والأزرق بن علي. قالا: ثنا حسان بن إبراهيم ثنا محمد بن سلمة بن كهيل عن سلمة عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار أنه قال: - وهو يسير على شط الفرات -: اللهم لو أعلم أن أرضى لك عني أن أتردى فأسقط فعلت، ولو علمت أن أرضى لك عني أن ألقي نفسي في هذا الماء فأغرق فيه فعلت.
خباب بن الأرت
ومنهم السابق المفتتن، المعذب الممتحن، خباب بن الأرت، أبو عبد الله مولى بني زهرة. أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وثبت في إسلامه شاكرا، كان من النواحين البكائين، وكانت نياحته على اكتوائه لما ابتلي في جسمه، وبكاؤه لافتتانه لما اجتمع له من سهمه، كان من فقراء المهاجرين والسابقين، وكان أحد الجلاس للنبي ﷺ والأناس. فيه وفي أصحابه نزلت ﴿(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي)﴾ كان بذكر الله مستأنسا، وللنبي ﷺ ملازما ومجالسا.
• حدثنا أبو حامد أحمد ابن محمد بن سنان ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا عبد الله بن عمر ثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن كردوس الغطفاني أنه سمعه. قال: إن خباب بن الأرت أسلم سادس ستة. له سدس الإسلام.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا الحسن بن علي الحلواني ثنا يحيى بن آدم ثنا وكيع عن أبيه عن أبي إسحاق عن معدي كرب، قال: أتينا عبد الله بن مسعود نسأله عن طسم الشعراء قال ليست معي، ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله ﷺ ، عليكم بأبي عبد الله خباب بن الأرت.
• حدثنا سعد بن محمد الصيرفي ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا سعيد بن عمرو الأشعثي ثنا سفيان ابن عيينة عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب. قال: كان خباب ابن الأرت من المهاجرين الأولين، وكان ممن يعذب في الله تعالى.
• حدثنا أحمد بن محمد بن جبلة ثنا أبو العباس السراج ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي
стр. 142
أخبرنا جرير عن بيان بن بشر عن الشعبى. قال: سأل عمر بلالا عما لقي من المشركين، فقال خباب: يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهري. فقال عمر:
ما رأيت كاليوم. قال: أوقدوا لى نارا فما أطفأها إلا ودك ظهري.
• حدثنا عبد الله بن جعفر بن إسحاق الموصلي ثنا محمد بن أحمد بن المثنى ثنا جعفر بن عون ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن خباب. قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو مضطجع فى بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر الله لنا، فجلس محمرا وجهه. ثم قال: «والله إن من كان قبلكم ليؤخذ الرجل فيشق باثنين ما يصرفه عن دينه شيء، أو يمشط بأمشاط الحديد ما بين عصب ولحم ما يصرفه عن دينه شيء، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تعجلون».
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن يحيى بن مندة ثنا خالد بن يوسف السمتي ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي عن خباب بن الأرت. قال: لم يكن أحد إلا أعطى ما سألوه يوم عذبهم المشركون، إلا خبابا كانوا يضجعونه على الرضف فلم يسغبوا (١) منه شيئا.
• حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة ثنا أبو إسحاق قال سمعت حارثة بن مضرب. قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى. فقال:
ما أعلم أحد لقى من البلاء ما لقيت، لقد مكثت على عهد رسول الله ﷺ ما أجد درهما وإن في ناحية بيتي هذا أربعين ألفا - يعني دراهم - لولا أن رسول الله ﷺ نهانا - أو نهى - أن يتمنى أحد الموت لتمنيته.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا موسى بن اسحاق الأنصارى ثنا عبد الحميد ابن صالح ثنا أبو شهاب عن الأعمش عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب.
قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى في بطنه سبع كيات. فقال: لولا أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لتمنيته». فقال بعضهم: اذكر صحبة النبي ﷺ والقدوم عليه. فقال قد خشيت
стр. 143
أن يبقى (١) ما عندي القدوم عليه، هذه أربعون ألفا دراهم في البيت.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا المقدام بن داود ثنا أسد بن موسى. وحدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى بن آدم. قالا: ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب. قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى سبعا، فقال لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لا يتمنين أحدكم الموت» لتمنيته. زاد يحيى بن آدم: ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ ما أملك درهما، وإن في جانب بيتي لأربعين ألف درهم، قال ثم أنى بكفنه فلما رآه بكى. فقال: لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الأذخر.
• حدثنا عبد الله ابن محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ثنا سعيد بن يحيى بن سعيد ثنا ابن إدريس حدثني أبي عن المنهال بن عمر عن أبي وائل شقيق بن سلمة.
قال: دخلنا على خباب بن الأرت في مرضه. فقال. إن فى هذا التابوت ثمانين ألف درهم، والله ما شددت لها من خيط، ولا منعتها من سائل. ثم بكى فقلنا ما يبكيك؟ قال أبكي أن أصحابي مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئا، وأنا بقينا بعدهم حتى لم نجد لها موضعا إلا التراب: رواه أبو أسامة عن إدريس.
قال: ولوددت أنها كذا وكذا - كما قال بعرا أو غيره -.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا الحميدي ثنا سفيان. وحدثنا أبو حاتم عبد الصمد بن محمد الخطيب الأستراباذي ثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي ثنا إسحاق بن إبراهيم الطلقي ثنا عفان بن سيار. قالا: عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب. قال: عاد خبابا نفر (٢) من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله إخوانك تقدم عليهم غدا. قال فبكى وقال: أما إنه ليس بى جزع ولكنكم ذكرتمونى أقواما
стр. 144
وسميتم لي إخوانا، وإن أولئك قد مضوا بأجورهم كلهم، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا بعدهم. لفظ عفان.
• حدثنا عبد الرحمن بن العباس ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا أبو نعيم ثنا عيسى بن المسيب عن قيس بن أبي حازم. قال: دخلت على خباب وقد اكتوى سبعا، فقال يا قيس لولا أني سمعت رسول الله ﷺ نهى أن ندعوا بالموت لدعوت به.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا إسماعيل بن أبي خالد ثنا قيس قال: عدنا خبابا؛ وقد اكتوى في بطنه سبعا، وقال لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعوا بالموت لدعوت به. ثم قال إنه قد مضى قبلنا أقوام لم ينالوا من الدنيا شيئا، وإنا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لا يدري أحدنا في أي شيء يضعه إلا في التراب، وإن المسلم يؤجر في كل شيء أنفقه إلا فيما أنفق في التراب.
• حدثنا أبو بكر الطلحي ثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أحمد بن المفضل ثنا أسباط بن نصر عن السدي عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود عن خباب بن الأرت. قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا النبي ﷺ قاعدا مع عمار وصهيب وبلال وخباب بن الأرت في أناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حقروهم فخلوا به فقالوا: إن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب قعودا مع هذه الأعبد، فاذا جئناك فأقمهم عنا. قال نعم! قالوا فاكتب لنا عليك كتابا، فدعى بالصحيفة ودعا عليا ليكتب - ونحن قعود في ناحية - إذ نزل جبريل فقال ﴿(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين، وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا)﴾ الآية فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة ودعانا فأتيناه وهو يقول: «سلام عليكم» فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته. فكان
стр. 145
رسول الله ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله تعالى ﴿(واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم)﴾ قال فكنا بعد ذلك نقعد مع النبي، فإذا بلغنا الساعة التي كان يقوم فيها قمنا وتركناه، وإلا صبر أبدا حتى نقوم.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن عبد الملك الواسطي ثنا معلى بن عبد الرحمن ثنا منصور بن أبي الأسود عن الأعمش عن زيد بن وهب. قال: سرنا معه - يعني عليا - حين رجع من صفين، حتى إذا كان عند باب الكوفة، إذا نحن بقبور سبعة. فقال علي: ما هذه القبور؟ قالوا يا أمير المؤمنين إن خبابا توفي بعد مخرجك إلى صفين، وأوصى أن يدفن في ظهر الكوفة. فقال علي ﵇: رحم الله خبابا لقد أسلم راغبا، وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلي في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا. ثم قال: طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله .
بلال بن رباح
ومنهم السيد المتعبد المتجرد، بلال بن رباح، عتيق الصديق ذي الفضل والسماح، علم الممتحنين في الدين والمعذبين، خازن الرسول الأمين، محمد سيد المرسلين، السابق الوامق، والمتوكل الواثق.
وقد قيل: إن التصوف قطع العلائق، والأخذ بالوثائق.
• حدثنا أبو بكر الطلحي ثنا الحسين بن جعفر ثنا أحمد بن يونس ثنا عبد العزيز الماجشون ثنا ابن المنكدر عن جابر. قال: كان عمر بن الخطاب يقول:
أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا - يعني بلالا ﵁.
• حدثنا حبيب ابن الحسن ثنا سهل بن أبي سهل ثنا محمد بن عبد الله ثنا يزيد بن هارون ثنا حسام بن مصك ثنا قتادة عن قاسم بن ربيعة عن زيد بن أرقم. قال قال رسول الله ﷺ : «نعم المرء بلال، وهو سيد المؤذنين».
• حدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى ثنا أحمد بن محمد بن أيوب ثنا ابراهيم بن
стр. 146
سعد عن محمد بن إسحاق قال حدثني هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه. قال:
كان ورقة بن نوفل يمر ببلال وهو يعذب وهو يقول: أحد أحد، فيقول:
أحد، أحد، الله يا بلال. ثم يقبل ورقة بن نوفل على أمية بن خلف وهو يصنع ذلك ببلال فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذته حنانا، حتى مر به أبو بكر الصديق يوما وهم يصنعون ذلك، فقال لأمية:
ألا تتقي الله في هذا المسكين، حتى متى؟ قال: أنت أفسدته (١) فأنقذه مما ترى فقال أبو بكر أفعل، عندى غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك أعطيكه به. قال قد قبلت، قال هو لك. فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك، وأخذ بلالا فأعتقه. ثم أعتق معه على الإسلام - قبل أن يهاجر من مكة - ست رقاب؛ بلال سابعهم.
