شيخ من الأنصار يحدث عن سالم مولى أبي حذيفة. قال قال رسول الله ﷺ : «ليجاءن بأقوام يوم القيامة معهم من الحسنات مثل جبال تهامة، حتى إذا جئ بهم جعل الله أعمالهم هباء ثم قذفهم في النار». فقال سالم:
يا رسول الله بأبي أنت وأمي حل لنا هؤلاء القوم حتى نعرفهم، فو الذى بعثك بالحق إني أتخوف أن أكون منهم؟ فقال: «يا سالم أما إنهم كانوا يصومون ويصلون، ولكنهم إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه، فأدحض الله تعالى أعمالهم» فقال مالك بن دينار: هذا والله النفاق. فأخذ المعلى بن زياد بلحيته فقال: صدقت والله أبا يحيى.
عامر بن ربيعة
ومنهم أبو عبد الله عامر بن ربيعة، الزاهد في العطايا والقطيعة. شهد بدرا والمشاهد، وعمر بالذكر البقاع والمساجد. تحرز بما أيد به من الفطنة، عن الوقوع فيما امتحن به غيره من الفتنة. عاش كريما، ومضى سليما.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن حماد بن زغبة ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد. قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يصلي من الليل حين نشب الناس في الفتنة، ثم نام فأري في المنام، فقيل له قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام يصلي. ثم اشتكى فما خرج إلا جنازة.
• حدثنا أحمد بن محمد بن سنان ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا سوار بن عبد الله ثنا يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة. قال: لما نشب الناس في الطعن على عثمان رضي الله تعالى عنه، قام أبي يصلى من الليل وقال: اللهم قنى من الفتنة بما وقيت به الصالحين من عبادك، قال فما خرج إلا جنازة.
• حدثنا محمد بن علي ثنا أبو العباس بن قتيبة ثنا محمد بن المتوكل العسقلاني ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه. قال: لما وقعت فتنة عثمان قال رجل لأهله أوثقوني بالحديد فإني مجنون، فلما قتل عثمان قال: خلوا عني، الحمد لله الذي
стр. 177
شفاني من الجنون وعافاني من قتل عثمان، رواه غيره عن ابن طاوس وسمى الرجل عامر بن ربيعة.
• حدثنا محمد بن أحمد بن محمد ثنا أحمد بن موسى الخطمي ثنا القاسم بن نصر المخرمي ثنا أحمد بن القاسم الليثي ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان ثنا موسى بن عبيدة عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عامر بن ربيعة: أنه نزل به رجل من العرب فأكرم عامر مثواه؛ وكلم فيه رسول الله ﷺ . فجاءه الرجل فقال: إنى استقطعت رسول الله ﷺ واديا ما فى العرب واد أفضل منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، قال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿(اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون)﴾.
قال الشيخ ﵀: والذي حداه على الزهد والفقر، ودعاه إلى إدمان الذكر، ما أخبره به النبي ﷺ ، وما كان يعانيه في بدنه من الشدة فى البعوث والسريا.
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي عن أبي بكر بن حفص عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه رضي الله تعالى عنه، قال: إن كان رسول الله ﷺ ليبعثنا فى السرية ما لنا زاد إلا السلف - يعني الجراب من التمر - فيقسمه صاحبه بيننا قبضة قبضة، حتى يصير إلى تمرة، قال فقلت: وما كان يبلغ من التمرة؟ قال لا تقل ذلك يا بني، ولبعد أن فقدناها فاختلطنا إليها (١).
• حدثنا علي بن أحمد المصيصي ثنا أحمد بن خليد الحلبي ثنا أبو نعيم ثنا أبو الربيع السمان عن عاصم ابن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلا فجعل الرجل يحمل الحجارة فيجعله مسجدا فيصلي إليه، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة، فقلنا يا رسول الله صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة! فأنزل الله : ﴿(ولله﴾
стр. 178
﴿المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)﴾.
• حدثنا جعفر بن محمد بن عمرو ثنا محمد بن الحسين الوادعي ثنا يحيى بن عبد الحميد ثنا شريك عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن رجلا عطس خلف النبي ﷺ في الصلاة، فقال، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يرضى ربنا وبعد الرضى، والحمد لله على كل حال، فلما سلم النبي ﷺ قال: من صاحب الكلمات؟ قال: أنا يا رسول الله وما أردت بها إلا خيرا، قال: لقد رأيت اثنى عشر ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا فأكثروا أو أقلوا»، رواه شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يخطب وهو يقول:
«ما من عبد يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة ما دام يصلي فليقل العبد أو فليكثر».
• حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة به.
ثوبان مولى رسول الله ﷺ
ومنهم القنع العفيف، الوفي الظريف، أبو عبد الله ثوبان، مولى رسول الرحمن، المضمون له بالكفالة والضمان، حلول ساحة الجنان، إذ ترك السؤال وإتيان السلطان.
• حدثنا فاروق الخطابي ثنا أبو مسلم الكشي ثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي ثنا خالد بن الحارث ثنا ظريف بن عيسى العنبري حدثني يوسف بن عبد الحميد. قال: لقيت ثوبان فرأى علي ثيابا وخاتما، فقال: ما تصنع بهذه الثياب وبهذا الخاتم إنما الخواتيم للملوك، قال: فما اتخذت بعده خاتما، قال فحدثنا ثوبان أن النبي ﷺ دعا لأهله فذكر عليا وفاطمة وغيرهما
стр. 179
قال قلت: يا نبي الله أمن أهل البيت أنا؟ قال نعم! ما لم تقم على باب سدة أو تأتي أميرا تسأله.
• حدثنا حبيب بن الحسن ثنا عمر بن حفص ثنا عاصم بن علي.
وحدثنا حبيب بن الحسن ثنا أبو مسلم الكشي ثنا عاصم. قالا: حدثنا ابن أبي ذئب ثنا محمد بن قيس عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية عن ثوبان عن النبي ﷺ . قال: «من تقبل لي واحدة تقبلت له بالجنة؟» قال ثوبان: أنا يا رسول الله. قال: «لا تسأل أحدا شيئا». قال فلربما سقط السوط لثوبان وهو على بعير فلا يسأل أحدا أن يناوله حتى ينزل إليه فيأخذه.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا عبيد الله بن معاذ ثنا أبي ثنا شعبة عن عاصم الأحول عن أبي العالية عن ثوبان رضي الله تعالى عنه.
قال قال رسول الله ﷺ : «من يتكفل لي أن لا يسأل الناس وأتكفل له بالجنة؟» فقال ثوبان أنا، فكان ثوبان لا يسأل أحدا شيئا.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا أمية بن بسطام وعباس بن الوليد. قالا: ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان رضي الله تعالى عنه. قال قال رسول الله ﷺ : «من سأل مسألة وهو عنها غنى كانت شيئا في وجهه يوم القيامة».
• حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد ثنا الحسن بن سفيان ثنا أمية بن بسطام ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة عن سالم عن معدان عن ثوبان مولى النبي ﷺ . قال قال رسول الله ﷺ : «من ترك بعده كنزا مثل له شجاعا أقرع يوم القيامة له زبيبتان يتبعه ويقول من أنت ويلك؟ فيقول أنا كنزك الذي تركت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها (١) ثم يتبعه سائر جسده».
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا عبد الوهاب بن الضحاك ثنا أبو عبد الرحمن عن عيسى بن يزيد الأعرج ثنا أرطأة بن المنذر عن أبي عامر عن ثوبان. قال قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد يترك ذهبا ولا فضة إلا جعل الله له صفائح (٢)،
стр. 180
ثم كوي به من قدميه إلى ذقنه». قال أبو عامر فقال لي ثوبان: أبا عامر إن كان لك شاة فكان في لبنها فضل فاجرز (١) فضل لبنها.
• حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود ثنا سعيد بن سليمان ثنا مبارك بن فضالة عن مرزوق أبي عبد الله الحمصي عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ . قال قال رسول الله ﷺ : يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها»، قالوا: من قلة بنا يومئذ؟ قال: «أنتم ذلك اليوم كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل، تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
• حدثنا أبو أحمد بن محمد بن أحمد ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه ثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان رضي الله تعالى عنه. قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير نسير ونحن معه، إذ قال المهاجرون لو نعلم أى المال خيرا إذ أنزل في الذهب والفضة ما نزل فقال عمر رضي الله تعالى عنه:
إن شئتم سألت لكم رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقالوا أجل! فانطلق إلى رسول الله ﷺ وتبعته أوضع على قعود لي. فقال:
يا رسول الله إن المهاجرين لما نزل في الذهب والفضة ما نزل قالوا لو علمنا الآن أي المال خير إذ أنزل في الذهب والفضة ما أنزل؟ فقال: «ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة مؤمنة، تعين أحدكم على إيمانه» رواه أبو الأحوص وإسرائيل عن منصور مثله. ورواه عمرو بن مرة عن سالم.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا وكيع ثنا عبد الله بن عمرو بن مرة عن أبيه عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان رضي الله تعالى عنه. قال: لما نزل في الذهب والفضة ما نزل، قالوا فأي المال نتخذ؟ قال عمر رضي الله تعالى عنه: أنا أعلم لكم، فأوضع على بعيره فأدركه وأنا فى أثره. فقال: يا رسول الله أي المال نتخذ؟ قال: «ليتخذن أحدكم قلبا
стр. 181
شاكرا ولسانا ذاكرا، وزوجة تعينه على الآخرة» رواه الأعمش عن سالم نحوه.
رافع مولى النبي ﷺ
ومنهم الشانئ للزائل الدني، والمحب للباقي السني، رافع أبو البهي، مولى النبي المنتخب الصفي، ﷺ .
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا المقدام بن داود ثنا أسد بن موسى ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن عمرو بن سعيد: أن عبدا كان بين بني سعيد - يعنى ابن العاص - فأعتقوه إلا وحدا منهم، فأتى النبي ﷺ يستشفع به على الرجل وكلمه فيه فوهب الرجل نصيبه للنبي ﷺ ، فأعتقه النبي ﷺ ، فكان يقول: أنا مولى النبي ﷺ وكان اسمه رافعا أبا البهي.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا طالب بن قرة ثنا محمد بن عيسى الطباع ثنا القاسم بن موسى عن زيد بن واقد عن مغيث بن سمي - وكان قاضيا لعبد الله بن الزبير - عن عبد الله بن عمرو. قال: قيل للنبي ﷺ : أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن مخموم القلب، صدوق اللسان». قيل له وما المخموم القلب؟ قال: «التقى الله ، النقى الذى لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد». قالوا فمن يليه يا رسول الله؟ قال: «الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة» قالوا ما يعرف هذا فينا إلا رافعا مولى رسول الله ﷺ . قالوا: فمن يليه؟ قال: «مؤمن في خلق حسن».
