وقبل البدء بالرد التفصيلي، إني لأجد كلفة ومشقة لمناقشة كلام الكاتب، وكشف شبهاته، لا لأنها قوية، كلا وايم الله، بل لأنها متناقضة متناطحة، فينكر شيئًا لفظًا ثم يثبته معنى وحقيقة، وأقرب مثال على هذا إنكاره أن العبادات توقيفية على الإطلاق، ثم حقيقة قوله: أنها توقيفية، لذا فإن الذي سأقوم به - بحول الله وإعانته - أن أبين أخطاءه بحسب ما قرره وكتبه بقلمه ولو كان متناقضًا ومضطربًا، وأعتذر مسبقًا أنني سأضطر إلى التكرار في مناقشة أقواله، لأنه يكرر شبهه بطرق متعددة، بل ويبني غيرها عليها، مما يضطرني لتكرار مناقشته، مع كرهي لذلك، لثقله عليّ وعلى القارئ الكريم.
стр. 107
الرد التفصيلي
إن عدد الشبهات التي تم كشفها - بفضل الله - نحو أربعين شبهة، وهذه الشبهات هي أهم ما رأيته في الكتاب، وإلا فإنَّ تتبع كل شبهاته مما يطول، والمقصود قد حصل بما ذكر.
والآن أبدأ - بحول الله - بكشف الشبهات تفصيليًّا:
من أصول الضلال عند الكاتب منازعته في أن
الأصل في العبادات التوقيف على الإطلاق
الشبهة الأولى
نازع الكاتب في أن الأصل في العبادات التوقيف على الإطلاق فقال: «إن هذه الأدلة الشرعية توضح أن قضية تعميم منع العبادات إلا بتوقيف تنقصها بعض الدقة» (١).
وقال: «التوقيف في العبادات قضية يعتمد عليها المضيقون للبدعة في تحريم كثير من المحدثات، فما إن ينظر أحدهم إلى محدثة إلا ويسارع بتحريمها بحجة أنها عبادة، والعبادة توقيفية، وبالتالي فلا يجوز إحداثها» (٢).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
стр. 108
إن هذه الشبهة من الأصول التي ضل فيها الكاتب وأضل، ثم إنه لم يكتف بالمنازعة في هذا الأصل مع شدة ضلاله، بل زاد الطين بِلَّةً، وعاب على من سماهم مضيقين بأنهم يعتمدون على هذا الأصل في تحريم كثير من المحْدَثات.
وإن تقرير الكاتب عدمَ التسليم بأن العبادات توقيفية على الإطلاق؛ باطل، وعن الدليل عاطل، بل هو مخالف للأدلة الشرعية، وأقوال الصحابة، وإجماع أهل العلم - كما تقدم تقريره في المقدمة السابعة -، فهو قول محدث لا سلف له؛ لذا لم يستطع نقله عن أحد، وإنما فزع إلى المتشابهات وترك المحكمات، وإن مما هو كاف في إسقاط هذا القولِ والكتابِ العلمَ بأنه لا سلف للكاتب في هذا الضلال، سواء الذين زعمهم موسعين أو مضيقين، وهذه كتب أهل العلم، فليذكر الكاتب مَنْ سلَفُه في هذا الضلال، ودونه ودون إثبات ذلك خرط القتاد.
على أن الكاتب - نفسه من حيث لا يدري - يقرر أن الأصل في العبادات التوقيف، كما بينته في الرد المجمل، وليس هذا بأول تناقضاته ومغالطاته.
وجه استدلال الكاتب بمحدثات الصحابة المزعومة في عهد رسول الله ﷺ
الشبهة الثانية
ذكر الكاتب (١) إقرار رسول الله ﷺ بعض المحدثات، ثم ذكر على ذلك أمثلة، ثم قال: «ولرب قائل يقول: إن النبي ﷺ قد أقرهم عليها، فأصبحت تلك المحدثات من السنن التقريرية، فالجواب: إن محل الاستشهاد بفعل الصحابة ﵃ يكمن في موضعين اثنين:
стр. 109
الأول: هو إقدام الصحابة ﵃ على فعل تلك الأمور المحدثة قبل أن يبين لهم النبي ﷺ مشروعيتها، مع تمكنهم من ذلك بكل يسر وسهولة، الأمر الذي يعني أنهم لم يكونوا يشعرون بالحرج في فعل ذلك، ولم يكونوا يرونها من البدع المذمومة، وإلا لأحجموا عنها.
الثاني: هو إقرار النبي ﷺ أصحابه على ما فعلوه وأحدثوه من الأمور الدينية، وعدم إنكاره ﷺ عليهم، الأمر الذي يدل دلالة واضحة على أن ترك النبي ﷺ للشيء لا يقتضي تحريمه، وإلا لكان كل ما فعله الصحابة ﵃ من الأمور محرمًا، لعدم فعله ﷺ له.
إن هذه الأدلة توضح أن قضية تعميم منع العبادات إلا بتوقيف تنقصها بعض الدقة» (١).
وبناء على زعمه بوجود الإحداث عند الصحابة جعله دليلًا على جواز الإحداث في الدين، وأنه لا يصح أن يقال: إن الأصل في العبادات التوقيف على الإطلاق.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
أولًا: أن كلام الصحابة كثير في الأمر بالاتباع وترك الابتداع، مما يدل على أن العبادات توقيفية على الإطلاق، وتقدم ذكر قول بعضهم كقول ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» (٢)، وقال ابن عمر: «وكل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» (١).
стр. 110
فبهذا يعلم قطعًا أن ما توهمه الكاتب على الصحابة من أنهم لا يرون العبادات توقيفية على الإطلاق؛ توهم خطأ، والواجب عليه رد هذا المتشابه للمُحْكَم من أقوال الصحابة، ورده للأدلة الكثيرة، بل ورده للإجماع على أن الأصل في العبادات التوقيف مطلقًا، لأن العلماء لما قرروا هذا الأصل، وحكوا الإجماع عليه، لم يقيدوه، بل أطلقوه، وقد ذمّ الله من عمد إلى المتشابه وترك المحكم، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾] آل عمران: ٧ [.
وهذا في ظني كافٍ لمن بصره الله ونور قلبه وأراد به الخير، إذ .. هل يمكن أن يقبل أحد من غيره قولًا شرعيًّا انفرد به عن الأمة وخالفها، ولم يوافقه عليه أحد من العلماء، كعلماء المذاهب الأربعة وغيرهم من علماء السلف؟!
رد استدلاله بوضوء بلال لكل صلاة
الشبهة الثالثة
بدأ بذكر أمثلة عن الصحابة تدل - بزعمه - على أن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق، فقال: «الأول: التزام بلال بن رباح ﵁ للطهارة بعد كل حدث، وصلاته ركعتين بعد كل طهارة، وبعد كل أذان، فكانت هذه من أرجى أعماله الصالحة عند الله، وهذا الالتزام مما اجتهد فيه بلال ﵁ من تلقاء نفسه، ولم يكن عنده سنة توقيفية عن رسول الله ﷺ ، ونص الحديث (١)
стр. 111
أن رسول الله ﷺ أصبح فدعا بلالًا ﵁، قال: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، قال: يا رسول الله، ما أذنت قط إلا صلّيت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عنده، ورأيت أن لله علي صلاة ركعتين فقال رسول الله ﷺ : بهما» (١).
