌ التَّوْبَةَ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] : يَعْنِي يَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ إِذَا تَابُوا وَرَجَعُوا.
فَالتَّوْبَةُ أَنْ يَنْدَمَ عَلَى ذَنْبِهِ بِالْقَلْبِ، وَيَسْتَغْفِرَ بِاللِّسَانِ، وَيُضْمِرَ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَيْهِ أَبَدًا
١٢٧ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ثَلَاثًا، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ.
стр. 95
١٢٨ - وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قُلَابَةَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيسَ سَأَلَهُ النَّظْرَةَ، فَأَنْظَرَهُ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَا أَخْرُجُ مِنْ صَدْرِ عَبْدِكَ حَتَّى تَخْرُجَ نَفْسُهُ، فَقَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَحْجُبُ التَّوْبَةَ عَنْ عَبْدِي حَتَّى تَخْرُجَ نَفْسُهُ.
فَانْظُرْ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَرَأْفَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، أَنْ سَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ بَعْدَمَا أَذْنَبُوا.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] ، وَأَحَبَّهُمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
١٢٩ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: تُبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ لَا تَعُدْ.
قَالَ: فَإِنِّي قَدْ فَعَلْتُ ثُمَّ عُدْتُ.
قَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ لَا تَعُدْ.
قَالَ: إِلَى مَتَى؟ قَالَ: حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْمَحْسُورَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] ، قَالَ: الْجَهَالَةُ الْعَمْدُ.
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] .
قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ دُونَ الْمَوْتِ فَهُوَ قَرِيبٌ.
١٣٠ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَذْنَبَ الرَّجُلُ ذَنْبًا، فَقَالَ رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، أَوْ قَالَ عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ، فَقَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي» .
وَهَذَا كُلُّهُ لِكَرَامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَانَ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ إِذَا أَذْنَبُوا ذَنْبًا حُرِّمَ
стр. 96
عَلَيْهِمْ حَلَالٌ.
وَإِذَا أَذْنَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ذَنْبًا، وَجَدَ عَلَى بَابِهِ أَوْ عَلَى جَسَدِهِ أَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ قَدْ أَذْنَبَ كَذَا، وَتَوْبَتُهُ كَذَا، فَسُهِّلَ الْأَمْرُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ لَمْ يَتُبْ إِذَا أَمْسَى، وَإِذَا أَصْبَحَ، فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِينَ.
وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَيَجْتَهِدَ فِي حِفْظِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تَطْهِيرًا لِذُنُوبِ الْعِبَادِ، فِيمَا دُونَ الْكَبَائِرِ.
١٣١ - وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ امْرَأَةً فِي الْبُسْتَانِ، فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ وَقَبَّلْتُهَا وَبَاشَرْتُهَا وَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّنِي لَمْ أُجَامِعْهَا.
فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] ، يَعْنِي صَلِّ للَّهِ تَعَالَى فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ.
وَهِيَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، يَعْنِي صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، يَعْنِي الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَهَا، يَعْنِي مَا دُونَ الْكَبَائِرِ: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ، يَعْنِي لِلتَّائِبِينَ.
فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَرَأَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً» .
١٣٢ - وَرَوَى يُونُسُ عَنْ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكَانِ، وَصَاحِبُ الْيَمِينِ أَمِينٌ عَلَى الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ
стр. 97
السَّيِّئَةَ، قَالَ صَاحِبُ الشِّمَالِ: أَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: دَعْهُ حَتَّى يَعْمَلَ خَمْسَ سَيِّئَاتٍ، فَإِذَا عَمِلَ خَمْسًا قَالَ: أَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: دَعْهُ حَتَّى يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَإِذَا عَمِلَ حَسَنَةً قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ: قَدْ أُخْبِرْنَا أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَتَعَالَ حَتَّى نَمْحُوَ خَمْسًا بِخَمْسٍ، وَنُثَبِّتَ لَهُ خَمْسًا مِنَ الْحَسَنَاتِ، قَالَ فَيَصِيحُ الشَّيْطَانُ وَيَقُولُ: مَتَى أُدْرِكُ ابْنَ آدَمَ "؟
١٣٣ - حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: خَرَجْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ بَعْدَمَا صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَنَا بَامْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي قَدِ ارْتَكَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقُلْتُ: وَمَا ذَنْبُكِ؟ قَالَتْ: إِنِّي زَنَيْتُ وَقَتَلْتُ وَلَدِي مِنَ الزِّنَى، فَقُلْتُ لَهَا: هَلَكْتِ وَأَهْلَكْتِ، وَاللَّهِ مَا لَكِ مِنْ تَوْبَةٍ.
