← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1048

الحق الأبلج في دحض شبهات مفهوم البدعة للعرفج

عبد العزيز الريس

Полный текст (189 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

رد تخليط آخر في مفهوم السنة التركية الشبهة التاسعة عشرة قال الكاتب: «أدلة على أن تركه ﷺ لا يقتضي التحريم: وكذلك فقد ثبت عن رسول الله أنه ترك أمورًا لأسباب معينة عارضة، ونص على أن سبب تركه لها ليس حرمتها» (١). وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن هذا ليس من السنة التركية؛ لأنه ليس مما ترك قصدًا من العبادات مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، بل هي إما غير عبادات، أو مما لم يوجد المقتضي أو وجد مانعه. وجهله للسنة التركية وضابطها، أو تجاهله، من أعظم الأصول التي ضلّ فيها الكاتب، فبهذا ضل وأضل، وصال وجال، بغير علم ولا دراية. رد تكرار رد تخليطه في مفهوم السنة التركية الشبهة العشرون قال الكاتب: «إن الصحابة ﵃ لم يكونوا يفهمون أن سكوت النبي ﷺ عن أمر ما، أو تركه له دليل على تحريمه، فقد استقر عندهم أن ما سكت عنه رسول الله فهو حلال وعفو» (٢).

стр. 142

وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن هذا يؤكد تخليطه في مفهوم السنة التركية، وذلك أن ما ذكره صحيح ولا شك فيه، لكنه ليس مرادًا فيما نحن بصدده مما يتعلق بالبدعة، وفيما يسمى بالسنة التركية عند الكلام على البدع، وذلك أن السنة التركية: هي تعمدُ وتقصدُ تركِ عبادةٍ مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، ومثل هذا كان يبدع به الصحابة، خلاف ما ظنه الكاتب، فقد أنكر ابن مسعود على الذين يذكرون الله حلقًا مستدلًا بالسنة التركية، فقال: «ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة» (١)، وأنكر ابن عمر على الذي عطس وسلم على رسول الله ﷺ فقال ابن عمر: «وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، ولكن ليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، علَّمنا إذا عطس أحدنا أن يقول: «الحمد لله على كل حال» (١) مستدلًّا بالسنة التركية. لا يصح القياس مع معارضة السنة التركية الشبهة الحادية والعشرون نقل عن أكثر الفقهاء صحة القياس في العبادات التي يعقل معناها على الإطلاق بدون نظر لمعارضته للسنة التركية، فقال: «أما جزئيات وفرعيات العبادات التي يعقل معناها، بحيث يمكن الاجتهاد في دلالات علتها، فهي محل الخلاف بين

стр. 143

العلماء في جواز إجراء القياس فيها دون الحاجة إلى توقيف صريح، بمعنى أنهم اختلفوا في قياس جزئية عبادة غير معلوم حكمها على أخرى - معقولة المعنى - معلوم حكمها، فأكثر الفقهاء والأصوليين يرون جواز القياس في هذه الحالة» (١). وقال: «وخلاصة قضية التوقيف في العبادات والقياس عليها؛ أن جزئيات العبادات التي لا يعقل معناها، والتي يظهر فيها معنى التعبد بجلاء، لا يصح القياس عليها، أما الجزئيات التي يمكن تعقل معانيها فإن القياس عليها محل خلاف بين العلماء، وأكثرهم على جوازه» (٢). وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن هذا الذي قرره حق، لكنه غفل أو تغافل عن ضابط مهم، وهو أن القياس في العبادات إذا عورض بالسنة التركية فإنه يكون قياسًا فاسدًا، وينتج من هذا القياس البدعة، كما تقدم تقرير هذا في المقدمة العاشرة. نقد تعريفه المختار للبدعة الشبهة الثانية والعشرون قال الكاتب: فإن التعريف الذي أرتضيه للبدعة المذمومة هو (محدثة دينية تتصادم مع نصوص الشرع أو مقاصده أو قواعده) فخرج بلفظ (محدثة) ما كان معمولًا به في الصدر الأول، وخرج بلفظ (دينية) ما كان من عادات الناس وأعرافهم وما شابهها، وخرج بلفظ (تتصادم) ما يمكن إلحاقه بالمشروع عن

стр. 144

طريق الاجتهاد والقياس، ونظرًا لأن المشروع يؤخذ من نصوص الشرع ومقاصده وقواعده، فلابد في المحدثة الجائزة أن لا تتصادم معها» (١). وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن هذا التعريف فيه إجمالات وإشكالات، وتناقضات، مع ما قرره. أولًا: قال: «تتصادم مع نصوص الشريعة» ثم بين بقوله: «ما يمكن إلحاقه بالمشروع عن طريق الاجتهاد والقياس» هذا يفيد أن البدعة يشترط أن تكون مستندة لأحد الأدلة الشرعية المعتبرة، لا أنها تكون بالهوى، فبهذا يعرف أنها توقيفية مطلقًا، وهذا يناقض ما ذكره من أنه لا يشترط أن تكون توقيفية مطلقًا. ثانيًا: قال مبينًا معنى «تتصادم مع نصوص الشريعة»: «ونظرًا لأن المشروع يؤخذ من نصوص الشرع ومقاصده وقواعده، فلابد في المحدثة الجائزة أن لا تتصادم معها». اشتراط عدم التصادم مع نصوص الشرع إنما يقال فيما أصله الإباحة، أما ما أصله الحظر والمنع فأول ما يشترط له وجود الدليل الذي يدل عليه، وإلا بقي على المنع والحظر، فضابطه هذا يشير إلى أنه لا يراها توقيفية، وكأنه يذكر ضابطًا لأمر مباح في نفسه، لا لأمر الأصل فيه المنع. والمباح لا يتعبد به لذاته، بل التعبد به لذاته بدعة محرمة - كما تقدم في المقدمة الرابعة -.

стр. 145

ثالثًا: من وقف على اضطرابه وتداخل الأمور عليه، كما في كشف شبهاته الإجمالية ثم التفصيلية؛ أدرك أن عدم ضبطه للبدعة ليس غريبًا، وقد كان رمى علماء الأمة كلها بأنها لم تضبط البدعة، حتى جاء هو بتعريفها، فصدق عليه قول القائل: «رمتني بدائها وانسلت»، وقول الشاعر: وكم من عائبٍ قولًا سليمًا … وآفتُه من الفهمِ السَّقيمِ ومعرفة الخلل في تعريفه للبدعة يفسر سبب عدم تعريفه لها عند تأليفه لكتابه (مفهوم البدعة)، مع أن معرفة ضابط البدعة مقصود قصدًا أساسيًّا في كتابه هذا، وإنه لم يعرفها إلا في ملحق الكتاب لما طلبه منه أحد المقدمين لكتابه. رد زعمه أن في البدعة ما هو مكروه الشبهة الثالثة والعشرون قال الكاتب: «البدعة المذمومة - بمعناها الشرعي - محدثة دينية تتعارض مع نصوص الشريعة ومقاصدها، وحكمها الكراهة أو الحرمة» (١). وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن القول بأن في البدع الشرعية ما هو مكروه مخالفٌ للنصوص الشرعية ولإجماع السلف - كما تقدم -.