وكشف هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الذي يريد الوصول إليه من هذا الأثر هو أن الأصل في العبادات عدم التوقيف على الإطلاق، وهذا مخالف للأدلة والآثار والإجماع - كما تقدم -، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
الوجه الثاني: ليس في هذا الحديث أن بلالًا أحدث هذا الفعل، وإنما فيه أن بلالًا فاز بهذه المنزلة لمواظبته على هذه العبادة، فيحتمل أن بلالًا عرف الحكم من رسول الله ﷺ في مجلس آخر، وليس في الحديث ما يدل على أنه أحدثه،
لاسيما وقد أخرج الشيخان (٢) عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ وضوئي هذا، ثم يصلي ركعتين لا يحدِّث نفسه فيهما بشيء، إلا غفر له ما تقدم من ذنبه».
فبطل الاستدلال بفعل بلال ﵁ على جواز إحداث عبادات، لاسيما والأدلة والآثار والإجماعات كلُّها على عدم جواز إحداث عبادات مطلقًا.
فإذن أقل ما يقال - تنزلًا -: إن فعل بلال محتمل للإحداث، ومحتمل أنه أخذه من رسول الله ﷺ في موضع آخر، وإذا توارد الاحتمال بطل الاستدلال،
стр. 112
لاسيما وأن الاحتمال بأنه أحدثه معارِض للأدلة والآثار والإجماع، فتعين حمله على الاحتمال الثاني، وهو أنه أخذه من رسول الله ﷺ في موضع آخر.
الوجه الثالث: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟ أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟!، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
أليس هذا كافيًا في عدم صحة الاستدلال به.
رد استدلاله بصلاة خبيب قبل القتل
الشبهة الرابعة
قال: «صلاة خبيب بن عدي ركعتين قبل قتله، فصار فعله سنة لكل مسلم، وكان أولَ من سن الركعتين عند القتل، وقد جاء في بعض الروايات: وكان خبيب هو سن لكل مسلم قُتل صبرًا الصلاة (١). فهاتان الركعتان من السنن الحسنة التي سنها خبيب ﵁، فله أجرها وأجر من عمل بها، ولم يكن عنده نص توقيفي خاص عن رسول الله ﷺ بشأنهما، ولكن لما كانت الصلاة من أفضل الأعمال الصالحة أراد خبيب ﵁ أن يختم حياته بها» (٢).
وكشف هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:
стр. 113
الوجه الأول: أن الذي يريد الوصول إليه من هذا الأثر هو أن الأصل في العبادات عدم التوقيف على الإطلاق، وهذا مخالف للأدلة والآثار والإجماع
- كما تقدم -، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
الوجه الثاني: لا دليل على أن خبيب بن عدي يستحب الصلاة عند القتل، وليست صلاته عند القتل دليلًا على هذا، وإنما غاية ما في الأمر أنه فعل ما هو مشروعٌ على وجه الإطلاق، ومشروعٌ في الجملة، وهو الصلاة، لما أرادوا قتله أراد أن يختم حياته بعبادة مشروعة في الجملة.
فإن قيل: يحتمل أنه استحب الصلاة عند القتل لذاته.
فيقال - تنزلًا -: إن فعله محتمل لاستحباب الصلاة عند القتل لذاته، ومحتمل أنه صلى لأن الصلاة مشروعة على وجه العموم، والاحتمال الثاني متعين لقاعدة: أن الأصل في العبادات الحظر والمنع.
فإن قيل: قال أبو هريرة: «وكان خبيب هو سنَّ لكل مسلم قُتل صبرًا الصلاة»، فهذا يبين أنه فعله على وجه التقييد، وأنه جعل القتل صبرًا سببًا في ذاته للصلاة.
فيقال: لا تلازم، وذلك أنه قد يكون سببُ تشريع الشريعة استحباب الصلاة عند القتل؛ فعلَ خبيب للصلاة على وجه الإطلاق، ثم قيدته الشريعة عند هذا السبب وهو القتل صبرًا، وهذا ليس ممتنعًا شرعًا.
قال ابن الملقن: «قول أبي هريرة ﵁: (فكان خبيب هو سنَّ لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة) فهو ظاهر في رفعه، مثل قوله: فصارت سنة، وقد سلف فعله عن غيره أيضًا، وكذا فعل زيد بن حارثة، قال السهيلي: هذا يدل أنها سنة جارية، وكذا فعل حجر بن عدي بن الأدبر حين قتله معاوية، وفيما يأتي سنة
стр. 114
حسنة، والسنة: إنما هي أقوال من الشارع أو أفعال أو تقرير؛ لأنه فعلها في حياته، فاستحسن ذلك من فعله واستحسنه المسلمون، مع أن الصلاة خير ما خُتم به عمل العبد» (١).
الوجه الثالث: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟!، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
أليس هذا كافيًا في عدم صحة الاستدلال به؟!
رد استدلاله بتكرار قراءة سورة الإخلاص
الشبهة الخامسة
ذكر قصة الصحابي الذي كان يكرر قراءة سورة الإخلاص في ركعة (٢)، ثم قال: والشاهد هنا هو تخصيص سورة الإخلاص بالقراءة في كل ركعة، وكان حب تلك السورة قد غلب على ذلك الصحابي، لما تحتويه من تعظيم لله ، فخصصها بالقراءة في كل ركعة، ولم يكن عنده نص توقيفي بمشروعيتها، ونقل الحافظ ابن حجر ﵀ عن ناصر الدين ابن المنير ﵀: «في هذا الحديث أن المقاصد تغير أحكام الفعل، لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتل بحبها، فظهرت صحة قصده، فصوبه، قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل
стр. 115
النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره» (١)، ثم ذكر حديثًا والشاهد منه قريب من هذا، ثم قال: «فهذا الالتزام من هذا الصحابي ليس عليه نص توقيفي خاص من رسول الله ﷺ ، وهذه القصة تختلف عن سابقتها، فإمام قباء كان يبدأ بـ (قل هو الله أحد)، وأمير السرية كان يختم بها، وإمام قباء كان يفعل ذلك في كل ركعة، ولم يصرح بذلك في قصة أمير السرية، وإمام قباء سأله النبي ﷺ ، أما أمير السرية فقد أمر أصحابه أن يسألوه، وقال إمام قباء: إنه يحبها، وقال أمير السرية: إنها صفة الرحمن، وبشر النبي ﷺ إمام قباء بالجنة، أما أمير السرية فقد بشره بأن الله يحبه» (٢).