قال محمد بن إسحاق: وكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح، مولدا من مولديهم. وهو بلال بن رباح، كان اسم أمه، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب. فكان أمية يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له:
لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى. فيقول - وهو في ذلك البلاء - أحد أحد. قال عمار بن ياسر - وهو يذكر بلالا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء وإعتاق أبي بكر إياه، وكان اسم أبى بكر عتيقا ﵁:
جزى الله خيرا عن بلال وصحبه … عتيقا وأخزى فاكها وأبا جهل
عشية هما في بلال بسوءة … ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقل
بتوحيده رب الأنام وقوله … شهدت بأن الله ربى على مهل
فإن يقتلوني يقتلوني فلم أكن … لأشرك بالرحمن من خيفة القتل
فيا رب إبراهيم والعبد يونس … وموسى وعيسى نجنى ثم لا تبل
لمن ظل يهوى الغى من آل غالب … على غير بر كان منه ولا عدل
стр. 147
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا أبي وعمي أبو بكر. قالا: ثنا ابن أبي بكير ثنا زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله. قال:
أول من أظهر الإسلام سبعة؛ رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله تعالى بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، ثم صهروهم في الشمس فما منهم أحد إلا وأتاهم على ما أرادوا إلا بلالا، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به فى شعاب مكة وهو يقول أحد، أحد.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو حذيفة ثنا عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس. قال قال رسول الله ﷺ :
«بلال سابق الحبشة».
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن خليد ثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام عن زيد بن أسلم أنه سمع أبا سلام يقول حدثني عبد الله الهوزني. قال: لقيت بلالا فقلت يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما كان له شيء، كنت أنا الذي ألي له ذاك منذ بعثه الله حتى توفي، وكان إذا أتاه الرجل المسلم فرأه عاريا يأمرنى به فأنطلق فأستقرض واشترى البردة فأكسوه وأطعمه.
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا عاصم بن علي ثنا قيس بن الربيع عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب عن مسروق عن عبد الله. قال: دخل النبي ﷺ على بلال وعنده صبر عن تمر. فقال: «ما هذا يا بلال؟» قال يا رسول الله ادخرته لك ولضيفانك، قال «أما تخشى أن تكون له سجار (١) فى النار أنفق بلالا، ولا تخش من ذي العرش إقلالا».
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن علي الصايغ ثنا الحسن بن علي الحلواني ثنا عمران بن بنان ثنا طلحة عن يزيد بن سنان عن أبي المبارك عن أبي سعيد الخدري عن بلال. قال قال رسول الله ﷺ : «يا بلال مت فقيرا ولا تمت غنيا» قلت
стр. 148
فكيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال: «ما رزقت فلا تخبأ، وما سئلت فلا تمنع» فقلت يا رسول الله كيف لي بذلك؟ قال: «هو ذلك أو النار».
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. قال قال رسول الله ﷺ : «لقد أخفت في الله تعالى وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من يوم وليلة ما لي ولا لبلال طعام يأكله أحد إلا شيء بواريه إبط بلال».
• حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : «رأيتني دخلت الجنة وسمعت خشفا أمامي، فقلت من هذا يا جبريل؟ فقال هذا بلال».
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن الحباب ثنا حسين بن واقد حدثني عبد الله ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ . قال: «سمعت في الجنة خشخشة أمامي، فقلت من هذا قالوا بلال فأخبره» وقال: «بم سبقتني إلى الجنة؟» قال يا رسول الله ما أحدثت إلا توضأت، ولا توضأت إلا رأيت أن الله تعالى علي ركعتين فأصليهما. رواه أبو حيان عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير عن أبي هريرة مثله.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا أبو كريب ثنا أبو معاوية عن إسماعيل عن قيس. قال: اشترى أبو بكر بلالا ﵄ بخمسة أوق فأعتقه. فقال: يا أبا بكر إن كنت أعتقتني لله فدعني حتى أعمل لله، وإن كنت إنما أعتقتني لتتخذني خادما فاتخذني. فبكى أبو بكر وقال: إنما أعتقتك لله، فاذهب فاعمل لله تعالى.
• حدثنا أبو حامد ثنا محمد بن إسحاق ثنا الحسن بن عيسى ثنا ابن المبارك ثنا معمر حدثني عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب. قال: لما كانت خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه تجهز بلال ليخرج إلى الشام. فقال له أبو بكر: ما كنت أراك يا بلال تدعنا على هذا الحال، لو أقمت معنا فأعنتنا قال: إن كنت إنما أعتقتني لله تعالى فدعني أذهب إليه، وإن كنت إنما أعتقتني لنفسك فاحبسني
стр. 149
عندك. فأذن له فخرج إلى الشام فمات بها.
صهيب بن سنان بن مالك
ومنهم السابق المهاجر، المطعم المتاجر، لماله بذول، ولنفسه قتول، ولدينه عقول، وبربه تعالى يجول ويصول، صهيب بن سنان بن مالك. أسرع الإجابة لله تعالى وللرسول.
وقد قيل: إن التصوف الأخذ بالأصول، والترك للفضول، والتشمير للوصول.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا عبد الله بن الزبير الحميدي. وحدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن إبراهيم بن نصر ثنا هارون بن عبد الله الحمال ثنا محمد بن الحسن المخزومي قالا: ثنا علي بن عبد الحميد بن زياد بن صيفي بن صهيب عن أبيه عن جده عن صهيب: قال: لم يشهد رسول الله مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة قط أول الزمان وآخره إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا وكنت أمامهم، ولا ما وراءهم، إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله ﷺ بيني وبين العدو قط حتى توفي رسول الله ﷺ . السياق لمحمد بن الحسن، وهو أتم.
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب. قال:
لما أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي ﷺ ، فاتبعه نفر من قريش نزل عن راحلته، وانتثل ما فى كنانته ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلا، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معى فى كنانتى ثم أضرب بسيفى ما يقى في يدي منه شيء، افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وثيابي بمكة وخليتم سبيلي؟ قالوا نعم! فلما قدم على رسول الله ﷺ المدينة. قال: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى»
стр. 150
قال ونزلت ﴿(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله)﴾ الآية.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن محمد المعيني الأصبهاني ثنا زيد بن الحريش ثنا يعقوب ابن محمد ثنا حصين بن حذيفة قال أخبرني أبي وعمومتي عن سعيد بن المسيب عن صهيب. قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المدينة، وخرج معه أبو بكر، وكنت قد هممت بالخروج معه وصدني فتيان من قريش فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد. وقالوا قد شغله الله عنكم ببطنه ولم أكن شاكيا، فقاموا فخرجت فلحقنى منهم ناس بعد ما سرت يريدون ردي، فقلت لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وحلتين لي بمكة وتخلون سبيلي وتوثقون لي؟ ففعلوا. فتبعتهم إلى مكة فقلت احفروا تحت أسكفة الباب، فإن تحتها الأواقي واذهبوا إلى فلانة بآية كذا وكذا فخذوا الحلتين فخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ قباء قبل أن يتحول منها، فلما رآني قال: «يا أبا يحيى ربح البيع» ثلاثا فقلت يا رسول الله ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل ﵇.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن إبراهيم بن شبيب الغسال الأصبهاني ثنا هارون بن عبد الله ثنا محمد بن الحسن ابن زبالة حدثني علي بن عبد الحميد بن زياد بن صيفي بن صهيب عن أبيه عن جده عن صهيب رضي الله تعالى عنه: أن المشركين لما أطافوا برسول الله ﷺ فأقبلوا على الغار وأدبروا، قال وا صهيباه ولا صهيب لي، فلما أراد رسول الله ﷺ الخروج بعث أبا بكر مرتين - أو ثلاثا - إلى صهيب فوجده يصلي. فقال أبو بكر للنبي ﷺ : وجدته يصلي وكرهت أن أقطع عليه صلاته، فقال: «أصبت» وخرجا من ليلتهما، فلما أصبح خرج حتى أتى أم رومان زوجة أبى بكر، فقالت ألا أراك هاهنا، وقد خرج أخواك، ووضعا لك شيئا من زادهما. قال صهيب فخرجت حتى دخلت على زوجتي، فأخذت سيفي وجعبتي وقوسي حتى أقدم على رسول الله ﷺ المدينة، فأجده وأبا بكر جالسين. فلما رآني أبو بكر قام إلي، فبشرني بالآية التي نزلت في، وأخذ بيدي فلمته بعض اللائمة، فاعتذر.
стр. 151
وربحني رسول الله ﷺ فقال: «ربح البيع أبا يحيى».
• حدثنا محمد بن علي بن حبيش ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق ثنا صالح بن حرب ثنا إسماعيل بن يحيى ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن صهيب رضي الله تعالى عنهم. قال سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا، يمنة وبسرة».
• حدثنا محمد بن علي بن حبيش ثنا جعفر بن محمد الفريابي ثنا أبو جعفر النفيلي وحدثنا محمد بن الحسن اليقطيني ثنا الحسين بن عبد الله الرقي ثنا حكيم بن سيف. قالا: ثنا عبيد الله ابن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن حمزة بن صهيب عن أبيه أن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال له: يا صهيب اكتنيت وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت رجل من الروم؟ فقال: يا أمير المؤمنين أما قولك اكتنيت وليس لك ولد فإن رسول الله ﷺ كناني بأبي يحيى، وأما قولك انتميت إلى العرب وأنت رجل من الروم، فإني رجل من النمر بن قاسط، سبيت من الموصل بعد أن كنت غلاما، قد عرفت أهل ونسبي.