стр. 146

رد منازعته في أن كل بدعة ضلالة الشبهة الرابعة والعشرون قال الكاتب: «لقد كان السائد عند بعض العلماء المضيقين لمعنى البدعة - وهم الذين يجعلون قوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» (١) - عامًّا لا يقبل التخصيص بأي حال من الأحوال» (٢). وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن القول بأن كل بدعة شرعية ضلالة عليه إجماع السلف، ومن خالف من بعض المتأخرين فهم محجوجون بالأدلة وأقوال الصحابة، والإجماع كما تقدم في المقدمة السادسة. لا يلزم من وصف فعل بأنه بدعة أن يكون الفاعل مبتدعًا الشبهة الخامسة والعشرون قال الكاتب: «والخلاف بين الفريقين خلاف حقيقي، وقد أدى الاختلاف بينهما إلى قيام الفريق الثاني المضيق لمعنى البدعة بوصف كثير من المحدثات ذات الصبغة الدينية بالبدعة، ووصف فاعليها بالابتداع» (٣). وكشف هذه الشبهة أن يقال:

стр. 147

إن أهل العلم إذا قالوا: إن هذا الفعل بدعة، فإنه لا يلزم منه تبديع فاعلها، ففرق بين الحكم على النوع والعين، فليس كل من وقع في بدعة صار مبتدعًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية أنه: «ليس كل من اجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق، ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأمورًا، أو فعل محظورًا، وهذا هو قول الفقهاء والأئمة، وهو القول المعروف عن سلف الأمة وقول جمهور المسلمين» (١). وقال: «فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلًا، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها، أو لاتباع هواه بغير هدى من الله؛ فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد؛ بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله؛ فهذا مغفور له خطؤه، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾] البقرة: ٢٨٥ [إلى قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾] البقرة: ٢٨٦ [، وقد ثبت في صحيح مسلم: «أن الله قال: قد فعلت» (٢) وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس «أن النبي ﷺ لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أُعطي ذلك» (٣)، فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي ﷺ والمؤمنين، وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا» (٤).

стр. 148

قال العلامة الألباني: «إذا عرفت ذلك فلا يتوهمن أحد أننا حين اخترنا الاقتصار على السنة في عدد ركعات التراويح، وعدم جواز الزيادة عليها؛ أننا نضلل أو نبدع من لا يرى ذلك من العلماء السابقين واللاحقين، كما قد ظن ذلك بعض الناس، واتخذوه حجة للطعن علينا، توهمًا منهم أنه يلزم من قولنا: بأن الأمر الفلاني لا يجوز، أو أنه بدعة، أن كل من قال بجوازه واستحبابه فهو ضال مبتدع، كلا، فإنه وهم باطل وجهل بالغ» (١). رد زعمه أن العلماء إذا اختلفوا في التبديع يلزمهم أن يبدع بعضهم بعضًا الشبهة السادسة والعشرون قال الكاتب: «فإن من أخذ بقول الشيخ محمد بن عثيمين والشيخ الألباني -رحمهما الله- والشيخ صالح الفوزان حفظه الله ببدعية الجلوس للعزاء، وضرورة اجتنابه، لزمه تبديع الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ والشيخ عبد الله بن جبرين ﵀ لتجويزهم إياه» (٢). وكشف هذه الشبهة أن يقال: إنه لا يسلم بأن علماءنا إذا بدعوا فعلًا مختلفًا في التبديع به بدع بعضهم بعضًا، وهذا الزعم إما فرية للتنفير منهم، أو جهل، وواقع حالهم أنهم يخطِّئ بعضهم بعضًا في هذه المسائل كبقية المسائل الدينية الاجتهادية في غير البدع، ويبدعون الفعل الذي يرونه بدعة، ولا يلزم منه تبديع الفاعل، بل تقدم أنه لا

стр. 149

يلزم التبديع لمن خالف فيما هو متفق على أنه بدعة؛ لأنه لا تلازم بين تبديع الفعل وتبديع الفاعل، بل إن في المسألة تفصيلًا ذكره أهل العلم، وقد تقدم الكلام على هذا. رد حصره شدة السلف على البدع العقدية الشبهة السابعة والعشرون قال الكاتب: « … ونقلوا - متألمين - ما سمعوه من أحد خطباء الجمعة، المتبعين لمنهج تضييق معنى البدعة، حيث تهجم ذلك الخطيب على من يجتمعون في شهر ربيع الأول بمناسبة المولد النبوي؛ لمدارسة سيرة نبينا محمد ﷺ . فقلت لهم: وما الجديد؟ ألم تعتادوا سنويًّا على سماع كلام عنيف جارح من بعض هؤلاء الإخوة؟ ألم يقل أحدهم: «إن الذي يحتفل بالمولد النبوي أعظم أثمًا ممن يشرب الخمر ويسرق ويزني ويقتل» (١). وقال في الحاشية: «هذا الكلام يصدق على البدع الاعتقادية، كسب الصحابة ﵃ وتكفيرهم، وكتكفير الأئمة وصاحب الكبيرة، كإنكار القدر وكنفي الصفات وغيرها، فإن هذه البدع الاعتقادية أعظم خطرًا وأشد ضررًا على المسلمين من الكبائر، ولكنه لا يصدق على البدع العملية، خصوصًا إذا اختلف في حكمها العلماء الراسخون في العلم». وكشف هذه الشبهة من أوجه:

стр. 150

الوجه الأول: أن الأدلة الشرعية شددت في البدع جميعًا، ولم تفرق بين العقدي والعملي، كما في قوله: «كل بدعة ضلالة» (١)، وقوله: «وإياكم ومحدثات الأمور» (١)، وقوله: «من رغب عن سنتي فليس مني» (١) وهكذا .. فلا فرق بين الأمور العقدية والعملية من جهة أصل الابتداع، وإن كانت البدع ليست على درجة واحدة، بل هي دركات وكلها محرمة وكبيرة، لكن بعضها أعظم دركة من الأخرى - كما تقدم في كلام الشاطبي -. الوجه الثاني: أن من أسباب ضلال كل البدع - حتى العملية - أنه يلزم عليها لوازم عقدية شنيعة من أن الله لم يكمل الدين، وأن الرسول ﷺ لم يبلغ الرسالة - كما تقدم - وهذا شامل لكل البدع. الوجه الثالث: أنه لا دليل ولا أثارة من علم على هذه الدعوى. والدعاوى إذا لم يقيموا عليها بيناتٍ؛ أصحابُها أدعياء. فإذا كان كذلك فلا يلتفت إليها. الوجه الرابع: أن السلف من الصحابة ومن بعدهم شددوا حتى في البدع العملية، كإنكار ابن مسعود على الذين اجتمعوا حلقًا، وشدَّد عليهم، وذكر لازم فعلهم. وكشدة إنكار عمارة بن رؤيبة على بشر بن مروان مع أنه والٍ، أخرج مسلم (٢) عن عمارة بن رؤيبة، قال: رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه،