وكشف هذه الشبهة من أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن الذي يريد الوصول إليه من هذين الحديثين هو أن الأصل في العبادات عدم التوقيف على الإطلاق، وهذا مخالف للأدلة والآثار والإجماع - كما تقدم -، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
الوجه الثاني: لم أر في كلام العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم من قال باستحباب تقصد قراءة سورة الإخلاص كما يوهم فعل هذين الصحابيين، فدل هذا على عدم الاستحباب قطعًا؛ لأنه لا يصح لنا أن نخرج عن أقوال أهل العلم إلى أفهامنا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾] النساء: ١١٥ [.
стр. 116
فهل يمكن أن يظفر الكاتب - غير المتخصص في العلوم الشريعة - بحقٍّ جهله العلماء قبله؟!
فبهذا يتبين أن الصحابيين لم يفعلاه على وجه التعبد، وإلا لقرر أهل العلم استحباب القراءة لذاتها، وعلى وجه التقيد، فلما لم يقرروا ذلك، فليس لنا أن نخرج عن أفهامهم إلى هذا الفهم المحدث، فبهذا يتبين أنه ليس للكاتب حجة في هذين الحديثين على دعواه.
وقد أشار لهذا ابن المنير فجعل الدافع ميل النفس لا أمرًا تعبديًّا، وقد تقدم أن الدافع إذا لم يكن تعبديًّا فلا يمنع، لاسيما وقول رسول الله: «إن الله يحبه» ليس صريحًا لأجل قراءة سورة الإخلاص، وإنما يحتمل أنه لمحبته صفة الرحمن، كما قاله ابن دقيق العيد والسفاريني، ويحتمله كلام ابن المنير - وسيأتي نقله -.
ودونك كلام أهل العلم المتوافق على عدم استحباب تقصد قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة وصلاة؛ لذا وجهوا فعل الصحابيين بتوجيهات مختلفة تتفق على عدم استحباب تقصد قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة وصلاة.
قال ابن بطال: «وأما تردد سورة واحدة فى الركعتين، ففي (الواضحة)، عن مالك: لا بأس به، وروى ابن القاسم عن مالك في (العتبية)، أنه سئل عن تكرير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في النافلة، فكرهه وقال: هذا مما أحدثوا، ومعنى كراهته لتكريرها يريد في ركعة واحدة يكررها مرارًا، وفي حديث أنس حجة لمن أجاز تكريرها في الفريضة في كل ركعة؛ لقوله ﵇ للذي كان يكررها: (حبك إياها أدخلك الجنة)، فدل ذلك على جواز فعله، ولو لم يجز لبين له ذلك؛ لأنه بعث معلمًا» (١).
стр. 117
قال ابن دقيق العيد: «قولها: (فيختم بقل هو الله أحد) يدل على أنه كان يقرأ بغيرها. والظاهر: أنه كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] الإخلاص: ١ [مع غيرها في ركعة واحدة، ويختم بها في تلك الركعة، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة يقرأ فيها السورة، وعلى الأول: يكون ذلك دليلًا على جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة، إلا أن يزيد الفاتحة معها، وقوله ﷺ :
«إنها صفة الرحمن» يحتمل أن يراد به: أن فيها ذكر صفة الرحمن، كما إذا ذكر وصف فعبر عن ذلك الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن ذلك الذكر نفس الوصف، ويحتمل أن يراد به غير ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك بـ «قل هو الله أحد» ولعلها خصت بذلك لاختصاصها بصفات الرب تعالى دون غيرها، وقوله ﷺ : «أخبروه أن الله تعالى يحبه» يحتمل أن يريد بمحبته: قراءة هذه السورة، ويحتمل أن يكون لما شهد به كلامه من محبته لذكر صفات الرب ، وصحة اعتقاده» (١).
قال ابن رجب: «وقد دل حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض؛ فإن النبي ﷺ لم ينهه عن ذلك.
ويدل على أنه ليس هو الأفضل؛ لأن أصحابه استنكروا فعله، وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي ﷺ وأصحابه في صلاتهم؛ ولهذا قال له النبي ﷺ : «ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟» (٢).
стр. 118
فدل على أن موافقتهم فيما أمروه به كان حسنًا، وإنما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة» (١).
قال ابن حجر: «قال ناصر الدين بن المنير في هذا الحديث: أن المقاصد تغير أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتل بحبها، فظهرت صحة قصده، فصوبه، قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره» (٢).
قال ابن علان: «لكونه إمامهم (فيختم بقل هو الله أحد) يدل على أنه يقرأ بغيرها، ففيه دليل جواز الجمع بين سورتين غير الفاتحة في ركعة واحدة» (٣).
قال السندي: «والحاصل أن النبي ﷺ قرره على ذلك، وبشره عليه بما بشره، فعلم به جواز الجمع بين السور المتعددة في ركعة» (٤).
قال السفاريني: «ويكون فيه دلالة على جمع السورتين في ركعة واحدة، ويحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة، يقرأ فيها السورة (بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١])؛ أي: بسورة الإخلاص، وخصت بذلك لاختصاصهما بصفات الرب ﵎ دون غيرها.
стр. 119
(فأنا أحب أن أقرأ بها) في كل صلاتي؛ تلذذًا ومحبة لذكر صفاته ﵎، فرجعوا إلى النبي ﷺ ، فأخبروه بما قال، (فقال رسول اللَّه ﷺ :
«أخبروه: أن اللَّه تعالى يحبه»)؛ لمحبته قراءة هذه السورة، أو لما شهد به كلامه؛ من محبته لذكر صفات الرب ، وصحة اعتقاده، وفي هذا دليل على: الرضا بفعله ذلك» (١).
الوجه الثالث: بدلالة ما تقدم من عدم فهم أهل العلم أن قراءة سورة الإخلاص تستحب في كل ركعة أو صلاة، فإنه - تنزلًا - يكون الاستدلال بهذا الحديث من المتشابه، فلا يصح أن يرد المحكم وهو أن العبادات على التوقيف لهذا المتشابه.
الوجه الرابع: أن الحديث يدل على أن المتقرر عند الصحابة أن العبادات مبناها على التوقيف، وذلك أنهم ما قبلوا فعل الأنصاري والصحابي الآخر؛ لأنه مخالف لفعل رسول الله ﷺ ، فيكون هذان الحديثان من الأدلة الكثيرة على أن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف.
قال ابن رجب: «لأن أصحابه استنكروا فعله، وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي ﷺ وأصحابه في صلاتهم؛ ولهذا قال له النبي ﷺ : (ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟)» (٢).
ولأنه متقرر عند أهل العلم أن العبادات مبناها على التوقيف، تأول بعضهم فعل هذين الصحابيين بما لا يتعارض مع قاعدة التوقف والحظر في العبادات، بخلاف ما فعله الكاتب، قال ابن حجر: «وقال غيره: يحتمل أن يكون الصحابي
стр. 120
المذكور قال ذلك مستندًا لشيء سمعه من النبي ﷺ ، إما بطريق النصوصية وإما بطريق الاستنباط» (١).