ورواه زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل فزاد فيه ما
• حدثناه أبو بكر ابن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن زهير عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن حمزة بن صهيب: أن صهيبا رضي الله تعالى عنه كان يطعم الطعام الكثير، فقال له عمر: يا صهيب إنك تطعم الطعام الكثير وذلك سرف في المال، فقال صهيب: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «خياركم من أطعم الطعام، ورد السلام» فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام رواه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن صهيب نحوه.
• حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد ثنا عبد الله بن شيرويه ثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا محمد بن بشر أخبرني محمد بن عمرو بن علقمة ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال: قال عمر لصهيب رضي الله تعالى عنهما: ما وجدت عليك في الإسلام إلا ثلاثا، تكنيت أبا يحيى وقال الله تعالى ﴿(لم نجعل له من قبل سميا)﴾ وإنك لم تمسك شيئا إلا أنفقته، وتدعى إلى النمر بن قاسط، وأنت
стр. 152
من المهاجرين الأولين وممن أنعم الله عليه. قال: أما قولك إني تكنيت أبا يحيى فإن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى، وأما قولك إني لا أمسك شيئا إلا أنفقته فإن الله تعالى قال ﴿(وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه)﴾ وأما قولك إني أدعى إلى النمر فإن العرب كانت يسبي بعضهم بعضا، فسبتني طائفة من العرب فباعوني بسواد الكوفة فأخذت بلسانهم، ولو كنت من روثة ما ادعيت إلا إليها.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن الحسين بن مكرم ثنا أحمد بن عبيد الله ابن كردي ثنا سالم بن نوح عن الجريري عن أبي السليل عن صهيب. قال:
صنعت لرسول الله ﷺ طعاما فأتيته وهو فى نفر جالس، فقمت حياله فأومأت إليه، وأومأ إلي: «وهؤلاء؟» فقلت لا، فسكت فقمت مكانى.
فلما نظر إلى أومأت إليه فقال: «وهؤلاء؟» فقلت: لا، مرتين فعل ذلك أو ثلاثا. فقلت نعم! وهؤلاء، وإنما كان شيئا يسيرا صنعته له، فجاء وجاءوا معه فأكلوا، قال وفضل منه.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا سعيد بن منصور. وحدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل حدثني أبي. قال: ثنا هشيم ثنا عبد الحميد بن جعفر عن الحسن بن محمد الأنصاري عن رجل من النمر بن قاسط قال سمعت صهيب بن سنان يحدث قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل تزرج امرأة على مهر وهو لا يريد أداءه اليها فغرها بالله، واستحل فرجها بالباطل لقي الله تعالى يوم القيامة وهو زان، وأيما رجل ادان بدين وهو لا يريد أداءه إليه فغره بالله واستحل ماله بالباطل، لقي الله تعالى يوم يلقاه وهو سارق».
• حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة حدثني محمد بن يحيى الطلحي ثنا عمار بن خالد ثنا عبد الحكيم بن منصور عن يونس بن عبيد عن ثابت قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يحدث عن صهيب الخير. قال: صلينا مع رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، فلما انصرف أقبل إلينا بوجهه ضاحكا فقال: «ألا تسألونى مم ضحكت؟» قالوا الله ورسوله أعلم قال «عجبت من قضاء الله للعبد المسلم إن كل ما قضى الله تعالى له خير، وليس كل أحد كل
стр. 153
قضاه لله له خير إلا العبد المسلم» رواه سليمان بن المغيرة وحماد بن سلمة عن ثابت مثله.
• حدثنا فاروق الخطابي ثنا أبو مسلم الكشي ثنا أبو عمر الضرير ثنا حماد بن سلمة أن ثابتا البناني أخبرهم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله تعالى عنه. قال: كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه بشيء في أيام حنين إذا صلى الغداة، فقلنا يا رسول الله لا تزال تحرك شفتيك بشيء بعد صلاة الغداة وكنت لا تفعله؟ قال: «إن نبيا كان قبلنا أعجبته كثرة أمته، فقال لا يروم هؤلاء - أحسبه قال شيء - فأوحى الله تعالى إليه أن خير أمتك بين ثلاث، إما أن أن أسلط عليهم الموت، أو العدو، أو الجوع. فعرض عليهم ذلك فقالوا أما الجوع فلا طاقة لنا به، ولا طاقة لنا بالعدو، ولكن الموت. فمات منهم في ثلاثة أيام سبعون ألفا، فأنا اليوم أقول اللهم بك أحاول، وبك أصاول، وبك أقاتل».
• حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن صهيب رضي الله تعالى عنه. قال: تلي رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿(للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)﴾ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى مناديا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا، فيقولون ما هو؟ أليس قد بيض وجوهنا، وثقل موازيننا، وأدخلنا الجنة؟ فيقال لهم ذلك ثلاثا، قال فيتجلى لهم فينظرون إليه، فيكون ذلك عندهم أعظم مما أعطوا».
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إبراهيم بن هاشم ثنا عمر بن الحصين وحدثنا أبو محمد بن حبان ثنا ابن رسته ثنا عمرو بن مالك الراسبي. قالا: ثنا الفضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه عن عبد الرحمن بن مغيث عن كعب الأحبار حدثني صهيب. قال: كان رسول الله ﷺ يدعو يقول: «اللهم لست بإله استحدثناه، ولا برب ابتدعناه ولا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه فيك، تباركت وتعاليت» قال كعب: وهكذا كان نبي الله داود ﵇ يدعو به. لفظ عمرو بن الحصين. وقال عمرو بن مالك
стр. 154
الراسبي: ولا برب يبيد ذكره، ولا كان معك إله فندعوه ونتضرع إليه، ولا أعانك على خلقنا أحد فتشك فيك. ولم يذكر عبد الرحمن بن مغيث في حديثه.
• حدثنا أبو بكر الطلحي ثنا عبيد بن غنام ثنا جعفر بن أبي الحسن الخوارزمي ثنا عبد الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله حدثني أبي عبيد الله بن إسحاق عن الحصين بن حذيفة عن أبيه حذيفة عن أبي صيفي عن أبيه صهيب ﵁. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهاجرون هم السابقون، الشافعون، المدلون على ربهم ، والذي نفسي بيده انهم ليأتون يوم القيامة وعلى عواتقهم السلاح، فيقرعون باب الجنة، فيقول لهم الخزنة من أنتم؟ فيقولون نحن المهاجرون، فتقول لهم الخزنة هل حوسبتم؟ فيجثون على ركبهم، وينثرون ما في جعابهم، ويرفعون أيديهم فيقولون: أي رب أبهذه نحاسب، لقد خرجنا وتركنا المال والأهل والولد. فيجعل الله تعالى لهم أجنحة من ذهب مخوصة بالزبرجد والياقوت، فيطيرون حتى يدخلوا الجنة» فذلك قوله ﴿(الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب)﴾ قال صهيب: قال رسول الله ﷺ : «فلهم بمنازلهم في الجنة أعرف منهم بمنازلهم في الدنيا».
أبو ذر الغفاري
ومنهم العابد الزهيد، القانت الوحيد، رابع الإسلام، ورافض الأزلام قبل نزول الشرع والأحكام، تعبد قبل الدعوة بالشهور والأعوام، وأول من حيا الرسول بتحية الإسلام، لم يكن تأخذه في الحق لائمة اللوام، ولا تفزعه سطوة الولاة والحكام. أول من تكلم فى علم البقاء، وثبت على المشقة والعناء، وحفظ العهود والوصايا، وصبر على المحن والرزايا، واعتزل مخالطة البرايا، إلى أن حل بساحة المنايا. أبو ذر الغفاري ﵁. خدم
стр. 155
الرسول، وتعلم الأصول، ونبذ الفضول.
وقد قيل: إن التصوف التأله والتدله، عن غلبات التوله.
• حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب ثنا يوسف بن يعقوب القاضى ثنا سليمان ابن حرب ثنا أبو هلال محمد بن سليم ثنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت قال قال لي أبو ذر رضي الله تعالى عنه: يا ابن أخي صليت قبل الإسلام بأربع سنين، قال له من كنت تعبد؟ قال إله السماء، قلت فأين كانت قبلتك؟ قال حيث وجهني الله . حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبى أسامة.
• حدثنا أبو النضر ثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر. أنه قال: يا ابن أخي قد صليت قبل أن ألقى رسول الله ﷺ ثلاث سنين، قلت لمن؟ قال لله ، قلت أين توجه؟ قال حيث وجهني الله ، أصلي عشاء، حتى إذا كان من آخر السحر، ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس.