стр. 151

فقال: «قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة». وأخرج ابن أبي شيبة (١) عن المعرور بن سويد قال: كنت مع عمر بين مكة والمدينة، فصلى بنا الفجر فقرأ: (ألم تر كيف فعل ربك)، و (لإيلاف قريش)، ثم رأى أقوامًا ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم فقالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ . فقال: «إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصلِّ، وإلا فليمضِ». وهذا تشديد من الفاروق في بدعة عملية بأن جعلها سببًا للهلاك. وروى ابن وضاح (٢) عن يونس بن عبيد قال: «كانوا يجتمعون، فأتاهم الحسن فقال له رجل: يا أبا سعيد، ما ترى في مجلسنا هذا؟ قوم من أهل السنة والجماعة لا يطنعون على أحد، نجتمع في بيت هذا يومًا، وفي بيت هذا يومًا، فنقرأ كتاب الله، وندعو ربنا، ونصلي على النبي ﷺ ، وندعو لأنفسنا ولعامة المسلمين؟ قال: فنهى عن ذلك الحسن أشد النهي». الوجه الخامس: أن أقوال السلف من الصحابة السابقين ومن بعدهم متفقة على ذم البدع، وأنها أشدّ من المعاصي الشهوانية، ولم يفرقوا في ذلك بين العملية والعقدية، وهذا عموم منهم، وكذلك الإجماع الذي حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية، وما قرره الشاطبي فيما سبق أن البدع كلها كبائر، لأن كل البدع داخلة في

стр. 152

عموم قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾] الشورى: ٢١ [. الوجه السادس: أن أهل العلم إذا قالوا: من فعل كذا من البدع فهو أشد إثمًا من شرب الخمر أو غيره، فهذا تأصيل عام، ولا يلزم منه الحكم على المعين أنه تلبس بهذا الإثم أو بوصف الابتداع، وفرق بين الحكم على النوع والعين، فليس كل من وقع في بدعة صار مبتدعًا - كما تقدم -. رد زعمه أن الاختلاف في التبديع يقتضي عدم تحرير البدعة الشبهة الثامنة والعشرون ردد الكاتب أن اختلاف العلماء في تبديع بعض الأمور العملية دليل على أنه ليس للبدعة ضابط، فمما قال: «يرجع السبب في هذا الاختلاف المحتدم - من وجهة نظري - إلى عدم تحرير معنى البدعة في الدين بشكل واضح لا لَبْس فيه ولا غبار عليه. - ثم قال: - ولذلك فإنني أعتقد جازمًا أنه إذا تم تحرير معنى البدعة في الدين بصورة جلية واضحة، فإن كثيرًا من الاختلاف سوف يزول ويندثر» (١). وكشف هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: أن هذه النتيجة لا تقبل ممن هو مضطرب ومتناقض في معنى البدعة، وفي تصنيف موقف العلماء منها على تقسيماته واصطلاحاته التي من كيسه، ويتضح جليًّا بمطالعة الرد الإجمالي.

стр. 153

الوجه الثاني: أنه لا يلزم من الاختلاف في تبديع بعض الأعمال أنه يكون السبب عدم تحرير معنى البدعة، بل لاختلاف الاجتهاد كبقية المسائل الاجتهادية، فقد يتفق عالمان على أن الأمر يقتضي الوجوب، ومع ذلك يختلفان في بعض الأوامر لاختلافهما في الصوارف، أو في اطلاعهم على الأدلة الأخرى وهكذا .. قال العكبري: «أما تحقيق المناط فنوعان؛ أحدهما: لا نعرف في جوازه خلافًا؛ وهو أن تكون القاعدة الكلية في الأصل مجمعًا عليها، ويجتهد على تحقيقها في الفرع» (١). قال ابن قدامة: «أما تحقيق المناط، فنوعان: أولهما: لا نعرف في جوازه خلافًا. ومعناه: أن تكون القاعدة الكلية متفقًا عليها، أو منصوصًا عليها، ويجتهد في تحقيقها في الفرع» (٢). فكلام الأصوليين واضح أن تنزيل النصوص على الواقع محل اجتهاد واختلاف بين العلماء. الوجه الثالث: أن الخلاف في تبديع بعض الأعمال ليس جديدًا، فقد اختلف العلماء الأولون أيضًا في تبديع بعض الأعمال، والأمثلة ليست قليلة، فقد بدع الإمام مالك قراءة الإدارة، وفي المقابل استحبها غيره (٣) وهكذا (٤) ..

стр. 154

رد زعمه أن الاختلاف في التبديع يقتضي عدم العداوة مطلقًا الشبهة التاسعة والعشرون ردد الكاتب أنه إذا ثبت الخلاف في تبديع بعض الأمور العملية، فإذن لا يصح العداء والشدة لأجل البدع العملية، فقال: «أما ثانيهما فهو أنني حاولت أن أبحث عن حجة قوية ناصعة تثبت أن قضية البدعة قضية خطيرة، وقد تختلف فيها أنظار العلماء، وأن الموقف منها هو احترام اجتهادات العلماء، ولا مانع من الترجيح لمن ملك أدواته العلمية، دون نكير على غيره» (١). وقال: «لقد كان السائد عند بعض العلماء المضيقين لمعنى البدعة - ثم قال: - أن الخلاف في البدعة يدور بين الحق والضلال، وأن القول بأن بعض المحدثات المستجدات يمكن أن تكون مشروعة؛ قول باطل» (٢). وقال: «بل ندعو جميع ألوان الطيف المذهبي السني - في الأحساء وبلاد المسلمين كافة - إلى أن يحصروا خلافهم في الإطار النظري فقط، وأن لا يتعداه إلى أرض الواقع» (٣). وكشف هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: تقدم أنه قرر أن العداوة إنما تكون في البدع العقدية، وسبق رد هذا.