قَالَ، فَشَهِقَتْ شَهْقَةً وَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا وَمَضَيْتُ، وَقُلْتُ: فِي نَفْسِي أُفْتِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَةً اسْتَفْتَتْنِي الْبَارِحَةَ فِي كَذَا وَكَذَا، وَإِنِّي أَفْتَيْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَنْتَ وَاللَّهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ.
أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا أَعْدُو فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَأَقُولُ مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى امْرَأَةٍ اسْتَفْتَتْنِي الْبَارِحَةَ فِي كَذَا وَكَذَا؟ وَالصِّبْيَانُ يَقُولُونَ جُنَّ أَبُو هُرَيْرَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ لَقِيتُهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ، فَأَعْلَمْتُهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ لَهَا التَّوْبَةَ.
فَشَهِقَتْ شَهْقَةً مِنَ السُّرُورِ وَقَالَتْ: إِنَّ لِي حَدِيقَةً وَهِيَ صَدَقَةٌ لِلْمَسَاكِينِ، كَفَّارَةً لِذَنْبِي.
وَذَكَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] .
قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ مِنَ الذُّنُوبِ، صَارَتِ
стр. 98
الذُّنُوبُ الْمَاضِيَةُ كُلُّهَا حَسَنَاتٍ
وَرُوِيَ هَكَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَنْظُرُ الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كِتَابِهِ، فَيَرَى فِي أَوَّلِهِ مَعَاصِيَ وَفِي آخِرِهِ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى أَوَّلِ الْكِتَابِ رَأَى كُلَّهُ حَسَنَاتٍ.
وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وَيُقَالُ مَعْنَاهُ أَنْ يُحَوَّلَ مِنَ الْعَمَلِ السَّيِّئِ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
فَيُوَفَقُّهُ اللَّهُ تَعَالَى لِكَيْ يَعْمَلَ الْحَسَنَاتِ، مَكَانَ مَا يَعْمَلُ مِنَ السَّيِّئَاتِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] .
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّهُ لَيْسَ ذَنْبٌ أَعْظَمَ مِنَ الْكُفْرِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا دُونَهُ؟ !
١٣٤ - وَرَوَى الْحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ أَخْطَأَ أَحَدُكُمْ مِلْءَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .
١٣٥ - وَرُوِيَ عَنْ زَيْدٍ الرُّقَاشِيُّ، قَالَ: خَطَبَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ فِي خَطْبَتِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " آدَمُ أَكْرَمُ الْبَشَرِ عَلَى اللَّهِ، يَعْتَذِرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِثَلَاثِ مَعَاذِيرَ.
فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ لَوْلَا أَنِّي لَعَنْتُ الْكَذَّابِينَ، وَأُبْغِضُ الْكَذِبَ وَأَوْعَدْتُ عَلَيْهِ، وَقَد حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَرَحِمْتُ ذُرِّيَّتَكَ الْيَوْمَ أَجْمَعِينَ.
وَيَقُولُ لَهُ يَا آدَمُ إِنِّي لَا أُدْخِلُ أَحَدًا مِنْ ذُرِّيَّتِكَ النَّارَ , وَلَا أُعَذِّبُهُ بِالنَّارِ، إِلَّا مَنْ
стр. 99
عَلِمْتُ بِعِلْمِي أَنَّهُ لَوْ رَدَدْتُهُ إِلَى الدُّنْيَا، لَعَادَ إِلَى شَرِّ مَا كَانَ فِيهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يَتُبْ.
وَيَقُولُ لَهُ يَا آدَمُ قَدْ جَعَلْتُكَ حَكَمًا بَيْنِي وَبَيْنَ ذُرِّيَّتِكَ، قُمْ عِنْدَ الْمِيزَانِ فَانْظُرْ إِلَى مَا يُرْفَعُ إِلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ رَجَعَ لَهُ خَيْرٌ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فَلَهُ الْجَنَّةُ حَتَّى تَعْلَمَ أَنِّي لَا أُدْخِلُ النَّارَ إِلَّا كُلَّ ظَالِمٍ ".
١٣٦ - رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ: دِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَدِيوَانٌ يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي يَغْفِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى فَظُلْمُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ".