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث ابن أبي أسامة ثنا عبد الله بن الرومي ثنا النضر بن محمد ثنا عكرمة بن عمار ثنا أبو زميل عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال:
كنت رابع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة وأنا الرابع.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي ثنا محمد بن عائذ ثنا الوليد بن مسلم ثنا أبو طرفة عباد بن الريان اللخمي. قال سمعت عروة بن رويم يقول حدثني عامر بن لدين قال سمعت أبا ليلى الأشعري يقول حدثني أبو ذر. قال: إن أول ما دعاني إلى الإسلام، أنا أصابتنا السنة، فحملت أمى أخى أنيسا إلى أصهار لنا بأعلا نجد فلما حللنا بهم أكرمونا، فمشى رجل من الحي إلى خالي فقال: إن أنيسا يخالفك إلى أهلك فحز في قلبه، فانصرفت من رعية إبلي فوجدته كئيبا يبكي، فقلت ما بكاؤك يا خال؟ فأعلمني الخبر، فقلت حجز الله من ذلك، إنا نعاف الفاحشة، وإن كان الزمان قد أخل بنا. فاحتملت بأخي وأمي حتى نزلنا بحضرة مكة، فأتيت مكة وقد بلغني أن بها صابئا - أو مجنونا، أو ساحرا - فقلت أين هذا الذي تزعمونه؟ قالوا ها هو ذاك حيث
стр. 156
ترى، فانقلبت إليه فو الله ما جزت عنهم قيد حجر، حتى أكبوا على بكل عظم وحجر ومدر فضرجوني بدمي فأتيت البيت فدخلت بين الستور والبناء وصومت فيه ثلاثين يوما لا أكل ولا أشرب إلا من ماء زمزم، قال فلما أتيت رسول الله ﷺ أخذ بيدي أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا ذر! فقلت لبيك يا أبا بكر، فقال هل كنت تأله فى جاهليتك؟ قال قلت نعم! لقد رأيتني أقوم عند الشمس فلا أزال مصليا حتى يؤذيني حرها، فأخر كأني خفاء فقال لي فأين كنت توجه؟ فقلت لا أدري إلا حيث يوجهني الله ، حتى أدخل الله علي الإسلام.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا قطن بن نسير ثنا جعفر بن سليم ثنا أبو طاهر عن أبي يزيد المدني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال: أقمت مع رسول الله ﷺ بمكة، فعلمني الإسلام وقرأت من القرآن شيئا، فقلت يا رسول الله إني أريد أن أظهر ديني، فقال رسول الله ﷺ : «إني أخاف عليك أن تقتل» قلت لا بد منه وإن قتلت، قال فسكت عني، فجئت وقريش حلقا يتحدثون في المسجد فقلت أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فانتقضت الخلق فقاموا فضربونى حتى تركونى كأنى نصب أحمر، وكانوا يرون أنهم قد قتلوني فأفقت فجئت إلى رسول الله ﷺ ، فرأى ما بي من الحال فقال لي:
«ألم أنهك؟» فقلت يا رسول الله كانت حاجة في نفسي فقضيتها، فأقمت مع رسول الله ﷺ فقال: «الحق بقومك، فإذا بلغك ظهوري فأتني».
• حدثنا حبيب بن الحسن ثنا أبو مسلم الكشي ثنا عمرو بن حكام ثنا المثنى بن سعيد ثنا أبو جمرة أن ابن عباس أخبرهم عن بدو إسلام أبي ذر قال:
دخل أبو ذر على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله مرني بما شئت. فقال: «ارجع إلى أهلك حتى يأتيك خبري» فقلت والله ما كنت لأرجع حتى أصرخ بالإسلام، فخرج إلى المسجد فصاح بأعلا صوته فقال:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فقال المشركون
стр. 157
صبأ الرجل، صبأ الرجل، فقاموا إليه فضربوه حتى سقط، فمر به العباس فقال: يا معشر قريش أنتم تحار وطريقكم على غفار، أتريدون أن يقطع الطريق فأكب عليه العباس فتفرقوا، فلما كان الغد عاد إلى مثل قوله، فقاموا إليه فضربوه. فمر به العباس فقال لهم مثل ما قال، ثم أكب عليه.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا المقرئ ثنا سليمان بن المغيرة عن حميد ابن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: أتيت مكة، فمال على أهل الوادى بكل مدرة وعظم فخررت مغشيا علي، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر.
• حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب ثنا يوسف ابن يعقوب ثنا سليمان بن حرب ثنا أبو هلال الراسبي ثنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت. قال قال لي أبو ذر رضي الله تعالى عنه: قدمت مكة فقلت أين هذا الصابئ؟ فقالوا الصابئ الصابئ! فأقبلوا يرمونني بكل عظم وحجر حتى تركوني مثل النصب الأحمر، فلما ضربني برد السحر أفقت، وتحملت حتى أتيت زمزم فاغتسلت من مائها وشربت منه، وكنت بين الكعبة وأستارها ثلاثين ليلة بأيامها، ما لي طعام ولا شراب إلا ماء زمزم حتى تكسر عكن بطني، وما وجدت على كبدي من سخفة جوع، حتى إذا كان ذات ليلة جاء نبي الله ﷺ فطاف بالبيت، وصلى خلف المقام فكنت أول من حياه بالإسلام - أو قال بالسلام - فقلت السلام عليك فقال: «وعليك ورحمة الله».
• حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا سليمان بن المغيرة ثنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال: انتهيت إلى النبي ﷺ حين قضى صلاته، فقلت السلام عليك، فقال: «وعليك السلام» فكنت أول من حياه بتحية الإسلام.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا الحسين بن على ابن الهذيل الواسطي والطوسي. قالا: ثنا محمد بن حرب ثنا يحيى بن أبي زكريا الغساني عن إسماعيل بن أبي خالد عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال: أوصاني خليلي ﷺ
стр. 158
بست: حب المساكين، وأن أنظر إلى من هو تحتي ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أقول الحق وإن كان مرا، وأن لا تأخذنى في الله لومة لائم (١).
• حدثنا محمد بن معمر ثنا أبو شعيب الحراني ثنا يحيى بن عبد الله ثنا الأوزاعي حدثني مرثد أبو كبير عن أبيه عن أبي ذر: أن رجلا أتاه فقال: إن مصدقي عثمان ازدادوا علينا، أنغيب عنهم بقدر ما ازدادوا علينا؟ فقال لا، قف مالك، وقل ما كان لكم من حق فخذوه، وما كان باطلا فذروه. فما تعدوا عليك جعل في ميزانك يوم القيامة؛ وعلى رأسه فتى من قريش. فقال: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال أرقيب أنت على؟ فو الذى نفسى بيده لو وضعتم الصمصامة هاهنا ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تحتزوا لأنفذتها.
• حدثنا محمد بن أحمد بن محمد ثنا عبد الله ابن محمد بن عبد الكريم ثنا الحسن بن إسماعيل بن راشد الرملي ثنا ضمرة بن سعد (٢) ثنا ابن شوذب عن مطرف عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت ابن أخي أبي ذر. قال: دخلت مع عمي على عثمان، فقال لعثمان ائذن لي في الربذة؟ فقال نعم! ونأمر لك بنعم من نعم الصدفة تغدو عليك وتروح قال لا حاجة لي فى ذلك، تكفى أبا ذر صرمته. ثم قام فقال اعزموا دنياكم ودعونا وربنا وديننا، وكانوا يقتسمون مال عبد الرحمن بن عوف، وكان عنده كعب فقال عثمان لكعب: ما تقول فيمن جمع هذا المال فكان يتصدق منه ويعطي في السبل، ويفعل ويفعل؟ قال إني لأرجو له خيرا. فغضب أبو ذر ورفع العصا على كعب وقال: وما يدريك يا ابن اليهودية، ليودن صاحب هذا المال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه؟!.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أحمد بن أسد ثنا أبو معاوية عن موسى ابن عبيدة عن عبد الله بن خراش. قال: رأيت أبا ذر رضي الله تعالى عنه بالربذة في ظلة له سوداء، وتحته امرأة له سحماء وهو جالس على قطعة جوالق
стр. 159
فقيل له إنك امرؤ ما يبقى لك ولد. فقال: الحمد لله الذى يأخذهم فى دار الفناء ويدخرهم في دار البقاء. قالوا يا أبا ذر لو اتخذت امرأة غير هذه! قال: لأن أتزوج امرأة تضعني أحب إلي من امرأة ترفعني. فقالوا له لو اتخذت بساطا ألين من هذا؟ قال اللهم غفرا، خذ مما خولت ما بدا لك.
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا عفان ثنا همام ثنا قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي: أنه دخل على أبي ذر رضي الله تعالى عنه وهو بالربذة، وعنده امرأة له سوداء شعثة ليس عليها أثر المجاسد والخلوق، قال فقال ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السوداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم، وإن خليلى عهد إلى أن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة، وأنا إن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار؛ أحرى أن ننجوا من أن نأتى عليه ونحن مواقير.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يزيد ثنا محمد بن عمرو عن أبي بكر بن المنكدر. قال بعث حبيب بن مسلمة - وهو أمير الشام - إلى أبي ذر بثلاثمائة دينار وقال استعن بها على حاجتك. فقال أبو ذر: ارجع بها إليه، أما وجد أحدا أغر بالله منا، ما لنا إلا ظل نتوارى به، وثلة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها، ثم إني لأتخوف الفضل.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس ثنا أبي ثنا بكر بن عياش عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين. قال: بلغ الحارث رجلا - كان بالشام - من قريش أن أبا ذر به عوز، فبعث إليه بثلاثمائة دينار. فقال: ما وجد عبدا لله تعالى هو أهون عليه مني؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سأل وله أربعون فقد ألحف» ولآل أبي ذر أربعون درهما، وأربعون شاة، وما هنان.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا يزيد بن هارون ثنا محمد بن عمرو قال سمعت عراك بن مالك يقول: قال أبى ذر ﵁: إني لأقربكم مجلسا من رسول الله ﷺ يوم القيامة، وذلك أني سمعت رسول الله
стр. 160
ﷺ يقول: «إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها» وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث بشيء منها غيري.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال قيل له: ألا تتخذ ضيعة كما اتخذ فلان وفلان؟ قال وما أصنع بأن أكون أميرا، وإنما يكفيني كل يوم شربة ماء - أو لبن - وفي الجمعة قفيز من قمح.