أسلم أبو رافع
ومنهم أسلم أبو رافع مولى رسول الله ﷺ ، أسلم قبل بدر
وكان يكتم إسلامه مع العباس، ثم قدم بكتاب قريش إلى المدينة على رسول الله
стр. 182
ﷺ ، وأظهر إسلامه ليقيم بها فرده رسول الله ﷺ . وقال: «إنا لا نحبس البرد، ولا نخيس العهد». كان ممن أخبره النبي ﷺ أنه يصيبه بعده فقر، ونهاه أن يكنز فضول المال، وأعلمه عقوبة من يحوز المال ويكنزه.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا المقدام بن داود ثنا أسد بن موسى ثنا حاتم ابن إسماعيل عن كثير بن زيد عن المطلب عن أبي رافع. قال: مر رسول الله ﷺ بالبقيع فقال: «أف أف أف». وليس معه أحد غيري فقلت: بأبي أنت وأمي. قال: «صاحب هذه الحفرة استعملته على بنى فلان فخان فى ببردة، فأريتها عليه تلتهب».
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ثنا صالح بن زياد. وحدثنا محمد بن علي ثنا الحسين بن محمد بن حماد ثنا المغيرة بن عبد الرحمن. قالا: ثنا عثمان بن عبد الرحمن. وحدثت عن أبي جعفر محمد بن إسماعيل ثنا الحسن بن علي الحلواني ثنا يزيد بن هارون - واللفظ له -. قالوا: ثنا الجراح بن منهال عن الزهري عن سليم مولى أبي رافع عن أبي رافع مولى النبي ﷺ . قال قال النبي ﷺ : «كيف بك يا أبا رافع إذا افتقرت؟» قلت أفلا أتقدم في ذلك.
قال «بلى! قال ما مالك؟». قلت أربعون ألفا وهي لله ، قال «لا أعط بعضا وأمسك بعضا، وأصلح إلى ولدك» قال قلت أولهم علينا يا رسول الله حق كما لنا عليهم؟ قال: «نعم! حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتاب» وقال عثمان بن عبد الرحمن: «كتاب الله ، والرمي، والسباحة» زاد يزيد: «وأن يورثه طيبا» قال: ومتى يكون فقري؟ قال: «بعدي» قال أبو سليم: فلقد رأيته افتقر بعده حتى كان يقعد فيقعد فيقول: من يتصدق على الشيخ الكبير الأعمى، من يتصدق على رجل أعلمه رسول الله ﷺ أنه سيفتقر بعده من يتصدق فإن يد الله هي العليا، ويد المعطي الوسطى ويد السائل السفلى. ومن سأل عن ظهر غنى كان له شية يعرف بها يوم القيامة ولا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي. قال فلقد رأيت رجلا أعطاه
стр. 183
أربعة دراهم فرد عليه منها درهما فقال: يا عبد الله لا ترد علي صدقتي.
فقال: إن رسول الله ﷺ نهاني أن أكنز فضول المال. قال أبو سليم: فلقد رأيته بعد استغنى. حتى أتى له عاشر عشرة. وكان يقول ليت أبا رافع مات في فقره - أو وهو فقير - قال: ولم يكن يكاتب مملوكه إلا بثمنه الذي اشتراه به.
سلمان الفارسي
ومنهم سابق الفرس، ورائق العرس، الكادح الذي لا يبرح، والزاخر الذي لا ينزح، الحكيم، والعابد العليم؛ أبو عبد الله سلمان ابن الإسلام، رافع الألوية والأعلام، أحد الرفقاء والنجباء، ومن إليه تشتاق الجنة من الغرباء، ثبت على القلة والشدائد، لما نال من الصلة والزوائد.
وقد قيل: إن التصوف مقاساة القلق، في مراعاة العلق.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو حذيفة ثنا عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ : «السباق أربع: أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة».
• حدثنا أبو سعيد أحمد بن أبتاه (١) بن شيبان العباداني - بالبصرة - ثنا الحسن بن إدريس السجستاني ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الوسيم بن جميل حدثني محمد بن مزاحم عن صدقة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن سلمان: أنه تزوج امرأة من كندة فبنى بها في بيتها، فلما كان ليلة البناء مشى معه أصحابه حتى أتى بيت امرأته، فلما بلغ البيت قال: ارجعوا آجركم الله، ولم يدخلهم عليها كما فعل السفهاء. فلما نظر إلى البيت والبيت منجد قال: أمحموم بيتكم، أم تحولت الكعبة في كندة؟ قالوا ما بيتنا بمحموم، ولا تحولت الكعبة في كندة. فلم يدخل البيت حتى نزع كل ستر في البيت غير ستر الباب. فلما دخل رأى متاعا كثيرا فقال لمن
стр. 184
هذا المتاع؟ قالوا متاعك ومتاع امرأتك. قال: ما بهذا أوصاني خليلي ﷺ ، أوصاني خليلي أن لا يكون متاعي من الدنيا إلا كزاد الراكب ورأى خدما فقال لمن هذا الخدم؟ فقالوا خدمك وخدم امرأتك. فقال: ما بهذا أوصاني خليلي، أوصاني خليلي ﷺ أن لا أمسك إلا ما أنكح، أو أنكح، فإن فعلت فبغين كان علي مثل أوزارهن من غير أن ينتقص من أوزارهن شيء. ثم قال للنسوة التي عند امرأته: هل أنتن مخرجات عني؟ مخليات بيني وبين امرأتي؟ قلن نعم! فخرجن فذهب إلى الباب حتى أجافه، وأرخى الستر. ثم جاء حتى جلس عند امرأته فمسح بناصيتها ودعا بالبركة، فقال لها: هل أنت مطيعتي في شيء آمرك به؟ قالت جلست مجلس من يطاع.
قال: فإن خليلي ﷺ أوصاني إذا اجتمعت إلى أهلي أن أجتمع على طاعة الله ، فقام وقامت إلى المسجد فصليا ما بدا لهما، ثم خرجا فقضى منها ما يقضي الرجل من امرأته، فلما أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا: كيف وجدت أهلك؟ فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم. ثم قال: إنما جعل الله تعالى الستور والخدور والأبواب لتواري ما فيها، حسب امرئ منكم أن يسأل عما ظهر له، فأما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المتحدث عن ذلك كالحمارين يتسافدان في الطريق».
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمد بن بكار الصيرفي ثنا الحجاج بن فروخ الواسطي ثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. قال: قدم سلمان من غيبة له، فتلقاه عمر فقال أرضاك لله تعالى عبدا. قال فزوجني، قال فسكت عنه. فقال:
أترضاني لله عبدا ولا ترضاني لنفسك؟ فلما أصبح أتاه قوم عمر، فقال حاجة؟ قالوا نعم! قال وما هي؟ إذا تقضى؟ قالوا: تضرب عن هذا الأمر - يعنون خطبته إلى عمر - فقال: أما والله ما حملنى على هذا إمرته ولا سلطانه ولكن قلت رجل صالح عسى الله أن يخرج مني ومنه نسمة صالحة. قال:
فتزوج في كندة فلما جاء يدخل على أهله إذا البيت منجد، وإذا فيه نسوة،
стр. 185
فقال: أتحولت الكعبة في كندة أم هي حمى؟ أمرني خليلي أبو القاسم ﷺ إذا تزوج أحدنا أن لا يتخذ من المتاع إلا أثاثا كأثاث المسافر، ولا يتخذ من النساء إلا ما ينكح أو ينكح قال فقمن النسوة فخرجن فهتكن ما في البيت ودخل على أهله. فقال: يا هذه أتطيعيني أم تعصيني؟ فقالت: بل أطيع فمرني بما شئت، فقد نزلت منزلة المطاع. فقال: إن خليلي أبا القاسم ﷺ أمرنا إذا دخل أحدنا على أهله أن يقوم فيصلي، ويأمرها فتصلي خلفه، ويدعو ويأمرها أن تؤمن ففعل وفعلت، قال: فلما أصبح جلس في مجلس كندة. فقال له رجل: يا أبا عبد الله كيف أصبحت؟ كيف رأيت أهلك؟ فسكت عنه، فعاد، فسكت عنه، ثم قال ما بال أحدكم يسأل عن الشئ قد وارته الأبواب والحيطان، إنما يكفي أحدكم أن يسأل عن الشئ أجيب أو سكت عنه.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا خلاد بن يحيى ثنا مسعر ثنا عمرو بن مرة عن أبي البحتري قال: سئل علي بن أبي طالب عن سلمان رضي الله تعالى عنهما. فقال: تابع العلم الأول، والعلم الآخر، ولا يدرك ما عنده.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل ثنا حبان بن علي ثنا عبد الملك بن جريج عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه، وعن رجل عن زاذان الكندي، قالا:
كنا عند علي رضي الله تعالى عنه ذات يوم، فوافق الناس منه طيب نفس ومزاح، فقالوا: يا أمير المؤمنين حدثنا عن أصحابك، قال عن أي أصحابي؟ قالوا: عن أصحاب محمد ﷺ ، قال كل أصحاب محمد ﷺ أصحابي فعن أيهم؟ قالوا عن الذين رأيناك تلطفهم بذكرك، والصلاة عليهم دون القوم حدثنا عن سلمان، قال: من لكم بمثل لقمان الحكيم؟ ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت، أدرك العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، بحر لا ينزف.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن عطاء ثنا أحمد بن عمرو البزاز ثنا السري بن محمد الكوفي ثنا قبيصة بن عقبة ثنا عمار بن زريق عن أبي صالح عن أم الدرداء عن أبي الدرداء: أن سلمان رضي الله تعالى عنه دخل عليه فرأى امرأته رثة الهيئة، فقال: مالك؟ قالت إن أخاك
стр. 186
لا يريد النساء، إنما يصوم النهار ويقوم الليل، فأقبل على أبي الدرداء فقال:
إن لأهلك عليك حقا، فصل، ونم وصم، وأفطر. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «لقد أوتي سلمان من العلم» رواه الأعمش عن ابن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء.
• حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة ثنا أحمد بن علي بن المثنى ثنا زهير بن حرب ثنا جعفر بن عون ثنا أبو العميس عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه، قال: جاء سلمان يزور أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة فقال ما شأنك؟ قالت: إن أخاك ليست له حاجة في شيء من الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار، فلما جاء أبو الدرداء رحب به سلمان فقرب إليه طعام، فقال له سلمان اطعم قال إني صائم، فقال سلمان أقسمت عليك إلا طعمت، قال: (١) ما أنا بآكل حتى تأكل. قال:
فأكل معه وبات عنده، فلما كان من الليل قام أبو الدرداء فحبسه سلمان. ثم قال: يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا! أعط كل ذي حق حقه، صم، وأفطر، وقم، ونم، وائت أهلك، فلما كان عند وجه الصبح قال قم الآن، فقاما وتوضيا وصليا، ثم خرجا إلى الصلاة، فلما صلى النبي ﷺ قام إليه أبو الدرداء، فأخبره بما قال سلمان، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقا» مثل ما قال سلمان.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن ابن سفيان ثنا عبد الله بن براد الأشعري ثنا محمد بن بشر ثنا مسعر حدثني عمرو بن مرة عن أبي البختري، قال: صحب سلمان رضي الله تعالى عنه رجل من بني عبس، قال فشرب من دجلة شربة، فقال له سلمان: عد فاشرب قال قد رويت، قال أترى شربتك هذه نقصت منها؟ قال وما ينقص منها شربة شربتها! قال كذلك العلم لا ينقص فخذ من العلم ما ينفعك.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن الحسن بن علي بن بحر ثنا محمد بن مرزوق ثنا عبيد بن
стр. 187
واقد ثنا حفص بن عمر السعدي عن عمه. قال قال سلمان لحذيفة: يا أخا بني عبس إن العلم كثير، والعمر قصير، فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك، ودع ما سواه فلا تعانه.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا قتيبة بن سعيد وأبو كامل. قالا: ثنا أبو عوانة عن عطاء بن السائب عن أبي البختري: أن جيشا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي فحاصروا قصرا من قصور فارس، فقالوا يا أبا عبد الله ألا ننهد إليهم؟ فقال: دعونى أدعوهم كما سمعت رسول الله ﷺ يدعوهم. فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، أترون العرب تطيعني؟ فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه، وأعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون - قال ورطن إليهم بالفارسية وأنتم غير محمودين - وإن أبيتم نابذناكم على سواء. فقالوا: ما نحن بالذي نؤمن، وما نحن بالذى نعطى الجزية، ولكنا نقاتلكم. قالوا يا أبا عبد الله ألا ننهد إليهم؟ قال لا، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، ثم قال: انهدوا إليهم، فنهدوا إليهم، قال:
ففتحوا ذلك الحصن، ورواه حماد وجرير وإسرائيل وعلي بن عاصم عن عطاء نحوه.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي قال: أقبل سلمان في ثلاثة عشر راكبا - أو اثني عشر راكبا - من أصحاب محمد ﷺ فلما حضرت الصلاة قالوا تقدم يا أبا عبد الله، قال: إنا لا نؤمكم، ولا ننكح نساءكم إن الله تعالى هدانا بكم، قال فتقدم رجل من القوم فصلى أربع ركعات فلما سلم. قال سلمان: ما لنا وللمربعة، إنما كان يكفينا نصف المربعة ونحن إلى الرخصة أحوج. قال عبد الرزاق: يعني في السفر.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق ثنا الثوري عن أبيه عن المغيرة بن شبيل عن طارق بن شهاب: أنه بات عند سلمان لينظر ما اجتهاده، قال فقام يصلي من آخر الليل فكأنه لم ير الذي كان يظن، فذكر ذلك له فقال سلمان حافظوا على هذه الصلوات الخمس، فإنهن كفارات لهذه الجراحات ما لم تصب المقتلة - يعني الكبائر - فإذا صلى الناس العشاء صدروا على ثلاث منازل.
стр. 188
منهم من عليه ولا له، ومنهم له ولا عليه، ومنهم من لا له ولا عليه فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس فركب رأسه في المعاصي فذلك عليه ولا له، ومنهم من اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس فقام يصلي فذلك له ولا عليه، ومنهم من لا له ولا عليه فرجل صلى ثم نام فذلك لا له ولا عليه. إياك والحقحقة، وعليك بالقصد والدوام.
• حدثنا القاسم بن أحمد بن القاسم ثنا محمد بن الحسين الخثعمي ثنا عباد بن يعقوب ثنا موسى بن عمير ثنا أبو ربيعة الأيادي عن أبى بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنهم. قال قال رسول الله ﷺ :
«نزل علي الروح الأمين فحدثني أن الله تعالى يحب أربعة من أصحابي» فقال له من حضر من هم يا رسول الله؟ فقال: «علي، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد» رضي الله تعالى عنهم.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا جعفر بن محمد بن عيسى ثنا محمد بن حميد ثنا إبراهيم بن المختار ثنا عمران بن وهب الطائي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. قال سمعت النبي ﷺ بقول:
«اشتاقت الجنة إلى أربعة؛ علي، والمقداد، وعمار، وسلمان».
• حدثنا حبيب بن الحسن ثنا الحسين بن على بن الوليد الفسوى ثنا أحمد ابن حاتم ثنا عبد الله بن عبد القدوس الرازي ثنا عبيد المكتب حدثني أبو الطفيل عامر بن وائلة حدثني سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه: قال: كنت رجل من أهل جي، وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البلق فكنت أعرف أنهم ليسوا على شيء فقيل لي إن الدين الذي تطلب إنما هو قبل المغرب، فخرجت حتى أتيت أداني أرض الموصل فسألت عن أعلم أهلها فدللت على رجل في قبة - أو في صومعة - فأتيته فقلت: إني رجل من المشرق وقد جئت في طلب الخير، فإن رأيت أن أصحبك وأخدمك وتعلمني مما علمك الله؟ قال نعم! فصحبته فأجرى علي مثل الذي يجري عليه من الحبوب والخل والزيت، فصحبته ما شاء الله أن أصحبه، ثم نزل به الموت. فلما نزل به الموت جلست عند رأسه أبكي. قال: ما يبكيك؟ قلت انقطعت من بلادي في طلب
стр. 189
الخير، فرزقني الله تعالى صحبتك فأحسنت صحبتي وعلمتني مما علمك الله.
وقد نزل بك الموت فلا أدرى أين أذهب؟ قال بلى أخ لى بمكان كذا وكذا فائته فاقرأه مني السلام وأخبره أني أوصيت بك إليه واصحبه، فإنه على الحق، فلما هلك الرجل خرجت حتى أتيت الذي وصف لي قلت إن أخاك فلانا يقرئك السلام. قال: وعليه السلام ما فعل؟ قلت هلك وقصصت عليه قصتي ثم أخبرته أنه أمرني بصحبته فقبلني وأحسن صحبتي وأجرى علي مثل ما كان يجري علي عند الآخر، فلما نزل به الموت جلست عند رأسه أبكيه. فقال: ما يبكيك؟ فقلت أقبلت من بلادي فرزقني الله تعالى صحبة فلان فأحسن صحبتي، وعلمني مما علمه الله، فلما نزل به الموت أوصى بي إليك فأحسنت صحبتي، وعلمتني مما علمك الله، وقد نزل بك الموت فلا أدري أين أتوجه؟ قال: بلى أخ لى على درب الروم، ائته فأقرأه مني السلام وأخبره أني أمرتك بصحبته فاصحبه فإنه على الحق، فلما هلك الرجل خرجت حتى أتيت الذي وصف لي فقلت: إن أخاك فلانا يقرئك السلام، قال: وعليه السلام ما فعل؟ قلت: هلك، وقصصت عليه قصتي وأخبرته أنه أمرني بصحبتك فقبلني، وأحسن صحبتي، وعلمني مما علمه الله . فلما نزل به الموت جلست عند رأسه أبكي فقال ما يبكيك؟ فقصصت عليه قصتي ثم قلت رزقني الله صحبتك وقد نزل بك الموت فلا أدري أين أذهب؟ قال: لا أين، إنه لم يبق على دين عيسى بن مريم ﵇ أحد من الناس أعرفه ولكن هذا أوان - أو إبان - نبي يخرج - أو قد خرج - بأرض تهامة فالزم قبتي، وسل من مر بك من التجار - وكان ممر تجار أهل الحجاز عليه إذا دخلوا الروم - وسل من قدم عليك من أهل الحجاز هل خرج فيكم أحد يتنبأ فإذا أخبروك أنه قد خرج فيهم رجل فأته فإنه الذي بشر به عيسى ﵇، وآيته أن بين كتفيه خاتم النبوة، وأنه يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة. قال فقبض الرجل ولزمت مكاني لا يمر بي أحد إلا سألته من أي بلاد أنتم حتى مر بي ناس من أهل مكة فسألتهم من أي بلاد أنتم؟ قالوا من الحجاز، فقلت هل خرج فيكم أحد يزعم أنه نبي؟ قالوا نعم! قلت هل لكم أن أكون عبدا لبعضكم على أن يحملني
стр. 190
عقبه ويطعمني الكسرة حتى يقدم بي مكة فإذا قدم بي مكة فإن شاء باع وإن شاء أمسك، قال رجل من القوم أنا، فصرت عبدا له فجعل يحملني عقبه، ويطعمني من الكسرة حتى قدمت مكة، فلما قدمت مكة (١) جعلني في بستان له مع حبشان، فخرجت خرجة فطفت مكة فإذا امرأة من أهل بلادي، فسألتها وكلمتها فإذا مواليها وأهل بيتها قد أسلموا كلهم، وسألتها عن النبي ﷺ فقالت: يجلس في الحجر - إذا صاح عصفور مكة - مع أصحابه حتى إذا أضاء له الفجر نفرقوا. قال: فجعلت أختلف ليلتي كراهية أن يفتقدني أصحابي، قالوا مالك؟ قلت أشتكي بطني، فلما كانت الساعة التي أخبرتني أنه يجلس فيها أتيت النبي ﷺ فإذا هو محتب في الحجر وأصحابه بين يديه، فجئته من خلفه ﷺ فعرف الذي أريد، فأرسل حبوته فسقطت، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، قلت في نفسي الله أكبر هذه واحدة، فلما كان في الليلة المقبلة صنعت مثل ما صنعت في الليلة التي قبلها لا ينكرني أصحابي، فجمعت شيئا من تمر، فلما كانت الساعة التي يجلس فيها النبي ﷺ أتيته فوضعت التمر بين يديه. فقال: «ما هذا»؟ قلت صدقة، قال: لأصحابه: «كلوا» ولم يمد يديه. قال: قلت في نفسي الله أكبر هذه ثنتان، فلما كان في الليلة الثالثة جمعت شيئا من تمر ثم جئت في الساعة التي يجلس فيها فوضعته بين يديه، قال: «ما هذا؟» قلت: هدية فأكل وأكل القوم. قال: قلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
فسألني رسول الله ﷺ عن قصتي فأخبرته. فقال: لي رسول الله ﷺ : «انطلق فاشتر نفسك». فأتيت صاحبي فقلت:
يعنى نفسي. قال: نعم! أبيعك نفسك بأن تغرس لي مائة نخلة إذا أثبتت وتبين ثباتها أو نبتت وتبين نباتها جئتني بوزن نواة من ذهب. فأتيت النبى
стр. 191
ﷺ فأخبرته. قال: «فأعطه الذى سألك، وجئنى بدلو من ماء البئر الذي يسقى - أو تسقي به - ذلك النخل» قال فانطلقت إلى الرجل فابتعت منه نفسي فشرطت له الذي سألني، وجئت بدلو من ماء البئر الذي يسقى به ذلك النخل، فأتيت به النبي ﷺ فدعا لي رسول الله ﷺ فيه فانطلقت فغرست به ذلك النخل. فو الله ما غدرت منه نخلة واحدة. فلما تبين ثبات النخل - أو نبات النخل - أتيت النبي ﷺ فأخبرته أنه قد تبين ثبات النخل - أو نباته - فدعا لي رسول الله ﷺ بوزن نواة من ذهب فأعطانيها، فذهبت بها إلى الرجل (١) في كفة الميزان، ووضع له نواة في الجانب الآخر، فو الله ما قلت من الأرض.