١٣٧ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ نَطَحَتْهَا، فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي رِضَا الْخُصُومِ، وَإِذَا كَانَ الذَّنْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ إِذَا اسْتَغْفَرَ، وَإِذَا كَانَ الذَّنْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ فَإِنَّهُ مُطَالَبٌ بِهِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِغْفَارُ وَلَا التَّوْبَةُ مَا لَمْ يَرْضَ الْخَصْمُ وَإِنْ لَمْ يُرْضِهِ فِي الدُّنْيَا، أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ.
١٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا دِينَارَ
стр. 100
وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْتَصُّ لِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» .
فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلتَّوْبَةِ وَأَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَيْهَا، فَإِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى التَّوْبَةِ أَشَدُّ مِنَ التَّوْبَةِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِيَّاكَ أَنْ تَعْمَلَ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ ثُمَّ تَدَعَهُ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ تَابَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَفْلَحَ، فَيَنْبَغِي لِلتَّائِبِ أَنْ يَجْعَلَ أَجَلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ لِكَيْ يَثْبُتَ عَلَى التَّوْبَةِ، وَيَتَفَكَّرَ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَيُكْثِرَ الِاسْتِغْفَارَ، وَيَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا رَزَقَهُ مِنَ التَّوْبَةِ وَوَفَّقَهُ لِذَلِكَ، وَيَتَفَكَّرَ فِي ثَوَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ مَنْ تَفَكَّرَ فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ رَغِبَ فِي الْحَسَنَاتِ، وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي الْعِقَابِ انْزَجَرَ عَنِ السَّيِّئَاتِ
١٣٩ - وَرَوَى زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا مَا كَانَ فِي صُحُفِ مُوسَى؟ قَالَ: " كَانَ فِيهَا سِتُّ كَلِمَاتٍ: عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ كَيْفَ يَعْمَلُ بِالسَّيِّئَاتِ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَنْصَبُ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ كَيْفَ يَحْزَنُ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يَرَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْجَنَّةِ وَهُوَ لَا يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ".
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُوٍد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ مَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ نَوَاحِي الْكُوفَةِ، فَإِذَا الْفُسَّاقُ قَدِ اجْتَمَعُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَفِيهِمْ مُغَنٍّ يُقَالُ لَهُ زَاذَانُ، وَكَانَ يَضْرِبُ وَيُغَنِّي وَكَانَ لَهُ صَوْتٌ حَسَنٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ
стр. 101
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الصَّوْتَ لَوْ كَانَ لِقِرَاءَةِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَعَلَ الرِّدَاءَ فِي رَأْسِهِ وَمَضَى.
فَسَمِعَ زَاذَانُ قَوْلَهُ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ؟ قَالُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ، فَأَيَّ شَيْءٍ قَالَ؟ قَالُوا إِنَّهُ قَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا الصَّوْتَ لَوْ كَانَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
فَدَخَلَتِ الْهَيْبَةُ فِي قَلْبِهِ فَقَامَ وَضَرَبَ الْعُودَ عَلَى الْأَرْضِ فَكَسَرَهُ، ثُمَّ أَسْرَعَ حَتَّى أَدْرَكَهُ وَجَعَلَ الْمِنْدِيلَ فِي عُنُقِ نَفْسِهِ، وَجَعَلَ يَبْكِي بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَاعْتَنَقَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَجَعَلَ يَبْكِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ لَا أُحِبُّ مَنْ قَدْ أَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فَتَابَ مِنْ ذُنُوبِهِ.
وَجَعَلَ يُلَازِمُ عَبْدَ اللَّهِ حَتَّى تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَأَخَذَ حَظًّا مِنَ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ، حَتَّى صَارَ إِمَامًا فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا.
سَمِعْتُ أَبِي يَحْكِي أَنَّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيًّا، وَكَانَتْ مُفْتِنَةً لِلنَّاسِ بِجَمَالِهَا، وَكَانَ بَابُ دَارِهَا أَبَدًا مَفْتُوحًا، فَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِبَابِهَا رَآهَا قَاعِدَةً فِي دَارِهَا عَلَى السَّرِيرِ بِحِذَاءِ الْبَابِ، فَكُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا افْتُتِنَ بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ إِلَيْهَا احْتَاجَ إِلَى إِحْضَارِ عَشْرَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ أَقَلِّ أَوْ أَكْثَرِ، حَتَّى تَأْذَنَ لَهُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهَا.