رد استدلاله بتكرار قراءة سورة الإخلاص في حديث آخر
الشبهة السادسة
قال: «الخامس: «التزام أحد الصحابة ﵃ قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة من قيامه في الليل، فقد سمع أبو سعيد الخدري ﵁ رجلًا يقرأ
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له، وأنه يتقالها، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» (٢). وزاد في رواية: أن رجلًا قام في زمن النبي ﷺ يقرأ من السحر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزيد عليها» (٣).
وكشف هذه الشبهة من أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: ليس في هذا الحديث أن الصحابي يتقصد تكرار قراءة سورة الإخلاص لأنها مستحبة لذاتها، بل لأنه خشع عند قراءتها وتدبرها، فصار يكررها تدبرًا وخشوعًا، فلا مانع أن يكرر أحد آية أو سورة تدبرًا وخشوعًا، وليس هذا ابتداعًا؛ لأنه داخل في جملة التعبد بعموم القراءة والتدبر، وتقدم أن هناك فرقًا بين التعبد بالإطلاق وفي الجملة، وبين التقييد والتخصيص، فإن من
стр. 121
كررها لذاتها تعبدًا وقع في التعبد بالعبادة المقيدة، وهو المنهي عنه شرعًا، فلما كان فعل الصحابي محتملًا، فإنه يحمل على الاحتمال الذي لا يتعارض مع الشرع، وهو أن العبادات قائمة على التوقف والحظر.
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه، لاشك أنهم تركوه لعمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر مطلقًا، فلا يترك هذ الأصل لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
رد استدلاله بمناجاة الصحابي باسم الله الأعظم
الشبهة السابعة
قال: «السادس: مناجاة رجل من الصحابة ربه بدعاء لم يسمعه من رسول الله ﷺ ، فقد كان ﷺ في حلقةٍ، ورجل قائم يصلي، فلما ركع وسجد تشهد ودعا، فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ : «لقد دعا باسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى» (١)
стр. 122
فهذه صيغة دعاء لم يسمعها ذلك الرجل من رسول الله، والمهم في الدعاء أمران: أولها: سلامة لفظه من الخطأ الشرعي، وثانيها: صحة قصد القلب إلى الله ، ولا يشترط فيه أن يكون بصيغة توقيفية، مع اعتقادي بأن كلام خير الناس هو خير كلام الناس» (١).
وكشف هذه الشبهة من أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: أنه ليس في هذا الحديث أن الصحابي كان متقصدًا هذا اللفظ من الدعاء على وجه الدوام، فهو إذن من العبادات والأدعية المطلقة، والقول بأنه يتقصده لذاته في كل صلاة يلزم عليه الإثبات، ففرق بين الدعاء بلا تقصد لذاته، الذي يداخل في جملة الدعاء الذي أمرنا به، وبين تقصد دعاء معينٍ لذاته، فلما كان فعله محتملًا لم يصح حمله على الاحتمال الذي يعارض الأدلة والآثار والإجماع.
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
стр. 123
رد استدلاله بزيادة الصحابي «حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»
الشبهة الثامنة
قال الكاتب: «السابع زيادة رجل من الصحابة ﵃ ذكرًا بعد رفعه من الركوع خلف رسول الله ﷺ ، وهذا الذكر هو «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: «من المتكلم آنفًا؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «لقد رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها» (١) فهذا ذكر زاده صحابي في الصلاة بدون سنة توقيفية من عند النبي ﷺ ، ولكنه لما كان ذكرًا يسيرًا يناسب واقعة الحال من حمد الله على إدراك الركعة أقره ﷺ عليه» (٢).
وكشف هذه الشبهة من أوجه أربعة:
الوجه الأول: أنه ليس في هذا الحديث أن الصحابي كان متقصدًا هذا اللفظ من الدعاء لذاته، فهو إذن من العبادات والأدعية المطلقة، والقول بأنه يتقصده لذاته في كل صلاة يلزم عليه الإثبات، ففرق بين الدعاء بلا تقصد لذاته، الذي يداخل في جملة الدعاء الذي أمرنا به، وبين أن يتقصد دعاء معينًا لذاته، فلما كان فعله محتملًا لم يصح حمله على الاحتمال الذي يعارض الأدلة والآثار والإجماع.
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة
стр. 124
الحديث على هذا؟ أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟! لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
الوجه الرابع: أنه بمراجعة أقوال أهل العلم فإن القول باستحباب هذا الذكر بعد الرفع من الركوع ليس مشهورًا عند العلماء، بل منهم من أبطل الصلاة به، ومنهم من رآه من السهو الذي ينجبر بسجود.
قال التنوخي: «في كتاب مسلم عنه ﷺ أنه كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع يقول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، وما وقع لمالك من كراهية أن يقول المصلي: (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، فإنما كرهه لئلا يعتقد أنه من فروض الصلاة أو من فضائلها، وما ورد لابن شعبان من أن قائل ذلك تبطل صلاته لا معنى له، لما ثبت عنه ﷺ من الثناء، على قائل ذلك» (١).
قال زروق: «قال ابن رشد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه … ) الحديث، وكره مالك ذلك لئلا يعتقد أنه من فرائض الصلاة أو
стр. 125
من فضائلها، وقال ابن شعبان تبطل صلاة قائله، قال: وقول ابن شعبان تبطل صلاة قائله لا معنى له لثبوته والله أعلم» (١).
قال ابن قدامة: «النوع الثاني، أن يأتي فيها بذكر أو دعاء لم يرد الشرع به فيها، كقوله: (آمين رب العالمين) وقوله في التكبير: (الله أكبر كبيرًا) ونحو ذلك، فهذا لا يشرع له السجود؛ لأنه روي عن النبي ﷺ أنه سمع رجلًا يقول في الصلاة: (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، فلم يأمره بالسجود)» (٢).
وأول من رأيته ذكر استحباب هذا الذكر بعد الرفع من الركوع النووي، واستغرب هذا طائفة ممن جاء بعده من الشافعية، وبين بعضهم أنه خالف جمهور الشافعية.
قال النووي: «ثبت عن رفاعة بن رافع ﵁ قال: (كنا نصلي وراء النبي ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجل وراءه: ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول) رواه البخاري فيستحب أن يجمع بين هذه الأذكار، فيقول في ارتفاعه: سمع الله لمن حمده، فإذا انتصب قال: اللهم ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات، وملء الأرض … إلى قوله: منك الجد» (٣).
стр. 126
قال أبو البقاء الدميري: «زاد المصنف في (التحقيق): (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، ولم يذكره الجمهور وهو في (البخاري) من رواية بن رافع، وفيه: (أنه ابتدر ذلك بضعة وثلاثون ملكًا يكتبونه)، وذلك أن عدد حروفها بضعة وثلاثون حرفًا» (١).
قال زكريا الأنصاري: «وفي المجموع عن الأصحاب إذا لم يرضوا اقتصر على ربنا لك الحمد، وفي التحقيق مثل ما في الأصل، وزاد عليه: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، عقب: لك الحمد؛ وهو غريب» (٢).