стр. 155

الوجه الثاني: تقدم أن وقوع الرجل في البدعة لا يلزم منه تبديعه على الإطلاق، وهذا ليس معناه أنه لا يبدع مطلقًا، بل يبدع بضوابط ذكرها أهل العلم، وليس هذا موضع ذكرها. الوجه الثالث: أن الخلاف بين العلماء في تبديع بعض الأعمال موجود ولا ينكره عارف منصف، لكن لا يستفاد منه أن الإنكار والتشديد لا يكون على جميع البدع العملية الأخرى التي لم يختلف فيها العلماء، بل إن الخلاف في تبديع بعض الأمور العملية كالخلاف في بقية مسائل أهل العلم، فإذا كان الخلاف معتبرًا لم يشدد فيه، بخلاف ما إذا لم يكن معتبرًا، وقد بين العلماء الضابط في هذا، وذلك أن المسائل الشرعية الخلافية نوعان: النوع الأول: لا ينكر ولا يعنف فيه على القائل، ولا يُلزم بتركه، أما القول نفسه فللمجتهد المخالف أن يبين ضعفه وكونه مرجوحًا، هذا النوع هو المسمى عند العلماء بالمسائل الاجتهادية، وهو كل قول لم يخالف إجماعًا أو سنة ظاهرة صريحة. النوع الثاني: ينكر ويعنف فيه على القائل، ويلزمه من له ولاية بتركه، والقول نفسه يرد ويبدع، وهذا النوع هو المسمى عند العلماء بالمسائل الخلافية، وهو كل قول يخالف إجماعًا أو سنة ظاهرة صريحة، قال ابن مفلح: «وقال - أي ابن تيمية - في كتاب «بطلان التحليل»: قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر، بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد وهم عامة السلف

стр. 156

والفقهاء، وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع، وجب إنكاره أيضًا بحسب درجات الإنكار كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وإن كان قد اتبع بعض العلماء، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيه مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد، ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه، فيسوغ - إذا عدم ذلك - الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة، أو لخفاء الأدلة فيها» (١). قال أبو المظفر السمعاني: «فأما الضرب الذي لا يسوغ فيه الاختلاف، كأصول الديانات من التوحيد وصفات الباري عز اسمه، وهي تكون على وجه واحد، لا يجوز فيه الاختلاف، وكذلك فروع الديانات التي يعلم وجوبها بدليل مقطوع به، مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج، وكذلك المناهي الثابتة بدليل مقطوع به، فلا يجوز اختلاف القول في شيء من ذلك، فأما الذي يسوغ فيه الاختلاف، وهي فروع الديانات إذا استخرجت أحكامها بأمارات الاجتهاد ومعاني الاستنباط، فاختلاف العلماء فيه مسوغ، ولكل واحد منهم أن يعمل فيه بما يؤدي إليه اجتهاده» (٢).

стр. 157

قال ابن القيم: «وهذا يرد قول من قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، وهذا خلاف إجماع الأئمة، ولا يعلم إمام من أئمة الإسلام قال ذلك … » (١). قال النووي: «ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه - ثم قال: - لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق» (٢). فلا يصح الخلط بين المسائل بأن يسوى ما لا يسوغ التبديع به بما يسوغ التبديع به. قول المضيقين في أن كل بدعة ضلالة، خلافًا للكاتب الشبهة الثلاثون قسم الكاتب الناس مع البدعة قسمين فقال: «الفريق الأول يرى أن كل محدثة في الدين لها حكم يناسبها - ثم قال: - وقد طردت وصفهم في هذا الكتاب بالموسعين لمعنى البدعة؛ لأن حكم البدعة عندهم تشمله الأحكام الخمسة. الفريق الثاني يرى أن كل محدثة في الدين بدعة ضلالة، ومن أبرز أدلتهم على ذلك حديث رسول الله ﷺ : «وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٣)، وقال: «أطلقت وصف المضيقين لمعنى البدعة على العلماء القائلين بأن للبدعة حكمًا واحدًا، وهو الحرمة، ويقابلهم

стр. 158

الموسعون لمعنى البدعة، وهم الذين يرون أن البدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة: الوجوب والاستحباب والجواز والكراهة والحرمة، وهذان الوصفان لا يحملان مدحًا أو قدحًا، بل يصفان واقعًا» (١). وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن الأدلة والآثار والإجماع مرجحة للقول أن كل بدعة ضلالة، وكل بدعة محرمة - كما في المقدمة الخامسة والسادسة - وهذا فيه ترجيح لمذهب من وصفهم الكاتب بأنهم مضيقون في هذا من هذه الجهة. وإن الكاتب لم يكتف بوصفهم بالمضيقين، بل اتبع المتشابهات ورد المحكمات؛ لتضعيف مذهب المضيقين وترجيح مذهب الموسعين، وأنى له هذا! .. والأدلة المحكمات متواترة على ترجيح مذهب من وصفهم بالمضيقين في أن كل بدعة ضلالة. كشف اضطرابه في تصنيف العلماء لموسعين ومضيقين الشبهة الحادية والثلاثون جعل الكاتب المضيقين على اصطلاحه كل من قال بأن البدعة نوع واحد وهي ضلالة ومحرمة، فقال: «أطلقت وصف المضيقين لمعنى البدعة على العلماء القائلين بأن للبدعة حكمًا واحدًا، وهو الحرمة» (٢).

стр. 159

ثم عدّ الموسعين الذين هم مقابل المضيقين فجعل منهم ابن كثير وابن رجب (١)، واضطرب في الشاطبي (٢)، وشكك في الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (٣). وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن مما يدل على تناقضه خطأه في عدّ العلماء المضيقين والموسعين، فإنه على ضابطه لا يصح أن يدخل الشاطبي وابن كثير وابن رجب والإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في الموسعين؛ لأن هؤلاء يرون البدع كلها ضلالة (٤)، ولا يستثنون إلا البدعة اللغوية - كما نقله هو عنهم لما تكلم عنهم -. خطؤه في فهم مذهب المضيقين الشبهة الثانية والثلاثون جعل الكاتب من جوز عبادات بمقتضى قواعد الشريعة، وأدلة عامة؛ من الموسعين، فقال (ص ١٠٥): «خلاصة الخلاف المنهجي حول البدعة: تقدم لك - أخي الكريم - بعض نصوص العلماء حول البدعة، واتضحت مناهجهم في تفسير الأحاديث المتعلقة بها، وتبين أن لهم رأيين حولها: ١ - فيرى بعضهم أن كل محدثة ذات صلة بالدين لها حكم يناسبها، فتتدرج في الحكم من الوجوب إلى الحرمة، وقد يسمونها بدعة حسنة، وقد يصفونها حسب الحكم الذي يناسبها، فيرجع الخلاف إلى اللفظ لا إلى المعنى.

стр. 160

٢ - ويرى البعض الآخر أن المحدثات في الدين لها حكم واحد وهو الحرمة، فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وتقسيم البدع أمر مرفوض شرعًا» (١) وما تقدم نقله عنه في الرد الإجمالي. وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن هذا التأصيل أيضًا موجود عند العلماء الموصوفين عند الكاتب بالمضيقين، كما تقدم في المقدمة الثانية عشرة، فإنه يصح عندهم التعبد بما دل عليه العموم والإطلاق والقواعد الشرعية بضابطه، ومن ضوابطه ما تقدم في المقدمة الثامنة من أن هناك وسائل للعبادة تجاز، لعدم انطباق قاعدة السنة التركية عليها، وإن عدم وضوح هذا عند الكاتب جعله يضطرب في تصنيف العلماء، مما دعاه أن يعد ابن كثير وابن رجب من الموسعين (٢)، واضطرب في الشاطبي (٣)، وشكك في الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (٤) فقال: «قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - مع أنه من العلماء المضيقين لمعنى البدعة -: نخلع جميع البدع إلا بدعة لها أصل في الشرع، كجمع عمر التراويح جماعة، وكجمع المصحف، وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كل خميس، ونحو ذلك، فهذا حسن. انتهى الدرر السنية (٥/ ١٠٣) فكلامه يشير إلى وجود بدع لها أصل في الشرع، وبالتالي يشير إلى تخصيص عموم ذمها، فتأمل» (٥).