• حدثنا محمد بن علي بن حبيش ثنا يوسف بن موسى بن عبد الله المروروزى ثنا عبد الله بن خبيق ثنا يوسف بن أسباط ثنا سفيان الثوري - أراه عن حبيب بن حسان - عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر. قال: كان قوتي على عهد رسول الله ﷺ صاعا، فلا أزيد عليه حتى ألقى الله .
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن الفضل السقطي ثنا إبراهيم بن المستمر العروقي ثنا إسحاق بن إدريس ثنا بكار بن عبد الله بن عبيدة حدثني عمي موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال: بينا أنا واقف مع رسول الله ﷺ . فقال لي: «يا أبا ذر أنت رجل صالح وسيصيبك بلاء بعدي» قلت في الله؟ قال: «في الله» قلت مرحبا بأمر الله.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني سفيان بن وكيع ثنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد عن من سمع أبا ذر ﵁ يقول: إن بني أمية تهددني بالفقر والقتل، ولبطن الأرض أحب إلي من ظهرها، وللفقر أحب إلي من الغنى. فقال له رجل: يا أبا ذر مالك إذا جلست إلى قوم قاموا وتركوك؟ قال إني أنهاهم عن الكنوز.
• حدثنا سليمان بن أحمد ومحمد بن علي بن حبيش.
قالا: ثنا أبو شعيب الحراني ثنا عفان بن مسلم ثنا همام ثنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁. قال: إن خليلي ﷺ عهد إلي أنه أيما ذهب أو فضة أوكئ عليه فهو جمر على صاحبه حتى ينفقه في سبيل الله .
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله
стр. 161
ابن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا عبد الله بن بجير ثنا ثابت: أن أبا ذر مر بأبي الدرداء رضى الله تعالى عنها وهو يبني بيتا له، فقال: لقد حملت الصخر على عواتق الرجال؟ فقال: إنما هو بيت أبنيه، فقال له أبو ذر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك، فقال يا أخي لعلك وجدت علي في نفسك من ذلك. قال: لو مررت بك وأنت في عذرة أهلك كان أحب إلي مما رأيتك فيه.
• حدثنا أبي وأبو محمد بن حيان. قالا: ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا أحمد بن سعيد ثنا ابن وهب قال سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن عبيد الله بن زحر أن أبا ذر رضي الله تعالى عنه. قال: يولدون للموت، ويعمرون للخراب ويحرصون على ما يفنى، ويتركون ما يبقى، ألا حبذا المكروهان الموت والفقر (١).
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو يحيى الرازى ثنا هناد ابن السرى ثنا عبوة بن سليمان عن عمرو بن ميمون عن أبيه عن رجل من بني سليم - يقال له عبد الله بن سيدان - عن أبي ذر أنه قال: في المال ثلاثة شركاء: القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت، والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها، وأنت ذميم. فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكونن (٢) فإن الله يقول ﴿(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)﴾ ألا وإن هذا الجمل مما كنت أحب من مالي، فأحببت أن أقدمه لنفسي.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن عمار الدهني عن أبي شعبة. قال: جاء رجل إلى أبي ذر ﵁ فعرض عليه نفقة. فقال أبو ذر: عندنا أعنز نحلبها، وحمر تنقل، ومحررة تخدمنا، وفضل عباءة عن كسوتنا، إنى أخاف أن أحاسب على الفضل.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا أبو يحيى الرازي ثنا هناد بن السري ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن ابن الأبرق الغفاري عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال: ليأتين عليكم زمان يغبط الرجل فيه بخفة الحاذ، كما يغبط اليوم فيكم
стр. 162
أبو عشرة.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا سيار ثنا جعفر ثنا الجريري عن أبي السليل. قال: جاءت ابنة أبي ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين، ومعها قفة لها. فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت: يا أبتاه زعم الحراثون والزراعون أن أفلسك هذه بهرجة. فقال: يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه.
• حدثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني سليمان عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال: ذو الدرهمين أشد حسابا من ذي الدرهم.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا أبو يحيى الرازي ثنا هناد بن السري ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال: والله تعلمون ما أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم، ولا تقاررتم على فرشكم، والله لوددت أن الله خلقني يوم خلقني شجرة تعضد ويوكل ثمرها.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا سيار ثنا جعفر ثنا حازم العبدي حدثني شيخ من أهل الشام. قال سمعت أبا ذر رضي الله تعالى عنه يقول: من أراد الجنة فليصمد صمدها.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا عبد الرحمن بن فضالة عن بكر بن عبد الله عن أبي ذر ﵁. قال: يكفى من الدعاء مع البر، ما يكفي الملح من الطعام.
• حدثنا أبي ثنا محمد بن إبراهيم بن يحيى ثنا يعقوب الدورقي ثنا عبد الرحمن ثنا قرة بن خالد عن عون بن عبد الله. قال قال أبو ذر: هل ترى الناس ما أكثرهم ما فيهم خير إلا تقي أو تائب.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عبد الله بن محمد بن عمران ثنا حسين المروزي ثنا الهيثم بن جميل ثنا صالح المري عن محمد بن واسع
أن رجلا من البصرة ركب إلى أم ذر بعد وفاة أبي ذر يسألها عن عبادة أبي ذر، فأتاها فقال جئتك لتخبريني عن عبادة أبي ذر رضي الله تعالى عنه.
قالت: كان النهار أجمع خاليا يتفكر.
• حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي ثنا
стр. 163
أبو خليفة ثنا أبو ظفر ثنا جعفر بن سليمان عن عثمان قال: بلغنا أن رجلا رأى أبا ذر رضي الله تعالى عنه وهو يتبوأ مكانا. فقال له: ما تريد يا أبا ذر؟ فقال أطلب موضعا أنام فيه، نفسى هذه مطيتي إن لم أرفق بها لم تبلغني.
مواعظه
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أبو بكر الأهوازي ثنا الحسن بن عثمان ثنا محمد بن إدريس ثنا محمد بن روح ثنا عمران بن عمر عن سفيان الثوري. قال:
قام أبو ذر الغفاري عند الكعبة فقال: يا أيها الناس أنا جندب الغفارى، هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق، فاكتنفه الناس. فقال: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا بلى! قال: فسفر (١)
طريق القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم. قالوا وما يصلحنا؟ قال حجوا حجة لعظام الأمور، صوموا يوما شديدا حره لطول النشور، صلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها، أو كلمة سوء تسكت عنها لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرها، اجعل الدنيا مجلسين، مجلسا في طلب الآخرة، ومجلسا في طلب الحلال، والثالث يضرك ولا ينفعك لا تريده. اجعل المال درهمين، درهما تنفقه على عيالك من حله، ودرهما تقدمه لآخرتك، والثالث يضرك ولا ينفعك لا تريده. ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدا.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا عبد الله بن محمد قال سمعت شيخا يقول بلغنا أن أبا ذر كان يقول: يا أيها الناس إني لكم ناصح، إني عليكم شفيق، صلوا في ظلمة الليل لوحشة القبور، صوموا فى الدنيا لحر يوم النشور، تصدقوا مخافة يوم عسير. يا أيها الناس إني لكم ناصح، إني عليكم شفيق.
• حدثنا حبيب بن الحسن ثنا أبو مسلم الكشي ثنا عبد الرحمن بن حماد الشعيثي ثنا كهمس عن أبي السليل عن أبي ذر رضى الله
стр. 164
تعالى عنه. قال: كان نبي الله ﷺ يتلو علي هذه الآية ﴿(ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب)﴾ فما زال يقولها ويعيدها علي.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا محمد ابن أبي بكر المقدمي ثنا معتمر بن سليمان ثنا كهمس عن أبي السليل عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم ﴿(ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب)﴾» فما زال يقولها ويعيدها علي.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا جعفر الفريابي. وحدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن أنس بن مالك. قالا: ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى (١) بن يحيى الغساني حدثني أبي عن جدي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ﵁ قال: دخلت المسجد وإذا رسول الله ﷺ جالس وحده، فجلست إليه. فقال: «أبا ذر إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان فقم فاركعهما». قال فقمت فركعتهما ثم عدت فجلست إليه، فقلت يا رسول الله إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة؟ قال: «خير موضوع استكثر أو استقل» قلت يا رسول الله فأي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ، وجهاد في سبيله» قال قلت يا رسول الله فأي المؤمنين أكملهم إيمانا؟ قال: «أحسنهم خلقا» قال قلت يا رسول الله فأي المؤمنين أسلم؟ قال: «من سلم الناس من لسانه ويده». قال: قلت يا رسول الله فأي الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر السيئات». قال: قلت يا رسول الله فأى الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» قال قلت يا رسول الله فما الصيام؟ قال: «فرض مجزى، وعند الله أضعاف كثيرة» قال قلت يا رسول الله فأي الجهاد أفضل؟ قال: «من عقر جواده وأهريق دمه» قال قلت يا رسول الله فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند ربها» قال قلت يا رسول الله فأي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد من مقل يسر إلى فقير» قلت يا رسول الله فأي آية مما أنزل الله
стр. 165
عليك أعظم قال: «آية الكرسي» ثم قال: «يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة» قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟: قال: «مائة ألف، وأربعة وعشرون ألفا» قلت يا رسول الله كم الرسل؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا» قلت كثير طيب. قلت يا رسول الله من كان أولهم؟ قال: «آدم» قلت يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال: «نعم! خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلا» وقال أحمد بن أنس ثم كلمه قبلا. ثم قال: «يا أبا ذر أربعة سريانيون؛ آدم، وشيث، وخنوخ - وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم - ونوح وأربعة من العرب؛ هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر» قال قلت يا رسول الله كم كتاب أنزله الله تعالى؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسون صحيفة، وأنزل على خنوخ ثلاثون صحيفة (١) وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان» قال قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، فإني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر. وكان فيها أمثال:
على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعات؛ ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنع الله ، وساعة يخلو فيها بحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث؛ تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم.
وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه» قلت يا رسول الله فما كان صحف موسى ﵇؟ قال: «كانت عبرا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار وهو يضحك، عجبت لمن أيقن للقدر ثم هو
стр. 166
ينصب، عجبت لمن رأى الدنيا، وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، عجبت لمن أيقن بالحساب غدا، ثم لا يعمل» قلت يا رسول الله أوصني. قال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله» قلت يا رسول الله زدني. قال: «عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض، وذكر لك في السماء» قلت يا رسول الله زدني. قال «إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه» قلت يا رسول الله زدني. قال: «عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان عنك، وعون لك على أمر دينك» قلت يا رسول الله زدني قال: «عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي» قلت يا رسول الله زدني. قال:
«حب المساكين وجالسهم» قلت يا رسول الله زدني، قال: «انظر إلى من تحتك ولا تنظر إلى من فوقك فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عندك» قلت زدني يا رسول الله. قال: «صل قرابتك وإن قطعوك» قلت يا رسول الله زدني قال: «لا تحف في الله تعالى لومة لائم» قلت يا رسول الله زدني.
قال: «قل الحق وإن كان مرا» قلت يا رسول الله زدني. قال: «يردك عن الناس ما تعرف من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تأتي، وكفى به عيبا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك، أو تجد عليهم فيما تأتي» ثم ضرب بيده على صدري فقال: «يا أبا ذر لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق» السياق للحسن بن سفيان. ورواه المختار بن غسان عن إسماعيل بن سلمة عن أبي إدريس. ورواه علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن أبى ذر. ورواه عبيد بن الحسحاس (١) عن أبي ذر. ورواه معاوية بن صالح عن أبي عبد الملك محمد بن أيوب عن ابن عائذ عن أبي ذر بطوله. ورواه ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبي ذر بطوله. تفرد به عنه يحيى بن سعيد العبشمى.
• حدثناه عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن العباس بن أيوب ثنا محمد بن مرزوق ثنا يحيى بن سعيد العبشمي - من بني سعد بن تيم - ثنا ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال:
стр. 167
دخلت على رسول الله ﷺ وهو في المسجد جالس، فاغتنمت خلوته. ثم ذكر مثله وزاد قلت: يا رسول الله هل في الدنيا شيء مما أنزل الله عليك مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: «يا أبا ذر اقرأ ﴿(قد أفلح من تزكى)﴾ إلى آخر السورة.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وكان أبو ذر رضي الله تعالى عنه للرسول ﷺ ملازما وجليسا، وعلى مسائلته والاقتباس منه حريصا، وللقيام على ما استفاد منه أنيسا. سأله عن الأصول والفروع، وسأله عن الإيمان والإحسان، وسأله عن رؤية ربه تعالى، وسأله عن أحب الكلام إلى الله تعالى، وسأله عن ليلة القدر أترفع مع الأنبياء أم تبقى، وسأله عن كل شيء حتى عن مس الحصا في الصلاة.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمد بن خالد بن عبد الله ثنا أبي عن ابن أبي ليلى (١) عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي ذر. قال: سألت رسول الله ﷺ عن كل شيء حتى سألته عن مس الحصا. فقال: «مسه مرة أو دع».
قال الشيخ ﵀: تخلى من الدنيا، وتشمر للعقبى، وعانق البلوى، إلى أن لحق بالمولى.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا أبو العباس السراج ثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا وهب بن جرير حدثني أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يقول حدثني بريدة بن سفيان عن القرظى. قال: خرج أبو ذر إلى الربذة فأصابه قدره، فأوصاهم أن اغسلوني وكفنوني ثم ضعوني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على غسله ودفنه. فأقبل عبد الله بن مسعود ﵁ فى ركب من أهل العراق.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا عباس بن الوليد وحدثنا أحمد بن محمد بن سنان ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا الحسن بن الصباح قالا: حدثنا يحيى بن سليم ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن إبراهيم
стр. 168
ابن الأشتر عن أبيه الأشتر عن أم ذر. قالت: لما حضرت أبا ذر ﵁ الوفاة بكيت. فقال ما يبكيك؟ قالت أبكي أنه لا يدلي بتكفينك، وليس لي ثوب من ثيابي يسعك كفنا، وليس لك ثوب يسعك كفنا. قال فلا تبكي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: «ليموتن منكم رجل بفلاة من الأرض فتشهده عصابة من المؤمنين» وليس من أولئك النفر رجل إلا وقد مات في قرية وجماعة من المسلمين، وأنا الذى أموت بفلاة، والله ما كذبت ولا كذبت فانظري الطريق. فقالت أني وقد انقطع الحاج، فكانت تشتد إلى كثيب تقوم عليه تنظر، ثم ترجع إليه فتمرضه ثم ترجع إلى الكثيب فبينما هي كذلك إذا بنفر تخب بهم رواحلهم كأنهم الرخم على رحالهم فألاحت بثوبها فأقبلوا حتى وقفوا عليها. قالوا: مالك؟ قالت امرؤ من المسلمين تكفنونه يموت؟ قالوا من هو؟ قالت أبو ذر، فغدوه بإبلهم ووضعوا (١)
السياط فى نحورها يستبقون إليه حتى جاءوه، وقال أبشروا. فحدثهم وقال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: «ليموتن منكم رجل بفلاة من الأرض فتشهده عصابة من المؤمنين» وليس منهم أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة، وأنا الذي أموت بالفلاة، أنتم تسمعون! إنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي، لم أكفن إلا فى ثوب لى أولها أنتم تسمعون! إني أنشدكم الله والإسلام أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو نقيبا أو بريدا، فليس أحد من القوم إلا قارف بعض ما قال إلا فتى من الأنصار. قال: يا عم أنا أكفنك لم أصب مما ذكرت شيئا، أكفنك فى ردائي هذا الذي علي، وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي حاكتهما لي. قال:
أنت فكفنى، فكفنه الأنصارى فى النفر الذي شهدوه منهم حجر بن الأدبر ومالك بن الأشتر، في نفر كلهم يمان.
стр. 169
عتبة بن غزوان
ومنهم الزاهد في الإمرة والسلطان، والتارك لولاية المدن والبلدان، سابع الإسلام والإيمان، أبو عبد الله عتبة بن غزوان. استعفى عن إمرة البصرة بعد أن بنى مسجدها، ونصب منبرها. توفي بالربذة، له الخطبة المشهورة في تولي الدنيا وتصرمها، وفي تغير الإيام وتلونها.
• حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب ثنا إبراهيم بن سعدان ثنا بكر بن بكار وحدثنا سليمان بن أحمد ثنا فضيل بن محمد الملطي ثنا أبو نعيم. قالا: ثنا قرة بن خالد ثنا. حميد بن هلال. قال قال خالد بن عمير: خطبنا عتبة بن غزوان قال:
أيها الناس إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء (١)، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، ألا وإنكم في دار أنتم متحولون منها فانتقلوا بصالح ما بحضرتكم، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا، وإنكم والله لتبلون الأمراء من بعدي، وإنه والله ما كانت نبوة قط إلا تناسخت حتى تكون ملكا وجبرية، وإني رأيتني مع رسول الله ﷺ سابع سبعة وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فوجدت بردة فشققتها بنصفين فأعطيت نصفها سعد بن مالك ولبست نصفها فليس من أولئك السبعة اليوم رجل حى إلا وهو أمير مصر من الأمصار، فيا للعجب للحجر يلقى من رأس جهنم فيهوى سبعين خريفا حتى يتقرر في أسفلها، والذي نفسي بيده لتملأن جهنم. أفعجبتم وإن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وما فيها باب إلا وهو كظيظ (٢).
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبو عبيدة عن فضيل بن عياض (٣) ثنا أبو سعد مولى بني هاشم ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن قيس بن أبي حازم عن عتبة بن غزوان. قال: لقد رأيتنا مع
стр. 170
رسول الله ﷺ سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق الحبلة، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما يخالطه شيء.
المقداد بن الأسود
قال الشيخ ﵀: ومنهم المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة. مولى الأسود بن عبد يغوث السابق إلى الإسلام، والفارس يوم الحرب والإقدام، ظهرت له الدلائل والأعلام، حين عزم على إسقاء الرسول ﵇ والإطعام. أعرض عن العمالات، وآثر الجهاد والعبادات معتصما بالله تعالى من الفتن والبليات.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا أبي وعمي أبو بكر. قالا: ثنا يحيى بن أبي بكير ثنا زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال: أول من أظهر إسلامه سبعة، رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله تعالى بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله تعالى بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس.
• حدثنا حبيب بن الحسن ثنا إبراهيم بن عبد الله بن أيوب ثنا علي بن شبرمة الكوفي ثنا شريك عن أبي ربيعة الإيادي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنه. قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم، وإنك يا علي منهم، والمقداد، وأبو ذر، وسلمان» رضى الله تعالى عنهم.
• حدثنا مخلد ابن جعفر ثنا محمد بن جرير حدثني محمد بن عبيد المحاربي ثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا المخارق عن طارق عن عبد الله بن مسعود. قال: لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما في الأرض من شيء، وكان رجلا فارسا، وكان رسول الله ﷺ إذا غضب احمرت وجنتاه، فأتاه المقداد على تلك الحال فقال: أبشر يا رسول الله فو الله لا يقول لك كما قالت
стр. 171
بنو إسرائيل لموسى ﵇ ﴿(فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)﴾ ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك أو يفتح الله لك.
• حدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى المروزي ثنا أحمد بن محمد بن أيوب ثنا ابراهيم بن سعد عن محمد ابن إسحاق قال: لما خرج النبي ﷺ إلى بدر استشار الناس، فقام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله به فنحن معك، والله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇ ﴿(فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والله الذي بعثك بالحق نبيا لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له.
• حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود الطيالسي ثنا سليمان ابن المغيرة ثنا ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثني المقداد بن الأسود. قال: جئت أنا وصاحبان لي قد كادت تذهب أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ فما يقبلنا أحد، حتى انطلق بنا رسول الله ﷺ إلى رحله - ولآل محمد ثلاث أعنز يحتلبونها - فكان النبي ﷺ يوزع اللبن بيننا وكنا نرفع لرسول الله ﷺ نصيبه، فيجئ فيسلم تسليما يسمع اليقظان ولا يوقظ النائم، فقال لي الشيطان لو شربت هذه الجرعة فإن النبي ﷺ يأتي الأنصار فيتحفونه، فما زال بي حتى شربتها، فلما شربتها ندمني وقال ما صنعت؟ يجيء محمد ﷺ فلا يجد شرابه فيدعو عليك فتهلك، وأما صاحباي فشربا شرابهما وناما، وأما أنا فلم يأخذني النوم وعلي شملة لي إذا وضعتها على رأسي بدت منها قدماي، وإذا وضعتها على قدمي بدا رأسي. وجاء النبي ﷺ كما كان يجيء فصلى ما شاء الله أن يصلي ثم نظر إلى شرابه فلم ير شيئا، فرفع يده فقلت تدعو علي الآن فأهلك، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم
стр. 172
أطعم من أطعمني، واسق من سقاني». فأخذت الشفرة وأخذت الشملة وانطلقت إلى الأعنز أجسهن أيتهن أسمن كي أذبحه لرسول الله ﷺ ، فإذا حفل كلهن، فأخذت إناء لآل محمد ﷺ ، كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه فحلبته حتى علته الرغوة، ثم أتيت رسول الله ﷺ فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم ناولته فشرب، ثم ناولني فشربت. ثم ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض، فقال لي: «إحدى سوآتك يا مقداد» فأنشأت أحدثه بما صنعت، فقال رسول الله ﷺ :
«ما كانت إلا رحمة من الله لو كنت أيقظت صاحبيك فأصابا منها» قلت والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها أنت وأصبت فضلتك من أخطأت من الناس. رواه حماد بن سلمة عن ثابت نحوه. ورواه طارق بن شهاب عن المقداد نحوه.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا الأسود بن عامر ثنا أبو بكر بن غياش عن الأعمش عن سليمان ابن ميسرة عن طارق بن شهاب عن المقداد بن الأسود. قال: لما نزلنا المدينة عشرنا رسول الله ﷺ عشرة عشرة - يعني في كل بيت - قال فكنت في العشرة الذين كان النبي ﷺ فيهم. قال: ولم يكن لنا إلا شاة نتجزأ لبنها. رواه حفص بن غياث عن الأعمش فقال عن قيس بن مسلم عن طارق.
• حدثنا أبو بكر بن أحمد بن السدي ثنا موسى بن هارون الحافظ ثنا عباس بن الوليد ثنا بشر بن المفضل ثنا أبو عون عن عمير بن إسحاق عن المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه. قال: استعملني رسول الله ﷺ على عمل فلما رجعت قال: «كيف وجدت الإمارة؟» قلت يا رسول الله ما ظننت إلا أن الناس كلهم خول لي، والله لا ألي على عمل ما دمت حيا.
• حدثنا محمد بن أحمد بن محمد ثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الخطمي ثنا أحمد بن محمد بن الأصفر ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا سوادة بن أبي الأسود عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. قال: بعث النبي ﷺ المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه على سرية فلما قدم قال له: «أبا معبد
стр. 173
كيف وجدت الإمارة» قال كنت أحمل وأوضع حتى رأيت بأن لي على القوم فضلا. قال. «هو ذاك فخذ أو دع» قال والذي بعثك بالحق لا أتأمر على اثنين أبدا.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا بكر بن سهل ثنا عبد الله بن صالح ثنا معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه: أن المقداد بن الأسود جاءنا لحاجة لنا، فقلنا اجلس عافاك الله حتى نطلب حاجتك، فجلس فقال: العجب من قوم مررت بهم آنفا يتمنون الفتنة، يزعمون ليبتلينهم الله فيها بما ابتلى به رسول الله ﷺ وأصحابه، وايم الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن السعيد لمن جنب الفتن» يرددها ثلاثا «وإن ابتلى فصبر» وايم الله لا أشهد لأحد أنه من أهل الجنة حتى أعلم بما يموت عليه بعد حديث سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقلب ابن آدم أسرع انقلابا من القدر إذا استجمعت غليا».
• حدثنا جعفر بن محمد بن عمرو ثنا أبو حصين الوادعي ثنا يحيى الحماني ثنا عبد الله بن المبارك عن صفوان بن عمرو حدثني عبد الرحمن بن نفير عن أبيه. قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما فمر به رجل، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستمعت فجعلت أعجب ما قال إلا خيرا، ثم أقبل عليه فقال: ما يحمل أحدكم على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه، والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام كبهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه، أو لا تحمدون الله إذ أخرجكم الله لا تعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم ﵇ وقد كفيتم البلاء بغيركم؟ والله لقد بعث النبي ﷺ على أشد حال بعث عليه نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية ما يرون دينا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى إن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافرا وقد فتح الله تعالى قفل قلبه
стр. 174
للإيمان، ليعلم أنه قد هلك من دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار. وأنها للتي قال الله ﴿(ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين)﴾.
• حدثنا محمد بن أحمد ثنا الحسن بن محمد بن حميد أخبرنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد. قال: كان المقداد بن الأسود فى سرية فحصرهم العدو، فعزم الأمير أن لا يجشر أحد دابته، فجشر رجل دابته لم تبلغه العزيمة، فضربه فرجع الرجل وهو يقول: ما رأيت كما لقيت اليوم قط، فمر المقداد فقال ما شأنك؟ فذكر له قصته، فنقلد السيف وانطلق معه حتى انتهى إلى الأمير فقال أقده من نفسك فأقاده، فعفا الرجل فرجع المقداد وهو يقول: لأموتن والإسلام عزيز.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ثنا الحوطي ثنا بقية ثنا حريز بن عثمان حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي ثنا أبو راشد الحبراني. قال: وافيت المقداد ابن الأسود فارس رسول الله ﷺ جالسا على تابوت من تابوت الصيارفة بحمص، قد أفضل عنها من عظمه يريد الغزو. فقلت له لقد أعذر الله إليك. فقال: أتت علينا سورة البعوث ﴿(انفروا خفافا وثقالا)﴾.
سالم مولى أبي حذيفة
ومنهم الحافظ القاري، والإمام الجاري، سالم مولى أبي حذيفة. كان صبا وامقا، وبمودع الكتاب ناطقا، وفي العبادة مخلصا واثقا.
• حدثنا فاروق الخطابي وحبيب بن الحسن. قالا. ثنا أبو مسلم الكشي ثنا أبو الوليد الطيالسي ثنا شعبة أخبرني عمرو بن مرة قال سمعت إبراهيم يحدث عن مسروق عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «استقرءوا القرآن من أربعة؛ فذكر ابن مسعود، وسالما مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل» رضى الله تعالى عنهم.
• حدثنا يوسف بن يعقوب النجيرمي ثنا الحسن بن مثنى ثنا عفان ثنا حفص ابن غياث ثنا ابن جريج عن نافع عن ابن عمر. وثنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا
стр. 175
الحسن بن سفيان ثنا هشام بن عمار ثنا أنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة (١) قبل مقدم النبي ﷺ كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة كان أكثرهم قرآنا فيهم أبو بكر وعمر.
• حدثنا محمد بن علي بن حبيش ثنا أحمد بن حماد بن سفيان ثنا زكريا بن يحيى بن أبان ثنا أبو صالح - كاتب الليث - حدثني ابن لهيعة عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم قال: سمعت عبد الله بن الأرقم يقول سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ وذكر سالما مولى أبي حذيفة -. فقال: «إن سالما شديد الحب لله » ورواه حبيب بن نجيح عن عبد الرحمن بن غنم.
• حدثت عن سعيد بن سليمان ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن الجراح بن المنهال عن حبيب بن نجيح عن عبد الرحمن بن غنم. قال: قدمت المدينة في زمان عثمان فأتيت عبد الله بن الأرقم، فقال حضرت عمر ﵁ عند وفاته مع ابن عباس والمسور بن مخرمة، فقال عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن سالما شديد الحب لله لو كان لا يخاف الله ما عصاه» فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له فقال: صدق، انطلق بنا إلى المسور بن مخرمة حتى يحدثك به، فجئنا المسور فقلت: إن عبد الله بن الأرقم حدثني بهذا الحديث، قال حسبك لا تسل عنه بعد عبد الله بن الأرقم.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق الثقفي السراج ثنا محمود بن خداش ثنا مروان بن معاوية ثنا سعيد قال: سمعت شهر بن حوشب يقول: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لو استخلفت سالما مولى أبي حذيفة فسألني عنه ربي ما حملك على ذلك لقلت رب سمعت نبيك ﷺ وهو يقول:
«إنه يحب الله تعالى حقا من قلبه».