قال الشربيني: «وزاد في التحقيق بعده: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ولم يذكره الجمهور، وهو في البخاري من رواية رفاعة بن رافع وفيه أنه (ابتدر ذلك بضعة وثلاثون ملكًا يكتبونه)» (٣).
وكأن ابن رجب ذهب إلى ما قال النووي فقال: «قد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله ، كما هو قول الشافعي وأحمد - في رواية -، وأن مثل هذا الذكر حسنٌ في الاعتدال من الركوع في الصلوات» (٤).
وما عزاه للشافعي وأحمد فإنه ليس في استحباب هذا الذكر بعد الرفع من الركوع، وإنما في أن الزيادة على الوارد جائز كما يفهم بالرجوع لما يقرره أصحابهما.
стр. 127
وعلى كلٍّ ذكرت هذا الوجه وإن كان دقيقًا يقصر عنه فهم الكاتب؛ لأنه غير متخصص في العلوم الشرعية، لكن لابد من ذكره ليعرف وليُحرص على فهم العلم على فهم العلماء، لئلا يُخرج عن سبيلهم.
رد استدلاله بتغيير معاذ صفة صلاة المسبوق
الشبهة التاسعة
قال الكاتب: «الثامن سنة معاذ بن جبل ﵁ في المسبوق، فقد كان الرجل من الصحابة ﵃ إذا جاء إلى الصلاة مسبوقًا يسأل، فيخبر بما سبق من صلاته، فيصلي ما فاته ثم يلحق الجماعة، فيكونون مع رسول الله ﷺ ما بين قائم وراكع وقاعد، حتى جاء معاذ ﵁ فقال: لا أراه - يعني النبي ﷺ على حال إلا كنت عليها، فقال رسول الله: إن معاذًا قد سن لكم سنة، كذلك فافعلوا (١)، فهذه بادرة خير من معاذ ابتدأها اجتهادًا من تلقاء نفسه، وليس عنده في ذلك سنة توقيفية، فصارت سنة المسبوقين إلى يوم الدين» (٢).
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنه ليس في الحديث إحداث وابتداع، وإنما اجتهاد، والمجتهد إذا كان أهلًا للاجتهاد فهو ما بين مصيب أو مخطئ، إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وفرق بين الاجتهاد والإحداث، وذلك أن المجتهد مقر بأنه لا عبادة إلا بدليل، لذا هو يسعى لمعرفة هذا الدليل، وهذا بخلاف من لا
стр. 128
يرى أن العبادات توقيفية، فهو لا يحتاج لاجتهاد، بل إن اجتهاد الصحابي من الأدلة على أن العبادات توقيفية، وذلك لأنه لما تقرر عند الصحابة ومن بعدهم أنها توقيفية اجتهدوا لمعرفة مراد الله بالنظر في الأدلة الأخرى، لتكون العبادة قائمة على دليل صحيح.
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟!، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
رد استدلاله بأن الإحداث في الرقية يدل على الإحداث في العبادة
الشبهة العاشرة
قال الكاتب: «التاسع: رقية أبي سعيد الخدري رجلًا لدغته عقرب، وكان الرجل سيد قومه، وقد أبى أولئك القوم أن يضيفوا أبا سعيد ورهطه ﵃، فرقاه بفاتحة الكتاب (١)، وجاء في رواية أنه قرأها ثلاثًا وفي رواية سبعًا، ولم يحدد العدد في روايات أخرى، وكان الباعث لرقية أبي سعيد اجتهادًا من عنده، وليس
стр. 129
توقيفيًّا من الرسول، فقد جاء في رواية: فجعل رسول الله ﷺ يقول: وما يدريك أنها رقية؟ قلت يا رسول الله ما دريت أنها رقية، ولكن شيء ألقى الله في نفسي، وفي رواية: ألقي في روعي، كما أن عدد مرات القراءة كان اجتهادًا من أبي سعيد ﵁، ولم يكن عنده منه توقيف» (١).
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن الرقية ليست من العبادات التي مبناها على التوقيف، بل هي من التداوي الذي مبناه على التجربة، ويدل لذلك حديث عوف بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (٢)، فقد قبل رسول الله ﷺ من صحابته رقاهم، مع أن فيهم من كان يرقي في الجاهلية برقى معروفة، ومع ذلك لم يمنع رقيته بشرط ألا تكون شركًا، فدل هذا على أن الرقية من باب التداوي لا العبادات.
قال الإمام ابن تيمية: «ومن هذا الباب إذا جعل للطبيب جعلًا على شفاء المريض جاز، كما أخذ أصحاب النبي ﷺ الذين جعل لهم قطيع على شفاء سيد الحي، فرقاه بعضهم حتى برئ، فأخذوا القطيع؛ فإن الجعل كان على الشفاء لا على القراءة» (٣).
стр. 130
قال ابن القيم: «ومن ذلك إذا جعل للطبيب جعلًا على الشفاء جاز، كما أخذ أصحاب النبي ﷺ القطيع من الشاء الذي جعله لهم سيد الحي، فرقاه أحدهم حتى برئ، والجعل كان على الشفاء لا على القراءة» (١).
قال ابن عابدين: «لأن المتقدمين المانعين الاستئجار مطلقًا جوزوا الرقية بالأجرة ولو بالقرآن كما ذكره الطحاوي؛ لأنها ليست عبادة محضة بل من التداوي» (٢).
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي: «والكفار الذين أعطوا الصحابة قطيعًا من الغنم، لم يعطوهم إياه حبًّا للقرآن أو حبًّا فيه، ولا حبًّا للقارئ، وللمسلمين وللإسلام، بل القرآن أبغض إليهم من كل شيء، والصحابة أبغض إليهم من كل شيء، ورسولهم أبغض إليهم من كل شيء، ومع ذلك دفعوا الأجر، فالأجر ليس للتلاوة وإنما هو العلاج، ولم يدفعوا الأجر إلا بعد الشفاء، لأنهم جعلوه على الشفاء لا على التلاوة» (٣).
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
стр. 131
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
رد تكرار استدلاله بأن الإحداث في الرقية يدل على الإحداث في العبادة
الشبهة الحادية عشرة
قال الكاتب: «العاشر: وقد تكرر اجتهاد الصحابة ﵃ في الرقية، فعن خارجة بن الصلت التميمي أن عمه مر بقوم وعندهم مجنون موثق في الحديد، فقال له بعضهم: أعندك شيء يداوى به هذا، فإن صاحبكم - يعني النبي ﷺ قد جاء بخير قال: فقرأت عليه الفاتحة ثلاثة أيام في كل يوم مرتين، فبرأ فأعطاه مائة شاة، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: «كل فمن أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق» (١)، وزاد في رواية: وكلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل فكأنما أنشط من عقال، فقد اجتهد هذا الصحابي في عدد مرات القراءة وأيامها وطريقتها بدون توقيف، فأقرها النبي ﷺ (٢).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن هذا تكرار للاستدلال بالرقية، وأنها غير توقيفية، وتقدم كشف هذه الشبهة في الشبهة السابقة وهو أن الرقية ليست من العبادات المبنية على الحظر بل من الطب والتداوي.