стр. 161

ومن المهم معرفة أن ما زعمه من أن المضيقين لا يجيزون التعبد بما دلت عليه قواعد الشريعة والأدلة العامة والمجملة بضوابطها؛ هو زعمٌ باطل، ولا أعلم أحدًا من العلماء المعاصرين الذين وصفهم بالمضيقين يقرر هذا، بل كلامهم واضح على خلافه، وهذا مما يدل على تخليطه وعدم تصوره لمن قسمهم مضيقين وموسعين. قال العلامة ابن باز: «لكن بعض الناس قد تلتبس عليه بعض الأمور، فيرى أن ما وقع في المسلمين من بعض الأشياء، التي لم تقع في عهد النبي ﷺ ، أنها بدعة حسنة، وربما يتعلق بقول عمر ﵁، في التراويح نعمت البدعة، لما جمع الناس على إمام واحد، وهذا ليس مما أراده النبي ﷺ ، فإن ما يحدثه الناس، مما تدل عليه الشريعة، وترشد إليه الأدلة، لا يسمى بدعة منكرة، وإن سمي بدعة من حيث اللغة، لكون المسلمين نقطوا المصاحف، وشكلوا القرآن، حتى لا يشتبه على القارئ، وجمعوه في المصاحف، هذا وإن سمي بدعة لغوية، لكن هذا شيء واجب، شيء يحفظ القرآن، ويسهل قراءته على المسلمين، فهذا نحن مأمورون به، مأمورون بما يسهل علينا القرآن، وبما يحفظه على المسلمين، وبما يعين المسلمين على حفظه وقراءته قراءة مستقيمة، فليس هذا من باب البدعة المنكرة، بل هذا من باب الأوامر الشرعية، من باب الحفظ للدين، ومن باب العناية بالقرآن، فليس مما نحن فيه بشيء، وكذلك قول عمر: نعمت البدعة، يعني كونه جمعهم على إمام واحد بعد النبي ﷺ ، فهذا بدعة من حيث اللغة، لأن البدعة في اللغة هي الشيء الذي على غير مثال سابق، ما يحدثه الناس على غير فعل سابق يسمى بدعة في اللغة، فهذا من حيث اللغة لا من حيث الشرع،

стр. 162

فإن التراويح فعلها النبي ﷺ ، وصلى بالناس بعض الليالي، وأرشد إليها وحثهم عليها، فليست التراويح بدعة، ولكن لكونه جمعهم على إمام واحد، قال في ذلك: نعمت البدعة، من حيث اللغة فقط، فالحاصل أن ما أوجده المسلمون، مما يدل عليه الشرع، ويرشد إليه الشرع، بعد النبي ﷺ ، لا يسمى بدعة، بل هو مما دعا إليه الشرع، ورغب فيه الشرع، من جنس جمع المصحف، وشكله ونقطه ونحو ذلك، هذا ليس من البدع في شيء، بل من جنس التراويح، وفعل عمر لها ﵁ وأرضاه، ليس في هذا الباب من شيء» (١). قال العلامة ابن عثيمين: «وقد يقول قائل: هناك أشياء مبتدعة قبلها المسلمون وعملوا بها وهي لم تكن معروفة في عهد النبي ﷺ ، كالمدارس وتصنيف الكتب وما أشبه ذلك، وهذه البدعة استحسنها المسلمون وعملوا بها ورأوا أنها من خيار العمل، فكيف تجمع بين هذا الذي يكاد أن يكون مجمعًا عليه بين المسلمين وبين قول قائد المسلمين ونبي المسلمين ورسول رب العالمين ﷺ : «كل بدعة ضلالة». فالجواب: أن نقول هذا في الواقع ليس ببدعة بل هذا وسيلة إلى مشروع، والوسائل تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، ومن القواعد المقررة أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فوسائل المشروع مشروعة، ووسائل غير المشروع غير مشروعة، بل وسائل المحرم حرام، والخير إذا كان وسيلة للشر كان شرًّا ممنوعًا» (٢).

стр. 163

رد دعواه أن الشاطبي من الموسعين على اصطلاحه الشبهة الثالثة والثلاثون قال الكاتب: «وقد ألَّف الشاطبي ﵀ كتابه الاعتصام حول موضوع البدعة، وتنازعه الفريقان، وادعى كل فريق أن الشاطبي ﵀ معدود في طريقه، فأوليت رأي الشاطبي اهتمامًا خاصًّا، لمعرفة رأيه حول هذا الموضوع الخطير، وقد خلصت إلى نتيجة مفادها أن الشاطبي ﵀ يعتقد أن البدعة مصطلح شرعي، يقصد به كل محدث يخالف أصول الشريعة وقواعدها، أما المحدثة التي لا تخالف أصول الشريعة فلا يطلق عليها لفظ (بدعة)، بل هي محدثة مشروعة حسب حكمها المناسب؛ لأن نصوص الشريعة الكلية وقواعدها العامة تشهد لها، فهو بذلك من أصحاب الرأي الثالث الذي يختلف اختلافًا لفظيًّا - لا حقيقيًّا - مع أصحاب الرأي الأول» (١). وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن هذا الذي نسبه للشاطبي يقرره كل العلماء الذين يصفهم بالمضيقين؛ لذا ذكرت - فيما سبق وأكرر - أن من وصفهم بالتضييق لا وجود لهم إلا في خيال وذهن الكاتب - وقد تقدم كلام ابن باز وابن عثيمين -. ولو تفهم لعلم أن الشاطبي يُعتبر من المضيقين بناءً على ضوابطه، بل ومن المتشددين، وذلك لما يلي:

стр. 164

أولًا: أنه يقول بأن كل بدعة ضلالة وحرام، بل هي كبيرة، ولا يرى تقسيمها إلى خمسة أقسام، كما تقدم. ثانيًا: أنه يقرر بقوة السنة التركية، ويقدمها على الأدلة الأخرى، كالعموم وغيره - كما تقدم في المقدمة الحادية عشرة -. ثالثًا: أنه يقرر أن الأصل في العبادات الحظر والمنع مطلقًا - كما في المقدمة السابعة -. فلا يصح أن يشك الكاتب - فضلًا عن أن يزعم - أن الشاطبي من الموسعين على اصطلاحه، والذي دعاه لذلك اضطرابه في تقرير ضابط الموسع والمضيق، وأنه لا وجود للمضيقين على اصطلاحه، لذا .. كلما دقق في حال عالم لم يجده من المضيقين على اصطلاحه، فإما أن يضطرب أو يجعله من الموسعين. رد زعمه أن الشوكاني من المضيقين على اصطلاحه الشبهة الرابعة والثلاثون عدَّ الكاتب الشوكاني من المضيقين على اصطلاحه فقال: «وقال الشوكاني ﵀ في حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١): وهذا الحديث من قواعد الدين؛ لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر، وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام، وتخصيص الرد ببعضها بلا مخصص من عقل ولا نقل، فعليك إذا سمعت من يقول: هذه بدعة حسنة، بالقيام في مقام المنع، مسندًا له بهذه الكلية وما يشابهها، من نحو