فأتيت بها النبي ﷺ . فقال: «لو كنت شرطت له وزن كذا وكذا لرجحت تلك القطعة عليه» فانطلقت إلى النبي ﷺ فكنت معه. رواه الثوري عن عبيد المكتب مختصرا. ورواه السلم بن الصلت العبدي عن أبي الطفيل مطولا (٢).
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أبو حبيب يحيى بن نافع المصري ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب ثنا السلم بن الصلت العبدي عن أبي الطفيل البكري أن سلمان الخير حدثه. قال: كنت رجلا من أهل جي - مدينة أصبهان - فبينا أنا إذ ألقى الله تعالى فى قلبى من خلق السموات والأرض؟ فانطلقت إلى رجل لم يكن يكلم الناس يتحرج، فسألته أي الدين أفضل؟ فقال مالك ولهذا الحديث، أتريد دينا غير دين أبيك؟ قلت لا! ولكن أحب أن أعلم من رب السموات والأرض، وأي دين أفضل؟ قال ما أعلم أحدا على هذا غير راهب بالموصل، قال فذهبت إليه فكنت عنده فإذا هو قد أقتر عليه في الدنيا، فكان يصوم النهار ويقوم الليل، فكنت أعبد كعبادته، فلبثت عنده ثلاث سنين ثم توفي. فقلت إلى من توصي بي؟ فقال: ما أعلم أحدا من
стр. 192
أهل المشرق على ما أنا عليه، فعليك براهب وراء الجزيرة فاقرأه مني السلام.
قال فجئته فأقرأته منه السلام وأخبرته أنه قد توفي، فمكثت أيضا عنده ثلاث سنين ثم توفي. فقلت: إلى من تأمرني أن أذهب؟ قال ما أعلم أحدا من أهل الأرض على ما أنا عليه غير راهب بعمورية شيخ كبير، وما أرى تلحقه أم لا فذهبت إليه فكنت عنده فإذا رجل موسع عليه، فلما حضرته الوفاة قلت له أين تأمرني أذهب؟ قال: ما أعلم أحدا من أهل الأرض على ما أنا عليه، ولكن إن أدركت زمانا تسمع برجل يخرج من بيت إبراهيم ﵇ وما أراك تدركه - وقد كنت أرجو أن أدركه، فإن استطعت أن تكون معه فافعل فإنه الدين، وأمارة ذلك أن قومه يقولون ساحر مجنون كاهن، وأنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وأن عند غضروف كتفه خاتم النبوة. قال فبينا أنا كذلك حتى أتت عير من نحو المدينة. فقلت: من أنتم؟ قالوا نحن من أهل المدينة ونحن قوم تجار نعيش بتجارتنا، ولكنه قد خرج رجل من أهل بيت إبراهيم فقدم علينا وقومه يقاتلونه، وقد خشينا أن يحول بيننا وبين تجارتنا، ولكنه قد ملك المدينة. قال فقلت ما يقولون فيه؟ قال يقولون ساحر مجنون كاهن، فقلت هذه الأمارة دلوني على صاحبكم، فجئته فقلت تحملني إلى المدينة، فقال ما تعطيني؟ قلت ما أجد شيئا أعطيك غير أني لك عبد، فحملني فلما قدمت جعلني في نخله فكنت أسقى كما يسقى البعير حتى دبر ظهري وصدري من ذلك، ولا أجد أحدا يفقه كلامي حتى جاءت عجوز فارسية تسقي، فكلمتها ففهمت كلامي فقلت لها أين هذا الرجل الذي خرج دليني عليه؟ قالت سيمر عليك بكرة إذا صلى الصبح من أول النهار، فخرجت فجمعت تمرا فلما أصبحت جئت ثم قربت إليه التمر. فقال: «ما هذا أصدقة أم هدية؟» فأشرت أنه صدقة. فقال: «انطلق إلى هؤلاء» وأصحابه عنده فأكلوا ولم يأكل، فقلت هذه الأمارة، فلما كان من الغد جئت بتمر فقال:
«ما هذا؟» فقلت هذه هدية، فأكل ودعا أصحابه فأكلوا، ثم رآني أتعرض لأنظر إلى الخاتم فعرف فألقى رداءه، فأخذت أقبله وألتزمه. فقال:
стр. 193
«ما شأنك؟» فسألني فأخبرته خبري. فقال «اشترطت لهم أنك عبد فاشتر نفسك منهم» فاشتراه النبي ﷺ على أن يحيى له ثلاثمائة نخلة، وأربعين أوقية ذهبا ثم هو حر. قال النبي ﷺ : «اغرس» فغرس: «ثم انطلق فألق الدلو على البئر ثم ترفعه حين يرتفع، فإنه إذا امتلأ ارتفع، ثم رش في أصولها» ففعل فنبت النخل أسرع النبات. فقالوا سبحان الله! ما رأينا مثل هذا العبد! إن لهذا العبد لشأنا. فاجتمع عليه الناس فأعطاه النبي ﷺ تبرا، فإذا فيه أربعون أوقية. ورواه محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس عن سلمان وقال: كنت فارسيا من أهل أصبهان من قرية جي. ورواه داود بن أبي هند عن سماك عن سلامة العجلي عن سلمان بطوله. وقال: كنت من أهل رامهرمز ورواه سيار عن موسى بن سعيد الراسبي عن أبي معاذ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن سلمان بطوله. ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي قرة الكندي عن سلمان.
• حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد ثنا محمد ابن محمد بن سليمان ثنا عبد الله بن العباس بن البختري حدثني خالد بن الحباب ثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسى. أنه قال: قد تداولنى بضعة عشر من رب إلى رب.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن شعيب التاجر ثنا محمد بن عيسى الدامغاني ثنا جرير عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. قال: دخل سعد على سلمان ﵃ يعوده. فقال: أبشر أبا عبد الله توفي رسول الله ﷺ وهو عنك راض. قال كيف يا سعد؟ وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليكن بلغة أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب» كذا رواه الدامغاني عن جرير عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. ورواه أبو معاوية وغيره عن الأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه.
• حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد ثنا عبد الله بن شيرويه ثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه: أن سعد ابن أبي وقاص دخل على سلمان يعوده، فبكى سلمان. فقال له سعد: ما يبكيك
стр. 194
تلقى أصحابك، وترد على رسول الله ﷺ الحوض، وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنك راض. فقال: ما أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا فقال: «ليكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب» وهذه الأساود حولي، وإنما حوله مطهرة - أو إنجانة - (١) ونحوها. فقال له سعد: اعهد إلينا عهدا نأخذ به بعدك. فقال له: اذكر ربك عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت. رواه مورق العجلي والحسن البصري وسعيد بن المسيب وعامر بن عبد الله عن سلمان.
• حدثنا أبي ثنا زكريا الساجي ثنا هدبة بن خالد ثنا حماد بن سلمة عن حبيب عن الحسن وحميد عن مورق العجلي: أن سلمان لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له ما يبكيك؟ قال عهد عهده إلينا رسول الله ﷺ . فقال: «ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب». قالا: فلما مات نظروا في بيته فلم يروا في بيته إلا إكافا ووطاء ومتاعا، قوم نحوا من عشرين درهما. وممن رواه عن الحسن السري بن يحيى، والربيع بن صبيح، والفضل بن دلهم، ومنصور بن زاذان، وغيرهم عن الحسن.
• حدثنا أبو يحيى (٢) محمد بن الحسن بن كوثر ثنا بشر بن موسى ثنا عبد الصمد بن حسان ثنا السري بن يحيى عن الحسن. قال: لما حضر سلمان الوفاة جعل يبكي، فقيل له يا أبا عبد الله ما يبكيك؟ أليس فارقت رسول الله ﷺ وهو عنك راض؟ فقال والله ما بى جزع الموت، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهدا: «ليكن متاع أحدكم من الدنيا كزاد الراكب».
• وحديث سعيد بن المسيب حدثناه أبي ثنا زكريا الساجي ثنا هدبة بن خالد ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب: أن سعد بن مالك وعبد الله بن مسعود دخلا على سلمان رضي الله تعالى عنهم يعودانه فبكى. فقالا: ما يبكيك أبا عبد الله؟ فقال عهد عهده إلينا رسول الله ﷺ فلم يحفظه أحد منا. قال: «ليكن بلاغ أحدكم كزاد
стр. 195
الراكب.
• وحديث عامر بن عبد الله حدثناه أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن ابن سفيان ثنا حرملة بن يحيى ثنا ابن وهب أخبرني أبو هانئ عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عامر بن عبد الله عن سلمان الخير: أنه حين حضره الموت عرفنا فيه بعض الجزع. فقالوا: ما يجزعك أبا عبد الله وقد كان لك السابقة في الخير، شهدت مع رسول الله ﷺ مغازي حسنة، وفتوحا عظاما؟ فقال: يحزنني أن حبيبنا محمدا ﷺ عهد إلينا حين فارقنا فقال: «ليكف المؤمن كزاد الراكب» فهذا الذي أحزنني. قال: فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر دينارا. كذا قال عامر بن عبد الله دينارا، واتفق الباقون على بضعة عشر درهما. ورواه أنس بن مالك عن سلمان رضي الله تعالى عنهما.