стр. 132
رد استدلاله بما زعم أن الصحابة أحدثوه بعد وفاة رسول الله ﷺ
الشبهة الثانية عشرة
عقد الكاتب فصلًا بعنوان: هدي الصحابة ﵃ في المحدثات بعد وفاة الرسول ﷺ (١).
وكشف هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أنه بهذا العنوان لهذا الفصل يقرر أن كل ما تعبد به الصحابي مما لم ينقل لنا عن رسول الله ﷺ فهو مما أحدثه، وهذا خطأ بين، فإن هذا ليس لازمًا، بل قد يكون مما أخذه من رسول الله ﷺ لكنه لم ينسبه إليه لما عرف من ورعه في النسبة لرسول الله ﷺ ، أو يكون أخذ ممن أخذ عن رسول الله ﷺ ، قال ابن القيم: «فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شِفاهًا، أو من صحابي آخر عن رسول الله ﷺ ، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم كل ما سمع، وأين ما سمعه الصديق ﵁ والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة ﵃ إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي ﷺ في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به ﷺ بقوله وفعله وهديه وسيرته، وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدًّا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم، وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافًا مضاعفة، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير، فقول القائل:
стр. 133
«لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي ﷺ لذكره»؛ قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي ﷺ مرارًا، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول الله ﷺ » (١).
ثم أيضًا إذا فعل أحدهم فعلًا، ولم ينكر عليه صحابي آخر فيعد إجماعًا على الصحيح.
الوجه الثاني: أنه إذا تعبد الصحابي بعبادة لم يأخذها من رسول الله ﷺ ، ولا ممن أخذه منه، فإنه يحتمل - تنزلًا - أنه لا يرى العبادات توقيفية لذا أحدثها، ويحتمل أنه فعله اجتهادًا، والقول بالاجتهاد ينافي القول بالإحداث، ويتوافق مع القول بالتوقيف مطلقًا، وذلك أن معنى أنه اجتهد أي إنه نظر في الأدلة مجتهدًا لمعرفة مراد الله، وذلك لأن العبادة توقيفية لا تفعل إلا بدليل.
رد زعمه أن الصحابة بعد وفاة رسول الله لا يرون العبادات توقيفية مطلقًا
الشبهة الثالثة عشرة
قال الكاتب: «كذلك فقد ابتدأ الصحابة ﵃ عددًا من المحدثات بعد وفاته ﷺ ، مما يدل على أنهم لم يكونوا يعتقدون أن كل ما تركه رسول الله ﷺ حرام، بل لكل محدثة حكمها الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة ونصوصها العامة وقواعدها الكلية، ولم يكونوا يقبلون - في الوقت نفسه - كل محدثة في الدين، بل كانوا ينكرون من المحدثات ما يعتقدون أنه من البدع السيئة التي
стр. 134
تتصادم مع أصول الدين ونصوصه، فكانت طريقتهم البحث والقياس وإلحاق النظير بالنظير» (١).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن قوله: «لم يكونوا يعتقدون أن كل ما تركه رسول الله ﷺ حرام»؛ حمّال أوجه؛ فإن أراد من غير العبادات، فهذا لا يقوله الصحابة ولا غيرهم ممن وصفهم بالموسعين أو المضيقين: بل ولا وجود لمن هو كذلك منهم إلا في خيالات الكاتب، وما أبعده من خيال عن واقع أهل العلم.
وإن أراد من العبادات، فقد تقدم إجماع الصحابة ومن بعده أن العبادات مبناها على التوقيف والحظر - كما تقدم في المقدمة السابعة -، وتقدم أن كل ما تركه رسول الله ﷺ من العبادات حرام التعبد به، على ما سبق تقريره بضوابطه في السنة التركية عند المقدمة الثامنة، لكن لتخليط الكاتب ظن أن من سماهم مضيقين ممن يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف مطلقًا، لا يجوزون شيئًا من العبادات مما حدث بعد رسول الله ﷺ إذا دلت عليه الأدلة وقواعد الشريعة كالمصالح المرسلة، كجمع القرآن في مصحف واحد، أو إحياء عمر صلاة التراويح جماعة، وقد تقدم تفصيل هذا، وأن هذا مما خلط فيه الكاتب كما في الرد الإجمالي.
стр. 135
تكرار رد زعمه أن الصحابة بعد وفاة رسول الله ﷺ
لا يرون العبادات توقيفية مطلقًا
الشبهة الرابعة عشرة
قال: «كذلك فقد ابتدأ الصحابة ﵃ عددًا من المحدثات بعد وفاته ﷺ ، مما يدل على أنهم لم يكونوا يعتقدون أن كل ما تركه رسول الله ﷺ حرام، بل لكل محدثة حكمها الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة ونصوصها العامة وقواعدها الكلية، ولم يكونوا يقبلون - في الوقت نفسه - كل محدثة في الدين، بل كانوا ينكرون من المحدثات ما يعتقدون أنه من البدع السيئة التي تتصادم مع أصول الدين ونصوصه، فكانت طريقتهم البحث والقياس وإلحاق النظير بالنظير» (١). ففي هذا زعمه أن الصحابة لا يرون العبادات توقيفية مطلقًا.
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن الآثار التي ذكرها الكاتب لا تخرج عن أحوال:
الحال الأولى: عبادات فعلها الصحابي مما قد يكون أخذها من رسول الله ﷺ أو أخذها ممن أخذها من رسول الله ﷺ ، وهذا خارج مورد النزاع؛ لأنها راجعة للشرع.
وذلك مثل رفع الصوت بالتكبير في العيد وعشر ذي الحجة (٢) وألفاظ قنوت عمر في النوازل (٣).
стр. 136
الحال الثانية: أعمال راجعة إلى المصالح المرسلة، أي ما يجوز إحداثه من الوسائل بضابطه كما تقدم تقريره، وذلك مثل جمع أبي بكر وعمر القرآن (١) وقد تقدم الكلام عليها.
الحال الثالثة: آثار أسانيدها ضعيفة، ومثل هذا لا يحتج به، وذلك مثل إجابة عثمان مقيم الصلاة (٢) عند قوله: «وقد قامت الصلاة» بقول: مرحبًا بالقائلين عدلًا ..
وهذا إسناده ضعيف (٣)، ولو صح لكانت من الحال الأولى.
الحال الرابعة: عبادات فعلها رسول الله ﷺ فتركها لمانع ثم زال المانع، وذلك مثل جمع عمر الناس على إمام واحد في قيام رمضان (١) وقد تقدم الكلام عليه.
الحال الخامسة: ما لا علاقة له بالبدعة لأنه لا علاقة له بالعبادة، وذلك مثل تخصيص عبد الله بن مسعود يوم الخميس للوعظ فهو يحتمل أنه لمزية في الخميس، ويحتمل أنه لسبب آخر كتفرغ أو غير ذلك، قال ابن حجر: «واحتمل عمل بن مسعود مع استدلاله أن يكون اقتدى بفعل النبي ﷺ حتى في اليوم الذي عينه، واحتمل أن يكون اقتدى بمجرد التخلل بين العمل والترك الذي عبر عنه بالتخول والثاني أظهر» (٤).