стр. 165

قوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة»، طالبًا لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة، فإن جاءك به قبلته، وإن كاع كنت قد ألقمته حجرًا واسترحت من المجادلة. ومن مواطن الاستدلال لهذا الحديث؛ كل فعل أو ترك وقع الاتفاق بينك وبين خصمك على أنه ليس من أمر رسول الله ﷺ وخالفك في اقتضائه البطلان أو الفساد … قائلًا: هذا أمر ليس من أمره، وكل أمر ليس من أمره رَدٌّ، فهذا رَدٌّ، وكل رَدٍّ باطل، فهذا باطل، فالصلاة مثلًا التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله ﷺ ، أو فعل فيها ما كان يتركه؛ ليست من أمره، فتكون باطلة بنفس هذا الدليل … ، قال في الفتح: وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع من الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله؛ فلا يلتفت إليه، قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك» (١)، ثم علق الكاتب في الحاشية: «أما ما نقله عن الحافظ ابن حجر في الفتح، فقد تقدم في النصوص السابقة، وقد عرفت رأي ابن حجر، وأنه يرى أن مصطلح البدعة يطلق شرعًا على المحدثات المذمومة، أما غير المذمومة فيطلق عليها الحكم الذي يناسبها، فلعل الشوكاني فهم من قول ابن حجر: (ما لا يشهد له أصل من أصوله) أي لم يرد التنصيص على جوازه، أو لعل الشوكاني أراد نقل رأي المخالف بدون أن يرد عليه، مكتفيًا بما ذكره من قبل، وأما نقله كلام النووي فقد تقدم لك رأيه، وأنه ممن يرى تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة».

стр. 166

وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن الكاتب جعل الشوكاني من المضيقين بناء على هذين النقلين، ثم تعليقه بهذا التعليق؛ وهذا يدل على اضطرابه في تقسيم العلماء هذه القسمة، بل وعدم فهمه، وهو بهذا الاضطراب يؤكد ما ذكرته عنه في الرد الإجمالي. ويتبين هذا بما يلي: أولًا: أنه جعله من المضيقين؛ لأنه لا يرى أنَّ البدعة تقسم تقسيم الأحكام الخمسة. ولأنه جعل كل بدعة ضلالة، وهذا تأكيد للذي قبله. ثانيًا: إنَّ الكاتب لم يقبل أن يكون الشوكاني ممن يرى أنَّ بعض العبادات التي حدثت بعد رسول الله ﷺ ليس بدعةً بضوابطها الشرعية - كما تقدم بحثها -، ومنها جمع عمر الناس على إمام واحد. ولهذا .. جعل الشوكاني ناقلًا عن ابن حجر من غير إقرار، وهذا الذي قرره الكاتب لا يصح، وهو تناقض؛ وذلك لسببين: السبب الأول: أنه لا تنافي بينهما، فكل منهما يقول: بأن كل البدع ضلالة، وأنها قسم واحد، وأن هذا لا يتنافى مع تصحيح عبادات جديدة بأدلتها الشرعية العامة والقواعد الشرعية بضوابطها - كما تقدم كثيرًا -؛ لأنه إذا دلّ على هذه العبادةِ الجديدةِ الأدلةُ العامة والقواعد الشرعية بضوابطها، فإنه في حقيقة الأمر رجع في إثباتها إلى الشرع، فليست محدثة بالمعنى الشرعي، وإنما بالمعنى اللغوي. السبب الثاني: أن الشاطبي قرر كثيرًا وبأوضح من الشوكاني عدم صحة تقسيم البدعة إلى أقسام خمسة؛ كالأحكام التكليفية، وقرَّر أن البدع كلها ضلالة

стр. 167

ومحرمة، ومع ذلك جعله من الموسعين؛ لأن له كلامًا في صحة التعبد بما حدث بعد، مما دلت عليه الأدلة الشرعية بضوابطها، فإذن كما تصور هذا في الشاطبي فتصوره في الشوكاني من باب أولى، فيلزمه أن يجعله من الموسعين مثله، لكنه تناقَضَ وخالَفَ بينهما في القسمة!. رد احتجاجه باختلاف علمائنا المعاصرين في تبديع بعض الأمور العملية الشبهة الخامسة والثلاثون اجتهد الكاتب كثيرًا في بيان أن بعض علمائنا المعاصرين مختلفون في تبديع بعض الأمور العملية بعد أن وصفهم بالمضيقين، فقال: «نماذج لاختلاف المضيقين لمعنى البدعة في حكم بعض المحدثات - ثم قال: - ولم يقتصر الخلاف - في الحكم ببدعية بعض الأمور المحدثة - على أئمة السلف الصالح، بل تعداهم إلى علماء الأمة الإسلامية على مر العصور وتصرم الدهور» (١). ثم ذكر ما يقرب من عشرين مثالًا اختلفوا في التبديع به، وأطال الكلام. وكشف هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: ليس غريبًا ولا مستنكرًا أن يختلف بعض العلماء المعاصرين من أهل السنة السائرين على منهج السلف في بعض البدع العملية، وقد اختلف سلفهم في بعض البدع العملية كما تقدم.

стр. 168

الوجه الثاني: ليس اختلاف بعض العلماء المعاصرين، ولا السلف الماضين في بعض البدع العملية مسوغًا للتساهل في البدع الاعتقادية والعملية التي لم يختلف فيها السلف كما تقدم بيانه. الوجه الثالث: تقدم بيان سبب اختلاف العلماء في بعض البدع العملية، وأنه من جنس المسائل الاجتهادية التي تختلف فيها اجتهادات العلماء بالنظر إلى الدليل والقواعد الشرعية وغير ذلك. الوجه الرابع: تقصدت أن لا أناقش الأمثلة التي أوردها الكاتب مما اختلف فيه بعض العلماء المعاصرين؛ لأن بيان الراجح والمرجوح فيه نسبي، ولا حاجة إليه فيما نحن بصدده. رد زعمه أن كلام الله قديم مطلقًا الشبهة السادسة والثلاثون قال الكاتب: «اتفق أهل السنة والجماعة ﵏ على أن من صفات الله صفة الكلام، وأن كلامه صفة أزلية قائمة به سبحانه، - ثم قال: - فكلامه سبحانه قديم غير مخلوق، وهو صفة ثابتة له في الكتاب والسنة» (١). وكشف هذه الشبهة أن يقال: إن كلام أهل السنة كثير في أن كلام الله ليس قديمًا مطلقًا، بل قديم من حيث النوع وحادث متجدد من حيث الأفراد، وقد أجمع على هذا أهل السنة، خلافًا للمتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم.