فَمَرَّ بِهَا ذَاتَ يَوْمٍ عَابِدٌ مِنَ الْعُبَّادِ فَوَقَعَ بَصَرُهُ فِي الدَّارِ وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَافْتُتِنَ بِهَا فَجَعَلَ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ وَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى لِيُزِيلَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ عَنْهُ، وَكَانَ يُكَابِدُ نَفْسَهُ الْمُكَابَدَةَ الشَّدِيدَةَ حَتَّى بَاعَ قُمَاشًا كَانَ لَهُ وَجَمَعَ مِنَ الدَّنَانِيرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ إِلَى بَابِهَا وَأَمَرَتْ أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ إِلَى وَكِيلٍ لَهَا، وَوَاعَدَتْهُ وَقْتًا لِمَجِيئِهِ، فَجَاءَ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَدْ تَزَيَّنَتْ وَجَلَسَتْ فِي بَيْتِهَا عَلَى سَرِيرِهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا الْعَابِدُ وَجَلَسَ مَعَهَا عَلَى السَّرِيرِ، فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا وَانْبَسَطَ إِلَيْهَا، تَدَارَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَبَرَكَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَانِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَوْقَ عَرْشِهِ وَأَنَا فِي الْحَرَامِ، وَقَدْ أَحْبَطَ عَمَلِي كُلَّهُ فَوَسِعَتِ الْهَيْبَةُ فِي قَلْبِهِ.
وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ.
فَنَظَرَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْهِ فَرَأَتْهُ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ فَقَالَتْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصَابَكَ قَالَ: إِنِّي أَخَافُ رَبِّي، فَائْذَنِي لِي بِالْخُرُوجِ، فَقَالَت لَهُ، وَيْحَكَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَمَنَّوْنَ الَّذِي وَجَدْتَهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ؟ فَقَالَ لَهَا: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنَّ الْمَالَ الَّذِي دَفَعْتُهُ إِلَيْكِ هُوَ حَلَالٌ لَكِ فَائْذَنِي لِي بِالْخُرُوجِ،
стр. 102
فَقَالَتْ لَهُ كَأَنَّكَ لَمْ تَعْمَلْ هَذَا الْعَمَلَ قَطُّ.
قَالَ: لَا.
قَالَتِ الْمَرْأَةُ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ وَمَا اسْمُكَ؟ فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ مِنْ قَرْيَةِ كَذَا، وَاسْمُهُ كَذَا، فَأَذِنَتْ لَهُ بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَهُوَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَيَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ، وَيَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ.
فَوَقَعَتِ الَهَيْبَةُ فِي قَلْبِ الْمَرْأَةِ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ الْعَابِدِ، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ أَوَّلُ ذَنْبٍ أَذْنَبَهُ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوْفِ مَا دَخَلَ، وَإِنِّي قَدْ أَذْنَبْتُ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ، وَإِنَّ رَبَّهُ الَّذِي يَخَافُ مِنْهُ هُوَ رَبِّي، فَخَوْفِي مِنْهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ، فَتَابَتْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَغْلَقَتْ بَابَهَا عَنِ النَّاسِ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا خَلِقَةً، وَأَقْبَلَتْ عَلَى الْعِبَادَةِ.
وَكَانَتْ فِي عِبَادَتِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ.
فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا إِنِّي لَوِ انْتَهَيْتُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَلَعَلَّهُ يَتَزَوَّجُنِي فَأَكُونُ عِنْدَهُ فَأَتَعَلَّمُ مِنْ أَمْرِ دِينِي وَيَكُونُ عَوْنًا لِي عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَجَهَّزَتْ وَحَمَلَتْ مَعَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْخَدَمِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْتَهَتْ إِلَى تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَسَأَلَتْ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ الْعَابِدُ أَنَّهُ قَدِمَتِ امْرَأَةٌ تَسْأَلُ عَنْهُ، فَخَرَجَ الْعَابِدُ إِلَيْهَا فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ كَشَفَتْ وَجْهَهَا لِيَعْرِفَهَا، فَلَمَّا رَآهَا الْعَابِدُ عَرَفَ وَجْهَهَا وَتَذَكَّرَ الْأَمْرَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَصَاحَ صَيْحَةً وَخَرَجَتْ رُوحُهُ وَبَقِيَتِ الْمَرْأَةُ حَزِينَةً، وَقَالَتْ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأَجْلِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَهَلْ مِنْ أَقْرِبَائِهِ أَحَدٌ يَحْتَاجُ إِلَى امْرَأَةٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّ لَهُ أَخًا صَالِحًا لَيْسَ لَهُ مَالٌ، فَقَالَتْ لَا بَأْسَ، وَإِنَّ لِي مِنَ الْمَالِ مَا فِيهِ غُنْيَةٌ فَجَاءَ أَخُوُه فَتَزَوَّجَ بِهَا فَوَلَدَ مِنْهَا سَبْعَةً مِنَ الْبَنِينِ، كُلُّهُمْ صَارُوا أَنْبِيَاءَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 103
بَابُ: حَقِّ الْوَالِدَيْنِ
١٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشُّمَّذِيُّ، أَنْبَأَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْعَابِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ لَهُ أَبَوَانِ فَيُصْبِحُ وَهُوَ مُحْسِنٌ إِلَيْهِمَا، إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَابَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَا يَسْخَطُ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيَرْضَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، حَتَّى يَرْضَى» .