стр. 137
وعلى الاحتمال الأول يكون هذا المثال للحال الأولى، وعلى الاحتمال الثاني يكون لهذه الحال، وهذا ظاهر صنيع البخاري لأنه وضعه تحت باب (من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة).
الحال السادسة: عبادات جاء بها الشرع بألفاظ عامة ومجملة، وذلك مثل فعل أبي ذر (١)، فقد أكثر الصلاة لأن الشريعة جاءت بكثرة الصلاة والسجود بأدلة عامة ومجملة، وهو فعلها على وجه العموم، ولم يخصصها.
رد إلزامه بأن الترك يقتضي التحريم
الشبهة الخامسة عشرة
قال الكاتب: «فنجد أن المضيقين لمعنى البدعة يحتجون دائمًا على بدعية أي محدثة بأن المحدثة - قيد البحث - لم يفعلها السلف الصالح، ولو كانت خيرًا لسبقونا إليه، فلما تركوها ولم يفعلوها - مع قيام مقتضاها وانتفاء موانعها - دل ذلك على حرمتها، أي إنهم يحتجون لتحريم المحدثات بترك النبي ﷺ وصحابته ﵃ لها، ومن ثم فهم يعتقدون أن الترك يقتضي التحريم» (٢).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن هذا جهل أو بغي، فقد جعل ترك النبي ﷺ للعبادة مع وجود المقتضي وانتفاء المانع كالقول بأن (الترك يقتضي التحريم)، وهما لا يستويان؛ لأن قوله: «الترك يقتضي التحريم»، عام للترك الديني والدنيوي، ولما تتوافر الدواعي لنقله، وما لا تتوافر لنقله، ولما يوجد له مانع، وما لا يوجد له مانع.
стр. 138
رد عدم احتجاجه بالسنة التركية
الشبهة السادسة عشرة
قال الكاتب: «وتكاد تكون هذه القاعدة من المسلمات عندهم، فما إن يروا أمرًا جديدًا - له ارتباط بالدين - إلا ويسارعون إلى الحكم بتحريمه؛ لأن النبي لم يفعله، ومن ثم فإنه بدعة ضلالة» (١).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
لاشك أن هذه القاعدة - وهي السنة التركية - من المسلمات، وقد تقدم تحريرها والتدليل عليها، ونقل كلام أهل العلم في تقريرها عند المقدمة الثامنة؛ وقاعدة السنة التركية فرع عن القاعدة المجمع عليها، وهي أن العبادات مبناها على التوقيف - وهي المقدمة السابعة -، وتقدم ذكرها والتدليل عليها.
فبهذا يعرف أنها من المسلمات عند جميع أهل السنة، وليست خاصة بمن وصفهم الكاتب بأنهم مضيقون.
رد زعمه أن أهل العلم لم يذكروا أن الترك يقتضي التحريم
الشبهة السابعة عشرة
قال الكاتب: «ولقد بحثت - كباحث يسعى إلى الحقيقة - في كتب الأصول كثيرًا للوقوف على هذه القاعدة، فلم أعثر لها على أثر، أي أنه لم ينص أحد من علماء أصول الفقه على أن الترك يقتضي التحريم» (١).
стр. 139
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن البحث عن القاعدة بهذا اللفظ والمعنى لا يوجد؛ لأنه من خيالات الكاتب الذي ألصقه بمن سماهم مضيقين - وتقدم بيان خطئه -، أما لو بحث عنها بمعنى آخر وهو أن ترك رسول الله ﷺ والصحابة لعبادةٍ مع وجود المقتضي وانتفاء المانع؛ دليل على وجوب الترك، لوجده كثيرًا في كلام أهل العلم، وقد تقدم في المقدمة الثامنة نقل كلام أهل العلم عن حجية السنة التركية، وللشاطبي كلام قوي على دعواه هذه فقال: «ثم إطلاقه القول بأن الترك لا يوجب حكمًا في المتروك إلا جواز الترك، غير جار على أصول الشرع الثابتة، فلنقرر هنا أصلًا لهذه المسألة لعل الله ينفع به من أنصف من نفسه:
وذلك أن سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما، أو تركه لأمر ما على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه أو يتركه لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا موجب يقرر لأجله، ولا وقع سبب تقريره؛ كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي ﷺ ، فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التي كمل بها الدين - ثم قال -:
والضرب الثاني: أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص، أو يترك أمرًا ما من الأمور، وموجبه المقتضي له قائم، وسببه في زمان الوحي وفيما بعده موجود ثابت، إلا أنه لم يحدد فيه أمر زائد على ما كان في ذلك الوقت، فالسكوت في هذا الضرب كالنص على أن القصد الشرعي فيه أن لا يزاد فيه على ما كان من الحكم العام في أمثاله، ولا ينقص منه؛ لأنه لما كان المعنى الموجب لشرعية الحكم العملي الخاص موجودًا، ثم لم يشرع، ولا نبه على استنباطه؛ كان صريحًا في أن الزائد على
стр. 140
ما ثبت هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لقصد الشارع؛ إذ فُهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك، لا الزيادة عليه، ولا النقصان منه» (١).
وتقدم نقل أقوال علماء من المذاهب الأربعة أن مثل هذا الترك حجة، ومخالفته بدعة، كما في المقدمة الثامنة.
رد تخليطه في مفهوم السنة التركية
الشبهة الثامنة عشرة
قال الكاتب: «ولا يلتبسن عليك - أخي الكريم - ما ذكرته سابقًا بالسنة التركية التي نصت عليها كتب الأصول، وملخصها أن ما تركه رسول الله ﷺ فإنه ينبغي على أمته تركه اقتداءً به ﷺ ؛ وذلك لأن تعريف السنة التركية أن يترك رسول الله ﷺ قولًا أو فعلًا بشرط قصد الترك، وإلا فكيف نصف تركه ﷺ بأنه سنة إذا كان غير قاصد لذلك الترك، فإنْ تركَ ﷺ الشيءَ قاصدًا فإنه يشرع لأمته تركه وجوبًا أو استحبابًا، أو إباحة أو كراهة، حسب القرائن المحتفة بتركه ﷺ » (٢).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إنه خلّط في دليل السنة التركية فيما نحن بصدده، بأن جعلها عامة في كل تركٍ مقصود، وهذا خطأ وجهل، وإنما السنة التركية التي هي حجة، والتي مخالفتها سبب للوقوع في البدعة، هي الترك المقصود للعبادات مع وجود المقتضي وانتفاء الموانع، فهي ترك خاص للعبادات، لا ترك عام لكل شيء كما فهم الكاتب.