• حدثناه عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن عمرو والبزاز ثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ثنا عبد الرزاق ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت البناني عن أنس بن مالك. قال: دخلت على سلمان فقلت له لم تبكي؟ فقال إن رسول الله ﷺ عهد إلي أن يكون زادك في الدنيا كزاد الراكب.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثني محمد بن عبيد بن ميمون الجدعاني ثنا عتاب بن بشير عن علي بن بذيمة. قال: بيع متاع سلمان رضي الله تعالى عنه فبلغ أربعة عشر درهما.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن داود المكي قال ثنا قيس بن حفص الدارمي ثنا مسلمة بن علقمة المازني ثنا داود بن أبي هند عن سماك بن حرب عن سلامة العجلي. قال: جاء ابن أخت لي من البادية يقال له قدامة. فقال لي: أحب أن ألقى سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه فأسلم عليه، فخرجنا إليه فوجدناه بالمدائن وهو يومئذ على عشرين ألفا، ووجدناه على سرير يسف خوصا، فسلمنا عليه قلت يا أبا عبد الله هذا ابن أخت لي قدم علي من البادية فأحب أن يسلم عليك، قال وعليه السلام ورحمة الله. قلت: يزعم أنه يحبك، قال أحبه الله.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا سيار ثنا جعفر ثنا هشام ثنا الحسن. قال: كان عطاء سلمان رضي الله تعالى عنه خمسة آلاف
стр. 196
درهم، وكان أميرا على زهاء ثلاثين ألفا من المسلمين، وكان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها، وإذا خرج عطاؤه أمضاه، ويأكل من سفيف يده.
• حدثنا أبو بكر الطلحي ثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو أسامة ثنا مسعر ثنا عمر بن قيس عن عمرو بن أبي قرة الكندي. قال:
عرض أبي على سلمان أخته أن يزوجه فأبى، فتزوج مولاة يقال لها بقيرة، فبلغ أبا قرة أنه كان بين حذيفة وبين سلمان رضي الله تعالى عنهما شيء، فأتاه فطلبه فأخبر أنه فى مبقلة له، فتوجه إليه فلقيه ومعه زنبيل فيه بقل قد أدخل عصاه فى عروة الزنبيل وهو على عانقه، فانطلقنا حتى أتينا دار سلمان، فدخل الدار فقال السلام عليكم. ثم أذن لأبي قرة فإذا نمط موضوع، وعند رأسه لبنات وإذا قرطاط (١). فقال: اجلس على فراش مولاتك التي تمهد لنفسها.
• حدثنا محمد بن أحمد بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمد بن عبد الله بن عمار ثنا المعافى بن عمران عن عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة عن الحارث بن عميرة. قال: انطلقت حتى أتيت المدائن فاذا أنا برجل عليه ثياب خلقان ومعه أديم أحمر يعركه، فالتفت فنظر إلى فأومى بيده مكانك يا عبد الله! فقمت وقلت لمن كان عندي من هذا الرجل؟ قالوا: هذا سلمان. فدخل بيته فلبس ثياب بياض، ثم أقبل وأخذ بيدى أو صافحنى وسألني، فقلت يا عبد الله ما رأيتني فيما مضى ولا رأيتك، ولا عرفتني ولا عرفتك؟ قال بلى! والذي نفسي بيده لقد عرفت روحي روحك حين رأيتك، ألست الحارث بن عميرة؟ فقلت:
بلى! قال فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها في الله ائتلف، وما تناكر منها في الله اختلف».
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا الحسن بن علي بن الوليد ثنا محمد بن الصباح ثنا سعيد بن محمد ثنا موسى الجهني عن زيد بن وهب عن عطية بن عامر. قال:
رأيت سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أكره على طعام يأكله. فقال: حسبى حسبي. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أكثر الناس
стр. 197
شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة، يا سلمان إنما الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
• حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي ومحمد بن عاصم. قالا:
ثنا أبو القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا البختري يحدث عن رجل من بني عبس. قال: صحبت سلمان رضي الله تعالى عنه فذكر ما فتح الله تعالى على المسلمين من كنوز كسرى. فقال:
إن الذي أعطاكموه وفتحه لكم وخولكم لممسك خزائنه ومحمد ﷺ حي، ولقد كانوا يصبحون وما عندهم دينار ولا درهم ولا مد من طعام ثم ذاك يا أخا بنى عبس، ثم مررنا ببيادر تذري. فقال: إن الذي أعطاكموه وخولكم وفتحه لكم لممسك خزائنه ومحمد ﷺ حي، لقد كانوا يصبحون وما عندهم دينار ولا درهم ولا مد من طعام، ثم ذاك يا أخا بني عبس (١) رواه الأعمش ومسعر عن عمرو مثله. ورواه عطاء بن السائب عن أبو البختري نحوه.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا أبو يحيى الرازي ثنا هناد بن السري ثنا وكيع عن جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق عن ميمون بن مهران عن رجل من بني عبد القيس. قال: رأيت سلمان فى سرية هو أميرها، على حمار وعليه سراويل وخدمتاه تذبذيان والجند يقولون قد جاء الأمير.
فقال: سلمان إنما الخير والشر بعد اليوم.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبو صالح الحكم بن موسى ثنا ضمرة عن ابن شوذب، قال: كان سلمان رضي الله تعالى عنه يحلق رأسه زقية (٢) قال فيقال له ما هذا يا أبا عبد الله؟ فقال إنما العيش عيش الآخرة.
• حدثنا سليمان ابن أحمد ثنا مسعدة بن سعد العطار ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد (٣) عن الوليد بن رباح أن سهل بن حنيف حدثه: أنه كان بين سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه وبين إنسان منازعة. فقال سلمان:
стр. 198
اللهم إن كان كاذبا فلا تمنه حتى يدركه أحد الثلاثة؛ فلما سكن عنه الغضب قلت يا أبا عبد الله ما الذي دعوت به على هذا؟ قال أخبرك، فتنة الدجال، وفتنة أمير كفتنة الدجال، وشح شحيح يلقى على الناس إذا أصاب الرجل لا يبالي مما أصابه.
• حدثنا محمد بن علي ثنا عبد الله بن محمد المنيعي ثنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري: أن سلمان رضي الله تعالى عنه. دعا رجلا إلى طعامه، فجاء مسكين فأخذ الرجل كسرة فناوله، فقال سلمان: ضعها من حيث أخذتها، فإنما دعوناك لتأكل، فما رغبتك أن يكون الأجر لغيرك والوزر عليك.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة قال سمعت حبب بن الشهيد يحدث عن عبد الله بن بريدة: أن سلمان كان يعمل بيديه، فإذا أصاب شيئا اشترى به لحما - أو سمكا - ثم يدعو المجذمين فيأكلون معه.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا سفيان بن وكيع ثنا أبو خالد الأحمر عن أبي غفار عن أبي عثمان النهدي أن سلمان الفارسي. قال: إني لأحب أن آكل من كد يدي.
• حدثنا حبيب بن الحسن ثنا أبو مسلم الكشي ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان رضي الله تعالى عنه. قال: لو يعلم الناس عون الله للضعيف ما غالوا بالظهر.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا معاذ بن المثنى ثنا عبد الله ابن سوار ثنا حماد بن سلمة ثنا ثابت البناني: أن أبا الدرداء ذهب مع سلمان ﵄ يخطب عليه امرأة من بني ليث، فدخل فذكر فضل سلمان وسابقته وإسلامه، وذكر أنه يخطب إليهم فتاتهم فلانة. فقالوا: أما سلمان فلا نزوجه، ولكنا نزوجك فتزوجها ثم خرج. فقال: إنه قد كان شيء، وإني أستحي أن أذكره لك، قال: وما ذاك؟ فأخبره أبو الدرداء بالخبر. فقال سلمان: أنا أحق أن أستحي منك أن أخطبها وكان الله تعالى قد قضاها لك.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثني إسماعيل بن إبراهيم ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي. قالا: ثنا أيوب عن
стр. 199
أبي قلابة: أن رجلا دخل على سلمان وهو يعجن، فقال: ما هذا؟ فقال بعثنا الخادم في عمل - أو قال في صنعة - فكر هنا أن نجمع عليه عملين - أو قال صنعتين - ثم قال: فلان يقرئك السلام، قال: متى قدمت؟ قال منذ كذا وكذا. قال فقال: أما إنك لو لم تؤدها كانت أمانة لم تؤدها.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة بن معن قال حدثني أبي عن أبيه عن الأعمش عن أبي البختري قال: جاء الأشعث ابن قيس وجرير بن عبد الله البجلي إلى سلمان ﵃ فدخلا عليه في خص في ناحية المدائن، فأتياه فسلما عليه وحيياه ثم قالا: أنت سلمان الفارسي؟ قال نعم! قالا: أنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ قال: لا أدري.
فارتابا وقالا: لعله ليس الذي نريد. فقال لهما: أنا صاحبكما الذى تريدان، وقد رأيت رسول الله ﷺ وجالسته، وإنما صاحبه من دخل معه الجنة فما حاجتكما؟ قالا: جئناك من عند أخ لك بالشام، قال من هو؟ قالا:
أبو الدرداء قال فأين هديته التي أرسل بها معكما؟ قالا ما أرسل معنا بهدية؛ قال اتقيا الله وأديا الأمانة، ما جاءني أحد من عنده إلا جاء معه بهدية. قالا:
لا ترفع علينا هذا إن لنا أموالا فاحتكم فيها. فقال ما أريد أموالكما، ولكن أريد الهدية التي بعث بها معكما. قالا: لا والله ما بعث معنا بشيء! إلا أنه قال إن فيكم رجلا كان رسول الله ﷺ إذا خلا به لم يبغ أحدا غيره، فإذا أتيتماه فأقرئاه مني السلام. قال: فأي هدية كنت أريد منكما غير هذه؟ وأي هدية أفضل من السلام تحية من عند الله مباركة طيبة؟.
• حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جرير عن الأعمش عن العلاء بن بدر عن أبي نهيك وعبد الله بن حنظلة. قال: كنا مع سلمان في جيش فقرأ رجل سورة مريم، قال فسبها رجل وابنها، قال فضربناه حتى أدميناه. قال فأتى سلمان اشتكى، وقبل ذلك ما كان قد اشتكى إليه.
قال وكان الإنسان إذا ظلم اشتكى إلى سلمان، قال فأتانا فقال: لم ضربتم هذا الرجل؟ قال قلنا قرأنا سورة مريم فسب مريم وابنها، قال ولم تسمعونهم ذاك؟
стр. 200
ألم تسمعوا قول الله ﴿(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾. ﴿بما كانوا يعملون)﴾ ثم قال: يا معشر العرب ألم تكونوا شر الناس دينا، وشر الناس دارا، وشر الناس عيشا، فأعزكم الله وأعطاكم، أتريدون أن تأخذوا الناس بعزة الله، والله لتنتهن أو ليأخذن الله ما في أيديكم فليعطينه غيركم، ثم أخذ يعلمنا، فقال: صلوا ما بين صلاتي العشاء، فإن أحدكم يخفف عنه من حزبه، ويذهب عنه ملغاة أول الليل، فإن ملغاة أول الليل مهدمة لآخره، رواه أبو إسرائيل الملائي عن العلاء نحوه.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى بن آدم ثنا يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش قال سمعتهم يذكرون: أن حذيفة قال لسلمان رضي الله تعالى عنهما: يا أبا عبد الله ألا أبني لك بيتا؟ قال فكره ذلك، قال رويدك حتى أخبرك أني أبني لك بيتا إذا اضطجعت فيه، رأسك من هذا الجانب ورجلاك من الجانب الآخر، وإذا قمت أصاب رأسك، قال سلمان: كأنك في نفسي.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سالم ثنا هناء بن السري ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن جرير، قال قال سلمان: يا جرير تواضع لله فإنه من تواضع لله تعالى في الدنيا رفعه يوم القيامة، يا جرير هل تدري ما الظلمات يوم القيامة؟ قلت لا أدري، قال ظلم الناس بينهم في الدنيا، قال ثم أخذ عويدا لا أكاد أن أراه بين أصبعيه. قال: يا جرير لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده، قال قلت يا أبا عبد الله فأين النخل والشجر؟ قال أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاها الثمر، ورواه جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه نحوه.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا وكيع ثنا الأعمش عن شمر بن عطية، أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم كلاما في معصية الله .