стр. 169

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا قال أحمد ولا غيره من السلف: أن القرآن قديم؛ وإنما قالوا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق» (١). وقال: «والمقصود هنا أن الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة ومن اتبعه كلهم بريئون من الأقوال المبتدعة المخالفة للشرع والعقل، ولم يقل أحد منهم أن القرآن قديم لا معنى قائم بالذات، ولا إنه تكلم به في القديم بحرف وصوت، ولا تكلم به في القديم بحرف قديم؛ لم يقل أحد منهم لا هذا ولا هذا، وإن الذي اتفقوا عليه أن كلام الله منزل غير مخلوق، والله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، وكلامه لا نهاية له» (٢). وقال: «أن السلف قالوا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وقالوا لم يزل متكلمًا إذا شاء، فبينوا أن كلام الله قديم أي: جنسه قديم لم يزل، ولم يقل أحد منهم: إن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم: القرآن قديم؛ بل قالوا: إنه كلام الله منزل غير مخلوق، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته كان القرآن كلامه، وكان منزلًا منه غير مخلوق، ولم يكن مع ذلك أزليًّا قديمًا بقدم الله، وإن كان الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، فجنس كلامه قديم» (٣). وقد تعمدت في مناقشة هذا الكتاب الإعراض عن الأخطاء العقدية؛ لأنها ليست المقصد الأساس من هذا الكتاب ومناقشته، وإنما المقصد الأساس البدع

стр. 170

العملية التي قصدها الكاتب بكتابه، وخلّط فيها، وخرج بما يقوّي جانب الصوفية الضلال للإحداث في الدين. وإنه بمعرفة مشايخه الذين يعظمهم، والمقدمين للكتاب، مع مراجعة هذا الرابط (١)، تعرف عقيدته. رد زعمه أن الاحتفال بالمولد النبوي ليس بدعة الشبهة السابعة والثلاثون تكلم الكاتب على بدعة المولد مؤيدًا شرعيتها، ورادًّا لأدلة مبدعيها بطرق شتى مباشرة وغير مباشرة، وكرر في مواضع إلزامات تتعلق ببدعية الاحتفال بالمولد، بل إنه قال مبينًا الذي كان سببًا لانشراح صدره لتأليف الكتاب: «ثم جاءت اللحظة الحاسمة التي انشرح صدري عندها لتأليف هذا الكتاب، فقد جاءني ذات يوم من أيام شهر ربيع الأول من عام (١٤٢٨ هـ) عدد من الإخوة، ونقلوا - متألمين - ما سمعوه من أحد خطباء الجمعة، المتبعين لمنهج تضييق معنى البدعة، حيث تهجم ذلك الخطيب على من يجتمعون في شهر ربيع الأول بمناسبة المولد النبوي؛ لمدارسة سيرة نبينا محمد ﷺ . فقلت لهم: وما الجديد؟ ألم تعتادوا سنويًّا على سماع كلام عنيف جارح من بعض هؤلاء الإخوة … » (٢).

стр. 171

وكشف هذه الشبهة: ببيان أن الاحتفال بالمولد النبوي محدث، فهو بدعة محرمة وضلالة من أوجه: الوجه الأول: إن أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي العبيديون الذين يسمون بالفاطميين، قال المقريزي: «ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم تتسع بها أحوال الرعية، وتكثر نعمهم. وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي: موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي ﷺ ، ومولد علي بن أبي طالب ﵁ ومولد الحسن، ومولد الحسين ﵉، ومولد فاطمة الزهراء ﵍» (١). الوجه الثاني: أنه لا دليل على هذا الاحتفال إلا معاني وأقيسة مزعومة، وهي معارضة للسنة التركية، فإذا كان كذلك، فهي بدعة محدثة - كما تقدم في القاعدة الثامنة -. الوجه الثالث: أن الاحتفال به كل سنة عيد، والأعياد محرمة (٢)، وهي كل زمان أو مكان يعود ويكون مقصودًا لذاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «يوضِّح ذلك أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العامِّ على وجهٍ مُعتادٍ عائدٍ إما بعَوْدِ السنة، أو بعَوْدِ الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك، فالعيد يجمع أمورًا منها: يومٌ عائدٌ كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماعٌ فيه، ومنها أعمال تتبع

стр. 172

ذلك من العبادات والعادات، وقد يُختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا، وكل من هذه الأمور يُسمى عيدًا … » (١). قال ابن القيم: «والعيد ما يُعتاد مجيئه وقصده من مكانٍ وزمانٍ، ثم قال: والعيد مأخوذٌ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يُقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة أو لغيرها … » (٢). وإذا تعبد بهذه الأعياد زادت حرمتها لأنها جمعت بين أنه عيد وبدعة، قال الإمام ابن تيمية: «بل أعياد الكتابيين التي تتخذ دينًا وعبادة أعظم تحريمًا من عيد يتخذ لهوًا ولعبًا، لأن التعبد بما يسخطه الله ويكرهه أعظم من اقتضاء الشهوات بما حرمه» (٣). الوجه الرابع: أن يوم مولد النبي ﷺ مختلفٌ فيه، وليس هناك دليل قاطع ولا ظن غالب على أنه اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، لذا لو صح الاحتفال به لما احتفل به؛ لأنه لا دليل على تحديده. وقد حكى المناوي في الفتوحات السبحانية خلافًا في يوم مولده، فقال: فقيل اليوم الثاني عشر من ربيع الأول وعزاه للجمهور، وبالغ ابن الجزري فحكى عليه الإجماع، وقيل الثامن، وقال الحافظ ابن حجر: «إنه مقتضى أكثر الأخبار»، وقيل العاشر، قال القسطلاني: اختيار أكثر المحدثين، وحكى القضاعي

стр. 173

إجماع أهل التاريخ عليه. وقيل: تسع عشرة، وقيل لثمان عشرة، وقيل: في أوله، وقيل: في أول اثنين منه من غير تعيين (١). الوجه الخامس: أنه يحتف بالاحتفال بيوم المولد غالبًا منكرات أخرى شركية كزعم أن رسول الله ﷺ يغفر الذنوب، كما قال أحدهم: هذا الحبيب مع الأحباب قد حضرا … وسامح الكل فيما قد مضى وجرى (٢) أو منكرات بدعية أو معاصي شهوانية. ولو قدر أنه لم يوجد شيء من هذه المنكرات المصاحبة للاحتفال بالمولد النبوي فيكتفي في بيان ضلاله وحرمته الأوجه الأربعة المتقدمة. وبعد هذا فإنه مما يحسن ختم الكلام عن المولد النبوي البدعي بجواب لأبي حفص تاج الدين الفاكهاني المالكي، من علماء القرن الثامن، وهو جواب عظيم مختصر عن المولد، ذكر فيه تأصيلاتٍ وأوجهًا متفرقة في حرمة الاحتفال بالمولد النبوي لذاته ولما احتف، به فقال ﵀: أما بعد: فقد تكرر سؤال جماعة من المُباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول، ويسمونه المولد: هل له أصل في الشرع؟، وقصدوا الجواب عن ذلك مُبيَّنًا، والإيضاح عنه معينًا.