стр. 141
رد تخليط آخر في مفهوم السنة التركية
الشبهة التاسعة عشرة
قال الكاتب: «أدلة على أن تركه ﷺ لا يقتضي التحريم: وكذلك فقد ثبت عن رسول الله أنه ترك أمورًا لأسباب معينة عارضة، ونص على أن سبب تركه لها ليس حرمتها» (١).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن هذا ليس من السنة التركية؛ لأنه ليس مما ترك قصدًا من العبادات مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، بل هي إما غير عبادات، أو مما لم يوجد المقتضي أو وجد مانعه.
وجهله للسنة التركية وضابطها، أو تجاهله، من أعظم الأصول التي ضلّ فيها الكاتب، فبهذا ضل وأضل، وصال وجال، بغير علم ولا دراية.
رد تكرار رد تخليطه في مفهوم السنة التركية
الشبهة العشرون
قال الكاتب: «إن الصحابة ﵃ لم يكونوا يفهمون أن سكوت النبي ﷺ عن أمر ما، أو تركه له دليل على تحريمه، فقد استقر عندهم أن ما سكت عنه رسول الله فهو حلال وعفو» (٢).
стр. 142
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن هذا يؤكد تخليطه في مفهوم السنة التركية، وذلك أن ما ذكره صحيح ولا شك فيه، لكنه ليس مرادًا فيما نحن بصدده مما يتعلق بالبدعة، وفيما يسمى بالسنة التركية عند الكلام على البدع، وذلك أن السنة التركية: هي تعمدُ وتقصدُ تركِ عبادةٍ مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، ومثل هذا كان يبدع به الصحابة، خلاف ما ظنه الكاتب، فقد أنكر ابن مسعود على الذين يذكرون الله حلقًا مستدلًا بالسنة التركية، فقال: «ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة» (١)، وأنكر ابن عمر على الذي عطس وسلم على رسول الله ﷺ فقال ابن عمر:
«وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، ولكن ليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، علَّمنا إذا عطس أحدنا أن يقول: «الحمد لله على كل حال» (١) مستدلًّا بالسنة التركية.
لا يصح القياس مع معارضة السنة التركية
الشبهة الحادية والعشرون
نقل عن أكثر الفقهاء صحة القياس في العبادات التي يعقل معناها على الإطلاق بدون نظر لمعارضته للسنة التركية، فقال: «أما جزئيات وفرعيات العبادات التي يعقل معناها، بحيث يمكن الاجتهاد في دلالات علتها، فهي محل الخلاف بين
стр. 143
العلماء في جواز إجراء القياس فيها دون الحاجة إلى توقيف صريح، بمعنى أنهم اختلفوا في قياس جزئية عبادة غير معلوم حكمها على أخرى - معقولة المعنى - معلوم حكمها، فأكثر الفقهاء والأصوليين يرون جواز القياس في هذه الحالة» (١).
وقال: «وخلاصة قضية التوقيف في العبادات والقياس عليها؛ أن جزئيات العبادات التي لا يعقل معناها، والتي يظهر فيها معنى التعبد بجلاء، لا يصح القياس عليها، أما الجزئيات التي يمكن تعقل معانيها فإن القياس عليها محل خلاف بين العلماء، وأكثرهم على جوازه» (٢).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن هذا الذي قرره حق، لكنه غفل أو تغافل عن ضابط مهم، وهو أن القياس في العبادات إذا عورض بالسنة التركية فإنه يكون قياسًا فاسدًا، وينتج من هذا القياس البدعة، كما تقدم تقرير هذا في المقدمة العاشرة.
نقد تعريفه المختار للبدعة
الشبهة الثانية والعشرون
قال الكاتب: فإن التعريف الذي أرتضيه للبدعة المذمومة هو (محدثة دينية تتصادم مع نصوص الشرع أو مقاصده أو قواعده) فخرج بلفظ (محدثة) ما كان معمولًا به في الصدر الأول، وخرج بلفظ (دينية) ما كان من عادات الناس وأعرافهم وما شابهها، وخرج بلفظ (تتصادم) ما يمكن إلحاقه بالمشروع عن
стр. 144
طريق الاجتهاد والقياس، ونظرًا لأن المشروع يؤخذ من نصوص الشرع ومقاصده وقواعده، فلابد في المحدثة الجائزة أن لا تتصادم معها» (١).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن هذا التعريف فيه إجمالات وإشكالات، وتناقضات، مع ما قرره.
أولًا: قال: «تتصادم مع نصوص الشريعة» ثم بين بقوله: «ما يمكن إلحاقه بالمشروع عن طريق الاجتهاد والقياس» هذا يفيد أن البدعة يشترط أن تكون مستندة لأحد الأدلة الشرعية المعتبرة، لا أنها تكون بالهوى، فبهذا يعرف أنها توقيفية مطلقًا، وهذا يناقض ما ذكره من أنه لا يشترط أن تكون توقيفية مطلقًا.
ثانيًا: قال مبينًا معنى «تتصادم مع نصوص الشريعة»: «ونظرًا لأن المشروع يؤخذ من نصوص الشرع ومقاصده وقواعده، فلابد في المحدثة الجائزة أن لا تتصادم معها».
اشتراط عدم التصادم مع نصوص الشرع إنما يقال فيما أصله الإباحة، أما ما أصله الحظر والمنع فأول ما يشترط له وجود الدليل الذي يدل عليه، وإلا بقي على المنع والحظر، فضابطه هذا يشير إلى أنه لا يراها توقيفية، وكأنه يذكر ضابطًا لأمر مباح في نفسه، لا لأمر الأصل فيه المنع.
والمباح لا يتعبد به لذاته، بل التعبد به لذاته بدعة محرمة - كما تقدم في المقدمة الرابعة -.
стр. 145
ثالثًا: من وقف على اضطرابه وتداخل الأمور عليه، كما في كشف شبهاته الإجمالية ثم التفصيلية؛ أدرك أن عدم ضبطه للبدعة ليس غريبًا، وقد كان رمى علماء الأمة كلها بأنها لم تضبط البدعة، حتى جاء هو بتعريفها، فصدق عليه قول القائل: «رمتني بدائها وانسلت»، وقول الشاعر:
وكم من عائبٍ قولًا سليمًا … وآفتُه من الفهمِ السَّقيمِ
ومعرفة الخلل في تعريفه للبدعة يفسر سبب عدم تعريفه لها عند تأليفه لكتابه (مفهوم البدعة)، مع أن معرفة ضابط البدعة مقصود قصدًا أساسيًّا في كتابه هذا، وإنه لم يعرفها إلا في ملحق الكتاب لما طلبه منه أحد المقدمين لكتابه.
رد زعمه أن في البدعة ما هو مكروه
الشبهة الثالثة والعشرون
قال الكاتب: «البدعة المذمومة - بمعناها الشرعي - محدثة دينية تتعارض مع نصوص الشريعة ومقاصدها، وحكمها الكراهة أو الحرمة» (١).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن القول بأن في البدع الشرعية ما هو مكروه مخالفٌ للنصوص الشرعية ولإجماع السلف - كما تقدم -.