• حدثنا محمد بن علي ثنا أبو القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد أخبرنا زهير عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، قال قال سلمان رضي الله تعالى عنه: إني لأعد عراق القدر، مخافة أن أظن بخادمي، رواه الثوري عن أبي إسحاق مثله.
стр. 201
• حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا أبو العباس السراج ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جرير عن الأعمش عن عبيد بن أبي الجعد عن رجل من أشجع. قال: سمع الناس بالمدائن أن سلمان في المسجد، فأتوه فجعلوا يثوبون إليه حتى اجتمع إليه نحو من ألف. قال فقام فجعل يقول: اجلسوا اجلسوا، فلما جلسوا فتح سورة يوسف يقرؤها، فجعلوا يتصدعون ويذهبون حتى بقي في نحو من مائة.
فغضب وقال: الزخرف من القول أردتم؟ ثم قرأت عليكم كتاب الله فذهبتم! كذا رواه الثوري عن الأعمش. وقال: الزخرف تريدون؟ آية من سورة كذا وآية من سورة كذا.
• حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق ثنا قتيبة ابن سعيد ثنا جرير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري. قال: جاء رجل إلى سلمان رضي الله تعالى عنه فقال ما أحسن صنيع الناس اليوم، إني سافرت فو الله ما أنزل بأحد منهم إلا كما أنزل على ابن أبي، قال ثم قال من حسن صنيعهم ولطفهم. قال: يا ابن أخي ذاك طرفة الإيمان ألم تر الدابة إذا حمل عليها حملها انطلقت به مسرعة، وإذا تطاول بها السير تتلكأ.
• حدثنا الحسن بن علان ثنا محمد بن هارون بن بدينا ثنا محمد بن الصباح ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن سلمان. قال: لكل امرئ جواني وبراني فمن يصلح جوانيه يصلح الله برانيه، ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه.
رواه الثوري ووهب وخالد عن عطاء مثله.
• حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الجرجاني ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه ثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير وأبو معاوية عن الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب عن سلمان رضي الله تعالى عنه. قال: دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل آخر النار في ذباب.
قالوا: وكيف ذاك؟ قال مر رجلان ممن كان قبلكم على ناس معهم صنم لا يمر بهم أحد إلا قرب لصنمهم. فقالوا لأحدهم: قرب شيئا قال ما معي شيء قالوا: قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا ومضى فدخل النار، وقالوا للآخر قرب شيئا قال ما كنت لأقرب لأحد دون الله فقتلوه فدخل الجنة. رواه شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق مثله. ورواه جرير من منصور عن المنهال بن عمرو عن حيان بن
стр. 202
مرثد عن سلمان نحوه.
• حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد ثنا عبد الله بن شيرويه ثنا إسحاق بن رهويه أخبرنا جرير عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان.
قال: لو بات رجل يعطى [البيض] القيان (١) وبات آخر يتلو كتاب الله ويذكر الله تعالى. قال سليمان: كأنه يرى أن الذي يذكر الله أفضل. رواه يحيى القطان عن سليمان التيمي. قال: لو بات رجل يطاعن الأقران، لكان الذاكر التالي أفضل.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى القطان: به.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا أحمد بن علي الجارود ثنا عبد الله بن سعيد الكندي ثنا حفص بن غياث وأبو يحيى التيمي. قالا:
عن ليث عن عثمان عن زاذان عن سلمان رضي الله تعالى عنه. قال: إن الله تعالى إذا أراد بعبد شرا، أو هلكة نزع منه الحياء فلم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فاذا كان مقيتا ممقتا نزعت منه الرحمة فلم تلقه إلا فظا غليظا، فإذا كان كذلك نزعت منه الأمانة فلم تلقه إلا خائنا مخونا، فاذا كان كذلك نزعت ربقة الإسلام من عنفه فكان لعينا ملعنا.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو يحيى عبد الرحمن بن محمد الرازي ثنا هناد بن السري ثنا وكيع عن محمد بن قيس عن سلم بن عطية الأسدي. قال: دخل سلمان رضي الله تعالى عنه على رجل يعوده وهو في النزع، فقال أيها الملك ارفق به، قال يقول الرجل: إنه يقول إني بكل مؤمن رفيق.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن زهير ثنا أبو إسحاق عن أوس بن ضمعج. قال: سألنا سلمان رضي الله تعالى عنه عن عمل نعمله فقال: تفشي السلام، وتطعم الطعام، وتصلي والناس نيام.
• حدثنا أبو محمد بن شعيب ثنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا عبد بن محمد التيمي حدثنا حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان رضي الله تعالى عنه. قال: ما من مسلم يكون بقي (٢) من الأرض فيتوضأ، أو يتيمم ثم يؤذن ويقيم إلا أم جنودا من
стр. 203
الملائكة لا يرى طرفهم - أو قال لا يرى طرفاهم -.
• حدثنا أحمد بن جعفر ابن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني مصعب بن عبد الله حدثني مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد: أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهما: أن هلم إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الإنسان عمله، وقد بلغني أنك جعلت طبيبا فإن كنت تبرئ فنعما لك، وإن كنت متطببا فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار. فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين فأدبرا عنه نظر إليهما وقال: متطبب والله، ارجعا إلي أعيدا قصتكما. رواه جرير عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن هبيرة: أن سلمان كتب إليه فذكر نحو.
• حدثنا أبو بكر ابن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الصمد بن حسان ثنا السري بن يحيى عن مالك بن دينار: أن سلمان كتب إلى أبي الدرداء: إنه بلغني أنك جلست طبيبا تداوي الناس، فانظر أن تقتل مسلما فتجب لك النار.
• حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن سلمان رضي الله تعالى عنه. قال: مثل القلب والجسد مثل أعمى ومقعد قال المقعد إني أرى ثمرة ولا أستطيع أن أقوم إليها فاحملني فحمله فأكل وأطعمه.
• حدثنا محمد بن علي ثنا عبد الله بن المنعي ثنا محمد بن جعفر الوركاني ثنا أبو معشر عن محمد بن كعب عن المغيرة بن عبد الرحمن. قال: لقي سلمان الفارسي عبد الله بن سلام، قال إن مت قبلي فأخبرني ما تلقى، وإن مت قبلك أخبرك قال: فمات سلمان فرآه عبد الله بن سلام فقال كيف أنت يا أبا عبد الله؟ قال بخير قال: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال وجدت التوكل شيئا عجيبا. رواه على ابن زيد ويحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب مثله. قال سلمان:
عليك بالتوكل، نعم الشئ التوكل ثلاث مرار.
• حدثنا أبو أحمد ثنا عبد الله ابن محمد بن شيرويه ثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان. قال: كانت امرأة فرعون تعذب، فإذا انصرفوا أظلتها
стр. 204
الملائكة بأجنحتها، وترى بيتها في الجنة وهي تعذب.
• حدثنا أبو أحمد محمد ابن أحمد ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه ثنا إسحاق بن راهويه ثنا جرير ثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: جوع لإبراهيم ﵇ أسدان، ثم أرسلا عليه فجعلا يلحسانه ويسجدان له.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير بن مطعم: أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان يلتمس مكانا يصلي فيه. فقالت له علجة: التمس قلبا طاهرا، وصل حيث شئت. فقال فقهت. رواه جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران نحوه.
• حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا قتيبة بن سعيد ثنا كثير بن هشام ثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران. قال: نزل حذيفة وسلمان رضي الله تعالى عنهما على نبطية. فقالا لها: هل هاهنا مكان طاهر نصلي فيه؟ فقالت النبطية طهر قلبك، فقال أحدهما للآخر خذها حكمة من قلب كافر.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا عبد السلام بن حرب عن عطاء بن السائب عن أبي البختري. قال: أصاب سلمان جارية. فقال لها بالفارسية: صلي قالت: لا. قال اسجدي واحدة قالت لا. فقيل يا أبا عبد الله وما تغني عنها سجدة؟ قال إنها لوصلت (١) صلت وليس من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو يحيى الرازي ثنا هناد بن السري ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة عن سعيد بن وهب. قال: دخلت مع سلمان رضي الله تعالى عنه على صديق له من كندة يعوده فقال له سلمان إن الله تعالى يبتلي عبده المؤمن بالبلاء ثم يعافيه فيكون كفارة لما مضى، فيستعتب فيما بقي، وإن الله عز اسمه يبتلي عبده الفاجر بالبلاء ثم يعافيه فيكون كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه، فلا يدري فيم عقلوه حين عقلوه، ولا فيم أطلقوه حين أطلقوه.
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد حدثنا عبد الرحمن بن داود قال ثنا أحمد بن عبد الوهاب ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان بن عمرو ثنا أبو سعيد
стр. 205
الوهبي عن سلمان الخير رضي الله تعالى عنه. قال: إنما مثل المؤمن في الدنيا كمثل مريض معه طبيبه الذي يعلم داءه ودواءه، فإذا اشتهى ما يضره منعه وقال لا تقربه فإنك إن أصبته أهلكك، ولا يزال يمنعه حتى يبرأ من وجعه، وكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة مما فضل به غيره من العيش فيمنعه الله إياه ويحجزه عنه، حتى يتوفاه فيدخله الجنة.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل حدثني أبي ثنا كثير بن هشام ثنا جعفر بن برقان. قال: بلغنا أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان يقول: أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث، ضحكت من مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل لا يغفل عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أمسخط ربه أم مرضيه. وأبكاني ثلاث، فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي رب العالمين حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة.