• حدثنا محمد بن أحمد بن علي ثنا أحمد بن الهيثم ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا بشر بن مطر بن حكيم بن دينار القطعي (٢) قال:
سمعت عمرو بن دينار - وكيل آل الزبير - يحدث عن مالك بن دينار قال حدثنى
стр. 176
شيخ من الأنصار يحدث عن سالم مولى أبي حذيفة. قال قال رسول الله ﷺ : «ليجاءن بأقوام يوم القيامة معهم من الحسنات مثل جبال تهامة، حتى إذا جئ بهم جعل الله أعمالهم هباء ثم قذفهم في النار». فقال سالم:
يا رسول الله بأبي أنت وأمي حل لنا هؤلاء القوم حتى نعرفهم، فو الذى بعثك بالحق إني أتخوف أن أكون منهم؟ فقال: «يا سالم أما إنهم كانوا يصومون ويصلون، ولكنهم إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه، فأدحض الله تعالى أعمالهم» فقال مالك بن دينار: هذا والله النفاق. فأخذ المعلى بن زياد بلحيته فقال: صدقت والله أبا يحيى.
عامر بن ربيعة
ومنهم أبو عبد الله عامر بن ربيعة، الزاهد في العطايا والقطيعة. شهد بدرا والمشاهد، وعمر بالذكر البقاع والمساجد. تحرز بما أيد به من الفطنة، عن الوقوع فيما امتحن به غيره من الفتنة. عاش كريما، ومضى سليما.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن حماد بن زغبة ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد. قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يصلي من الليل حين نشب الناس في الفتنة، ثم نام فأري في المنام، فقيل له قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام يصلي. ثم اشتكى فما خرج إلا جنازة.
• حدثنا أحمد بن محمد بن سنان ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا سوار بن عبد الله ثنا يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة. قال: لما نشب الناس في الطعن على عثمان رضي الله تعالى عنه، قام أبي يصلى من الليل وقال: اللهم قنى من الفتنة بما وقيت به الصالحين من عبادك، قال فما خرج إلا جنازة.
• حدثنا محمد بن علي ثنا أبو العباس بن قتيبة ثنا محمد بن المتوكل العسقلاني ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه. قال: لما وقعت فتنة عثمان قال رجل لأهله أوثقوني بالحديد فإني مجنون، فلما قتل عثمان قال: خلوا عني، الحمد لله الذي
стр. 177
شفاني من الجنون وعافاني من قتل عثمان، رواه غيره عن ابن طاوس وسمى الرجل عامر بن ربيعة.
• حدثنا محمد بن أحمد بن محمد ثنا أحمد بن موسى الخطمي ثنا القاسم بن نصر المخرمي ثنا أحمد بن القاسم الليثي ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان ثنا موسى بن عبيدة عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عامر بن ربيعة: أنه نزل به رجل من العرب فأكرم عامر مثواه؛ وكلم فيه رسول الله ﷺ . فجاءه الرجل فقال: إنى استقطعت رسول الله ﷺ واديا ما فى العرب واد أفضل منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، قال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿(اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون)﴾.
قال الشيخ ﵀: والذي حداه على الزهد والفقر، ودعاه إلى إدمان الذكر، ما أخبره به النبي ﷺ ، وما كان يعانيه في بدنه من الشدة فى البعوث والسريا.
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي عن أبي بكر بن حفص عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه رضي الله تعالى عنه، قال: إن كان رسول الله ﷺ ليبعثنا فى السرية ما لنا زاد إلا السلف - يعني الجراب من التمر - فيقسمه صاحبه بيننا قبضة قبضة، حتى يصير إلى تمرة، قال فقلت: وما كان يبلغ من التمرة؟ قال لا تقل ذلك يا بني، ولبعد أن فقدناها فاختلطنا إليها (١).
• حدثنا علي بن أحمد المصيصي ثنا أحمد بن خليد الحلبي ثنا أبو نعيم ثنا أبو الربيع السمان عن عاصم ابن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلا فجعل الرجل يحمل الحجارة فيجعله مسجدا فيصلي إليه، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة، فقلنا يا رسول الله صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة! فأنزل الله : ﴿(ولله﴾
стр. 178
﴿المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)﴾.
• حدثنا جعفر بن محمد بن عمرو ثنا محمد بن الحسين الوادعي ثنا يحيى بن عبد الحميد ثنا شريك عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن رجلا عطس خلف النبي ﷺ في الصلاة، فقال، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يرضى ربنا وبعد الرضى، والحمد لله على كل حال، فلما سلم النبي ﷺ قال: من صاحب الكلمات؟ قال: أنا يا رسول الله وما أردت بها إلا خيرا، قال: لقد رأيت اثنى عشر ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا فأكثروا أو أقلوا»، رواه شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يخطب وهو يقول:
«ما من عبد يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة ما دام يصلي فليقل العبد أو فليكثر».
• حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة به.
ثوبان مولى رسول الله ﷺ
ومنهم القنع العفيف، الوفي الظريف، أبو عبد الله ثوبان، مولى رسول الرحمن، المضمون له بالكفالة والضمان، حلول ساحة الجنان، إذ ترك السؤال وإتيان السلطان.
• حدثنا فاروق الخطابي ثنا أبو مسلم الكشي ثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي ثنا خالد بن الحارث ثنا ظريف بن عيسى العنبري حدثني يوسف بن عبد الحميد. قال: لقيت ثوبان فرأى علي ثيابا وخاتما، فقال: ما تصنع بهذه الثياب وبهذا الخاتم إنما الخواتيم للملوك، قال: فما اتخذت بعده خاتما، قال فحدثنا ثوبان أن النبي ﷺ دعا لأهله فذكر عليا وفاطمة وغيرهما
стр. 179
قال قلت: يا نبي الله أمن أهل البيت أنا؟ قال نعم! ما لم تقم على باب سدة أو تأتي أميرا تسأله.
• حدثنا حبيب بن الحسن ثنا عمر بن حفص ثنا عاصم بن علي.
وحدثنا حبيب بن الحسن ثنا أبو مسلم الكشي ثنا عاصم. قالا: حدثنا ابن أبي ذئب ثنا محمد بن قيس عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية عن ثوبان عن النبي ﷺ . قال: «من تقبل لي واحدة تقبلت له بالجنة؟» قال ثوبان: أنا يا رسول الله. قال: «لا تسأل أحدا شيئا». قال فلربما سقط السوط لثوبان وهو على بعير فلا يسأل أحدا أن يناوله حتى ينزل إليه فيأخذه.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا عبيد الله بن معاذ ثنا أبي ثنا شعبة عن عاصم الأحول عن أبي العالية عن ثوبان رضي الله تعالى عنه.
قال قال رسول الله ﷺ : «من يتكفل لي أن لا يسأل الناس وأتكفل له بالجنة؟» فقال ثوبان أنا، فكان ثوبان لا يسأل أحدا شيئا.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا أمية بن بسطام وعباس بن الوليد. قالا: ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان رضي الله تعالى عنه. قال قال رسول الله ﷺ : «من سأل مسألة وهو عنها غنى كانت شيئا في وجهه يوم القيامة».
• حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد ثنا الحسن بن سفيان ثنا أمية بن بسطام ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة عن سالم عن معدان عن ثوبان مولى النبي ﷺ . قال قال رسول الله ﷺ : «من ترك بعده كنزا مثل له شجاعا أقرع يوم القيامة له زبيبتان يتبعه ويقول من أنت ويلك؟ فيقول أنا كنزك الذي تركت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها (١) ثم يتبعه سائر جسده».
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا عبد الوهاب بن الضحاك ثنا أبو عبد الرحمن عن عيسى بن يزيد الأعرج ثنا أرطأة بن المنذر عن أبي عامر عن ثوبان. قال قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد يترك ذهبا ولا فضة إلا جعل الله له صفائح (٢)،
стр. 180
ثم كوي به من قدميه إلى ذقنه». قال أبو عامر فقال لي ثوبان: أبا عامر إن كان لك شاة فكان في لبنها فضل فاجرز (١) فضل لبنها.
• حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود ثنا سعيد بن سليمان ثنا مبارك بن فضالة عن مرزوق أبي عبد الله الحمصي عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ . قال قال رسول الله ﷺ : يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها»، قالوا: من قلة بنا يومئذ؟ قال: «أنتم ذلك اليوم كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل، تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
• حدثنا أبو أحمد بن محمد بن أحمد ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه ثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان رضي الله تعالى عنه. قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير نسير ونحن معه، إذ قال المهاجرون لو نعلم أى المال خيرا إذ أنزل في الذهب والفضة ما نزل فقال عمر رضي الله تعالى عنه:
إن شئتم سألت لكم رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقالوا أجل! فانطلق إلى رسول الله ﷺ وتبعته أوضع على قعود لي. فقال:
يا رسول الله إن المهاجرين لما نزل في الذهب والفضة ما نزل قالوا لو علمنا الآن أي المال خير إذ أنزل في الذهب والفضة ما أنزل؟ فقال: «ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة مؤمنة، تعين أحدكم على إيمانه» رواه أبو الأحوص وإسرائيل عن منصور مثله. ورواه عمرو بن مرة عن سالم.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا وكيع ثنا عبد الله بن عمرو بن مرة عن أبيه عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان رضي الله تعالى عنه. قال: لما نزل في الذهب والفضة ما نزل، قالوا فأي المال نتخذ؟ قال عمر رضي الله تعالى عنه: أنا أعلم لكم، فأوضع على بعيره فأدركه وأنا فى أثره. فقال: يا رسول الله أي المال نتخذ؟ قال: «ليتخذن أحدكم قلبا