قِيلَ: وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا.
قَالَ: «وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا»
وَرُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ مَرْفُوعًا زَيَادَةً قَالَ: وَلَا يُصْبِحُ وَهُوَ مُسِيءٌ إِلَيْهِمَا إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَابَيْنِ مِنَ النَّارِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدٌ
قَالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا فَارِسٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاءٍ , قَالَ: " قَالَ مُوسَى ﵊: يَا رَبُّ أَوْصِنِي.
قَالَ: أُوصِيكَ بِي.
قَالَ: أَوْصِنِي.
قَالَ: أُوصِيكَ بِأُمِّكَ.
قَالَ: أَوْصِنِي.
قَالَ: أُوصِيكَ بِأُمِّكَ.
قَالَ: أَوْصِنِي.
قَالَ: أُوصِيكَ بِأَبِيكَ.
١٤١ - وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الْجِهَادَ.
قَالَ: «أَحَيٌّ أَبَوَاكَ» ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» .
стр. 104
فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْجِهَادَ وَيَشْتَغِلَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ.
وَهَكَذَا نَقُولُ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَبَوَاهُ، مَا لَمْ يَقَعِ النَّفِيرُ عَامًا، وَتَكُونُ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَلَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْغَزْوِ
١٤٢ - وَرَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ , قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» .
قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» .
قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ»
١٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَصْرَمُ بْنُ حَوْشَبَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ عَلِمَ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الْعُقُوقِ أَدْنَى مِنْ أُفٍّ لَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَلْيَعْمَلِ الْعَاقُّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ، فَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلْيَعْمَلِ الْبَارُّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ النَّارَ»
لَوْ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ حُرْمَةَ الْوَالِدَيْنِ وَلَمْ يُوصِ بِهِمَا، لَكَانَ يَعْرِفُ بِالْعَقْلِ أَنَّ حُرْمَتَهَا وَاجِبَةٌ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ حُرْمَتَهُمَا، وَيَقْضِيَ حَقَّهُمَا، فَكَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ، فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ، وَقَدْ أَمَرَ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ وَأَوْحَى إِلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَوْصَاهُمْ بِحُرْمَةِ الْوَالِدَيْنِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّهِمَا، وَجَعَلَ رِضَاهُ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطَهُ فِي سَخَطِهِمَا.
وَيُقَالُ ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلَاثٍ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا، أَوَّلُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ، فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ.
стр. 105
وَالثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَمْ يُطِعِ الرَّسُولَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] ، فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْ لِوَالِدَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
١٤٤ - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ لَعْنَةَ الْوَالِدَيْنِ تُبَرُّ أَيْ تَقْطَعُ أَصْلَ وَلَدِهِمَا إِذَا عَقَّهُمَا، فَمَنْ أَرْضَى وَالِدَيْهِ فَقَدْ أَرْضَى خَالِقَهُ، وَمَنْ أَسْخَطَ وَالِدَيْهِ فَقَدْ أَسْخَطَ خَالِقَهُ، وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ،
١٤٥ - وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ".
وَعَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَلَدِ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِذَا شَهِدَ وَالِدَيْهِ، إِلَّا بِإِذْنِهِمَا وَلَا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِمَا وَلَا عَنْ يَمِينِهِمَا وَلَا عَنْ شِمَالِهِمَا إِلَّا أَنْ يَدْعُوَاهُ فَيُجِيبَهُمَا، وَلَكِنْ يَمْشِي خَلْفَهُمَا كَمَا يَمْشِي الْعَبْدُ خَلْفَ مَوْلَاهُ.