• حدثنا سليمان ابن أحمد ثنا محمد بن علي الصايغ ثنا محمد بن معاوية ثنا الهذيل بن بلال الفزاري عن سالم مولى زيد بن صوحان. قال: كنت مع مولاي زيد بن صوحان فى في السوق، فمر علينا سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه وقد اشترى وسقا من طعام. فقال له زيد: يا أبا عبد الله تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال: إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت وتفرغت للعبادة وأيس منها الوسواس.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل ثنا أبو المعتمر ثنا سفيان بن عيينة ثنا ابن أبي غنية عن أبيه. قال قال سلمان: إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا علي بن حجر ثنا حماد بن عمرو عن سعيد بن معروف عن سعيد بن سوقة. قال: دخلنا على سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه نعوده وهو مبطون، فأطلنا الجلوس عنده فشق عليه فقال لامرأته: ما فعلت بالمسك الذي جئنا به من بلنجر؟ فقالت هو ذا. قال ألقيه في الماء، ثم اضربي بعضه ببعض ثم انضحي حول فراشي، فإنه الآن يأتينا قوم ليسوا بإنس ولا جن ففعلت وخرجنا عنه، ثم أتيناه فوجدناه قد قبض رضي الله تعالى عنه.
• حدثنا
стр. 206
سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو هشام الرفاعي ثنا عبد الله بن موسى ثنا شيبان عن فراس عن الشعبي قال حدثني الخزل (١) عن امرأة سلمان بقيرة. قالت: لما حضر سلمان الموت دعاني وهو في علية لها أربعة أبواب، فقال: افتحي هذه الأبواب يا بقيرة فإن لي اليوم زوارا لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون علي، ثم دعا بمسك له ثم قال أذيفيه فى تور ففعلت، ثم قال انضحيه حول فراشي ثم انزلي فامكثي فسوف تطلعين فتريني على فراشي.
فاطلعت فإذا هو قد أخذ روحه فكأنه نائم على فراشه - أو نحوا من هذا -.
أبو الدرداء
ومنهم العارف المتفكر، العالم المتذكر، عرف المنعم والنعماء، وتفكر في صنائعه السراء والضراء. وامق العبادة، وفارق التجارة. داوم على العمل استباقا، وأحب اللقاء اشتياقا. تفرغ من الهموم، ففتح له الفهوم؛ أبو الدرداء صاحب الحكم والعلوم.
وقد قيل: إن التصوف مكابدة الشوق، إلى من جذب إلى الفوق.
• حدثنا سليمان بن أحمد - إملاء - ثنا أبو زرعة الدمشقي ثنا أبو نعيم ثنا مالك بن مغول قال سمعت عون بن عبد الله بن عتبة يقول: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عمل أبي الدرداء؟ قالت: التفكر والاعتبار. رواه وكيع عن مالك مثله.
• حدثنا حبيب بن الحسن وسليمان بن أحمد - إملاء - قالا: ثنا يوسف القاضي ثنا عمرو بن مرزوق ثنا المسعودي عن عون بن عبد الله بن عتبة.
قال: قيل لأم الدرداء: ما كان أكثر عمل أبي الدرداء؟ قالت: الاعتبار. رواه وكيع عن المسعودى.
• حدثنى أحمد بن جعفرين حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل حدثني أبي ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد. قال: قيل لأم الدرداء ما كان أفضل عمل أبي الدرداء. فقالت:
التفكر.
• حدثنا سعيد بن محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا
стр. 207
إبراهيم بن إسحاق ثنا قيس بن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد عن معدان عن أبي الدرداء. أنه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
• حدثنا ابن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا جرير قال حدثنا حبيب ابن عبد الله أن رجلا أنى أبا الدرداء - وهو يريد الغزو -. فقال: يا أبا الدرداء أوصني. فقال: اذكر الله في السراء يذكرك فى الضراء، وإذا أشرفت على شيء من الدنيا فانظر إلى ما يصير.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن شبل ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا معاوية بن هشام ثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبى الجعد. قال: مرثوران على أبي الدرداء وهما يعملان فقام أحدهما ووقف الآخر، فقال أبو الدرداء: إن في هذا لمعتبرا.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا أحمد بن إبراهيم بن عبد الله ثنا عمرو بن زرارة ثنا المحاربي عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة، قال قال أبو الدرداء: بعث النبي ﷺ وأنا تاجر، فأردت أن تجتمع لي العبادة والتجارة، فلم يجتمعا، فرفضت التجارة وأقبلت على العبادة. والذي نفس أبي الدرداء بيده ما أحب أن لي اليوم حانوتا على باب المسجد لا يخطئني فيه صلاة ربح فيه كل يوم أربعين دينارا، وأتصدق بها كلها في سبيل الله. قيل له يا أبا الدرداء، وما تكره من ذلك؟ قال شدة الحساب. رواه محمد بن جنيد التمار عن المحاربي فقال عن عمرو بن مرة عن أبيه. ورواه خيثمة عن أبي الدرداء نحوه.
• حدثناه عبد الله بن محمد ثنا محمد بن أبي سهل ثنا عبد الله بن محمد العبسي ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة. قال قال أبو الدرداء: كنت تاجرا قبل أن يبعث محمد ﷺ ، فلما بعث محمد زاولت العبادة والتجارة، فلم يجتمعا فأخذت في العبادة وتركت التجارة.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا عبد الله بن بجير قال ثنا أبو عبد رب. قال قال أبو الدرداء: ما يسرني أن أقوم على الدرج من باب المسجد، فأبيع وأشتري فأصيب كل يوم ثلاثمائة دينار، أشهد الصلاة كلها في المسجد. ما أقول إن الله لم يحل البيع ويحرم الربا، ولكن أحب أن أكون من الذين ﴿لا تلهيهم﴾
стр. 208
﴿تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال قرأت على أبي هذا الحديث، حدثكم أبو العلاء الحسن بن سوار ثنا ليث - يعني ابن سعد - عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك: أنه رأى في المنام قبة من أدم ومرجا أخضر، وحول القبة غنم ربوض تجتر وتبعر العجوة قال قلت: لمن هذه القبة؟ قيل لعبد الرحمن بن عوف. قال فانتظرنا حتى خرج. قال فقال يا عوف هذا الذي أعطانا الله بالقرآن، ولو أشرفت على هذه الثنية لرأيت ما لم تر عينك، ولم تسمع أذنك، ولم يخطر على قلبك. أعده الله لأبي الدرداء، لأنه كان يدفع الدنيا بالراحتين والنحر.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس بن عبيد عن الحسن. قال قال أبو الدرداء: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل عمله، وحضر عذابه. ومن لم يكن غنيا عن الدنيا فلا دنيا له.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا أحمد بن على ابن الجارود ثنا أبو سعيد الأشج ثنا أبو خالد عن بعض البصريين عن الحسن عن أبي الدرداء. قال: كم من نعمة لله تعالى فى عرق ساكن.
• حدثنا سليمان ابن أحمد ثنا أحمد بن المعلى ثنا محمود بن خالد ثنا عمرو بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن حسان بن عطية: أن أبا الدرداء كان يقول: لا تزالون بخير ما أحببتم خياركم، وما قيل فيكم بالحق فعرفتموه، فإن عارف الحق كعامله.
رواه ابن المبارك عن الأوزاعي مثله.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا محمد بن الصباح ثنا سفيان عن مسعر قال سمعت القاسم بن محمد يقول: كان أبو الدرداء من الذين أوتوا العلم.
• حدثنا محمد بن على ثنا الحسين ابن محمد بن حماد ثنا عبد الوهاب الحوطي ثنا إسماعيل بن عياش ثنا ضمضم ابن زرعة عن شريح بن عبيد: أن رجلا قال لأبي الدرداء: يا معشر القراء ما بالكم أجبن منا، وأبخل إذا سئلتم، وأعظم لقما إذا أكلتم؟ فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يرد عليه شيئا. فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فسأل أبا الدرداء
стр. 209
عن ذلك؟ فقال أبو الدرداء: اللهم غفرا، وكل ما سمعنا منهم نأخذهم به؟ فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال لأبي الدرداء ما قال، فأخذ عمر بثوبه وخنقه وقاده إلى النبي ﷺ ، فقال الرجل: إنما كنا نخوض ونلعب.
فأوحى الله تعالى إلى نبيه ﴿(ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)﴾.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا الحميدي ثنا سفيان عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران. قال قال أبو الدرداء: ويل لمن لا يعلم ولو شاء الله لعلمه، وويل لمن يعلم ولا يعمل - سبع مرات.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبى ثنا إسماعيل بن علية ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة. قال قال أبو الدرداء: إنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها، وإنك لا تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب الله، ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتا منك للناس.
• حدثنا إبراهيم ابن عبيد الله ثنا محمد بن إسحاق ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الفرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي الدرداء. قال: من فقه الرجل رفقه في معيشته.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا داود بن عمرو ثنا إسماعيل ابن عياش حدثني شرحبيل بن مسلم عن شريك بن نهيك عن أبي الدرداء.
قال: من فقه الرجل ممشاه، ومدخله، ومخرجه، ومجلسه، مع أهل العلم.
• حدثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي ثنا يزيد أخبرنا أبو سعيد الكندي عمن أخبره عن أبي الدرداء أنه قال: يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم كيف يعيبون سهر الحمقى وصيامهم؟ ومثقال ذرة من بر صاحب تقوى ويقين أعظم وأفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغترين.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ثنا المسعودي عن أبي الهيثم. قال قال أبو الدرداء: لا تكلفوا الناس ما لم يكلفوا، ولا تحاسبوا الناس دون ربهم، ابن آدم عليك نفسك. فإنه من تتبع ما يرى في الناس يطل حزنه، ولا يشف غيظه.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن شبل ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة
стр. 210
قال قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعدوا أنفسكم من الموتى، واعلموا أن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم، واعلموا أن البر لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن أبي سهل ثنا عبد الله بن محمد العبسي ثنا أبو أسامة عن خالد بن دينار عن معاوية بن قرة. قال قال أبو الدرداء - رضي الله تعالى عنه: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يعظم حلمك، ويكثر علمك، وأن تباري الناس في عبادة الله ، فإن أحسنت حمدت الله تعالى، وإن أسأت استغفرت الله .
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا عبد الرحمن المقرئ، ثنا سعيد بن أبي أيوب عن عبد الله بن الوليد عن عباس بن جليد الحجري عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه. أنه قال: لولا ثلاث خلال لأحببت أن لا أبقى في الدنيا. فقالت: وما هن؟ فقال: لولا وضوع وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار يكون تقدمه لحياتى، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة، وتمام التقوى أن يتقي الله العبد، حتى يتقيه في مثل مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حاجزا بينه وبين الحرام. إن الله تعالى قد بين لعباده الذي هو يصيرهم إليه، قال تعالى ﴿(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)﴾ فلا تحقرن شيئا من الشر أن تتقيه، ولا شيئا من الخير أن تفعله.