стр. 174

فقلت وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بِدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفسٍ اغتنى بها الأكالون، بدليل أنَّا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا، أو محرمًا. وهو ليس بواجب إجماعًا، ولا مندوبًا؛ لأن حقيقة المندوب: ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون - فيما علمت -، وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت. ولا جائز أن يكون مباحًا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحًا بإجماع المسلمين. فلم يبق إلا أن يكون مكروهًا، أو حرامًا، وحينئذٍ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين: أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئًا من الآثام؛ فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سُرُجُ الأزمنة وزَيْن الأمكنة. والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يُعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه؛ لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء ﵏: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لاسيما إن انضاف إلى ذلك شيء

стр. 175

من الغناء، مع البطون الملأى بآلات الباطل، من الدفوف والشبَّابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد، والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف. وكذا النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يَحِلُّ ذلك بنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ. ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجازَناه: قد عرف المنكر واستنكر الـ … ـمعروف في أيامنا الصعبة وصار أهل العلم في وهدة … وصار أهل الجهل في رتبة حادوا عن الحق فما للذي … سادوا به فيما مضى نسبة فقلت للأبرار أهل التقى … والدين لما اشتدت الكربة لا تنكروا أحوالكم قد أتت … نوبتكم في زمن الغربة ولقد أحسن أبو عمرو بن العلاء ﵀ حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب، هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه النبي ﷺ وهو ربيع الأول - هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه.

стр. 176

وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول». تنبيه: إن مناقشة تجويزه لبدعة المولد النبوي خلاف طريقتي في هذا الرد، فإن طريقتي عدم مناقشة الأمثلة التي أوردها في الكتاب، وإنما اقتصرت على ما رأيته مهمًّا من تأصيلاته وأدلته، لكن لما رأيت حماسته لبدعة المولد أردت تتميم الفائدة بهذه المناقشة لعله يرجع ويتوب.

стр. 177

الخاتمة إن الحق قوي في نفسه لما جعل الله له من أمارات ودلائل صدق، لكن يأبى دعاة الباطل من كفار وأهل بدع وفسق وجهل إلا أن يضلوا الناس عن الحق بزخرفة الباطل، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾] الأنعام: ١٢ [. وقد يبتلي الله المؤمنين بالباطل ليظهر الحق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة أنباء المرسلين ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين. كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾] الأنعام: ١١٢ - ١١٥ [. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾] الفرقان: ٢٧ - ٣١ [.

стр. 178

وذلك أن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات أقام الله تعالى له مما يحق به الحق، ويبطل به الباطل من الآيات البينات بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة، وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة» (١). وإني لأرجو أن يكون هذا دافعًا لأهل السنة أن يزدادوا حماسة في الدفاع عن دينهم وعقيدتهم بالقلم واللسان، وبكل وسيلة شرعية ممكنة، وألا ييأسوا من كثرة أهل الباطل ودعاة السوء، ففي هذا خير من جهة وهو فتح باب جهادهم بالحجة للفوز بالأجور ورضا الله، فإن الله لم يخلق شرًّا محضًا .. وإن للإمام ابن القيم أبيات عظيمة في شحذ همة السني وتقويته، وهذه بعضها (٢): وانصر كتاب الله والسنن التي … جاءت عن المبعوث بالفرقان واضرب بسيف الوحي كل معطل … ضرب المجاهد فوق كل بنان واحمل بعزم الصدق حملة مخلص … متجرد لله غير جبان واثبت بصبرك تحت ألوية الهدى … فإذا أصبت ففي رضا الرحمن واجعل كتاب الله والسنن التي … ثبتت سلاحك ثم صح بجنان من ذا يبارز فليقدم نفسه … أو من يسابق يبد في الميدان واصدع بما قال الرسول ولا تخف … من قلة الأنصار والأعوان فالله ناصر دينه وكتابه … والله كاف عبده بأمان

стр. 179

لا تخش من كيد العدو ومكرهم … فقتالهم بالكذب والبهتان فجنود أتباع الرسول ملائك … وجنودهم فعساكر الشيطان شتان بين العسكرين فمن يكن … متحيرا فلينظر الفئتان ثم قال: واثبت وقاتل تحت رايات الهدى … واصبر فنصر الله ربك دان واذكر مقاتلهم لفرسان الهدى … لله در مقاتل الفرسان وادرأ بلفظ النص في نحر العدا … وارجمهم بثواقب الشهبان لا تخش كثرتهم فهم همج الورى … وذبابه أتخاف من ذبان واشغلهمُ عند الجدال ببعضهم … بعضًا فذاك الحزم للفرسان وإذا هم حملوا عليك فلا تكن … فزعًا لحملتهم ولا بجبان ثم قال (١): لا توحشنك غربة بين الورى … فالناس كالأموات في الحسبان أو ما علمت بأن أهل السنة الـ … ـغرباء حقًّا عند كل زمان قل لي متى سلم الرسول وصحبه … والتابعون لهم على الإحسان من جاهل ومعاند ومنافق … ومحارب بالبغي والطغيان وتظن أنك وارث لهمُ وما … ذقت الأذى في نصرة الرحمن كلَّا ولا جاهدت حق جهاده … في الله لا بيد ولا بلسان

стр. 180

ثم قال (١): فانظر إلى تفسيره الغرباء بالـ … ـمُحيين سنته بكل زمان طوبى لهم والشوق يحدوهم إلى … أخذ الحديث ومحكم القرآن طوبى لهم لم يعبأوا بنحاتة الـ … أفكار أو بزبالة الأذهان طوبى لهم ركبوا على متن العزا … ئم قاصدين لمطلع الإيمان طوبى لهم وإمامهم دون الورى … من جاء بالإيمان والفرقان والله ما ائتموا بشخص دونه … إلا إذا ما دلهم ببيان في الباب آثار عظيم شأنها … أعيت على العلماء في الأزمان والله ما ائتموا بشخص دونه … إلا إذا ما دلهم ببيان ثم قال (٢): والرب ليس يضيع ما يتحمل الـ … ـمُتحملون لأجله من شان فتحمل العبد الوحيد رضاه مع … فيض العدو وقلة الأعوان مما يدل على يقين صادق … ومحبة وحقيقة العرفان يكفيه ذلًّا واغترابًا قلة الـ … أنصار بين عساكر الشيطان في كل يوم فرقة تغزوه إن … ترجع يوافيه الفريق الثاني فسل الغريم المستضام عن الذي … يلقاه بين عدا بلا حسبان هذا وقد بعد المدى وتطاول الـ … ـعهد الذي هو موجب الإحسان
следующие страницы →