١٤٦ - وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي خَرُفَتْ عِنْدِي وَأَنَا أُطْعِمُهَا بِيَدِي وَأَسْقِيهَا وَأُوَضِّئُهَا وَأَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِي، فَهَلْ جَازَيْتُهَا؟ قَالَ: «لَا وَلَا وَاحِدَةً مِنْ مِائَةٍ، وَلَكِنَّكَ قَدْ أَحْسَنْتَ، وَاللَّهُ يُثِيبُكَ عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا» وَرَوَى هِشَامٌ بْنُ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ، مَلْعُونٌ مَنْ لَعَنَ أَبَاهُ، مَلْعُونٌ مَنْ لَعَنَ
стр. 106
أُمَّهُ، مَلْعُونٌ مَنْ صَدَّ عَنِ السَّبِيلِ، أَوْ أَضَلَّ الْأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ، مَلْعُوٌن مَنْ ذَبَحَ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ، يَعْنِي الْحَدَّ الَّذِي بَيْنَ أَرْضِهِ وَأَرْضِ غَيْرِهِ.
وَيُقَالُ: يَعْنِي عَلَامَاتِ الْحَرَمِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَعَنَ أَبَاهُ وَلَعَنَ أُمَّهُ.
يَعْنِي عَمِلَ عَمَلًا يُلْعَنُ بِهِ أَبَوَاهُ فَيَصِيرُ هُوَ الَّذِي لَعَنَهُمَا.
١٤٧ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ: وَكَيْفَ يَسُبُّ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلَ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ»
١٤٨ - وَرَوَى أَبَانٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: كَانَ شَابٌّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمَّى عَلْقَمَةُ، وَكَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ، عَظِيمَ الصَّدَقَةِ، فَمَرِضَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَبَعَثَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ زَوْجِي فِي النَّزْعِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ بِحَالِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ لِبِلَالٍ وَعَلِيٍّ وَسَلْمَانَ وَعَمَّارٍ: اذْهَبُوا إِلَى عَلْقَمَةَ فَانْظُرُوا مَا حَالُهُ.
فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَلَمْ يَنْطِقْ لِسَانُهُ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا أَنَّهُ هَالِكٌ، بَعَثُوا بِلَالًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِحَالِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
«هَلْ لَهُ أَبَوَانِ» فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا أَبُوهُ فَقَدْ مَاتَ، وَلَهُ أُمٌّ كَبِيرَةُ السِّنِّ، فَقَالَ: «يَا بِلَالُ انْطَلِقْ إِلَى أُمِّ عَلْقَمَةَ فَأَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهَا إِنْ قَدَرْتِ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَّا فَقَرِّي حَتَّى يَأْتِيَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ نَفْسِي لِنَفْسِهِ الْفِدَاءُ، أَنَا أَحَقُّ بِإِتْيَانِهِ، فَأَخَذَتِ الْعَصَا فَمَشَتْ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَنْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ رَدَّ ﵍ فَجَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اصْدُقِينِي، فَإِنْ كَذَّبْتِنِي جَاءَنِي الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَيْفَ كَانَ حَالُ عَلْقَمَةَ» ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ يُصَلِّي كَذَا، وَيَصُومُ كَذَا، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ بِجُمْلَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ مَا يَدْرِي كَمْ وَزْنُهَا، وَمَا عَدَدُهَا، قَالَ: «فَمَا حَالُكِ وَحَالُهُ» قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي عَلَيْهِ سَاخِطَةٌ وَاجِدَةٌ، قَالَ لَهَا: «وَلِمَ ذَلِكَ» ؟ قَالَتْ: كَانَ يُؤْثِرُ امْرَأَتَهُ عَلَيَّ، وَيُطِيعُهَا فِي الْأَشْيَاءِ وَيَعْصِينِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سُخْطُ أُمِّهِ حَجَبَ لِسَانَهُ عَنْ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .
ثُمَّ قَالَ لِبِلَالٍ: «انْطَلِقْ وَاجْمَعْ حَطَبًا كَثِيرًا حَتَّى أُحْرِقَهُ بِالنَّارِ» .
فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنِي وَثَمَرَةُ فُؤَادِي تَحْرِقُهُ بِالنَّارِ بَيْنَ يَدَيَّ؟ فَكَيْفَ يَحْتَمِلُ قَلْبِي؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أُمَّ عَلْقَمَةَ فَعَذَابُ اللَّهِ أَشَدُّ وَأَبْقَى، فَإِنْ سَرَّكِ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ، فَارْضَيْ عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَنْفَعُهُ الصَّلَاةُ وَلَا الصَّدَقَةُ مَا دُمْتِ عَلَيْهِ سَاخِطَةً» .