• حدثنا محمد بن بدر ثنا حماد بن مدرك ثنا عمرو ابن مرزوق ثنا زائدة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء ﵁. قال: ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون؟ فإن معلم الخير والمتعلم في الأجر سواء، ولا خير في سائر الناس بعدهما.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا يحيى بن إسحاق ثنا فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه. أنه قال: الناس ثلاثة؛ عالم، ومتعلم، والثالث همج لا خير فيه.
• حدثنا مخلد بن جعفر ثنا الحسن بن علويه ثنا علي بن الجعد ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبى
стр. 211
الجعد. قال قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: تعلموا فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء، ولا خير في سائر الناس بعدهما.
• حدثنا أبي حدثنا محمد بن إبراهيم بن يحيى ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا يزيد بن هارون أخبرنا جويبر عن الضحاك. قال قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: يا أهل دمشق أنتم الإخوان في الدين، والجيران في الدار، والأنصار على الأعداء ما يمنعكم من مودتى؟ وإنما مئونتى على غيركم، ما لي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون؟ وأراكم قد أقبلتم على ما تكفل لكم به، وتركتم ما أمرتم به؟ ألا إن قوما بنوا شديدا، وجمعوا كثيرا، وأملوا بعيدا، فأصبح بنيانهم قبورا، وأملهم غرورا، وجمعهم بورا. ألا فتعلموا وعلموا، فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء ولا خير في الناس بعدهما.
• حدثنا علي بن أحمد بن محمد ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا سلم بن جنادة ثنا عبد الله بن نمير عن الحجاج بن دينار عن معاوية بن قرة عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه. قال: تعلموا قبل أن يرفع العلم، إن رفع العلم ذهاب العلماء، إن العالم والمتعلم في الأجر سواء، وإنما الناس رجلان، عالم ومتعلم، ولا خير فيما بين ذلك.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا محمد بن جعفر الوركاني ثنا شريك عن منصور عن أبي وائل عن أبي الدرداء. قال: إني لآمركم بالأمر وما أفعله، ولكنى أرجو أن أوجر عليه.
• حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا محمد بن أحمد بن سليمان الهروي ثنا أحمد بن سعيد ثنا ابن وهب أخبرني معاوية بن صالح عن ضمرة ابن حبيب عن أبى الدرداء ﵁. أنه قال: لا يكون تقيا حتى يكون عالما، ولن يكون بالعلم جميلا حتى يكون به عاملا.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال. قال: كان أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه يقول:
إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: قد علمت فما عملت فيما علمت؟.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا سريج بن يونس ثنا الوليد بن مسلم عن علي بن حوشب عن أبيه عن أبي الدرداء رضي
стр. 212
الله تعالى عنه. قال: أخوف ما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: يا عويمر أعلمت أم جهلت؟ فإن قلت علمت لا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا أخذت بفريضتها، الآمرة هل ائتمرت؟ والزاجرة هل ازدجرت؟ وأعوذ بالله من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع.
• حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الفرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه. قال: إنما أخشى على نفسي أن يقال لي على رؤوس الخلائق: يا عويمر هل علمت؟ فأقول نعم! فيقال ماذا عملت فيما علمت؟
حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا عبد الرزاق.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا بشر بن الحكم ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن صاحب له أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان رضي الله تعالى عنهما:
يا أخي اغتنم صحتك وفراغك قبل أن ينزل بك من البلاء ما لا يستطيع العباد رده، واغتنم دعوة المبتلى، ويا أخي ليكن المسجد بيتك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن المساجد بيت كل تقي» وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة والجواز على الصراط إلى رضوان الرب ، ويا أخي ارحم اليتيم وأدنه منك، وأطعمه من طعامك فإني سمعت رسول الله ﷺ : «أتحب أن يلين قلبك؟» فقال نعم! قال: «أدن اليتيم منك وامسح رأسه وأطعمه من طعامك، فإن ذلك يلين قلبك وتقدر على حاجتك» ويا أخي لا تجمع ما لا تستطيع شكره، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجاء بصاحب الدنيا - يوم القيامة - الذي أطاع الله تعالى فيها وهو بين يدي ماله وماله خلفه، كلما تكفأ به الصراط قال له ماله: امض فقد أديت الحق الذي عليك، قال ويجاء بالذي لم يطع الله فيه، وماله بين كتفيه فيعثره ماله، ويقول له: ويلك، هلا عملت بطاعة الله في؟ فلا يزال كذلك حتى يدعو بالويل» ويا أخي إني حدثت أنك اشتريت خادما، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 213
«لا يزال العبد من الله وهو منه ما لم يخدم، فإذا خدم وجب عليه الحساب» وأن أم الدرداء سألتني خادما - وأنا يومئذ موسر - فكرهت ذلك لما سمعت من الحساب، ويا أخي من لي ولك بأن نوافي يوم القيامة ولا نخاف حسابا، ويا أخي لا تغترن بصحابة رسول الله ﷺ ، فإنا قد عشنا بعده دهرا طويلا، والله أعلم بالذى أصبنا بعده. رواه ابن جابر والمطعم ابن المقدام عن محمد بن واسع أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان مثله.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا سيار ثنا جعفر ابن سليمان ثنا ثابت البناني. قال: خطب يزيد بن معاوية إلى أبي الدرداء ابنته الدرداء، فرده. فقال رجل من جلساء يزيد: أصلحك الله، تأذن لي أن أتزوجها؟ قال: أغرب ويلك؛ قال: فائذن لي أصلحك الله، قال نعم! قال فحطبها، فأنكحها أبو الدرداء الرجل، قال فسار ذلك في الناس: أن يزيد خطب إلى أبي الدرداء فرده، وخطب إليه رجل من ضعفاء المسلمين فأنكحه. قال فقال أبو الدرداء: إني نظرت للدرداء، ما ظنكم بالدرداء إذا قامت على رأسها الخصيان؟ ونظرت في بيوت يلتمع فيها بصرها، أين دينها منها يومئذ؟.
• حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سليمان ثنا عبد الله بن محمد المخزومي ثنا أبو عوف عبد الرحمن بن مرزوق ثنا داود بن مهران قال: وقفت على فضيل بن عياض - وأنا غلام فسلمت عليه - وعيناه مفتوحتان وأنا أظن أنه ينظر إلي - فمكث طويلا ثم أطرق فقال: منذ كم أنت هاهنا يا بني؟ قلت منذ طويل، قال: أنت في شيء ونحن في شيء. ثم قال: حدثنا سليمان بن مهران - وكان لا يقول الأعمش - عن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه. قال:
حذر امرؤ أن تبغضه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، ثم قال: أتدري ما هذا؟ قلت لا، قال العبد يخلو بمعاصي الله ، فيلقى الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر.
• حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الفرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه. قال: معاتبة الأخ خير لك من فقده، ومن لك بأخيك كله،
стр. 214
أعط أخاك ولن له، ولا تطع فيه حاسدا فتكون مثله، غدا يأتيك الموت فيكفيك فقده، وكيف تبكيه بعد الموت وفي حياته ما قد كنت تركت وصله؟ رواه معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن أبي الدرداء نحوه.
• حدثنا أحمد ابن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا داود بن عمرو ثنا عبثر ثنا برد عن حزام بن حكيم. قال قال أبو الدرداء: لو تعلمون ما أنتم راءون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة، ولا شربتم شرابا على شهوة، ولا دخلتم بيتا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعدات تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أنكم شجرة تعضد ثم تؤكل.
• حدثنا محمد بن علي بن حبيش ثنا موسى بن هارون الحافظ ثنا أبو الربيع، وداود بن رشيد. قالا: ثنا بقية ثنا بحير بن سعيد (١) عن خالد بن معدان حدثني يزيد بن مرثد الهمداني أبو عثمان عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضى بالقدر، والإخلاص فى التوكل، والاستسلام للرب .
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا عبد الله بن صالح ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي. قال: بلغني أن أبا الدرداء كتب إلى أخ له؛ أما بعد، فلست في شيء من أمر الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلك، وهو سائر له أهل بعدك، وليس لك منه إلا ما قدمت لنفسك، فآثرها على المصلح من ولدك، فإنك تقدم على من لا يعذرك، وتجمع لمن لا يحمدك. وإنما تجمع لواحد من اثنين، إما عامل فيه بطاعة الله فيسعد بما شقيت به، وإما عامل فيه بمعصية الله فتشقى بما جمعت له، وليس والله واحد منهما بأهل أن تبرد له على ظهرك، ولا تؤثره على نفسك. ارج لمن مضى منهم رحمة الله، وثق لمن بقي منهم رزق الله، والسلام.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل حدثني أبي ثنا الوليد بن مسلم ثنا صفوان بن عمرو حدثني عبد الرحمن ابن جبير بن نقير عن أبيه قال الوليد. وحدثنا ثور عن خالد بن معدان عن جبير ابن نفير. قال: لما فتحت قبرص فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض،
стр. 215
ورأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي. فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره، بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا الوليد ثنا ابن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء أن أبا الدرداء لما احتضر جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل ساعتي هذه؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ ثم يقول ﴿(ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة)﴾.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا معمر بن سليمان الرقي ثنا فرات بن سليمان أن أبا الدرداء كان يقول: ويل لكل جماع، فاغر فاه، كأنه مجنون، يرى ما عند الناس ولا يرى ما عنده، ولو يستطيع لوصل الليل بالنهار، ويله من حساب غليظ وعذاب شديد.
• حدثنا عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا الهيثم بن خارجة ثنا إسماعيل بن عياش عن شرحبيل: أن أبا الدرداء كان إذا رأى جنازة. قال: اغدوا فإنا رائحون، أو روحوا فإنا غادون موعظة بليغة، وغفلة سريعة، كفى بالموت واعظا، يذهب الأول فالأول، ويبقى الآخر لا حلم له.
• حدثنا عبد الرحمن بن العباس ثنا إبراهيم الحربي ثنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن معاوية بن قرة. قال قال أبو الدرداء: ثلاث أحبهن ويكرههن الناس؛ الفقر، والمرض، والموت.
• حدثنا عبد الرحمن بن العباس ثنا إبراهيم الحربي ثنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن شيخ عن أبي الدرداء. قال: أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وأحب الفقر تواضعا لربي، وأحب المرض تكفيرا لخطيئتي.
• حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا أبو الربيع الرشديني ثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن خالد ابن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الدرداء كان يقول: يا معشر أهل دمشق ألا تستحيون؟ تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تبلغون. قد كان القرون من قبلكم يجمعون فيوعون، ويأملون