فَرَفَعَتْ يَدَيْهَا وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُشْهِدُ اللَّهَ فِي سَمَائِهِ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ حَضَرَنِي، أَنِّي قَدْ رَضِيتُ عَنْ عَلْقَمَةَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْطَلِقْ يَا بِلَالُ فَانْظُرْ هَلْ يَسْتَطِيعُ عَلْقَمَةُ أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَلَعَلَّ أُمَّ عَلْقَمَةَ تَكَلَّمَتْ بِمَا لَيْسَ فِي قَلْبِهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ، فَانْطَلَقَ بِلَالٌ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ سَمِعَ عَلْقَمَةَ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ إِنَّ سَخَطَ أُمِّ عَلْقَمَةَ حَجَبَ لِسَانَهُ
стр. 107
عَنِ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّ رِضَاهَا أَطْلَقَ لِسَانَهُ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ.
فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَامَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ وَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَنْ فَضَّلَ زَوْجَتَهُ عَلَى أُمِّهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ يَعْنِي الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ» .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ، يَعْنِي أَمَرَ رَبُّكَ أَنْ لَا تُوَحِّدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُقَالُ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، يَعْنِي لَا تُطِيعُوا أَحَدًا فِي الْمَعْصِيَةِ.
لَكِنْ أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ.
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا يَعْنِي بِرًّا بِهِمَا وَعَطْفًا عَلَيْهِمَا.
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، يَعْنِي الْهِرَمَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، يَعْنِي أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ أَوْ كِلَا الْأَبَوَيْنِ.
فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ يَعْنِي لَا تُقْذِرْهُمَا، وَلَا تَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا رَدِيئًا.
وَيُقَالُ مَعْنَاهُ إِذَا كَبِرَ الْأَبَوَانِ وَاحْتَاجَا إِلَى رَفْعِ بَوْلِهِمَا وَغَائِطِهِمَا، فَلَا تَأْخُذْ بِأَنْفِكَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَا تَعْبَسْ بِوَجْهِكَ فَإِنَّهُمَا قَدْ رَفَعَا ذَلِكَ مِنْكَ فِي حَالَةِ صِغَرِكَ، وَرَأَيَا ذَلِكَ مِنْكَ كَثِيرًا.
ثُمَّ قَالَ وَلَا تَنْهَرْهُمَا يَعْنِي لَا تُغْلِظْ لَهُمَا بِالْقَوْلِ.
﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .
يَعْنِي لَيِّنًا حَسَنًا.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] يَعْنِي كُنْ ذَلِيلًا رَحِيمًا عَلَيْهِمَا.
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٤] يَعْنِي إِذَا مَاتَا فَادْعُ
стр. 108
لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ.
يَعْنِي يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يَعْرِفَ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ فِي حَيَاتِهِمَا، وَيَعْرِفَ حَقَّهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا، فَيَدْعُوَ لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ عَلَى أَثَرِ كُلِّ صَلَاةٍ.
وَيُقَالُ ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٤] يَعْنِي يَدْعُو لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ فِي حَالِ حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَوْتِهِمَا.
كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا.
كَمَا قَامَا عَلَيَّ فِي حَالِ صِغَرِي حَتَّى كَبِرْتُ.
فَاجْزِهِمَا عَنِّي بِالْمَغْفِرَةِ لَهُمَا.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ ﵃ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ دَعَا لِأَبَوَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ أَدَّى حَقَّهُمَا.
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] ، فَشُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُصَلِّيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ.
وَكَذَلِكَ شُكْرُ الْوَالِدَيْنِ، أَنْ يَدْعُوَ لَهُمَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٢٥] .
يَعْنِي عَالِمٌ بِمَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ اللِّينِ وَالْبِرِّ لِلْأَبَوَيْنِ.
﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ [الإسراء: ٢٥] .
يَعْنِي إِنْ تَكُونُوا بَارِّينَ بِالْوَالِدَيْنِ فَتَسْتَوْجِبُوا عَلَى اللَّهِ بذَلِكَ الْأَجْرَ، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] .
يَعْنِي إِنْ تَرَكْتُمْ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ يَعْنِي الرَّاجِعِينَ عَنِ الذُّنُوبِ غَفُورًا.
وَيُقَالُ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ، عَشَرَةُ حُقُوقٍ: أَحَدُهُمْ أَنَّهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الطَّعَامِ أَطْعَمَهُ.
وَالثَّانِي إِذَا احْتَاجَ إِلَى الكُسْوَةِ كَسَاهُ إِنْ قَدِرَ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ، فَقَالَ: «الْمُصَاحَبَةُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُطِيعَهُمَا إِذَا جَاعَا وَيَكْسُوهُمَا إِذَا عَرِيَا» .
وَالثَّالِثُ إِذَا احْتَاجَ أَحَدُهُمَا إِلَى خِدْمَتِهِ خَدَمَهُ.
وَالرَّابِعُ إِذَا دَعَاهُ أَجَابَهُ وَحَضَرَهُ.
وَالْخَامِسُ إِذَا أَمَرَهُ بِأَمْرٍ أَطَاعَهُ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْغَيْبَةِ.
وَالسَّادِسُ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِاللِّينِ وَلَا يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِالْكَلَامِ الْغَلِيظِ.
وَالسَّابِعُ أَنْ لَا يَدْعُوهُ بِاسْمِهِ، وَالثَّامِنُ أَنْ يَمْشِي خَلْفَهُ.
وَالتَّاسِعُ أَنْ يَرْضَى لَهُ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ.
وَالْعَاشِرُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ كُلَّمَا يَدْعُو لِنَفْسِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي
стр. 109
وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨] ، وَهَكَذَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵊: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴿٤٠﴾ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٠-٤١] ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: " تَرْكُ الدُّعَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ يُضَيِّقُ الْعَيْشَ عَلَى الْوَلَدِ، وَهَلْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرْضِيَهُمَا بَعْدَ وَفَاتِهِمَا؟ قِيلَ لَهُ: بَلَى يُرْضِيهُمَا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ صَالِحًا فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمَا مِنْ صَلَاحِهِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَصِلَ قَرَابَتَهُمَا وَأَصْدِقَاءَهُمَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمَا وَيَدْعُوَ لَهُمَا وَيَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا "
١٤٩ - وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ ".
١٥٠ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَقْطَعْ مَنْ كَانَ يَصِلُ أَبَاكَ فَتُطْفِئُ بِذَلِكَ نُورَكَ، فَإِنَّ وُدَّكَ وُدُّ أَبِيكَ» .
١٥١ - وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلَمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبَوَيَّ قَدْ مَاتَا فَهَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّهِمَا عَلَيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 110
بَابُ: حَقِّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ
١٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَسَنِ بْنِ عِمَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ إِذَا وُلِدَ، وَيُعَلِّمَهُ الْكِتَابَ إِذَا عَقَلَ، وَيُزَوِّجَهُ إِذَا أَدْرَكَ "
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَيْهِ بِابْنِهِ فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي هَذَا يَعُقُّنِي.
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِلِابْنِ: أَمَا تَخَافُ اللَّهَ فِي عُقُوقِ وَالِدِكَ، فَإِنَّ مِنْ حَقِّ الْوَالِدِ كَذَا، وَمِنْ حَقِّ الْوَالِدِ كَذَا، فَقَالَ الابْنُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَمَا لِلابْنِ عَلَى وَالِدِهِ حَقٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ حَقُّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَنْجِبَ أُمَّهُ.
يَعْنِي لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً دَنِيئَةً لِكَيْلَا يَكُونَ لِلْابْنِ تَعْيِيرٌ بِهَا.
قَالَ: وَحُسْنِ اسْمِهِ وَيُعَلِّمَهُ الْكِتَابَ.
فَقَالَ الابْنُ، فَوَاللَّهِ مَا يَكُونُ لِلْابْنِ تَعْيِيرٌ بِهَا.
فَقَالَ الابْنُ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَنْجَبَ أُمِّي، وَمَا هِيَ إِلَّا سِنْدِيَّةٌ اشْتَرَاهَا بِأَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلَا حَسَّنَ اسْمِي.
سَمَّانِي جَعْلًا ذَكَرَ الْخُفَّاشِ.
وَلَا عَلَّمَنِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ آيَةً وَاحِدَةً.
فَالْتَفَتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى الْأَبِ وَقَالَ: تَقُولُ ابْنِي يَعُقُّنِي! فَقَدْ عَقَقْتَهُ قَبْلَ أَنْ يَعُقَّكَ.
قُمْ عَنِّي سَمِعْتُ أَبِي , يَحْكِي عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْيَسْكَنْدِيِّ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ سَمَرْقَنْدَ، أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي ضَرَبَنِي وَأَوْجَعَنِي.
قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الابْنُ يَضْرِبُ أَبَاهُ؟ ! قَالَ: نَعَمْ ضَرَبَنِي وَأَوْجَعَنِي.
فَقَالَ: هَلْ عَلَّمْتَهُ الْأَدَبَ وَالْعِلْمَ؟ قَالَ: لَا: فَهَلْ عَلَّمْتَهُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ فَأَيَّ
следующие страницы →